← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8028–8067 · переход к 8033.

стр. 8028

قد علِمْتُ أيةَ ساعةٍ هي، فقال أبو هريرة: أخبِرْني بها، ولا تضَنَّ عليَّ، فقال عبدُ الله بنُ سَلَام: هي آخِرُ ساعةٍ في يوم الجُمعة. قال أبو هريرة: فقلت: كيف تكونُ آخِرَ ساعةٍ في يوم الجُمعة، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يُصادِفُها عبدٌ مُسلمٌ وهو يُصلِّي؟ وتلكَ الساعة لا يُصلَّى فيها؟ فقال عبدُ الله بنُ سَلَام: ألمْ يقُل رسول الله ﷺ : "مَنْ جلسَ مجلسًا ينتظرُ الصَّلاةَ فهو في صلاةٍ حتَّى يُصلِّي"؟ قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال: فهو ذلك. قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا ساقَ هذا الحديثَ أحسنَ سِياقةً من مالكٍ عن يزيدَ بن الهادِ، ولا أتمَّ معنًى منه فيه، إلّا أنه قال فيه: "بَصْرَةَ بنَ أبي بَصْرَةَ" ولم يُتابعْهُ أحد عليه، وإنّما الحديثُ معروفٌ لأبي هريرة: "فلَقِيتُ أبا بَصْرَةَ الغِفاريَّ"، كذلك رواه يحيى بنُ أبي كثيرٍ عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة (١)، وكذلك رواه سعيدُ بنُ المسيِّبِ وسعيد المقبُريُّ عن أبي هريرة - كلُّهم يقولُ فيه: "فلَقِيتُ أبا بَصْرَةَ الغِفاريَّ" لم يقُلْ واحد منهم: "فلَقِيتُ بَصْرَةَ بنَ أبي بَصْرَةَ" (٢) كما في حديث مالكٍ عن يزيدَ بنِ الهادِ، وأظُنُّ الوهمَ فيه جاء مِنْ قِبَل مالك، أو من قِبَلِ يزيدَ بنِ الهادِ، واللهُ أعلم (٣).

стр. 8029

وفيه من الفقهِ والعلم ضُروبٌ: فأمّا قوله: "خرجتُ إلى الطُّور" فقد بانَ في الحديث أنّه لم يخرُجْ إليه إلا تبرُّكًا به ليُصلِّيَ فيه، ولهذا المعنى لا يجبُ الخروجُ إلّا إلى الثلاثةِ المساجدِ المذكورةِ في هذا الحديث، وعلى هذا جماعةُ العُلماء فيمَن نذَرَ الصلاةَ في هذه الثلاثةِ المساجد، أو في أحدها أنه يلْزَمه قصْدُها لذلك، ومن نذَرَ صلاةً في مسجدٍ سِواها،

стр. 8030

صلّى في موضِعِه ومسجِدِه ولا شيءَ عليه، ولا يعرفُ العلماءُ غيرَ الثلاثةِ المساجدِ المذكورةِ في هذا الحديث: المسجدِ الحرام، ومسجدِ الرّسول، ومسجدِ بيتِ المقدس لا يجري عندَهم مجراها شيءٌ من المساجدِ سواها. وقد روى محمّدُ بنُ خالدٍ الجَنَدي، عن المثنّى بنِ الصبّاح، عن عَمْرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسول الله ﷺ : "تُعْمَلُ الرِّحالُ إلى أربعةِ مساجد: إلى المسجدِ الحرام، ومسْجِدي هذا، والمسْجدِ الأقصى، وإلى مسجدِ الجَنَد" (١). قال أبو عُمر: هذا حديث مُنكَرٌ لا أصلَ له، ومحمدُ بن خالدٍ الجَنَديُّ والمثنّى بنُ الصبّاح متروكان، ولا يثبتُ من جهة النَّقْل، والجَنَد باليمن بلدُ طاووس. قال أبو عُمر: من كانت له حاجةٌ من حوائج دُنياهُ إلى ناحية الطُّور، فليس خروجُه إلى ذلك من هذا في شيء. وأما قوله: "فلَقِيتُ كعبَ الأحبار" فكعبُ الأحبار: هو كعبُ بنُ ماتِع، يُكْنى أبا إسحاق، من آل ذي رُعَيْنٍ من حِمْيرَ؛ ذكَر الغَلابيُّ عن ابن مَعين (٢) قال: هو كعبُ بن ماتِع، من ذي هَجَر الحِمْيَريِّ. قال أبو عُمر: قيل أسلَمَ كعبُ الأحبارِ في زَمَنِ عمرَ بنِ الخطّاب، وقيل: كان إسلامُه قبلَ ذلك، وهو من كِبارِ التابعينَ وعُلمائهم وثِقاتهم، وكان من أعلَم الناسِ بأخبار التّوراة، وكان حَبْرًا من أحبارِ يهود، ثم أسلَمَ فحَسُنَ إسلامُه، وكان

