← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7853–7892 · переход к 7858.

стр. 7853

أراد نَفَى الماءُ أذَى غاسلٍ دَرَنًا. قالوا: وأما ما احتجَّ به من خالَفنا من إجماعِهم على أن مَن تعمَّد الصلاةَ بثوبِ نجِس فيه نجاسةٌ كثيرةٌ أنه عليه إعادتُها في ثوبٍ طاهر، فإنما ذلك لأنه استخفَّ وعانَد. قالوا: وقد وجَدْنا من السُّنَن ما تفسُدُ الصلاةُ بتركِها عمْدًا؛ من ذلك الجِلسةُ الوُسطى، هي عندَنا سُنّةٌ وعندَكم، ومَن تعمَّد ترْكَها فسَدت صلاتُه، فغيرُ نكيرٍ أن يكونَ مثلَ ذلك مَن تعمَّد الصلاةَ في الثوبِ النجِس. قال أبو عُمر: الفرقُ بينَ غَسلِ النّجاسةِ عندَنا وبينَ الجِلْسةِ الوُسطى، أن الصلاةَ تفسُدُ بالسَّهوِ عن الجِلسةِ الوُسطى، إذا لم يذكُرْ ذلك إلا بعدَ خروجِ الوقت، ولا تفسُدُ صلاةُ مَن سهَا فصلَّى بثوبٍ نجِسٍ إذا خرَج الوقتُ؛ فلهذا لا يَصِحُّ الانفصالُ بما ذكَر هذا القائلُ على مذهبِ مالك. قال أبو عُمر: أمّا حكايةُ أقوالِ الفقهاءِ في هذا جملة؛ فجملةُ مذهبِ مالكٍ وأصحابِه إلا أبا الفرج: أن إزالةَ النجاسةِ من الثيابِ والأبدانِ واجبٌ بالسُّنةِ وجوبَ سُنَّةٍ وليس بفرض (١). قالوا: ومَن صلَّى بثوبٍ نجِسٍ أعاد في الوقت، فإن خرَج الوقتُ فلا شيءَ عليه. وقال مالكٌ في يسيرِ الدم: لا تُعادُ منه الصلاةُ في وقتٍ ولا بعدَه، وتعادُ من يَسيرِ البولِ والغائط. ونحوُ هذا كلِّه من مذهبِ مالكٍ قولُ الليثِ بنِ سَعْد (٢). ومن حُجَّتِهم على استحبابِ الإعادةِ في الوَقْت؛ لأنَّ فاعلَ ذلك مع بقاءِ الوقتِ مستدرِكٌ فضلَ السُّنة في الوقت، ألا ترَى أن مَن صلَّى وحدَه ثم أدرَك

стр. 7854

الجماعةَ يُصلِّي تلك الصلاةَ في وقتِها، يُندَبُ إلى إعادةِ تلك الصلاةِ معهم إذا كانت ظُهرًا أو عِشاءً بإجماع، وفي غيرِهما اختلافٌ، ولو وجَدهم يَجمَعون تلك الصلاةَ بعدَ خروج الوقتِ لم يَأمرْه أحدٌ بالدخولِ معهم، وفي هذا دليلٌ على أن استِدراكَ فضلِ السُّنة في مثل هذا إنما ينبغي أن يكونَ في الوقتِ لا في بعدِه. وممّا استدلَّ به مَن لم يُبطِلْ صلاةَ مَن صلَّى وفي ثوبِه نجاسةٌ، وجعَل غَسْلَ النجاسةِ بسُنّةٍ لا بفَرضٍ ما رواه حمّادُ بنُ سَلَمة، عن أبي نَعامةَ قيسِ بنِ عَبايَة، عن أبي نضْرة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ دخَل الصلاةَ ونعلاه في رجلَيْه، ثم خلَعهما، فخلَع الناسُ نِعالَهم، فلما انصرَف قال لهم: "لِمَ خلَعْتُم نِعالَكم؟ ". قالوا: لمّا رأيناك خلَعتَ خلَعْنا. فقال: "إنما خلَعتُهما لأنَّ جبريلَ أخبرني أن فيهما قَذَرًا" (١). ففي هذا الحديثِ ما يدلُّ على أن غَسلَ القَذَرِ ليس بواجبٍ فرضًا، ولا كونُه في الثوبِ يُفسدُ الصلاة؛ لأنه لم يذكُرْ إعادة. وقال الشافعيُّ (٢): قليلُ الدَّم والبولِ والعَذِرَة وكثيرُ ذلك كلُّه سواء، تُعادُ منه الصلاةُ أبدًا، إلا ما كان نحوَ دم البراغيثِ وما يَتعافاه الناسُ، فإنَّه لا يُفسِدُ الثوبَ ولا تُعادُ منه الصلاة. ونحوَ قولِ الشافعيِّ في هذا كلِّه قال أبو ثور، وأحمدُ بنُ حنبل (٣)، إلا أنهما لا يُوجبانِ غَسْلَ الدم حتى يتفاحَشَ. وهو قولُ الطبريِّ، إلا أنَّ الطبريَّ قال: إن كانتِ النجاسةُ قدرَ الدِّرهم أعادَ الصلاةَ أبدًا. ولم يَحُدَّ أولئك شيئًا، وكلُّهم يرَى غَسْلَ النجاسةِ فرضًا.

стр. 7855

وقولُ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ في هذا الباب كقولِ الطبريِّ في مراعاةِ قَدرِ الدِّرْهم من النَّجَاسة. وقال محمدُ بنُ الحَسَن: إن كانتِ النجاسةُ رُبُعَ الثوبِ فما دون، جازتِ الصلاة (١). وأما قولهُم مفسَّرًا في هذا الباب؛ فقال مالكٌ في الدم اليسير: إن رآه في ثوبِه وهو في الصلاةِ مضَى فيها، وفي الكثير يَنزِعُه ويستأنفُ الصلاة، وإن رآه بعدَ فراغِه أعاد ما دام في الوقت (٢). وقال في البول والرَّجيع والمنيِّ والمذْي وخُرْءِ الطيرِ التي تأكلُ الجِيَف: إن ذكَره وهو في الصلاةِ في ثوبِه قطَعها واستقبَلها، وإن صلَّى أعاد ما دام في الوقت، فإذا ذهَب الوقتُ لم يُعِدْ (٣). قال ابنُ القاسم (٤): والقيءُ عندَ مالك ليس بنجس، إلا أن يكونَ القيءُ قد تغيَّر في جوفِه، فإن كان كذلك فهو نجسٌ. وقال الشافعيُّ (٥) في الدَّم والقَيْح: إذا كان قليلًا كدم البراغيثِ وما يَتعافاه الناسُ لم يُعِدْ، ويعيدُ في الكثير من ذلك. قال (٦): وأما البولُ والعَذِرَةُ والخمرُ، فإنه يُعيدُ في القليلِ من ذلك والكثير. والإعادةُ عندَه واجبةٌ لا يُسقِطُها خروجُ الوقت.

стр. 7856

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، في الدَّم والعَذِرَةِ والبولِ ونحوِه: إن صلَّى وفي ثوبِه من ذلك مقدارُ الدِّرْهم جازَت صلاتُه. وكذلك قال أبو حنيفةَ في الرَّوْث: حتى يكونَ كثيرًا فاحشًا. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف، في بولِ ما يُؤكَلُ لحمُه: حتى يكون كثيرًا فاحشًا (١). وذهَب محمدُ بنُ الحسن (٢) إلى أن بولَ كلِّ ما يُؤكلُ لحمُه طاهرٌ كقول مالك. وقال الشافعيُّ (٣): بولُ ما يُؤكَلُ لحمُه نَجِسٌ. قال أبو عُمر: اختلافُ العلماءِ في أبوالِ ما يُؤكلُ لحمُه وما لا يُؤكلُ من البهائم ليس هذا موضِعَ ذكرِه، ولا موضِعَ اختلافِ الحجَّةِ فيه. وقال زُفَرُ في البول: قليلُه وكثيرُه يُفسِدُ الصلاة. وفي الدم: حتى يكونَ أكثرَ من قدرِ الدِّرْهم. وقال الحَسَنُ بنُ حيٍّ في الدم في الثوب: يُعيدُ إذا كان مقدارَ الدرهم، وإن كان أقلَّ من ذلك لم يُعِدْ. وكان يقول: إن كان في الجسدِ أعاد، وإن كان أقلَّ من قدرِ الدرهم. وقال في البولِ والغائط: يُفسِدُ الصلاةَ في القليلِ والكثيرِ إن كان في الثوب. وقال الثوريُّ: يَغسِلُ الرَّوْثَ والدم. ولم يَعرِفْ قدرَ الدِّرْهم.

