← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7993–8032 · переход к 7998.

стр. 7993

وأما ما جاء في "الموطأ" من حديثِ هشام بنِ عُروةَ موقوفًا وهو مرفوعٌ مسندٌ في غير "الموطأ" عندَ جماعةٍ مِن العلماء، فمِن ذلك حديثُ مالك (١)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن رجل من المهاجرين - لم يرَ به بأسًا - أنه قال: سألتُ عبدَ الله بنَ عمرِو بنِ العاص: أأُصلِّي في أعطانِ الإبل؟ قال: لا، ولكن صلِّ في مُرَاح الغنم. ومثلُ هذا من الفرقِ بينَ الغنم والإبل لا يُدركُ بالرأي، والعَطَنُ: موضعُ بُرُوكِ الإبلِ بينَ الشَّرْبتَين؛ لأنها في سَقْيِها ترِدُ الماءَ مرّتَين؛ طائفةً بعدَ أخرى. وقد روَى هذا الحديثَ يونسُ بنُ بكير، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "صلُّوا في مُراحِ الغنم،

стр. 7994

ولا تصلُّوا في أعطانِ الإبل" (١). ويونسُ بنُ بكيرٍ ليس ممن يُحتجُّ به عن هشام بنِ عُروةَ فيما خالَفه فيه مالكٌ؛ لأنه ليس ممن يقاسُ بمالك، وليس بالحافظِ عندَهم، والصحيحُ في إسنادِ هشام ما قاله مالكٌ، وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ هذا المعنى من حديثِ أبي هريرة (٢)، والبراء (٣)، وجابر بن سَمُرة (٤)، وعبدِ الله بنِ مغفَّل (٥)، وكلُّها بأسانيدَ حسان، وأكثرُها تواتُرًا وأحسنُها حديثُ البراء، وحديثُ عبدِ الله بنِ مُغفَّلٍ رواه نحوُ خمسةَ عشرَ رجلًا عن الحسن، وسماعُ الحسنِ من عبدِ الله بنِ مُغفَّل صحيحٌ.

стр. 7995

وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أن ما يخرجُ من مَخرجَي الحيوانِ المأكولِ لحمُه ليس بنجِس، وأصحُّ ما قيل في الفَرْق بينَ مُرَاحِ الغَنَم وعَطَنِ الإبل أن الإبلَ لا تكادُ تهدأُ ولا تقَرُّ في العطَنِ بل تثور، فربما قطَعت على المصلِّي صلاتَه، وجاء في الحديثِ الثابتِ أنها جِنٌّ خُلقت من جِنٍّ (١). فبيَّن العلةَ في ذلك، وقد قيل: إنَّها كان يستترُ بها عندَ الخلاء. وهذا لا يعرفُ في الأحاديثِ المسندة، وفي الأحاديثِ المسندةِ غيرُ ذلك. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله الرازيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن البراءِ بنِ عازب، قال:

стр. 7996

سُئل رسولُ الله ﷺ عن الصلاةِ في مباركِ الإبل، فقال: "لا تصلُّوا في مَباركِ الإبل؛ فإنها من الشياطين". وسُئل عن الصلاةِ في مُرَاح الغنم، فقال: "صلُّوا فيها فإنها بركة". حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا هشيمٌ (٣)، قال: أخبرنا يونسُ، عن الحسن، عن عبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ المُزَنيِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "صلُّوا في مَرابضِ الغنم ولا تصلُّوا في أعطانِ الإبل؛ فإنها خُلِقت مِن الشياطين". وفي بعض هذه الآثار: "فإنها جِنّ خُلقت مِن جِنٍّ" (٤). وهذا كلُّه يشهدُ لما اخترناه من التأويل في ذلك، والحمدُ لله. وأمّا حديثُ مالكٍ (٥)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّها قالت: ما أُبالي في الحِجْرِ صَلَّيْتُ أم في البَيْتِ. فهذا يَسْتَنِدُ من حديثِ عَلْقَمةِ بنِ أبي عَلْقَمة، عن أبيه، عن عائشة، ذكره أحمدُ بنُ شُعَيب النَّسائيُّ، قال (٦): حدَّثنا

стр. 7997

إسحاقُ بنُ إبراهيم (١)، حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، حدثنا عَلْقمةُ بنُ أبي عَلْقمة، عن أمِّه، عن عائشة، قالت: أخَذ رسولُ الله ﷺ بيدِي فأدْخَلَني الحِجْرَ، وقال: "إذا أردتِ دُخولَ البَيْتِ فصَلِّي هاهنا؟ فإنَّهُ قِطْعةٌ من البَيْت". وقد ذكَرْنا بُنيانَ الكعبةِ فيما تقدَّمَ من حديثِ ابن شهاب (٢)، والحمدُ لله (٣).

стр. 7998

باب الواو وَهْبُ بنُ كَيْسانَ، أبو نُعَيْم (١) لمالكٍ عنه حديثان، قد غلبَتْ عليه كُنْيتُه، فأهلُ المدينةِ يقولون: وَهْبُ بنُ كَيْسانَ. وغيرُهم يقول: وَهْبُ بنُ أبي مُغيث، وهو وَهْبُ بنُ كَيْسانَ مولى عبدِ الله بنِ الزُّبير بنِ العوّام، ويقال: مولى آلِ الزُّبير. قال الواقديُّ (٢): كان محدِّثًا ثقةً، ولقيَ عِدّةً من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، منهم سعدُ بنُ أبي وقّاص، وابنُ عُمرَ، وجابر، وأبو هريرة، وأبو سعيدٍ الخُدريِّ، ولم تكن له فتوى، وكان من سكان المدينة، وبها كانت وفاته سنة سبع وعشرين ومئة. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير (٣)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ معين، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن وَهْبِ بنِ كَيْسانَ، قال: رأيتُ سعدَ بنَ مالك، وأبا هريرة، وجابرَ بنَ عبدِ الله، وأنسَ بنَ مالك، يلْبسُونَ الخز. قال أحمدُ بنُ زهير (٤): حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ مُضَرَ، عن ابنِ عَجْلانَ، عن وَهْب بن كَيْسانَ، وكان قد أدرَكَ ابنَ عمرَ.

стр. 7999

أخبرَني أحمدُ بنُ محمّدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ العبّاس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حدَّثنا أشهبُ، عن مالك، قال: كان وَهْبُ بنُ كَيْسانَ يقعُدُ إلينا، ولا يقوم أبدًا حتى يقول لنا: اعلَموا أنه لا يُصْلِحَ آخِر هذا الأمر إلّا ما أصلَحَ أوّله. قلت: يريدُ ماذا؟ قال: يريد - في رأيي - الإسلام. أو قال: يريدُ التَّقْوى (١).

