← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7958–7997 · переход к 7963.

стр. 7958

حديثٌ حادٍ وخمسونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئِل عن الاستطابةِ فقال: "أولا يجِدُ أحدُكم ثلاثةَ أحجار؟ ". هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ جماعةُ الرواةِ مرسلًا (٢)، إلا ما ذكَره سُحنونٌ في روايةِ بعضِ الشيوخ عنه، عن ابن القاسم، عن مالك، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن أبي هريرة. وقد روَى ابنُ بُكير أيضًا في "الموطأ" هكذا: عن مالك، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهذا غلطٌ فاحشٌ، ولم يَروِه أحدٌ كذلك، لا من أصحاب هشام، ولا من أصحابِ مالك، ولا رواه أحدٌ عن عُروة، عن أبي هريرة، وإنما رواه بعضُ أصحابِ عُروة، عن عُروة، عن عائشة: وهو مُسلمُ بنُ قُرْط (٣). وأما هشامُ بنُ عُروة، فاختُلِف عليه فيه: فطائفةٌ تَرويه عنه، عن أبيه مرسلًا كما رواه مالكٌ. وطائفةٌ تَرويه عنه، عن عَمْرِو بنِ خُزيمةَ المُزَنيِّ، عن عُمارةَ بنِ خزيمةَ بنِ ثابت، عن خزيمةَ بنِ ثابت. وطائفة تَرويه عنه، عن أبي وَجْزَة، عن عُمارةَ بنِ خُزيمة، عن أبيه خُزيمةَ بنِ ثابت: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ عبدِ الرحمن (٤) ومحمدُ بنُ إبراهيم، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ

стр. 7959

مُطَرِّف (١)، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن صالح، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ الجُعفيُّ، قال: حدَّثنا زائدة (٢)، عن هشام بنِ عُروة، عن عَمْرِو بنِ خُزيمة المُزَني، عن عُمارةَ بنِ خُزيمة بن ثابتٍ الأنصاريِّ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ثلاثةُ أحجار ليس فيهن رَجيعٌ"؛ يعني: الاستطابة، وفي إسنادِ هذا الحديثِ اضطرابٌ (٣). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٤): حدَّثنا عبدةُ بنُ سُليمان، عن هشام بنِ

стр. 7960

عُروة، عن عَمْرِو بنِ خُزيمة، عن عُمارةَ بنِ خُزيمةَ بنِ ثابت، عن خُزيمةَ بنِ ثابت، قال: قال رسولُ الله ﷺ في الاستطابة: "ثلاثةُ أحجارٍ ليس فيها رجيعٌ". وكذلك رواه أبو معاوية (١)، وابنُ نُمَير (٢)، وأبو أسامة (٣)، عن هشام بنِ عُروةَ بمثلِ هذا الإسناد. ورواه عبدُ الرزاق، عن ابنِ عُيينة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبي وَجْزَةَ، عن خُزيمةَ بنِ ثابت، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَه. ورواه إبراهيمُ بنُ المنذر الحِزاميُّ، عن ابنِ عُيينة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبي وَجْزَة، عن عُمارةَ بنِ خزيمة بنِ ثابت، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَه (٤).

стр. 7961

ورواه الحُميديُّ (١)، عن ابنِ عُيينةَ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ مرسلًا بمثلِ روايةِ مالك. وكذلك رواه ابنُ جُريج، عن هشام، عن أبيه مرسلًا مثلَ روايةِ مالك. ورواه مَعْمر، عن هشام بنِ عُروة، عن رجلٍ من مُزَينة، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ قال في الاستطابة: "ثلاثةُ أحجارٍ عندَ الخلاءِ ليس منهن رجيعٌ" (٢). والرَّجيعُ الذي يُنْتِنُ. ورواه المفضَّلُ بنُ فَضالة، عن هشام بنِ عُروة، عن عَمْرِو بنِ جَرْهد، عن عُمارةَ بنِ خُزيمة. أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زَبّانَ، قال: حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن صالح، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بنُ فَضالة، عن هشام بنِ عُروة، أن عَمْرَو بنَ جَرْهدٍ المُزَنيَّ أخبَره، أن عُمارةَ بنَ خُزيمةَ الأنصاريَّ أخبَره، عن أبيه خزيمةَ بنِ ثابت، عن رسولِ الله ﷺ أنه قال: "ثلاثةُ أحجارٍ ليس فيها رَجيعٌ"؛ يعني في الاستطابة (٣). وروَى ابنُ المباركِ عن هشام بنِ عُروةَ الحديثين جميعًا، فدلَّ على أنهما حديثان، وبان به ذلك، والحمدُ لله. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيان، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا نُعيمُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك (٤)،

стр. 7962

قال: أخبَرنا هشامُ بنُ عُروة (١)، عمّن حدَّثه، عن عُمارةَ بنِ خزيمةَ بنِ ثابت، عن أبيه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الاستطابةُ بثلاثةِ أحجارٍ ليس فيها رجيعٌ". قال هشامُ بن عُروة: يعني الحَجرَ مرتين. قال ابنُ المبارك: وأخبرنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أوَلا يجِدُ أحدُكم ثلاثةَ أحجار؟ ". قال أبو عُمر: جوَّد ابنُ المباركِ هذا الحديثَ بالإسنادين، وما زال مجوِّدًا ﵁. وقد ذكَر عبدُ الرزاقِ عن ابن عُيينةَ الحديثين جميعًا، عن هشام، عن أبيه مرسلًا. وعن هشام، عن أبي وَجْزة، عن خُزيمة، عن النبيِّ ﷺ . قال أبو عُمر: قوله ﷺ : "ليس فيها رَجِيعٌ". يَرُدُّ قولَ الطبريِّ، حيثُ قال: كلُّ طاهرٍ وكلُّ نَجسٍ أزال النجْوَ أجزَأ. ويردُّه أيضًا حديثُ ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ إذ رمَى بالرَّوْثةِ وقال: "هي رِجْسٌ - أو - رِكْسٌ" (٢). والذي عليه جمهورُ الفقهاءِ أنه لا يجوزُ الاستنجاءُ بغيرِ الطاهرِ من الأحجارِ وما قام مقامَها. وقد مضَى في بابِ ابنِ شهاب (٣) ما للعلماءِ في هذا الباب كلِّه من التنازع واختلافِ المذاهب، والحمدُ لله. وأما روايةُ مسلم بنِ قُرطٍ عن عُروةَ في هذا الحديث، فأخبرنا عبدُ الله بنُ

стр. 7963

محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسة (١)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا سعيدُ بنُ منصورٍ وقُتيبةُ بنُ سعيد، قالا: حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبي حازم، عن مُسلم بنِ قُرط، عن عُروة، عن عائشة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا ذهَب أحدُكم إلى الغائطِ فليذهبْ معه بثلاثةِ أحجار يستطيبُ بها، فإنها تُجزئُ عنه". وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٣): أخبرني قُتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمن وعبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم، عن أبي حازم، عن مسلم بنِ قُرط، عن عُروة، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. قال أبو عُمر: روَى في هذا الباب جماعة من الصحابة، فيهم أبو أيوب (٤)، وسَلْمان (٥)، وأبو هُريرة (٦)، وأثبتُها حديثُ أبي هريرةَ وسَلْمان، وكلُّها حِسانٌ.