стр. 7857

وقال الأوزاعيُّ في البولِ في الثوب: إذا لم يَجدِ الماءَ تيمَّم وصلَّى، ولا إعادةَ عليه إن وجَد الماء. ورُوِي عن الأوزاعيِّ أنه إن وجَد الماءَ في الوقتِ أعاد. وقال في القيءِ يُصيبُ الثوبَ ولا يَعلمُ به حتى يُصلِّي: مضَت صلاتُه. وقال: إنما جاءت الإعادةُ في الرَّجيع. قال: وكذلك في دم الحيضِ لا يُعيدُ. وقال في البول: يُعيدُ في الوقت، فإذا مضَى الوقتُ فلا إعادةَ عليه (١). قال أبو عُمر: أقاويلُ الأوزاعيِّ في هذا البابِ مضطربةٌ لا يَضبِطُها أصلٌ. وقال اللَّيثُ في البولِ والرَّوْثِ والدم وبولِ الدابّةِ ودم الحيضِ والمنيِّ: يُعيدُ، فات الوقتُ أو لم يفُتْ. وقال في يسير الدم في الثوب: لا يُعيدُ في الوقتِ ولا بعدَه. قال: وسمِعتُ الناسَ لا يَرَون في يسيرِ الدم يُصلّى به وهو في الثوب بأسًا، ويَرَون أن تُعادَ الصلاةُ في الوقتِ من الدم الكثير. قال: والقَيْحُ مثلُ الدم (٢). قال أبو عُمر: هذا أصحُّ عن الليثِ مما قدَّمنا عنه، وقد أورَدْنا في هذا البابِ أقاويلَ الفقهاءِ وأهلِ الفُتْيا مجملةً ومُفسَّرةً بعدَ إيرادِ الأصلِ الذي منه تفرَّعت أقوالُهم من الكتابِ والسُّنّةِ والإجماع. والذي أقول به: إنّ الاحتياطَ للصلاةِ واجب، وليس المرءُ على يقينٍ من أدائِها إلا في ثوبٍ طاهرٍ وبَدَنٍ طاهرٍ من النَّجاسة، وموضعٍ طاهر، على حدودِها، فلينظُرِ المؤمنُ لنفسِه ويجتهِدْ. وأما الفتوَى بالإعادةِ لمَن صَلَّى وحدَه وجاء مُستفتيًا فلا، إذا كان ساهيًا ناسيًا؛ لأنَّ إيجابَ الإعادةِ فرضًا يَحتاجُ إلى دليلٍ لا تَنازُعَ فيه، وليس ذلك موجودًا

стр. 7858

في هذه المسألة. وقد رُوِيَ عن ابن عمرَ وسعيدِ بنِ المسيِّب وسالم وعطاء وطاووس ومجاهد والشعبيِّ والزهريِّ ويحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ في الذي يُصلِّي بالثوبِ النَّجِس وهو لا يعلَمُ، ثم علِم بعدَ الصلاة، أنه لا إعادةَ عليه (١). وبهذا قال إسحاق، واحتجَّ بحديثِ أبي سعيدٍ المذكورِ في هذا الباب. قال أبو عُمر: والحديثُ حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سَلَمة، عن أبي نَعامةَ السعديِّ، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: بينما رسولُ الله ﷺ يُصلِّي بأصحابِه إذ خلَع نعلَيْه فوضَعهما عن يسارِه، فلما رأى ذلك القومُ ألقَوْا نِعالَهم، فلما قضَى رسولُ الله ﷺ صلاتَه قال: "ما حمَلكم على إلقاءِ نعالِكم؟ ". قالوا: رأيناك ألقَيْتَ نعلَيْك فألقَيْنا نِعالَنا. فقال رسولُ الله ﷺ : "إن جبريلَ أتاني فأخبَرني أنَّ فيهما قَذَرًا". وقال: "إذا جاء أحدُكم المسجدَ فلينظرْ؛ فإن رأى في نعليْه قَذَرًا أو أذًى فلْيَمسحْ ولْيُصلِّ فيهما". وهكذا رواه أبو الوليدِ الطيالسيُّ (٣)، ويزيدُ بنُ هارون (٤)، وعفانُ بنُ مسلم (٥)، عن حمادِ بنِ سَلَمةَ بإسنادِه مثلَه.

стр. 7859

ورواه حمّادُ بنُ زيد، عن أيوب (١)، عن أبي نَضْرَةَ مرسلًا (٢). ورواه أبانٌ، عن قتادة، عن بكر المزنيِّ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣). ففي هذا الحديثِ ما يَدُلُّ على جوازِ صلاةِ مَن صلَّى وفي ثوبِه نجاسة، إذا كان ساهيًا عنها غيرَ عالم بها، على ما ذهَب إليه هؤلاء من التابعين وغيرِهم، وفي ذلك دليلٌ على أن غَسْلَ النجاساتِ ليسَ بفَرض، واللهُ أعلم. وقد احتجَّ بعضُ أصحابنا بحديثِ ابنِ مسعود، أنَّ رسولَ الله ﷺ لمّا وضَعَ عُقبةُ بنُ أبي مُعَيطٍ سَلى (٤) الجَزُورِ على ظهرِه وهو يُصلِّي، فلم يَقطَعُ لذلك صلاتَه (٥).

стр. 7860

كان ذلك دليلًا على أن النَّجاسةَ ليس بفرضٍ غَسْلُها، ولو سَلِم له ظاهرُ هذا الحديثِ بأن يكونَ السَّلَى من جَزُورٍ غيرِ مُذكَّى، لَمَا كان غَسْلُ النَّجاساتِ سُنّةً ولا فرضًا، وقد أجمَعوا أن من شرطِ الصلاةِ طهارةَ الثيابِ والماءِ والبدنِ والموضع، فدلَّ على نسْخِ هذا الخبر، وفي هذا الحديث نظرٌ. وقد رُوِيَ عن ابن مسعودٍ في ذلك نحوُ حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ: حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا أبو غسّان مالكُ (٢) بنُ إسماعيلَ النَّهديُّ، عن زُهيرِ بنِ معاوية، قال: أخبَرنا أبو حمزة، عن إبراهيمَ بنِ يزيد، عن علقمة، عن عبدِ الله بنِ مسعود، قال: خلَع النبيُّ ﷺ نعلَيْه وهو يُصلِّي، فخلَع مَن خلفَه، فقال: "ما حمَلكم على خَلع نِعالِكم؟ ". قالوا: يا رسولَ الله، رأيناك خلَعتَ فخلَعْنا. قال: "إن جبريلَ أخبَرني أن في إحداهما قَذَرًا، فإنما خلَعتُهما لذلك، فلا تخلَعُوا نِعالَكم". وأما قولُ مَن قال بالإعادةِ في الوقتِ لمَن صلَّى بثوبٍ نجس، فإنما ذلك استحبابٌ واستحسانٌ ليُدرِكَ فضلَ السُّنةِ والكمالَ في الوقت، على ما تقدَّم ذكرُنا له. وروَى حمادُ بنُ زيد، عن هشام بنِ حسّانَ والأشعثِ الحُمرانيِّ، أن الحسنَ كان يقول: إذا رأى في ثوبِه دمًا بعدما صلَّى أنه يُعيدُ ما كان في الوقت، وإن كان في جلدِه أعاد وإن ذهَب الوقت.