стр. 8000

حديثٌ أول لوَهْبِ بنِ كَيْسانَ مالكٌ (١)، عن أبي نُعيم وَهْبِ بنِ كَيْسانَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، أنه قال: بعَث رسول الله ﷺ بعثًا قِبَلَ السّاحل، فأمَّر عليهم أبا عُبيدةَ بنَ الجرّاح، وهم ثلاثُ مئةٍ. قال: وأنا فيهم. قال: فخرَجنا حتَّى إذا كُنّا ببعضِ الطَّريق فنِيَ الزادُ، فأمَر أبو عُبيدةَ بنُ الجَرّاح بأزوادِ ذلك الجَيْش، فجُمِع ذلك كلُّه، فكان مِزْوَدَيْ تمر، فكان يُقَوِّتُناهُ كلَّ يوم قليلًا قليلًا حتَّى فنِيَ، ولم تُصِبْنا إلا تمرةٌ تمرةٌ. فقلت: وما تُغْني تمْرةٌ؟ فقال: لقد وجَدْنا فَقْدَها حين فَنِيَتْ. قال: ثم انتهَينا إلى البَحْر، فإذا حُوتٌ مثلُ الظَّرِب، فأكَل منه الجيشُ ثمانَ عشرةَ ليلةً، ثم أمَر أبو عُبيدةَ بضِلْعَيْن من أضلاعِه فنُصِبا، ثم أمَر براحلةٍ فرُحِلَتْ، ثمّ مرَّت تحتَهُما ولم تُصِبْهُما. قال مالك: الظَّرِبُ: الجُبَيلُ. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ صحيحٌ مجتمَعٌ على صحّتِه (٢). وفيه من الفقهِ إرسالُ الخلفاءِ السَّرايا إلى أرضِ العدوِّ، والتأميرُ على السَّريةِ أوثقَ أهلِها. وفيه أن المواساةَ واجبةٌ بينَ المسلمين بعضهم على بعض، إذا خِيفَ على البعض التَّلفُ، فواجبٌ أن يُرمِّقَه (٣) صاحبُه بما يردُّ مُهجتَه ويشاركَه فيما بيدِه، ألا ترى أنَّ رسولَ الله ﷺ قد أدْخَل على مَن مَلَك زادًا في زادِه أن يَشْرَكَ معه فيه غيرَه في حديثِ سُويدِ بنِ النعمان (٤)؟ وهو عندي ضربٌ من القضاءِ بذلك.

стр. 8001

ولوجوبِ المُواساةِ عندَ الشدَّةِ ارتفَعَ عندَ أهلِ العلم قطْعُ السارقِ إذا سرَق شيئًا من الطعام في عام سَنَة (١)، واللهُ أعلم. وفي جَمْعِ الأزوادِ بركةٌ وخيرٌ، وقد ذكَرنا في معنى الزادِ في السفرِ ما فيه مَقْنعٌ في باب يحيى بنِ سعيد، عن بُشيرِ بنِ يسار (٢). وفيه أكْلُ مَيتةِ البحرِ من دوابِّه وغيرِها؛ لأنَّ دوابَّه إذا جاز أكلُها ميِّتةً فسَمَكُه أوْلى بذلك؛ لأنَّ السَّمكَ لم يُختلَفْ في أكلِه، واختُلِف في أكلُها الدوابِّ منه؛ فكان أبو حنيفةَ وأصحابُه، والحسنُ بنُ حيٍّ، يقولون (٣): لا يُؤكَلُ من حيوانِ البحرِ شيءٌ إلا السمكَ ما لم يكنْ طافيًا، فإذا كان طافيًا لم يؤكَلْ أيضًا. وقال ابنُ أبي ليلى، ومالك، والأوزاعيُّ، والليثُ، والشافعيُّ: لا بأسَ بأكلِ كلِّ ما في البَحْر؟ سَمَكًا كان أو دابّةً. وهو أحدُ قولي الثوريِّ (٤). وروَى أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن الثوريِّ (٥): أنه لا يؤكَلُ من صيدِ البحرِ إلا السمكُ. وقال الشافعيُّ (٦): ما يعيشُ في الماءِ حَلّ أكلُه، وأخذُه ذكاتُه، ولا يحتاجُ إلى ذكاتِه. وقد ذكَرنا هذه المسألةَ مجوَّدةً ممهَّدةً في بابِ صفوانَ بنِ سُليم (٧)، وأتينا فيها من أقاويل العلماءِ بأكثرَ مما ذكَرنا هاهنا.

стр. 8002

والصحيحُ في هذا الباب أنه لا بأسَ بأكْلِ ما في البَحْرِ من دابّةٍ وحُوتٍ، وسواءٌ ميِّتُه وحيُّه في ذلك، بدليل هذا الحديث المذكورِ في هذا الباب، وبدليلِ قوله ﷺ في البحر: "هو الطَّهورُ ماؤُه، الحلُّ ميْتتُه" (١). ولا وجهَ لقول من قال: إن أصحابَ رسول الله ﷺ كانوا مضطرِّين ذلك الوقتَ إلى الميتة، فمن هاهنا جاز لهم أكلُ تلك الدابَّة. وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّ أكْلَهم لم يكنْ على وجهِ ما تؤكَلُ عليه الميتةُ للضرورة، وذلك أنهم أقاموا عليها أيامًا يأكُلون منها، ومَنِ اضْطُرَّ إلى الميتةِ ليس يُباحُ له المقامُ عليها، بل يقال له: خُذْ منها ما تحتاجُ، وانتقِلْ منها إلى طلَب المُباح من القُوت. وقد ذكَرنا في باب صَفْوانَ بنِ سُلَيْم من صحيح الأثرِ ما يدُلُّ على أنَّ رسولَ الله ﷺ أباحَ ذلك لغيرِ المضطرِّ. وفي قوله ﷺ في هذا الحديثِ للبحر: "هو الطَّهُورِ ماؤُه، الحِلُّ مِيتتُه" ما يكفي ويُغْني عن كلِّ قائل، والحمدُ لله. وقد احتجَّ بهذا الحديث من أجاز أكْلَ اللّحْم الذَّكيِّ إذا صَلَّ (٢) وأنْتَن، وليس في هذا الحديث بيانُ ذلك بما يرفَعُ الإشكال. وقد رُوِيَ عن مالك أنه قال: لا بأسَ بأكلِ الطافي من السَّمَك ما لم يُنْتِنْ. وهو قولُ جمهورِ العلماء. وفي حديثِ أبي ثَعْلبةَ الخُشَنيِّ أن رسول الله ﷺ قال له في الصيدِ الذي يغيبُ عن صاحبه: "يأكُلُه ما لم يُنْتِنْ" (٣). وعلى أن هذا الخبرَ في أكل هذه الدابَّة قد تأوَّل فيه قومٌ الضرورةَ كما ذكَرتُه لكَ. وحديثُ أبي ثعلبةَ هذا حدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٤)،

