← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7923–7962 · переход к 7928.

стр. 7923

وقال المزنيُّ (١): عن الشافعيِّ: بلادُ المسلمين شيئان، عامرٌ ومَواتٌ، فالعامرُ لأهلِه، وكلُّ ما أُصْلِحَ به العامِرُ، من طريق، وفِناء، ومَسيلِ ماء، وغيرِه، فهو كالعامرِ في أن لا يُملكُ على أهلِه إلا بإذنهم، والمواتُ شيئان، مواتٌ قد كان عامرًا لأهلِه معروفًا في الإسلام، ثم ذهبَت عِمارتُه فصار مواتًا، فذلك كالعامرِ لأهلِه، لا يُملكُ إلّا بإذنهم، والمواتُ الثاني: ما لم يملِكْه أحدٌ في الإسلام يُعرَفُ، ولا عِمارةَ مِلْكٍ في الجاهلية إذا لم يُملَكْ، فذلك المواتُ الذي قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أحْيا أرضًا ميِّتةً فهيَ له"، و"مَن أحْيا مواتًا فهو له". قال (٢): والإحياءُ ما عرَفه الناسُ إحياءً لمثلِ المُحْيا، إن كان مسكنًا، فبأنْ يَبْني بناءً مثلِه أو ما يقرُب. قال (٣): وأقلُّ عمارةِ الأرض الزرعُ فيها، والبئرُ يحفَرُ، ونحوُ ذلك (٤). قال (٥): ومَن اقتطَع أرضًا وتحجَّرها فلم يعمُرْها، رأيتُ للسلطانِ أن يقولَ له: إن أحييتَها، وإلا خَلَّينا بينَها وبينَ مَن يُحْييها. فإن تأجَّله رأيتُ أن يفعل. قال أبو عُمر: مَن رأى التَّحجيرَ إحياءً، فحُجَّتُه ما رواه شعبةُ وغيرُه من أصحابِ قتادة، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن

стр. 7924

أحاط حائطًا على أرضٍ فهي له" (١). والحسَنُ عندَهم لم يسمَعْ من سمُرة، وإنما هي فيما زعمُوا صَحِيفة (٢)، إلا أنّهم لم يختلفوا أنّ الحسنَ سمعَ من سمُرة حديثَ العَقيقة؛ لأنه وقفَ على ذلك فقال: سمِعتُه من سمُرة. وقد روَى الترمذيُّ عن البُخاري أنّ سماعَ الحسنِ من سمُرةَ صحيح (٣). وقد ذكر عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمرٌ وابنُ عُيينة، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابنِ عُمر، قال: كان الناسُ يتَحَجرونَ على عهدِ عمرَ في الأرض التي ليست لأحدٍ، فقال عُمر: مَن أحْيا أرضًا فهي له (٤). وأمّا قولُه في حديث جابر: "وما أكلَتِ العافيةُ فهو له صدقةٌ" فالعافيةُ والعَوافي: سِباعُ الوحْشِ والطّيرِ والدَّواب. وأمّا قولُه في حديث عُروة: "وإنّها لنَخْلٌ عُمٌّ"؛ فالعُمُّ: التامّةُ الكاملة.

стр. 7925

حديثٌ رابعٌ وأربعونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يصلِّي في مسجدِ ذي الحُلَيفَةِ رَكعتَين، فإذا استَوتْ به راحلتُه أهلَّ. لم يختلفِ الرواةُ عن مالك في إرسالِ هذا الحديث بهذا الإسناد (٢)، وقد رُويَ معناه مسندًا، من حديثِ ابنِ عمرَ وأنسٍ من وُجوهٍ ثابتة. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ الطائيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عيينة، عن إبراهيمَ بنِ مَيْسرةَ ومحمدِ بنِ المُنكدِر، سمِعَا أنسَ بنَ مالكٍ يقول: صليتُ مع النبيِّ ﷺ بالمدينةِ أربعًا، وبذي الحُلَيفةِ رَكْعَتين (٣). وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٥): أخبرنا عيسى بنُ إبراهيم، عن ابنِ وَهْب، قال: أخبرني يونس، عن ابنِ شهاب، أن سالمَ بنَ عبدِ الله أخبرَه، أن عبدَ الله بنَ عمر، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يركَبُ راحلتَه بذي الحُلَيفة، ثم يُهِلُّ حين تستوي به قائمة.

стр. 7926

أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (١)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: أخبرنا ابنُ جريج، عن محمدِ بنِ المُنكَدِر، عن أنس، قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ الظهرَ بالمدينةِ أربعًا، وصلَّى العصرَ بذي الحُلَيفة ركعتين، ثم باتَ بذي الحُلَيفةِ حتى أصبَح، فلما ركِبَ راحلتَه واستَوتْ به أهَلَّ. قال (٤): وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٥): حدَّثنا رَوحٌ، قال: حدَّثنا أشعثُ، عن الحسن، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى الظهرَ ثم ركِب راحلتَه، فلمّا علا جبلَ البيداءِ أهَلَّ. قال (٦): وحدَّثنا ابنُ بشّار، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا أبي،

стр. 7927

قال: سمِعتُ محمدَ بنَ إسحاق يحدثُ عن أبي الزناد، عن عائشةَ بنتِ سعدِ بنِ أبي وَقّاص، قالت: قال سعد: كان رسولُ الله ﷺ إذا أخَذ طريقَ الفُرْع أهَلَّ إذا استقلَّت به راحلتُه، وإذا أخَذ طريقَ أُحُدٍ أهلَّ إذا أشرَف على البيداء. وفي حديث مالك، عن سعيدٍ المَقبُريِّ، عن عُبيدِ بنِ جُريج، عن ابنِ عُمر، قال: لم أرَ رسولَ الله ﷺ يُهِلُّ حتَّى تنبعثَ به راحلتُه. وقد ذكَرنا هذا الخبرَ بتمامِه وما فيه من المعاني في بابِ سعيدٍ المَقبُريِّ (١)، وذكَرنا الاختلافَ في موضع إهلالِه ﷺ ، وما جاء في ذلك في معنى الإهلالِ من جهةِ اللغةِ والشريعةِ مهذبًا كلُّه في باب موسى بن عُقْبةَ (٢)، وغيرِ ما باب من هذا الكتاب، والحمدُ للّه.

