← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7818–7857 · переход к 7823.

стр. 7818

وقال الأخفشُ: الاشتمالُ أن يلتفَّ الرجلُ بردائِه وبكسائِه من رأسِه إلى قدمَيه، يردُّ طرفَ الثوبِ الأيمنَ على مَنكبِه الأيسر، فهذا هو الاشتمال. قال: وقد حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عمرَ بنِ أبي سَلَمة قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلِّي في ثوبٍ واحدٍ قد خالفَ بينَ طرفَيْه (١). قال: وهذا هو التوشُّحُ، وهو أن يأخذَ طرفَ الثوبِ الأيسرَ من تحتِ يدِه اليسرى فيلقيَه على مَنْكبِه الأيمن، ويُلقيَ طرفَ الثوبِ الأيمنَ من تحتِ يدِه اليمنى على مَنكبِه الأيسر. قال: فهذا التوشُّحُ الذي جاء عن رسولِ الله ﷺ أنَّه صلَّى في ثوبٍ واحدٍ متوشِّحًا به. وقد مضى القولُ في معنى هذا الحديث مستوعبًا ممهَّدًا في بابِ ابن شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب من هذا الكتاب (٢).

стр. 7819

عُرْوةُ عن حُمْران حديثٌ تاسعٌ وعشرون لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن حُمْرانَ مولى عثمانَ بنِ عفان، أنّ عثمانَ بنَ عفانَ جلَس على المقاعد (٢)، فجاء المؤذنُ، فآذنَه بالصَّلاةِ للعَصْر، فدعا بماءٍ فتوضَّأ، ثم قال: والله، لأحدِّثنَّكم حديثًا لولا أنَّه في كتاب الله ما حدَّثتُكموه. ثم قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يقول: "ما من امرئ يتوضَّأُ فيُحسنُ وضوءَه، ثم يصلِّي الصلاةَ، إلا غُفِر له ما بينَه وبينَ الصلاةِ الأُخرى حتى يصلِّيَها". قال مالكٌ: أُراه يريدُ هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. وحُمْرانُ مولى عثمان (٣): هذا هو حُمْرانُ بنُ أعينَ بنِ خالدِ بنِ عبدِ عمرٍو بنِ عُقَيْلِ بنِ كعب بنِ سعدِ بنِ جَندلةَ بنِ مسلم بنِ أوسِ بنِ زيدِ مناةَ بنِ النمرِ بنِ قاسط، وهو ابنُ عمِّ صهيبِ بنِ سنان، يلتقي هو وصهيبٌ في خالدِ بنِ عبدِ عمرٍو. وكان حُمْران من سبي عَيْنِ التَّمر، وهو أوَّل سبيٍ دخل المدينةَ في خلافةِ أبي بكر الصديق، سَباهُ خالدُ بنُ الوليد، فرآه غُلامًا أحمرَ مَخْتونًا كيِّسًا، فوَجَّهَ به إلى عثمانَ ﵁ فأعتقه. ودارُ حُمْرانَ بالبصرةِ مُشرِفة على رَحْبَةِ المسجدِ الجامع، وكان عثمانُ أقطَعهُ إياها، وأقطَعهُ أيضًا أرضًا على فراسِخَ من الأُبلَّةِ فيما يلي البحرَ، ذكرَ ذلكَ أهلُ السِّير والعلم بالخبر، قالوا: وكان حُمْرانُ أحدَ العلماءِ الجُلَّةِ أهلِ الوجاهةِ والرأي

стр. 7820

والشَّرف بولائِه ونَسَبِه، وهو أحد الشاهدين على الوليدِ بنِ عُقبةَ بشرب الخمر، فجلَدهُ بشهادتِه عليٌّ، جعلَ ذلك إليه عثمانُ، وتولى ضرب الوليد بيده عبدُ الله بنُ جعفرٍ بأمرِ عليّ له بذلك، وكان جَلْدُه له أربعين جَلْدةً. وهكذا رَوى هذا الحديثَ عن مالكٍ جماعةُ رواةِ "الموطأ" (١) وغيرِه، وليس فيه صفةُ الوضوءِ ثلاثًا ولا اثنتين، وقد رواه جماعةٌ عن هشام بن عُروةَ بإسنادِه، عن عُروةَ، عن حُمْرانَ، عن عثمانَ، فذكروا فيه صفةَ الوضوء؛ المضمضمةُ، والاستنشاقُ، وغسلُ الوجهِ واليدين، ثلاثًا ثلاثًا، واختلَفوا في ألفاظِه؛ منهم شعبةُ (٢)، وأبو أسامة (٣)، وابنُ عيينة، وجماعةٌ (٤)، ورواه عن عُروةَ جماعةٌ أيضًا؛ منهم أبو الزِّناد (٥)، وأبو الأسود (٦)، وعبدُ الله بنُ أبي بكر (٧)، وفي حديثهم أنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا.

стр. 7821

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن حُمْرانَ، قال: توضَّأ عثمانُ بنُ عفانَ على المقاعدِ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هكذا رأيتُ رسولَ الله ﷺ يتوضَّأ. ثم قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما مِن رجلٍ يتوضَّأ، فيُحسِنُ الوضوءَ، ثم يصلِّي، إلّا غُفِر له ما بينَه وبينَ الصلاةِ الأخرى حتى يصلِّيَها". ففي هذا الحديث، والحمدُ لله، أنَّ الصلاةَ تكفِّرُ الذنوبَ، وهو تأويلُ قولِ الله : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. على حسَب ما نزَع به مالكٌ ﵀، والقولُ في هذا عندي كالقولِ في حديثِه ﷺ : "الجمعةُ إلى الجمعةِ كفارةٌ لِما بينَهما" (٢)، "والعمرةُ إلى العمرةِ كفارةٌ لِما بينَهما" (٣). فسبحان المتفضل المنعم المحسن، هو اللهُ وحدَه لا شريكَ له. وقد روَى هذا الحديث، أعني حديثَ الوضوء، عن حُمْرانَ جماعةٌ كثيرةٌ من الجِلَّةِ ومَن دونَهم؛ منهم: عُروةُ، وعطاءُ بنُ يزيدَ الليثيُّ (٤)، وجامعُ بنُ شدادٍ أبو صخرة (٥)،

стр. 7822

ومَعْبَدٌ الجهنيُّ (١)، وشقيقُ بنُ سَلَمةَ أبو وائل (٢)، وأبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمن (٣)، ومسلمُ بنُ يسار (٤)، ومحمدُ بنُ كعب القرظيُّ (٥)، وموسى بنُ طلحة (٦)، وزيدُ بنُ أسلم (٧)،

стр. 7823

ومحمدُ بنُ المنكدر (١)، ومجاهدُ بنُ جبر (٢)، ومعاذُ بنُ عبدِ الرحمن (٣)، وعبدُ الملكِ بنُ عمير (٤)، وغيرهم، كلُّهم عن حُمْران، عن عثمان، عن النبيِّ ﷺ ، إلا أنّ ألفاظَهم عن حُمْرانَ مختلفة، ولكنَّها متقاربةُ المعنى. وأما قوله: لولا أنَّه في كتاب الله، فاختُلِفَ في هذه اللَّفظةِ، فطائفةٌ رَوَت: لولا أنَّه في كتاب الله بالنون وهاء الضمير، وطائفة روت: لولا آية في كتاب الله - بالياء وهاء التأنيث (٥). وقد رُوِيَ عن عُروة أن الآية قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية [البقرة: ١٥٩] وروى آخرون كما قال مالك: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية، وعلى هذا المعنَى ينبغي أن تكونَ الرواية: لولا أنَّه - بالنون وهاء الضمير - والله أعلم. وقول مالك أُراه يريدُ هذه الآية يحتمل الوجهين جميعًا أيضًا. وأما قوله: على المقاعد، فقيل: هي الدَّكاكين كانت عند باب دار عُثمان، كانوا يجلسونَ عليها فسُمِّيت المقاعِد، والله أعلم.

стр. 7824

وأمّا قوله: آذنه بصلاةِ العَصْر، يريد أعلمه بحضورها، ومن هذا قول الحارث ابن حِلزّة (١): آذنتنا ببَينِها أسماءُ حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونمس، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سليمان بن نوفل المعمري، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ يحيى بن عَمْرو بن مالك النُّكريُّ (٢)، عن أبيه، عن جده، عن أبي الجوزاء عن ابن عبَّاس، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: لم أر شيئًا أحسن طلبًا ولا أحسن إدراكًا من حسنة حديثة لذنب قديم، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٣).