стр. 7861

قال حمادٌ: وقال هشام: إذا رأى دمًا أو جنابةً أو نجاسةً أعاد وإن ذهَب الوقت. وقاله أبو قلابة (١). وهو قولُ أبي حنيفة، والشافعيِّ، وأحمدَ، وأبي ثور، والطبريِّ؛ لأنَّ الإعادةَ إذا وجَبتْ لم يُسقِطْها خروجُ الوقت (٢). ولا فرقَ في القياس بينَ البدنِ والثوب، وقد تقدَّمت الحجَّةُ في هذا الباب لكِلا القولَين (٣). والذي يَصِحُّ عندي في مذهبِ مالكٍ بما أقطَعُ على صحَّتِه عنه فيما دلَّ عليه عُظْمُ مذهبِه في أجوبتِه، أنه مَن صلَّى بثوبٍ نجِسٍ فيه نجاسةٌ ظاهرةٌ لا تَخفَى، فإنه يُعيدُ أبدًا، كمَن صلَّى بماءٍ قد ظهَرت فيه النجاسةُ فغيّرتْه، أو كمَن تيمَّم على موضع النجاسةُ فيه ظاهرةٌ غالبةٌ، ومَن صلَّى بثوبٍ قد استيقَنَ فيه نجاسة، إلا أنها غيرُ ظاهرةٍ فيه، أعاد في الوقت، وعليه أن يغسِلَه كلَّه لما يستقبَلُ، كمَن توضَّأ بماءٍ لم تُغيِّره النجاسةُ، أو تيمَّم على موضع لم تَظهَرْ فيه نجاسة. هذا عندي أصحُّ ما يَجيء على مذهبِ مالك، وما استوحِشُ ممّن خالَفني عنه في ذلك، وبالله العصمةُ والتوفيقُ لا شريكَ له. وأما قولُ مَن راعَى (٤) في النجاساتِ قدرَ الدِّرهم، فقولٌ لا أصلَ له ولا معنى يَصحُّ؛ لأنَّ التحديدَ لا يثبُتُ إلا من جهةِ التوقيفِ لا من جهةِ الرأي.

стр. 7862

وقياسُهم ذلك على حَلْقةِ الدُّبُرِ في الاستنجاء، مع إقرارِهم أن ذلك موضعٌ مخصوصٌ بالأحجار؛ لأنها لا تُزيلُ النجاسةَ إزالةً صحيحةً كالماء، وأنّ ما عدا المَخْرجَ لا يُطهِّرُه إلا الماء، أو ما يَعملُ عَمَلَ الماءِ عندَهم في إزالةِ عينِ النَّجاسة، قياسًا على غيرِ نظيرٍ ولا علَّةٍ معلولة، وبالله التوفيق. وأما قوله: "ثم لتَنْضَحْه بالماء، ثم لتُصَلِّ فيه" فيَحتمِلُ أن يكونَ النَّضحُ هاهنا الغَسْلَ، على ما بيَّنّا في غيرِ موضع من كتابنا هذا. ويَحتملُ أن يكونَ النَّضْحُ الرَّشَّ لما شُكَّ فيه ولا يُرَى، فيقطَعُ بذلك الوسوسة، إذ الأصلُ في الثوبِ الطهارةُ حتى تُستيقَنَ النجاسةُ، فإذا استوقِنتْ لزِم الغسلُ والتطهيرُ. وأما الرَّشُّ، فلا يُزيلُ نجاسةً في النظر، وقد بيَّنّا أيضًا هذا المعنَى في مواضعَ من هذا الكتاب، ولولا أن السلفَ جاء عنهم النَّضْحُ ما قلنا بشيءٍ منه، ولكن قد جاءَ عن عُمرَ حينَ أجنَبَ في ثوبه: أغسِلُ ما رأيتُ، وأنضَحُ ما لم أرَ (١). وعن أبي هريرةَ وغيرِه مثلُ ذلك (٢). وذلك عندي، والله أعلمُ، قطعٌ لحَزازات النُّفوس ووَساوِس الشيطان.

стр. 7863

روَى الأوزاعيُّ، عن عبدِ الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: إذا حاضت المرأةُ في الثوب، ثم طهُرَتْ فالتَتَّبِع (١) ما أصابَ ثوْبَها منَ الدَّم فلْتَغْسِلْهُ وتَنضَحْ باقِيَه، ثم تُصلِّي فيه. وفي هذا الحديثِ وحديثِ أسماءَ المذكور في هذا الباب دليلٌ على أنّ قليلَ الماءِ يُطَهِّرُ النَّجاسةَ إذا غلَبَ عليها واستَهلَكها. ومعلومٌ أنّ دمَ الحيضِ في ذلك الثّوبِ قد طهَّرهُ ما دونَ القُلَّتَين، وقد بيَّنّا الصَّحيح عندنا في الماءِ من مذاهبِ العلماءِ في باب إسحاقَ بنِ أبي طلحة (٢)، والحمدُ لله.

стр. 7864

حديتٌ خامسٌ وثلاثونَ لهشام مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن فاطمةَ بنتِ المنذر، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، أنها قالت: أتيتُ عائشة حين خسَفتِ الشمسُ، فإذا الناسُ قيامٌ يصلُّون، وإذا هيَ قائمةٌ تُصلِّي، فقلت: ما للناس؟ فأشارَت (٢) نحو السماء، وقالت: سُبحان الله! فقلت: آيةٌ (٣)؟ فأشارَت برأسِها أن نَعَم. قالت: فقمتُ حتى تجلّاني الغَشْيُ، وجعلتُ أصُبُّ فوقَ رأسي الماء، فحمِدَ اللهَ رسولُ الله ﷺ وأثنَى عليه، ثم قال: "ما مِن شيءٍ كنتُ لم أرَهُ إلا وقد رأيتُه في مقامي هذا، حتى الجنةَ والنارَ، ولقد أُوحيَ إليَّ أنكم تُفتَنونَ في القبور مِثْلَ أو قريبًا من فتنةِ الدّجّال - لا أدري أيَّتهما قالت أسماءُ - يُؤتَى أحدُكم فيقال له: ما عِلْمُك بهذا الرجل؟ فأمّا المؤمنُ أو الموقنُ - لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماءُ - فيقول: هو محمدٌ رسولُ الله، جاءنا بالبيِّنات والهدى، فأجَبْنا وآمَنّا واتَّبَعْنا. فيقال له: نَمْ صالحًا، قد عَلِمنا إنْ كنتَ لمؤمنًا. وأما المنافقُ أو المُرْتابُ - لا أدري أيَّهما قالت أسماءُ - فيقول: لا أدري، سمِعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه". قد مضَى معنَى الكُسُوف والخُسُوف في اللغة، فيما تقدَّم من حديث هشام (٤)، ومضَت معاني صلاة الكُسُوف في باب زيدِ بنِ أسلم (٥).

стр. 7865

وفي هذا الحديث من الفقه: أنَّ الشمسَ إذا كسَفت بأقلِّ شيءٍ منها، وجَبت الصلاةُ لذلك على سنَّتِها؛ ألا ترى إلى قولِ أسماء: "ما للناس؟ " فأشارت لها عائشةُ إلى السَّماء، فلو كان كُسُوفًا بَيِّنًا ما خفيَ على أسماءَ ولا غيرِها حتى تحتاجَ أن يُشارَ إلى السماء. وقالت طائفةٌ من أصحابنا وغيرهم: إنَّ الشمسَ لا يُصلَّى لها حتى تسوَدَّ بالكُسوفِ أو يسْوَدَّ أكثرُها؛ لِما رُوىَ في حديثِ الكُسُوف: "إنَّ الشمسَ كُسف بها وصارَت كأنها تَنُّومَةٌ" (١)؛ أي: ذهَب ضوْؤها واسودَّت، والتَّنُّومُ: نباتٌ أسود. وهذا القولُ ليسَ بشيء؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يقل: لا يُصلَّى لكُسوفِها حتى تَسودَّ. بل صَلَّى لها في كلتا الحالتَين، وليس في إحداهما ما يدفَعُ الأخرى، وليس ما ذُكر في الصِّحَّة كحديثِ أسماء. وفيه أيضًا من الفقه: دليلٌ على أن خُسُوفَ الشمس يصلَّي لها في جماعة، وهذا المعنى وإن قام دليلُه من هذا الحديث، فقد جاء منصوصًا في غيرِه، والحمدُ لله، وهو أمرٌ لا خلافَ فيه، وإنما الاختلافُ في كيفيةِ تلك الصلاة. وفيه دليلٌ على أن صلاةَ خُسُوفِ الشمسِ لا يُجهَرُ فيها بالقراءة، وقد ذكَرنا