стр. 7928

حديثٌ خامسٌ وأربعونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يعتمِرْ إلا ثلاثًا؛ إحداهُنَّ في شوال، واثنتَين في ذي القَعدة. وهذا حديث مرسلٌ أيضًا عندَ جميع الرواةِ عن مالك (٢)، وقد رُويَ مسندًا عن عائشة: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر بن عبد الرزاق، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ حماد، قال:

стр. 7929

حدَّثنا داودُ بنُ عبدِ الرحمن، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ الله ﷺ اعتمَرَ عمرتَين في ذي القَعدة، وعمرةً في شوال. ورواه هكذا مسندًا عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، يزيدُ بنُ سنانٍ الرُّهَاويُّ، ومسلمُ بنُ خالدٍ الزَّنْجيُّ، وليس هؤلاء ممّن يُذكَرُ مع مالكٍ (١) في صحّةِ النقل. وحدَّثنا عمرُ بنُ حسين، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن منصور، عن مجاهدٍ، قال: دخلتُ أنا وعُروةُ بنُ الزبير المسجدَ، وإذا ابنُ عُمرَ جالسٌ إلى حُجْرةِ عائشة، فسألناه: كم اعتمَر النبيُّ ﷺ ؟ فقال: أربعًا؟ إحداهنَّ في رَجَب. فكرِهنا أن نردَّ عليه، فقال عُروة: يا أمَّ المؤمنين، أمَا تسمَعين ما يقولُ أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: اعتمَر رسولُ الله ﷺ أربعَ عُمر، إحداهنَّ في رَجَب. قالت: يرحَمُ اللهُ أبا عبدِ الرحمن، ما اعتمَر رسولُ الله ﷺ إلا وهو شاهدُه، وما اعتمَر في رَجَب قطُّ (٢). قال أبو عُمر: رُوِيَ عن جماعةٍ من السلف؛ منهم ابنُ عباس (٣)،

стр. 7930

وعائشة (١)، وإليه ذهَب ابنُ عُيينة، والزهريُّ، وجماعةٌ، أنَّ رسولَ الله ﷺ اعتمَر أربعَ عُمر؛ ثلاثٌ مُفترِقاتٌ، وواحدةٌ مع حَجَّتِه. وهذا على مذهبِ مَن جعَله قارنًا أو متمتعًا، وأمّا مَن جعَله مُفرِدًا في حَجَّتِه، فهو يَنفي أن تكونَ عُمرُه إلا ثلاثًا. وقد ذكَرنا الآثارَ في القِرانِ والتمتعِ والإفرادِ في بابِ ابنِ شهابٍ من هذا الكتاب (٢). وأما ابنُ شهاب - وهو أعلمُ الناس بالسِّير عندَهم - فكان يقول: إنَّ رسولَ الله ﷺ اعتَمر ثلاثًا، كلُّهن في ذي القعدة. حدَّثنا عمرُ بنُ حُسين، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذرِ الخزاميُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُليح، عن موسى بنِ عُقبة، عن ابنِ شهاب، قال: اعتمَر رسولُ الله ﷺ ثلاثَ عُمَر، اعتَمر من الجُحْفَة عامَ الحديبية، فصدَّه الذين كفَروا في ذي القَعدةِ سنةَ ستٍّ، واعتَمر من العام القبل في ذي القَعدةِ من سنةِ سبعٍ آمنًا هو وأصحابُه، ثم اعتمَر الثالثةَ في ذي القَعدةِ سنةَ ثمانٍ حين أقبلَ من الطائف؛ من الجِعِرَّانة (٣).

стр. 7931

حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو البزارُ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ مَعْمَر، قال: حدَّثنا سهلُ بنُ بكّار، قال: حدَّثنا وُهَيْبٌ، عن عبدِ الله بنِ عثمانَ بنِ خُثَيْم، عن سعيدِ بنِ جُبير، وطَلْقِ بنِ حبيب وأبي الزُّبير، عن جابر، أنَّ النبيَّ ﷺ اعتمَرَ ثلاثَ عُمَرٍ، كلُّها في ذي القَعدة؛ إحداهنَّ زمنَ الحديبية، والأخرى في صُلْح قريش، والأخرى مَرجِعَه من الطائف زمنَ حنين؛ من الجِعِرَّانة. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٤)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: اعتمرَ رسولُ الله ﷺ ثلاثَ عُمَر (٥).

стр. 7932

حدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّد، قال: حدَّثنا الحجاجُ، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ اعتمَر ثلاثَ عُمَرٍ في ذي القَعدة، كلَّ ذلك يُلبِّي حتى يستلِمَ الحَجَر (٢). قال أبو عُمر: قد ذكَرنا في باب عبدِ الرحمن بنِ حَرْملةَ (٣) من هذا الكتاب ما للعلماءِ من المذاهب في العُمرةِ ووجوبها، وهل يُعتمرُ في السَّنة أكثرَ من مرة، فلا معنى لذكرِ شيءٍ من ذلك هاهنا، وسيأتي زياد في باب عُمَرِ رسولِ الله ﷺ عندَ ذكرِ بلاغاتِ مالكٍ (٤) إن شاء الله. وفي اعتمارِ رسولِ الله ﷺ في شوالٍ وذي القَعدةِ أوضحُ الدلائلِ على ردِّ قولِ مَن كَرِهَ العُمرةَ في أشهُرِ الحجِّ، على أني لا أعرِفُ أحدًا كَرِهَ ذلك إلا مَن لا يُعَدُّ خلافًا فيه لشذوذِه في ذلك، وقد شُبِّه عليه بقولِ عُمرَ ﵁: افصِلوا بينَ حَجِّكم وعُمْرتِكم؛ فإن ذلك أتمُّ لحجِّ أحدِكم وأتمُّ لعمرتِه أن يعتمِرَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ (٥). وهذا إنما أراد به عمرُ ندْبَ الناس إلى إفرادِ الحجِّ وكراهيةِ التمتُّع،

