← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7888–7927 · переход к 7893.

стр. 7888

منصور، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمة، عن أبيه: أن عبدَ الرحمن بنَ عوف كان إذا أتى الرُّكنَ فوجَدهم يزدحِمون عليه استقبَله وكبَّر ودعا ثمّ طاف، فإذا وجَد خَلوةً استلَمه (١). أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ أبي مَسرَّة، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ الزُّهريُّ، قال: أخبرنا القاسمُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الرحمن الأنصاريُّ من وَلدِ أُحَيْحَةَ بنِ الجُلَاح، عن ابنِ (٢) أبي نَجِيح، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه: أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: "يا أبا محمدٍ، كيف صنَعتَ حينَ طُفْتَ؟ ". قال: استلمتُ وتركتُ. قال: "أصبتَ" (٣). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أبو العباسِ أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ جامع السُّكَّريُّ، قراءةً عليه من كتابِه سنةَ أربع وأربعين وثلاثِ مئةٍ وأنا أسمعُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبد العزيز، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكَين، قال: حدَّثنا سفيانُ الثوريُّ، عن هشام بنِ عُروة، عن عُروة،

стр. 7889

عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوف، قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "كيف صنَعتَ في استلامِك الحجَرَ؟ ". قال: استلمتُ وتركتُ. قال: "أصبتَ" (١). وعند هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ طافَ في حَجَّةِ الوداع حولَ الكعبةِ يستلمُ الرُّكنَ بمِحْجَن (٢)؛ كراهيةَ أن يُصْرَفَ عنه الناسُ (٣). وليس هذا عندَ مالك، عن هشام. قال أبو عُمر: الاستلامُ للرِّجالِ دونَ النساءِ عن عائشةَ وعطاء (٤) وغيرهما، وعليه جماعةُ الفقهاء.

стр. 7890

حديثٌ تاسعٌ وثلاثون لهشام مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ صاحبَ هَدْي رسولِ الله ﷺ قال: يا رسولَ الله، كيف أصنعُ بما عَطِبَ من الهَدْي؟ فقال له رسولُ الله ﷺ : "كلُّ بَدَنةٍ عَطِبَتْ مِن الهَدْي فانحَرْها، ثم ألْقِ قَلائدَها في دمِها، ثم خَلِّ بينَ الناسِ وبينَها يأكُلونها". هذا حديثٌ مرسلٌ في "الموطأ" (٢)، وهو في غير "الموطأ" مسندٌ؛ لأنَّ جماعةً من الحفّاظِ روَوه عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن ناجيةَ الأسلميِّ صاحبِ بُدنِ رسولِ الله ﷺ . وغيرُ نكيرٍ أن يسمعَ منه عُروة. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ الحُباب القاضي بالبصرةِ أبو خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ سعيد، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن ناجيةَ الأسلميِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ بعَث معه بهَدْي، قال: "إن عَطِبَ فانحَرْه، ثم اصبُغْ نعلَه في دمِه، ثم خَلِّ بينَه وبينَ الناس" (٣).

стр. 7891

حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الله (١)، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطَّحَاويُّ، قال (٢): حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا سفيانُ بنُ عيينة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن ناجيةَ صاحبِ بُدْنِ رسولِ الله ﷺ ، أنه قال: يا رسولَ الله، كيف أصنعُ بما عطِب من الهَدْي؟ قال: "انحَرْه، ثم اغمِسْ قلائدَه في دمِه، ثم اضرِبْ بها صفحةَ عنقِه، ثم خَلِّ بينَه وبينَ الناس". أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٣): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا وُهَيْبُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن ناجيةَ صاحبِ هَدْي رسولِ الله ﷺ ، أنه سأل رسولَ الله ﷺ كيف يصنَعُ بما عَطِب من الهَدْي، فأمَره أن ينحَرَ كلَّ بدنةٍ عَطِبت، ثم يُلقِيَ حَبْلَها في دمِها، ويخلِّيَ بينَها وبينَ الناسِ يأكُلونها. كذا وقَع عندَه: حبْلَها في دمِها. وإنما هو: نعلَها في دمِها. وناجيةُ هذا هو ناجيةُ بنُ جُنْدُبٍ الأسلميُّ، وقد ذكَرناه ورفَعنا نسبَه في كتاب "الصحابة" (٤).

стр. 7892

وروَى ابنُ عباس هذا الحديثَ عن النبيِّ ﷺ ، وزاد فيه: "ولا تأكُلْ منها أنت ولا أحدٌ من أهْلِ رُفقتِك" (١). وسنذكرُه هاهنا إن شاء الله (٢). وفي هذا الحديثِ من الفقهِ أن الهديَ يُقَلَّدُ، وأن التقليدَ من شأنِه وسُنَّتِه، والتقليدُ أن يُعلَّقَ في (٣) عنقِ البَدَنةِ نعْلٌ علامة؛ ليُعرَفَ أنها هَدْيٌ. ورُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قلَّد هديَه نَعْلَين (٤)، وكذلك كان ابنُ عُمرَ يفعل (٥)، وبه قال الشافعيُّ واستحسَنه (٦). والنَّعْلُ عندي تجزئُ، وهو قولُ مالك، والزُّهريِّ، وجماعة العلماء؟ كلُّهم لا يختلِفون في تقليدِ الهَدْي، ويجزئُ عندَ جميعِهم نعلٌ واحدة. والذي أجمَعوا عليه من تقليدِ الهدي الإبلُ والبَقَر، واختلَفوا في تقليدِ الغنم؛ فكان مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهم ينكِرون تقليدَ الغنم (٧)، وأجاز تقليدَها الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور (٨)؛ لقول عائشة: كنتُ أُقلِّدُ الغنمَ لرسولِ الله ﷺ (٩). وهو قولُ عطاءٍ وجماعة (١٠).

стр. 7893

وقد مضَى في هذا الكتابِ في بابِ عبدِ الله بنِ أبي بكر القولُ في تقليدِ الهَدْي؛ هل يُوجبُ على صاحبِه أن يكونَ محرمًا لذلك أم لا؟ والصحيحُ في ذلك حديثُ عائشةَ على ما ذكَرناه هناك، ومن أحسنِ طُرُقه ما أخبرَنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا يزيدُ بنُ خالدٍ وقتيبةُ بنُ سعيد، أن الليثَ حدَّثهم، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ وعَمْرة بنتِ عبدِ الرحمن، أن عائشةَ قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُهدى من المدينة، فأفتِلُ قلائدَ هديه، ثم لا يجتنِبُ شيئًا مما يجتنبُه المحرم. وأما قولُه: "كيف أصنعُ بما عطِبَ من الهَدْي؟ "، فجاوَبه رسولُ الله ﷺ بما ذكَر في حديثِ هشام هذا، فإن هذا محمَلُه عندَ العلماءِ على الهدي التطوُّع، وكذلك كان هدْيُ رسولِ الله ﷺ تطوُّعًا، لأنه كان في حَجَّتِه مفرِدًا عند مالك وطائفة. واللهُ أعلم. وقد ذكَرنا الاختلافَ عنه في ذلك في باب ابنِ شهاب وغيره (٢). والهَدْيُ التطوعُ لا يجوزُ لأحدٍ ساقَه أكلُ شيءٍ منه إذا عَطِبَ قبلَ أن يبلُغَ مَحِلَّه؛ لئلا يكونَ ذلك ذريعةً إلى أكْلِ الهدي قبلَ مَحِلِّه من أجلِ أنه تطوُّعٌ، فينصرِفُ من الناسِ مَن لم تصحَّ نيتُه فيما أخرَجوه لله، ويعتَلُّون بأنه عَطِبَ. ذكر أبو ثابت، وأسدٌ، وسُحْنونٌ، وابنُ أبي الغَمْر، عن ابنِ القاسم (٣): قلت لابن القاسم: أرأيتَ هَدْيَ التطوُّع إذا عَطِبَ، كيف يَصنَعُ به صاحبُه في قولِ مالك؟

