← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 818–857 · переход к 823.

стр. 818

حدَّثنا هارونُ بن عبد الله، قال: حدَّثنا محمدٌ ويَعْلى ابنا عُبيدٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليٍّ ﵁، قال: لما نَحَر رسولُ الله ﷺ بُدْنَه فنحَر ثلاثين بَدَنةً بيَدِه، أمَرني فنَحَرْتُ سائِرَها. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عبدُ الكريم الجَزَريُّ، قال: سمعتُ مجاهدًا يقولُ: سمعتُ عبدَ الرحمن بن أبي ليلى يقولُ: سمعتُ عليَّ بن أبي طالب يقولُ: أمَرَني رسولُ الله ﷺ أن أقومَ على بُدْنِه، وأن أقسِمَ جِلالَها وجُلُودَها، وألّا أُعطِيَ الجازِرَ منها شيئًا، وقال: "نحن نُعطِيه من عندِنا" (٢). قال سفيانُ: وحدَّثنا به ابنُ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليٍّ، وحديثُ عبد الكريم أتَمُّ (٣). قال أبو عُمر: في حديث هذا الباب أنّ رسولَ الله ﷺ أكَل من هديِه الذي ساقَه في حَجَّتِه، وهَدْيُه ذلك كان تطوُّعًا عند كلِّ مَن جعَلَه مفرِدًا، وأجمَعَ العلماءُ على جوازِ الأكلِ من التَّطوُّع إذا بلَغ مَحِلَّه؛ لقولِ الله : ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]. واختلَفوا في جواز الأكلِ ممّا عدَا هديَ التَّطوُّع إذا بلَغ (٤)؛ فقال مالكٌ: يُؤكَلُ من كلِّ هَدْي سيقَ في الإحرام إلّا جزاءَ الصيدِ، فديَةَ الأذَى، وما نُذِرَ

стр. 819

للمساكين. والأصلُ في ذلك عندَ مالكٍ وأصحابِه أنّ كلَّ ما دخَلَه الإطعامُ من الهَدْي والنُّسُكِ لمَن لم يَجِدْه فسَبيلُه سبيلُ ما جُعِل للمساكين، ولا يجوزُ الأكلُ منه، وما سِوَى ذلك يُؤكَلُ منه؛ لأنّ اللهَ قد أطلَقَ الأكْلَ من البُدْنِ وهي من شعائرِ الله، فلا يجبُ أن يُمْتَنَعَ من أكلِ شيءٍ منها إلّا بدليلٍ لا مُعارِضَ له، أو بإجماع، وقد أجمَعُوا على إباحةِ الأكلِ من هَدْي التَّطوعِ إذا بلَغَ مَحِلَّه، ولم يجعلُوه رُجوعًا فيه، فكذلك كلُّ هَدْي إلّا ما اجتُمِعَ عليه (١). وقال أبو حنيفة: يأكُلُ من هَدْي المُتْعة وهَدْي التَّطوُّع إذا بلَغَ مَحِلَّه لا غيرُه (٢). وقال الشافعيُّ: لا يأكل من شيءٍ من الهَدْي الواجب. وقال في معنى قول الله : ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾: إنّ ذلك في هدْي التَّطوُّع لا في الواجب؛ بدليل الإجماع على أنّه لا يُؤكَلُ من جزاءِ الصيدِ وفديةِ الأذى، فكانت العلَّةُ في ذلك أنّه دمٌ واجبٌ في الإحرام من أجل ما أتاهُ المحرِمُ، فكلُّ هدي وجَبَ على المحرم بسبَبِ فعلٍ أتاه فهو بمنزلَته، والواجباتُ لا يجوزُ الرُّجوعُ في شيء منها، كالزكاة، وبالله التوفيق (٣) (٤).

стр. 820

حديثٌ سادسٌ لجعفرِ بن محمدٍ مُنْقطع مالكٌ (١)، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، أنَّ عُمرَ بن الخطاب ذكَر المجوسَ، فقال: ما أدْرِي كيف أصنعُ في أمرِهم؟ فقال عبدُ الرحمن بن عوفٍ: أشهدُ لَسمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب". هذا حديثٌ منقطعٌ؛ لأنّ محمدَ بن عليٍّ لم يَلقَ عُمرَ ولا عبدَ الرحمن بن عوفٍ (٢). وقد رواه أبو عليٍّ الحنفيُّ، عن مالكٍ، فقال فيه: عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جدِّه. وهو مع هذا أيضًا منقطِعٌ؛ لأنّ عليَّ بن حسينٍ لم يلقَ عُمرَ ولا عبدَ الرحمن بن عوفٍ (٣). أخبَرنا أحمدُ بن عبد الله بن محمدِ بن عليٍّ، أن أباه حدَّثه، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ الجارود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبي الجَحِيم (٤)، قال: حدَّثنا عَمْرو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عبد المجيدِ الحنفيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال عُمرُ: ما أدري ما أصنعُ بالمجوس؟ فقال له عبدُ الرحمن بن عوف: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتابِ" (٥).

стр. 821

وأخبَرنا محمدٌ (١)، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مخلَدٍ، قال: حدَّثنا العباسُ بن محمدٍ الدوريُّ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحَنَفيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، قال: حدَّثني جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: ما أدري ما أصنعُ بالمجوس أهل الذِّمة؟ فقال عبد الرحمن بن عوفِ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "سُنَّتُهم سنَّةُ أهل الكتاب" (٢). قال مالكٌ: في الجزية. قال أبو الحسن عليُّ بن عُمر: لم يقل في هذا الإسناد: "عن جَدِّه" ممّن حدّث به عن مالكٍ غيرُ أبي عليٍّ الحَنَفيِّ، وكان ثقةً، وهو في "الموطأ": جعفرٌ، عن أبيه، أنَّ عُمَرَ. قال أبو عُمر: وهو مع هذا كلِّه منقطِعٌ، ولكنّ معناه مُتَّصِلٌ من وجوهٍ حسان. وفيه أن العالمَ الحبرَ قد يخفى عليه ما يوجَدُ عندَ مَن هو دونَه في العلم. وهذا موجودٌ كثيرٌ في علم الخَبَر الذي لا يُدرَكُ إلّا بالتوقيف والسَّمْع، فإذا كان عُمرُ ﵁ لا يبلُغُه من ذلك ما سمع غيرُه منه، مع موضعِه وجلالتِه، فغيرُه ممّن ليس مثلَه أحرَى ألّا يُنْكِرَ على نفسِه ذلك، ولا ينكَرَ عليه. وفيه أنَّ العالمَ إذا جهِل شيئًا أو أشكَل عليه، لزِمه السؤالُ والاعترافُ بالتقصيرِ والبحثُ حتى يقِفَ على حقيقةٍ من أمرِه فيما أشكَل عليه.

стр. 822

وفيه إيجابُ العمل بخبرِ الواحدِ العدلِ، وأنّه حجةٌ يلزَمُ العملُ بها والانقيادُ إليها؛ ألا تَرَى أنَّ عمرَ ﵁ قد أَشكَلَ عليه أمرُ المجوس، فلمّا حدَّثه عبدُ الرحمن بن عوفٍ عن النبيِّ ﵇، لم يَحتَجْ إلى غير ذلك وقَضَى به. وأمّا قولُه: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب"، فهو من الكلام الذي خرَجَ مَخرَجَ العُمومِ والمرادُ به (١) الخُصُوصُ؛ لأنّه إنّما أراد: سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب في الجِزية. وعليها خرَجَ الجوابُ، وإليها أُشيرَ بذلك، ألا ترَى أن علماءَ المُسلمين مُجْتَمعون على ألّا يُسَنَّ بالمجوس سُنَّةُ أهل الكتاب في نِكاحِ نِسَائهم، ولا في ذبائحِهم، إلّا شيءٌ رُوِي عن سعيد بن المسيِّب، أنّه لم يَرَ بذبحِ المجوسيِّ لشاةِ المسلم إذا أمَره المُسلمُ بذبحِها بأسًا. وقد رُوِي عنه أنّه لا يَجُوزُ ذلك، على ما عليه الجماعةُ، والخبرُ الأولُ عنه هو خبرٌ شاذٌّ، وقد اجتمَع الفقهاءُ على خلافِه، وليست الجزيةُ من الذبائحِ في شيءٍ؛ لأنّ أخذَ الجزيةِ منهم صَغارٌ وذِلَّةٌ لكُفرِهم، وقد ساوَوا أهلَ الكتاب في الكُفْرِ، بل هم أشدُّ كُفرًا، فوجَب أن يُجْرَوا مُجْراهم في الذُّلِّ والصَّغَارِ وأخذِ الجزيةِ منهم؛ لأنّ الجزيةَ لم تُؤخذْ من الكتابيِّين رِفْقًا بهم (٢)، وإنّما أُخِذت منهم تقويةً للمُسلمين وذُلًّا للكافرين، فلذلك لم يَفترِقْ حالُ الكتابيِّ وغيرِه عندَ مالكٍ وأصحابِه الذين ذهَبوا هذا المذهبَ في أخذِ الجزيةِ من جميعِهم، للعلةِ التي ذكَرنا. وليس نكاحُ نسائِهم ولا أكلُ ذبائحِهم من هذا الباب؛ لأنّ ذلك مَكرُمةٌ بالكتابيِّين لموضع كتابِهم واتّباعِهم الرُّسلَ، فلم يَجُزْ أن يُلحقَ بهم مَن لا كتابَ له في هذه المكرُمة. هذه جملةٌ اعتلَّ بها أصحابُ مالكٍ، ولا خلافَ بين علماءِ المسلمين أنَّ الجزيةَ تُؤخَذُ من المجوس؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ أخَذ الجزيةَ من مجوسِ أهل البَحْرين، ومن مجوس هَجَرَ، وفعَله بعدَ رسول الله ﷺ أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ.