стр. 7825

عُروة عن زينب بنت أبي سَلَمة (١) حديثان حديثٌ موفي ثلاثينَ لهشام بنِ عُروة ذكر الحسنُ بنُ عليّ الحُلْوانيُّ، قال: حدثنا عارِم، قال: حدَّثنا مُعْتمرٌ، عن أبيه، قال: حدَّثنا بكر، قال: أخبرني أبو رافع، قال: كنتُ إذا ذكرتُ امرأةً بالمدينةِ فقيهةً ذكرتُ زينبَ بنتَ أبي سَلَمة (٢). مالكٌ (٣)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمة، عن أمِّ سَلمة، أنها قالت: جاءت أمّ سُليم امرأةُ أبي طلحةَ الأنصاريِّ إلى رسولِ الله ﷺ فقالت: يا رسولَ الله، إن اللهَ لا يَسْتَحي من الحقِّ، هل على المرأةِ من غُسلٍ إذا هي احتلَمتْ؟ قال: "نعم، إذا رأتِ الماءَ". هكذا رُوِيَ هذا الحديث: مالكٌ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمة، عن أمِّ سَلَمة. عندَ جماعةِ رواةِ "الموطأ" (٤) إلا القَعْنبيّ، فإنه أرسَله عن مالك، عن هشام، عن أبيه (٥). وأما ابنُ شهاب فرواه عن عُروة، فمرّةً أرسَله،

стр. 7826

ومرّةً جعَله عن عُروة، عن عائشة. وقد ذكَرنا ذلك كلَّه في بابِ ابنِ شهاب، عن عُروةَ، من هذا الكتاب (١). وفي هذا الحديث دليلٌ واضحٌ على أنَّ النساءَ يَحتَلِمنَ ويُنزِلنَ الماء، وذلك عندي في الأغلب لا على العموم، وذلك بَيِّن في إنكارِ عائشةَ لقولِ أمِّ سُليم، واللهُ أعلم. وقد يُوجَدُ في الرجالِ من لا يَحتلمُ، فكيف في النساء؟ وقد قيل: إنَّ عائشةَ إنما قالت ذلك لصغرِ سنِّها وكونِها مع زوجِها، والاحتلامُ إنما يَجدُه النساءُ عندَ عدم الأزواج إذا فُقِدوا وبعُدوا عنهن. وقيل: إنه قد يكونُ في النساء من لا يَحتلمُ، فجائزٌ أن تكونَ عائشةُ ﵂ من أولئك، فاللهُ أعلم. وكيف كان، فإن عائشةَ لم تُنكرْه إلّا لأنها لم تعرفْه، وقد جاء عن أمِّ سَلَمةَ في ذلك نحوُ ما جاء عن عائشةَ فيه، وقد ذكَرْنا هذا المعنَى وما جاء فيه وفي سائرِ مَعاني هذا الحديث ممهدًا في بابِ ابنِ شهابٍ من كتابنا هذا (٢)، والحمدُ لله.

стр. 7827

حديثٌ حادٍ وثلاثونَ لهشام بنِ عُروةَ مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمة، عن أمِّ سَلَمة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنما أنا بَشَرٌ، وإنكم تَختَصِمون إليَّ، فلعلَّ بعضَكم أن يكونَ ألحَنَ بحُجَّتِه من بعض، فأقضِيَ له على نحوِ ما أسمَعُ منه، فمَن قضَيتُ له بشيءٍ من حقِّ أخيه فلا يأخُذْه، فإنَّما أقطَعُ له قطعةً من النّار". هذا حديثٌ لم يُختلَفْ عن مالكٍ في إسنادِه فيما علِمتُ، ورواه كما رواه مالكٌ سواء عن هشام بإسنادِه هذا، جماعةٌ من الأئمةِ الحفاظ؛ منهم الثوريُّ (٢)، وابنُ عُيينة (٣)، والقطّانُ (٤)، وغيرُهم. وقد رواه معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُروة، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمة، عن أمِّ سَلَمةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِ حديثِ هشام سواء (٥). وقد روَى هذا المعنى عن النبيِّ ﷺ أبو هريرةَ كما روَته أمُّ سَلَمة (٦).

стр. 7828

وفي هذا الحديث من الفقه: أن البشرَ لا يعلَمون ما غُيِّب عنهم وسُتِر، من الضَّمائر وغيرِها؛ لأنّه قال ﷺ في هذا الحديث: "إنما أنا بَشَرٌ". أي: إني من البشَر، ولا أدري باطنَ ما تتحاكَمون فيه عندي وتختصِمون فيه إليَّ، وإنما أقضي بينَكم على ظاهرِ ما تقولون وتُدْلون به من الحِجَاج. فإذا كان الأنبياءُ لا يعلَمون ذلك، فغيرُ جائزٍ أن يصِحَّ دَعْوى ذلك لأحدٍ غيرِهم من كاهنٍ أو مُنجِّم، وإنما يعلَمُ الأنبياءُ من الغيبِ ما أعلِموا به بوجهٍ من وجوهِ الوحي. وفيه أنّ بعضَ الناس أدرى بموقع الحُجّة وتصرُّف القولِ من بعض. قال أبو عُبيد (١): معنى قوله: "ألحنَ بحُجَّتِه"؛ يعني: أفطنَ لها وأجدَلَ بها. قال أبو عُبيد (٢): اللَّحَنُ بفتح الحاء: الفِطْنةُ واللَّحْنُ بالجزم: الخطأُ في القول. وفيه أن القاضي إنما يَقْضي على الخَصْم بما يَسْمعُ منه من إقرارٍ، أو إنكارٍ، أو بيِّنات، على حَسَبِ ما أحكمَته السُّنةُ في ذلك، وفي ذلك ردٌّ وإبطالٌ للحُكم بالهَوى، قال الله : ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ الآية [ص: ٢٦]. وقد احتجَّ بعضُ أصحابنا بهذا الحديث في ردِّ حُكم القاضي بعلْمِه؛ لقوله: "فأقضيَ له على نحو ما أسمَعُ منه". ولم يقل: على نحوِ ما علِمتُ منه. قال: وإنما تُعُبِّدْنا بالبينة أو الإقرار، وهو المسموعُ الذي قال فيه رسولُ الله ﷺ : "إنما أقضي على نحوِ ما أسمَعُ". قال: والعِلّةُ في القضاءِ بالبيِّنة دونَ العلم التُّهْمةُ؛ لأنه يدَّعي ما لا يُعلمُ إلا من جهتِه، وقد أجمَعوا أنّ القاضيَ لو قتَل أخاه لعلمِه بأنه قتَل من لم يجبْ قتلُه من المسلمين لم يرِثْه، وهذا لموضعِ التُّهمَة، وأجمَعوا على أنَّه لا يقضي بعلمِه في الحدود.

стр. 7829

قال أبو عُمر: من أفضل ما يُحتجُّ به في أن القاضيَ لا يقضي بعلمِه، حديثُ مَعْمر، عن الزُّهريِّ، عن عُروة، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ بعَث أبا جهْم على صدقة، فلاجَّه (١) رجلٌ في فَرِيضة، فوقَع بينَهم شِجاجٌ، فأتَوا النبيَّ ﷺ وخبَّروه، فأعطاهم الأرْش (٢)، ثم قال: "إني خاطبٌ الناسَ، ومُخبرُهم أنكم قد رضِيتُم، أرضيتُم؟ ". قالوا: نعم، فصَعِد رسولُ الله ﷺ المنبرَ، فخطَب، وذَكَرَ القصَّةَ، وقال: "أرضيتُم؟ ". قالوا: لا. فهمَّ بهم المهاجِرونَ، فنزَل النبيُّ ﷺ فأعطاهُم، ثم صَعِد، فخطَب فقال: "أرضِيتُم؟ ". فقالوا: نعم (٣). وهذا بيِّنٌ؛ لأنه لم يؤاخِذْهم بعلمِه فيهم، ولا قضَى بذلك عليهم وقد عَلِم رِضَاهُم. ومن حُجَّةِ مَن ذهَب إلى أن القاضيَ له أن يقضيَ بما علِمه، لأنَّ البيِّنة إنما تُعلِمْه بما ليس عندَه ليَعْلَمَه فيقضيَ به، وقد تكونُ كاذبةً وواهمةً، وعِلْمُه بالشيء أوكَدُ، وقد أجمَعوا على أن له أن يُعدِّلَ ويُسقِطَ العُدولَ بعِلْمِه، فكذلك ماعلِم صِحّتَه، وأجمَعوا أيضًا على أنَّه إذا علِم أن ما شهِد به الشُّهودُ على غيرِ ما شهِدوا به، أنَّه ينفِذُ علمَه في ذلك دونَ شهادتِهم ولا يقضي.