стр. 8003

قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاوية، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى القزَّازُ، عن معاويةَ بنِ صالح، عن عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرِ بنِ نُفير، عن أبيه، عن أبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلوا الصيدَ وإن وجَدتموه بعدَ ثلاثةِ أيام ما لم يُنْتِنْ" (١). وحدَّثناه سعيدُ بنُ سيِّد، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ الباجيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أيمن، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاوية، فذكَره بإسنادِه سواء. وأما حديثُ جابرٍ هذا فقد رُويَ من وجوهٍ كثيرةٍ كلُّها ثابتة صحيحةٌ، وقد رواه هشامُ بنُ عُروة، عن وَهْبِ بنِ كَيْسانَ. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي الموتِ المكيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زيدِ بنِ هارون، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذرِ الحِزاميُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى بنِ عُروة، عن هشامِ بنِ عُروة، عن وَهْبِ بنِ كَيْسانَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: خرَجنا في سريَّة بعَثها رسول الله ﷺ ونحن ثلاثُ مئةِ رجل، فقلَّت أزوادُنا حتَّى ما كان يُصيبُ كلَّ رجل منا إلا تمرةٌ، فجئنا البحرَ، فإذا نحن بحُوتٍ ألقاهُ البحرُ ميِّتًا، فأقَمْنا عليه، فمكَثنا اثنتي عشرةَ ليلةً نأكلُ منه، ثم قَدِمنا على رسول الله ﷺ فأخبَرْناه، فقال: "نِعْم الجارُ البحرُ، هو الطَّهورُ ماؤُه، الحلُّ مِيتتُه" (٢).

стр. 8004

وقد رواه أبو الزُّبير، عن جابر. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرَ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حَرْب (١)، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن أبي الزُّبير، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: بعَثنا النبيُّ ﷺ في سريةٍ مع أبي عُبيدة، فألقَى لنا البحرُ حوتًا، فأكَلنا منه نصفَ شهر، وأْتَدمنا منه، وادَّهَنّا بوَدَكِه، حتى ثابت أجسامُنا. ذكَر عبدُ الرزّاق (٢)، عن معمر، عن أيوب، عن أبي الزُّبير، عن مولًى لأبي بكر، عن أبي بكر، قال: كلُّ ما في البحرِ من دابّةٍ قد ذبَحَها اللهُ لك فكُلْها. قال (٣): وأخبرنا الثوريُّ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي بَشير، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: أشهَدُ على أبي بكرٍ أنه قال: السمكةُ الطافيةُ حلالٌ لِمَن أراد أكلَها. وهذا البابُ فيه زياداتٌ في باب صفوانَ بنِ سُليم من هذا الكتاب (٤).

стр. 8005

حديثٌ ثانٍ لأبي نُعيم وَهْبِ بنِ كيْسانَ مالكٌ (١)، عن أبي نُعيمٍ وَهْبِ بنِ كَيْسانَ، قال: أتي رسول الله ﷺ بطعامٍ ومعه رَبيبُه عمرُ بنُ أبي سَلَمةَ، فقال له رسول الله ﷺ : "كُل بيَمينِكَ (٢)، وكُلْ ممّا يَلِيكَ". هذا الحديثُ عندَ مالكٍ ظاهرُه الانقطاعُ في "الموطأ" (٣)، وقد رواه خالدُ بنُ مَخْلَد، عن مالك، عن أبي نُعيم وَهْبِ بنِ كَيْسانَ، عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمة، أنَّ رسول الله ﷺ قال له: "سمِّ اللهَ، وكُلْ ممّا يَليكَ" (٤). وهو حديثٌ مسنَدٌ متّصلٌ؛

стр. 8006

لأنَّ أبا نُعيم سمِعَه من عمرَ بنِ أبي سَلَمة، وقد لقيَ من الصحابةِ مَنْ هو أكبرُ من عمرَ بنِ أبي سَلَمة. قال يحيى بنُ معين (١): وَهْبُ بنُ كَيْسانَ أكبرُ من الزهريِّ، وقد سمع من ابنِ عمرَ وابنِ الزُّبير. قال أبو عُمر: قد ذكَرنا جماعةً من الصحابةِ سمِع منهم أبو نُعيم هذا، منهم ابنُ عُمر، ومنهم سعدُ بنُ أبي وقّاصٍ وكان بدريًّا، فكيف يُنْكَرُ سماعُه من عُمرَ بنِ أبي سَلَمة؟! حدَّثنا أحمدُ بنُ فَتْح، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشِيق، قال: حدَّثنا أبو العلاءِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ جعفر الكوفيُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قالا: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن الوليدِ بنِ كثير، عن أبي نُعيم وَهْبِ بنِ كَيْسانَ، سمِعه

стр. 8007

من عمرَ بنِ أبي سَلَمة، قال: كنتُ غلامًا في حِجْرِ رسول الله ﷺ ، وكانت يَدِي تَطيشُ في الصَّحْفة، فقال: "يا غلامُ، سمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينِكَ، وكُلْ مما يَليكَ". وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (١)، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ كَثير، أنه سمِع أبا نُعيم وَهْبَ بنَ كَيْسانَ يقول: سمِعتُ عمرَ بنَ أبي سَلَمة يقول: كنت غلامًا في حِجْرِ رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تَطِيشُ في الصَّحْفة، فقال لي رسول الله (٣) ﷺ : "يا غلامُ، إذا أكلتَ فسمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينِكَ، وكُلْ مما يَليكَ". فما زالت تلك طِعْمَتي (٤) بعدُ (٥). قال أبو عُمر: وقد سَمِع أبو وَجْزةَ السَّعْديُّ هذا الحديثَ من عُمرَ بنِ أبي سَلَمة، وأبو وَجْزةَ أصغرُ سنًّا من أبي نُعيم وَهْبِ بنِ كَيْسانَ، وأقلُّ لقاءً. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ الرحيم، قال: حدَّثنا موسى بنُ داود، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ بلال، عن أبي وَجْزةَ السَّعْديِّ، قال: أخبَرني عُمرُ بنُ أبي سَلَمة، قال: دعاني النبيُّ ﷺ إلى طعام نأكُلُه، فقال: "ادْنُ، وسَمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينِكَ، وكُلْ ممّا يَليكَ" (٦).

стр. 8008

وقد روَى هذا الحديثَ هشامُ بنُ عُروة (١)، فاختُلِف عليه فيه؛ فمنهم من رواه عن هشام بنِ عُروة، عن أبي وَجْزةَ، عن عمرَ بنِ أبي سَلَمة (٢). ومنهم من رواه عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمة؛ هكذا رواه مَعْمرٌ (٣)، ورَوْحُ بنُ القاسم (٤)، عن هشام بن عُروة.

стр. 8009

مالكٌ عن الوليد بنِ عبدِ الله بنِ صيّاد (١) حديثٌ واحدٌ مالكٌ (٢)، عن الوليد بنِ عبدِ الله بنِ صَيّاد، أنّ المُطَّلبَ بنَ عبد الله بنِ حُويطِبٍ المخزوميَّ أخبرَه، أنّ رجلًا سألَ رسول الله ﷺ : ما الغيبةُ؟ فقال رسول الله ﷺ "أن تذكُرَ مِنَ المرءِ ما كرِهَ أن يسْمَعَ"، فقال رجل: يا رسول الله ﷺ ، وإن كان حقًّا؟ قال رسول الله ﷺ : "إذا قلتَ باطلًا فذلكَ البُهْتانُ". هكذا قال يحيى: المُطَّلبُ بنُ عبدِ الله بنِ حُويطِب. وإنّما هو المُطَّلبُ بنُ عبدِ الله بنِ حَنْطَب. كذلك قال ابنُ وَهْب (٣)، وابنُ القاسم، وابنُ بُكير، ومُطرِّفٌ، وابنُ نافع، والقَعْنَبيُّ (٤)، عن مالك في هذا الحديث: حَنْطَبٌ، لا حُوَيْطِبٌ، وهو الصوابُ إن شاء الله.