стр. 823

روَى الزهريُّ، عن سعيدِ بن المسيِّبِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أخَذ الجزيةَ من مجوسِ هَجَرَ، وأنَّ عمرَ بن الخطاب أخَذها من مجوسِ السَّواد، وأنَّ عثمانَ بن عفانَ أخَذها من مجوس (١) البَرْبر. هكذا رواه ابنُ وَهْبٍ (٢)، عن يونسَ بن يزيدَ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن المسيِّب. وأمّا مالكٌ (٣) ومَعْمَرٌ (٤) فإنهما جعَلاه عن ابن شهاب، ولم يذكُرا سعيدًا. ورواه ابنُ مهديٍّ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن السائبِ بن يزيدَ. وقد ذكَرناه في باب مراسِل ابن شهابٍ. واختلف الفُقهاء في مُشركي العرب ومَن لا كتابَ له، هل تُؤخَذُ منهم الجزيةُ أم لا؟ فقال مالكٌ: تُقبلُ الجزيةُ من جميع الكُفار، عربًا كانوا أو عجمًا. وقال الشافعيُّ: لا تُقبلُ الجزيةُ إلّا من أهل الكتاب خاصةً، عربًا كانوا أو عجمًا؛ لقول الله : ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩]. قال: وتُقبلُ من المجوس بالسُّنَّة. وعلى هذا مذهبُ الثوريِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابه، وأبي ثورٍ، وأحمدَ وداودَ. وقال أبو ثورٍ: الجزيةُ لا تُؤخذُ إلّا من أهل الكتاب، ومن المجوسِ لا غيرُ. وكذلك قال أحمدُ بن حنبل. وكذلك قال أبو حنيفةَ وأصحابُه أنّ مشركي العرب لا يُقبلُ منهم إلّا الإسلامُ أو السَّيفُ، وتُقبلُ الجزيةُ من الكتابيِّين من العرب، ومن سائرِ كفار العجم.

стр. 824

وقال الأوزاعيُّ، ومالكٌ، وسعيدُ بن عبد العزيز: إنَّ الفَرازِنةَ (١) ومَن لا دينَ له من أجناس التركِ والهندِ وعَبدَةِ النيرانِ والأوثان، وكُلَّ جاحدٍ ومُكَذِّبٍ بربوبيّةِ الله، يُقاتَلون حتى يُسلِموا أو يُعطُوا الجزيةَ، وإنْ بذَلوا الجزيةَ قُبِلَت منهم، وكانوا كالمجوسِ في تحريم مناكحِهم وذبائحِهم وسائرِ أمورِهم. وقال أبو عبيدٍ: كلُّ عَجَميٍّ تقبلُ منه الجزيةُ إن بذَلها، ولا تُقبلُ من العربِ إلا من كتابيٍّ. وحُجَّةُ الشافعيِّ ومَن يذهَبُ مذهَبَه ظاهرُ قولِ الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ لأنّ قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يقتضي أن يُقتصرَ عليهم بأخذِ الجزيةِ دون غيرِهم؛ لأنهم خُصُّوا بالذِّكْر، فتوجَّه الحُكْمُ إليهم دونَ مَن سواهم؛ لقول الله : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. ولم يقل: حتى يُعطُوا الجزيةَ، كما قال في أهل الكتاب. ومَن أوجَب الجزيةَ على غيرهم، قال: هم في معناهم. واستدَلَّ بأخذِ الجزيةِ من المجوسِ وليسوا بأهل كتاب (٢). قال أبو عُمر: في قولِ رسول الله ﷺ في المجوس: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب"، يعني: في الجزية، دليلٌ على أنهم ليسوا أهلَ كتابٍ. وعلى ذلك جمهورُ الفقهاء. وقد رُوِي عن الشافعيِّ أنهم كانوا أهلَ كتاب فبدَّلوه. وأظنُّه ذهب في ذلك إلى شيءٍ رُوِي عن عليِّ بن أبي طالبٍ من وجهٍ فيه ضَعْفٌ، يدورُ على أبي سَعْد البقّال.

стр. 825

ذكر عبدُ الرَّزَّاق (١) وغيرُه: عن سفيانَ بن عيينةَ - وهذا لفظُ حديثِ عبد الرَّزَّاق - قال: أخبَرنا ابنُ عيينةَ، عن شيخٍ منهم يُقالُ له: أبو سعدٍ، عن رجلٍ شهِد ذلك، أحسَبُه نَصرَ بن عاصم، أن المستوْرِدَ بن عُلَّفَةَ (٢) كان في مجلسٍ وفَرْوةُ بن نوفلٍ الأشجَعيّ، فقال رجلٌ: ليس على المجوسِ جزيةٌ، فقال المستوردُ: أنت تقولُ هذا وقد أخَذ رسولُ الله ﷺ من مجوسِ هَجَرَ الجزيةَ، والله لَمَا أخفَيتَ أخبَثُ ممّا أظهَرتَ. فذهبَ به حتى دخَلا على عليٍّ ﵁ وهو في قصرِه جالسٌ في قُبَّةٍ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، زعَم هذا أنّه ليس على المجوسِ جزيةٌ، وقد علِمتَ أنَّ رسولَ الله ﷺ أخَذها من مجوسِ هجرَ. فقال عليٌّ: اجلِسا، فوالله ما على الأرضِ اليومَ أحدٌ أعلمُ بذلك منِّي، كان المجوسُ أهلَ كتاب يقرؤونه وعِلْم يدرُسونه، فشرِب أميرُهم الخمرَ، فوقَع على أختِه، فرآه نفرٌ من المُسلمين، فلمّا أصبَح قالت أختُه: إنّك قد صنَعتَ بها كذا وكذا، وقد رآك نَفَرٌ لا يَسْتُرون عليك. فدَعا أهلَ الطَّمَع فأعطاهم، ثم قال لهم: قد عَلِمتم أنَّ آدمَ أنكَحَ بَنِيه بَناتِه. فجاء أولئك الذين رأوه، فقالوا: ويلًا للأبعدِ، إنَّ في ظهرك حدًّا. فقتَلهم وهم الذين كانوا عندَه، ثم جاءتِ امرأةٌ فقالت: بَلَى، قد رأيتُك. فقال لها: ويحًا لبغيِّ بني فلان. فقالت: أجلْ والله، لقد كنتُ بغيًّا ثم تُبْتُ. فقتَلَها، ثم أُسرِي على ما في قُلُوبهم وعلى كِتابِهم، فلم يُصبِحْ عندَهم شيءٌ منه (٣).

стр. 826

فإلى هذا ذهَب مَن قال: إنَّ المجوسَ كانوا أهلَ كتابٍ. وأكثرُ أهلِ العلم يأبَون ذلك، ولا يُصحِّحون هذا الأثرَ، والحجةُ لهم قولُ الله ﵎: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] يعني اليهودَ والنَّصارى، وقولُه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥]، وقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]. فدَلَّ على أنَّ أهلَ الكتاب هم أهلُ التوراةِ والإنجيل؛ اليهودُ والنصارَى لا غيرُ، واللهُ أعلمُ. وأمّا قولُ رسول الله ﷺ : "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب"، فقد احتَجَّ مَن قال: إنّهم كانوا أهلَ كتابٍ؛ بأنّه يَحتملُ أن يكونَ رسولُ الله ﷺ أراد: سُنُّوا بهم سنّةَ أهل الكتاب الذين يُعلمُ كتابُهم علمَ ظهورٍ واستفاضةٍ. وأمّا المجوسُ، فعِلْمُ كتابِهم على خُصُوصٍ. والآيةُ محتملة للتأويلِ عندَهم أيضًا، وأيُّ الأمرين كان، فلا خلافَ بينَ العلماءِ أنَّ المجوسَ تُؤخذ منهم الجزيةُ، وأن رسولَ الله ﷺ أخَذَها منهم، فأغنَى عن الإكثارِ في هذا. وقد روَى عبدُ الرَّزَّاق (١) عن ابن جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاءٍ: المجوسُ أهلُ كتابٍ؟ قال: لا. وأمّا الآثارُ المتصلةُ الثابتةُ في معنى حديث مالكٍ في أخْذِ رسولِ الله ﷺ الجزيةَ من المجوسِ، فأحسنُها إسنادًا ما حدَّثناه سعيدُ بنُ نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ،