стр. 8031

له فهْمٌ ودِينٌ، وكان عمرُ يرضى عنه وربّما سأله، وتوفِّي في خلافة عثمانَ سنةَ أربع وثلاثينَ قبلَ أن يُقتَلَ عثمانُ بعام (١). وفيه الإباحةُ في الحديثِ عن التَّوراة لأهلِ العلم بها، وسماعُ ذلك مُباحٌ ممّن لا يُتَّهمُ بالكذب، إلا أنّ الحُكمَ في الحديثِ عن أهل الكتابِ ما قد ذكَرناهُ في آخِر كتاب العلم (٢). فمَن تأمَّل هذا المعنى هناك اكتَفَى إن شاءَ الله. وفيه أنّ خيرَ الأيام يومُ الجُمُعة، وهذا على الإطلاق والعُموم، وفي ذلك دليل على أنّ الأيامَ بعضُها أفضَلُ من بَعْض، ولكنِ الفضائلُ في ذلك لا تُعلَمُ إلا بتَوقيف، ولا تُدرَكُ بقياس. وذكَرَ موسى بنُ معاوية، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مُجاهد، عن عبدِ الله بنِ ضَمْرة، عن كَعْبِ الأحبار، قال: الصّدَقةُ يومُ الجُمعةِ تُضاعَفُ. قال: وحدَّثنا محمدُ بنُ فُضَيل، عن حُصَين، عن هلال بن يِساف، عن كَعْبِ الأحبار، أنه قال في يوم الجُمعة: إنّه لتُفْزَعُ فيه الخلائقُ كلُّها إلا الجنَّ والإنس، وإنه لتُضَعَّفُ فيه الحَسَنة، وإنه يومُ القيامة. وفيه الخَبرُ عن خلْقِ آدم وهُبُوطِه إلى الأرض، وإنه قد تِيْبَ عليه من خَطيئتِه، وذلك والحمدُ لله ثابتٌ بنَصِّ التّنزيل الذي لا يجوزُ عليه التّحريفُ والتّبديلُ، ولكن ليس في القرآنِ أنّ ذلك كان يومَ جُمُعة. وفيه دليلٌ على إباحةِ الحديثِ عمّا يأتي ويكون، وهذا من عِلْم الغَيب، فما كان منه عن الأنبياءِ الذين يجوزُ عليهم إدراكُ بعضِه من جهةِ الرِّسالةِ أو عمَّن أضافَ إلى الله ذلك بخبرِ كُتُبِه أو رُسُلِه، فذلك جائزٌ؛ وقيامُ الساعةِ منَ الغيبِ الذي لم

стр. 8032

يطَّلعْ عليه أحدٌ على حقيقة، ونحن - وإن علِمْنا أنها تقومُ يومَ جُمعةٍ بهذا الحديث - فلَسْنا نَدْرِي أيَّ جُمُعةٍ هي؟ وقد سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن الساعةِ وقيامِها، فقال: "ما المسؤولُ عنها بأعلَمَ منَ السائل" وقد سأل عنها جبريلَ فقال نحوَ ذلك (١)، وقال اللهُ : ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّيِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وقد أخبرَ رسولُ الله ﷺ عن شُروطٍ وعلاماتٍ تكونُ قبلَها، وقد ظهرَ أكثرُها أو كثيرٌ منها، وقال الله : ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وأما قوله: "وما مِنْ دابّةٍ إلّا وهي مُصِيْخَةٌ" فالإصاخةُ: الاستماعُ، وهو ها هنا استماعُ حذَرٍ وإشفاق، وخشيةِ الفُجاءةِ والبَغْتِة، وأما أصلُ الكلمةِ في اللُّغة: فالاستماعُ. قال أعرابيٌّ: وحديثُها كالقَطْرِ يسْمَعُه .. راعي سِنينَ تتابَعَتْ جَدْبَا فأصاخَ يرْجُو أن يكُونَ حيًّا .. ويقولُ مِنْ فَرَحٍ أيا ربّا (٢) وقال آخَرُ: لمْ أرُمْ حتَّى إذا أصاخَا .. صَرَخْتُ لو يَسْمَعُ الصُّراخَا وقال أُميّةُ بنُ أبي الصَّلْت: فهُم عند ربٍّ يَنظُرونَ قضاءَهُ .. يُصِيخُونَ بالأسماعِ للوَحْي رُكَّدُ (٣)