стр. 8010

وهو المُطَّلبُ بنُ عبدِ الله بنِ المُطَّلب بنِ حنطب المَخْزوميُّ (١)، عامةُ أحاديثِه مراسيل، ويُرْسِلُ عن الصحابة، يحدِّثُ عنهم ولم يسمَعْ منهم، وهو تابعيٌّ مدنيٌّ ثقةٌ، يقولون: أدْرَك جابرًا. واختُلِف في سماعِه من عائشة، وحدَّث عن ابنِ عُمرَ، وأبي هُريرة، وأبي قَتادة، وأُمِّ سَلَمة، وأبي موسى، وأبي رافع، ولم يسمَعْ من واحدٍ منهم (٢). وليس هذا الحديثُ عند القَعْنبيِّ في "الموطأ"، وهو عندَه في الزيادات، وهو آخرُ حديثٍ في كتاب الجامع من "موطَّأ ابنِ بُكير"، وهو حديثٌ مرسلٌ. وقد روَى العلاءُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى (٣)، حدَّثنا عليُّ بنُ محمد، حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، قال: حدَّثنا سُحْنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال (٤): أخبرني عبدُ العزيز بنُ محمد،

стр. 8011

عن العلاءِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنه قيل: يا رسول الله، ما الغيبةُ؟ فقال: "ذِكْرُك أخاكَ بما يكرَهُ". قال: أرأيتَ إن كان في أخي ما أقولُ؟ قال: "إنْ كان فيه ما تقولُ فقد اغتَبتَه، وإنْ لم يكنْ فيه ما تقولُ فقد بهَتَّه". حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الله بنِ مُغيث، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ المُستفاض، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ العلاءَ بنَ عبدِ الرحمن يحدِّثُ، عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "هل تَدْرون ما الغِيبَةُ؟ ". قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "ذِكْرُك أخاكَ بما يكْرَهُ". قال: أرأيتَ إن كان في أخي ما أقولُ؟ قال: "إنْ كان فيه ما تقولُ فقد اغتَبتَه، وإنْ لم يكنْ فيه ما تقولُ فقد بهَتَّه" (١). قال أبو عُمر: رواه جماعةٌ عن العلاءِ كما رواه شعبةُ سواءً، وهذا حديثٌ يخرَّجُ في التفسير المسنَدِ في قولِ الله : ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]. فبيَّن رسول الله ﷺ الغِيبةَ، وكيف هي، وما هي، وهو المبيِّنُ عن الله ﷺ . حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أسامة بنِ عبدِ الرحمن بنِ أبي السَّمْح، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: حدَّثنا ابنُ زيد (٢)، قال: قال محمدُ بنُ المنكَدِر: رأيتُ النبيَّ ﷺ في

стр. 8012

النوم خرَج من هذا البيت، فمرَّ برجُلَين أعرِفُهما وأعرِفُ أنسابَهما، فقال: عليكُما لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين؛ فإنَّكما لا تُؤمنان باللّه ولا باليوم الآخر. فقلت: أجلْ يا رسول الله ﷺ ، فعليهما لعنةُ الله والملائكةِ والناس أجمعين، فما ذنْبُهما؟ قال: ذنْبُهما أنّهما يأكُلانِ لُحومَ الناس. قال أبو عُمر: يصحِّحُ هذا قولُه ﷺ : "مَن كان يُؤمنُ بالله واليوم الآخر فليقُلْ خيرًا أو ليسكُتْ" (١). وهذا وما كان مثلَه إنما معناه نقصانُ الإيمانِ وعدمُ كمالِه، لا الكفرُ، وقد بيَّنَّا مثلَ هذا في غيرِ موضع. والحمدُ لله. أخبرنا عبدُ الرحمن (٢)، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحْنون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب (٣)، عن ابنِ لَهِيعة، قال: أخبَرني سُليمانُ بنُ كَيْسانَ، قال: كان عمرُ بنُ عبدِ العزيز إذا ذُكِر عندَه رجلٌ بفضل أو صَلاح، قال: كيفَ هو إذا ذُكِر عندَه إخوانُه؟ فإن قالوا: إنه ينتقِصُهم وينالُ منهم. قال عُمر: ليس هو كما تقولون. وإن قالوا: إنه يذكُرُ منهم جميلًا وخيرًا، ويُحسِنُ الثناءَ عليهم. قال: هو كما تقولون إن شاء الله.

стр. 8013

قال أبو عُمر: يكفي في ذمِّ الغيبةِ قولُ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢]. قال الشاعر (١): احذَرِ الغِيبةَ فَهْي الْـ .. ـفِسقُ لا رُخْصةَ فيهِ إنَّما المُغْتابُ كالآ .. كِلِ مِنْ لحمِ أخيهِ وروَى ابنُ عُليّة (٢)، عن يونسَ بنِ عُبيد، عن محمدِ بنِ سيرين، قال: ظُلْمٌ لأخيك المسلم أن تقولَ أسوأَ ما تعلَمُ فيه. وعن الحسَن البَصْريِّ أنَّه سأله رجلٌ فقال: يا أبا سعيد، اغتبتُ فلانًا وأنا أُريدُ أن أستحِلَّه؟ فقال: لم يكفِك أن اغتبتَه حتى تُريدَ أن تبهتَه! وعن قُتيبةَ بنِ مُسلم أنَّه سَمِعَ رجلًا يغتابُ آخرَ، فقال: أمسِكْ عليك، فوالله لقد مضَغْتَ مُضغةً طالما لفظَها الكِرام (٣). وعن عُتبةَ بنِ أبي سُفيانَ أنه قال لابنه عَمْرو: إياك واستماعَ الغِيبة، نزِّهْ سمعَك عن الخَنا (٤)، كما تنزِّهُ لسانَك عن البَذا، فإن المستمعَ شريكُ القائل، وإنما نظَر إلى أخبثِ ما يكونُ في وعائه، فألقاها في وعائك.

стр. 8014

ولقد أحسن القائل (١): تحرَّ من الطُّرْقِ أوساطَها .. وعَدِّ عن الموضعِ المُشْتَبِهْ وسمعَك صُنْ عن سماعِ القبيـ .. ـح كصونِ اللسانِ عن القولِ بِهْ فإنَّك عندَ استماعِ القبيـ .. ـحِ شريكٌ لقائلِه فانْتَبِهْ وهذا مأخوذ من قولِ كَعْبِ بنِ زُهير (٢)، واللهُ أعلم: فالسامعُ الذَّمّ شريكٌ له ... ومُطْعِمُ المأكولِ كالآكِلِ وكان أبو حازم (٣) يقول: أرْبَحُ التِّجارةِ ذِكْرُ الله، وأخسَرُ التِّجارةِ ذِكْرُ الناس. يعني بالشرِّ.