стр. 7894

قال: قال مالك: يَرْمِي بقلائدِه في دَمِه إذا نحَره، ويُخلِّي بينَ الناسِ وبينَه، ولا يأمرُ أحدًا أن يأكُلَ منه فقيرًا ولا غنيًّا، فإن أكَل هو، أو أمَر أحدًا من الناسِ بأكلِه، أو حزَّ شيئًا من لحمِه، كان عليه البَدَل. قال ابنُ القاسم (١): وقال مالك: كلُّ هَدْي مَضْمون إذا عَطِب فليأكُلْ منه صاحبُه، ولْيُطعِمْ منه الأغنياءَ والفقراءَ ومَن أحبَّ، ولا يبعْ من لحمِه، ولا من جلدِه، ولا من قلائدِه شيئًا. قال مالكٌ: ومن الهَدْي المَضْمونِ ما إن عَطِبَ قبلَ أن يبلُغَ مَحِلَّه جاز له أن يأكُلَ منه، وهو إن بلَغ مَحِلَّه لم يأكُلْ منه؟ وهو جزاءُ الصيد، وفديةُ الأذى، ونذْرُ المساكين، فهذا إن عَطِبَ قبلَ مَحِلِّهِ جاز له أن يأكُلَ منه؛ لأنَّ عليه بدَلَه، وإذا بلَغ مَحِلَّه أجزَأه عن الذي ساقَه، ولا يجزئُه إن أكَل منه. قال إسماعيلُ بنُ إسحاق: لأنَّ الهدْيَ المضمونَ إذا عطِب قبلَ أن يبلُغَ مَحِلَّه كان عليه بَدَلُه، وبذلك جاز له أن يأكُلَ منه ويُطعِمَ، وإذا عطِب الهديُ التطوعُ قبلَ أن يبلُغَ مَحِلَّه لم يجُزْ له أن يأكلَ منه ولا يُطعم؛ لأنه لما لم يكنْ عليه بدلُه خيفَ أن يفعلَ ذلك بالهدي، ويُنحرَ من غيرِ أن يعطَبَ، فاحْتيط على الناس، وبذلك مضَى العملُ في هدي التطوُّع؛ إذا عطِب في الطريقِ نحَره صاحبُه وخلَّى بينَه وبينَ الناس (٢). وذكَر إسماعيل بنُ إسحاقَ حديثَ هشام هذا، عن أبيه، عن ناجية، وحديثَ ابنِ عباسٍ عن ذؤيبٍ الخُزاعيِّ. قال أبو عُمر: أما حديثُ ناجيةَ فقد تقدَّم ذكرُه، وأما حديثُ ابنِ عباسٍ فاختُلِف فيه عنه؛ فطائفةٌ روَت عنه ما يدُلُّ على أن ناجيةَ الأسلميَّ حدَّثه، وطائفةٌ

стр. 7895

روَت عنه أن ذؤيبًا الخُزاعيَّ حدَّثه. وذؤيبٌ هذا: هو والدُ قَبيصةَ بنِ ذؤيب، وربما بعَث رسولُ الله ﷺ أيضًا معه هديًا، فسأله كما سأله ناجيةُ. فاللهُ أعلم. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد (١)، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطحاويُّ، قال (٢): حدَّثنا المُزنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم - يعني ابنَ عُلَيّة - قال: حدَّثنا أبو التَّيّاح، عن موسى بن سَلَمة، عن ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله ﷺ بعَث بثَمانِ عَشَرةَ بَدَنةً مع رجل، فأمَره فيها بأمرٍ، فانطلَق ثم رجَع إليه، فقال: أرأيتَ إن عَطِبَ منه شيءٌ؟ قال: "فانحَرْها، ثم اصبُغْ نعلَها في دمِها، ثم اجعَلْها على صفحتِها، ولا تأكُلْ منها أنت ولا أحدٌ من أهلِ رُفْقتِك". أخبرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا أبو التَّيّاح، عن موسى بن سَلَمة، قال: خرجتُ أنا وسِنانُ بنُ سَلَمة ومعنا بدَنَتان، فأزحَفتا علينا (٣) بالطريق، فلمّا قدِمنا مكةَ أتَينا ابنَ عباسٍ فسألناه، فقال: على الخبير

стр. 7896

سقَطتَ، بعَث رسولُ الله ﷺ فلانًا الأسلميَّ، وبعَث معه بثمانِ عَشَرةَ بدَنَةً، فقال: يا رسولَ الله، أرأيتَ إن أزحَف عليَّ منها شيءٌ بالطريق؟ قال: "تنحرُها وتصبُغُ نعْلَها - أو قال: تغمِسُ نعْلَها - في دمِها، فتضرِبُ بها على صفحتِها، ولا تأكُلْ منها أنتَ ولا أحدٌ من أهلِ رُفْقتِك" (١). وروَى شعبةُ وسعيدُ بنُ أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن سنانِ بنِ سَلَمة، عن ابنِ عباس، أن ذؤيبًا الخُزاعيَّ حدَّثه، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يبعَثُ معه بالبُدْنِ ثم يقول: "إذا عَطِبَ شيءٌ منها فخشِيتَ عليه موتًا، فانحَرْهُ، ثم اغْمِسْ نعَلْه في دَمِه، ثم اضْرِبْ صفْحَته، ولا تَطعَمْ منها ولا أحدٌ من أهلِ رُفْقتِك" (٢). قال أبو عُمر: قوله: "ولا أحدٌ من أهلِ رُفْقتِك". لا يوجدُ إلا في حديثِ ابنِ عباسٍ هذا بهذا الإسنادِ عن موسى بن سَلَمةَ وسنانِ بنِ سَلَمة، وليس ذلك في حديثِ هشام بن عُروة، عن أبيه، عن ناجية، وهذا عندَنا أصحُّ من حديثِ ابنِ عباسٍ عن ذؤيب، وعليه العملُ عندَ الفقهاء، ومن جهةِ النظرِ أهلُ رُفْقتِه وغيرُهم في ذلك سواءٌ، ويدخلُ في قولِه ﵇: "وخَلِّ بينَ الناسِ وبينَه يأكُلونه". أهلُ رُفقتِه وغيرُهم. وأمّا الضمانُ على مَن أكَل من هدْيِه التطوُّع وإن لم يكنْ موجودًا في الحديثِ المسند، فإن ذلك عن الصحابةِ والتابعين، وعليه جماعةُ فقهاءِ الأمصار.