стр. 8033

وقال غيرُه يصَفُ ثورًا بريًّا يستمعُ صوتَ قانِص: ويَصِيخُ (١) أحيانًا كما استمع الـ ... ـمُضِل لصوتِ ناشِدْ (٢) والمُضِلُّ: الذي قد ضَلَّ بعيرُهُ أو دابَّتُه أو شيئُه، يقال منه: أضلَّ الرّجُلُ دابَّتَه فهو مُضِلُّ، وضلَّتِ البَهيمةُ فهي ضالّةٌ. والناشدُ: الطالبُ، يقال منه: قد نشَدْتُ ضالَّتي: إذا ناديتُ فيها وطلبْتُها، ومنه: نشَدْتُكَ الله، أي: سألتُكَ بالله. وأمّا المُنْشِدُ: فهو المعرِّفُ بالضالَّة. وقيل: هو الدالُّ عليها، والمعنى واحد متقاربٌ، ومنه قوله ﷺ في لُقَطَة مكّة: "لا تَحِلّ إلا لمُنْشِدٍ" (٣)، فمِن هاهنا يقال: أنشَدْتُ كما يُقال في الشِّعر: أنشَدْت الشِّعرَ؛ ومن الأول يقال: نشَدْتُ، هذا قولُ جماعةٍ من أهل اللُّغة (٤).

стр. 8034

وفي هذا الحديث دليلٌ على أنّ الإنسَ والجِنَّ لا يعلمونَ من معنى الساعةِ ما يعرِفُ غيرُهم من الدوابِّ، وهذا أمرٌ تقصُر عنه أفهامُنا، ومن هذا الجنسِ من العِلْم لم يُؤْتَ الناسُ منه إلا قليلًا. وأما قوله: "وفيه ساعةٌ لا يُصادِفُها عبدٌ مسلمٌ، وهو يُصلِّي يسألُ الله شيئًا إلا آتاهُ اللهُ إيّاه" فقد اختُلِفَ في تلك الساعةِ على حَسَبِ ما قدَّمنا ذِكْرَه في باب أبي الزِّناد (١) من هذا الكتاب، وقولُ عبدِ الله بنِ سَلَام فيها أثبتُ شيء، إن شاءَ الله، ألا ترى إلى رجوع أبي هُريرةَ إلى قولِه وسُكوتِه عندما ألزَمَهُ من الإدخالِ والمُعارَضة، بأنّ مُنتظِرَ الصّلاةِ في صلاة، وهو قولُ أبي هريرةَ وكَعْب. وقد رُوِيَ بنحوِ قولِ عبدِ الله بنِ سَلَام أحاديثُ مرفوعةٌ قد ذكَرْنا بعضَها هناك، ومنها ما حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشِيق، قال: حدَّثنا الصّبّاحيُّ (٢)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالب، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ بكّار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي حُميد، قال: حدَّثنا موسى بنُ وَرْدانَ، عن أنسِ بنِ مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "التَمِسُوا الساعةَ التي في يوم الجُمُعةِ بعدَ العَصْرِ إلى غُروبِ الشَّمْس" (٣).

стр. 8035

حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ مخْلَد، قال: حدَّثنا عبدُ السلام بنُ حفْص، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الساعةَ التي يُتَحرّى فيها الدُّعاءُ يومُ الجُمعة، هي آخِرُ ساعةٍ منَ الجُمعة". أخبرنا أحمدُ بنُ محمد - قراءةً منِّي عليه - أنّ أحمدَ بنَ الفضْلِ بنِ العبّاسِ حدّثَهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال (١): حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا ابنُ

стр. 8036

إدريسَ وأسدُ بنُ عَمْرٍو والمُحاربيُّ عن محمدِ بنِ عَمْرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ في يومِ الجُمعةِ لَساعةً يُقلِّلُها لا يُوافِقُها عبدٌ مسلمٌ فيَسألُ اللهَ فيها خيرًا إلّا أعطاهُ اللهُ إيّاهُ" (١). فقال عبدُ الله بنُ سَلَام: قد علِمْتُ أيَّ ساعة، هي آخِرُ ساعاتِ النّهارِ من يومِ الجُمعة. قال الله : ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧]. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضْل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكَم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيك، قال: حدَّثني ابنُ أبي ذِئْب، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ في الجُمُعةِ لساعةً لا يُوافِقُها مؤمن يسألُ اللهَ فيها شيئًا إلّا أعطاهُ" قال: فقَدِمَ علينا كعبُ الأحبار فقال له أبو هريرة: ذَكَر رسول الله ﷺ ساعةً في يوم الجُمعةِ لا يُوافِقُها مؤمن يُصلِّي يسألُ اللهَ شيئًا إلّا أعطاهُ، قال كعب: صدَقَ والذي أكرَمَهُ، إنها الساعةُ التي خلَقَ اللهُ فيها آدمَ، والتي تقومُ فيها الساعة (٣).