стр. 8015

وهذا بابٌ يَحتمِلُ أن يُفرَدَ له كتابٌ، وقد أكثَر العلماءُ والحكماءُ من ذمِّ الغِيبةِ والمُغتاب، وذمِّ النَّمِيمةِ والنمَّام، وجاء عنهم في ذلك من نَظْم الكلام ونَثْرِه ما يطولُ ذِكْرُه، ومَن وُفِّق كفاهُ من الحكمةِ يسيرُها إذا استعمَلها، وما توفيقي إلا بالله. وقد ذكَرنا في كتاب "بهجةِ المجالس" (١) في باب الغِيبةِ من النظم والنثر ما فيه الكفايةٌ، والحمدُ لله. ومن أحسنِ ما قيل في هذا المعنى قولُ القائل (٢): إن شرَّ الناسِ من يَكْشِرُ (٣) لي .. حينَ يَلْقاني وإن غبتُ شَتَمْ ويُحَيِّيني إذا لاقيتُه و .. إذا يخلو له لَحْمِي كَدَمْ (٤) وكلامٌ سيئٌ قد وُقِرتْ .. منه أُذْنايَ وما بي مِن صَمَمْ في لا يراني راتعًا في مجلسٍ .. في لحومِ الناسِ كالسَّبع الضَّرِمْ (٥) أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ عبدِ الله الشافعيُّ ببغدادَ إملاءً، يومَ الجمعةِ سنةَ تسعٍ وأربعينَ وثلاث مئة، قال: حدَّثنا

стр. 8016

عبدُ الله بنُ رَوْحٍ المدائنيُّ، قال: حدَّثنا شبَابةُ بنُ سوّار، قال: حدَّثنا المُغيرةُ بنُ مُسلم، عن يحيى البَكّاء، قال: كنتُ عندَ ابنِ عُمرَ فجاءهُ رجلٌ فوقعَ في الحجّاج وشتَمَه، فقال ابنُ عُمر: أرأيتَ لو كان شاهدًا، أكُنتَ تقولُ هذا؟ فقال: لا، فقال: كُنّا نعُدُّ هذا نِفاقًا على عهدِ رسول الله ﷺ (١).

стр. 8017

بابُ الياء يزيدُ بنُ خُصَيفة ثلاثةُ أحاديثَ وهو يزيدُ بنُ خُصَيفةَ (١) بنِ يزيدَ بنِ عبدِ الله الكِنْديُّ، ابنُ أخي السائبِ بنِ يزيدَ الكِنْديِّ، وكان ثقةً مأمونًا محدِّثًا محُسِنًا، لا أقفُ له على وفاة (٢)، روَى عنه جماعةٌ من أهلِ الحجاز.

стр. 8018

حديث أوّل ليزيد بن خُصيفة مالكٌ (١)، عن يزيدَ بنِ خُصَيفة، عن عُروةَ بنِ الزُّبير، أنه قال: سمِعتُ عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ تقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يُصيبُ المؤمنَ مصيبةٌ، حتى الشوكةُ، إلا قُصَّ بها، أو كُفِّر بها، من خطاياهُ". لا يدري أيهما قال عُروة. لم يختلفِ الرواةُ عن مالكٍ في هذا الحديثِ في "الموطأ" (٢)، وتفرَّد ابنُ وَهْبٍ فيه بإسنادٍ آخرَ عن مالك، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ، عن عائشة (٣). وسائرُ أصحابِ مالكٍ يروُونه عنه، عن يزيدَ بنِ خُصيفةَ كما في "الموطأ". ورواه هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة موقوفًا. هكذا حدَّث به عن هشام؛ حمادُ بنُ سَلَمةَ والدراوَرْديُّ. ورواه يزيدُ بنُ الهادِ، عن أبي بكرِ بنِ حَزْم، عن عَمْرةَ، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ مرفوعًا (٤)، وهو مرفوعٌ صحيحٌ. وقد رُوي من حديثِ ابنِ شهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ مرفوعًا (٥). وفيه دليلٌ على أنَّ الذنوبَ تكفِّرُها المصائبُ والآلامُ والأمراضُ والأسقامُ، وهذا أمرٌ مجتمَعٌ عليه، والحمدُ للّه.

стр. 8019

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن جامعِ بنِ شدّاد، عن عُمارةَ بنِ عُمير، عن أبي معمر، عن عبدِ الله بنِ مسعود؛ قال: إنّ الوَجَعَ لا يُكتَبُ به الأجرُ. وكان إذا حدَّثنا شيئًا لم نسألْهُ حتَّى يُفسِّرَه لنا. قال: فكبُرَ ذلك علينا، فقال: ولكنْ تُكفَّرُ به الخطيئة (١).

стр. 8020

حديثٌ ثانٍ ليزيدَ بنِ خُصَيفة مالكٌ (١)، عن يزيدَ بنِ خُصَيفة، أنَّ السائبَ بنَ يزيدَ أخبَره، أنه سَمِعَ سُفيانَ بنَ أبي زُهير - وهو من أزْدِ شَنُوءةَ من أصحابِ رسول الله ﷺ وهو يحدِّثُ ناسًا معه عند بابِ المسجد فقال: سمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنِ اقْتنَى كلبًا لا يُغْني عنه زَرْعًا ولا ضَرْعًا، نقَص من عمَلِه كلَّ يوم قِيْراطٌ". قال: أنتَ سمِعتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: إي وربِّ هذا المسجد. في هذا الحديثِ إباحةُ اتخاذِ الكلابِ للزَّرْع والماشية، وهو حديثٌ ثابتٌ، وقد ثبَت عنه أيضًا ﷺ إباحةُ اتخاذِه للصيد، فحصَلت هذه الوجوهُ الثلاثةُ مُباحةً بالسُّنَّة الثابتة، وما عدَاها فداخلٌ في باب الحَظْر، وقد أوضَحنا ما في هذا الباب من المعاني في باب نافع من هذا الكتاب (٢)، والحمدُ لله. قال أبو عُمر: احتجَّ بهذا الحديثِ ومثلِه مَن ذهَب إلى إجار بيعِ الكلبِ المُتَّخَذِ للزرعِ والماشيةِ والصيد؛ لأنه يُنتفَعُ به (٣) في ذلك. قال: وكلُّ ما يُنتفعُ به فجائزٌ شراؤُه وبيعُه، ويَلزمُ قاتلَه القيمةُ؛ لأنه أتْلَف منفعةَ أخيه. وقد ذكَرْنا اختلافَ الفُقهاء في هذا الباب كلِّه أيضًا في بابِ ابنِ شهاب (٤)، عن أبي بكرِ بنِ عبد الرحمن، عن أبي مسعود: أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن ثمَنِ الكَلْب، ولا معنى لتكريرِ ذلك هاهنا.