стр. 7866

الحُجَّةَ في أن القراءةَ في الكسوف سرًّا، واختلافَ العلماءِ في ذلك، ووجوهَ أقوالهم في باب زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتاب. وفيه أنَّ المصلِّي إذا كُلِّم أشار ولم يتكلَّم؛ لأنَّ الكلامَ ممنوعٌ منه في الصلاة. وفيه أن النساءَ يُسبِّحْنَ إذا نابهنَّ شيءٌ في الصلاة؛ لقول عائشةَ حينَ سألَتها أسماءُ: ما للناس؟ فقالت: سبحانَ الله. وأشارت بيدِها ولم تُصَفِّقْ، وفي هذا حُجَّةٌ لمالكٍ في قوله: إن النساءَ والرِّجالَ في هذا المعنى سواءٌ، مَن نابَه منهم شيءٌ في صلاتِه سبَّح ولم يُصفِّقْ، رجلًا كان أو امرأة (١)، وقد ذكَرنا ما في هذه المسألة من الآثارِ واختلافِها، وما للعلماءِ من المذاهبِ فيها، في بابِ أبي حازم (٢) من كتابنا هذا. والحمدُ لله. وفيه أن الإشارةَ باليدِ وبالرأس لا تضُرُّ المصلِّي ولا بأسَ بها. وأما قولها: "فقمتُ حتى تجلّاني الغَشْيُ" فمعناه: أنها قامَت حتى غُشِيَ عليها، أو كاد أن يُغشَى عليها من طُولِ القيام، وفي هذا دليلٌ على طولِ القيام في صلاةِ الكُسوف. وأما قوله: "فحمِد اللهَ وأثنَى عليه" فذلك كان بعدَ الفراغ من الصلاة، وقد ذكَرنا اختلافَ الفُقهاءِ في الخُطْبةِ بعدَ الكُسوف، فيما تقدَّم من حديثِ هشام بنِ عُروةَ في هذا الكتاب (٣). وأما رؤيتُه ﷺ للجنَّةِ والنار، فذلك ثابتٌ عنه في كثيرٍ من الآثار، ونحن لا نُكيِّفُ ذلك ولا نحُدُّه. وأما قوله: "أُوحيَ إليَّ أنكم تُفتَنون في قبورِكم"، فإنه أراد فتنةَ الملَكين مُنكَرٍ ونَكير، حين يَسألان العبدَ: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نبيُّك؟ والآثارُ

стр. 7867

في هذا متواترة (١)، وأهلُ السُّنةِ والجماعةِ كلُّهم على الإيمانِ بذلك، ولا ينكرُه إلا أهلُ البِدَع. وفي قوله: "مثلَ أو قريبًا من فتنةِ الدَّجّال" دليلٌ على أنهم كانوا يُراعون الألفاظَ في الحديث المُسنَد، وهذا في طائفةٍ من أهل العلم، وطائفةٌ يُجيزون الحديثَ بالمعاني، وهذا إنما يصحُّ لمن يعرفُ المعانيَ ومذاهبَ العرب، وهو مذهبُ ابن شهاب، وعطاء، والحسن، وجماعةٍ غيرهم (٢)، وكان مالكٌ لا يجيزُ الإخبارَ بالمعاني في حديثِ رسولِ الله ﷺ لمَن قدَر على الإتيانِ بألفاظِه.

стр. 7868

حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عمر، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ مسكين، قال: أخبَرنا يوسفُ بنُ عَمْرو، عن ابنِ وَهْب، قال: سمِعتُ مالكًا وسُئل عن المسائل إذا كان المعنى واحدًا والكلامُ مختلف، فقال: لا بأسَ به إلا الأحاديثَ التي عن رسولِ الله ﷺ . حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيم (١)، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ البشر، قال: سمِعتُ ابنَ وَهْب يقول: سأل مالكًا رجل، فقال: الكتابُ يُعرَضُ عليك، فينقلبُ به صاحبُه، فيبيتُ عندَه، أيجوزُ أن أحدِّثَ به؟ قال: نعم (٢). قال أبو عُمر: هذا خلافُ روايةِ أشهب؛ لأنَّ أشهبَ روَى في مثل هذا المعنى: أخشَى أن يُزادَ في كُتبه بالليل. ومحملُ الروايتَين عندي على أن الثقةَ جائزٌ أن يعارَ الكُتبَ، ثم يُحدِّثَ بما استعارَ من ذلك، وأما غيرُ الثقةِ المأمونِ عليها فلا. وأما الفتنةُ فلها في كلام العرب وجوهٌ كثيرة؛ منها: أن يُفتنَ الرجلُ في دينِه ببَلْوى من سلطانٍ غالب، أو بهوًى يصرفُه عن الصوابِ في الدين، أو بحُبِّ يَشغَلُ قلبَه حتى يركبَ ما لا يحلُّ له، فهذه فتنةٌ تُشرَبُها القلوبُ كما أُشرِبَ بنو إسرائيلَ حبَّ العِجْل وفُتنوا به، والفتنةُ الحرْقُ بالنار، وللفتنةِ وُجوهٌ كثيرة. وأما قوله ﷺ : "إنكم تُفتَنون في قُبورِكم كفتنةِ الدجّال أو قريبٍ منها" فالفتنةُ هاهنا معناها الابتلاءُ والامتحانُ والاختبار، ومن ذلك قولُ الله

стр. 7869

لموسى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]؛ أي: ابتليناك ابتلاءً واختبَرناك اختبارًا، وفي عذاب القبر نزلت: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مرزوق، قال: أخبرنا شعبةُ، عن علقمةَ بنِ مَرْثَد، عن سعدِ بنِ عُبيدة، عن البراءِ بنِ عازب عن النبيِّ ﷺ قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: "في القبرِ إذا سُئل: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نبيُّك؟ " (١). ورواه غُندَرٌ وغيرُه هكذا عن شعبةَ بإسنادِه مثلَه (٢). وروَى أبو معاوية، عن الأعمش، عن سعدِ بنِ عُبيدة، عن البراء، مثلَه موقوفًا (٣). وذكَر بَقيٌّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيل، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ يوسف، عن ابن جُريج: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: لا إله إلا الله، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: المسألةُ في القبر، أخبَرنيه ابنُ طاوس، عن أبيه.

стр. 7870

وروى الأعمش (١)، ويونسُ بنُ خَبّاب (٢)، عن المنهالِ بنِ عَمْرو، عن زاذان، عن البراءِ بنِ عازب، قال: خرَجْنا مع رسولِ الله ﷺ في جنازة. فذكَر الحديثَ الطويلَ بتمامه، وفيه في صفةِ المؤمن: "ثم يُعادُ روحُه إلى جسدِه، وإنه ليَسمَعُ خَفْقَ نعالِ أصحابه إذا ولَّوْا عنه، ويدخلُ عليه ملَكانِ فيقولان له: اجلس فيجْلِس، مَن ربُّك؟ فيقول: الله. فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: الإسلام. فيقولان له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجل؟ فيقول: وأيُّ رجل؟ فيقولان: محمدٌ رسولُ الله ﷺ . فيقول: أشهدُ أنه رسولُ الله". قال: "فيَنْتهِرانِه ويقولان له: وما يُدرِيك؟ فيقول: إنِّي قرأتُ كتابَ الله فصدَّقتُ به وآمنتُ". قال: "فهي آخرُ فتنةٍ تُعرضُ على المؤمن، وذلك قولُ الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ". قال: "ويُنادي منادٍ من السماء: أن صدقَ عبدي، فأفرِشُوهُ من الجنّة، وألبسُوهُ من الجنة، وأرُوهُ مقعدَه من الجنّة. فيأتيه من طِيْبها". وساقَ الحديثَ إلى صفةِ المنافقِ والمُرتاب، قال: "فيدخُلُ عليه ملَكان فيقولان له: اجلِسْ". قال: "وإنه ليَسمَعُ خَفْقَ نعالِ أصحابِه إذا ولَّوا عنه". قال: "فيجلِسُ فيقولان له: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نبيُّك؟ ".