стр. 8037

وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضْل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثني عَمْرُو بنُ محمدٍ العُثمانيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيس، قال: حدَّثني أخي، عن سُليمانَ بنِ بلال، عن الثِّقة، عن صَفْوانَ بنِ سُلَيم، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبد الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "الساعةُ التي يُستجابُ فيها الدُّعاءُ يومُ الجُمعةِ بعدَ العصرِ إلى غُروبِ الشّمس" (١). قال: وحدَّثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني عَمْرُو بنُ الحارث، عن الجُلَاح مولى عمرَ بنِ عبدِ العزيز، أنّ أبا سَلَمةَ حدَّثه عن جابر، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "في الجُمعةِ اثْنَتا عشر ساعةً، منها ساعةٍ لا يوجدُ فيها عبدٌ مُسلمٌ يسألُ اللهَ شيئًا إلّا إعطاهُ إيّاهُ، التَمِسُوها آخِرَ ساعةٍ بعدَ العصْر" (٢).

стр. 8038

قال أبو عُمر: الصَّحيحُ في هذا ما جاء عن أبي سَلَمة (١)، عن أبي هريرة، وأمّا عن أبي سَلَمةَ عن أبي سعيد، أو جابر - فلا - واللهُ أعلم. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضْل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير (٢)، قال: حدَّثنا ابنُ المثنّى (٣)، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن إبراهيمَ بنِ ميْسَرةَ، قال: أخبَرني مَنْ أرسلَهُ عَمْرُو بنُ أوسٍ إلى أبي هريرةَ يسألُه عن الساعةِ التي في الجُمعة، فقال: هي بعدَ العصْرِ. وشعبة عن الحكم، عن ابن عباس: قولُه مثلُه (٤). وشعبةُ عن يونسَ بنِ خبّاب، عن عطاء، عن أبي هريرة مثلُه. وحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا محمدُ، قال: حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا هارونُ، عن عنْبسَةَ، عن سالم، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عبّاس، قال: الساعةُ التي تُذكَرُ يوم الجُمعة ما بينَ صلاةِ العصْرِ إلى غُروبِ الشّمس. وكان سعيدُ بنُ جُبير إذا صلّى العصْرَ يومَ الجُمعةِ لم يتكلَّمْ إلى غُروبِ الشّمس (٥). وذكَرَ موسى بنُ معاوية، عن جرير، عن لَيْث، عن مُجاهد، وطاووس،

стр. 8039

عن أبي هريرة أنه قال: الساعةُ التي في الجُمعةِ بعدَ العصْرِ حتَّى تغيبَ الشمسُ، أو بعدَ الصُّبح حتَّى تطلُعَ الشّمس (١). قال: فكان طاووسٌ إذا صلّى العصرَ يومَ الجُمعةِ لم يُكلِّمْ أحدًا ولم يلْتَفِتْ؛ مشغُولًا بالدُّعاء والذِّكر حتَّى تغيبَ الشّمسُ. وذكر سُنيد (٢) عن حجّاج، عن ابنِ جُريج، قال: أخبَرني إسماعيلُ بنُ كثيرٍ أنّ طاووسًا أخبَرهُ أنّ الساعةَ من يوم الجُمعةِ التي تقومُ فيها الساعةُ، والتي أُنزل فيها آدمُ، والتي لا يدْعُو فيها المسلمُ بدَعْوةٍ صالحةٍ إلا استجابَ اللهُ له من حينِ تصفَرُّ الشَّمسُ (٣) إلى حينِ تغيب (٤). فهذا ما بلَغَنا من الأخبارِ في معنى قولِ عبدِ الله بنِ سَلَام في ساعةِ يوم الجُمُعة، وذلك أثبتُ ما قيلَ في ذلك، إن شاءَ الله. أمّا الآثارُ المخالفةُ لذلكَ والأقوال، فقد مَضَى ذكرُها في باب أبي الزِّناد، والحمد لله (٥). وأما قولُه: "فقال كعب: هي في كلِّ سنَةٍ مرّةً، فقلت: بل في كلِّ جُمُعةٍ، ثم قرأ كَعْب التوراة فقال: صدَقَ رسول الله ﷺ " ففيه دليلٌ على أنّ العالِمَ قد يُخطئُ، وأنّه ربّما قال على أكْبَر ظنِّه فأخطأ ظنُّه.