стр. 8021

حديثٌ ثالثٌ ليزيدَ بنِ خُصَيفةَ مالكٌ (١)، عن يزيدَ بنِ خُصَيفة، أنَّ عَمْرَو بنَ عبدِ الله بنِ كَعْبٍ السَّلميَّ (٢) أخبَره، أنَّ نافعَ بنَ جُبيرٍ أخبَره، عن عثمانَ بنِ أبي العاص، أنه أتى رسول الله ﷺ . قال عثمان: وبي وَجَعٌ قد كاد يُهلِكُني. قال: فقال رسول الله ﷺ : "امْسَحْه بيمينِك سبعَ مرّات وقل: أعوذُ بعِزّةِ الله وقُدْرَته من شرِّ ما أجدُ". قال: فقلت ذلك، فأذهَبَ اللهُ ما كان بي، فلم أزَلْ آمُرُ بذلك أهلي ومَن أطاعَني. هكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ الرواةِ وجمهورُهم عن مالك (٣). وروتَه طائفةٌ عن مالك، عن يزيدَ بنِ خُصَيفة، عن رجل أخبَره، أن نافعَ بنَ جبيرِ بنِ مُطْعِم أخبَره، أن عثمانَ بنَ أبي العاص أتى رسول الله ﷺ . الحديث. في هذا الحديث دليلٌ (٤) واضحٌ على أنَّ صفاتِ الله غيرُ مخلوقة؛ لأنَّ الاستعاذةَ لا تكونُ بمخلوق.

стр. 8022

وفيه أنَّ الرَّقْيَ يدفَعُ البلاءَ وَيكشِفُه اللهُ به، وهو من أقوى معالجةِ الأوجاع لِمَن صحِبَه اليقينُ الصحيحُ والتوفيقُ الصريحُ. وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكّلتُ، وهو ربُّ العرش العظيم. أخبرنا عبدُ الرَّحمن (١)، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحْنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب، قال: أخبَرني نافعُ بنُ جبيرِ بنِ مُطْعِم، عن عثمانَ بنِ أبي العاص الثقفيِّ، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وَجَعًا يجِده في جسَدِه منذُ أسلَمَ، فقال رسول الله ﷺ : "ضَعْ يدَكَ على الذي يألَمُ من جسَدِك وقُلْ: باسمِ الله ثلاثًا، وقُلْ سبعَ مرّات: أعوذُ باللّه وقُدْرتِه من شرِّ ما أجِدُ وأُحاذِرُ" (٢).

стр. 8023

مالكٌ عن يزيدَ بنِ رُومانَ أبي روْحٍ حديثٌ واحدٌ ويزيدُ بنُ رُومانَ هذا مولى الزُّبير بنِ العوّام (١)، كان أحدَ قُرّاءِ أهلِ المدينة، وكان عالمًا بالمغازي؛ مغازي رسول الله ﷺ ، وكان ثقةً، سكَنَ المدينةَ، وبها كانت وفاتُه سنةَ ثلاثينَ ومئة. مالكٌ (٢)، عن يزيدَ بنِ رُومان، عن صالحِ بنِ خَوّات، عمّن صلَّى مع النبيِّ ﷺ يومَ ذاتِ الرِّقاع صَلاةَ الخَوْف، أن طائفةً صفَّت معه، وطائفةٌ وُجاهَ العدوِّ، فصلَّى بالتي معه رَكعةً، ثم ثبَت قائمًا وأتمُّوا لأنفُسِهم، ثم انصرَفوا فصفُّوا وُجاهَ العَدُوِّ، وجاءتِ الطائفةُ الأخرى فصلَّى بهمُ الرَّكعةَ التي بَقِيَتْ من صلاتِه، ثم ثبتَ جالسًا وأتمُّوا لأنفُسِهم، ثم سلَّم بهم. لم يُختلَفْ عن مالك في إسنادِ هذا الحديث ومتنِه (٣). ورواه أبو أُوَيس، عن يزيدَ بنِ رُومان، عن صالح بنِ خَوّات، عن أبيه خَوّاتِ بنِ جُبير، فذكَر معناه (٤).

стр. 8024

ورواه عبدُ الله بنُ عُمر، عن أخيه عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن القاسم بنِ محمد، عن صالحِ بنِ خَوّات، عن أبيه خوّات مختصرًا بمعناه (١). ورواه شعبة، عن عبدِ الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن صالحِ بنِ خَوّات، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ مرفوعًا، ولم يُختلَفْ عن شعبةَ في إسنادِه هذا، واختُلِف عنه في متنِه على ما قد ذكَرناه في باب نافع (٢) من هذا الكتاب. وعند مالك (٣) فيه حديثُه عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بنِ محمد، عن صالحِ بنِ خَوّات، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ موقوفًا. وإلى حديثِ مالكٍ عن يزيدَ بنِ رُومانَ المذكور في هذا الباب ذهب الشافعيُّ (٤) ﵀ وأصحابُه في صلاةِ الخوف، وبه قال داود. وهو قولُ مالكٍ أيضًا (٥)، إلا أنّ ابنَ القاسم (٦) ذكَر عنه أنه رَجَع إلى حديثِ القاسم بنِ محمدٍ في ذلك، والخلافُ إنما هو في موضع واحد، وذلك أنَّ الإمامَ عندَه لا ينتظرُ الطائفةَ الثانيةَ إذا صلَّى بها رَكْعةً، ولكن يُسلِّم، ثم تقومُ تلك الطائفةُ فتقضي لأنفسِها؛ ذهَب في ذلك إلى حديثه (٧) عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بنِ محمد، عن صالح بنِ خَوّات، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ.

стр. 8025

قال ابنُ القاسم (١): كان مالكٌ يقول: لا يسلِّمُ الإمامُ حتى تقومَ الطائفةُ الثانيةُ فتُتِمَّ لأنفُسِها، ثم يُسلِّمُ بهم؛ على حديثِ يزيدَ بنِ رُومانَ، ثمّ رجَعَ إلى حديثِ القاسم بنِ محمدٍ أنَّ الإمامَ يُسلِّمُ ثمّ تقومُ الطائفةُ الثانيةُ فيَقضُونَ. قال أبو عُمر: لأهل العلم أقاويلُ مختلفةٌ، ومذاهبُ مُتَباينةٌ في صلاة الخوفِ قد ذكَرْناها وذكَرْنا الآثارَ التي بها نزَعَ كلُّ فريقٍ منهم، ومنها: قال: وإليها ذهبَ؛ وأوضَحْنا ذلك ومهّدْناهُ بحُجَجِه ووُجُوهِه وعِلَلِه في باب نافع (٢) من هذا الكتاب، والحمدُ لله. وأمّا قولُه: "يومَ ذاتِ الرِّقاع" فهي غَزاةٌ معروفةٌ عندَ جميعِ أهلِ العلم بالمغازي، واختُلِفَ في المعنَى الذي سُمِّيتْ به ذاتُ الرِّقاع، فذَكَر الأخفَشُ عن أبي أُسامة، عن بُرَيدِ بنِ أبي بُرْدةَ، عن أبي بُردةَ، عن أبي موسى، قال: خرَجْنا مع رسول الله ﷺ في غَزاةٍ، فكُنّا نمْشي على أقدامِنا حتى نُقِبَتْ (٣)، فكُنّا نشُدُّها بالخِرَقِ ونعْصِبُ عليها العَصائبَ، فسُمِّيتْ غزوةَ ذاتِ الرِّقاع. قال أبو بُردةَ: فلمّا حدَّث أبو موسى بهذا الحديث نَدِمَ، وقال: ما كنّا نصنَعُ بذِكْرِ هذا. كأنّه كَرِهَ أن يذكُرَ شيئًا من عمَلِه الصالح (٤). وقال غيرُه: إنّما سُمِّيت ذاتَ الرِّقاع؛ لأنهم رقّعُوا فيها راياتِهم، والراياتُ دونَ البُنودِ (٥) وفوقَ الطِّراداتِ (٦) إلى البُنودِ ما هي. وقيل: كانت أرضًا ذات ألوان، وقيل: إنَّ ذاتَ الرِّقاع شجرةٌ نزلُوا تحتَها وانصَرفُوا يومئذٍ عن مُوادَعَةٍ من غيرِ قتال (٧).