стр. 7830

واحتجَّ بعضُهم بأمرِ رسولِ الله ﷺ سوْدةَ زوجَه أن تحتجِبَ من ابنِ وَلِيدةِ زَمْعة (١)؛ لِما علِمَه ورآه من شبَهِه بعُتْبة، وقالوا: إنما يقضي بما يَسْمَعُ فيما طريقُه السمعُ من الإقرار أو البيِّنة، وفيما طريقُه علمُه قضَى بعِلْمِه. ولهم في هذا الباب منازعاتٌ أكثرُها تشغيبٌ، والسلفُ من الصحابة والتابعين مختلفون في قضاءِ القاضي بعلْمِه، على حسَبِ اختلافِ فقهاءِ الأمصارِ في ذلك. وممّا احتجَّ به مَن ذَهَب إلى أن القاضيَ يقضي بعِلْمِه مع ما قدَّمنا ذِكْرَه، ما رويناه من طُرق عن عُروة، عن مجاهدٍ جميعًا، بمعنًى واحد، أن رجلًا من بني مخزوم استعدَى عمرَ بنَ الخطاب على أبي سفيانَ بن حرب، أنَّه ظلَمه حدًّا في موضع كذا وكذا من مكة، فقال عمر: إنِّي لأعلَمُ الناس بذلك، ورُبّما لعِبتُ أنا وأنتَ فيه ونحنُ غلمان، فإذا قدِمتُ مكّة، فأتِني بأبي سفيان. فلمّا قدِمَ مكّة، أتاهُ المخزوميُّ بأبي سفيان، فقال له عمر: يا أبا سفيان، انهَضْ إلى موضع كذا. فنهَض ونظَر عمر، فقال: يا أبا سفيان، خذْ هذا الحجَرَ من هاهنا، فضَعْه هاهنا. فقال: والله لا أفعلُ. فقال: والله لَتفعلَنَّ. فقال: لا أفعَلُ. فعَلاهُ عمرُ بالدِّرَّة وقال: خُذْه، لا أُمَّ لك، وضَعْه هاهنا، فإنّك ما علِمتُ قديمَ الظُّلم. فأخَذ الحجَرَ أبو سفيانَ ووضَعَه حيثُ قال عمر، ثم إنّ عمرَ استقبلَ القبلة، فقال: اللهمَّ لك الحمدُ إذ لم تُمِتْني حتَّى غلَبتُ أبا سفيانَ على رأيه، وأذلَلْتَه لي بالإسلام. قال: فاستقبل أبو سفيانَ القبلة، وقال: اللهمَّ لك الحمدُ إذ لم تُمِتْني حتَّى جعلتَ في قلبي من الإسلام ما ذلَلتُ به لعمر (٢).

стр. 7831

ففي هذا الخبر قضَى عمرُ بعلمِه فيما قد علِمه قبلَ ولايته، وإلى هذا ذهَب أبو يوسف، ومحمدٌ، والشافعيُّ، وأبو ثور، سواءٌ عندَهم علِمَه قبلَ أن يلي القضاءَ، أو بعدَ ذلك، في مصْرِه كان أو في غير مصْرِه، له أن يقضيَ في ذلك كلِّه عندَهم بعلمِه؛ لأنَّ يقينَه في ذلك أكثرُ من شهادةِ الشهودِ الذين لا يُقطَعُ على غيبِ ما شهِدوا به، كما يُقطَعُ على صحةِ ما علِموا. وقال أبو حنيفة: ما علِمه قبلَ أن يليَ القضاءَ أو رآه في غيرِ مصرِه لم يقضِ فيه بعلمِه، وما علِمه بعدَ أن استقضَى أو رآه بمصرِه قضَى في ذلك بعلمِه، ولم يَحتَجْ في ذلك إلى غيرِه. واتفَق أبو حنيفةَ وأصحابُه أنَّه لا يَقْضِي القاضي بعِلْمِه في شيءٍ من الحُدود، لا فيما علِمَه قبلُ ولا بعدُ، ولا فيما رآه بمِصْرِه ولا بغيرِ مِصْرِه (١). وقال الشافعيُّ وأبو ثور: حقوقُ الناسِ وحقوقُ الله سواءٌ في ذلك، والحدودُ وغيرُها سواء في ذلك، وجائز أن يقضيَ القاضي في ذلك كلِّه بما علِمه (٢). وقال مالكٌ وأصحابُه: لا يقضي القاضي في شيءٍ من ذلك كلِّه بما علِمَه، حدًّا كان أو غيرَ حدٍّ، لا قبلَ ولايتِه ولا بعدَها، ولا يقضي إلا بالبيناتِ والإقرار (٣). وبه قال أحمدُ بنُ حنبل وأبو عبيد. وهو قولُ شريح، والشعبيّ (٤). وفي قوله ﵇: "فأقضيَ له على نحوِ ما أسمَعُ منه" دليلٌ على إبطالِ القضاءِ بالظنِّ والاستحسان، وإيجابِ القضاءِ بالظاهر، ألا ترَى أنَّ رسولَ الله ﷺ

стр. 7832

قضَى في المُتلاعنَين بظاهرِ أمرِهما، وما ادَّعاه كلُّ واحدٍ منهما ونفاهُ، فأحلَفهُما بأيمانِ اللِّعان، ولم يَلتفِتْ إلى غير ذلك؟ بل قال: إن جاءتْ به على نعتِ كذا وكذا فهو للزوج، وإن جاءت به على نعتِ كذا وكذا فهو للذي رُمِيت به. فجاءت به على النعتِ المكروه، فلم يلتفِتْ رسولُ الله ﷺ إلى ذلك، بل أمضَى حكمَ الله فيهما بعدَ أن سمع منهما، ولم يُعرِّجْ على المُمْكن، ولا أوجبَ بالشُّبْهة حكمًا؟ فهذا معنى قوله ﷺ : "إنما أقضي على نحْوِ ما أسمَعُ". وأما قولُه ﵇: "فمَن قضَيتُ له بشيءٍ من حقِّ أخيه فلا يأخُذْه، فإنما أقطَعُ له قطعةً من النار"، فإنه بيانٌ واضحٌ في أن قضاءَ القاضي بالظاهرِ الذي تعبَّد به لا يُحِلُّ في الباطن حرامًا قد علِمه الذي قضَى له به، وأن حُكمَه بالظاهرِ بينَهم لا يُحِلُّ لهم ما حرَّم اللهُ عليهم. مثال ذلك: رجلٌ ادَّعى على رجل بدَعْوى، وأقام عليه بيّنةَ زورٍ كاذبة، فقضَى القاضي بشهادتِهم بظاهرِ عدالتِهم عندَه، وألزَم المدَّعَى عليه ما شهِدوا به، فإنه لا يحِلُّ ذلك للمدَّعي إذا علِم أنَّه لا شيءَ له عندَه، وأن بينتَه كاذبةٌ، إما من جهةِ تعمُّدِ الكذب، أو من جهةِ الغلط. ومما احتجَّ به الشافعيُّ وغيرُه لقضاءِ القاضي بعلمِه، حديثُ عُبادة: وأن نقومَ بالحقِّ حيثُما كنّا، لا نخافُ في الله لومةَ لائم (١). وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]. وحديثُ عائشةَ في قصةِ هندٍ بنتِ أبي سفيان، قوله: "خُذي ما يكفيك وولدَك" (٢).

стр. 7833

وكذلك لو ثبَت على رجلٍ لرجلٍ حقٌّ بإقرارٍ أو بينة، فادَّعى دفعَه إليه والبراءةَ منه، وهو صادقٌ في دَعْواه، ولم يكنْ له بينةٌ، وجحَده المدَّعي الدفعَ إليه، وحلَف له عليه، وقبَض منه ذلك الحقَّ مرةً أُخرى بقضاءِ قاض، فإن ذلك ممّن قطَع له أيضًا قطعةً من النار، ولا يُحِلُّ له قضاءُ القاضي بالظاهرِ ما حرَّم اللهُ عليه في الباطن، ومثلُ هذا كثير. قال اللهُ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وهذه الآيةُ في معنى هذا الحديث سواء. قال معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. قال: لا تُدْلي بمالِ أخيك إلى الحاكم وأنت تعلمُ أنك له ظالمٌ، فإن قضاءَه لا يُحِلُّ لك شيئًا كان حرامًا عليك (١). قال أبو عُمر: وعلى هذه المعاني كلِّها المذكورةِ في هذا الحديثِ المُستَنْبَطة منه، جرَى مذهبُ مالك، والشافعيِّ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وأحمدَ بنِ حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، وداودَ، وسائرِ الفقهاء، كلُّهم قد جعَل هذا الحديثَ أصلًا في هذا الباب. وجاء عن أبي حنيفةَ وأبي يوسف، ورُوِي ذلك عن الشعبيِّ (٢) قبلهما في رجلين تعمَّدا الشهادةَ بالزورِ على رجلٍ أنَّه طلَّق امرأتَه، فقبل القاضي شهادتَهما؛ لظاهرِ عدالتِهما عندَه، وهما قد تعمَّدا الكذبَ في ذلك، أو غلِطا أو وَهَما، ففرَّق القاضي بينَ الرجلِ وامرأتِه بشهادتِهما، ثم اعتدَّت المرأةُ، أنَّه جائز لأحدِهما أن يتزوَّجَها وهو عالمٌ أنَّه كاذبٌ في شهادتِه، وعالم بأن زوجَها لم يطلِّقْها، لأنَّ حكمَ الحاكم لمّا أحلَّها للأزواج، كان الشهودُ وغيرُهم في ذلك سواء. وهذا