стр. 7933

فإذا أفرَد الإنسانُ الحجَّ وائْتَمَّ عليه، خرَج من شُهورِه، وجازَت له العمرةُ عندَ عُمرَ وغيره. وقد بيَّنّا هذا المعنى في بابِ عبدِ الرحمن بنِ حَرْملة (١). ولم يختلفِ العلماءُ في جوازِ العُمرةِ في شُهورِ الحجِّ في شوّالٍ وذي القَعدةِ وذي الحِجَّةِ لمَن تمتَّع ولمَن لم يتمتَّعْ، وفي إجماعِهم على ما وصَفْنا دليلٌ على أن معنى قولِ عُمرَ عندَهم ما ذكَرنا، أو على أنهم ترَكُوه ونبَذُوه ولم يلتفتُوا إليه؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ كانت عُمَرُه في شهورِ الحجِّ، وقد صحَّ عن عُمرَ أنه أذِن لعُمرَ بنِ أبي سَلَمةَ أن يعتمِرَ في شوال (٢)، فصار ما وصَفنا إجماعًا صحيحًا، والحمدُ للّه. وقال أهلُ العلم: إن عُمرَ رسولِ الله ﷺ في شوال وذي القَعدةِ إنّما كانت ليقطَعَ بذلك ما كان عليه المشركُون من إنكارِ العُمرةِ في شهورِ الحجِّ (٣)، ولهذا ما فسَخ أصحابُه حَجَّتَهم بأمرِه في عُمْرة، ولهذا ما أعمَر عائشةَ من التنعيم في ذي الحجَّة، كلُّ ذلك دَفْعٌ لِما كان المشركون عليه من كراهيَّتِهم العُمرةَ في أشهُرِ الحجِّ، ألا ترى إلى ما رُوِيَ من قولهم: إذا دخَل صَفَرْ، حَلَّت العُمرةُ لمَن اعتَمرْ. وقد ذكَرنا هذا الخبرَ بتمامِه في باب ابنِ شهاب (٤)، والحمدُ للّه.

стр. 7934

حديثٌ سادسٌ وأربعونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إن الحُمَّى من فَيْح جَهَنَّم، فابْرُدُوها بالماء". هذا الحديثُ غيرُ حديثِ هشام، عن فاطمة، عن أسماء، المتقدم ذكرُه في هذا الكتاب (٢)، ولفظُهما مختلفٌ وإن كانَ المعنَى متقاربًا، وهكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" مرسلًا (٣) إلا عندَ مَعْنِ بنِ عيسى، فإنه رواه مسندًا في "الموطأ"، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. وزعَم الجوهريُّ (٤) أنه لم يُسنِدْه في "الموطأ" غيرُ مَعْن. وقد أسنَده عن مالكٍ عبدُ الله بنُ وَهْبٍ في غير "الموطأ" (٥). وقد رواه جماعةٌ من أصحابِ هشام، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ مسندًا. كما رواه ابنُ وَهْبٍ عن مالك.

стр. 7935

فأما روايةُ ابنِ وَهْب، فحدَّثنا (١) عبدُ الرحمن بنُ يحيى (٢)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داود (٣)، قال: حدَّثنا سُحنون. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٤)، قال: حدَّثنا سُحنون وأبو الطاهر، قالا: حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الحُمَّى من فَيْح جهنم، فأطفِئوها بالماء" (٥). قال ابنُ وَهْب: وسمِعتُ مالكًا يُحدِّثُ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. هكذا عطَفه ابنُ وَهْب على حديثِ مالك، عن نافع، عن ابنِ عُمر، ولفظُ حديثِ ابنِ عُمر: "فأطفِئوها". ولفظُ حديثِ هشام: "فابْرُدُوها". وهذا يدُلّك على ما قدَّمنا ذكرَه في هذا الكتاب (٦)، أن جماعةً من العلماءِ يُجيزون الحديثَ بالمعاني، وباللّه التوفيق. ومن رواية مَن أسنَده عن هشام، ما حدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى المقرئ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حَبابة، قال: حدَّثنا البغويُّ (٧)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال (٨): حدَّثنا زهيرُ بنُ معاوية. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ

стр. 7936

عبدِ الرحمن البزار (١). قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى المَرْوزيُّ، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو خيثمة - يعني زهيرَ بنَ معاوية - قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إن الحُمَّى من فَيْحِ جهنم، فابْرُدُوها بالماء". وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُمَير، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّ الحُمّى مِنْ فيْحِ جهنّمَ، فابْرُدُوها بالماء". وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمّدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسَنِ الصبّاحي، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدّوْرَقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرّحمنِ الطُّفاويُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّ الحُمّى مِنْ فَيْحِ جهنّمَ، فابْرُدُوها بالماء" (٤). وقد تقدَّم القولُ في معنى هذا الحديثِ في حديث هشام بنِ عُروة، عن فاطمةَ بنتِ المُنْذِر (٥)، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، من هذا الكتاب، والحمدُ للّه كثيرًا.

стр. 7937

حديثٌ سابعٌ وأربعونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "تَحَرَّوا ليلةَ القَدْرِ في العَشرِ الأواخرِ مِن رَمَضان". لم يُختلَفْ عن مالكٍ فيما علِمتُ في إرسالِ هذا الحديث (٢)، وقد رواه أنسُ بنُ عياضٍ أبو ضَمْرة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة (٣). وهذا المعنى يتصلُ أيضًا من حديثِ نافع (٤) وعبدِ الله بنِ دينار (٥)، عن ابنِ عمر. ومن حديثِ الزهريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، أن رجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقال: إنِّي رأيتُ ليلةَ القدرِ ليلةَ كذا وكذا. فقال رسولُ الله ﷺ : "أرَى رُؤياكم قد تواطَأت، فالتمِسوها في العشرِ الأواخرِ في الوترِ منها" (٦). وعُروةُ قد أدرَك ابنَ عمر. وقد رُوِيَ هذا المعنى أيضًا من حديثِ الفَلَتانِ الجَرْميِّ وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ ﷺ . رواه الجُرَيريُّ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال:

стр. 7938

قال رسولُ الله ﷺ : "يا أيُّها الناسُ، إني أُبِينت لي ليلةُ القَدْر، فخرَجتُ أُحدِّثُكم بها، فجاء رجلان يَخْتصِمان ومعهما الشيطانُ فنُسِّيتُها، فالتمِسوها في العَشْرِ الأواخرِ مِن رمضان؛ التمِسوها في التاسعة، والتمِسوها في السابعة، والتمِسوها في الخامسة". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، عن الجُرَيريِّ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدِ الخُدريِّ، عن النبيِّ ﷺ بمعناه مُختصَرًا (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدُ بنُ نَصْر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدة، عن عاصم بنِ كُلَيْب، عن أبيه، عن الفَلَتان، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن كان منكم ملتمِسًا ليلةَ القدرِ فليَلتمِسْها في العشرِ الأواخر". قال أبو عُمر: الفَلَتان هذا هو الفَلَتانُ بنُ عاصم الجَرْميُّ، خالُ كُلَيْب، وهو راويتُه، وقد مضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ مبسوطًا ممهَّدًا في بابِ حُميدٍ الطويل (٤). والحمدُ للّه.