стр. 7897

ورُوِيَ عن عُمر، وعليٍّ، وابنِ مسعود: إن أكَل من الهَدْي التطوُّع غرِمَ (١). وعن ابن عباس: إن أكَلْتَ أو أمَرتَ بأكلِه غرِمتَ (٢). وعن ابنِ المسيِّبِ مثلُه سواء، من روايةِ مالك، عن ابن شهاب (٣). وروَى ابنُ أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، قال: مضَتِ السُّنّةُ إذا أُصيبَتِ البدَنةُ تطوُّعًا في الطريق أن يَنْحَرَها ويغْمِسَ قلائدَها في دمِها، ثم لا يأكلَ منها ولا يُطعمَ ولا يَقسمَ، فإن فعَل شيئًا من ذلك ضَمِنَ (٤). وعن ابنِ عُمرَ، وابنِ عباس، وعطاء، والنخعيِّ، في الهدي الواجبِ يعطَبُ، قالوا: كُلْ إن شئتَ إذا نحَرتَه، وعليك البدلُ (٥). وأما اختلافُ الفقهاءِ في هذه المسألة؛ فقال مالك (٦): ما عطِبَ من الهدْيِ قبلَ أن يبلُغَ مَحِلَّه، فإن كان واجبًا أكَل منه إن شاء وأبدَلَه، وإن كان تطوُّعًا نحَره ثم صبَغ قلائدَه في دمِه، وخلَّى بينَ الناس وبينَه، ولم يأكُلْ ولم يُطعِمْ ولم يتصدَّقْ، فإن أكَلَ أو أطعَمَ أو تصدَّق ضمِنَ. وهو قولُ الشافعيِّ، والأوزاعيِّ، والثوريِّ (٧)، إلا أنهم قالوا: يضمَنُ ما أكَل أو أطعَم أو تصدَّق، وليس عليه البدلُ

стр. 7898

إلا لما أتلَف، فإن أتلَفه كلَّه ضمِنه كلَّه. وكذلك قال أبو حنيفةَ أيضًا، إلا أنه قال: يتصدَّقُ بالهَدْي التَّطوُّع إذا عطِب أفضلُ من أن يترُكَه فتأكُلَه السباع. قال: ولو أطعَم منه غنيًّا ضمِن. وقال في الهَدْي الواجب: لا بأسَ أن يبيعَ لحمَه (١). وهو قول عطاء؛ يستعينُ به في ثمنِ هَدْي (٢). وهؤلاء يرَون بيعَه. واختلَفوا فيما يُؤكلُ من الهَدْي إذا بلَغ مَحِلَّه؛ فقال مالك (٣): يُؤكلُ من الهَدْي كلِّه إذا بلَغ مَحِلَّه إلا جزاءَ الصيد، ونُسُكَ الأذَى، وما نُذِر للمساكين. وقال الشافعيُّ (٤): لا يُؤكلُ من الهَدْي كلِّه شيءٌ إذا بلَغ مَحِلَّه إلا بالتَّطَوُّعِ وحدَه، فأما الهديُ الواجبُ فلا يأكلْ شيئًا منه. وقال أبو حنيفة (٥): يُؤكلُ من هدي المتعةِ والقِرانِ والتطوُّع، ولا يُؤكلُ مما سِواه. وقال الثوريُّ (٦): يُؤكلُ من هدي المتعةِ والإحصارِ والوصيةِ والتطوُّع.

стр. 7899

حديثٌ مُوفي أربعينَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أن مُخنَّثًا كان عندَ أمِّ سَلَمةَ زوج النبيِّ ﷺ ، فقال لعبدِ الله بنِ أبي أُميّة ورسولُ الله ﷺ يسمَعُ: يا عبدَ الله، إن فتَح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا، فإنّي أدُلُّك على ابنةِ غَيْلان؛ فإنها تُقبِلُ بأربع وتُدبرُ بثمان. فقال رسولُ الله ﷺ : "لا يَدخُلَنَّ هؤلاء عليكم". هكذا روَى هذا الحديثَ جمهورُ الرواةِ عن مالكٍ مرسلًا (٢). ورواه سعيدُ بنُ أبي مريم، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن أمِّ سَلَمة (٣). والصوابُ عن مالكٍ ما في "الموطأ" ولم يسمَعْه عُروةُ من أمِّ سَلَمة، وإنما رواه عن زينبَ ابنتِها عنها (٤)؛ كذلك قال ابنُ عُيينةَ وأبو معاوية، عن هشام. فأما حديثُ ابن أبي مريم، عن مالك، فحدَّثناه أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوب، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: أخبرنا مالكٌ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن أمِّ سَلَمة، أنَّ النبيَّ ﷺ

стр. 7900

كان عندَها، وكان مخنَّثٌ عندَهم جالسًا، فقال المخنَّثُ لعبدِ الله بنِ أبي أميةَ أخي أمِّ سَلَمة: إن فتَح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا، فأنا أدُلُّك على ابنةِ غَيْلان؛ فإنها تُقبِلُ بأربع وتُدْبِرُ بثمان. فقال رسولُ الله ﷺ : "لا يَدْخُلُ هؤلاء عليكم" (١). وأما حديثُ ابنِ عُيينة، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمة، عن أمِّها أمِّ سَلَمة، قالت: دخَلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ وعندي مُخنَّثٌ، فسمِعه يقولُ لعبدِ الله بنِ أبي أمية: يا عبدَ الله، أرأيتَ إن فتَح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا، فعليك بابنةِ غَيْلان؛ فإنها تُقبلُ بأربعٍ وتُدبرُ بثمان. قالت: فقال رسولُ الله ﷺ : "لا يَدْخُلَنَّ هؤلاء عليكم". قال سفيان: قال ابنُ جُريج: اسمُه هِيْتٌ (٣). يعني: المخنَّثَ. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ وإبراهيمُ بنُ شاكر، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ بنِ حبيبٍ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ عبدِ الخالق، قال: حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمة، عن أمِّ سَلَمة. فذكَر الحديثَ بتمامِه (٤).

стр. 7901

قال أبو عُمر: ذكَر عبدُ الملك بنُ حبيب (١)، عن حبيبٍ كاتب مالك: قلتُ لمالك: إن سفيانَ زاد في حديثِ ابنةِ غيلانَ أن مُخنَّثًا يقالُ له: هيتٌ. وليس في كتابك هِيتٌ. فقال مالك: صدَق، وهو كذلك، وكان النبيُّ ﷺ غرَّبه إلى الحِمَى، وهو موضعٌ من ذي الحُلَيفةِ ذاتِ الشمال من مسجدِها. قال حبيبٌ: وقلتُ لمالك: وقال سفيانُ في الحديث: إذا قعَدت تَبَنَّتْ، وإذا تكلَّمت تغنَّت. قال مالك: صدَق، كذلك هو في الحديث. قال: وقلتُ لمالك: قال سفيانُ في تفسير: تُقبِلُ بأربع وتُدبِرُ بثمان، يعني مِظَلَّة (٢) الأعراب، مُقدَّمُها أربع، ومَدْبرُها ثمان. فقال مالك: لم يصنَعْ شيئًا، إنا هي عُكَنٌ أربعٌ إذا أقبلَت، وثمانٍ إذا أدبرَت، وذلك أن الظَّهرَ لا تنكسِرُ فيه العُكَنُ. قال أبو عُمر: كلُّ ما ذكَره حبيبٌ كاتبُ مالك، عن سفيانَ بنِ عيينةَ أنه قال في الحديث، يعني حديثَ هشام بنِ عُروةَ هذا، فغيرُ معروفٍ فيه عندَ أحدٍ من رُواتِه عن هشام، لا ابنِ عيينةَ ولا غيرِه، ولم يَقُلْ سفيانُ في نسَقِ الحديثِ أن مخنَّثًا يُدْعَى هيتٌ، وإنما ذكَرَه عن ابن جُريج بعدَ تمام الحديث، على ما ذكَرناه عن الحُميديِّ عنه، وهو أثبتُ الناس في ابنِ عُيينة، وكذلك قولُه عن سفيانَ أنه كان يقول في الحديث؟ إذا قعَدت تبَنَّت، وإذا تكلَّمت تغنَّت. هذا ما لم يَقلْه سفيانُ ولا غيرُه فيما علِمتُ في حديثِ هشام بن عُروة، وهذا اللفظُ لا يُحفظُ