стр. 827

قال: أخبَرني أبي، عن موسى بن عُقْبةَ (١)، قال: قال ابنُ شهاب: حدَّثني عُروةُ بن الزبير، أن المِسْوَرَ بن مَخْرَمةَ أخبَره، أن عَمْرَو بن عوفٍ، حليفٌ لبني عامرِ بن لُؤَيٍّ وكان قد شَهِدَ بدرًا مع رسولِ الله ﷺ أخبَره أنَّ رسولَ الله ﷺ بعَث أبا عُبيدةَ بنَ الجراح يأتي بجِزيتِها، يعني البَحْرَيْن، وكان رسولُ الله ﷺ هو صالَحَ أهلَ البحرين، فأمَّرَ عليهم العلاءَ بن الحَضْرميِّ، فقدِم أبو عُبيدة بالمال من البَحْرين، فسمِعَتِ الأنصارُ بقدومِه فوافَوا صلاةَ الفجرِ مع رسول الله ﷺ ، فلمّا صلَّى انصرَف، فعَرَضُوا له، فتبسَّم حينَ رآهم وقال: "أظنُّكم سَمِعتُم بقدومِ أبي عُبيدةَ، وأنه جاءَ بشيءٍ". قالوا: أجلْ. فقال: "فأبشِرُوا وأمِّلُوا، فو الله ما الفَقْرَ أخْشَى عليكم، ولكنْ أخشَى أن تُبْسَطَ عليكم الدنيا كما بُسِطَت على مَن كان (٢) قبلَكُم، فتَنافَسوها (٣) كما تنافَسوها، وتُلهِيَكم كما ألْهَتْهم" (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن المنذرِ، قال: حدَّثنا محمد بن فُلَيْح، عن موسى بن عقبةَ، قال: حدَّثني ابنُ شهابٍ، قال: حدَّثني عُروةُ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ أخبره، أن عَمْرَو بن عوفٍ، وهو حليفٌ لبني عامر بن لُؤيٍّ، وكان قد شَهِدَ بدرًا مع رسولِ الله ﷺ أخبَره، أنَّ رسولَ الله ﷺ صالَح أهلَ البَحْرين، وأمَّرَ عليهم العلاءَ بن الحَضْرَميِّ، وذكَر الحديثَ نحوَه، وفي آخرِه: "فتنافَسُوا فيها (٥) كما تنافَسوا، فتُهْلِكَكم كما أهلكتهم" (٦).

стр. 828

فإن قيل: إنَّ أهلَ (١) البحرين لعلَّهم لم يكونوا مَجُوسًا. قيل له: روَى قيسُ بن مسلمٍ، عن الحَسَنِ بن محمدٍ، أنَّ النبيَّ ﵇ كتَب إلى مَجُوس البَحْرين يدْعُوهم إلى الإسلام؛ فمَن أسلَم منهم قُبِل، ومَن أبى وجَبت عليه الجزيةُ، و (٢) لا تُؤكَلُ لهم ذبيحةٌ، ولا تُنكَحُ لهم امرأةٌ (٣). وقد كتَب عمرُ بن عبد العزيز إلى عديِّ بن أرطاةَ: أمّا بعدُ، فَسَلِ الحَسَنَ - يعني البصريَّ - ما منَع مَن قبلَنا من الأئمةِ أن يَحُولوا بينَ المَجُوس وبينَ ما يَجمَعون من النساء اللّاتي لا يَجمَعُهنَّ أحدٌ غيرُهم؟ فسأله، فأخبرَه أنَّ النبيَّ ﷺ قَبِل من مجوسِ البحرين الجزيةَ، وأقرَّهم على مجوسيَّتِهم، وعامِلُ (٤) رسولِ الله ﷺ يومئذٍ على البحرين العلاءُ بن الحَضْرَميِّ، وفعَله بعدَه أبو بكرٍ، وعُمرُ، وعثمانُ. ذكَره الطحاويُّ (٥)، قال: حدَّثنا بكارُ بن قتيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن حُمْرانَ، قال: حدَّثنا عوفٌ (٦)، قال: كتَب عمرُ بن عبدِ العزيز. وذكَر مالكٌ في "الموطأ" (٧)، عن ابن شهابٍ، قال: بلَغني أن رسولَ الله ﷺ أخَذ الجزيةَ من مجوسِ البحرين، وأن عمرَ بن الخطاب أخَذها من مجوسِ فارسَ، وإن عثمانَ أخَذها من البربر.

стр. 829

وذكَر عبد الرَّزَّاق (١)، قال: أخبَرنا معمر، قال: سمعتُ الزهريَّ سُئِلَ: أتُؤْخذُ الجزيةُ ممّن ليس من أهل الكتاب؟ قال: نعم، أخَذها رسولُ الله ﷺ من أهلِ البحرين، وعُمرُ من أهل السواد، وعثمانُ من بربر. قال (٢): وأخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، أن النبيَّ ﷺ صالَح عَبَدةَ الأوثانِ على الجزيةِ إلّا مَن كان منهم من العرب، وقَبِل الجزيةَ من أهلِ البحرين وكانوا مجوسًا. قال أبو عُمر: هذا يدلُّ على أنَّ مَذْهبَ ابن شهابٍ أن العربَ لا تُؤخذُ منهم الجزيةُ إلّا أن يَدينُوا بدينِ أهل الكتاب. وما أعلمُ أحدًا روَى هذا الخبرَ المُرْسلَ عن ابنِ شهابٍ إلّا مَعْمَرًا، أعني قولَه: صالَحَ رسولُ الله ﷺ عَبَدَةَ الأوثانِ على الجزيةِ إلّا مَن كان منهم من العرب، فاستثنَى العربَ وإن كانوا عَبدَةَ أوثانٍ من بين سائرِ عَبدَةِ الأوثان. وبه يقولُ ابنُ وَهْب. وذكَر ابنُ وَهْبٍ، عن يونُسَ، عن ابن شهابٍ، قال: أُنزِلت في كفارِ العرب: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. وأُنزِلت في أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآيةَ [التوبة: ٢٩]. قال ابنُ شهابٍ: فكان أوّلَ مَن أعطَى الجزيةَ من أهل الكتابِ أهلُ نَجْرانَ فيما علِمْنا، وكانوا نصارَى. قال ابنُ شهاب: ثم قَبِل رسولُ الله ﷺ من أهل البَحْرين الجزيةَ وكانوا مجوسًا، ثم أدَّى أهلُ أيلَةَ، وأهلُ أذرُحَ، وأهلُ أذرِعَاتٍ، إلى رسولِ الله ﷺ ، وأقَرُّوا له في غزوةِ تبوكَ. قال ابنُ شهابٍ: ثم بعَث خالدَ بن الوليدِ إلى أهلِ دُومَةِ الجَنْدَلِ، وكانوا من عِبَادِ (٣)

стр. 830

الكُوفة، فأسَر رأسَهم أُكَيدِرَ، فقاضاه على الجَزْية. قال ابنُ شهاب: فمَن أسلَم من أولئك كلِّهم قُبِل منه الإسلامُ، وأَحْرَزَ له إسلامُه نفسَه ومالَه إلّا الأرضَ؛ لأنّها كانت من فَيءِ المسلمين. قال ابنُ وَهْبٍ: وأخبَرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: حدَّثني ابنُ المسيِّب، أنَّ رسولَ الله ﷺ أخَذ الجزيةَ من مجوسِ هجرَ، وإنَّ عُمرَ بن الخطاب أخَذها من مجوسِ السوادِ، وإن عثمانَ أخَذها من بربرٍ. وذكَر عبدُ الرزاق (١)، عن الثوريِّ، عن محمدِ بن قيسٍ، عن الشعبيِّ، قال: كان أهلُ السوادِ ليس لهم عهدٌ، فلمّا أُخِذ منهم الخراجُ كان لهم عهدٌ. قال أبو عُمر: أهلُ العهدِ وأهلُ الذمةِ سواءٌ، وهم أهلُ العَنوةِ يُقَرُّون بعدَ الغَلَبَةِ عليهم فيما جعَله اللهُ للمسلمينَ وأفاءَه عليهم منهم ومن أرْضِهم، فإذا أقَرُّوهم كانوا أهلَ عهدٍ وذمةٍ، تُضرَبُ على رءُوسِهم الجزيةُ ما كانوا كُفارًا، ويُضرَبُ على أرضِهم الخَرَاجُ فيئًا للمسلمين؛ لأنّها ممّا أفاءَ اللهُ عليهم، ولا يسقُطُ الخراجُ عن الأرضٍ بإسلام عامِلِها. فهذا حكمُ أهلِ الذِّمة، وهم أهلُ العَنوةِ الذين غُلِبُوا على بلادِهم وأُقِرُّوا فيها. وأمّا أهلُ الصُّلحِ فإنّما عليهم ما صُولِحوا عليه يُؤدُّونَه عن أنفسِهم وأموالِهم وأرْضِهم وسائرِ ما يَملِكُونه، وليس عليهم غيرُ ما صُولِحوا عليه إلّا أن يَنْقُضوا، فإن نَقَضُوا فلا عهدَ لهم ولا ذمةَ، ويعودونَ حربًا إلّا أن يُصالِحوا بعدُ. أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بن يحيى بن عُمرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنةَ،