стр. 7871

ففي روايةِ يونسَ بنٍ خبّاب: "فيقول: ربِّي الله، ودينيَ الإسلام، ونبيِّي محمدٌ ﷺ . فيَنتهِرانِه انتهارًا شديدًا ويقولان: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نبيُّك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: لا دَريتَ ولا تَلَيت". وقال الأعمشُ في حديثه: "فيقولان: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: ما تقولُ في هذا الرَّجل؟ فيقول: وأيُّ رجُل؟ فيقولان: محمدٌ. فيقول: لا أدري. سمِعتُ الناسَ قالوا قولًا، فقلتُ كما يقولُ الناس". قال: "فيُنادي مُنادٍ من السماء: أنْ كذبَ عبدي، فأفرشُوهُ من النار، وأروهُ مقعدَه من النار. ويُضيَّقُ عليه قبرُه حتى تختلفَ أضلاعُه". وساقا الحديثَ إلى آخرِه. ورَوَيْنا عن محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ علقمة، عن أصحابه، وعن مَعْمر، عن عَمْرو بنِ دينار؛ وعن سعدِ بنِ إبراهيم، عن عطاءِ بنِ يسار، دخل حديثُ بعضِهم في بعض والمعنى واحد، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لعمر: "كيف بك يا عمرُ إذا جاءك مُنكَرٌ ونَكِيرٌ إذا مِتَّ، وانطلَق بك قومُك فقاسُوا ثلاثة أذْرُع وشِبْرًا في ذراعٍ وشِبْر، ثم غسَّلوكَ وكفَّنوكَ وحنَّطوكَ ثم احتَملُوك فوضَعُوك فيه، ثم أهالُوا عليك التُّراب، فإذا انصرَفوا عنك، أتاك فَتّانا القبر، مُنكَرٌ ونَكيرٌ، أصواتُهما كالرّعْدِ القاصِف، وأبصارُهما كالبَرْق الخاطِف، يَجُرّان شُعورَهُما، معهما مِرْزَبة، لو اجتَمع عليها أهلُ الأرض لم يُقِلُّوها؟ ". فقال عمر: إن فَرِقْنا، فنحن أحقُّ أن نَفرَق، أنُبعثُ على ما نحنُ عليه؟ قال: "نعم إن شاء الله". قال: إذن أكفيكَهما (١).

стр. 7872

وذكَر سُنيد (١)، عن إسماعيلَ بنِ عُلَيّة، عن عبادِ بنِ إسحاقَ، عن أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا ماتَ المُسْلمُ أو المؤمنُ أتاه مَلكان أزْرَقان أسودان، يقالُ لأحدهما: منكرٌ. والآخر: نكيرٌ. فيقولان: ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجُل؟ فيقول ما كان يقولُ في الدُّنيا؛ هو عبدُ الله ورسولُه جاء بالحقّ. فيقال له: قد كنتَ تقولُ هذا. ثم يُفتحُ له في قبرِه سبعينَ ذراعًا في سبعين، ويُنوَّرُ له عندَه نور، ويقال له: نَمْ صالحًا. فيقول: أرجعُ إلي أهلي فأُخبرُهم؟ فيقال له: نَمْ نومةَ العَرُوسِ الذي لا يوقظُه إلا أحبُّ الناسِ إليه، حتى يبعثَه اللهُ من مضجعِه ذلك. وإن كان منافقًا قال: سمِعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه. فيقال: قد كنتَ تَقولُ ذلك". قال: "ثم تؤمرُ الأرضُ فتَلتئِمُ عليه حتَّى تختلفَ أضلاعُه، فلا يزالُ كذلك مُعذَّبًا حتى يبعثَه اللهُ" (٢). والآثارُ في عذابِ القبرِ لا يَحوطُ بها كتاب، وإنما ذكَرنا منها هاهنا ما في

стр. 7873

معنى حديثِنا، وما رجَونا أن يكونَ تفسيرًا له، والآثارُ المرفوعةُ كلُّها في هذا المعنى تدُلُّ على أن الفتنة، واللهُ أعلمُ، مرةٌ واحدةٌ. وكان عبيدُ بنُ عُمير - فيما ذكَر ابنُ جُريج، عن الحارثِ بنِ أبي الحارث عنه - يقول: يُفتَنُ رجلان؛ مؤمنٌ ومنافقٌ، فأما المؤمنُ فيُفتَنُ سبعًا، وأما المنافقُ فيُفتَنُ أربعين صباحًا (١). قال أبو عُمر: الآثارُ الثابتةُ في هذا الباب إنما تدُلُّ على أن الفتنةَ في القبر لا تكونُ إلا لمؤمنٍ أو منافق، ممّن كان في الدُّنيا منسوبًا إلى أهل القبلةِ ودينِ الإسلام، ممن حَقَنَ دمَهُ بظاهرِ الشهادة، وأما الكافرُ الجاحدُ المُبطِلُ، فليس ممّن يُسألُ عن ربِّه ودينِه ونبيِّه، وإنما يُسألُ عن هذا أهلُ الإسلام، واللهُ أعلم، فيثبِّتُ اللهُ الذين آمنوا، ويرتابُ المُبْطِلُون، ألا ترَى إلى قولهم في تأويلِ قول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآية. وأما ما جاء من الآثار في أن اليهودَ تعذَّبُ في قبورِها؛ ففي حديثِ أنس، أنَّ رسولَ الله ﷺ مرَّ مع بلالٍ على البقيع، فقال: "ألا تسمَعُ ما أسمَعُ يا بلالُ؟ ". قال: لا والله يا رسولَ الله ما أسمَعُ. قال: "أما تسمَعُ أهلَ القبورِ يعذَّبون، يعني قبورَ الجاهلية" (٢).

стр. 7874

فهذا واللهُ أعلم عذابٌ غيرُ الفتنةِ والابتلاءِ الذي يَعرضُ للمؤمن، وإنما هذا عذابٌ واصبٌ للكفار إلى أن تقومَ الساعة، فيصيرون إلى النار، ألا ترَى إلى قولِ الله : ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]. وجائز أن يكونَ عذابُ القبر غيرَ فتنةِ القبر. وقد ثبَت عن النبيِّ ﷺ أنه كان يستعيذُ من فتنةِ القبر، وعذابِ القبر، وعذابِ النار، في حديثٍ واحدٍ، وذلك دليلٌ على أن عذابَ القبر غيرُ فتنة القبرِ واللهُ أعلم؛ لأنَّ الفتنةَ قد تكونُ فيها النجاةُ، وقد يُعذَّبُ الكافرُ في قبرِه على كُفرِه دونَ أن يُسألَ. واللهُ أعلم. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (١): أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ المبارك، قال: حدَّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله ﷺ كثيرًا ما يدعُو بهؤلاء الكلمات: "اللهمَّ إني أعوذُ بك من فتنةِ النار وعذابِ النار، وفتنةِ القبر وعذابِ القبر، وشرِّ فتنةِ المسيح الدجال، ومن شرِّ فتنةِ الفقر، ومن شرِّ فتنةِ الغنى، اللهمَّ اغسِلْ خطايايَ بماءِ الثلج والبرَد، وأنقِ قلبي من الخطايا كما أنقيتَ الثوبَ الأبيضَ من الدَّنَس، وباعدْ بيني وبينَ خطايايَ كما باعدتَ بينَ المشرقِ والمغرب، اللهمَّ أني أعوذُ بك من الكسلِ والهَرم والمأْثم والمغرم". أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٢): أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال (٣): أخبرنا جريرٌ، عن هشام بنِ