стр. 7834

إجماع أنها تَحِلُّ للأزواج غير الشهود، مع الاستدلالِ بفُرقةِ المُتلاعنَين من غيرِ طلاقٍ يُوقِعُه. وقال مَن خالَفهم من الفقهاء: هذا خلافُ سُنّةِ رسولِ الله ﷺ في قوله: "فمَن قضَيتُ له بشيءٍ من حقِّ أخيه فلا يأخُذْه، فإنما أقطَعُ له قطعةً من النار". ومن حقِّ هذا الرجل عصمةُ زوجتِه التي لم يطلِّقْها. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وسائرُ مَن سمَّيناهُ من الفقهاءِ في هذا الباب: لا يَحِلُّ لواحدٍ من الشاهدَينِ أن يتزوَّجَها، إذا علِم أن زوجَها لم يطلِّقْها، وأنه كاذب أو غالطٌ في شهادتِه. وهذا هو الصحيحُ من القولِ في هذه المسألة. وبالله التوفيق. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا الربيعُ بنُ نافع، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، عن أسامةَ بنِ زيد، عن عبدِ الله بنِ رافع مولى أمِّ سَلَمة، عن أمِّ سَلَمةَ، قالت: أتى رسولَ الله ﷺ رجُلانِ يختصِمانِ في مواريثَ لهما، فلم تكنْ لهما بينةٌ إلا دَعْواهُما، فقال النبيُّ ﷺ : "إنما أنا بَشَرٌ، وإنكم تختصِمون إليَّ، ولعل بعضَكم أن يكونَ ألحنَ بحُجَّتِه

стр. 7835

من بعض، فأقضيَ له على نحوِ ما أسمَعُ منه، فمَن قضَيتُ له من حقِّ أخيه بشيءٍ فلا يأخُذْه، فإنما أقطَعُ له قطعةً من النار". فبكَى الرجلان، وقال كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه: حقِّي لك. فقال لهما النبيُّ ﷺ : "أمّا إذ فعَلتُما، فاقتسِما وتوخَّيا الحقَّ، ثم اسْتَهِما، ثم تحلَّلا". وفي هذا الحديث أيضًا من الفقهِ مع الأحكام التي قدَّمنا في حديثِ مالك، جوازُ الصُّلح على الإنكار، خلافَ قول الشافعيِّ. وفيه أن للشَّريكين أن يقتسِما من غيرِ حُكْم حاكم، وأن الهِبةَ تصحُّ بالقول، ولا يحتاجُ إلى قَبْضٍ في الوَقْت؛ لقوله: حقِّي لك. ولم يقلْ رسولُ الله ﷺ : لا يصِحُّ لك حتى تقبِضَه. ومن هاهنا قال مالك: تصِحُّ المطالبةُ بالهية قبلَ القبضِ لتُقبَضَ (١). وفيه جوازُ البراءة من المجهولِ والصُّلح منه وهِبَته. وفيه جوازُ الاجتَهادِ للحاكم فيما لم يكُنْ فيه نصٌّ. وفيه جوازُ التحرِّي في أداء المظالم. وفيه استعمالُ القُرعةِ عند استواءِ الحُقوق. وفيه جوازُ ترديد الخصوم حتى يصطلحوا، وقد جاء ذلك عن عُمرَ ﵀ نصًّا (٢)، وذلك فيما أُشكِلَ، لا فيما بانَ، واللهُ المستعان.

стр. 7836

عُرْوةُ، عن أخيه عبدِ الله بن الزُّبَير حديثٌ ثانٍ وثلاثونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن سفيانَ بنِ أبي زُهير، أنَّه قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "تُفتحُ اليمن، فيأتي قومٌ يَبِسُّون، فيتحمَّلون بأهْليهمْ ومَن أطاعَهُم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلَمون. وتُفتحُ الشام، فيأتي قومٌ يَبِسُّون، فيتحمَّلون بأهْليهمْ ومَن أطاعَهُم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلَمون. وتُفتحُ العراق، فيأتي قومٌ يَبِسُّون، فيتحمَّلون بأهليهم ومَن أطاعَهُم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلَمون". قد ذكَرنا سفيانَ بنَ أبي زهير في "الصحابة" (٢) بما يغني عن ذكرِه هاهنا. وأما قولُه: "تُفتحُ اليمن". فاليمنُ افتُتِحت في أيامِه ﷺ ، وافتُتِح بعضُها في أيام أبي بكرٍ بمقاتلةِ الأسودِ العَنْسيِّ المتنبِّئ الكذّاب بصنعاءَ، قتَله أبو بكرٍ في خلافتِه، كما قَتل مُسَيلِمةَ في بني حَنيفة، وقد قيل: إن الأسودَ العَنْسيَّ قُتِل والنبيُّ ﷺ مريضٌ مرضَه الذي مات منه سنةَ إحدى عشْرةَ. وهو الاكثرُ عندَ أهل السِّير (٣). وأما الشامُ والعراقُ فكان افتتاحُهما في زمنِ عمرَ (٤) ﵁.

стр. 7837

وفي هذا الحديثِ عَلَمٌ من أعلام نبوتِه ﷺ ؛ لأنه غَيبٌ كان بعدَه قد أخبرَ به، وهو لا يعلَمُ من الغيب إلا ما أظهَره اللهُ عليه وأوحَى به إليه، فقد افتُتِحت بعدَه الشامُ والعراقُ واليمنُ بعضُها، وقد خرَج الناسُ من المدينةِ إلى الشام وإلى اليمنِ وإلى العراق، وكان ما قالَه ﷺ ، وكذلك لو صبَروا بالمدينةِ كان خيرًا لهم، قال ﷺ : "لا يصبِرُ أحدٌ على لأْوائِها وشدَّتها إلا كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا يومَ القيامة" (١). وفي هذا الحديثِ: فضلُ المدينةِ على اليمن وعلى الشام وعلى العراق، وهذا أمرٌ مجتمَعٌ عليه، لا خلافَ بينَ العلماء فيه، وفي ذلك دليلٌ على أن بعضَ البقاع أفضلُ من بعض، ولا يوصَلُ إلى شيءٍ من ذلك إلا بتوقيفٍ من جهةِ الخبر، وأما القياسُ والنظرُ فلا مدخلَ له في شيءٍ من ذلك. وقد صحَّت الأخبارُ عن النبيِّ ﷺ بفضل المدينة، وأجمَع علماءُ الأمةِ على أنّ لها فضلًا معروفًا، لمسجدِ النبيِّ ﷺ وقبرِه فيها، وإنما اختلَفوا في الأفضل منها ومن مكةَ لا غيرُ، وقد بيّنا ذلك كلَّه في مواضعَ من هذا الكتاب، والحمدُ لله، واللهُ الموفِّق للصَّواب. وأما قولُه: "يَبِسُّون". فمَن رواه: "يُبِسُّون" برفع الياء وكسرِ الباء، من: أبَسَّ يُبِسُّ، على الرباعيِّ، فقال: معناه: يُزيِّنون لهم البلدَ الذي جاؤوا منه ويُحبِّبونه إليهم، وَيدْعونهم إلى الرحيل إليه من المدينة. قالوا: والإبساسُ مأخوذٌ من إبساسِ الحَلُوبةِ عندَ حلابِها كي تَدُرَّ باللَّبن، وهو: أن تُجرِيَ يدَك على وجْهِها وصفحةِ عُنُقِها كأنك تُزيِّنُ ذلك عندَها وتُحسِّنُه لها، ومنه قولُ عِمرانَ بن حِطّان (٢): والدهْرُ ذو دِرَّةٍ مِن غيرِ إبساسِ

стр. 7838

وإلى هذا ذهَب ابنُ وَهْب، قال: معناه: يُزيِّنون لهم الخروجَ من المدينة. وكذلك روايةُ ابنِ وَهْب: "يُبِسُّون" بالرفع من الرباعيِّ (١). وكذلك روايةُ ابنِ حبيب، عن مُطرِّف، عن مالك: "يُبِسُّون" من الرباعيِّ. وفسَّر ابنُ حبيب (٢) الكلمةَ بنحو هذا التفسير، وأنكَر قولَ مَن قال: "إنها من السَّير" كلّ الإنكار. وقال ابنُ بُكَير: "يَبِسُّون" بفتح الياء، وكذلك روايتُه، وفسَّره: يَسيرون. قال: من قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]، يعني: سارَت. ويقال: سالَت. وذكَر حبيبٌ عن مالكٍ مثل تفسيرِ ابنِ بُكَير (٣). وقال ابنُ القاسم، عن مالك (٤): "يَبُسُّون": يدْعُون. وأظنُّ روايةَ ابنِ القاسم بفتحِ الياء وضمِّ الباء (٥)، وروايةُ ابنُ بُكَير بكسرِها، وكلُّ ذلك من الثلاثي. وقال ابنُ هشام: والبَسُّ أيضًا: المبالغةُ في فَتِّ الشيء، ومنه قيل في الدَّقيق المصنوع بالزيتِ ونحوِه: البَسِيسُ (٦). قال الراجز:

стр. 7839

اخْبِزا خَبْزًا وبُسَّا بَسًّا (١) يريد: اعمَلا بَسِيسًا. قال أبو عُمر: وقال غيرُه: "يَبِسُّون": يُسرِعون السَّير، وقيل: يزجُرون دوابَّهم. وقال غيرُه: يبسون: يسألون عن البلدانِ ويتَشفَّون من أخبارِها ليتحمَّلوا إليها. وهذا لا يكادُ يعرفُه أهلُ اللغة، وأمّا الرباعيُّ فلا خلافَ فيه وفي معناه، وليس له إلا وجهٌ واحد، وأما الثلاثيُّ ففيه لغتان: بَسَّ يَبِسُّ، بكسرِ الباء، وَيبُسُّ بضمِّها (٢). ومثلُ هذه الكلمةِ عندي: قتَر وأقتَر؛ فيه لغتان: قتَر على الثلاثيّ، وأقتَر على الرباعيّ، وفي الثلاثيّ لغتان في المستقبل منه: يقتِرُ بكسرِ التاء، ويقتُرُ بضمِّها. وقد قُرئ قولُه : ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]. على الثلاثة الأوجه: "يُقْتِروا" من الرباعيّ، و ﴿يَقْتُرُوا﴾ من الثلاثيّ، و"يَقْتِروا" منه أيضًا (٣). وأمّا روايةُ يحيى بن يحيى في "يَبِسُّون" عندَ أكثرِ شيوخِنا الذين اعتمَدنا عليهم في التقييد، فعلى فتح الياء وكسرِ الباءِ من الثلاثيِّ، وفسّروه: يَسيرون، على نحو روايةِ ابن بُكَيرٍ وتفسيرِه، ولا يصحُّ في روايةِ يحيى بن يحيى غيرُ هذا الضبط، ومَن روَى في "موطأ يحيى" غيرَ ذلك فقد روَى ما لم يروِ يحيى. واللهُ أعلم.