стр. 831

عن عَمْرو بن دينار، سَمِع بَجَالَةَ يقول: كنتُ كاتبًا لجَزْءِ بن معاويةَ عمِّ الأحنف، فأتانا كتابُ عُمرَ قبلَ موتِه بسنةٍ؛ أن اقتُلوا كلَّ ساحرٍ وساحرةٍ. قال: ولم يكنْ عُمرُ أخَذ الجزيةَ من المَجُوسِ حتى شَهِد عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ أن النبيَّ ﵇ أخَذها من مجوسِ هَجَرَ (١). ورواه أبو مُعاويةَ، عن الحجَّاج بن أرطاةَ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن بَجَالةَ بن عَبْد (٢)، قال: كنتُ كاتبًا لجَزْءِ بن معاويةَ على مَناذِرَ (٣)، فقَدِم علينا كتابُ عُمرَ؛ أن انظُرْ وخُذْ من مجوسِ مَن قِبَلَك الجزيةَ، فإنَّ عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ أخبرَني أنَّ رسولَ الله ﷺ أخَذ من مجوسِ هَجَرَ الجزية (٤). وحدَّثنا أبو القاسم خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح المقرئُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن سُليمانَ بن الأشعثِ السِّجِسْتانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى النيسابوريُّ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بن محمدِ بن شُجاع، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ بن بَشير، عن [داودَ، عن قُشَير (٥) بن] عَمْرٍو، عن بَجَالةَ بن عَبْد، أنَّ عبدَ الرحمن بن عوفٍ قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ أخَذ من مَجُوسِ هَجَرَ الجزيةَ. قال: وقال ابنُ عباسٍ: فرأيتُ منهم رَجُلًا أتَى النبيَّ ﵇، فدخَل عليه ومكَث عندَه ما مكَث، ثم خرَج، فقلتُ: ما قضَى اللهُ ورسولُه؟ قال: شرٌّ. قلتُ: مَهْ؟ قال:

стр. 832

الإسلامُ أو القتلُ. قال ابنُ عباسٍ: فأخَذ الناسُ بقولِ عبد الرحمن بن عوفٍ وترَكوا قولي (١). قال أبو عُمر: كان ابنُ عباسٍ يذهَبُ إلى أنَّ أموالَ أهلِ الذمةِ لا شيءَ فيها. ذكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٢) قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه، أنَّ إبراهيمَ بن سَعْدٍ سأل ابنَ عباسٍ، وكان عاملًا بعَدَنَ، فقال لابن عباسٍ: ما في أموالِ أهلِ الذمةِ؟ قال: العَفْوُ (٣). قال: إنَّهم يأمُرونَنا بكذا وكذا. قال: فلا تعمَلْ لهم. قلتُ له: فما في العَنْبَرِ؟ قال: إن كان فيه شيءٌ فالخُمسُ. قال أبو عُمر: قد رُوِي عنه أنَّ العَنْبرَ ليسَ فيه شيءٌ، إنّما هو شيءٌ دسَرَهُ البَحْرُ (٤). وعلى هذا جمهورُ العلماءِ. وكان ابنُ عباسٍ لا يرى في أموالِ أهلِ الذمةِ شيئًا، تَجَرُوا في بلادِهم أو في غير بلادِهم، أو لم يتْجُروا، ولا يَرَى عليهم غيرَ جزيةِ رؤُوسِهم. وقد أخَذ عمرُ بن الخطابِ من أهلِ الذمةِ ممّا كانوا يَتجُرون به، ويختَلِفون به إلى مكةَ والمدينةِ وغيرِهما من البلدانِ. ومضَى على ذلك الخلفاءُ. وكان عمرُ بن عبدِ العزيزِ يأمرُ به عمالَه. وعليه جماعةُ الفقهاءِ، إلّا أنّهم اختَلفوا في المقدارِ المأخوذِ منهم. وكذلك اختلَفتِ الروايةُ في ذلك عن عمرَ بن الخطابِ

стр. 833

رحِمه اللهُ؛ فروَى مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمٍ، عن أبيه، أن عمرَ بن الخطابِ كان يأخذُ من النَّبَطِ من الحنطةِ والزيتِ نصفَ العُشْرِ، يريدُ بذلك أن يكثُرَ الحَملُ إلى المدينةِ، ويأخُذُ من القِطْنِيَّةِ العُشرَ. وروَى مالكٌ (٢) أيضًا عن ابن شهابٍ، عن السائبِ بن يزيدَ، قال: كنتُ عاملًا مع عبدِ الله بن عُتبةَ بن مَسْعودٍ على سُوقِ المدينةِ في زمانِ عمرَ بن الخطابِ، فكان يأخُذُ من النَّبَطِ العُشرَ. وروَاه معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن السائبِ بن يزيدَ، أنَّ عُمَرَ كان يأخُذُ من أهلِ الذمةِ نصفَ العُشرِ (٣). وكذلك روَى أنسُ بن سيرينَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ عُمرَ كان يأخُذُ من المُسلمِ رُبُعَ العُشرِ، ومن الذميِّ نصفَ العُشْرِ، ومن الحربيِّ إذا دخَل من الشامِ العُشرَ (٤). وبهذا يقولُ الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والحسنُ بن حيٍّ. ويعتبِرون النصابَ في ذلك والحَوْلَ، فيأخُذون من الذمِّيِّ نصفَ العُشرِ إذا كان معه مئتا درهم، ولا يؤخذُ منه شيءٌ إلى الحولِ، ومن المُسلمِ زكاةَ مالِه الواجبةَ رُبُعَ العُشر. هذه روايةُ الأشجعيِّ، عن الثوريِّ، كقولِ أبي حنيفةَ. وروَى عنه أبو أسامةَ أن الذميَّ يؤخذُ منه من كلِّ مئة درهمٍ خمسةُ دراهمَ،

стр. 834

فإنْ نقَصَتْ من المئة، فلا شيءَ عليهم، لم (١) يَعْتَبِرُ النِّصابَ في هذه الروايةِ كنصابِ المُسلم. قال مالكٌ (٢): يُؤخذُ من الذميِّ كلَّما تَجَر من بَلَدِه إلى غيرِ بلدِه، كما لو تَجَر من الشامِ إلى العراقِ أو إلى مِصرَ، من قليلِ ما يَتْجُرُ به في ذلك وكثيرِه كلَّما تَجَر، ولا يُرَاعَى في ذلك نصابٌ ولا حولٌ، وأمّا المقدارُ المأخوذُ فالعُشرُ، إلّا في الطعامِ إلى مكةَ والمدينةِ، فإنَّ فيه نِصفَ العُشْرِ على ما فعَل عُمرُ، ولا يُؤخذُ منهم إلّا مرةً واحدةً في كلِّ سَفْرةٍ عندَ البيعِ لما جَلَبُوه، فإن لم يبيعُوا شيئًا ودخَلوا بمالٍ ناضٍّ، لم يُؤخذْ منهم حتى يَشْتَروا، فإن اشتَرَوا أُخِذ منهم، فإن باعَ ما اشترَى لم يُؤخذْ منه شيءٌ ولو أقامَ سنينَ، وعَبِيدُهم كذلك، إن تَجَرُوا يُؤخذُ منهم مثلُ ما يُؤخذُ من ساداتِهم. وقال الشافعيُّ (٣): لا يُؤخذُ من الذميِّ في السنةِ إلّا مرةً واحدةً، كالجزية، ويُؤخذُ منهم ما أخَذ عُمرُ بن الخطابِ، من المُسلمِ رُبُعُ العُشرِ، ومن الذميِّ نصفُ العُشرِ، ومن الحربيِّ العُشرُ، اتباعًا له. وهو قولُ أحمدَ (٤). فإن قال قائلٌ: كيف ادَّعَيْتَ الإجماعَ على أنّه لا يجوزُ للمسلمينَ نكاحُ المجوسياتِ، وقد تزوَّج بعضُ الصحابةِ مجوسيةً؟ قيل له: هذا لا يصحُّ، ولا يُوجدُ من وجهٍ ثابتٍ (٥)، وإنّما الصحيحُ، واللهُ أعلمُ، عن حذيفةَ، أنّه تزوَّج