стр. 7964

قال الأخفش: الاستطابةُ الاستنجاءُ بالأحجار، يقال منه: استطاب الرجلُ وأطاب: إذا استنجَى، ويقال: رجلٌ مُطيبٌ: إذا فعَل ذلك، قال الشاعر، وهو الأعشى (١): يا رَخَمًا قاظ على مَطْلوبِ ... يُعْجِلُ كفَّ الخارِئ المُطِيبِ وأما (٢) قوله: قاظ. فإنه أراد: قام عليه في القَيظِ في اليوم الصائف. قال أبو عُمر: الاستطابةُ والاستنجاءُ والاستجمار، معنى هذه الثلاثةِ الألفاظِ واحدٌ، وقد فسَّرنا معنَى الاستجمارِ في اللغةِ والفقهِ وما للعُلماءِ في الاستنجاءِ من المذاهبِ في أصولِ مسائلِه وفروعِها مبسوطًا مُمهَّدًا في بابِ ابنِ شهاب، عن أبي إدريسَ الخولانيِّ (٣)، فلا وجهَ لتكرير ذلك هاهنا. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الفوارسِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ السِّنديِّ، قال: حدَّثنا الربيعُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني عُثمانُ بنُ أبي سَوْدة، قال: حدَّثني أبو شعيبٍ الحَضْرميُّ،

стр. 7965

قال: سمِعتُ أبا أيوبَ الأنصاريَّ الذي نزَل عليه رسولُ الله ﷺ يقول: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا تغوَّط أحدُكم فليَستنجِ بثلاثةِ أحجار، فإن ذلك طَهورُه" (١). وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا بُكيرُ بنُ الحَسَن الرازيُّ، قال: حدَّثنا بكارُ بنُ قُتيبةَ القاضي، قال: حدَّثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَجْلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنما أنا لكم مثل الوالدِ أعلِّمُكم، فإذا أتى أحدُكم الغائطَ فلا يستقبلِ القبلةَ ولا يستدبِرْها، وإذا استطاب فلا يَستطِبْ بيمينِه". وكان يأمرُ بثلاثةِ أحجار، وينهَى عن الرَّوْثِ والرَّمَّة (٢).

стр. 7966

وقرأتُ على عبدِ الوارث بنِ سفيان، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز (١)، قال: حدَّثنا هُدْبةُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ الجَعْد، قال: حدَّثنا قتادةُ، قال: حدَّثني خلّادُ بنُ السائبِ الجُهَنيُّ، عن أبيه السائب، أن نبيَّ الله ﷺ قال: "إذا دخَل أحدُكم الخلاءَ فلْيَتمسَّحْ بثلاثةِ أحجار". قال أبو عُمر: هذه الآثارُ كلُّها، المرسَلُ منها والمسنَدُ، وهي صحاحٌ كلُّها، تُوجِبُ الاقتصارَ على ثلاثةِ أحجارٍ في الاستنجاءِ دونَ تقصيرٍ عن هذا العَدَد، وهذا موضع اختلَف فيه العلماء: فذهَب مالكٌ، وأبو حنيفة، وأصحابُهما، إلى أنه جائزٌ الاستنجاءُ بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ إذا ذهَب النَّجْوُ (٢). هذا هو المشهورُ من مذهبِ مالك؛ لقوله ﷺ : "مَن استجمَر فلْيُوتِرْ" (٣). والوَترُ قد يكونُ واحدًا، وثلاثةً، وخمسةً، وأكثرَ من ذلك.

стр. 7967

وقال الشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وجماعة: لا يحوزُ أن يُقتصرَ على أقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ في الاستنجاء. وذكَر أبو الفرج أنه مذهبُ مالك، واحتجَّ له بحديثِ أبي هريرةَ المذكورِ في هذا البابِ وحديثِ سَلْمان (١). حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣): حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبدِ الرحمن بنِ يزيد، عن سَلْمان، قال له رجلٌ: إنّ صاحبَكُم لَيُعلِّمُكم حتَّى الخَرَاءة، قال: أجَلْ، نهانا أن نستقبلَ القِبْلةَ بغائطٍ أو بوْلٍ، أو نسْتَنجيَ بأيمانِنا، أو نكْتفي بأقلّ من ثلاثةِ أحجار. قال أبو عُمر: تحصيلُ مذهَبُ مالكٍ عندَ أصحابه: أنّ الاستنجاءَ بثلاثةِ أحجارٍ حسَنٌ، والوِتْرُ فيها حَسَنٌ لِمَا رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَنْ أوتَرَ - يعني في ذلك - فقد أحسَنَ، ومَنْ لا فلا حَرَج" (٤)، وجائزٌ عندَهُم الاقتصارُ

стр. 7968

على أقلَّ من ثلاثةِ أحجار؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ أُتِيَ بحَجَريْنِ ورَوْثةٍ، فأخذَ الحَجَرينِ ورَمَى الرَّوثة، ولم يَدْعُ بالبَدَلِ منها. ومذهبُ أبي حنيفةَ في الاستنجاءِ نحوَ مذهبِ مالكٍ سواءً. قال أصحابُه: يستنجي بثلاثةِ أحجار، فإنْ لم يُنَقِّ زادَ حتى يُنقِّي، وأن أنْقَى حجَرٌ واحدٌ أجزى، وكذلك غسْلُه بالماء، إن أنقى بغَسْلةٍ واحدةٍ أجزأهُ في المَخْرَج، وما عدا المَخْرَج، فإنّما يُغسَلُ بالماء (١)، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأصحابهما فيما عدا المَخْرَج منَ النَّجْو أنّه لا يُطهِّرُه إلا الماء. وقد ذكَرْنا أحكامَ الاستنجاءِ وكثيرًا من مسائله مستوعبةً مجوَّدةً في باب ابن شهابٍ عن أبي إدريسٍ (٢) من هذا الكتاب والحمد لله.