стр. 7902

إلا من روايةِ الواقديِّ (١)، والعجبُ أنه يحكيه عن سفيان. ويَحكي عن مالك أنه كذلك، فصارت روايةً عن مالك، ولم يَروِ ذلك عن مالك غيرُ حبيب، ولا ذكَره عن سفيان غيرُه أيضًا، واللّهُ أعلم. وحبيبٌ كاتبُ مالك متروكُ الحديث، ضعيفٌ عندَ جميعهم، لا يُكتبُ حديثُه، ولا يُلتفتُ إلى ما يجيء به. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد بن يوسُف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أبو سعيد بنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الجبارِ العُطارديُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بُكير، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن زينبَ ابنةِ أمِّ سَلَمة، عن أمِّ سَلَمة، قالت: كان عندي مُخنَّثٌ، فقال لعبدِ الله أخي: إن فتَح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا، فإني أدُلُّك على ابنةِ غَيْلان؛ فإنها تُقبِلُ بأربع وتُدبرُ بثمان. فسمِع رسولُ الله قوله، فقال: "لا يَدْخُلَنَّ هؤلاء عليكم" (٢). قال: وحدَّثنا يونسُ بنُ بُكير، عن ابن إسحاق، قال: وقد كان مع رسولِ الله ﷺ مولًى لخالتِه فاختةَ ابنةِ عَمْرِو بنِ عائذٍ مخنَّث، يقال له: ماتِعٌ. يدخُلُ على نساءِ رسولِ الله ﷺ ويكونُ في بيتِه، ولا يرى رسولُ الله ﷺ أنه يَفْطِنُ لشيءٍ من أمرِ النساءِ مما يَفْطِنُ إليه الرِّجال، ولا يرى أن له في ذلك أرَبًا، فسمِعه وهو يقولُ لخالدِ بنِ الوليد: يا خالدُ، إن فتَح رسولُ الله ﷺ الطائف، فلا تَنْفلِتنَّ منك بادِيةُ ابنةُ غيلانَ بنِ سَلَمة، فإنها تُقبلُ بأربع وتُدبرُ بثمان. فقال رسولُ الله ﷺ حينَ سمِع هذا منه: "ألا أرَى هذا الخبيثَ يفطِنُ لِما أسمَعُ". ثم قال لنسائه: "لا يدخُلُ عليكم". فحُجب عن بيتِ رسولِ الله ﷺ (٣).

стр. 7903

وفي هذا الحديثِ من الفقه: إباحةُ دخولِ المُخنَّثين من الرِّجال على النِّساء وإن لم يكونوا منهنَّ بمَحْرَم، والمُخنَّثُ الذي لا بأسَ بدخولِه على النِّساء هو المعروفُ عندَنا اليوم بالمؤنَّث، وهو الذي لا أربَ له في النِّساء، ولا يهتدي إلى شيءٍ من أُمورهنَّ، فهذا هو المؤنَّث المخنَّثُ الذي لا بأسَ بدُخُولِه على النِّساء، فأما إذا فهمَ معاني النِّساءِ والرِّجال، كما فهمَ هذا المخنَّث هيتٌ المذكورُ في هذا الحديث، لم يجُزْ للنساءِ أن يدخُلَ عليهنَّ، ولا جاز له الدُّخولُ عليهنَّ بوجْهٍ من الوُجوه، لأنه حينئذٍ ليس من الذين قال الله فيهم ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١]. وليس المُخنَّثُ الذي تُعرفُ فيه الفاحشةُ خاصةً وتُنسبُ إليه، وإنما المُخنَّثُ شدَّةُ التأنيثِ في الخِلْقةِ حتى يُشبِهَ المرأةَ في اللِّين والكلام والنظَر والنَّغَمة، وفي العَقْل والفِعْل، وسواءٌ كانت فيه عاهةُ الفاحشةِ أو لم تكن. وأصلُ التخنُّث: التكسُّرُ واللِّين، فإذا كان كما وصَفْنا لك، ولم يكنْ له في النساء أرَبٌ، وكان ضعيفَ العقل لا يفطِنُ لأمورِ النِّساءِ أَبْلَهَ، فحينئذٍ يكونُ من غير أُولي الإرْبَةِ الذين أُبيحَ لهم الدُّخولُ على النساء، ألا ترى أن ذلك المُخنَّثَ لما فهمَ من أمورِ النساء قصّةَ بنتِ غَيلانَ، نهَى رسولُ الله ﷺ حينئذٍ عن دُخولِه على النساء، ونفاهُ إلى الحِمَى فيما رُوِيَ. واختلَف العلماءُ في معنى قوله : ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. اختلافًا متقاربَ المعنى لمَن تدبَّر. ذكَر ابنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا سهلُ بنُ يوسف، عن عَمْرو (٢)، عن الحسن: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: هم قومٌ طُبعُوا

стр. 7904

على التّخْنيث، فكان الرَّجلُ منهم يَتبعُ الرَّجلَ يَخدُمُه ليُطعمَه ويُنفقَ عليه، لا يستطيعونَ غِشْيانَ النساءِ ولا يَشتَهونه. قال (١): وحدَّثنا ابنُ إدريس، عن ليث، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: هو الأبْلَهُ الذي لا يعرفُ أمرَ النساء. قال (٢): وأخبَرنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: هو الذي لم يبلُغْ أرَبُه أن يطَّلعَ على عوراتِ النساء. وذكَر محمدُ بن ثورٍ وعبدُ الرزاق (٣)، جميعًا عن مَعْمَر، عن قَتادة: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: هو التابعُ الذي يَتبعُك فيصيبُ من طعامكَ، ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. يقول: لا أرَب له، ليس له في النساءِ حاجة. وعن عَلْقَمة (٤)، قال: هو الأحمقُ الذي لا يريدُ النساءَ ولا يُرِدْنَه. وعن طاووس (٥) وعكرمةَ (٦) مثلَه. وعن سعيدِ بنِ جبير: هو الأحمقُ الضعيفُ العقل (٧). وعن عكرمةَ أيضًا: هو العِنِّين (٨).