стр. 7939

حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ إسحاقَ الجَوْهريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ أعين، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجعْد، قال: حدَّثنا المَسْعوديُّ، عن مُحاربِ بنِ دثار، عن ابن عُمر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "التَمِسُوا ليلةَ القدْرِ في العشْرِ الأواخرِ من رمضان، قال: فقال رجلٌ لمُحاربِ بنِ دِثارٍ: إنّ هذا الحديثَ ثبْتٌ، قال: وما يمْنَعُه أنْ يكونَ ثبْتًا - وهو عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ (١). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمر، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرْب، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عن أبي يَعْفُور، عن مسلم، عن مسروقٍ، قال: سمِعتُ عائشةَ تقول: كان النبيُّ ﷺ إذا دخلتِ العشْرُ الأواخِرُ من رمضانَ شدَّ المِئزَرَ، وأحيا اللّيلَ، وأيقَظَ أهلَهُ (٢).

стр. 7940

حديثٌ ثامنٌ وأربعون لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، قال: كان بالمدينةِ رجُلان، أحدُهما يَلْحَدُ، والآخرُ لا يَلْحَدُ، فقالوا: أيُّهما جاء أوّلُ (٢) عمِل عملَه. فجاء الذي يلْحَدُ فلَحَد لرسولِ الله ﷺ . لم يُختلفْ عن مالك في إرسالِ هذا الحديث (٣)، وقد رواه حمّادُ بنُ سَلَمة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة: أخبرني أحمدُ بنُ عبد الله، حدَّثنا أبي (٤)، حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، حدَّثنا حجاجُ بنُ مِنهال، حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لمّا مات رسولُ الله ﷺ قالوا: أين ندفِنُه؟ قال أبو بكر: في المكان الذي ماتَ فيه. قالت: وكان في المدينة قبّاران؛ أحدُهما يَلْحَدُ، والآخرُ يشُقُّ ويضرَحُ، فبعَثوا إليهما وقالوا: اللهمَّ خِرْ لرسولِك. فجاء الذي يَلْحَدُ فلَحَد لرسولِ الله ﷺ (٥).

стр. 7941

يقال: إنَّ الذي كان يَلحَدُ أبو طلحة (١)، والذي كان يَشُقُّ أبو عُبيدة. فاللّهُ أعلم. وفي هذا الحديثِ من المعاني أن اللَّحْدَ (٢)، إن شاء الله، أفضلُ من الشَّقِّ؛ لأنه الذي اختاره اللهُ لنبيِّه ﷺ . وفيه دلالةٌ على أن الشَّقَّ واللحدَ مباحٌ ذلك كلُّه، وممّا يدلُّ على فضْلِ اللّحْدِ قوله ﷺ : "اللَّحْدُ لنا والشَّقُّ لغيرِنا". حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ نُمير، قال: حدَّثنا حكّامُ بنُ سَلْم الرازيُّ، قال: سمِعتُ عليَّ بنَ عبدِ الأعلى يذكُرُ عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابن عباس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اللَّحْدُ لنا والشَّقُّ لغيرنا" (٤).

стр. 7942

وذكَره أبو داود (١)، عن إسحاقَ بنِ إسماعيل، عن حكّام بنِ سَلْم بإسنادِه مثلَه. حدَّثنا عبدُ الوارث (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٣): حدَّثنا أبو نعيم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن جرير، عن النبيِّ ﷺ قال: "اللَّحْدُ لنا والشَّقُّ لغيرِنا". وقد رُوِيَ من حديثِ عائشة (٤).

стр. 7943

وابن عُمر (١)، وسعد (٢)، وجابر (٣)، أنَّ النبيَّ ﷺ أُلحِد له لحدًا، وأنه قال: "اللَّحدُ لنا والشَّقُّ لغيرِنا". وروَى عثمانُ بنُ فَرْقَد (٤)، قال: سمِعتُ جعفرَ بنَ محمدٍ يُحدِّثُ، عن أبيه، أنه قال: الذي ألحَد قبرَ رسولِ الله ﷺ أبو طلحةَ الأنصاريُّ، والذي ألقى القطيفةَ (٥) تحتَه شُقرانُ مَولاهُ. قال جعفر: وأخبرني ابنُ أبي رافع، قال: سمِعتُ شُقرانَ يقول: أنا واللّه طرَحتُ القطيفةَ تحتَ رسولِ الله ﷺ في القبر (٦).

стр. 7944

حديثٌ تاسعٌ وأربعونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنّه قال: سُئلَ رسولُ الله ﷺ ، فقيل له: يا رسولَ الله، إنّ ناسًا من أهلِ الباديةِ يأتونُنا بلُحْمانِ ولا نَدْري هل سمَّوْا اللهَ عليها أم لا؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "سَمُّوا اللهَ عليها ثمّ كلُوا". لم يُختلَفْ عن مالك - فيما علِمْتُ - في إرسالِ هذا الحديث (٢)، وقد أسندَهُ جماعةٌ عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسَد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف (٣)، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدِ الله، قال: حدَّثنا أسامةُ بنُ حفصٍ المدنيُّ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أن قومًا قالوا للنبيِّ ﷺ : إن قومًا يأتونَنا باللّحْم، لا نَدْري، أذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا؟ فقال: "سَمُّوا اللهَ ثم كُلُوا". قالت: وكانوا حَديثي عهدٍ بالكُفْر. قال البخاريُّ (٥): تابعه عليٌّ عن الدَّراورديِّ، وتابعَه أبو خالدٍ والطُّفاويُّ (٦).

стр. 7945

قال أبو عُمر: روَى هذا الحديثَ مرسلًا، كما رواه مالكٌ، جماعةٌ؛ منهم ابنُ عيينة (١)، ويحيى بنُ سعيد القطّان (٢). ورواه مسندًا جماعةٌ، منهم هؤلاء الذين ذكَر البخاريُّ، وغيرُهم (٣). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ

стр. 7946

أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمان، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة أمِّ المؤمنين، أن قومًا قالوا: يا رسولَ الله، إن قومًا يأتوننا بلَحْم لا نَدْري أذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا؟ قال: "سَمُّوا أنتم عليه وكُلوا". وكانوا حديث عهدٍ بالكفر. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم وإبراهيمُ بنُ شاكر، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو البزّار، قال (٣): حدَّثنا حَوْثرةُ بنُ محمّد، قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة. فذكَره. في هذا الحديث من الفقه: أنّ ما ذبحَه المُسلمُ ولم يُعرفْ هل سمَّى اللهَ عليه أم لا، أنه لا بأسَ بأكلِه، وهو محمولٌ على أنه قد سمَّى، والمؤمنُ لا يُظَنُّ به إلا الخيرُ، وذبيحتُه وصيدُه أبدًا محمولٌ على السلامةِ حتى يصحَّ فيه غيرُ ذلك؛ مِن تَعمُّدِ ترْكِ التَّسْميةِ ونحوِه (٤). وقد قيل في معنى هذا الحديث: إنَّ النبيَّ ﷺ إنما أمرَهم بأكْلِها في أولِ الإسلام قبلَ أن ينزلَ عليه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].