стр. 835

يهوديةً (١)، وعن طلحةَ بن عُبَيدِ الله أنّه تزوَّج يهوديةً (٢). وقد كرِه ذلك عمرُ بن الخطابِ لحذيفةَ ﵄؛ خشيةَ أن يَظُنَّ الناسُ ذلك. ورَوَينا عن سعيدِ بن المسَيِّبِ، أنَّ عُمرَ بن الخطابِ كتَب إلى حذيفةَ بن اليمانِ وهو بالكوفةِ، وكان نَكَحَ امرأةً من أهلِ الكتابِ، فكتَب عُمرُ؛ أن فارِقْها فإنَّكَ بأرضِ المجوسِ، وإنّي أخشَى أن يقولَ الجاهلُ: قد تزوَّج صاحبُ رسولِ الله ﷺ كافِرةً، ويجهَلَ الرخصةَ التي كانت من الله في نساءِ أهلِ الكتابِ، فيتزوَّجوا نساءَ المجوسِ. ففارَقها حذيفةُ (٣). وإجماعُ فقهاءِ الأمصارِ على أن نكاحَ المجوسياتِ والوثنياتِ وما عدَا اليهودياتِ والنَّصْرانياتِ من الكافراتِ لا يَحِلُّ، يُغْني عن الإكثارِ في هذا. ذَكَرَ عبدُ الرزاقِ (٤)، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن قيسِ بن مُسلم، عن الحَسَنِ (٥) بن محمدِ بن عليٍّ قال: كتب رسولُ الله ﷺ إلى مجوسِ هَجَرَ يدعُوهم إلى الإسلام، فمَن أسلَم قُبِل منه، ومن أَبى كُتِبت (٦) عليه الجزيةُ، ولا تُؤكلُ لهم ذبيحةٌ، ولا تُنكحُ لهم امرأةٌ (٧).

стр. 836

واختلَف العلماءُ في مقدارِ الجزية؛ فقال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: لا توقيتَ في ذلك، وإنّما هو على ما صُولِحوا عليه. وكذلك قال يحيى بنُ آدمَ، وأبو عُبيدٍ، والطبريُّ، إلّا أن الطبريَّ قال: أقلُّه دينارٌ، وأكثرُه لا حدَّ له إلّا الإجحافَ (١) والاحتِمالَ. قالوا: الجزيةُ على قدرِ الاحتمالِ بغيرِ توقيتٍ، يجتهِدُ في ذلك الإمامُ، ولا يُكلِّفُهم ما لا يُطِيقون، وإنّما يُكلِّفُهم من ذلك ما يَستطيعُون ويَخِفُّ عليهم. هذا معنى قولِهم. وأظنُّ من ذهَب إلى هذا القولِ يحتجُّ بحديثِ عَمْرِو بن عوفٍ الذي قدَّمنا ذكرَه هذا البابِ؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ صالَحَ أهلَ البَحْرين على الجزيةِ. وبما ذَكره محمدُ بن إسحاقَ، عن عاصمِ بن عُمرَ، عن أنسٍ، أنَّ النبيِّ ﷺ بعَث خالدَ بن الوليدِ إلى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، فأخَذه وأتَى به، فحَقَن له دَمَه وصالَحَهُ على الجزيةِ (٢)؛ وبحديثِ السُّدّيِّ، عن ابن عباسٍ، في مصالحةِ رسولِ الله ﷺ أهلَ نَجْرانَ (٣)؛ ولما روَاه مَعْمرٌ، عن ابن شهابٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ صالَح عَبَدَةَ الأوثانِ على الجزيةِ، إلّا ما كان من العربِ. ولا نعلَمُ أحدًا روَى هذا الخبرَ بهذا اللفظِ عن ابن شهابٍ إلّا مَعْمرًا. وقال الشافعيُّ (٤): المقدارُ في الجزيةِ دينارٌ على الغَنِيِّ والفقيرِ من الأحرارِ البالغينَ، لا يَنْقُصُ منه شيءٌ. وحُجَّتُه في ذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ بعَثَ مُعاذًا إلى اليَمَنِ، فأمَره أن يأخُذَ من كلِّ حالِمٍ دينارًا في الجزية. وهو المبَيِّنُ عن الله مُرادَه ﷺ . وبهذا قال أبو ثورٍ. قال الشافعيُّ (٥): وإن صُولِحُوا على أكثَرَ من دينارٍ جازَ، وإن زادوا وطابَتْ بذلك أنفسُهم قُبِل منهم، وإن صُولِحُوا على ضِيافةِ ثلاثةِ أيَّامٍ جاز، إذا كانتِ

стр. 837

الضِّيافةُ معلومةً في الخُبزِ والشعيرِ والتِّبْنِ والإدَام. وذُكِر ما على الوَسَطِ من ذلك، وما على الموسِرِ (١)، وذُكِر موضعُ النُّزُولِ والكنُّ من البَردِ والحرِّ، ولا يُقْبَلُ من غَنِيٍّ ولا فقيرٍ أقلُّ من دينارٍ؛ لأنّا لم نَعلَمْ أنَّ النبيَّ ﵇ صالحَ أحدًا على أقلَّ من دينَارٍ. وقال في مَوْضِع آخرَ (٢): أَخْذُ عُمرَ الجِزْيَةَ من أهلِ الشَّام إنّما كان على وَجْهِ الصُّلْح، فلذلك اختلَفَت ضرائبُه (٣)، ولا بأسَ بما صُولِحَ عليه أهلُ الذِّمَّةِ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ النُّفَيْلِيُّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن معاذٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ لما وجَّهَه إلى اليمنِ أمَره أن يأخُذَ من كُلِّ حالِمٍ - يعني مُحْتَلِمًا - دينارًا أو عَدْلَه من المَعافِرِ؛ ثيابٌ تكونُ باليَمَنِ (٥). هكذا قال أبو معاويةَ في هذا الحديثِ: عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن معاذٍ. وإنَّما هو: عن أبي وائلٍ، عن مَسْروقٍ، عن مُعاذٍ (٦). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن سُليمانَ الأعمشِ، عن أبي وائل، عن مسروقٍ، قال: بعَث رسولُ الله ﷺ معاذًا إلى اليَمَنِ،

стр. 838

فأمَرَه أن يأخُذَ من كُلِّ حالِمٍ في كلِّ عام دينارًا أو عَدْلَه مَعافِرَ، ومن البَقَرِ من كلِّ ثلاثينَ بَقَرَةً تَبِيعًا، ومن كلِّ أربعينَ مُسنَّةً (١). وهكذا روَاه شعبةُ (٢)، وجماعةٌ، عن الأعمشِ، كما روَاه أبو عَوانَةَ بإسنادِه هذا. وهو حديثٌ صحيحٌ. وكذلك رواه عاصِمُ بن بَهْدَلَة، عن أبي وائلٍ، عن مسروقٍ، عن مُعاذٍ (٣). وقال مالكٌ: أربعةُ دَنانِيرَ على أهلِ الذَّهَبِ، وأربعون دِرْهَمًا على أهلِ الوَرِقِ، الغنِيُّ والفَقِيرُ سواءٌ، لا يُزَادُ ولا يُنْقَصُ على ما فرَضَ عُمَرُ، لا يُؤْخَذُ منهم غيرُه. وقال أبو حنيفَةَ وأصحابُه، والحسنُ بنُ حَيٍّ، وأحمدُ بن حنبلٍ: اثْنَا عشَرَ، وأربعةٌ وعشرُونَ، وثمانيةٌ وأربعونَ (٤). وقال الثوريُّ: جاءَ عن عُمرَ بن الخطابِ في ذلك ضَرائبُ مختلفةٌ، فللْوالي أن يأخُذَ بأيِّها شاءَ إذا كانوا ذِمَّةً، وأما أهلُ الصُّلْح فما صُولحُوا عليه لا غيرُ. قال أبو عُمر: روَى مالكٌ (٥)، عن نافعٍ، عن أسلَمَ، أنَّ عمرَ بن الخطابِ ضَرَب الجِزْيَةَ على أهلِ الذَّهَب أربعةَ دنانيرَ، وعلى أهلِ الوَرِقِ أربعين دِرْهمًا، مع ذلك أرْزاقُ المُسلمين، وضِيافَةُ ثلاثةِ أيام. وروَى إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، أنَّ عُمرَ بعَث