стр. 7905

ووَكيعٌ، عن سفيان، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: هو الذي يريدُ الطعامَ ولا يريدُ النساء، ليس له هَمٌّ إلا بطنَه (١). وعن الشعبيِّ أيضًا وعطاءٍ مثلَه (٢). وعن الضحاك: هو الأبْلَه. وقال الزهريُّ: هو الأحمقُ الذي لا همّةَ له في النساءِ ولا أرب (٣). وقيل: كلُّ مَن لا حاجةَ له في النساءِ من الأتباع؛ نحوَ الشيخ والهَرِم، والمَجْبُوب، والطِّفل، والمَعْتُوه، والعِنِّين. قال أبو عُمر: هذه أقاويلُ متقاربةُ المعنى، ويجتمعُ في أنه لا فهْمَ له ولا همّةَ يَنتبهُ بها إلى أمرِ النساء، وبهذه الصفةِ كان ذلك المُخنَّثُ عندَ رسولِ الله ﷺ ، فلمّا سمعَ منه ما سمعَ من وصْفِ محاسنِ النساء، أمَر بالاحتجابِ منه. وذكر معمرٌ، عن الزُّهريِّ وهشام بنِ عُروة، عن عُروة، عن عائشة، قالت: كان رجلٌ يدخلُ على أزواج النبيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ، فكانوا يعُدُّونه من غير أُولي الإرْبَة، فدخَل علينا النبيُّ ﷺ يومًا وهو عندَ بعض نسائِه وهو ينعَتُ امرأةً، فقال: إنها إذا أقبلَتْ أقبلَتْ بأربع، وإذا أدبرَتْ أدبرَتْ بثمان. فقال: "ألا أرى هذا يعلمُ ما هاهنا، لا يدخُلَنَّ هذا عليكم". فحجَبُوه (٤).

стр. 7906

وأما قوله: "تُقبلُ بأربع وتُدبرُ بثمان" فالذي ذكَر حبيبٌ عن مالكٍ هو كذلك أو قريبٌ منه، وإنما وصَف امرأةً لها في بطْنِها أربعُ عُكَن، فإذا بلَغت خِصْرَيها صارت أطرافُ العُكَن ثمانيًا؛ أربعًا من هاهنا، وأربعًا من هاهنا، فإذا أقبَلت إليك واستقبَلتك ببَطْنِها، رأيتَ لها أربعًا، فإذا أدبرَتْ عنك صارتْ تلك الأربعُ ثمانيًا من جهةِ الأطرافِ المجتمعة، وهكذا فسَّره كلُّ مَن تكلَّم في هذا الحديث، واستشهد عليه بعضُهم بقولِ النابغةِ في قوائم ناقتِه: على قَصَباتٍ بينَما هُنَّ أربعٌ ... أُنَخْنَ لتعريسٍ فعُدْنَ ثمانيَا (١) يعني أن هذه الناقةَ إذا رفَعت قوائمَها أربعٌ، فإذا أُنيْخَت قوائمُها وانطوَت صارت ثمانيًا. وقد رُوِيَ هذا الخبرُ عن سعدِ بنِ أبي وقّاص بخلافِ هذا اللفظ: حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا بكرُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا عيسى بنُ الختار، عن ابنِ أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهد،

стр. 7907

عن عامرِ بنِ سعد، عن سعدِ بنِ مالك، أنه خطَب امرأةً وهو بمكّةَ مع رسولِ الله ﷺ ، فقال: ليت عندي مَن رآها ومَن يُخبرُني عنها. فقال رجلٌ مُخنَّثٌ يُدعى هيتٌ: أنا أنعتُها لك؛ إذا أقبلَت قلت: تمشي على ستٍّ. وإذا أدبرَت قلت: تمشي على أربع. فقال رسولُ الله ﷺ : "ما أرى هذا إلا مُنكرًا، ما أُراه إلا يعرفُ أمرَ النساء". وكان يدخلُ على سَودة، فنهاه أن يدخُلَ عليها، فلما قدِم المدينةَ نفاه، فكان كذلك حتى أُمِّر عمرُ فجَهِد (١)، فكان يُرخِّصُ له يدخلُ المدينةَ يومَ الجمعةِ فيتصدَّقُ؛ يعني يسألُ الناس. قاله ابنُ وَضّاح. وأما الواقديُّ (٢) وابنُ الكلبيِّ، فإنهما قد ذكَرا أن هيتًا المُخنَّثَ قال لعبدِ الله بنِ أبي أميةَ المخزوميِّ، وهو أخو أمِّ سَلَمةَ لأبيها، وأمُّه عاتكةُ عمَّةُ رسولِ الله ﷺ ، قال له وهو في بيتِ أختِه أمِّ سَلَمةَ ورسولُ الله ﷺ يسمعُ: إن افتتَحتم الطائف، فعليك بباديةَ ابنةِ غيلانَ بنِ سَلَمةَ الثقفيِّ؛ فإنها تُقبلُ بأربع، وتُدبرُ بثمان، مع ثغرٍ كالأُقْحوان (٣)، إن جلَست تبنَّت، وأن تكلَّمت تغنَّت، بينَ رجلَيها مثلُ الإناءِ المَكْفوء، وهي كما قال قيسُ بنُ الخطيم (٤): تَغْترقُ الطَّرْفَ (٥) وهْي لاهيةٌ ... كأنما شَفَّ وجهَها نُزُفُ (٦)

стр. 7908

بينَ شُكُولِ النساءِ (١) خِلْقتُها ... قَصْدٌ فلا جَبْلَةٌ ولا قَصَفُ (٢) تنامُ عن كِبْرِ (٣) شأنِها فإذا ... قامَت رُوَيدًا تكادُ تَنقصِفُ (٤) فقال له النبيُّ ﷺ : "لقد غَلْغَلْتَ النظرَ إليها يا عدوَّ الله". ثم أجلاه عن المدينة إلى الحِمى. قال: فلما افتُتحت الطائفُ، تزوَّجها عبدُ الرَّحمن بنُ عوف، فولَدت له بُريهة، في قولِ ابنِ الكلبيِّ. قال: ولم يزَلْ هيتٌ بذلك المكانِ حتى قُبض النبيُّ ﷺ ، فلما وَليَ أبو بكر كُلِّم فيه فأبى أن يرُدَّه، فلما وليَ عمرُ كُلِّم فيه فأبى، ثم كُلِّم فيه بعد، وقيل له: إنه قد كَبِر وضعُفَ واحتاج. فأذِن له أن يدخُلَ كلَّ جمعةٍ فيسألَ ويرجعَ إلى مكانه. قال: وكان هِيتٌ مولًى لعبدِ الله بنِ أبي أميةَ المخزوميِّ، وكان طُوَيسٌ (٥) له أيضًا، فمَن ثمّ قَبِلَ الخنَثَ.

стр. 7909

قال أبو عُمر: يقال: باديةُ ابنةُ غَيلانَ بالياء، وبادنةُ بالنون، والصوابُ عندَهم بالياءِ بادية. وهو قولُ أكثرِهم، وكذلك ذكَره الزبيرُ بالياء، فاللّهُ أعلم (١). وأما قوله: "تغنَّت" فقالوا: إنه من الغُنَّةِ لا من الغِناء؛ أي: كانت تتغنَّنُ في كلامِها من لينِها ورخامةِ صوتها، يقال من هذه الكلمة: تغنَّن الرجل، وتغنَّى. مثل: تظنَّن وتظنَّي. قال ابنُ إسحاق: وممن استُشهد يومَ الطائفِ عبدُ الله بنُ أبي أميةَ بنِ المغيرةِ أخو أمِّ سَلَمةَ من رَمية (٢).