стр. 7969

حديثٌ ثانٍ وخمسونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ لَبِسَ خَميصةً لها عَلَمٌ، ثم أعطاها أبا جَهْم، وأخَذ من أبي جَهْم أنْبِجَانيّةً له، فقال: يا رسولَ الله، ولمَ؟ فقال: "إنِّي نظَرتُ إلى عَلَمِها في الصَّلاة". وهذا أيضًا مرسلٌ عندَ جميع الرواةِ عن مالك (٢)، إلا معنَ بنَ عيسى؛ فإنه رواه عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ مسندًا (٣)، وكذلك يَرْويه جماعةُ أصحابِ هشام، عن هشام - مسندًا - عن أبيه، عن عائشة، وقد يستندُ من روايةِ مالك، عن علقمةَ بنِ أبي علقمة، عن أمِّه، عن عائشة، وقد ذكرناه في باب علقمةَ (٤) من هذا الكتاب. وقد رواه الزُّهريُّ، عن عُروة، عن عائشة: فأمّا حديثُ هشام، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا وَكيعٌ،

стр. 7970

عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ كانت له خَمِيصةٌ لها عَلَمٌ، فكان يتشاغلُ بها في الصلاة، فأعطاها أبا جهم، وأخَذ كساءً له أنْبِجانيًّا (١). وأمّا حديثُ الزُّهريُّ، فحدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّيْبُليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ صُبيح. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيليُّ، قالا (٢): حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينةَ عن الزُّهريِّ، عن عُروة، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ صلّى في خَميصَةٍ لها عَلَمٌ، فلمّا قضى صلاتَه، قال: "شَغَلَتْني أعلامُ هذه، اذهبُوا بها إلى أبي جَهْم وأْتُوني بأنْبِجَانِيّة" (٣). والخَمِيصَةُ: كِساءٌ رَقيق يُصْبَغُ بالحُمْرةِ أو بالسّواد، أو الصُّفْرة، وكانت الخمائصُ من لباسِ أشرافِ النّاس. والأنْبَجَانيُّ: كِساءٌ غليظٌ كاللُّبَد، ومنهم من يقول: لا تكونُ الخَمِيصةُ إلّا مُعلّمةً، ومنهم مَنْ يقول: تكون بعَلَم وبغير عَلَم، وقد مضى القولُ في معنى هذا الحديثِ في باب عَلقمةَ (٤) من هذا الكتاب، والحمدُ لله.

стр. 7971

حديثٌ ثالثٌ وخمسونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ خرَج في مرضِه، فأتى فوجَد أبا بكرٍ وهو قائمٌ يصلِّي بالناس، فاستأخَر أبو بكر، فأشارَ إليه رسولُ الله ﷺ أنْ كما أنتَ، فجلَس رسولُ الله ﷺ إلى جَنْبِ أبي بَكر، فكان أبو بَكرٍ يُصلِّي بصلاةِ رسولِ الله ﷺ ، وكان الناسُ يُصلُّون بصلاةِ أبي بكْرٍ. لم يُختلَفْ عن مالكٍ فيما علِمتُ - في إرسالِ هذا الحديث (٢)، وقد أسنَده جماعةٌ عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة" منهم حمّادُ بنُ سَلَمة (٣)، وابنُ نُمَير (٤) وأبو أسامة (٥). وفي هذا الحديثِ نسخٌ لقوله ﷺ في الإمام: "إذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا" (٦)؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ في هذه الصلاةِ صلَّى جالسًا، وأبو بكر إلى جنبِه قائمٌ يصلِّي بصلاتِه وَيقتدي به، والناسُ يصلُّون وَيقْتَدون بأبي بكرٍ قيامًا، ومعلومٌ أن صلاتَه هذه في مرضِه الذي تُوفِّي منه، وأن قوله: "إذا صلَّى الإمامُ جالسًا

стр. 7972

فصلُّوا جلوسًا". كان في حينَ سقَط من فرسِه، فجُحِش شِقُّه قبلَ هذا الوقت، والآخرُ من فِعْلِه ينسخُ الأولَ؛ لأنه كان جالسًا في هذه الصلاة، وأبو بكرٍ قائمٌ خلفَه والناسُ، فلم يأمرْ أبا بكرٍ بالجلوسِ ولا أحدًا، وهذا بيِّنٌ غيرُ مُشكِل، والحمدُ لله. ومع هذا، فإن النظرَ يعضُدُ هذا الحديث؛ لأنَّ القيامَ فرضٌ في الصلاةِ بإجماع المسلمين على كلِّ مَن قدَرَ على القيام، وأظنُّ ذلك أيضًا لقولِ الله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وإذا كان القيامُ فرضًا في الصلاةِ على كلِّ أحدٍ في خاصّتِه، فمُحالٌ أن يسقُطَ عنه فرضٌ قد وجَبَ عليه لضَعْفِ غيرِه عنه وهو قويٌّ عليه، إلا أن يسقُطَ بكتابٍ أو سُنَّةٍ أو إجماع، وذلك معدومٌ في هذه المسألة، ألا تَرى أنه لا يَحْمِلُ عنه رُكُوعًا ولا سُجودًا، فإن احتجَّ مُحْتَجٌّ بأن الآثارَ متواترةٌ عنه ﷺ ، أنه قال في الإمام: "إذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا". رواها أنسٌ، وعائشة (١)، وأبو هريرة (٢)، وجابر، وابنُ عُمر. قيل له: لسنا ندفعُ ثبوتَ تلك الآثار، ولكنّا نقولُ: إن الآخرَ من فعلِه ﷺ ينسخُ ذلك. فإن قيل له: إنه قد اختُلف عن عائشةَ في صلاتِه تلك؛ فرُويَ عنها أن أبا بكر كان المقدَّم. قيل له: ليس هذا باختلاف؛ لأنه قد يجوزُ أن يكونَ أبو بكرٍ هو المقدَّمَ في وقت، ورسولُ الله ﷺ المُقدَّمَ في وقتٍ آخر. وقد روَى الثقاتُ الحفّاظُ أنّ أبا بكر كان خلْفَ رسولِ الله ﷺ يُصلِّي بصلاتِه، والناسُ قيامٌ يُصلُّون بصلاةِ أبي بكر، فهذه زيادةُ حافظ وصَفَ الحال، وأتى بالحديثِ على وَجْهِه.

стр. 7973

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُمَير، عن هشام بنِ عُروة، عن عُروة، عن عائشة، قالت: أمَر رسولُ الله ﷺ أبا بكرٍ أن يُصلِّي بالناسِ في مرَضِه، وكان يُصلِّي بهم. قال عُروة: فوجَد رسولُ الله ﷺ من نفسِه خِفَّةً، فخرَج وإذا أبو بكر يَؤُمُّ الناسَ، فلما رآه أبو بكرٍ استأخَر، فأشارَ إليه رسولُ الله ﷺ أنْ كما أنتَ، فجلَس رسولُ الله ﷺ حِذاءَ أبي بكرٍ إلى جَنْبِه، فكان أبو بكرٍ يُصلِّي بصلاةِ رسولِ الله ﷺ والناسُ يُصلُّون بصلاةِ أبي بكر (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عديٍّ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لمّا ثَقُل رسولُ الله ﷺ جاء بلالٌ يؤذنُه بالصَّلاة، فقال: "مُروا أبا بكرٍ فلْيُصَلِّ بالناس". قالت: فلما دخَل أبو بكرٍ في الصَّلاة، وجَد رسولُ الله ﷺ خِفَّةً، فقام يُهادَى بينَ رجلَين ورِجْلاه تَخُطَّانِ في الأرض حتى أتى المسجدَ، فلما دخَل المسجدَ، وجَد أبو بكرٍ حِسَّهُ فذهَب يتأخر، فأومأ إليه رسولُ الله ﷺ أن قُمْ كما أنت، فجاء رسولُ الله ﷺ حتى جلَس عن يسارِ أبي بكر، فكان رسولُ الله ﷺ يصلِّي بالناسِ جالسًا، وأبو بكرٍ قائمًا يَقتدي بصلاةِ رسولِ الله ﷺ ، والناسُ يَقتدُون بصلاةِ أبي بكر (٣).