стр. 839

عثمانَ بن حُنيفٍ، فوضَعَ الجِزيَةَ على أهلِ السَّوادِ؛ ثمانيةً وأربعين، وأربعةً وعشرين، واثنَي عشرَ (١). وذكر عبدُ الرزاقِ (٢)، عن الثوريِّ، قال: ذُكِرَت عن (٣) عمرَ ضرائبُ مختَلِفةٌ على أهلِ الذِّمَّةِ الذين أُخِذُوا عَنْوَةٌ. قال الثوريُّ: وذلك إلى الوالي، يَزيدُ عليهم بقَدْرِ يُسْرِهم، ويضَعُ عنهم بقَدْرِ حاجَتِهم، وليس لذلك وَقْتٌ، ولكنْ ينظُرُ في ذلك الوالي على قَدْرِ ما يُطِيقُونَ، فأمَّا ما لم يُؤْخَذْ عَنْوَةً حتى صُولِحُوا صُلْحًا، فلا يُزَادُ عليهم شيءٌ على ما صُولِحُوا عليه، والجزيةُ على ما صُولِحوا عليه من قليلٍ أو كثيرٍ، في أرضِهم وأعناقِهم، وليس في أموالِهم زَكاةٌ. وأجْمَع العلماءُ على أنْ لا زكاةَ على أهلِ الكتابِ ولا المجوسِ في شيءٍ من مَواشِيهم ولا زُرُوعِهم ولا ثمَارِهم، إلّا أن من العلماءِ من رأى تَضعِيفَ الصَّدَقةِ علي بني تَغْلِبَ دُونَ جِزْيَةٍ؛ وهو فعلُ عمرَ بن الخَطَّابِ فيما روَاه أهلُ الكوفَةِ. ومِمَّن ذهَب إلى تَضعيف الصَّدَقةِ على بَنِي تَغْلِبَ دونَ جِزْية: الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأصحابُهم، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، قالوا: يُؤْخذُ منهم من كُلِّ ما يُؤْخَذُ من المُسلمِ مِثْلَا ما يُؤخَذ من المُسلمِ، حتى في الرِّكازِ يُؤْخَذُ منهم خُمُسانِ، وما يُؤْخَذُ من المُسلمِ فيه العُشرُ أُخِذ منهم عُشْرانِ، وما أُخِذ من المُسلمِ فيه رُبُعُ العُشْرِ أُخِذَ منهم نصفُ العُشْرِ. ويجرِي ذلك على أموالِهم ونِسائِهم ورِجالِهم

стр. 840

بخِلافِ الجِزيةِ. وقال زُفَرُ: لا شيءَ على نِساءِ بني تَغْلِبَ في أموالِهم (١). وليس عن مالكٍ في هذا شيءٌ مَنْصُوصٌ، ومذهبُه عندَ أصحابِه أنَّ بني تَغْلِبَ وغيرَهم سواءٌ في أخذِ الجِزْيَةِ منهم. وقد جاءَ عن عُمرَ أنّه إنّما فعَل ذلك بهم على ألّا يُنَصِّرُوا أولادَهم، وقد فعَلُوا ذلك، فلا عَهْدَ لهم. كذلك قال داودُ بن كُرْدُوسٍ، وهو راويةُ حديثِ عُمرَ في بَنِي تَغْلِبَ (٢). قال أبو عُمر: قد عَمَّ اللهُ أهلَ الكتابِ في أخذِ الجِزيَةِ منهم، فلا وجهَ لإخراجِ بني تَغْلِبَ عنهم. وأجمَع العلماءُ على أن الجِزْيَةَ إنّما تُضربُ على البالغين من الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ والصِّبيانِ. وأجمَعوا أن الذِّمِّيَّ إذا أسلَمَ فلا جِزْيَةَ عليه فيما يُسْتَقْبَلُ، واختَلَفُوا فيه إذا أسلَمَ في بعضِ الحَوْلِ، أو مات قبلَ أن يَتِمَّ حولُه؛ فقال مالكٌ (٣): إذا أسلَمَ الذِّمِّيُّ سقَطَ عنه كلُّ ما لَزِمَه من الجِزْيَةِ لما مَضَى، وسَواءٌ اجتمَعَ عليه حولٌ أو أحوالٌ، وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، وعُبيد الله بن الحَسَنِ (٤). وقال أبو حنيفةَ: إذا انْقَضَتِ السِّنَةُ ولم يُؤْخَذْ منه شيءٌ، ودخَلَتْ سنةٌ أُخرَى، لم يُؤخذْ منه شيءٌ لِمَا مَضَى. وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يُؤْخَذُ منه. وقال الشافعيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ: إذا أسلَمَ في بعض السَّنَةِ أُخِذَ منه بحساب. قال الشافعيُّ: فإن أفْلَسَ فالإمامُ غَرِيمٌ من الغُرَماءِ. وقولُ أحمدَ بن حنبلٍ في المسألةِ كقولِ مالكٍ، وهو الصوابُ إن شاءَ اللهُ، والحمدُ لله (٥).

стр. 841

حديثٌ سابعٌ لجعفرِ بن محمدٍ مُرْسَل مالكٌ (١)، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليَمِينِ مع الشّاهدِ. وهذا الحديثُ في "الموطأ" عن مالكٍ مرسَلٌ عند جماعةِ رواتِه، وقد رُوِي عنه مُسندًا. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد الله القاضي، قال: حدَّثنا حامدُ بن محمدِ بن هارونَ الحَضْرميُّ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن مَنْصورٍ الدَّبَّاغُ، قال: حدَّثنا عثمانُ بن خالدٍ المدنيُّ العثمانيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى بشاهدٍ ويمينٍ (٢). هكذا حدّث به عثمانُ بن خالدٍ المدَنيُّ، عن مالكٍ بإسنادِه هذا مُسْندًا، والصحيحُ فيه عن مالكٍ أنّه مرسلٌ في روايتِه (٣). وقد تابَع عثمانَ بن خالدٍ العثمانيَّ على روايَتِه هذه في هذا الحديث عن مالكٍ، إسماعيلُ بن موسى الكوفيُّ، فرواه أيضًا عن مالكٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابر (٤).

стр. 842

ورواه محمدُ بن عبد الرحمن بن ردَّادٍ (١) ومسكينُ بن بُكيرٍ (٢)، كلاهما عن مالكٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. والصحيحُ عن مالكٍ ما في "الموطأ". وروَى أبو حُذافةَ، عن مالكٍ في هذا الباب حديثًا مُنْكَرًا (٣)، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﵇. حدَّثناه خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ المُطرِّز، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسن بن هارون، قال: حدَّثنا أبو حُذافةَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمينِ مع الشاهد (٤). وقد أسنَده عن جعفر بن محمدٍ جماعةٌ حُفّاظٌ، وزيادةُ الحافظِ مقبولةٌ، فممَّن أسنَده: عبيدُ الله بن عمرَ، وعبدُ الوهاب الثَّقفيُّ، ومحمدُ بن عبد الرحمن بن

стр. 843

ردَّادٍ المَدَني (١) ويحيى بن سُليمٍ (٢)، وإبراهيمُ بن أبي حيّة (٣). وروَاه ابن عيينةَ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه مرسلًا كما رواه مالكٌ. وكذلك روَاه الحكمُ بن عُتَيْبَة وعَمْرو بن دينارٍ جميعًا عن محمدِ بن عليٍّ مرسلًا. فأمّا حديثُ عبيدِ الله بن عمرَ، فحدَّثناه عبدُ الرحمن بن عبد الله بن خالدٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسن عليُّ بن محمد بن أحمدَ بن لُؤْلُؤٍ البغداديُّ، قال: حدَّثنا أبو الحسن عليُّ بن الحسنِ القافْلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو همّامٍ عبدُ الله بن عبد السلام، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عبد المجيد الحَنَفيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عمرَ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بن عبد الله، أنّ رسولَ الله ﷺ قَضَى باليمين مع الشاهد (٤). وروَاه محمدُ بن عيسى بن سُمَيع، عن عُبيدِ الله بن عمرَ مثلَه سواءً (٥). وأما حديثُ الثَّقَفيِّ فحدَّثناه عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ (٦)، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بن داودَ بن سليمانَ المِنقَريُّ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، وعبدُ الله بن عبد الوهابِ الحَجَبيُّ، ومحمدُ بن المثنى أبو موسى، قالوا:

стр. 844

حدَّثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفيُّ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أنّ رسولَ الله ﷺ قضى باليمينِ مع الشاهد (١). وحدَّثنا أبو عبد الله محمدُ بن إبراهيمَ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيوبَ الرَّقيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمْرٍو البصريُّ البزَّارُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الوهاب بن عبد المجيدِ الثقفيُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمينِ مع الشاهد. وحدَّثني أبو عُمرَ أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا الميمونُ بن حمزةَ الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أخبَرنا عبدُ الوهّابِ بن عبدِ المجيدِ الثَّقَفيُّ، عن جعفرٍ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ قضى باليمينِ مع الشاهد (٢). وكذلك روَاه جماعةٌ عن الشافعيِّ، منهم: أحمدُ بن عَمْرو بن السَّرْح، والحَسَنُ بن محمدٍ الزَّعْفرانيُّ، والربيعُ بن سليمانَ المُراديُّ (٣). وأما حديثُ يحيى بن سُليمٍ، فحدّثني به أحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا أبو يعقوبَ إسحاقُ بن أحمدَ البغداديُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن حاتمٍ العَلَّافُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سُليمٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بن عبد الله، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد.