стр. 7947

وهذا قولٌ ضعيفٌ لا دليلَ على صحَّتِه، ولا يُعرفُ وجهُ ما قال قائلُه (١)، وفي الحديثِ نفسِه ما يرُدُّه؛ لأنه أمَرهم فيه بتسميةِ الله على الأكل، فدلَّ على أن الآيةَ قد كانت نزلَت عليه. وممّا يدُلُّ أيضًا على بُطلانِ ذلك القولِ أن هذا الحديثَ كان بالمدينة، وأن أهلَ باديتها إليهم أُشيرَ بالذكر في ذلك الحديث، ولا يختلفُ العلماءُ أنَّ قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ نزَل في سورة "الأنعام" بمكة، وأن "الأنعامَ" مكِّية، فهذا يوضِّحُ لك أن الآيةَ قد كانت نزلَت عليه بخلافِ ظنِّ مَن ظنَّ ذلك (٢)، واللهُ أعلم. وقد أجمَع العلماءُ على أن التَّسميةَ على الأكل إنما معناها التبرُّكُ لا مدخلَ فيه للذَّكاةِ بوَجْهٍ من الوُجوه؛ لأنَّ الميتَ لا تُدركُه ذكاةٌ. وقد استدَلَّ جماعةٌ من أهل العلم على أن التسميةَ على الذَّبِيحةِ ليست بواجبةٍ بهذا الحديث، وقالوا: لو كانتِ التَّسْميةُ واجبةً فَرْضًا على الذَّبيحة، لَما أمَرهم رسولُ الله ﷺ بأكْلِ لَحْم ذبحَتْهُ الأعرابُ بالبادية، إذ ممكنٌ أن يسمُّوا، وممكن ألّا يسمُّوا اللهَ لجَهْلِهم، ولو كان الأصلُ ألّا يؤكلَ من ذبائح المسلمين إلا

стр. 7948

ما صحَّت التسميةُ عليه، لم يَجزِ استباحةُ شيء من ذلك إلا بيقينٍ من التسمية، إذ الفرائضُ لا تؤدَّي إلا بيقين، وإذ الشكُّ والإمكانُ لا يستباحُ به المحرمات. قالوا: وأما قولُ الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. فإنما خرجَ على تحريم الميتة، وتحريم ما ذُبح للنُّصُب وأُهِلَّ به لغيرِ الله، وفي ذلك نزلَت الآيةُ حينَ خاصَم به المشركون النبيَّ ﷺ في ذلك. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالب التَّمْتامُ، قال: حدَّثنا أميةُ بنُ بِسْطامَ العَيشيُّ، وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا عثمانُ بنُ

стр. 7949

أبي شيبة، قالا: حدَّثنا عِمْرانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ السائب، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عباس، قال: خاصَمت اليهودُ النبيَّ ﷺ ؛ قالوا: نأكلُ ما قتَلْنا ولا نأكلُ ما قتَل الله. فأنزَل الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. هكذا في هذا الحديث: خاصَمته اليهودُ. وإنما هو خاصَمه المشركون؛ لأنَّ اليهودَ لا يأكُلون الميتةَ. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (١): أخبرنا عَمْرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني هارونُ بنُ أبي وكيع، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. قال: خاصَمهُم المشركون، فقالوا: ما ذبَح اللهُ لا تأكُلوا، وما ذبحتُم أنتم أكلتمُوه؟! قال أبو عُمر: المُخاصَمةُ التي ذكَر ابنُ عباس هي التي قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]. يريدُ قولهم: ما قتَل اللهُ لستُم تأكُلونَه؟! واختلف العلماءُ فيمَن ترَك التسميةَ على الذِّبِيحةِ والصَّيْدِ ناسيًا أو عامدًا؛ فقال مالكٌ، والثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والحسنُ بنُ حيٍّ (٢): إن ترَكها عَمْدًا

стр. 7950

لم تؤكلِ الذبيحةُ ولا الصيدُ، فإن نَسِيَ التسميةَ عندَ الذبيحةِ وعندَ الإرسالِ على الصيدِ أُكِلَت. وهو قولُ إسحاق، ورواية عن أحمدَ بن حنبل (١). ومن حُجَّةِ مَن ذهَب إلى ذلك أن تاركَ التسميةِ عَمْدًا متلاعبٌ بإخراجِ النفس على غيرِ شريطتِها، وقد أجمَعوا أنَّ من شرائطِ الذَّبيحةِ والصيدِ التسمية، فمَن استباحَ ذلك على غير شريطتِه عامدًا دخَل في الفسق الذي قال الله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾. هذا معنى ما احتجُّوا به. وقال الشافعيُّ (٢) وأصحابُه: تؤكلُ الذبيحةُ والصيدُ في الوجهَين جميعًا تعمَّد ذلك أو نسِيَه. وهو قولُ ابن عباس وأبي هريرة (٣). ورُوِيَ عن ابنِ عباس وأبي وائل (٤)، قالا: إنما ذبحتَ بدينِك. واحتجَّ مَن ذهَب هذا المذهبَ بأن قال: لما كان المَجُوسيُّ لا يُنتفعُ بتسميتِه إن سمَّى وتعمَّد ذلك وقصَد إليه، فكذلك لا يضُرُّ المُسلمَ تركُ التسمية؛ لأنه إنّما ذبَح بدِينِه. وقال أبو ثور وداودُ بنُ عليٍّ (٥): مَن ترَك التسميةَ عامدًا أو ناسيًا لم تُؤكَلْ ذبيحتُه ولا صيدُه. قال أبو عُمر: ما أعلمُ أحدًا من السَّلَفِ رُوِيَ عنه هذا المَذْهبُ إلا محمدَ بنَ