стр. 8040

وفيه إنْ سمِعَ الخطأ وجَبَ عليه إنكارُه وردُّه على كلِّ مَنْ سَمِعَه منه إذا كان عندَه في ردِّه أصلٌ صحيحٌ، كأصْلِ أبي هريرةَ في إنكارِه على كعب. وفيه أنَّ على العالم إذا رُدَّ عليه قولُه طَلَبَ التثبُّتَ فيه والوُقوفَ على صِحَّتِه حيثُ رجاهُ من مواضِعِه حتَّى تصِحَّ له أو يصِحَّ قولُ مُنكِرِه فينصَرِفَ إليه. وفيه دليلٌ على أنَّ الواجبَ على كلِّ مَن عَرَفَ الحقَّ أن يذْعَنَ إليه، فأمّا قولُ أبي هريرة: "فلقيت بَصْرةَ بنَ أبي بصْرةَ الغفاريَّ" إلى آخرِ قصَّتِه معَه، فهكذا في الحديثِ من رواية مالك: "بَصْرةَ بنَ أبي بَصْرةَ" لم يُختلَفْ عنه في ذلك، ولا عن يزيدَ بنِ الهادِ، وإنّما جاء ذلك من يزيدَ لا من مالكٍ فيما أظُنُّ، والله أعلم. وغيرُ يزيدَ يقول في هذا الحديث: فلقيتُ أبا بَصْرةَ الغِفاريَّ، وأبو بَصْرةَ اسمُه حُمَيلُ بن بَصْرةَ، وقد سمّاه زيدُ بنُ أسلمَ في حديثه هذا: حدَّثنا سعيدُ بنُ نصْرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا زكريّا بنُ يحيى الناقِدُ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمانَ، عن محمدِ بنِ عبد الرّحمن بن مُجَبَّر، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ أسلَم، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبي هُريرة، أنه خرَجَ إلى الطُّورِ ليُصَلِّي فيه، ثم أقبلَ فلَقِيَ حُمَيْلًا الغِفاريَّ فقال له حُمَيلٌ: من أينَ جئتَ؟ قال؟ من الطُّور، قال: أما إنِّي لو لَقِيتُكَ لم تأتِه، قال: لمَ؟ قال: لأنِّي سمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تُضرَبُ أكبادُ الإبل إلّا إلى ثلاثةِ مساجد: مَسْجدِ الحرام، ومَسْجدي هذا، ومَسْجدِ بيتِ المَقْدس" (١).

стр. 8041

وروَى القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا الدَّراوَرْديُّ عن زيدِ بنِ أسلَمَ عن المَقْبُري عن أبي هريرة، أنه خرَجَ إلى الطُّور يُصلِّي فيه، ثم أقبلَ فلَقِيَني حُمَيلُ بنُ بَصْرةَ الغِفاريَّ ثم ذكَرَ مثلَهُ حرفًا بحرفٍ إلى آخرِه (١). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبد المؤمن، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عليٍّ اللّخْميُّ ببغداد، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيم، حدَّثنا عثمانُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذئب، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبيه،

стр. 8042

عن عبد الله بنِ سَلَام، قال: بدأ اللهُ خَلْقَ الأرضِ فخَلَق سَبْعَ أرضِينَ في يومَين يوم الأحَد، ويوم الإثنَين، وقدَّرَ فيها أقواتَها في يومَين: يوم الثُّلاثاء، ويوم الأربعاء، ثم اسْتَوى إلى السماءِ فخَلقَهُنَّ في يومَين: يوم الخميس، وقضاهُنَّ في آخِر يوم الجُمعة، وهي الساعةُ التي خلَقَ اللهُ فيها آدمَ على عَجَل، والساعةُ التي تقومُ فيها الساعةُ ما خَلَق الله من دابّةٍ إلا هي تفزَعُ من يوم الجُمعةِ إلّا الإنسانَ والشَّيطان. وحدَّثنا عبدُ الله (١)، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أبو بلال الأشْعَريُّ، قال: حدَّثنا الفُضَيلُ بنُ سُليمان، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمن قال: اجتَمعَ أبو هريرة وعبدُ الله بنُ سَلَام، فذَكَروا عن النبيِّ ﷺ الساعاتِ التي في يوم الجُمعة، وذَكَر أنه قالها، فقال عبدُ الله بنُ سَلَام: أنا أعلَم أيَّة ساعةٍ هي، بدأ اللهُ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرضِ يومَ الأحد، وفرَغَ في آخرِ ساعةٍ من يوم الجُمعة، فهي آخِرُ ساعةٍ من يوم الجُمُعة (٢). وفي قول عبدِ الله بنِ سَلَام: "كذَبَ كَعْبٌ" (٣) ثم قوله: "صدَقَ كَعْبٌ" دليلٌ على ما كان القومُ عليه من إنكارِ ما يجبُ إنكارُه، والإذعانُ إلى الحقِّ والرُّجوع إليه إذا بانَ لهم.