стр. 7840

وكان ابنُ حبيب ينكِرُ روايةَ يحيى، ويحملُ عليه في ذلك. وقد رواه ابنُ بكير، وابنُ نافع، وحبيبٌ، وغيرُهم كذلك، ويقال: إن ابنَ القاسم رواه: "يَبُسَّون" بفتح الياءِ وضمِّ الباء (١). فاللهُ أعلم. وأما قولُه في هذا الحديث: "والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلَمون". فقيل فيه: خيرٌ لهم من أجْلِ أنها لا يدخُلُها الطاعونُ ولا الدجال. وقد قيل: إن الفتنَ فيها دونَها في غيرِها. وقيل: من أجْل فضْلِ مسجدِ رسولِ الله ﷺ والصلاةِ فيه، ومجاورةِ قبرِه ﷺ . ولم يقلْ في هذا الحديث: "ينفي خَبَثَها"، كما قال ذلك في حياتِه للفارِّ عن صُحبتِه وجِوارِه، وقد علِمنا أن جملةَ مَن خرَج بعدَه من أصحابِه لم يكونوا خَبَثًا، بل كانوا دُرَرًا، ﵃ أجمعين.

стр. 7841

هشامٌ عن زوجتِه فاطمةَ بنتِ المُنذرِ بنِ الزُّبيرِ بنِ العوّام وهي بنتُ عمِّه ثلاثةُ أحاديث حديثٌ ثالثٌ وثلاثون لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن فاطمةَ ابنةِ المنذر، أنّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ كانت إذا أُتِيَت بالمرأةِ وقد حُمَّت تدعو لها، أخَذت الماءَ فصَبَّتْهُ بينَها وبينَ جَيْبِها، وقالت: إنّ رسولَ الله ﷺ كان يأمرُ أن نَبْرُدَها بالماء. في هذا الحديث: التَّبرُّكُ بدعاءِ الإنسانِ الصالح، رجاءَ الشفاءِ في دُعائِه، وفي ذلك دليلٌ على أنّ الدعاءَ يصرِفُ البلاءَ، وهذا، إن شاء الله، ما لا يَشُكُّ فيه مسلم. وفيه: تفسيرٌ لقوله ﷺ : "إن الحُمَّى مِن فَيحِ جهنم، فأبْرِدُوها بالماء" (٢)؛ لأنَّ أسماءَ حكَت في فعلِها ذلك ما يدُلُّ على أن التبريدَ بالماء - واللهُ أعلم - هو: الصَّبُّ بينَ المَحْموم وبينَ جَيبِه، وذلك أن يُصَبَّ الماءُ بينَ طَوقِه وعُنقِه حتى يصِلَ إلى جسدِه، فمَن فعلَ كذلك، وكان معه يقينٌ صحيح رجَوْتُ له الشفاءَ من الحُمَّى إن شاء الله. ذكَر ابنُ وَهْب، عن مالكٍ وابنِ سِمْعان، عن نافع، عن ابنِ عُمر، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الحُمَّى من فَيحِ جهنم، فأطفِئوها بالماء". قال نافع: وكان عبدُ الله بنُ عمرَ يقول: اللهمَّ اكشِفْ عنا الرِّجْزَ (٣).

стр. 7842

وهذا حديثٌ ليس في "الموطأ" عندَ أكثر الرواة، وهو فيه عندَ ابن القاسم، وابنِ وَهْب، وابنِ عُفَير (١). وذكَر ابنُ وَهْبٍ في صفةِ الغُسلِ للحُمَّى حديثًا مرفوعًا عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال لرجلٍ شكا إليه الحُمَّى: "اغتسِلْ ثلاثةَ أيام قبلَ طلوعِ الشمسِ كلَّ يوم، وقلْ: باسم الله، وبالله، اذهَبي يا أُمَّ مِلْدَم. فإن لم تذهَبْ، فاغتسِلْ سبعًا" (٢). وقد حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا همامٌ، عن أبي جَمْرةَ، قال: كنتُ أدفعُ الناسَ عن ابن عبّاس، فاحتَبسْتُ أيامًا، فقال: ما حبسَكَ؟ قلت: الحُمّى، قال: إنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّ الحُمّى من فَيْحِ جهنّمَ، فأبرِدُوها بماءِ زَمْزَم". وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يونس، قال: حدَّثنا بَقيُّ بنُ مخْلَد، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال (٤): حدَّثنا ابنُ فُضَيل، عن يزيدَ بنِ أبي زياد، عن مِقْسَم، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّه كان إذا حُمَّ، بلَّ ثوبَه ثم لَبِسَه، ثم قال: إنّها من فَيْحِ جهنّمَ، فأبرِدُوها بالماء.

стр. 7843

حديثٌ رابعٌ وثلاثونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن فاطمةَ بنتِ المنذر، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، أنها قالت: سألتِ امرأةٌ رسولَ الله ﷺ فقالت: أرأيتَ إحْدانا إذا أصاب ثوبَها الدَّمَ من الحيضَة، كيف تَصنَعُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "إذا أصاب ثوبَ إحْداكنَّ الدمُ من الحيضة، فلتَقْرُصْهُ، ثم لتَنْضَحْهُ بالماء، ثم لتُصَلِّ فيه". وقَع في كتاب يحيى ونسختِه في رواية ابنه، وغيره، عنه في هذا الحديث: مالكٌ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن فاطمة. وهذا خطأٌ بيِّنٌ وغَلَطٌ لا شكَّ فيه؛ لأنَّ عُروةَ لم يَرْوِه قطُّ عن فاطمةَ هذه، وهي: فاطمةُ بنتُ المنذرِ بنِ الزُّبير زوجُ هشام بنِ عُروة. وإنما الحديثُ في "الموطآت" كلِّها لهشام عن فاطمةَ امرأتِه (٢). وكذلك رواه كلُّ مَن رواه عن هشام بن عُروة، مالكٌ وغيرُه (٣)، وقد رمَى ابنُ وَضّاح من روايته: عن أبيه. قال أبو عُمر: ويُروَى: "فلْتَقْرُصْه". بفتح التاءِ وضمِّ الراءِ وكسرِها أيضًا، ويُروَى على التكثير: "فلْتُقَرِّصْه". بضمِّ التاء وكسرِ الراءِ وتشديدِها. قال أبو عُبيد (٤): "فلتُقَرِّصْه". يقول: فلتُقَطِّعْه بالماء، وكل مُقطَّع فهو مُقرَّصٌ، يقالُ منه: المرأةُ قد قرَّصتِ العجين: إذا قطَّعَتْه.

стр. 7844

قال أبو عُمر: قولُ أبي عُبيدٍ عندي في هذا بعيدٌ، وخيرٌ منه قولُ الأخفش، سُئل عن هذه الكلمة، فأراهم كيف ذلك القَرْصُ، فضمَّ إصبَعيْه؛ الإبهامَ والسبّابة، وأخَذ بهما شيئًا من ثوبِه، فقال: هكذا يُفعَلُ بالماءِ في موضعِ الدم، ثم قال كما يَقرُصُ الرجلُ جاريتَه، هو كذلك القَرْصُ. قال: وأما القَرْسُ بالسِّينِ فهو قَرسُ البرد. قال أبو عُمر: هؤلاء إنما فسَّروا اللَّفظة في اللغة، وأما المعنى المقصودُ إليه بهذا الحديثِ في الشَّريعة، فهو: غَسلُ دم الحيضِ من الثوبِ إذا أصابَه، والخبرُ بأنه يَجبُ غَسْلُه لنجاستِه، وحكمُ كلِّ دمٍ كدم الحيض، إلّا أن قليلَ الدم مُتجاوَزٌ عنه؛ لشرطِ الله في نجاسةِ الدم أن يكونَ مُسفوحًا، فحينئذٍ هو رِجْسٌ. والرِّجسُ: النجاسةُ، وهذا إجماع من المسلمين أن الدمَ المَسفوحَ رِجْسٌ نجِسٌ، إلّا أن المسفوحَ وإن كان أصلُه الجاريَ في اللغة، فإنَّ المعنى فيه في الشريعةِ: الكثير، إذ القليلُ لا يكونُ جاريًا مسفوحًا، فإذا سقَطت من الدم الجاري نقطةٌ في ثوبٍ أو بدَنٍ، لم يكن حُكمُها حكمَ المسفوح الكثير، وكان حكمُها حُكمَ القليل، ولم يُلتفَتْ إلى أصلِها في اللغة. ذكر نُعيمُ بنُ حمّاد، عن ابنِ المبارك، عن مباركِ بنِ فَضالة (١)، عن الحَسَن، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَقتُلُ القَمْلَ في الصَّلاة، أو قتَل القمْلَ في الصَّلاة. قال نُعيم: هذا أولُ حديثٍ سمِعتُه من ابنِ المبارك (٢). ومعلومٌ أن في قتْل القمْل سَيْلَ يسير من الدم. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ بنِ عيسى، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داود، قال: أخبرنا أبو بكرٍ الأثرم، قال (٣): حدَّثنا