стр. 7974

فإن قيل: إن شعبةَ روَى عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى (١) خلفَ أبي بكر (٢). قيل له: ليس هذا بخلاف؛ لأنه يُمكنُ أن يكونَ رسولُ الله ﷺ صلَّى خلفَ أبي بكرٍ في غيرِ تلك الصلاةِ في مرضِه ذلك، وليس بينَ المسلمين تنازعٌ في جوازِ صلاةِ الجالسِ المريضِ خلفَ الإمام القائم الصحيح؛ لأنَّ كلًّا يؤدِّي فرضَه على قدرِ طاقتِه، وإنما التنازعُ بينَهم في الصحيح القادرِ على القيام؛ هل يجوزُ له أن يُصلِّي جالسًا خلفَ إمام مريض جالسٍ في صلاتِه أم لا؟ فقال قومٌ: ذلك جائزٌ؛ لقوله ﷺ : "فإذا صلَّى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا". وممن ذهَب إلى هذا أحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُويةَ، قالا: جائزٌ أن يُصلِّي الإمامُ بالناسِ جالسًا من علَّة، ويصلُّون وراءَه قعودًا وهم قادرون على القيام (٣). واحتجُّوا بقوله ﷺ : "إنما جُعل الإمامُ ليُؤتمَّ به، فإذا رَكَعَ فاركَعُوا، وإذا رفَعَ فارفَعُوا، وإذا صلَّى جالسًا فصَلُّوا جُلوسًا". قال أحمدُ بنُ حنبل: وفعَلَهُ أربعةٌ من أصحاب رسولِ الله ﷺ ؛ وهم جابر، وأبو هريرة، وأُسَيدُ بنُ حُضير، وقيسُ بنُ قَهْد (٤). قال أبو بكر الأثرم: قلتُ لأحمد: فمَن احتجَّ بحديثِ عائشة: آخرُ صلاةٍ صلّاها رسولُ الله ﷺ وهو جالسٌ وأبو بكرٍ قائم يأتمُّ به، والناسُ قائمون

стр. 7975

يأتمُّون بأبي بكر؟ فقال: قد كان الشافعيُّ يحتجُّ بهذا، وليس في هذا حُجَّةٌ؛ لأنَّ أبا بكرٍ ابتدأ الصلاةَ قائمًا بقيام (١). قال أبو عُمر: فهذا قولٌ. وقال آخرون؛ منهم الشافعيُّ، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وزُفرُ، والأوزاعيُّ (٢): جائز أن يقتديَ القائمُ بالقاعدِ في صلاةِ الفريضةِ وغيرها. وهو قولُ داود. وقالوا: لا يجوزُ لأحدٍ أن يصلِّي جالسًا وهو قادرٌ على القيام إمامًا كان أو مأمومًا. قالوا: وجائزٌ أن يصليَ الإمامُ لعلةٍ تمنعُه من القيام وهو جالسٌ بقوم قيامًا؛ لأنَّ كلًّا يؤدِّي فرضَه على قدْرِ طاقتِه. وحُجَّةُ قائلي هذه المقالةِ أن أبا بكرٍ كان واقفًا خلفَ رسولِ الله ﷺ وهو جالسٌ يقتدي به، والناسُ قيامٌ يصلُّون بصلاةِ أبي بكر في صلاةٍ واحدة. وروَى الوليدُ بنُ مُسلم، عن مالك، أنه أجاز للإمام المريضِ أن يصلِّي بالناس جالسًا وهم قيامٌ. قال: وأحَبُّ إليَّ أن يكونَ إلى جنبه مَن يُعلِمُ بصلاته، ونحوُ هذا مذهبُ الشافعيِّ. وروَى جماعةُ أصحاب مالك، عن مالك، وهو المشهورُ من مذهبه، أن ليس لأحدٍ أن يؤمَّ جالسًا وهو مريضٌ بقوم أصحّاء، ومَن فعَل ذلك فصلاتُه فاسدةٌ وعليهم الإعادة؛ منهم مَن قال: في الوقت، ومنهم مَن قال: أبدًا، وبعضُهم قال: لا يعيدُ الإمامُ المريض، وبعضُهم قال: يعيدُ. كما ذكَرنا كلَّ ذلك، قاله أصحابُ مالك. وقد ذكَرنا الحُجّةَ لمالك، ومَن قال بقولِه في هذه المسألةِ مستوعبةً في بابِ ابنِ شهاب، عن أنسٍ من هذا الكتاب (٣)، والحمدُ لله.

стр. 7976

وقال أبو حنيفةَ وأكثرُ أصحابه في مريضٍ صلَّى قاعدًا، يركعُ ويسجدُ، فائتمَّ به قومٌ، فصلَّوا خلفَه قيامًا. قال: يجزئُه ويجزئُهم. قالوا: وإن كان الإمامُ يُومئُ إيماءً، أو كان مُضطجعًا، والقومُ يصلُّون خلفَه قيامًا لم يُجزِئْهم، ويُجزئُه هو. وقال محمدُ بنُ الحسن، ومالكٌ، والحسنُ بنُ حيٍّ، والثوريُّ في قائم اقتَدى بجالس، أو جماعةٍ صلَّوا قيامًا خلفَ إمام جالسٍ مريض: إنه يجْزئُه ولا يجْزئُهم (١). وذكَر ابنُ خُوَيْزمَنْداد، عن مالكٍ قال: لا يؤُمُّ قاعدٌ قيامًا، فإن فعَلُوا أعادوا في الوقت. وقال عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيز ومطرِّفٌ: يُعيدون أبدًا. وقال سُحنونٌ: اختَلف في ذلك قولُ مالك، واتَّفق أبو حنيفة، وأبو يوسفَ (٢) ومحمدٌ، أنه لا يَقتدي من يركعُ ويسجدُ قائَمَا أو قاعدًا بالمومئ. وقال زُفرُ: يُقتدَى به إذا زال العذرُ في الصلاة. واتَّفق الشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وزُفرُ، والأوزاعيُّ، وأبو ثور، على جوازِ اقتداءِ القائم الصَّحيح بالقاعدِ المريض. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: لا يَقتدي القائمُ بالمضطجع، ولا بالمومئ. قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: وإنما يقتدي بالقاعد. وقال محمدُ بنُ الحسن: ولا بالقاعد. وهو قولُ مالك في غيرِ روايةِ الوليدِ بنِ مسلم (٣)، واحتجَّ محمدُ بنُ الحسن لمذهبه في هذا الباب بأنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بَعْدي جالسًا" (٤).