стр. 8043

ومعنى قوله: "كذَبَ كَعْبٌ"، يريد: غَلِطَ كَعْبٌ، وقد تضعُ العربُ أحيانًا هذه اللَّفظةَ بمعنى الغَلَط وقد فسَّرْنا ذلك بالشاهد عليه في باب ابنِ شهابِ عن سالم وحمزةَ ابنَي عبدِ الله بنِ عُمَر (١). وفي قول عبدِ الله بنِ سَلَام: "قد عَلِمْتُ أيَّ ساعةٍ هي" دليلٌ على أنّ للعالِم أن يقول: أنا أعلمُ كذا، وقد علمتُ كذا، وأنا أعلمُ بكذا إذا لم يكنْ ذلك على سبيل الفخْرِ والسُّمْعة. وفي قول أبي هريرة: "أخبِرْني بها ولا تَضِنَّ عليَّ" أي: لا تبْخَلْ عليَّ، دليلٌ على ما كان القومُ عليه منَ الحِرْص على العِلْم والبحثِ عنه، وفي مراجعةِ أبي هُريرةَ لعبد الله بنِ سَلَام حينَ قال: "هي آخِرُ ساعةٍ من يوم الجُمعة" واعتراضِه عليه بأنّها ساعةٌ لا يُصلَّى فيها، ورسول الله ﷺ قد قال: "لا يُوافِقُها عبدٌ مسلم، وهو يُصلِّي، يسألُ اللهَ شيئًا إلا أعطاهُ إيّاه" أدلُّ دليل على إثباتِ المُناظَرةِ والمُعارَضَةِ وطلَبِ الحُجَّة ومواضِع الصّواب. وفي إدخال عبدِ الله بنِ سَلَام عليه قولَ رسول الله ﷺ : "مَنِ انتظَرَ صلاةً فهو في صلاة" وإذعانِ أبي هريرةَ إلى ذلك دليلٌ بيِّنٌ على ما كان القومُ عليه منَ البَصَر بالاحتجاجِ والاعتراضاتِ والإدخالِ والإلزاماتِ في المُناظرةِ، وهذا سبيلُ أهل الفقهِ أجمع، إلّا طائفةً لا تُعَدُّ في العلماء أغْرَقُوا في التَّقليد، وأراحُوا أنفُسَهُم منَ المُناظَرةِ والتفهُّم، وسمُّوا المُذاكَرةَ مُناظرةً جَهْلًا منهم بالأُصول التي منها ينزعُ أهلُ النَّظَر، وإليها يفزَعُ أولُو البَصَر، واللهُ المُستعان. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد، قال:

стр. 8044

حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارث، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، عن عبدِ الله بنِ سَلَام، قال: قال النبيُّ ﷺ : "مَنِ انتظَرَ الصلاةَ فهو في الصَّلاة، حتَّى يُصلِّي" قال: أنتَ سمِعتَه؟ قلت: نعم، قال: فهو كذلك (١). وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبد الله (٢)، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بن بَحْر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا سُنَيدٌ، قال: حدَّثنا حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، قال: قال عطاء: عن بعضِ أهل العلم: لا أعلَمُه إلّا ابنَ عبّاس، أنه قال في الساعةِ المُستجاب فيها يومَ الجُمعة: هي بعدَ العَصْر، فقيل له: لا صلاةَ بعدَ العَصْر، قال: بلى، ولكن ما كان في مُصَلّاهُ لم يقُمْ منه، فهو في الصَّلاة (٣) (٤).