стр. 7951

سيرين، والشعبيَّ، ونافعًا مولى ابنِ عُمر (١)، وأما جمهورُ العلماءِ فعلى قولِ مالكٍ والثوريِّ وأبي حنيفة، وعلى قولِ الشافعيِّ؛ على هذين القولَين الناسُ. وقد رُوِيَ عن الشعبيِّ خلافُ ما حكَيناه عنه؛ ذكَر بقيٌّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الله، عن عطاءِ بنِ السائب، عن عامرٍ في رجلٍ ذَبَح ونَسِيَ أن يسمِّي، قال: يأكل. وعن يحيى بن عبدِ الحميدِ الحِمّانيّ، عن ابنِ المبارك (٢)، عن سعيد، عن قتَادة، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّب والحَسَنِ في رجلٍ ذبَح ونَسِيَ أن يسمِّيَ الله، قالا: يأكل. وروَى إسماعيلُ بنُ عُليّة، عن سعيدِ بنِ أبي عَروبة، عن قتادة، عن سعيدِ بنِ المسيِّب والحسن، قالا: إذا نسيَ الرجلُ أن يسميَ حينَ ذبحَ فليأكلْ وليذكرِ اسمَ الله في قلبِه. وهذا هو الصحيحُ عن الحسن وسعيدِ بنِ المسيِّب. وروَى أشعثُ بنُ سَوّار وعَمْرُو بنُ عبيد، عن الحَسَن، قال: مَن نَسِيَ التسميةَ إذا ذبَح فليأكلْ، ومَن ترَكها متعمدًا فلا يأكلْ. وسفيان، عن مغيرة، عن إبراهيمَ مثلَه. وروى ابنُ أبي غَنِيّة ومِسْعَر، عن الحَكَم بنِ عُتَيْبَة، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، قال: إذا ذَبَح ونسيَ أن يُسَمِّيَ فكُلْ، فإنّما ذبَح بمِلّتِه، وإنّما هي المِلّةُ، ذكاةُ كلِّ قوم مِلَّتُهم، ألا ترى أنّ المجوسيَّ لو ذبحَ فسمّى اللهَ لم يأكلْ. وذكر وكيعٌ، عن سُفيان، عن سَلَمة بن كُهيل، عن أبي مالكٍ في الرّجُل يَذْبحُ وَينْسى أن يُسمِّيَ قال: لا بأسَ به، قلت: فأينَ قولُ الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؟ قال: إنّما ذبحتَ بدِينِك، وإنّما هذا في ذبائح المُشرِكين (٣). وعن ابن عباس من طُرقٍ شتّى مثل ذلك.

стр. 7952

حديثٌ مُوفي خمسينَ لهشام بنِ عُروة (١) مالكٌ (٢)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ صلَّى الصلاةَ بمنًى رَكْعتَين، وأن أبا بكرٍ صلّاها بمنًى رَكْعتَين، وأنَّ عُمرَ صلَّاها بمنًى رَكعتَين، وأن عُثمانَ صلّاها بمنًى رَكْعتَين شطرَ إمارته، ثم أتمّها بعْدُ. وهذا لم يُختلفْ في إرسالِه في "الموطأ" (٣)، وهو مسندٌ صحيحٌ من حديثِ ابنِ عُمر، وابنِ مسعود، ومعاوية، أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى بمنًى ركعتين. فحديثُ ابنِ عُمرَ رواه سالمٌ (٤)، ونافع (٥). وحديثُ ابنِ مسعودٍ رواه أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ (٦) وإبراهيمُ النخَعيُّ (٧)، عن عبدِ الرحمن بنِ يزيد، عن ابنِ مسعود.

стр. 7953

وحديثُ معاويةَ رواه ابنُ إسحاق، عن يحيى بن عَبّادِ بنِ عبدِ الله بنِ الزُّبير، عن أبيه، عن معاوية (١). وفي حديثِ مالكٍ هذا من الفقه: قَصْرُ الصلاةِ في السفر. وفيه أنَّ الإمامَ المسافرَ لا يُتِمُّ بمنًى، وهذا إذا لم ينْوِ إقامةً، فإن نوَى إقامةً لزِمه الإتمام، وهذا عندَنا إذا نوَى إقامةَ أربع فصاعدًا. وفيه أنَّ عُثمانَ أتمَّ بعدَ تقصيرِه وعِلْمِه بأنَّ رسولَ الله ﷺ وأبا بكرٍ وعُمرَ قصَرُوا في مثل ما أتمَّ هو فيه، فدلَّ ذلك على إباحةِ القَصْرِ والتمام عندَه، وقد تأوَّل قومٌ على عثمانَ في إتمامِه ذلك تأويلات: منها: أنه نَوَى الإقامةَ واتخَذ دارًا بمكةَ وأهلًا. وهذا لا يُعرفُ، بل المعروفُ أنَّهُ لم يكن له فيها أهلٌ ولا مالٌ. وقيل: كان قد اتخَذ أهلًا بالطائف. وقيل: لأنه كان أميرَ المؤمنين، فكانت أعمالُه كأنها دارُه. وهذا كلُّه لا يصحُّ في نظر، ولا يثبُتُ في خبر، وقد كان المُقامُ بمكةَ بعدَ تمام الحجِّ عندَ عثمانَ مكروهًا، وعلى ذلك جماعةٌ من أهلِ العلم؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يُقِمْ فيما بعدَ تمام حَجَّتِه، ولا أبو بكر، ولا عُمر، ولهذا قال مَن قال (٢) من السلف: الجوارُ بمكةَ بِدْعةٌ. وقد ذكَر مالكٌ في "الوطأ" (٣) أنه بلَغه أن عثمانَ بنَ عفانَ كان إذا اعتَمر ربما لم يحطُطُ عن راحلتِه حتى يَرجع. وهذا يدُلُّك على أنه لم يتخِذْ بمكةَ أهلًا قطُّ، واللهُ أعلم.

стр. 7954

ومنها: أنه إنما فعَل ذلك من أجل أعرابيٍّ صلَّى معه فقصَر العامَ كلَّه في أهلِه، ثم أخبَره من قابل بما صنعَ، فعزَّ على عثمانَ فِعْلُه ذلك فأتمَّ، وهذا أيضا ضعيفٌ من التأويل. ومنها: أنه أخَذ بالإباحة في ذلك، وهذا أصحُّ ما فيه، واللهُ أعلم. وقد مضَى القولُ في قصْرِ الصلاةِ في السَّفَر وفي أحكامِها، واختلافِ العلماءِ فيها بمنًى وغيرها، ممهَّدًا مَبْسوطًا بعلَلِ كلِّ فرقةٍ ووجوهِ قولها، في بابِ ابنِ شهاب، عن رجلٍ من آلِ خالدِ بنِ أَسِيد، من هذا الكتاب (١)، وفي بابِ صالحِ بنِ كيسانَ أيضًا (٢)، فلا معنى لتكريرِ ذلك هاهنا. حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مَرْوان، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى بالقُلْزُم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ الجارود، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الله بنُ هاشم، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عُمر قال: صلَّيتُ مع النبيِّ ﷺ رَكْعتين (٤)، ومع أبي بكرٍ رَكْعتين، ومع عُمرَ رَكْعتين، ومع عثمانَ رَكْعتين صدرًا من إمارته، ثم أتمَّها عثمان. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان بنِ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف (٥)، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٦): حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى،