стр. 7977

وهذا حديثٌ مرسلٌ ضعيفٌ، لا يرَى أحدٌ من أهل العلم كتابَه ولا روايتَه، وهو حديثٌ انفرَد به جابرٌ الجُعفيُّ، فرواه عن الشَّعبيِّ، عن النبيِّ ﵇. وجابرٌ قد تكلَّم فيه ابنُ عيينة، ومراسِل الشعبيِّ ليست عندَهم بشيء. فإن قيل: قد روَى شعبةُ عن موسى بن أبي عائشة، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن عائشة، أن أبا بكر صلَّى بالناسِ ورسولُ الله ﷺ خلفَه (١). فالجوابُ في ذلك كالجواب في حديثِ شعبة، عن الأعمش، وقد مضَى في هذا الباب. وقد حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سليمانَ الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: من الناسِ مَن يقول: كان أبو بكرٍ المقدَّمَ بينَ يدَيْ رسولِ الله ﷺ في الصفِّ. ومنهم مَن يقول: كان النبيُّ ﷺ المقدَّمَ بينَ يدَيْ أبي بكر (٢).

стр. 7978

قال أبو عُمر: فأكثرُ أحوالِ حديثِ عائشةَ هذا عندَ المخالفِ أن يُجعلَ متعارضًا؛ فلا يُوجبُ حُكْمًا، وإذا كان ذلك كذلك، كانت روايةُ ابنِ عباس (١) تقضي على ذلك، فكيف وروايةُ مَن روَى أنّ أبا بكر كان يصلِّي بصلاةِ رسولِ الله ﷺ ، والناسُ يُصلُّونَ بصلاةِ أبي بكر، فيها بيانٌ وزيادةٌ يجبُ قبولُها وهي مفسِّرةٌ، وروايةُ مَن روَى أنّ أبا بكرٍ كان المقدَّمَ مجملةٌ محتملةٌ للتأويل؛ لأنه جائزٌ أن تكونَ صلاةً أخرى، ولو صحَّ أنها كانت صلاةً واحدةً؟ كان في روايةِ مَن روَى عن عائشة وغيرِها، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان المقدَّمَ زيادةُ بيان؛ لأنه قد أثبَت ما قال غيرُه من تقدُّم أبي بكر، وزاد تأخُّرَه وتقدُّمَ رسولِ الله ﷺ ، ومَن روَى أنّ أبا بكرٍ كان المقدَّمَ، لم يحفظْ قصةَ تأخُّرِه وتقدُّم رسولِ الله ﷺ ، وتقديرُ ذلك أن تكونَ جماعتُهم رأوا أبا بكر في حالِ دخولِه في الصلاة، فلمّا خرج رسولُ الله ﷺ وانتهى إلى الصفِّ الأول - والصفوفُ كثيرةٌ - علِم مَن قرُب تغيُّرَ حالِ أبي بكر، وانتقالَ الإمامةِ إلى النبيِّ ﷺ ، ولم يعلمْ ذلك مَن بَعُدَ؛ فلهذا قلنا: إنَّ مَن نقَل انتقالَ الإمامةِ إلى رسولِ الله ﷺ ، علِم ما خفيَ على مَن قال: إنَّ الإمامَ كان أبا بكر.

стр. 7979

وقد يحتمِلُ وجهًا آخر؛ وذلك أن يكونَ أراد القائلُ أنَّ أبا بكر كان الإمام، يعني كان إمامًا في أولِ الصلاة. وزاد القائلُ بأنَّ النبيَّ ﷺ كان إمامًا؛ يعني أنه كان إمامًا في آخر تلك الصلاة. هذا لو صحَّ أنَّها كانت صلاةً واحدةً، ولو جاز أن تكونَ روايةُ عائشةَ متعارضة، لكانت روايةُ ابنِ عباسٍ التي لم يُختلفْ فيها قاضيةً في هذا الباب على حديثِ عائشةَ المختلَفِ فيه، وذلك أنَّ ابنَ عباس قال: إنَّ أبا بكرٍ كان يُصلِّي بصلاةِ رسولِ الله ﷺ ويقتدِي به، والناسُ يُصلُّونَ بصلاةِ أبي بكرٍ كما قال هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه في حديث عائشة. فبانَ بروايةِ ابنِ عباس أنَّ الصّحيحَ في حديثِ عائشةَ الوجهُ الموافقُ لقوله، وبالله التوفيق، لأنه يعضدُه ويشهدُ له. وأما حديثُ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن (١) فمنقطعٌ لا حُجَّةَ فيه، وقد تكلَّمنا على معناه في تقديم أبي بكر، وقول ربيعة فيه: "ما مات نبيٌّ حتى يؤمَّه رجلٌ من أمتِه". فليس فيه ما يدلُّ على أن أبا بكرٍ المُقَدَّمُ؛ لأنه قد صلَّى ﷺ خلفَ عبدِ الرَّحمن بنِ عوف في السَّفَر (٢). وقولُ ربيعةَ لا يتصلُ ولا يَحتجُّ به أحدٌ له أدنى فَهْم بالحديثِ اليوم، وكذلك ليس في قولِ مَن قال: لعلّه نُسخ؛ لأنه لم يفعلْهُ أبو بكرٍ ولا مَن بعدَه؛ ما يُشتغَلُ به. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الوراق، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داود، قال: حدَّثنا أبو بكر الأثرم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَجاء، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أرقمَ بنِ شُرَحْبيل،

стр. 7980

قال: سافرتُ مع ابنِ عباسٍ من المدينةِ إلى الشام، فسألتُه: أكان رسولُ الله ﷺ أوصى؟ فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ لمّا مرِض مرضَه الذي ماتَ فيه. فذكَر حديثًا طويلًا، وفيه قال: "ليُصَلِّ للناسِ أبو بكر". فتقدَّم أبو بكرٍ فصلَّى بالناس، ورأى رسولُ الله ﷺ من نفسِه خِفَّةً، فخرَج يُهادَى بينَ رجُلَين، فلمّا أحسَّ به الناسُ سبَّحُوا، فذهب أبو بكرٍ يتأخَّرُ، فأشارَ إليه بيدِه: مكانَك، فاستفتَح رسولُ الله ﷺ من حيثُ انتهَى أبو بكرٍ من القراءةِ وأبو بكر قائم، ورسولُ الله ﷺ جالسٌ، فائتمَّ أبو بكرٍ برسولِ الله ﷺ ، وائتمَّ الناسُ بأبي بكر. فهذا حديثٌ صحيحٌ عن ابن عباس، يعضدُ ما رواه عُروةُ وغيرُه، عن عائشة، ولو انفرَد لكان فيه كفاية وغنًى عن غيره، والحمدُ لله (١). وأرقمُ بنُ شرَحْبيل هو أخو هُزَيل بنِ شُرَحْبيل، وأخو عَمْرِو بنِ شرَحْبيل أبي مَيْسَرة، ثقةٌ جليل. ذكَر العُقيليُّ، عن محمدِ بنِ إسماعيلَ الصائغ، عن الحسنِ بنِ عليٍّ الحُلْوانيِّ، عن أبي أسامة (٢)، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: كان أرقمُ بنُ شُرحبيل أخو أبي ميسرةَ من أشرافِ الناسِ وخيارِهم (٣). قال العقيليُّ: وحدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: أخبرنا الفضلُ بنُ زيادٍ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ زكريا بنِ أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق،