стр. 8026

يزيد بن الهادِ وهو يزيدُ بنُ عبدِ الله بنِ أُسامةَ بنِ الهادِ (١)، ابنُ أخي عبدِ الله بنِ شدّادِ بن الهادِ اللَّيثي، من أنفُسِهم، ويُكْنَى أبا عبدِ الله، وكان أعْرجَ، وهو أحدُ ثقاتِ المُحدِّثينَ بالمدينة، وتوفّي بها في سنةِ تسعٍ وثلاثينَ ومئة. روَى عنه جماعةٌ من الأئمّة، منهم: مالكٌ، واللَّيثُ. حدَّثنا عبدُ الوارث بنِ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٢): سُئل يحيى بنُ معين، عن يزيدَ بنِ الهادِ فقال: ثقةٌ. لمالك عنه من مرفوعاتِ الموطّأ ثلاثةُ أحاديثَ مُسنَدةٌ وبالله تعالى التوفيق.

стр. 8027

حديثٌ أوَّل ليزيد بن الهادِ مالكٌ (١)، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيميِّ، عن أبي سَلَمة بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هريرة أنه قال: خرَجْتُ إلى الطُّورِ فلَقِيتُ كعبَ الأحبار، فجَلَسْتُ معه فحدَّثَني عن التّوراة، وحدّثْتُه عن رسول الله ﷺ ، فكان فيما حدّثْتُه أنْ قلتُ: قال رسول الله ﷺ : "خيرُ يومٍ طلَعَتْ عليه الشَّمس يومُ الجُمُعةِ، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه أُهْبِطَ، وفيه تِيْبَ عليه، وفيه ماتَ (٢)، وفيه تقومُ الساعةُ؛ وما من دابّةٍ إلا وهي مُصِيْخَةٌ يومَ الجُمُعة، من حينِ يُصبحُ حتَّى تَطْلُعَ الشمسُ شفَقًا منَ الساعة؛ إلا الجِنَّ والإنسَ؛ وفيه ساعةٌ لا يُصادِفُها عبدٌ مسلمٌ وهو يُصلِّي يسأل اللهَ شيئًا إلّا أعطاهُ إيَّاهُ". قال كعبٌ: ذلك في كلِّ سنةٍ مرّةً. فقلت: بل في كلّ جُمعةٍ، فقرأ كعبٌ التوراة، فقال: صدَقَ رسول الله ﷺ . قال أبو هريرة: فلَقيتُ بَصْرَةَ بنَ أبي بَصْرَةَ الغِفارِيَّ فقال: من أينَ أقبلْتَ؟ فقلت: من الطُّور، فقال: لو أدركْتُكَ قبلَ أن تخرُجَ إليه ما خرَجْتَ، سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا تُعمَلُ المَطِيُّ إلّا إلى ثلاثةِ مساجد: إلى المسجدِ الحرام، أو إلى مسجدي هذا، أو إلى مسجدِ إيلياءَ، أو بيتِ المقدِس؛ يشُكُّ. قال أبو هُريرة: ثمّ لَقِيتُ عبدَ الله بنَ سَلَام فحدّثتُه بمَجْلسي مع كَعْب وما حدَّثتُه به في يومِ الجُمُعة، فقلت: قال كَعْب: ذلك في كلِّ سنةٍ مرّةً، قال: قال عبدُ الله بنُ سَلَام: كذَبَ (٣) كعبٌ؟ فقلت: ثمّ قرأ كعبٌ التّوراةَ فقال: بل هي في كلِّ جُمُعة، قال عبدُ الله بنُ سَلَام: صدَقَ كعبٌ، ثم قال عبدُ الله بنُ سَلَام:

стр. 8028

قد علِمْتُ أيةَ ساعةٍ هي، فقال أبو هريرة: أخبِرْني بها، ولا تضَنَّ عليَّ، فقال عبدُ الله بنُ سَلَام: هي آخِرُ ساعةٍ في يوم الجُمعة. قال أبو هريرة: فقلت: كيف تكونُ آخِرَ ساعةٍ في يوم الجُمعة، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يُصادِفُها عبدٌ مُسلمٌ وهو يُصلِّي؟ وتلكَ الساعة لا يُصلَّى فيها؟ فقال عبدُ الله بنُ سَلَام: ألمْ يقُل رسول الله ﷺ : "مَنْ جلسَ مجلسًا ينتظرُ الصَّلاةَ فهو في صلاةٍ حتَّى يُصلِّي"؟ قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال: فهو ذلك. قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا ساقَ هذا الحديثَ أحسنَ سِياقةً من مالكٍ عن يزيدَ بن الهادِ، ولا أتمَّ معنًى منه فيه، إلّا أنه قال فيه: "بَصْرَةَ بنَ أبي بَصْرَةَ" ولم يُتابعْهُ أحد عليه، وإنّما الحديثُ معروفٌ لأبي هريرة: "فلَقِيتُ أبا بَصْرَةَ الغِفاريَّ"، كذلك رواه يحيى بنُ أبي كثيرٍ عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة (١)، وكذلك رواه سعيدُ بنُ المسيِّبِ وسعيد المقبُريُّ عن أبي هريرة - كلُّهم يقولُ فيه: "فلَقِيتُ أبا بَصْرَةَ الغِفاريَّ" لم يقُلْ واحد منهم: "فلَقِيتُ بَصْرَةَ بنَ أبي بَصْرَةَ" (٢) كما في حديث مالكٍ عن يزيدَ بنِ الهادِ، وأظُنُّ الوهمَ فيه جاء مِنْ قِبَل مالك، أو من قِبَلِ يزيدَ بنِ الهادِ، واللهُ أعلم (٣).