стр. 7845

عقبةُ بنُ مُكرَم، قال: أخبرنا يونسُ بنُ بُكير، قال: أخبرنا محمدُ بنُ إسحاق، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الرحمن بنِ معمرٍ الأنصاريِّ، قال: أدرَكتُ فقهاءَنا يقولون: ما أذهبَه الحَكُّ من الدّم فلا يضُرُّ، وما أذهبَه الفَتْلُ ممّا يَخرُجُ من الأنفِ فلا يَضُرُّ. قال (١): وحدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن عِمْرانَ بنِ مُسلم، عن مُجاهد، عن أبي هريرة: أنَّه لم يكن يرَى بالقَطْرَةِ والقَطرتَين من الدم في الصلاةِ بأسًا. قال أبو بكر الأثرم (٢): وقيل لأبي عبد الله - يعني: أحمدَ بنَ حنبل -: إلى أيِّ مذهبٍ تذهبُ في الدم؟ فقال: إذا كان فاحشًا. قيل له: في الثوب؟ فقال: في الثوب، وإذا خرَج من الجُرْح، قيل له: السائلُ أو القاطرُ؟ فقال: إذا فحُش، أذهَبُ إلى الفاحشِ على حديثِ ابنِ عبَّاس. قال (٣): وقال أبو عبدِ الله: عدَّةٌ من أصحابِ النبيِّ ﷺ تكلَّموا فيه؛ أبو هريرةَ كان يُدخلُ أصابعَه في أنفِه، وابنُ عُمرَ عَصَر بَثرَةً (٤)، وابنُ أبي أوفَى تَنَخَّم دمًا (٥)، وجابرٌ أدخَل أصابعَه في أنفِه (٦)، وابنُ عبَّاس قال: إذا كان فاحشًا.

стр. 7846

قال أبو بكر الأثرم (١): أخبرنا معاويةُ بنُ عَمْرو، عن سفيان، عن عطاءِ بنِ السائب، أنه رأى عبدَ الله بنَ أبي أوفَى يتنخَّمُ دمًا عبيطًا (٢) وهو يُصلِّي. قال (٣): وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادٌ، قال: أخبرنا حُميدٌ، عن بكرِ بنِ عبدِ الله المزنيِّ، أن ابنَ عُمرَ عَصَر بَثرةً في وجهِه، فخرَج منها شيءٌ من دم وقَيح، فمسَحه بيدِه وصلَّى ولم يتوضّأ. قال أبو بكر (٤): سمِعتُ أبا عبدِ الله يقول: البولُ والغائطُ غيرُ الدم، لأنَّ البولَ والغائطَ تُعادُ منهما الصلاةُ ويُغسَلُ قليلُهما وكثيرُهما. قال: والدمُ إذا فحُش تُعادُ منه الصلاةُ في الوقتِ وغيرِه، كما يُعادُ من قليلِ البولِ والعَذِرة. قال أبو عُمر: قد أجمَع العلماءُ على التجاوزِ والعفوِ عن دم البراغيثِ ما لم يتفاحَشْ، وهذا أصل في هذا الباب، وهذا الحديثُ أصلٌ في غَسلِ النجاساتِ من الثِّياب، ولا أعلمُ عن النبيِّ ﷺ في غَسلِ النجاساتِ أبينَ من هذا الحديث، وعليه اعتمَد الفقهاءُ في غَسلِ النجاساتِ وجعَلوه أصلَ هذا الباب، إلّا أنهم اختلَفوا في وجوبِ غَسلِ النجاساتِ كالدِّماءِ والعَذِراتِ والأبوالِ وسائرِ النجاساتِ المعروفاتِ من الثياب والأبدان؛ فقال منهم قائلون: غَسلُها فَرضٌ واجبٌ ولا تُجزِئُ صلاةُ مَن صلَّى بثوبٍ نجِس، عالمًا كان بذلك أو ساهيًا عنه. واحتجُّوا بقولِ الله : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]. وظاهرُه تطهيرُ الثيابِ

стр. 7847

المعروفةِ عندَ العرب التي نزَل القرآنُ بذكرِها في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]. ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]. وهذا كثيرٌ في القرآن وفي أشعارِ العربِ وكلامِها، وإن كانت قد تَكْني عن القَلْبِ وطهازبه وطهارةِ الجَيبِ بطهارةِ الثَّوب، فهذه استعارةٌ، والأصلُ في الثَّوب ما قلنا. وقد رُوِيَ عن ابن عباس، والحَسَن، وابن سيرين، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قالوا: اغسِلْها بالماء، وأنقِها من الدَّرَنِ ومن القَذَر (١). واحتجُّوا بأنَّ النبيَّ ﷺ أمَر بغَسلِ النجاساتِ من الثيابِ والأرضِ والبدَن؛ فمِن ذلك حديثُ أسماءَ هذا في غَسْلِ الثَّوبِ من دم الحيض، ليس فيه خصوصُ مقدارِ درهم ولا غيرِه، فهذا الأصلُ في تطهيرِ الثيابِ بالماءِ من النجاسات، ومنها حديثُ الصَّبِّ على بولِ الأعرابيِّ (٢)، وهو الأصلُ في تطهيرِ الأرض، ومنها الصَّبُّ والنَّضحُ على الثَّوب الذي بال عليه الصبيُّ (٣). وقد قلنا: إن النَّضْحَ المرادُ به الغسلُ. وقد قال ﷺ : "أكثرُ عذابِ القبرِ في البول" (٤). قال ذلك في الذي كان لا يَتنَزَّهُ ولا يَسْتَتِرُ من بولِه، والآثارُ في مثل هذا كلِّه كثيرةٌ جدًّا.

стр. 7848

وقال بعضُ مَن يرَى غَسْلَ النجاسةِ فرضًا: لمّا أجمَعوا على أن الكثيرَ من النجاسةِ واجبٌ غَسْلُه من الثَّوبِ والبدَن، وجَب أن يكونَ القليلُ منها في حكم الكثير، كالحَدَثِ قياسًا، ونظرًا لإجماعِهم على أن قليلَ الحَدَثِ مثلُ كثيرِه في نقضِ الطهارةِ وإيجابِ الوُضوءِ فيما عدا النوم، وكذلك دمُ البُرغُوثِ ومثلِه، خارجٌ عن الدماءِ بشرطِ الله في الدم أن يكونَ مسفوحًا، وهو الكثيرُ الذي يجري، وهذا كلُّه أصلٌ وإجماعٌ. قالوا: فلهذا قلنا: إن من صلَّى وفي ثوبِه، أو موضعِ سجودِه وركوعِه، أو في بدَنِه نجاسةٌ، بطَلت صلاتُه؛ لأنَّ القليلَ والكثيرَ في ذلك سواء، قياسًا على الحَدَث. قالوا: ولمّا أجمَعوا، إلا مَن شذَّ ممّن لا يُعدُّ خلافًا على الجميع لخروجِه عنهم على أن مَن تعمَّد الصلاةَ بالثَّوبِ النَّجِس، تَفسُدُ صلاتُه ويصلِّيها أبدًا متى ما ذكَرها، كان من سَها عن غَسلِ النجاسةِ ونسِيَها في حُكم مَن تعمَّدها؛ لأنَّ الفرائضَ لا تَسقُطُ بالنِّسيانِ في الوُضوءِ والصلاة. قالوا: ألا ترَى أن مَن نسيَ مَسْحَ رأسِه، أو غَسْلَ وجهِه وصلَّى، في حُكم مَن تعمَّد تركَ ذلك في إعادةِ الصلاةِ سواء، وكذلك مَن نسيَ سجدةً أو ركعةً، في حكم مَن تعمَّد تركَها سواء، وكذلك مَن نسيَ الماءَ في رَحْلِه ولم يَطلُبْه، ونسيَ الثَّوبَ وهو معه وصلَّى عُريانًا، ونظائرُ هذا كثيرةٌ جدًّا، إلّا أنّ الناسيَ غيرُ آثم، والمتعمِّدَ آثم، فهذا الفرقُ بينَهما من جهةِ الإثم، وأمّا من جهةِ الحُكم فلا. قالوا: ولمّا كان مَن تعمَّد تَرْكَ سنّةٍ من السُّننِ لم تَجبْ عليه بذلك إعادةُ صلاتِه؛ كمَن ترَك رفعَ اليدين، أو قراءةَ سورةٍ مع أمِّ القرآن، أو التسبيحَ، أو الذكرَ في الركوع والسجود، ونحوَ ذلك من سُنَن الصلاةِ وسُنَن الوضوء، علِمنا أن مَن ترَك غَسْلَ النجاسات، فقد ترَك فرضًا؛ لإجماعِهم على أن مَن ترَك ذلك عامدًا، وصلَّى بثوبٍ نجس، أنّ صلاتَه فاسدةٌ.