стр. 7910

حديثٌ حادٍ وأربعونَ لهشام مالكٌ (١)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "خمسٌ فواسِقُ يُقْتَلْنَ في الحرَم؛ الفأرةُ، والعقربُ، والغرابُ، والحِدَأةُ، والكلبُ العَقورُ". هذا حديثٌ يتصلُ عن النبيِّ ﷺ ويَستندُ من حديثِ ابنِ عُمرَ وعائشة، وكلاهما قد سَمِع منه عُروة. وقد رَوى هذا الحديثَ وكيع، عن مالك، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة (٢). ولم يذكرْ فيه عائشةَ من رواةِ "الموطأ" أحدٌ، فيما علمتُ، واللّهُ أعلم. وهو محفوظٌ عن عائشة، وعن ابنِ عُمر؛ فأما حديثُ ابنِ عُمر، فقد ذكَرْناه في باب نافع من هذا الكتاب، وذكَرنا هناك ما فيه من الأحكام والمعاني، وما للعلماءِ (٣) في ذلك من المذاهب (٤)، والحمدُ للّه. ويُشبِهُ أن يكونَ عُروةُ أخَذ هذا الحديثَ عن عائشة؛ لأنه راويتُها وابنُ أختِها، وروايتُه عنها أكثرُ من روايتِه عن ابنِ عُمر، فكيف وقد رواه الثقات، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة؟ حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن محمد (٥)، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبد العزيز، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ مِنْهال، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ الله ﷺ

стр. 7911

قال: "خمسٌ فواسقُ يُقْتَلْنَ في الحلِّ والحرم؛ الكلبُ العقورُ، والفأرةُ، والحُدَيّا، والعقربُ، والغرابُ" (١). قال: وسئل عُروةُ عن لحم الغراب فكَرِهَه، وقال: سمّاه رسولُ الله ﷺ فاسقًا (٢). وذكَر عبدُ الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، قال: كرِه رجالٌ من أهلِ العلم أكلَ الحِدَأةِ والغراب، حيثُ سمَّاهن رسولُ الله ﷺ فواسقَ الدوابِّ التي تُقتلُ في الحَرَم. قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا الاختلافَ في أكلِها، وأوضَحنا الوجوهَ التي منها نزَعوا في باب نافع، وباللّه التوفيق.

стр. 7912

حديثٌ ثانٍ وأربعونَ لهشام مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يخرُجُ أحدٌ من المدينةِ رغبةً عنها إلا أبدَلها اللهُ خيرًا منه". وهذا الحديثُ قد وصلَه معْنُ بنُ عيسى، وأسنَده عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة في "الموطأ"، ولم يُسنِدْه غيرُه في "الموطأ"، واللّهُ أعلم. وقد رُوِيَ من حديثِ أبي هريرة أيضًا، وحديثِ جابر: حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنِ أبي شيبة، قال: حدَّثنا ابنُ نُمير، عن هاشم بن هاشم، قال: حدَّثني أبو صالح مولى الساعديِّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن رجالًا يَستنفِرون عشائرَهم، فيقولون: الخيرَ الخيرَ. والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلَمون، والذي نفْسُ محمدٍ بيدِه، لا يصبِرُ على لأوائِها وشدَّتها أحدٌ إلا كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا يومَ القيامة، والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، إنها لتَنفي خَبَثَ أهلِها كما ينفي الكِيْرُ خَبَثَ الحديد، والذي نفْسُ محمدٍ بيَدِه، لا يخرُجُ منها أحدٌ رغبةً عنها إلا أبدَلها اللهُ خيرًا منه" (٢).

стр. 7913

أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو البزارُ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: حدَّثنا عبدُ الوهاب، عن الجُرَيريِّ، عن أبي نَضْرة، عن جابر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يخرُجُ أحدٌ من المدينةِ رغبةً عنها إلا أبدَلها اللهُ به خيرًا منه، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلَمون". معنى هذا عندي، واللّهُ أعلم، في حياتِه ﷺ ، وهذا في مثل الأعرابيِّ الذي قال: أقِلْني بَيْعَتي (٢). ومعلومٌ أنّ مَن رَغِب عن جوارِ النبيِّ ﷺ أبدَله اللهُ خيرًا منه، وأما بعدَ وفاتِه ﷺ ، فقد خرَج منها جماعة من أصحابه ولم تُعوَّض المدينةُ بخيرٍ منهم. وروَى شعبة، قال: حدَّثني يحيى بنُ هانئ بن عُروةَ المُراديُّ، قال: سمِعتُ نُعيمَ بنَ دجاجة، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطاب يقول: لا هِجْرةَ بعدَ النبيِّ ﷺ (٣) (٤).

стр. 7914

حديثٌ ثالثٌ وأربعون لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ أحْيا أرضًا مَيتةً فهي له، وليس لعِرْقٍ ظالم حقٌّ". وهذا الحديثُ مُرسلٌ عند جماعةِ الرُّواةِ عن مالك، لا يختلفونَ في ذلك (٢). واختُلف فيه على هشام، فروَتْه عنه طائفةٌ عن أبيه مُرسلًا، كما رواهُ مالكٌ، وهو أصحُّ ما قيلَ فيه إنْ شاءَ الله (٣). وروَتْهُ طائفةٌ عن هشام، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ زيد. وروَته طائفةٌ عن هشام، عن وَهْبِ بنِ كيسان، عن جابر. ورَوته طائفةٌ عن هشام، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الرحمن بنِ رافع، عن جابر. وبعضُهم يقول فيه: عن هشام، عن عبيدِ الله بنِ أبي رافع، عن جابر، وفيه اختلافٌ كثير (٤). ذكَر عبدُ الرزاق، عن مَعْمر، عن هشام بنِ عُروة، قال: خاصَم رجلٌ إلى عُمرَ بنِ عبدِ العزيز في أرضٍ حازَها، فقال عُمر: مَن أحْيا من ميِّتِ الأرضِ شيئًا فهو له. فقال له عُروة: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أحيا شيئًا من ميِّتِ الأرضِ فهو له، وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ". والعِرْقُ الظالمُ: أن ينطلِقَ الرجلُ إلى أرضِ غيرِه فيغرِسَها.

стр. 7915

وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الوهاب، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن سعيدِ بن زيد، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن أحْيا أرضًا ميِّتةً فهي له، وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ". ولعُروة، عن سعيدِ بنِ زيدٍ حديثٌ آخرُ أيضًا في أبيه زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفَيل، أنه يُبعثُ أمة وحدَه (٣).

стр. 7916

حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ وأحمدُ بنُ قاسم (١)، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بن سليمانَ المَرْوزيُّ، قال: حدَّثنا خلفُ بنُ هشام، عن حمّادِ بنِ يخلد، عن هشام بنِ عُروة، عن وَهْبِ بنِ كَيسان، عن جابر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن أحْيا أرضًا ميِّتةً فهي له، وما أكلَتِ العافيةُ فهو له صدقةٌ" (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرِو بنِ محمد العثمانيُّ (٣) بالمدينة، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ نافع بن ثابتٍ الزُّبيريُّ، عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ يحيى بنِ عُروة، عن هشام بنِ عُروة، عن عُبيدِ الله بنِ أبي رافع الأنصاريِّ، أنه أخبرَه، عن جابرِ بنِ