стр. 8029

وفيه من الفقهِ والعلم ضُروبٌ: فأمّا قوله: "خرجتُ إلى الطُّور" فقد بانَ في الحديث أنّه لم يخرُجْ إليه إلا تبرُّكًا به ليُصلِّيَ فيه، ولهذا المعنى لا يجبُ الخروجُ إلّا إلى الثلاثةِ المساجدِ المذكورةِ في هذا الحديث، وعلى هذا جماعةُ العُلماء فيمَن نذَرَ الصلاةَ في هذه الثلاثةِ المساجد، أو في أحدها أنه يلْزَمه قصْدُها لذلك، ومن نذَرَ صلاةً في مسجدٍ سِواها،

стр. 8030

صلّى في موضِعِه ومسجِدِه ولا شيءَ عليه، ولا يعرفُ العلماءُ غيرَ الثلاثةِ المساجدِ المذكورةِ في هذا الحديث: المسجدِ الحرام، ومسجدِ الرّسول، ومسجدِ بيتِ المقدس لا يجري عندَهم مجراها شيءٌ من المساجدِ سواها. وقد روى محمّدُ بنُ خالدٍ الجَنَدي، عن المثنّى بنِ الصبّاح، عن عَمْرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسول الله ﷺ : "تُعْمَلُ الرِّحالُ إلى أربعةِ مساجد: إلى المسجدِ الحرام، ومسْجِدي هذا، والمسْجدِ الأقصى، وإلى مسجدِ الجَنَد" (١). قال أبو عُمر: هذا حديث مُنكَرٌ لا أصلَ له، ومحمدُ بن خالدٍ الجَنَديُّ والمثنّى بنُ الصبّاح متروكان، ولا يثبتُ من جهة النَّقْل، والجَنَد باليمن بلدُ طاووس. قال أبو عُمر: من كانت له حاجةٌ من حوائج دُنياهُ إلى ناحية الطُّور، فليس خروجُه إلى ذلك من هذا في شيء. وأما قوله: "فلَقِيتُ كعبَ الأحبار" فكعبُ الأحبار: هو كعبُ بنُ ماتِع، يُكْنى أبا إسحاق، من آل ذي رُعَيْنٍ من حِمْيرَ؛ ذكَر الغَلابيُّ عن ابن مَعين (٢) قال: هو كعبُ بن ماتِع، من ذي هَجَر الحِمْيَريِّ. قال أبو عُمر: قيل أسلَمَ كعبُ الأحبارِ في زَمَنِ عمرَ بنِ الخطّاب، وقيل: كان إسلامُه قبلَ ذلك، وهو من كِبارِ التابعينَ وعُلمائهم وثِقاتهم، وكان من أعلَم الناسِ بأخبار التّوراة، وكان حَبْرًا من أحبارِ يهود، ثم أسلَمَ فحَسُنَ إسلامُه، وكان

стр. 8031

له فهْمٌ ودِينٌ، وكان عمرُ يرضى عنه وربّما سأله، وتوفِّي في خلافة عثمانَ سنةَ أربع وثلاثينَ قبلَ أن يُقتَلَ عثمانُ بعام (١). وفيه الإباحةُ في الحديثِ عن التَّوراة لأهلِ العلم بها، وسماعُ ذلك مُباحٌ ممّن لا يُتَّهمُ بالكذب، إلا أنّ الحُكمَ في الحديثِ عن أهل الكتابِ ما قد ذكَرناهُ في آخِر كتاب العلم (٢). فمَن تأمَّل هذا المعنى هناك اكتَفَى إن شاءَ الله. وفيه أنّ خيرَ الأيام يومُ الجُمُعة، وهذا على الإطلاق والعُموم، وفي ذلك دليل على أنّ الأيامَ بعضُها أفضَلُ من بَعْض، ولكنِ الفضائلُ في ذلك لا تُعلَمُ إلا بتَوقيف، ولا تُدرَكُ بقياس. وذكَرَ موسى بنُ معاوية، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مُجاهد، عن عبدِ الله بنِ ضَمْرة، عن كَعْبِ الأحبار، قال: الصّدَقةُ يومُ الجُمعةِ تُضاعَفُ. قال: وحدَّثنا محمدُ بنُ فُضَيل، عن حُصَين، عن هلال بن يِساف، عن كَعْبِ الأحبار، أنه قال في يوم الجُمعة: إنّه لتُفْزَعُ فيه الخلائقُ كلُّها إلا الجنَّ والإنس، وإنه لتُضَعَّفُ فيه الحَسَنة، وإنه يومُ القيامة. وفيه الخَبرُ عن خلْقِ آدم وهُبُوطِه إلى الأرض، وإنه قد تِيْبَ عليه من خَطيئتِه، وذلك والحمدُ لله ثابتٌ بنَصِّ التّنزيل الذي لا يجوزُ عليه التّحريفُ والتّبديلُ، ولكن ليس في القرآنِ أنّ ذلك كان يومَ جُمُعة. وفيه دليلٌ على إباحةِ الحديثِ عمّا يأتي ويكون، وهذا من عِلْم الغَيب، فما كان منه عن الأنبياءِ الذين يجوزُ عليهم إدراكُ بعضِه من جهةِ الرِّسالةِ أو عمَّن أضافَ إلى الله ذلك بخبرِ كُتُبِه أو رُسُلِه، فذلك جائزٌ؛ وقيامُ الساعةِ منَ الغيبِ الذي لم

стр. 8032

يطَّلعْ عليه أحدٌ على حقيقة، ونحن - وإن علِمْنا أنها تقومُ يومَ جُمعةٍ بهذا الحديث - فلَسْنا نَدْرِي أيَّ جُمُعةٍ هي؟ وقد سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن الساعةِ وقيامِها، فقال: "ما المسؤولُ عنها بأعلَمَ منَ السائل" وقد سأل عنها جبريلَ فقال نحوَ ذلك (١)، وقال اللهُ : ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّيِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وقد أخبرَ رسولُ الله ﷺ عن شُروطٍ وعلاماتٍ تكونُ قبلَها، وقد ظهرَ أكثرُها أو كثيرٌ منها، وقال الله : ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وأما قوله: "وما مِنْ دابّةٍ إلّا وهي مُصِيْخَةٌ" فالإصاخةُ: الاستماعُ، وهو ها هنا استماعُ حذَرٍ وإشفاق، وخشيةِ الفُجاءةِ والبَغْتِة، وأما أصلُ الكلمةِ في اللُّغة: فالاستماعُ. قال أعرابيٌّ: وحديثُها كالقَطْرِ يسْمَعُه .. راعي سِنينَ تتابَعَتْ جَدْبَا فأصاخَ يرْجُو أن يكُونَ حيًّا .. ويقولُ مِنْ فَرَحٍ أيا ربّا (٢) وقال آخَرُ: لمْ أرُمْ حتَّى إذا أصاخَا .. صَرَخْتُ لو يَسْمَعُ الصُّراخَا وقال أُميّةُ بنُ أبي الصَّلْت: فهُم عند ربٍّ يَنظُرونَ قضاءَهُ .. يُصِيخُونَ بالأسماعِ للوَحْي رُكَّدُ (٣)
следующие страницы →