стр. 7875

عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يقول: "اللهمَّ إني أعوذُ بك من عذابِ النارِ وفتنةِ النار، وفتنةِ القبر وعذابِ القبر، ومن شرِّ فتنةِ المسيح الدجال، ومن شرِّ فتنةِ الغنى، وشرِّ فتنةِ الفقر، اللهمَّ اغسِلْ خطايايَ". وذكَر تمامَ الحديث، بمعنى ما تقدَّم سواء. فهذا الحديثُ يدلُّ على أن فتنةَ القبر غيرُ عذاب القبر؛ لأنَّ الواوَ تفصلُ بين ذلك، هذا ما توجبُه اللغة، وهو الظاهرُ في الخطاب، واللهُ أعلم. وقد تقدَّم عن عُبيد بن عُمير، أنه قال: إنما يفتَن رجُلان؛ مؤمنٌ ومنافقٌ. وهو معنى ما قلنا، وفي حديثِ زيدِ بنِ ثابت، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "إن هذه الأمةَ تُبتلَى في قبورِها". ومنهم مَن يَرْويه: "تُسألُ في قبورِها". وهذا اللفظُ يحتملُ أن تكونَ هذه الأمةُ خُصَّت بذلك، وهو أمر لا يُقطعُ عليه، واللهُ أعلم. وحديثُ زيدِ بنِ ثابت هذا رواه عنه أبو سعيدٍ الخدريُّ. ذكَره سُنيدٌ (١)، وأبو بكرِ بنُ أبي شيبة (٢)، قالا: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عليّة، عن الجُريريِّ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ ثابت، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إن هذه الأمةَ تُبتلَى في قبورِها". وقال ابنُ أبي شيبة: "تُسألُ في قبورِها، فلولا ألّا تدافَنوا، لدعوتُ اللهَ أن يُسمِعَكم من عذابِ القبرِ ما أسمَع". وقد يجوزُ أن يتأوّلُ متأوِّلٌ في هذا الحديثِ وسياقَتِه على ما ذكَرَه ابنُ أبي شيبةَ فيه: أنّ فتنةَ القبر والسؤالَ فيه هو عذابُ القبر، ولكنْ ما ذكَرْنا أظهَرُ في المعنى، وأحكامُ الآخِرَةِ لا مَدخلَ فيها للقياسِ والاجتهاد، ولا للنَّظَر والاحتجاج، واللهُ يفعلُ ما يشاءُ لاشريكَ له.

стр. 7876

وقد ذكَرَ سُنيدٌ عن إسماعيلَ بنِ عُليّة عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنّ عذابَ القبر ثلاثةُ أثلاث: ثلثٌ منَ البوْل، وثُلثٌ من الغِيبَة، وثُلثٌ منَ النَّميمة، وهذا لا حُجَّةَ فيه، لأنّه ليس بمُسنَدٍ ولا متَّصل (١)؛ ولا يُحتجُّ بمِثلِه، على أنه يحتمِلُ أن يكونَ عذابُ القبْرِ هاهنا للمُرتابِ بعدَ السُّؤال الذي هو الفتنةُ وسبَبُها - واللهُ أعلم -. ويحتمِلُ أن يكونَ قولُه: "عذاب القبر" بمعنى فتنةِ القبر، فإنها تَؤولُ إلى العذابِ وفيها عذابٌ، والله أعلمُ بحقيقةِ ذلك لا شريكَ له.

стр. 7877

هشام عن عَبّاد بن عبد الله بن الزُّبير حديثٌ سادسٌ وثلاثونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن عبّادِ بنِ عبدِ الله بنِ الزُّبير، أن عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ أخبرَتْه، أنها سمِعَتْ رسولَ الله ﷺ قبلَ أن يموتَ وهو مُستنِدٌ إلى صدرِها، وأصغَت إليه يقول: "اللهمَّ اغفِرْ لي وارحَمني، وألحِقْني بالرفيق الأعلى". قال أبو عُمر: إذا كان رسولُ الله ﷺ وقد غُفر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر يدعُو بالرحمةِ والمغفرة، فغيرُه أوْلى ألّا يفتُرَ من الاستغفارِ وسؤالِ الرحمةِ من العزيزِ الغفّار، ألهَمنا الله لدُعائِه وسؤالِه، واللهُ لا يخيِّبُ مَن دَعاهُ، ولا يَحرِمُ سائلَه، ولقد أحسَن القائل، وهو عُبيدٌ (٢): مَن يسألِ الناسَ يَحرِمُوه ... وسائلُ الله لا يَخيبُ وأما قولُه في هذا الحديث: "وألحِقْني بالرفيق". فقيل: الرفيق: أعلى الجنّة. وقيل: الرفيق: الملائكةُ والأنبياءُ والصالحون، من قوله : ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. قال أهلُ اللغة: ﴿رَفِيقًا﴾ هاهنا بمعنى رُفَقاء، كما يقال: صديقٌ. بمعنى أصدقاء، وعدوٌّ. بمعنى أعداء (٣).

стр. 7878

حديثٌ سابعٌ وثلاثونَ لهشام وهو أوّلُ المَراسِل مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ عُمرَ بنَ الخطاب قال وهو يطوفُ بالبيتِ للرُّكْنِ الأسود: إنما أنتَ حَجَرٌ، ولولا أنّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ قبَّلكَ ما قبَّلتُكَ. ثم قبَّلَه. هذا الحديثُ مرسلٌ في "الموطأ" هكذا لم يُختلفْ فيه (٢)، وهو يستنِدُ من وجوهٍ صحاحٍ ثابتة (٣). ذكر ابنُ وَهْبٍ في "موطئه"، قال: أخبرني يونسُ وعمرُو بنُ الحارث، عن ابنِ شهاب، عن سالم، عن أبيه، أنه حدَّثه قال، قبّل عمرُ الحجرَ، ثم قال: أمَا والله لقد علِمتُ أنك حجرٌ، ولولا أني رأيتُ رسولَ الله ﷺ يقبِّلُك ما قبَّلتُك. قال عَمْرُو بنُ الحارث: وحدَّثني بمثلِها زيدُ بنُ أسلم، عن أبيه، عن عمر (٤). قال أبو عُمر: زعَم أبو بكرٍ البزارُ أن هذا الحديثَ رواه عن عمرَ مسندًا أربعةَ عشرَ رجلًا.

стр. 7879

قال أبو عُمر: أفضلُها وأثبتُها - وإن كانت كلُّها ثابتة - حديثُ الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا وجيهُ بنُ الحسن، قال: حدَّثنا بكّارُ بنُ قتيبة، قال: حدَّثنا مؤمَّلٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عاصم، عن عبدِ الله بنِ سرْجِسَ قال: رأيتُ عمرَ بنَ الخطاب يقبِّلُ الحجرَ ويقول: إني أعلمُ أنك حجرٌ لا تضُرُّ ولا تنفَعُ، ولكن رأيتُ رسولَ الله ﷺ يقبِّلُك، فأنا أُقبِّلُك (١). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينة. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، قالا: حدَّثنا عاصمٌ الأحول، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ سَرْجِسَ قال: رأيتُ الأُصَيْلِع عمرَ بنَ الخطاب رحمةُ الله عليه أتى الركنَ الأسودَ فقبَّله، ثم قال: والله إنِّي أعلمُ أنك حجرٌ لا تضُرُّ ولا تنفَعُ، ولولا أنِّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ يقبِّلُك ما قبَّلتُك.

стр. 7880

أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا ابنُ كثير، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عابس بنِ ربيعة، عن عمرَ، أنه جاء إلى الحجَر فقبَّله، فقال: إنِّي لأعلمُ أنك حجرٌ لا تنفَعُ ولا تضُرُّ، ولولا أني رأيتُ رسولَ الله ﷺ يقبِّلُك ما قبَّلتُك. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابق (٣)، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ الأعلى، عن سُويدِ بنِ غَفلة، قال: رأيتُ عمرَ بنَ الخطاب يُقبِّلُ الحجرَ ويقول: إنِّي لأعْلمُ أنّكَ حجَرٌ، ولكنّي رأيتُ أبا القاسم ﷺ بك حَفِيًا (٤).