стр. 8045

حديثٌ ثانٍ ليزيدَ بنِ الهادِ مالكٌ (١)، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيميِّ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أنه قال: كان رسول الله ﷺ يعتكفُ العَشْرَ الوُسُطَ من رَمَضان، فاعتكَف عامًا حتَّى إذا كان ليلةَ إحدى وعشرين، وهيَ الليلةُ التي يخرُجُ فيها من صُبْحتِها من اعتكافِه، قال: "مَنْ كان اعتكَف معي فلْيَعتَكِفِ العَشْرَ الأواخِر، وقد رأيتُ هذه الليلة، ثم أُنسِيتُها، وقد رأيتُني أسجُدُ من صُبْحتِها في ماءٍ وطِين، فالتَمِسُوها في العَشْرِ الأواخر، والتَمِسُوها في كلِّ وِتْر". قال أبو سعيد: فأمْطرَتِ السَّماءُ تلك الليلة، وكان المسجدُ على عَريش، فوَكَفَ المسجدُ. قال أبو سعيد: فأبْصَرَتْ عَينايَ رسول الله ﷺ انصَرفَ وعلى جبْهَتِه وأنْفِه أثرُ الماءِ والطِّين من صَبيحةِ إحدى وعشرين. قال أبو عُمر: في هذا الحديث، وهو من أصحِّ حديثٍ يُروَى في هذا الباب (٢)، دليلٌ على أنَّ الاعتكافَ في رمضانَ سُنّةٌ مَسْنونةٌ؛ لأنَّ رسول الله ﷺ كان يعتكفُ في رَمَضانَ ويُواظبُ على ذلك، وما واظَبَ عليه فهو سُنّةٌ مسنونةٌ لأُمَّتِه، والدليلُ على أنه كان يعتكفُ في كلِّ رمضان قوله: "كان رسول الله ﷺ يعتكفُ العَشرَ الوُسَطَ من رَمَضان، فاعْتكَفَ عامًا". ثم ساقَ القصَّة، وهذا يدُلُّ على أنه كان يعتكفُ كلَّ رمضان، واللهُ أعلم. وأجمع علماءُ المسلمينَ على أنَّ الاعتكافَ ليس بواجب، وأنَّ فاعلَه محمودٌ عليه مأجورٌ فيه، وهكذا سبيلُ السُّنن كلِّها ليست بواجبةٍ فَرْضًا، ألَا ترى إلى إجماعِهم

стр. 8046

على قولهم: هذا فرضٌ، وهذا سُنَّةٌ؛ أي: هذا واجبٌ، وهذا مندوبٌ إليه، وهذه فريضةٌ، وهذه فضيلةٌ. وأما قوله: "حتى إذا كان ليلةَ إحدى وعشرين، وهي الليلةُ التي يخرُجُ فيها من صُبْحَتِها من اعتكافِه" فهكذا روايةُ يحيى: من صُبْحَتِها. وتابَعه على ذلك جماعةٌ، منهم ابنُ بُكَير، والشافعيُّ (١). وأما القَعْنَبيُّ (٢)، وابنُ وَهْب (٣)، وابنُ القاسم (٤)، وجماعةٌ أيضًا، فقالوا في هذا الحديث عن مالك: وهي الليلةُ التي يخرُجُ فيها من اعتكافِه. لم يقولوا: من صُبْحَتِها. وقال يحيى بنُ يحيى، وابنُ بُكَيْر، والشافعيُّ: من صُبْحَتِها. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد (٥)، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطحاويُّ، قال (٦): حدَّثنا المزنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (٧):

стр. 8047

أخبرنا مالكُ بنُ أنس، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيميِّ، عن أبي سلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: كان رسول الله ﷺ يعتكفُ العَشْرَ الوُسَطَ من رَمَضان، فاعتكَفَ عامًا، حتى إذا كان ليلةَ إحدى وعشرين، وهي الليلةُ التي كان يخرُجُ من صُبْحتِها من اعتكافِه. وذكَر الحديثَ إلى آخرِه حرفًا بحرف كروايةِ يحيى، إلا أنه قال في موضع: "وقد رأيتُ هذه الليلة". وقال: "أُرِيتُ هذه الليلةَ ثم أُنْسِيتُها". وقال: "رأيْتُني أسجُدُ". فجعَل في موضع "وقد". وقال في الموضعين: "وقد أُريتُ" في موضع "رأيتُ". وقال: فأمْطرَتِ السماءُ من تلك الليلة. فزاد "من" (١). وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يحيى بن أيوب. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطرِّفُ بنُ عبدِ الرحمن، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكَير، عن مالك، عن يزيدَ بنِ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيميِّ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، أنه قال: كان رسول الله ﷺ يعتكفُ العَشْرَ الوُسَطَ من رَمَضان، فاعْتكَف عامًا، حتى إذا كان ليلةَ إحدى وعشرين، وهي الليلةُ التي يخرُجُ من صُبْحتِها من اعتكافِه (٣). وساق الحديثَ كروايةِ يحيى حرفًا بحرفٍ إلى آخرِه. هكذا قال ابنُ بُكَير: "يخرُجُ من صُبْحتِها". وقال يحيى: "يخرُجُ فيها من صُبْحتِها". وقال الشافعيُّ: "يخرُجُ في صُبْحتِها". وقال القَعنبيُّ وابنُ القاسم وطائفة: يخرُجُ فيها. ولم يقولوا: "من صُبْحِها". ولا: "من صُبْحتِها".