стр. 7981

عن الأرقم بنِ شُرَحْبيل، عن ابنِ عباس، أنَّ النبيَّ ﷺ انتهى إلى أبي بكرٍ وهو يؤُمُّ الناس، فجلَس إلى جَنْبِ أبي بكرٍ عن يمينِه، وأخَذ من الآيةِ التي انتهَى إليها أبو بكر، فجعَل أبو بكرٍ يأتمُّ بالنبيِّ ﷺ ، والناسُ يأتمُّون بأبي بكر (١). قال أبو عُمر: قد قال أبو إسحاقَ المَرْوزيُّ (٢): مَن جعل أبا بكرٍ المقدَّم، وأنكَر تقدُّمَ رسولِ الله ﷺ في تلك الصلاة، زعَم أن تقدُّمَ رسولِ الله ﷺ خلافُ سُنَّتِه ﷺ ، وأن قيامَ أبي بكر إلى جنْبِه كذلك أيضًا ليس معروفًا من سنَّتِه ولا معنى له. قال أبو إسحاق: وهذا خطأٌ من قائله؛ لأنَّ قيامَ أبي بكر إلى جنْبِ النبيِّ ﷺ له معنًى حسنٌ، وهو أن الإمامَ يحتاجُ إلى أن يسمعَ الناسُ تكبيرَه، ويحتاجُ إلى أن تظهرَ لهم أفعالُه، ويرَى قيامُه وركوعُه؛ ليقتدوا به، فلمّا ضعُف النبيُّ ﷺ عن ذلك، أقام أبا بكرٍ إلى جنبِه لينوبَ عن النبيِّ ﷺ في إسماعِهم تكبيرَه، ورؤيتِهم لخفضِه ورفعِه؛ ليعلموا أنه يفعَلُ ذلك بفعلِ النبيِّ ﷺ ، كما يُفعلُ في مساجدِ الجماعات؛ أن يُقامَ فيها مَن يرفعُ صوتَه بالتكبيرِ لعجزِ الإمام عن إسماعِ جماعتِهم، فهذا المعنى في قيام أبي بكرٍ خلفَ النبيِّ ﷺ وقد مضَى القولُ في خلافةِ أبي بكرٍ فيما تقدم من حديثِ هشام بنِ عُروة في هذا الكتاب (٣)، والحمدُ لله.

стр. 7982

حديثٌ رابعٌ وخمسونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنه قال: نزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في عبدِ الله بنِ أمِّ مكتوم، جاء إلى رسولِ الله ﷺ ، فجعَل يقول: يا محمدُ، اسْتَدْنِني. وعندَ النبيِّ ﷺ رجلٌ من عُظماءِ المُشركين، فجعَل النبيُّ ﵇ يُعرِضُ عنه ويُقبِلُ على الآخر ويقول: "يا فلانُ، هل ترى بما أقولُ بأسًا؟ ". فيقول: لا والدُّمَى، ما أرَى بما تقولُ بأسًا. فأُنزِلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١ - ٢]. وهذا الحديثُ لم يختلفِ الرواةُ عن مالكٍ في إرسالِه (٢)، وهو يستندُ من حديثِ عائشةَ من روايةِ يحيى بن سعيدٍ الأمويِّ (٣) ويزيدَ بنِ سنانٍ الرُّهاويِّ (٤)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، ومالكٌ أثبتُ من هؤلاء. ورواه ابنُ جُريج، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه (٥)، بمثل حديثِ مالك. وروى وكيعٌ، عن هشام، عن أبيه عُروةَ في قوله : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. قال: نزَلت في ابنِ أمِّ مكتوم (٦). وقال معمرٌ، عن قتادة، قال: جاء ابنُ أمِّ مكتوم إلى رسولِ الله ﷺ وهو يكلِّمُ يومئذٍ أُبيَّ بنَ خلف، فأعرضَ عنه، فنزلت الآية: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾. فكان بعدَ ذلك يُكرمُه (٧).

стр. 7983

وأخبرنا يحيى بن يوسف، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى الترمذيُّ، قال (١): حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى بنِ سعيد، قال: حدَّثنا أبي، قال: مما عرَضنا على هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أُنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ في ابنِ أمِّ مكتوم الأعمَى، أتَى رسولَ الله ﷺ فجعل يقول: يا رسولَ الله، استدنِني. وعندَ رسولِ الله ﷺ رجلٌ من عُظماءِ المشركين، فجعل رسولُ الله ﷺ يُعرِضُ عنه ويُقبِلُ على الآخرِ ويقول: "أترَى بما أقول بأسًا؟ ". فيقول: لا. ففي هذا أُنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾. وأخبرنا عثمانُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أبو عيسى محمدُ بنُ عيسى، فذكَره. وأخبرنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ الخصيبِ (٢) القاضي بمصر، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ الهيثمُ بنُ خلفِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ مجاهدٍ

стр. 7984

القَطُوطيُّ (١) الدُّوريُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ موسى الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ بشير، قال: حدَّثنا أبو البلاد، عن مُسلم بنِ صُبيح، عن مَسْروق، قال: دخلتُ على عائشة، وعندَها رجلٌ مكفوفٌ تقطعُ له الأترُجَّ، وتُطعمُه إياه بالعَسَل، فقلت: مَن هذا يا أمَّ المؤمنين؟ فقالت: ابنُ أمِّ مكتوم الذي عاتَب اللهُ فيه نبيَّه ﷺ ؛ أتى النبيَّ ﷺ وعندَه عتبةُ وشيبةُ، فأقبَل عليهما، فنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (٢). وذكَر حجّاجٌ (٣)، عن ابنِ جُريج، قال: قال ابنُ عباس: جاءه ابنُ أمِّ مكتوم وعندَه رجالٌ من قريش، فقال له: علِّمْني مما علَّمك الله. فأعرَض عنه، وعبس في وَجهه، وأقبَل على القوم يدعوهم إلى الإسلام، فأُنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ فكان رسولُ الله ﷺ إذا نظَر إليه بعدَ ذلك مُقْبلًا بسَط رداءَه حتى يُجلسَه عليه، وكان إذا خرَج من المدينةِ استخلفَه يصلِّي بالناس حتى يرجع.