стр. 7881

قال أبو عُمر: لا يَختلفون أنّ تقبيلَ الحجَرِ الأسودِ في الطوافِ من سُنَن الحجِّ لمَن قدَرَ على ذلك، ومَنْ لم يقدِرْ على تقْبيلِه، وضَع يدَهُ عليه ورفعَها إلى فيه، فإنْ لم يقْدِرْ على ذلك أيضًا للزِّحام كبَّرَ إذا قابلَه، فمَن لم يفعلْ فلا حرجَ عليه، ولا ينبغي لمَن قدرَ على ذلك أن يتْرُكَه تأسِّيًا برسولِ الله ﷺ وأصحابه بعدَهُ. أخبرنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ نافع المَكِّيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أحمدَ الخُزاعيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن عُمرَ بن أبي سَلَمة، عن أبيه، أنّ عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ كان إذا أتى الرُّكْنَ فوجَدَهُم يزْدَحمونَ عليه، استَقبلَه وكبَّر ودَعا، ثم طاف، فإذا رأى خَلْوةً استَلمَه.

стр. 7882

حديثٌ ثامنٌ وثلاثونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ لعبدِ الرحمن بنِ عوف: "كيف صنعتَ يا أبا محمّدٍ في استلام الرُّكْن؟ ". فقال عبدُ الرحمن: استلمتُ وتركْتُ. فقال رسولُ الله ﷺ : "أصبْتَ". قال أبو عُمر: كان ابنُ وَضّاح يقول في "موطأ يحيى": إنما الحديث: "كيف صنَعتَ يا أبا محمّد في استلام الركنِ الأسود؟ ". وزعَم أن يحيى سقَط له من كتابه "الأسود". وأمَر ابنُ وَضّاح بإلحاق "الأسود" في كتاب يحيى، ولم يروِ يحيى "الأسود". ولكنه رواه ابنُ القاسم، وابنُ وَهْب، والقَعْنبيُّ (٢)، وجماعة (٣). وقد روَى أبو مُصعب (٤) وغيرُه (٥) كما روَى يحيى، لم يذكُروا "الأسود". وكذلك رواه ابنُ عُيينةَ وغيرُه (٦)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه. لم يذكُروا "الأسود"، كما روى يحيى، وهو أمرٌ محتملٌ جائزٌ في الوجهين جميعًا.

стр. 7883

ورواه الثوريُّ، عن هشام، عن أبيه، فقال فيه: "كيف صنعتَ في استلامِك الحجرَ؟ " (١). وسنذكرُ في آخر هذا الباب بعضَ ما حَضَرنا من أسانيدِ هذا الحديثِ إن شاء الله. وقد صنَع ابنُ وَضّاح مثلَ هذا أيضًا في "موطأ يحيى" (٢) في قول مالك: سمِعتُ بعضَ أهل العلم يَستحبُّ إذا رفَع الذي يطوفُ بالبيتِ يدَه عن الرُّكن اليماني أن يضعَها على فيه. فأمَر ابنُ وَضّاح بطرح "اليماني" من روايةِ يحيى، وهذا مما تسوَّر فيه على رواية يحيى، وهو صوابٌ من روايةِ يحيى ومن تابَعه في هذا الموضع، وكذلك روَى ابنُ وَهْب، وابنُ القاسم (٣)، وابنُ بُكير (٤)، وأبو المُصعب (٥)، وجماعةٌ في هذا الموضع عن مالك، أنه سمِع بعضَ أهل العلم يَستحبُّ إذا رفَع الذي يطوفُ بالبيتِ يدَه عن الركنِ اليماني أن يضعَها على فيه. زاد ابنُ وَهْب: من غيرِ تَقْبيل (٦). وقالوا كلُّهم: "الركن اليماني". والعجبُ من ابنِ وَضّاح، وقد روى "موطأ ابن القاسم" وفيه "اليماني"، كيف أنكَره؟! وقد روَى القَعْنبيُّ، عن مالك في ذلك، قال: سمِعتُ بعضَ أهلِ العلم يَستحبُّون إذا رفَع الذي يطوفُ بالبيت يدَه عن الركنِ الأسودِ أن يضعَها على فيه. هكذا قال القعنبيُّ: "الركنِ الأسود". وأظنُّ ابنَ وَضّاح إنما أنكَر "اليماني" في روايةِ يحيى لأنه رأى روايةَ القعنبيِّ، أو مَن تابَع القعنبيَّ على قوله: "الأسود"، فمن

стр. 7884

هناك أنكَر "اليماني"، على أن ابنَ وَضّاح لم يروِ "موطأ القعنبيِّ"، وروَى "موطأ ابن القاسم"، و"موطأ ابن وَهْب"، وفيهما جميعًا "اليماني"، كما روَى يحيى، وهي بأيدي أهل بلدِنا في الشُّهرةِ كروايةِ يحيى، ولكنَّ الغلطَ لا يَسلمُ منه أحدٌ (١). وأما إدخالُه في حديثِ عبدِ الرحمن بنِ عوف "الأسود" فكذلك رواه أكثرُ رواة "الموطأ"، فابنُ وَضّاح في هذا معذورٌ، ولكنه لم يكنْ يَنْبغي له أن يزيدَ في روايةِ الرجل، ولا يردَّها إلى روايةِ غيرِه، ففي ذلك من الإحالةِ ما لا يَرضاه أهلُ الحديث. وهذا المعنى في الفقهِ كلُّه جائزٌ عندَ أهل العلم لا نكيرَ فيه، فجائزٌ عندَهم أن يستلمَ الركنَ اليمانيَ والركنَ الأسود، لا يختلفون في شيء من ذلك، وإنما الذي فرَّقوا بينَهما فيه التقبيلُ لا غيرُ، فرأَوْا تقبيلَ الركن الأسودِ والحجَر، ولم يرَوْا تقبيلَ اليماني، وأما استلامُهما جميعًا فأمرٌ مجتمعٌ عليه، وإنما اختلَفوا في استلام الركنين الآخرَين، وقد ذكَرنا اختلافَهم في ذلك في مواضعَ من كتابنا. والحمدُ للّه. وقد كان عُروةُ بنُ الزُّبير، وهو راويةُ هذا الحديث، يستلمُ الأركانَ كلَّها. ذكَر مالكٌ في "الموطأ" (٢)، عن هشام بنِ عُروة: أن أباه كان إذا طافَ بالبيتِ يستلمُ الأركانَ كلَّها، قال: وكان لا يدَعُ الركنَ اليماني، إلا أن يُغلبَ عليه. وذكَر ابنُ وَهْبٍ في "موطأ مالك" عن مالك، قال: سمِعتُ بعضَ أهلِ العلم يَستحبُّ إذا رفَع الذي يطوفُ يدَه على الركن اليماني أن يضعَها على فيه من غيرِ

стр. 7885

تقبيل، ولا يُقبِّلُ إلا الركنَ الأسود، يُقَبَّلُ ويُسْتَلمُ (١) باليدِ وتوضعُ على الفم، ولا يقبِّلُ اليدَ فيهما جميعًا. قال أبو عُمر: فهذا كلُّه من قولِ مالك في "موطئه"، من رواية ابنِ وَهْبٍ وغيرِه، يبيِّنُ ما قُلْنا، وبالله توفيقُنا. وفي استلام الركنين الأسودِ واليماني آثارٌ ثابتةٌ مسنَدةٌ، أحسنُها حديثُ ابنِ شهاب، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، قال: لم أرَ رسولَ الله ﷺ يمسَحُ من البيتِ إلا الركنَين اليمانيَيْن (٢). قال: وأُخبِرَ ابنُ عمرَ بقول عائشة: أن الحِجْرَ من البيت. فقال: إن كانت عائشةُ سمِعت هذا من رسولِ الله ﷺ ، إني لأظُنُّ رسولَ الله ﷺ لم يترُكْ استلامَهما إلا أنهما ليسا على قواعدِ إبراهيمَ ﷺ ، ولا طافَ الناسُ من وراءِ الحِجْرِ إلا لذلك (٣). قال أبو عُمر: قوله: "الرُّكْنينِ اليمانيَيْن"، يريدُ: الرُّكْنَ الأسودَ واليماني، وقد ذكَرنا مراتبَهما والأحاديثَ فيهما، واختلافَ السلفِ في كيفيةِ استلامِهما، وأخبَرنا بأنّ الفقهاءَ على استلام الركنَين خاصةً على حديثِ ابن عُمرَ وعائشة، وبسَطنا ذلك كلَّه في حديثِ ابنِ شهاب وغيرِه من هذا الكتاب (٤).