стр. 7955

حدَّثنا عبيدُ الله، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عُمرَ قال: صلَّيتُ مع النبيِّ ﷺ بمنًى رَكْعتين، ومع أبي بكرٍ وعمر، ومع عثمانَ صدرًا من إمارته، ثم أتمَّها. قال البخاريُّ (١): وقد روَى حفصُ بنُ عاصم، عن ابن عمر: صحِبتُ رسولَ الله ﷺ فكان لا يزيدُ في السفرِ على رَكْعتين، وأبا بكرٍ وعُمرَ وعثمانَ كذلك. قال أبو عُمر: حديثُ حفصِ بنِ عاصم هذا عن ابنِ عمرَ حدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ محمدٍ الجُمَحيُّ بمكة، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبد العزيز (٢)، قال: حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ حفصِ بنِ عاصم بنِ عُمرَ بنِ الخطاب، عن أبيه، قال: صحِبتُ ابنَ عُمرَ بطريقِ مكةَ، فصلَّى بها الظهرَ رَكْعَتَين، ثم أقبَل وأقبَلْنا معه حتى جاء رَحْلَه، فجلَس وجلَسنا معه، فحانَتَ منه التفاتة نحوَ الموضع حيثُ صلَّى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنعُ هؤلاء؟ فقلت: يُتمُّون. فقال: يا ابنَ أخي، إنِّي صحِبتُ رسولَ الله ﷺ في السفرِ فلمْ يزِدْ على رَكْعَتَين حتَّى قبَضَه اللهُ، ثم صحِبتُ أبا بكرٍ فلمْ يزِدْ على رَكْعَتَين حتَّى قبَضَه اللهُ، وصحِبتُ عُمرَ بنَ الخطابِ فلمْ يزِدْ على رَكْعَتَين حتَّى قبَضَه اللهُ، ثم صحِبتُ عثمانَ فلمْ يزِدْ على رَكْعَتَين حتَّى قبَضَه اللهُ، وقد قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣) [الأحزاب: ٢١]. في هذا الحديث أن عثمانَ لم يُتمَّ في سفرِه حتَّى مات، وهذا يعارِضُ روايةَ مَن روَى أنه أتمَّ شطرَ إمارته، وتلك الروايةُ أوْلى من جهةِ الأثرِ ومن جهةِ النظر؛ لأنها زيادة.

стр. 7956

وفيه دليلٌ على أن القَصْرَ سُنّةٌ مَسْنُونةٌ، ولو كان فَرْضًا ما ترَكهم ابنُ عُمرَ والإتمام، ولغيَّر ذلك عليهم وأمَرهم بالإعادة، لإفسادِهم صلاتَهم، ولو كان كذلك ما وَسِعَه السُّكوتُ عليه، ولكن لمّا عرَف أن القَصْرَ أفضل، وأن الأخْذَ بالسُّنةِ أوْلى، ندَبَهُم إلى التأسِّي برسُولِ الله ﷺ ؛ لِما في ذلك من الفَضْل، وسواءٌ كان القصرُ رُخصةً أو لم يكُنْ، هو أفضلُ، لأنه سُنّةُ رسولِ الله ﷺ . ورَوَيْنا عن ابنِ مسعودٍ نحوَ هذا المعنى الذي جاءَ عن ابنِ عُمرَ فيما ذكرنا: حدَّثنا قاسمُ بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: أخبرني سليمانُ، عن عُمارةَ بنِ عميرٍ أو إبراهيم (٢)، عن عبدِ الرحمن بنِ يزيد، عن عبدِ الله قال: صلَّينا مع رسولِ الله ﷺ ومع أبي بكرٍ ومع عمرَ بمنًى (٣) رَكْعتين، فليْت حظَّنا من أربع ركعتانِ متقبَّلتان (٤). وهذا يدُلُّ على الإباحةِ أيضًا، واللهُ أعلم. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمّد، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (٥): أخبَرنا إسماعيلُ بنُ

стр. 7957

إبراهيم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيدِ بنِ جُدْعان، عن أبي نَضْرةَ، قال: مرَّ عِمْرانُ بنُ حُصينٍ بمَجْلِسِنا، فقام إليه فتًى من القوم فسألَهُ عن صلاةِ رسولِ الله ﷺ في الغزوِ والحجِّ والعُمرة، فجاء فوقَف علينا، فقال: إن هذا سألني عن أمر، فأردتُ أن تسمَعوه - أو كما قال - غزوتُ مع رسولِ الله ﷺ فلم يُصَلِّ إلا رَكْعتَين حتى رجَع إلى المدينة، وحجَجتُ معه فلم يصلِّ إلا رَكْعتين حتى رجَع إلى المدينة، وشهِدتُ معه الفتحَ فأقام بمكةَ ثمانيَ عشرةَ ليلةً لا يُصلِّي إلا رَكْعتَين، ثم يقولُ لأهل البلد: "صلُّوا أربعًا فإنَّا سفْرٌ". واعتمرتُ معه ثلاثَ عُمَرٍ لا يصلِّي إلا رَكْعتين، وحجَجتُ مع أبي بكرٍ الصديق وغزوتُ فلم يُصَلِّ إلا رَكْعتَين حتَّى رجَع إلى المدينة، وحجَجتُ مع عُمرَ بنِ الخطاب حَجّاتٍ فلم يصلِّ إلا رَكْعتَينِ حتَّى رجَع إلى المدينة، وحجَّ عثمانُ سبعَ سنينَ من إماريه لا يُصلِّي إلا ركعتَين، ثم صلَّاها بمنًى أربعًا. قال الطحاويُّ (١): في هذا الحديثِ معنًى لا يوجدُ في غيرِه، وهو قولُ رسولِ الله ﷺ لأهل البَلَدِ (٢) الذين صلَّى بهم فيه هذه الصلاة: "صلُّوا أربعًا فإنَّا سَفْرٌ". وهي سنةٌ يتفِقُ أهلُ العلم عليها، ولم نجدْها (٣) في غيرِ هذا الحديث، وهذه السنَّةُ مما تفرَّد به أهلُ البصرةِ دونَ مَن سواهم.