стр. 7849

قالوا: وبانَ بها كلِّه أن غَسلَ الثيابِ فرضٌ لا سُنة، واللهُ أعلم. فإن قيل: لمَ ادَّعَيتَ الإجماعَ فيمَن صلَّى بثوبٍ نجسٍ عامدًا أنه يُعيدُ في الوقتِ وغيرِ الوقت، وأشهبُ يقول: لا يُعيدُ العامدُ وغيرُ العامدِ إلّا في الوقت. ومنهم مَن يَروِيه عنه عن مالك؟ قيل له: ليس أشهبُ ولا روايتُه الشاذّةُ عن مالكٍ مما يُعدُّ خلافًا، فالصحابةُ وسائرُ العلماءِ يَمنعُ من ادِّعاءِ إجماعِهم؛ لأنَّ مَن شذَّ عنهم مأمورٌ باتِّباعِهم وهو محَجُوجٌ بهم. وقال المغيرةُ، وابنُ دينار، وابنُ القاسم، وعبدُ الملك: يُعيدُ العامدُ في الوقتِ وغيرِ الوقت. وهو الصحيحُ عن مالك (١). قالوا: وقد قال اللهُ : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. فجمَعت الآيةُ تطهيرَ الثِّيابِ وما قاله أهلُ التفسيرِ من تطهيرِ القلب، وأفادتِ المعْنَيَين جميعًا. قالوا: ومَن حمَل الآيةَ على أكملِ الفوائدِ كان أولى، على أن القرآنَ ليس فيه آيةٌ تَنُصُّ أن الثيابَ القلوبُ، وقد سمَّى اللهُ في كتابِه الثيابَ ثيابًا، ولم يُسَمِّ القُلوبَ ثيابًا. فهذه جملةُ ما احتجَّ به مَن ذهَب إلى إيجابِ غَسْلِ النجاساتِ وإزالتِها من الثوبِ والأرضِ والبدنِ فرضًا. وهو قولُ الشافعيِّ، وأحمدَ، وأبي ثور. وإليه مال أبو الفرج المالكيُّ (٢)، ولا يلتَفِتُ الشافعيُّ إلى تفسيرٍ يُخالفُ الظاهرَ إلا أن يُجمِعوا عليه. وقال آخرون: غَسْلُ النجاساتِ سُنَّةٌ مَسْنونةٌ من الثيابِ والأبدانِ والأرضِ؛ سَنَّ ذلك رسولُ الله ﷺ . وذكَروا قولَ سعيدِ بنِ جبير، أنه قال لمَن خالَفه في ذلك: اقرأْ عليَّ آيةً تأمرُ بغَسلِ الثياب.

стр. 7850

قالوا: وأمّا قولُ الله : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. فهذه كنايةٌ عن الكُفرِ وتطهيرِ القلبِ منه، ألا ترَى أنه عطَف على ذلك قولَه : ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، يعني: الأوثان، فكيفَ يأمرُه بتطهيرِ الثيابِ قبلَ تركِ عبادةِ الأوثان؟ قالوا: والعربُ تقول: فلانٌ نقيُّ الثوب، وطاهرُ الجَيْب. إذا كان مسلمًا عفيفًا؛ يَكنُون بذلك عن سلامتِه، ولا يُريدُون بذلك غَسْلَ ثوبِه من النجاسة. قالوا: ويَبعُدُ أن يكونَ الله يَعطِفُ النهيَ عن عبادةِ الأوثانِ على تطهيرِ الثيابِ من النجاسات. قالوا: ودليلُ ذلك أن هذه السُّورةَ نزَلت قبلَ نُزول الشرائع؛ من وضوءٍ وصلاةٍ وغيرِ ذلك، وإنما أُريدَ بها الطهارةُ من أوثانِ الجاهليةِ وشِرْكِها، ومن الأعمالِ الخبيثة. حدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ (٢)، حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة (٣) وعليُّ بنُ عبدِ الله ومحمودُ بنُ خِداش، قالوا: حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن منصور، عن أبي رَزين في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: عملَك أصلِحْه. قال: كان الرجلُ إذا كان حَسَنَ العمل، قيل: فلانٌ طاهرُ الثياب. قال: وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن ابنِ جُريج، قال: حدَّثنا عطاءٌ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال في كلام العرب فلان نَقِيّ الثِّياب (٤).

стр. 7851

ورواه بُندار (١)، عن يحيى القطان، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: في كلام العرب: أنقِها. وهذا خلافُ حديثِ مُسدَّد. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاوية، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: من الإثم (٢). قال: وأخبرنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأجلح، عن عكرمةَ: لا تَلْبَسْها على معصية (٣). وذكَر معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: كلمةٌ تقولُها العرب: طهِّرْ ثيابَك. أي: من الذَّنْب (٤). وذكر حَجّاجٌ (٥)، عن ابن جُريج، عن مجاهد: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: لستَ بساحرٍ ولا كاهن، فأعرِضْ عَمّا قالوا (٦). قال ابنُ جُريج: وأخبرني عطاءٌ، عن ابنِ عباس، أنه سمِعه يقول في: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: من الإثم. يقول: هي في كلام العرب (٧).

стр. 7852

وذكر إسماعيل (١)، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو أسامة (٢)، عن الأجلح، قال: سمِعتُ عكرمةَ سُئلَ عن قولِ الله : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: أُمِر ألا يَلبسَ ثوبَه على غَدْرَة، أما سمِعتَ قولَ غَيْلانَ بنِ سَلَمةَ الثقفيّ: إنِّي بحمدِ الله لا ثَوبَ فاجرٍ ... لبِستُ ولا من غَدْرةٍ أتقنَّعُ (٣) قال أبو عُمر: معروفٌ عندَ العربِ أنها تَكْني بطهار الثوبِ عن العَفاف، وبفضْلَةِ الثوبِ وسَعِتِه عن العطاء. أخبرنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الكِنديُّ، قال: حدَّثنا موسى بنُ عُبيدِ الله بنِ خاقان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي سعدِ الورّاق، قال: حدَّثني أحمدُ بنُ معاوية، قال: سمِعتُ الأصمعيَّ، قال: سمِعتُ طلحةَ بنَ محمدِ بنِ سعيدِ بنِ المسيِّبِ يُحدِّثُ عن أعرابيٍّ قال: بنو سيّار؛ فلانٌ فارسُهم، وفلانٌ لسانُهم، وفلانٌ أوسَعُهم عليهم ثوبًا؛ يعني: أكثرُهم عليهم فضلًا، وهو قولُ رُؤبةَ لأبيه (٤): وهْوَ عليكَ واسعُ العِطاف (٥) وقال عَنْتَرة: نفَى الذَّمَّ عن أثوابِه مثلَ مانفَى ... أذى درَنًا عن جِلْدِه الماءُ غاسل (٦)

стр. 7853

أراد نَفَى الماءُ أذَى غاسلٍ دَرَنًا. قالوا: وأما ما احتجَّ به من خالَفنا من إجماعِهم على أن مَن تعمَّد الصلاةَ بثوبِ نجِس فيه نجاسةٌ كثيرةٌ أنه عليه إعادتُها في ثوبٍ طاهر، فإنما ذلك لأنه استخفَّ وعانَد. قالوا: وقد وجَدْنا من السُّنَن ما تفسُدُ الصلاةُ بتركِها عمْدًا؛ من ذلك الجِلسةُ الوُسطى، هي عندَنا سُنّةٌ وعندَكم، ومَن تعمَّد ترْكَها فسَدت صلاتُه، فغيرُ نكيرٍ أن يكونَ مثلَ ذلك مَن تعمَّد الصلاةَ في الثوبِ النجِس. قال أبو عُمر: الفرقُ بينَ غَسلِ النّجاسةِ عندَنا وبينَ الجِلْسةِ الوُسطى، أن الصلاةَ تفسُدُ بالسَّهوِ عن الجِلسةِ الوُسطى، إذا لم يذكُرْ ذلك إلا بعدَ خروجِ الوقت، ولا تفسُدُ صلاةُ مَن سهَا فصلَّى بثوبٍ نجِسٍ إذا خرَج الوقتُ؛ فلهذا لا يَصِحُّ الانفصالُ بما ذكَر هذا القائلُ على مذهبِ مالك. قال أبو عُمر: أمّا حكايةُ أقوالِ الفقهاءِ في هذا جملة؛ فجملةُ مذهبِ مالكٍ وأصحابِه إلا أبا الفرج: أن إزالةَ النجاسةِ من الثيابِ والأبدانِ واجبٌ بالسُّنةِ وجوبَ سُنَّةٍ وليس بفرض (١). قالوا: ومَن صلَّى بثوبٍ نجِسٍ أعاد في الوقت، فإن خرَج الوقتُ فلا شيءَ عليه. وقال مالكٌ في يسيرِ الدم: لا تُعادُ منه الصلاةُ في وقتٍ ولا بعدَه، وتعادُ من يَسيرِ البولِ والغائط. ونحوُ هذا كلِّه من مذهبِ مالكٍ قولُ الليثِ بنِ سَعْد (٢). ومن حُجَّتِهم على استحبابِ الإعادةِ في الوَقْت؛ لأنَّ فاعلَ ذلك مع بقاءِ الوقتِ مستدرِكٌ فضلَ السُّنة في الوقت، ألا ترَى أن مَن صلَّى وحدَه ثم أدرَك