стр. 7985

وقال ابنُ جُريج، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ [عبس: ٥]. قال: عتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة. ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾. قال ابنُ جُريج: ابنُ أمِّ مكتوم. ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾. قال ابنُ جُريج: قال ابنُ عباس: تذكرةٌ للغنيِّ والفقير. قال سُنيدٌ (١): وقال غيرُ ابنِ جُريج: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾. قال: تُقبِلُ عليه بوجهِك. ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾. قال: ألّا يَصلُحَ، ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾: يعملُ في الخير، ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ الله، ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾. قال: تُعرِضُ. ثم وعَظه فقال: ﴿كَلَّا﴾. لا تُقبِلْ على مَن استغنى، وتُعرِضْ عمَّن يخشَى، ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾. قال: موعظةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾. قال: القرآن، مَن شاءَ فَهِم القرآن وتدبَّره واتَّعظ به. قال أبو عُمر: فيما أورَدنا في هذا الباب عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة وغيرِهم، ما يُفسِّرُ معنى هذا الحديثِ ويُغنينا عن القولِ فيه. وأما قوله: "لا والدُّمَى" فاختلَفت الروايةُ في ذلك عن مالك؛ فطائفةٌ روَوا عنه: "لا والدُّمَى" بضمِّ الدال، فالمعنى: الأصنامُ التي كانوا يعبُدون ويعظِّمون، واحدتُها دُميةٌ. وطائفةٌ روَت عنه: لا والدماء. بكسرِ الدال، والمعنى: دماءُ الهدايا التي كانوا يذبَحون بمنًى لآلهتِهم. قال الشاعرُ وهو توبةُ بنُ الحُميِّر: عليَّ دماءُ البُدْنِ إن كان بعلُها ... يرَى لي ذنبًا غيرَ أني أزورُها (٢) وقال آخر: أمَا ودماءِ المُزْجِيَاتِ إلى مِنًى ... لقد كَفَرتْ أسماءُ غيرَ كفُورِ

стр. 7986

حديثٌ خامسٌ وخمسونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنه قال: كان رسولُ الله ﷺ يقول: "إذا بدا حاجبُ الشَّمْسِ فأخِّروا الصلاةَ حتى تبرُزَ، وإذا غابَ حاجبُ الشمسِ فأخِّروا الصلاةَ حتى تَغِيبَ". وهذا أيضًا لم يُختلفْ عن مالكٍ في إرسالِه (٢)، وقد رواه أيوبُ بنُ صالح (٣)، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة (٤). ولم يتابَعْ عليه عن مالك، وأيوبُ بنُ صالح هذا ليس بالمشهورِ بحَمْل العلم ولا ممّن يُحتجُّ به. وحديثُه هذا حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ المطلب بنُ العباسِ بنِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ بنِ مروانَ بنِ الحكم، قال: حدَّثنا أبو المنذرِ سُفيانُ بنُ المنذرِ القرشيُّ، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تحرَّوا بصلاتِكم طلوعَ الشَّمسِ ولا غروبَها، فإنها تطلُعُ بينَ قرنَيْ شيطانٍ حتى تبرُزَ، فإذا برَز حاجبُ الشَّمْس، فأخِّروا الصَّلاةَ حتى تغرُبَ". وقد رواه جماعةٌ من الحفاظِ عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن ابنِ عُمر، وهو حديثٌ محفوظٌ عن ابنِ عُمرَ من وجوه؛ منها حديثُ مالك، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَتَحرَّ أحدُكم فيصلِّي عندَ طلوعِ الشمسِ

стр. 7987

ولا عندَ غروبِها" (١). وهو مذهبُ ابنِ عُمرَ المشهورُ عنه، كان لا يكرَهُ الصلاةَ بعدَ العصرِ ولا بعدَ الصُّبح إلا عندَ طلوع الشَّمْسِ وعندَ غروبها فقط، وقد ذكَرنا مذهبَه، ومذهبَ سائرِ العلماءِ في هذا الباب، في مواضعَ من هذا الكتاب. ومنها حديثُ زيدِ بنِ أسلم، عن عطاءِ بنِ يسار، عن الصُّنابحيِّ (٢). ومنها حديثُ محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان (٣)، وحديثُ نافع (٤). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصير وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (٥)، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٦): حدَّثنا سفيانُ، قال: سمِعتُ عبيدَ الله بنَ عُمرَ غيرَ مرة، قال: سمِعتُ نافعًا يقول: سمِعتُ ابنَ عُمرَ يقول: لستُ أنهى أحدا صلَّى أيَّ ساعةٍ من ليلٍ ولا من نهار، ولكني أفعلُ كما رأيتُ أصحابي يفعلون، وقد قال رسولُ الله ﷺ : "لا تحرَّوا بصلاتِكم طلوعَ الشَّمْس ولا غروبَها". قيل لسفيان: هذا يُروَى عن هشام؟ قال: ما سمِعتُ هشامًا ذكَر هذا قطُّ. قال أبو عُمر: إن كان لم يسمعْه فقد سمِعه غيرُه؛ ذكَر البزارُ قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ إسماعيل الهَبّاريُّ، قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن هشام بنِ عُروة، عن

стр. 7988

أبيه، عن ابنِ عُمرَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تَحرَّوا بصلاتِكم طلوعَ الشمسِ ولا غروبَها" (١). حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٣): أخبرنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني ابنُ عُمر، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تَتَحرَّوا بصلاتِكم طُلُوعَ الشَّمْسِ ولا غُروبَها؛ فإنها تطلُعُ بينَ (٤) قَرْنَي شيطان". قال (٥): وأخبرنا (٦) عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني ابنُ عُمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا طلَع حاجبُ الشمسِ فأخِّروا الصَّلاةَ حتى تشرُقَ، وإذا غاب حاجبُ الشمسِ فأخِّروا الصلاةَ حتى تغرُبَ (٧) ". وهذا أثبَتُ ما يكونُ من الأسانيدِ وأصحُّها مسندًا، وهما حديثان ومعناهما واحد. وقد مضى ما في حديثِ هذا الباب من المعاني في غير مَوْضعٍ من هذا الكتاب، والحمدُ لله وبه التوفيق.

стр. 7989

حديثٌ سادسٌ وخمسون لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ طلَعَ له أُحُدٌ، فقال: "هذا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه". وهذا مرسَلٌ في الموطأ عند جماعة الرُّواة (٢)، وهو مُسندٌ عن مالك (٣) من حديثه عن عَمْرو بنِ أبي عَمْرو عن أنس بن مالك، عن النبيِّ ﷺ ، وهو محفوظٌ من حديثِ أنس، ومن حديثِ سُويد بن النُّعمان الأنصاريِّ. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد بن يوسف، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد بنِ عبدِ العزيز البغويُّ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ محمدٍ العَيْشيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سَلَمة، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن جميلِ بنِ عبدِ الله، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أُحُدٌ جبلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه، وإنه لعلى تُرْعةٍ مِن تُرَعِ الجنة" (٤). وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ عمرَ بنِ راشدٍ بدمشق، قال: حدَّثنا أبو زُرعة، قال: حدَّثنا أبو اليمان الحكمُ بنُ نافع،

стр. 7990

قال: أخبرنا شُعيبُ بنُ أبي حمزة، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني عقبةُ بنُ سُويدٍ الأنصاريُّ، أنَّ أباه أخبَره، أنهم قفَلوا مع رسول الله ﷺ من غزوةِ تبوك، فلمّا قَدِمنا المدينةَ بدا لنا أُحُدٌ، فقال رسولُ الله ﷺ : "هذا جبلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه" (١). قال أبو عُمر: ذهَب جماعة من أهلِ العلم إلى حَمْلِ هذا القول على الحقيقة، وقالوا: جائزٌ أن يُحبَّهم الجبلُ كما يُحبُّونه. وعلى هذا حملوا كلَّ ما جاء في القرآن وفي الحديث من مثلِ هذا، نحوَ قوله : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]. و: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. و: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]، أي: سبِّحي معه، و: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]. ومثلُه في القرآنِ كثير. وأما الحديثُ، ففيه ما لا يُحصى من مثل هذا؛ نحوَ ما رُوِي أن البقاعَ لتَتزيَّنُ للمُصلِّي، وأن البقاعَ ليُنادي بعضُها بعضًا: هل مرَّ بك اليومَ ذاكرٌ لله؟ (٢).