стр. 7917

عبدِ الله، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أحْيا أرضًا ميِّتةً فلَه فيها أجرٌ، وما أكلَتِ العافيةُ منها فهو له صدقةٌ" (١). وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا وَكيعٌ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبي رافع، عن جابر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أحْيا أرضًا ميِّتةً فله فيها أجرٌ، وما أكلَت العافيةُ كان له فيها صدقةٌ". قال أبو عُمر: ليس في حديثِ جابر هذا: "فهي له" (٤). وإنما فيه: "فله فيها أجرٌ". وهما عندي حديثان عندَ هشام، أحدُهما عن أبيه، والآخرُ عن عبيدِ الله بنِ أبي رافع، ولفظُهما مختلفٌ، فهما حديثان. واللّهُ أعلم. وأما لفظُ حديثِ سعيدِ بنِ زيد، فعلى لفظِ حديثِ مالك، وهو لهشام، عن أبيه. وقد روَى هذا الخبرَ يحيى بنُ عُروة، عن أبيه، مثله، عن رجل لم يسمِّه

стр. 7918

من الصحابة، فصار الحديثُ مسندًا من هذه الروايةِ أيضًا، وفيه زيادةٌ هي تفسيرٌ لمعنى الحديثِ إن شاء الله. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: حدَّثنا عَبْدةُ، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن يحيى بنِ عُروةَ بنِ الزبير، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أحْيا أرضًا ميِّتةً فهي له، وليس لعِرْقٍ ظَالم حقٌّ". قال عُروة: ولقد حدَّثني الذي حدَّثني هذا الحديث، أن رجلَين اختَصما إلى رسولِ الله ﷺ ؛ غرَس أحدُهما نخلًا في أرضِ الآخر، فقضَى لصاحبِ الأرضِ بأرضِه، وأمَر صاحبَ النخل أن يُخرِجَ نخلَه منها. قال: فلقد رأيتُها وإنها لتُضربُ أصولهُا بالفؤوس، وإنها لنخلٌ عُمٌّ، حتى أُخرِجت منها. قال أبو داود (٢): وحدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الدارميُّ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، عن أبيه، عن ابنِ إسحاقَ بإسنادِه ومعناه، إلا أنه قال: مكان: الذي حدَّثني هذا الحديث: فقال الرجلُ من أصحاب النبيِّ ﷺ ، وأكثرُ ظنِّي أنه أبو سعيدٍ الخدريُّ: فأنا رأيتُ الرجلَ يضرِبُ في أُصولِ النخل. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الآمُليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عثمان، قال: حدَّثنا

стр. 7919

عبدُ الله بنُ المبارك، قال: أخبرنا نافعُ بنُ عمر، عن ابنِ أبي مُليكة، عن عُروةَ، قال: أشهدُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى أن الأرضَ أرضُ الله، والعبادَ عبادُ الله، ومَن أحْيا مواتًا فهو أحقُّ به، جاءنا بهذا عن النبيِّ ﷺ الذين جاؤوا بالصلواتِ عنه. وأخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشر، قال: أخبرنا مَسلمةُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الحسنِ بنِ سعيدٍ الأصبهانيُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ حبيب (١)، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطيالسيُّ، قال (٢): حدَّثنا زَمْعةُ بنُ صالح، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "العبادُ عبادُ الله، والبلادُ بلادُ الله، فمَن أحْيا مِن مَواتِ الأرضِ شيئًا فهو له، وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ". قال أبو عُمر: هذا الاختلافُ عن عُروةَ يدلُّ على أن الصحيحَ في إسنادِ هذا الحديثِ عنه الإرسالُ، كما رَوى مالكٌ ومَن تابَعه، وهو أيضًا صحيحٌ مسندٌ على ما أورَدنا، والحمدُ للّه، وهو حديثٌ متلقًّى بالقبول عندَ فقهاءِ المدينة (٣) وغيرِهم، وإن اختلَفوا في بعضِ معانيه. وقد رُوي هذا الحديثُ بمثلِ لفظِ حديثِ مالك، من حديثِ عمرِو بنِ عوف، عن النبيِّ ﷺ :

стр. 7920

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة. وحدَّثنا عبيدُ بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكين، قال: حدَّثنا ابنُ سَنْجر (٣)، قالا: حدَّثنا خالدُ بنُ مخْلَد، قال: حدَّثنا كثيرُ بنُ عبدِ الله - وهو ابنُ عمرِو بنِ عوف - عن أبيه، عن جدِّه، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن أحْيا مَواتًا من الأرضِ في غيرِ حقِّ مُسلم فهو له، وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ" (٤). حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنُ الحداد، قال: حدَّثنا بُهلولُ بنُ إسحاقَ بنِ بُهلولٍ الأنباريُّ بالأنبار، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُويس، قال: حدَّثنا كثيرٌ، عن أبيه، عن جدِّه، عن رسولِ الله ﷺ قال: "مَن أحْيا مَواتًا من الأرضِ في غيرِ حقِّ مسلم فهو له، وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ" (٥). وأما قوله: "وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ". فقد فسَّره هشامُ بنُ عُروةَ ومالكُ بنُ أنس بما لا أعلمُ فيه لغيرِهما خلافًا.

стр. 7921

أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ السَّرْح، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني مالكٌ، قال: قال هشام: العِرْقُ الظالمُ: أن يغرِسَ الرجلُ في أرضِ غيرِه ليستحِقَّها بذلك. قال مالكٌ: والعِرْقُ الظالمُ كلُّ ما أُخِذ واحتُفِر وغُرِس في غير حقٍّ. قال أبو عُمر: لم يُختلَفْ فيما ذكَره مالكٌ من الأعيانِ المغْصُوبات، وكذلك عندَ مالكٍ مَن غَصَبَ أرضًا فزرَعها أو اكْتَراها، أو غَصَبَ دارًا فسكَنها أو أكْراها، ثم استحقَّها ربُّها، أن على الغاصبِ كِراءَ ما سكنَ، وردَّ ما أخَذ في الكِراء (٢). واختَلف قولُه إذا غَصَبها فلم يسكُنْها، ولم يَزْرع الأرضَ وعَطَّلها، فالمشهورُ من مذهبِه أنه ليسَ عليه فيما لم يَسكُنْ ولم يُكْرِ ولم يَزْرَعْ شيءٌ (٣). وقد رُوِيَ عنه أن عليه كراءَ ذلك كلِّه. واختاره الوقارُ (٤)، وهو مذهبُ الشافعيِّ (٥). ومن حُجَّتِه قولُه ﷺ : "ليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ". وأمّا العُروضُ والحيوانُ والثيابُ، فليس هذا البابُ موضعَ ذكرِ شيءٍ من ذلك. قال أبو عُمر: أجمع العلماءُ على أن ما عُرِف ملكًا لمالكٍ غيرِ منقطع، أنه لا يجوزُ إحياؤُه وملكُه لأحدٍ غيرِ أربابه، إلا أنهم اختلَفوا في إحياءِ الأرضِ المواتِ بغيرِ أمرِ السلطان:

стр. 7922

فذهَب الكوفيُّونَ إلى أنها إنما تُحيا بأمرِ الإمام، وسواءٌ عندَهم في ذلك ما قرُب من العمرانِ وما بعُد. وهذا قولُ أبي حنيفة (١). وقال مالكٌ: أما ما كان قريبًا من العمرانِ وإن لم يكنْ مملوكًا، فلا يُحازُ ولا يُعمَرُ إلا بإذنِ الإمام، وأما ما كان في فَيافي الأرض، فلك أن تحييَه بغيرِ إذنِ الإمام. قال: والإحياءُ في ميتِ الأرض؛ شقُّ الأنهار، وحفرُ الآبار، والبناء، وغرسُ الشجر، والحرثُ، فما فُعِلَ من هذا كلِّه، فهو إحياءٌ. هذا قولُ مالك، وابنِ القاسم (٢). وقال أشهبُ: ولو نزَل قومٌ أرضًا من أرضِ البرِّيَّة، فجعَلوا يرعَون ما حولَها، فذلك إحياءٌ، وهم أحقُّ بها من غيرِهم ما أقاموا عليها. قال ابنُ القاسم (٣): ولا يعرِفُ مالكٌ التحجيرَ إحياءً، ولا ما قيل: مَن حجَّرَ أرضًا وترَكها ثلاثَ سنين، فإن أحياها وإلا فهي لمَن أحياها. لا يعرفُ ذلك مالكٌ. قال مالكٌ: ومَن أحيا أرضًا ثم ترَكها حتى دثَرت وطال الزمانُ، وهلَكتِ الأشجارُ، وتهدَّمتِ الآبارُ، وعادت كأوِّلِ مرة، ثم أحياها غيرُه، فهي لمُحْييها آخرًا، بخلافِ ما مُلِك بخِطَّةٍ (٤) أو شراء (٥).

стр. 7923

وقال المزنيُّ (١): عن الشافعيِّ: بلادُ المسلمين شيئان، عامرٌ ومَواتٌ، فالعامرُ لأهلِه، وكلُّ ما أُصْلِحَ به العامِرُ، من طريق، وفِناء، ومَسيلِ ماء، وغيرِه، فهو كالعامرِ في أن لا يُملكُ على أهلِه إلا بإذنهم، والمواتُ شيئان، مواتٌ قد كان عامرًا لأهلِه معروفًا في الإسلام، ثم ذهبَت عِمارتُه فصار مواتًا، فذلك كالعامرِ لأهلِه، لا يُملكُ إلّا بإذنهم، والمواتُ الثاني: ما لم يملِكْه أحدٌ في الإسلام يُعرَفُ، ولا عِمارةَ مِلْكٍ في الجاهلية إذا لم يُملَكْ، فذلك المواتُ الذي قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أحْيا أرضًا ميِّتةً فهيَ له"، و"مَن أحْيا مواتًا فهو له". قال (٢): والإحياءُ ما عرَفه الناسُ إحياءً لمثلِ المُحْيا، إن كان مسكنًا، فبأنْ يَبْني بناءً مثلِه أو ما يقرُب. قال (٣): وأقلُّ عمارةِ الأرض الزرعُ فيها، والبئرُ يحفَرُ، ونحوُ ذلك (٤). قال (٥): ومَن اقتطَع أرضًا وتحجَّرها فلم يعمُرْها، رأيتُ للسلطانِ أن يقولَ له: إن أحييتَها، وإلا خَلَّينا بينَها وبينَ مَن يُحْييها. فإن تأجَّله رأيتُ أن يفعل. قال أبو عُمر: مَن رأى التَّحجيرَ إحياءً، فحُجَّتُه ما رواه شعبةُ وغيرُه من أصحابِ قتادة، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن

стр. 7924

أحاط حائطًا على أرضٍ فهي له" (١). والحسَنُ عندَهم لم يسمَعْ من سمُرة، وإنما هي فيما زعمُوا صَحِيفة (٢)، إلا أنّهم لم يختلفوا أنّ الحسنَ سمعَ من سمُرة حديثَ العَقيقة؛ لأنه وقفَ على ذلك فقال: سمِعتُه من سمُرة. وقد روَى الترمذيُّ عن البُخاري أنّ سماعَ الحسنِ من سمُرةَ صحيح (٣). وقد ذكر عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمرٌ وابنُ عُيينة، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابنِ عُمر، قال: كان الناسُ يتَحَجرونَ على عهدِ عمرَ في الأرض التي ليست لأحدٍ، فقال عُمر: مَن أحْيا أرضًا فهي له (٤). وأمّا قولُه في حديث جابر: "وما أكلَتِ العافيةُ فهو له صدقةٌ" فالعافيةُ والعَوافي: سِباعُ الوحْشِ والطّيرِ والدَّواب. وأمّا قولُه في حديث عُروة: "وإنّها لنَخْلٌ عُمٌّ"؛ فالعُمُّ: التامّةُ الكاملة.

стр. 7925

حديثٌ رابعٌ وأربعونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يصلِّي في مسجدِ ذي الحُلَيفَةِ رَكعتَين، فإذا استَوتْ به راحلتُه أهلَّ. لم يختلفِ الرواةُ عن مالك في إرسالِ هذا الحديث بهذا الإسناد (٢)، وقد رُويَ معناه مسندًا، من حديثِ ابنِ عمرَ وأنسٍ من وُجوهٍ ثابتة. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ الطائيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عيينة، عن إبراهيمَ بنِ مَيْسرةَ ومحمدِ بنِ المُنكدِر، سمِعَا أنسَ بنَ مالكٍ يقول: صليتُ مع النبيِّ ﷺ بالمدينةِ أربعًا، وبذي الحُلَيفةِ رَكْعَتين (٣). وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٥): أخبرنا عيسى بنُ إبراهيم، عن ابنِ وَهْب، قال: أخبرني يونس، عن ابنِ شهاب، أن سالمَ بنَ عبدِ الله أخبرَه، أن عبدَ الله بنَ عمر، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يركَبُ راحلتَه بذي الحُلَيفة، ثم يُهِلُّ حين تستوي به قائمة.

стр. 7926

أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (١)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: أخبرنا ابنُ جريج، عن محمدِ بنِ المُنكَدِر، عن أنس، قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ الظهرَ بالمدينةِ أربعًا، وصلَّى العصرَ بذي الحُلَيفة ركعتين، ثم باتَ بذي الحُلَيفةِ حتى أصبَح، فلما ركِبَ راحلتَه واستَوتْ به أهَلَّ. قال (٤): وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٥): حدَّثنا رَوحٌ، قال: حدَّثنا أشعثُ، عن الحسن، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى الظهرَ ثم ركِب راحلتَه، فلمّا علا جبلَ البيداءِ أهَلَّ. قال (٦): وحدَّثنا ابنُ بشّار، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا أبي،

стр. 7927

قال: سمِعتُ محمدَ بنَ إسحاق يحدثُ عن أبي الزناد، عن عائشةَ بنتِ سعدِ بنِ أبي وَقّاص، قالت: قال سعد: كان رسولُ الله ﷺ إذا أخَذ طريقَ الفُرْع أهَلَّ إذا استقلَّت به راحلتُه، وإذا أخَذ طريقَ أُحُدٍ أهلَّ إذا أشرَف على البيداء. وفي حديث مالك، عن سعيدٍ المَقبُريِّ، عن عُبيدِ بنِ جُريج، عن ابنِ عُمر، قال: لم أرَ رسولَ الله ﷺ يُهِلُّ حتَّى تنبعثَ به راحلتُه. وقد ذكَرنا هذا الخبرَ بتمامِه وما فيه من المعاني في بابِ سعيدٍ المَقبُريِّ (١)، وذكَرنا الاختلافَ في موضع إهلالِه ﷺ ، وما جاء في ذلك في معنى الإهلالِ من جهةِ اللغةِ والشريعةِ مهذبًا كلُّه في باب موسى بن عُقْبةَ (٢)، وغيرِ ما باب من هذا الكتاب، والحمدُ للّه.
следующие страницы →