стр. 7886

حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، عن عبدِ العزيزِ بنِ أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابنِ عُمر، قال: كان رسولُ الله ﷺ لا يدَعُ أن يستلمَ الركنَ اليمانيَ والحَجَرَ في كلِّ طَوْفة. قال: وكان عبدُ الله بنُ عمرَ يفعلُه. قال أبو عُمر: هذا أفضلُ ما رُويَ في هذا الباب وأولاهُ وأصحُّه، وقد رُوِيَ عن مجاهدٍ وطاووس، أنهما كانا يَستحبّان استلامَ الرُّكنَين الأسودِ واليماني في كلِّ وترٍ من الطواف (٢)، رُوِيَ ذلك عنهما من طُرُق. وأماّ إنكارُ ابنِ وَضّاح لاستلام الركنِ اليماني فلا وجهَ له، اللهمَّ إلا أن يكونَ أنكَر اللفظةَ في حديثِ مالك، عن هشام، عن أبيه، في قصّةٍ عبدِ الرحمن بنِ عوف (٣)، دونَ أن ينكرَ استلامَ الركن اليماني، فإن استلامَه لا خلافَ بينَ العلماءِ فيه.

стр. 7887

رَوَينا عن مجاهدٍ وعطاء: مَنْ وضَع يدَه على الرُّكن اليماني ثم دعا استُجيب له (١). وعن الزُّبير (٢): الرُّكنُ اليماني بابٌ من أبوابِ الجنة. وفي التَّرغيب في استلامِه آثارٌ كثيرةٌ ذكَرها الخُزاعيُّ في كتاب "فضائل مكة" الكتاب الكبير. وقد روَى عبدُ الله بنُ مسلم بن هُرْمز، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا استلَم الركنَ اليماني قبَّله ووضَع خدَّه الأيمنَ عليه (٣). قال أبو عُمر: هذا لا يصحُّ، وإنما المعروفُ قبَّل يدَه، وإنما يُعرفُ تقبيلُ الحجرِ الأسودِ ووضعُ الوجهِ عليه، وقد جاء هذا الحديثُ كما ترى، وليس يُعرفُ بالمدينة العملُ به. فاللهُ أعلم. حدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ نافع المكيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أحمدَ الخُزاعيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليٍّ (٤)، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ

стр. 7888

منصور، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمة، عن أبيه: أن عبدَ الرحمن بنَ عوف كان إذا أتى الرُّكنَ فوجَدهم يزدحِمون عليه استقبَله وكبَّر ودعا ثمّ طاف، فإذا وجَد خَلوةً استلَمه (١). أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ أبي مَسرَّة، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ الزُّهريُّ، قال: أخبرنا القاسمُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الرحمن الأنصاريُّ من وَلدِ أُحَيْحَةَ بنِ الجُلَاح، عن ابنِ (٢) أبي نَجِيح، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه: أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: "يا أبا محمدٍ، كيف صنَعتَ حينَ طُفْتَ؟ ". قال: استلمتُ وتركتُ. قال: "أصبتَ" (٣). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أبو العباسِ أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ جامع السُّكَّريُّ، قراءةً عليه من كتابِه سنةَ أربع وأربعين وثلاثِ مئةٍ وأنا أسمعُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبد العزيز، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكَين، قال: حدَّثنا سفيانُ الثوريُّ، عن هشام بنِ عُروة، عن عُروة،

стр. 7889

عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوف، قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "كيف صنَعتَ في استلامِك الحجَرَ؟ ". قال: استلمتُ وتركتُ. قال: "أصبتَ" (١). وعند هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ طافَ في حَجَّةِ الوداع حولَ الكعبةِ يستلمُ الرُّكنَ بمِحْجَن (٢)؛ كراهيةَ أن يُصْرَفَ عنه الناسُ (٣). وليس هذا عندَ مالك، عن هشام. قال أبو عُمر: الاستلامُ للرِّجالِ دونَ النساءِ عن عائشةَ وعطاء (٤) وغيرهما، وعليه جماعةُ الفقهاء.

стр. 7890

حديثٌ تاسعٌ وثلاثون لهشام مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ صاحبَ هَدْي رسولِ الله ﷺ قال: يا رسولَ الله، كيف أصنعُ بما عَطِبَ من الهَدْي؟ فقال له رسولُ الله ﷺ : "كلُّ بَدَنةٍ عَطِبَتْ مِن الهَدْي فانحَرْها، ثم ألْقِ قَلائدَها في دمِها، ثم خَلِّ بينَ الناسِ وبينَها يأكُلونها". هذا حديثٌ مرسلٌ في "الموطأ" (٢)، وهو في غير "الموطأ" مسندٌ؛ لأنَّ جماعةً من الحفّاظِ روَوه عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن ناجيةَ الأسلميِّ صاحبِ بُدنِ رسولِ الله ﷺ . وغيرُ نكيرٍ أن يسمعَ منه عُروة. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ الحُباب القاضي بالبصرةِ أبو خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ سعيد، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن ناجيةَ الأسلميِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ بعَث معه بهَدْي، قال: "إن عَطِبَ فانحَرْه، ثم اصبُغْ نعلَه في دمِه، ثم خَلِّ بينَه وبينَ الناس" (٣).

стр. 7891

حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الله (١)، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطَّحَاويُّ، قال (٢): حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا سفيانُ بنُ عيينة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن ناجيةَ صاحبِ بُدْنِ رسولِ الله ﷺ ، أنه قال: يا رسولَ الله، كيف أصنعُ بما عطِب من الهَدْي؟ قال: "انحَرْه، ثم اغمِسْ قلائدَه في دمِه، ثم اضرِبْ بها صفحةَ عنقِه، ثم خَلِّ بينَه وبينَ الناس". أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٣): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا وُهَيْبُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن ناجيةَ صاحبِ هَدْي رسولِ الله ﷺ ، أنه سأل رسولَ الله ﷺ كيف يصنَعُ بما عَطِب من الهَدْي، فأمَره أن ينحَرَ كلَّ بدنةٍ عَطِبت، ثم يُلقِيَ حَبْلَها في دمِها، ويخلِّيَ بينَها وبينَ الناسِ يأكُلونها. كذا وقَع عندَه: حبْلَها في دمِها. وإنما هو: نعلَها في دمِها. وناجيةُ هذا هو ناجيةُ بنُ جُنْدُبٍ الأسلميُّ، وقد ذكَرناه ورفَعنا نسبَه في كتاب "الصحابة" (٤).

стр. 7892

وروَى ابنُ عباس هذا الحديثَ عن النبيِّ ﷺ ، وزاد فيه: "ولا تأكُلْ منها أنت ولا أحدٌ من أهْلِ رُفقتِك" (١). وسنذكرُه هاهنا إن شاء الله (٢). وفي هذا الحديثِ من الفقهِ أن الهديَ يُقَلَّدُ، وأن التقليدَ من شأنِه وسُنَّتِه، والتقليدُ أن يُعلَّقَ في (٣) عنقِ البَدَنةِ نعْلٌ علامة؛ ليُعرَفَ أنها هَدْيٌ. ورُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قلَّد هديَه نَعْلَين (٤)، وكذلك كان ابنُ عُمرَ يفعل (٥)، وبه قال الشافعيُّ واستحسَنه (٦). والنَّعْلُ عندي تجزئُ، وهو قولُ مالك، والزُّهريِّ، وجماعة العلماء؟ كلُّهم لا يختلِفون في تقليدِ الهَدْي، ويجزئُ عندَ جميعِهم نعلٌ واحدة. والذي أجمَعوا عليه من تقليدِ الهدي الإبلُ والبَقَر، واختلَفوا في تقليدِ الغنم؛ فكان مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهم ينكِرون تقليدَ الغنم (٧)، وأجاز تقليدَها الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور (٨)؛ لقول عائشة: كنتُ أُقلِّدُ الغنمَ لرسولِ الله ﷺ (٩). وهو قولُ عطاءٍ وجماعة (١٠).
следующие страницы →