стр. 845

وروَى هذا الحديثَ عن يحيى بن سُليمٍ أيضًا: عبد الوهاب الوراقُ، فأخطأ فيه، جعَله عن يحيى بن سُليمِ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ . وإنّما شُبِّهَ عليه، لأنَّ في الحديث: عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، قال: وقَضَى بها عليٌّ بين أظهُرِكم يا أهلَ الكوفة (١). وأما حديثُ ابن ردَّادٍ؛ فحدَّثني أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن شاكرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيوبَ بن حبيبٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمْرِو بن عبدِ الخالق البَزَّارُ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ معاذٍ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد الرحمن بن ردَّادٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. هكذا ذكره البزّار (٢). وذكَره الدارقطنيُّ على وجهَين، فقال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن المطَّلب، قال: حدَّثنا القاسمُ بن زكريّا المُقرئُ، قال: حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد الرحمن بن ردَّادٍ، قال: أخبرني جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ، أنَّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. هكذا قال: عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ، وجعَله له عن جعفر. قال: وحدَّثنا أحمدُ بن المطلب أيضًا، قال: حدَّثنا القاسمُ بن زكريا، قال: حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد الرحمن، عن مالكٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ مثلَه. فجعَله لابن ردَّادٍ عن مالكٍ بإسنادٍ واحدٍ، وفي ذلك ما لا يخفَى. وأما حديثُ إبراهيمَ بن أبي حيّة، فحدَّثناه أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أحمدَ البغداديُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا داود بن حماد

стр. 846

البَلْخي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي حيّةَ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بن عبد الله قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ فأمَره أن يَقضيَ باليمين مع الشاهد (١). فهذا ما في حديث جعفرِ بن محمدٍ، وإرسالُه أشهرُ (٢). وفي اليمين مع الشاهدِ آثارٌ متواترةٌ حسانٌ ثابتةٌ متصلةٌ، أصحُّها إسنادًا وأحسنُها حديثُ ابن عباس، وهو حديث لا مَطْعَنَ لأحدٍ في إسنادِه، ولا خلافَ بين أهلِ المعرفةِ بالحديثِ في ثبوته من ذلك الوجه (٣) وأنّ رجالَه ثقاتٌ، روَاه سيفُ بن سُليمانَ، عن قيس بن سعدٍ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ. وروَاه محمدُ بن مسلم الطائفيُّ، عن عَمْرو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ. وقال يحيى القطانُ: سيفُ بن سليمانَ ثَبَتٌ، ما رأيتُ أحفظَ منه. وقال النسائيُّ: هذا إسنادٌ جيدٌ، سيفٌ ثقةٌ، وقيسٌ ثقةٌ (٤). حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ (٥)، قال: حدَّثنا زيدُ بن الحُباب، قال: حدَّثني سيفُ بن سُليمانَ المكِّيُّ، قال: أخبرني قيسُ بن سعدٍ، عن عَمْرو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. وحدَّثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن داودَ بن سليمانَ المِنْقَريُّ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ محمدُ بن العلاء، قال: حدَّثنا

стр. 847

زيدُ بن الحُباب، عن سيفِ بن سُليمانَ، عن قيس بن سعدٍ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. وحدَّثني أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا زيدُ بن الحُباب، قال: حدَّثنا سيفُ بن سليمانَ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. وأخبَرنا أحمدُ بن عبد الله، قال: حدَّثنا الميمونُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا الطحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن أبي عبَّادٍ؛ قالا: حدَّثنا عبد الله بن الحارث، قال: حدَّثنا سيفُ بن سليمانَ، عن قيس بن سعدٍ، عن عَمْرو بن دينار، عن ابن عباسٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد الواحد. قال عَمرو: في الأموال خاصة (١). وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيم وإبراهيمُ بن شاكرٍ، قالا: أخبَرنا محمدُ بن أحمدَ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيوبَ الرَّقَيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمْرٍ والبزّارُ، قال: حدَّثنا داودُ بن سليمانَ الخَزَّازُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن الحارث المخزوميُّ، قال: حدَّثنا سيفُ بن سليمانَ، قال: حدَّثنا قيسُ بن سعدٍ، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباسٍ، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. قال أحمدُ بن عَمْرٍو: وحدَّثناه عَبدةُ بن عبد الله ورزقُ الله بن موسى، قالا: حدَّثنا زيدُ بن الحُباب، قال: حدَّثنا سيفُ بن سُليمانَ، عن قيس بن سَعْدٍ،

стр. 848

عن عَمْرو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قضَى باليمين مع الشاهد. قال عمرُو بن دينارٍ: في الأموال خاصة. قال أبو عُمر: خرَّج مسلمٌ حديثَ ابن عباسٍ هذا (١). قال أبو بكرٍ البزَّارُ: سيفُ بن سُليمانَ وقيسُ بن سعدٍ ثقتان، ومَن بعدَهما يُسْتَغْنَى عن ذكرِهما لشهرتِهما في الثقةِ والعدالة (٢). وأخبَرنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ. وأخبَرنا عبد الله بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن جامع؛ قالا: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز (٣)، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مسلمٍ الطائفيُّ (٤). وذكر عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا محمدُ بن مسلم الطائفيُّ، عن عَمْرو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنّه قضَى باليمين مع الشاهد (٥).

стр. 849

ورواه أبو هريرةَ عن النبيِّ ﷺ حدَّثنا أبو زيدٍ عبدُ الرحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن إسحاقَ بن العباس الفاكهيُّ بمكة (١)، قال: حدَّثنا أبو يحيى عبدُ الله بن أحمدَ بن أبي مسرَّةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمد الأزرقيُّ، قال: حدَّثنا الدَّراورديُّ، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، عن سُهيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. قال الدَّراورديُّ: ثم أتيتُ سهيلًا فسألتُه عن هذا الحديث، فقال: حدثني ربيعةُ عني، عن أبي، عن أبي هريرة، أنّ النبيَّ ﷺ ، ثم ذكَره (٢). قال أبو عُمر: نسي سهيلٌ حديثَه هذا، ثم حمَله الورعُ على أن يحدِّثَ به عن ربيعةَ عن نفسِه، ولم يمِلْ إلى أذكارِ ربيعةَ إياهُ بذلك، فكان يقول: حدَّثني ربيعةُ أنّي حدّثتُه، عن أبي، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بهذا الحديث (٣). ولم يقل هذا عن سُهيلٍ أحدٌ إلّا الدَّراورديُّ في روايةِ بعض الرواة عنه فيما علمتُ. وقد روَاه جماعةٌ حفاظٌ عن ربيعةَ، لم يقولوا فيه ما قاله الدَّراورديُّ (٤)، على أنّه

стр. 850

قد روَاه جماعةٌ عن الدَّراورديِّ فلم يذكروا ذلك، وقد عرَض مثل (١) ذلك لجماعةٍ من العلماء نسُوا ما حدَّثوا به، ثم رَوَوْه عمن روَاه عنهم عن أنفسهم، ولو تقصَّيْنا ذلك وذكَرناه خرَجْنا عن حدِّ ما قصَدنا له. فمن ذلك ما حدَّثنا به عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن معينٍ، قال: حدَّثنا مُعتمرٌ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثتَني أنت عني، عن الحَسَن، قال: ويحٌ كلمةُ رَحْمة (٢). قال: وحدَّثنا يحيى بن معينٍ، قال: حدَّثنا معتمر، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثتَني أنت - يعني مُعتمِرًا - عن عُبيد الله بن عمرَ، قال: إنّما كسَر عمرُ النبيذَ من شدةِ حلاوته (٣)، قال: قال معتمِر: فأمّا أنا فلا أحفَظُه، وحفِظَه أبي عني. أخبَرنا أحمد بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضل، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن محمد بن موسى بن مجاهدٍ المُقرئُ، قال: حدَّثنا عباسُ بن محمدٍ الدُّوريُّ، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ بن سُليمانَ، قال: قال لي أبي: أنتَ حدَّثتني عنِّي، عن فلانٍ أنه قال: ويحٌ بابُ رحمةٍ (٤). قال أبو عُمر: فهذا سُليمانُ (٥) التَّيميُّ قد عرَض له كالذي عرَض لسُهيلٍ

стр. 851

إنْ صحَّ ما ذكَرهُ الدراورديُّ. ونسيانُ سُهيلٍ وغيره له لا يقدَحُ في شيءٍ منها؛ لأنّ العَدْلَ إذا روَى خبرًا عن عَدْلٍ مثلِه حتى يتصِلَ، لم يضُرَّ الحديثَ أنْ ينساه أحدُهم؛ لأنّ الحُجَّةَ حفظُ مَن حفِظَ، وليس النسيانُ بحُجَّة. أخبَرنا إسماعيلُ بن عبد الرحمن بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو الحُسين محمدُ بن العباس الحلبيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن عبد الله الطائيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عوفٍ الطائيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، قال: حدَّثنا الدَّراورديُّ، عن ربيعةَ، عن سُهيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. وحدَّثنا أبو العباس أحمدُ بن قاسمٍ المقرئُ، قال: حدَّثنا أبو حفصٍ عُمرُ بن إبراهيمَ المقرئُ الكنديُّ (١) ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمد البَغَويُّ، قال: حدَّثنا الصَّلْتُ بن مسعودٍ الجَحْدَريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بن محمدٍ الدَّراورديُّ، قال: حدَّثنا ربيعةُ بن أبي عبد الرحمن، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد (٢). وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن داودَ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبد الوهابِ الحَجَبيُّ، قال: حدَّثنا أنسُ بن عياضٍ أبو ضَمْرةَ، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، عن سهيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد.