стр. 7991

وقال آخرون: هذا مجازٌ، يريدُ أنه جبلٌ يُحِبُّنا أهلُه ونُحِبُّهم، وأُضيف الحبُّ إلى الجبل؛ لمعرفةِ المرادِ في ذلك عندَ المخاطَبين، مثل قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. يريدُ أهلَها. وقد ذكرنا هذا العنى بدلائل المجازِ فيه، وما للعلماءِ من المذاهبِ في ذلك، عندَ قوله ﷺ : "اشتكتِ النارُ إلى ربِّها" في بابِ عبدِ الله بنِ يزيدَ (١)، وبابِ زيدِ بنِ أسلم (٢)، والحمدُ لله (٣).

стр. 7992

حديثٌ سابعٌ وخمسونَ لهشام بنِ عُروة مالكٌ (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "اجعَلوا مِن صلاِتكم في بيوتكم". وهذا مُرسلٌ في "الموطأ" عندَ جميعهم (٢)، وقد رواه عبيدُ الله بنُ عمرَ العُمَريُّ، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ ﷺ (٣). واختُلف في معنى هذا الحديث؛ فقيل: "مِن صلاتِكم" يريدُ المكتوبة. وقيل: النافلة. ومَن قال: إنها المكتوبة؛ فلقوله ﷺ : "أفضلُ الصلاةِ صلاتُكم في بيوتِكم إلّا المكتوبة" (٤). فكيف يأمرُهم بما قد أخبَرهم أنَّ غيرَه أفضلُ منه؟! ومعروفٌ أن حرفَ "مِن" حقيقتُه التبعيضُ؛ لِمَا في ذلك من تعليم الأهل حُدودَ الصَّلاةِ مُعاينةً، وهو أثبتُ أحيانًا من التَّعليم بالقول. وقيل: أرادَ بقول هذا النّافلة على أن معنى قوله: "اجعلوا مِن صلاتِكم في بيوتِكم". أي: اجعلوا صلاتَكم في بيوتِكم؛ يعني النّافلة، وتكون "مِن" زائدة؛ كقولهم: ما جاءني مِن أحدٍ (٥).

стр. 7993

وأما ما جاء في "الموطأ" من حديثِ هشام بنِ عُروةَ موقوفًا وهو مرفوعٌ مسندٌ في غير "الموطأ" عندَ جماعةٍ مِن العلماء، فمِن ذلك حديثُ مالك (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن رجل من المهاجرين - لم يرَ به بأسًا - أنه قال: سألتُ عبدَ الله بنَ عمرِو بنِ العاص: أأُصلِّي في أعطانِ الإبل؟ قال: لا، ولكن صلِّ في مُرَاح الغنم. ومثلُ هذا من الفرقِ بينَ الغنم والإبل لا يُدركُ بالرأي، والعَطَنُ: موضعُ بُرُوكِ الإبلِ بينَ الشَّرْبتَين؛ لأنها في سَقْيِها ترِدُ الماءَ مرّتَين؛ طائفةً بعدَ أخرى. وقد روَى هذا الحديثَ يونسُ بنُ بكير، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "صلُّوا في مُراحِ الغنم،

стр. 7994

ولا تصلُّوا في أعطانِ الإبل" (١). ويونسُ بنُ بكيرٍ ليس ممن يُحتجُّ به عن هشام بنِ عُروةَ فيما خالَفه فيه مالكٌ؛ لأنه ليس ممن يقاسُ بمالك، وليس بالحافظِ عندَهم، والصحيحُ في إسنادِ هشام ما قاله مالكٌ، وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ هذا المعنى من حديثِ أبي هريرة (٢)، والبراء (٣)، وجابر بن سَمُرة (٤)، وعبدِ الله بنِ مغفَّل (٥)، وكلُّها بأسانيدَ حسان، وأكثرُها تواتُرًا وأحسنُها حديثُ البراء، وحديثُ عبدِ الله بنِ مُغفَّلٍ رواه نحوُ خمسةَ عشرَ رجلًا عن الحسن، وسماعُ الحسنِ من عبدِ الله بنِ مُغفَّل صحيحٌ.

стр. 7995

وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أن ما يخرجُ من مَخرجَي الحيوانِ المأكولِ لحمُه ليس بنجِس، وأصحُّ ما قيل في الفَرْق بينَ مُرَاحِ الغَنَم وعَطَنِ الإبل أن الإبلَ لا تكادُ تهدأُ ولا تقَرُّ في العطَنِ بل تثور، فربما قطَعت على المصلِّي صلاتَه، وجاء في الحديثِ الثابتِ أنها جِنٌّ خُلقت من جِنٍّ (١). فبيَّن العلةَ في ذلك، وقد قيل: إنَّها كان يستترُ بها عندَ الخلاء. وهذا لا يعرفُ في الأحاديثِ المسندة، وفي الأحاديثِ المسندةِ غيرُ ذلك. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله الرازيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن البراءِ بنِ عازب، قال:

стр. 7996

سُئل رسولُ الله ﷺ عن الصلاةِ في مباركِ الإبل، فقال: "لا تصلُّوا في مَباركِ الإبل؛ فإنها من الشياطين". وسُئل عن الصلاةِ في مُرَاح الغنم، فقال: "صلُّوا فيها فإنها بركة". حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا هشيمٌ (٣)، قال: أخبرنا يونسُ، عن الحسن، عن عبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ المُزَنيِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "صلُّوا في مَرابضِ الغنم ولا تصلُّوا في أعطانِ الإبل؛ فإنها خُلِقت مِن الشياطين". وفي بعض هذه الآثار: "فإنها جِنّ خُلقت مِن جِنٍّ" (٤). وهذا كلُّه يشهدُ لما اخترناه من التأويل في ذلك، والحمدُ لله. وأمّا حديثُ مالكٍ (٥)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّها قالت: ما أُبالي في الحِجْرِ صَلَّيْتُ أم في البَيْتِ. فهذا يَسْتَنِدُ من حديثِ عَلْقَمةِ بنِ أبي عَلْقَمة، عن أبيه، عن عائشة، ذكره أحمدُ بنُ شُعَيب النَّسائيُّ، قال (٦): حدَّثنا

стр. 7997

إسحاقُ بنُ إبراهيم (١)، حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، حدثنا عَلْقمةُ بنُ أبي عَلْقمة، عن أمِّه، عن عائشة، قالت: أخَذ رسولُ الله ﷺ بيدِي فأدْخَلَني الحِجْرَ، وقال: "إذا أردتِ دُخولَ البَيْتِ فصَلِّي هاهنا؟ فإنَّهُ قِطْعةٌ من البَيْت". وقد ذكَرْنا بُنيانَ الكعبةِ فيما تقدَّمَ من حديثِ ابن شهاب (٢)، والحمدُ لله (٣).
следующие страницы →