стр. 7958

حديثٌ حادٍ وخمسونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئِل عن الاستطابةِ فقال: "أولا يجِدُ أحدُكم ثلاثةَ أحجار؟ ". هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ جماعةُ الرواةِ مرسلًا (٢)، إلا ما ذكَره سُحنونٌ في روايةِ بعضِ الشيوخ عنه، عن ابن القاسم، عن مالك، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن أبي هريرة. وقد روَى ابنُ بُكير أيضًا في "الموطأ" هكذا: عن مالك، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهذا غلطٌ فاحشٌ، ولم يَروِه أحدٌ كذلك، لا من أصحاب هشام، ولا من أصحابِ مالك، ولا رواه أحدٌ عن عُروة، عن أبي هريرة، وإنما رواه بعضُ أصحابِ عُروة، عن عُروة، عن عائشة: وهو مُسلمُ بنُ قُرْط (٣). وأما هشامُ بنُ عُروة، فاختُلِف عليه فيه: فطائفةٌ تَرويه عنه، عن أبيه مرسلًا كما رواه مالكٌ. وطائفةٌ تَرويه عنه، عن عَمْرِو بنِ خُزيمةَ المُزَنيِّ، عن عُمارةَ بنِ خزيمةَ بنِ ثابت، عن خزيمةَ بنِ ثابت. وطائفة تَرويه عنه، عن أبي وَجْزَة، عن عُمارةَ بنِ خُزيمة، عن أبيه خُزيمةَ بنِ ثابت: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ عبدِ الرحمن (٤) ومحمدُ بنُ إبراهيم، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ

стр. 7959

مُطَرِّف (١)، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن صالح، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ الجُعفيُّ، قال: حدَّثنا زائدة (٢)، عن هشام بنِ عُروة، عن عَمْرِو بنِ خُزيمة المُزَني، عن عُمارةَ بنِ خُزيمة بن ثابتٍ الأنصاريِّ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ثلاثةُ أحجار ليس فيهن رَجيعٌ"؛ يعني: الاستطابة، وفي إسنادِ هذا الحديثِ اضطرابٌ (٣). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٤): حدَّثنا عبدةُ بنُ سُليمان، عن هشام بنِ

стр. 7960

عُروة، عن عَمْرِو بنِ خُزيمة، عن عُمارةَ بنِ خُزيمةَ بنِ ثابت، عن خُزيمةَ بنِ ثابت، قال: قال رسولُ الله ﷺ في الاستطابة: "ثلاثةُ أحجارٍ ليس فيها رجيعٌ". وكذلك رواه أبو معاوية (١)، وابنُ نُمَير (٢)، وأبو أسامة (٣)، عن هشام بنِ عُروةَ بمثلِ هذا الإسناد. ورواه عبدُ الرزاق، عن ابنِ عُيينة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبي وَجْزَةَ، عن خُزيمةَ بنِ ثابت، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَه. ورواه إبراهيمُ بنُ المنذر الحِزاميُّ، عن ابنِ عُيينة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبي وَجْزَة، عن عُمارةَ بنِ خزيمة بنِ ثابت، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَه (٤).

стр. 7961

ورواه الحُميديُّ (١)، عن ابنِ عُيينةَ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ مرسلًا بمثلِ روايةِ مالك. وكذلك رواه ابنُ جُريج، عن هشام، عن أبيه مرسلًا مثلَ روايةِ مالك. ورواه مَعْمر، عن هشام بنِ عُروة، عن رجلٍ من مُزَينة، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ قال في الاستطابة: "ثلاثةُ أحجارٍ عندَ الخلاءِ ليس منهن رجيعٌ" (٢). والرَّجيعُ الذي يُنْتِنُ. ورواه المفضَّلُ بنُ فَضالة، عن هشام بنِ عُروة، عن عَمْرِو بنِ جَرْهد، عن عُمارةَ بنِ خُزيمة. أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زَبّانَ، قال: حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن صالح، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بنُ فَضالة، عن هشام بنِ عُروة، أن عَمْرَو بنَ جَرْهدٍ المُزَنيَّ أخبَره، أن عُمارةَ بنَ خُزيمةَ الأنصاريَّ أخبَره، عن أبيه خزيمةَ بنِ ثابت، عن رسولِ الله ﷺ أنه قال: "ثلاثةُ أحجارٍ ليس فيها رَجيعٌ"؛ يعني في الاستطابة (٣). وروَى ابنُ المباركِ عن هشام بنِ عُروةَ الحديثين جميعًا، فدلَّ على أنهما حديثان، وبان به ذلك، والحمدُ لله. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيان، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا نُعيمُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك (٤)،

стр. 7962

قال: أخبَرنا هشامُ بنُ عُروة (١)، عمّن حدَّثه، عن عُمارةَ بنِ خزيمةَ بنِ ثابت، عن أبيه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الاستطابةُ بثلاثةِ أحجارٍ ليس فيها رجيعٌ". قال هشامُ بن عُروة: يعني الحَجرَ مرتين. قال ابنُ المبارك: وأخبرنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أوَلا يجِدُ أحدُكم ثلاثةَ أحجار؟ ". قال أبو عُمر: جوَّد ابنُ المباركِ هذا الحديثَ بالإسنادين، وما زال مجوِّدًا ﵁. وقد ذكَر عبدُ الرزاقِ عن ابن عُيينةَ الحديثين جميعًا، عن هشام، عن أبيه مرسلًا. وعن هشام، عن أبي وَجْزة، عن خُزيمة، عن النبيِّ ﷺ . قال أبو عُمر: قوله ﷺ : "ليس فيها رَجِيعٌ". يَرُدُّ قولَ الطبريِّ، حيثُ قال: كلُّ طاهرٍ وكلُّ نَجسٍ أزال النجْوَ أجزَأ. ويردُّه أيضًا حديثُ ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ إذ رمَى بالرَّوْثةِ وقال: "هي رِجْسٌ - أو - رِكْسٌ" (٢). والذي عليه جمهورُ الفقهاءِ أنه لا يجوزُ الاستنجاءُ بغيرِ الطاهرِ من الأحجارِ وما قام مقامَها. وقد مضَى في بابِ ابنِ شهاب (٣) ما للعلماءِ في هذا الباب كلِّه من التنازع واختلافِ المذاهب، والحمدُ لله. وأما روايةُ مسلم بنِ قُرطٍ عن عُروةَ في هذا الحديث، فأخبرنا عبدُ الله بنُ
следующие страницы →