стр. 852

وأخبَرنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا سُحْنونُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلالٍ، عن ربيعةَ، عن سُهيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمينِ مع الشاهد (١). وأخبَرنا خلفُ بن القاسم الحافظ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدِ بن إبراهيمَ الدَّيْبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بن زيدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مسلمةَ القَعْنبيُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عيسى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْبٍ؛ قالا جميعًا (٢): أخبَرنا سُليمانُ بن بلالٍ، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، عن سُهيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد (٣). وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن الحُسين بن صالح السَّبيعيُّ الحَلَبيُّ بدمشق، قال: حدَّثنا أبو يعقوبَ إسحاقُ بن عيسى الزهريُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيْس، عن سليمانَ بن بلالٍ عن ربيعةَ، عن سُهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهدِ الواحد (٤).

стр. 853

وروَاه زهيرُ بن محمدٍ، عن سهيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن زيدِ بن ثابتٍ. وهو خطأ، والصواب: عن أبيه، عن أبي هريرة. أخبَرنا أحمدُ بن عبد الله، قال: حدَّثنا الميمونُ بن حمزةَ بن عبد الله الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمد بن سلامةَ أبو جعفرٍ الطحاويُّ، قال (١): حدَّثنا بحرُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بن الحكم، عن زهيرِ بن محمدٍ، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن زيدٍ بن ثابتٍ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قضَى باليمين مع الشاهد. قال الطحاويُّ: سألني عنه النَّسَائيُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عيسى وبحرُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْبٍ، عن عثمانَ بن الحكم المدنيِّ، عن زهيرِ بن محمدٍ، عن سُهيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن زيدِ بن ثابتٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. قال أبو عُمر: زهيرُ بن محمدٍ (٢) عندَهم سيِّئُ الحفظِ، كثيرُ الغلطِ، لا يُحتَجُّ به، وعثمانُ بن الحكم (٣) ليس بالقويِّ، والصوابُ في حديث سهيل: عن أبيه، عن أبي هريرة، وباللّه التوفيقُ. وقد روَاه حمادُ بن سلمَةَ، عن سهيلٍ، وهو غريبٌ من حديث (٤) حمادٍ.

стр. 854

أخبَرنا خلفُ بن القاسم وعليُّ بن إبراهيمَ، قالا: أخبَرنا الحسنُ بن رَشيقٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن القاسم بن محمدِ بن عبد الرزاقِ الجُمَحيُّ بمكة، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمد بن أبي بزَّةَ المُؤذِّنُ، قال: حدَّثنا المُؤمَّلُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمادُ بن سلمةَ، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قضَى رسولُ الله ﷺ باليمين مع الشاهد (١). قال أبو عُمر: لا أعلَمُه رُوي عن حمادِ بن سلمةَ بغير هذا الإسناد، وهو غير محفوظٍ من حديث حماد بن سلمةَ، واللّه أعلمُ. وقد رُوِي عن أبي هريرةَ من غير حديث سهيلٍ (٢). أخبَرنا أبو محمد إسماعيلُ بن عبد الرحمن القرشيُّ، قال: أخبَرنا أبو الحسن محمد بن العباس الحَلَبيُّ، قال: أخبَرنا أبو بكرٍ محمدُ بن عبدِ الله الطائيُّ بحِمْصَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عوفٍ الطائيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، قال: حدَّثنا المغيرةُ بن عبد الرحمن، عن أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد (٣). قال ابن المبارك: وحدَّثنا الدَّراورديُّ، عن محمد بن عَجلانَ، عن أبي الزناد، أنّ عمرَ بن عبد العزيز وشُريحًا قضَيَا باليمينِ مع الشاهد (٤).

стр. 855

قال أبو عُمر: المغيرةُ بن عبد الرحمن انفرَدَ برواية هذا الحديث عن أبي الزنادِ بإسنادِه المذكور، ولم يُتابَعْ عليه، وهو (١) المغيرةُ بن عبد الرحمن المخزوميُّ صاحبُ الرأي المدنيُّ (٢). أخبرني أبو عُمرَ أحمدُ بن محمد بن أحمدَ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن معاويةَ القُرشيُّ، قال: حدَّثنا أبو يعقوبَ إسحاقُ بن أحمدَ البغداديُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن عَرَفةَ أبو عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن إبراهيمَ الغفاريُّ أبو محمد (٣) المدنيُّ، عن عبد الرحمن بن زيدِ بن أسلمَ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقبريِّ، عن أبي هريرةَ، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. وروَاه عُمارةُ بن حَزْم، عن النبيِّ ﷺ . أخبَرنا عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مَسَرَّة، قال أخبَرنا مروانُ بن سالم اليزيديُّ، قال: أخبَرنا معنُ بن عيسى القزَّازُ، قال: أخبَرنا عبدُ العزيز بن المطلب، عن عبد العزيز (٤) بن عمرَ بن عبد العزيز، عن شُرحبيل بن سعيد (٥) بن سعد بن عُبادةَ، قال: كتاب وجَدْتُه في كتبِ سعدِ بن عُبادةَ؛ أنّ عُمارةَ بن حَزْم شَهِد أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. وروَاه سعدُ بن عُبادةَ، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 856

أخبَرنا أبو القاسم يعيشُ بن سعيدِ بن محمدٍ وأبو القاسم عبدُ الوارث بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بن سليمانَ بن داودَ المِنْقَريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى النَّيسابوريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدٍ المَدَنيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُويسٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا عَمْرُو بن شُرحبيل بن سعيدِ بن سعد بن عبادةَ، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. وأخبَرنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا القَعْنَبيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلالٍ، عن ربيعةَ، عن إسماعيلَ بن عَمْرو بن قيسِ بن سعد بن عبادةَ، عن أبيه، أنّهم وجَدوا في كتُب سعد بن عبادةَ أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهدِ الواحد (١). وحدَّثنا خلف، قال: حدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُويسٍ، قال: حدّثني أبي، عن سعيدِ بن عَمْرو بن شُرحبيل بن سعيدِ بن سعد بن عبادةَ، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهدِ الواحدِ في الحقوق (٢). أخبَرنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: أخبَرنا عُمرُ بن إبراهيمَ المقرئُ، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال: حدَّثنا الصَّلْتُ بن مسعودٍ (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز

стр. 857

الدَّراورديُّ، قال: حدَّثنا ربيعةُ بن أبي عبد الرحمن، عن ابنٍ لسعدِ بن عبادةَ، قال: وجَدنا في كتبِ سعدِ بن عبادةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمينِ مع الشاهد (١). وذكَر ابنُ وَهْبٍ في "موطئه"، عن سُليمانَ بن بلالٍ، عن ربيعةَ، قال: أخبرني إسماعيلُ بن عَمْرو بن قيسِ بن سعدِ بن عبادةَ، عن أبيه، أنّه وجَدُوا في كتابِ سعدِ بن عبادَةَ أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهدِ الواحد. قال ابنُ وَهْب: وحدَّثني ابنُ لَهِيعَةَ ونافعُ بن يزيدَ، عن عُمارةَ بن غَزِيّة، عن سعيدِ بن عَمْرو بن شُرَحْبيل بن سعيدِ بن سعدِ بن عبادةَ، أنّه وجَد في كتبِ آبائه: هذا ما رفَع - أو ذكَر - عَمْرُو بن حزمٍ والمغيرةُ بن شعبةَ، قالا: بَيْنا نحن عندَ رسولِ الله ﷺ دخَل رجلانِ يختصمانِ، مع أحدِهما شاهدٌ له على حقِّه، فجعَل رسولُ الله ﷺ يَمينَ صاحبِ الحقِّ مع شاهدِه، فاقتطَعَ بذلك حقَّه (٢). وروَاه عبدُ الله بن عَمْرو بن العاص، عن النبيِّ ﷺ . أخبَرنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ بن داودَ، قال: حدَّثنا عَمْرُو بن محمدٍ النَّاقِدُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عبدِ الله بن خالدٍ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثني مُطَرِّفُ بن مازنٍ، عن ابن جُرَيْج، عن عَمْرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ النبي ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد (٣).
следующие страницы →