стр. 7854

الجماعةَ يُصلِّي تلك الصلاةَ في وقتِها، يُندَبُ إلى إعادةِ تلك الصلاةِ معهم إذا كانت ظُهرًا أو عِشاءً بإجماع، وفي غيرِهما اختلافٌ، ولو وجَدهم يَجمَعون تلك الصلاةَ بعدَ خروج الوقتِ لم يَأمرْه أحدٌ بالدخولِ معهم، وفي هذا دليلٌ على أن استِدراكَ فضلِ السُّنة في مثل هذا إنما ينبغي أن يكونَ في الوقتِ لا في بعدِه. وممّا استدلَّ به مَن لم يُبطِلْ صلاةَ مَن صلَّى وفي ثوبِه نجاسةٌ، وجعَل غَسْلَ النجاسةِ بسُنّةٍ لا بفَرضٍ ما رواه حمّادُ بنُ سَلَمة، عن أبي نَعامةَ قيسِ بنِ عَبايَة، عن أبي نضْرة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ دخَل الصلاةَ ونعلاه في رجلَيْه، ثم خلَعهما، فخلَع الناسُ نِعالَهم، فلما انصرَف قال لهم: "لِمَ خلَعْتُم نِعالَكم؟ ". قالوا: لمّا رأيناك خلَعتَ خلَعْنا. فقال: "إنما خلَعتُهما لأنَّ جبريلَ أخبرني أن فيهما قَذَرًا" (١). ففي هذا الحديثِ ما يدلُّ على أن غَسلَ القَذَرِ ليس بواجبٍ فرضًا، ولا كونُه في الثوبِ يُفسدُ الصلاة؛ لأنه لم يذكُرْ إعادة. وقال الشافعيُّ (٢): قليلُ الدَّم والبولِ والعَذِرَة وكثيرُ ذلك كلُّه سواء، تُعادُ منه الصلاةُ أبدًا، إلا ما كان نحوَ دم البراغيثِ وما يَتعافاه الناسُ، فإنَّه لا يُفسِدُ الثوبَ ولا تُعادُ منه الصلاة. ونحوَ قولِ الشافعيِّ في هذا كلِّه قال أبو ثور، وأحمدُ بنُ حنبل (٣)، إلا أنهما لا يُوجبانِ غَسْلَ الدم حتى يتفاحَشَ. وهو قولُ الطبريِّ، إلا أنَّ الطبريَّ قال: إن كانتِ النجاسةُ قدرَ الدِّرهم أعادَ الصلاةَ أبدًا. ولم يَحُدَّ أولئك شيئًا، وكلُّهم يرَى غَسْلَ النجاسةِ فرضًا.

стр. 7855

وقولُ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ في هذا الباب كقولِ الطبريِّ في مراعاةِ قَدرِ الدِّرْهم من النَّجَاسة. وقال محمدُ بنُ الحَسَن: إن كانتِ النجاسةُ رُبُعَ الثوبِ فما دون، جازتِ الصلاة (١). وأما قولهُم مفسَّرًا في هذا الباب؛ فقال مالكٌ في الدم اليسير: إن رآه في ثوبِه وهو في الصلاةِ مضَى فيها، وفي الكثير يَنزِعُه ويستأنفُ الصلاة، وإن رآه بعدَ فراغِه أعاد ما دام في الوقت (٢). وقال في البول والرَّجيع والمنيِّ والمذْي وخُرْءِ الطيرِ التي تأكلُ الجِيَف: إن ذكَره وهو في الصلاةِ في ثوبِه قطَعها واستقبَلها، وإن صلَّى أعاد ما دام في الوقت، فإذا ذهَب الوقتُ لم يُعِدْ (٣). قال ابنُ القاسم (٤): والقيءُ عندَ مالك ليس بنجس، إلا أن يكونَ القيءُ قد تغيَّر في جوفِه، فإن كان كذلك فهو نجسٌ. وقال الشافعيُّ (٥) في الدَّم والقَيْح: إذا كان قليلًا كدم البراغيثِ وما يَتعافاه الناسُ لم يُعِدْ، ويعيدُ في الكثير من ذلك. قال (٦): وأما البولُ والعَذِرَةُ والخمرُ، فإنه يُعيدُ في القليلِ من ذلك والكثير. والإعادةُ عندَه واجبةٌ لا يُسقِطُها خروجُ الوقت.

стр. 7856

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، في الدَّم والعَذِرَةِ والبولِ ونحوِه: إن صلَّى وفي ثوبِه من ذلك مقدارُ الدِّرْهم جازَت صلاتُه. وكذلك قال أبو حنيفةَ في الرَّوْث: حتى يكونَ كثيرًا فاحشًا. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف، في بولِ ما يُؤكَلُ لحمُه: حتى يكون كثيرًا فاحشًا (١). وذهَب محمدُ بنُ الحسن (٢) إلى أن بولَ كلِّ ما يُؤكلُ لحمُه طاهرٌ كقول مالك. وقال الشافعيُّ (٣): بولُ ما يُؤكَلُ لحمُه نَجِسٌ. قال أبو عُمر: اختلافُ العلماءِ في أبوالِ ما يُؤكلُ لحمُه وما لا يُؤكلُ من البهائم ليس هذا موضِعَ ذكرِه، ولا موضِعَ اختلافِ الحجَّةِ فيه. وقال زُفَرُ في البول: قليلُه وكثيرُه يُفسِدُ الصلاة. وفي الدم: حتى يكونَ أكثرَ من قدرِ الدِّرْهم. وقال الحَسَنُ بنُ حيٍّ في الدم في الثوب: يُعيدُ إذا كان مقدارَ الدرهم، وإن كان أقلَّ من ذلك لم يُعِدْ. وكان يقول: إن كان في الجسدِ أعاد، وإن كان أقلَّ من قدرِ الدرهم. وقال في البولِ والغائط: يُفسِدُ الصلاةَ في القليلِ والكثيرِ إن كان في الثوب. وقال الثوريُّ: يَغسِلُ الرَّوْثَ والدم. ولم يَعرِفْ قدرَ الدِّرْهم.

стр. 7857

وقال الأوزاعيُّ في البولِ في الثوب: إذا لم يَجدِ الماءَ تيمَّم وصلَّى، ولا إعادةَ عليه إن وجَد الماء. ورُوِي عن الأوزاعيِّ أنه إن وجَد الماءَ في الوقتِ أعاد. وقال في القيءِ يُصيبُ الثوبَ ولا يَعلمُ به حتى يُصلِّي: مضَت صلاتُه. وقال: إنما جاءت الإعادةُ في الرَّجيع. قال: وكذلك في دم الحيضِ لا يُعيدُ. وقال في البول: يُعيدُ في الوقت، فإذا مضَى الوقتُ فلا إعادةَ عليه (١). قال أبو عُمر: أقاويلُ الأوزاعيِّ في هذا البابِ مضطربةٌ لا يَضبِطُها أصلٌ. وقال اللَّيثُ في البولِ والرَّوْثِ والدم وبولِ الدابّةِ ودم الحيضِ والمنيِّ: يُعيدُ، فات الوقتُ أو لم يفُتْ. وقال في يسير الدم في الثوب: لا يُعيدُ في الوقتِ ولا بعدَه. قال: وسمِعتُ الناسَ لا يَرَون في يسيرِ الدم يُصلّى به وهو في الثوب بأسًا، ويَرَون أن تُعادَ الصلاةُ في الوقتِ من الدم الكثير. قال: والقَيْحُ مثلُ الدم (٢). قال أبو عُمر: هذا أصحُّ عن الليثِ مما قدَّمنا عنه، وقد أورَدْنا في هذا البابِ أقاويلَ الفقهاءِ وأهلِ الفُتْيا مجملةً ومُفسَّرةً بعدَ إيرادِ الأصلِ الذي منه تفرَّعت أقوالُهم من الكتابِ والسُّنّةِ والإجماع. والذي أقول به: إنّ الاحتياطَ للصلاةِ واجب، وليس المرءُ على يقينٍ من أدائِها إلا في ثوبٍ طاهرٍ وبَدَنٍ طاهرٍ من النَّجاسة، وموضعٍ طاهر، على حدودِها، فلينظُرِ المؤمنُ لنفسِه ويجتهِدْ. وأما الفتوَى بالإعادةِ لمَن صَلَّى وحدَه وجاء مُستفتيًا فلا، إذا كان ساهيًا ناسيًا؛ لأنَّ إيجابَ الإعادةِ فرضًا يَحتاجُ إلى دليلٍ لا تَنازُعَ فيه، وليس ذلك موجودًا
следующие страницы →