стр. 8048

وروَى ابنُ وَهْب وابنُ عبدِ الحكم، عن مالك، قال: ولا بأسَ بالاعتكافِ في أوَّلِ الشهرِ ووسَطِه وآخرِه، فمَنِ اعتكَف في أوَّله أو وَسَطِه فليَخرُجْ إذا غابتِ الشَّمسُ من آخرِ يوم من اعتكافِه، وإن اعتكَفَ في آخرِ الشهرِ فلا ينصَرفْ إلى بيتِه حتى يشهدَ العيدَ مع المسلمين، ويَبيتُ ليلةَ الفطر في مُعتكَفِه، ويرجعُ من المصلَّى إلى أهله. قال: وكذلك بلَغني عن النبيِّ ﷺ (١). وقال ابنُ القاسم: فإن خرَج ليلةَ الفطرِ فلا قضاءَ عليه. وقال ابنُ الماجِشُونِ وسُحْنون: يَفسُدُ اعتكافُه، لأنَّ السُّنةَ المجتمعَ عليها أنه يَبيتُ في مُعتكَفِه حتى يُصْبح (٢). قال أبو عُمر: لم يقل بقولهما أحدٌ من أهل العلم فيما علِمتُ، ولا وجهَ له في القياس؛ لأنَّ ليلةَ الفطرِ ليست بموضع اعتكافٍ ولا صيام ولا من شهرِ رَمَضان، ولا يصحُّ فيها عن النبيِّ ﷺ شيءٌ. وقد روَى ابنُ القاسم عن مالك في "المُستخرجة" (٣) في المعتكِفِ يخرُجُ ليلةَ الفطرِ من اعتكافِه: لا إعادةَ عليه. وقال مالكٌ في "الموطأ" (٤) أنه رأى أهلَ الفضل إذا اعتكَفُوا العَشْرَ الأواخرَ من رَمَضان، لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهَدوا العيدَ مع الناس. وقال الشافعيُّ (٥): إذا أراد أن يعتكفَ العَشْرَ الأواخرَ دخل قبلَ الغروب، فإذا أهلَّ هلالُ شوّال فقد أتمَّ العَشْرَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابه (٦).

стр. 8049

قال أبو عُمر: قد أجمعوا في المعتكِفِ العَشْرَ الأُولَ أو الوُسَطَ من رمضانَ أنه يخرُجُ إذا غابتِ الشمسُ من آخرِ يوم من اعتكافِه، وفي إجماعِهم على ذلك ما يُوهنُ روايةَ مَن رَوَى: يخرُجُ من صُبْحتِها أو في صُبْحتِها. واختلَفوا في العَشْرِ الأواخر، وما أجمَعوا عليه يَقْضي على ما اختَلَفوا فيه من ذلك، ويدلُّ، واللّهُ أعلم، على تصويب رواية مَن روَى: يخرُجُ فيها (١) من اعتكافِه؛ يعني بعدَ الغروب، واللّهُ أعلم. والصحيحُ في تَحْصِيل مَذْهبِ مالكٍ أن مُقامَ المُعتكفِ ليلةَ الفطرِ في مُعتكَفِه وخُروجَه منه إلى العيدِ استحبابٌ وفضلٌ لا إيجابٌ، وليس مع مَن أوجَب ذلك حُجَّةٌ من جهةِ النظرِ ولا صحيح الأثر، وباللّه التوفيق. واختلَف العلماءُ أيضًا في المُعتكِف؛ متى يدخُلُ المسجدَ الذي يريدُ الاعتكافَ فيه؟ فقال مالك، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابُهم (٢): إذا أوجَبَ على نفسِه اعتكافَ شهر، دخلَ المسجدَ قبلَ غُروب الشَّمْس. قال مالكٌ: وكذلك مَن أراد أن يعتكفَ يومًا أو أكثر، دخَل مُعتكَفَه قبلَ غُروب الشَّمْس من ليلة ذلك اليوم (٣). وقال الشافعيُّ (٤): إذا قال: للّه عليَّ اعتكافُ يوم. دَخل قبلَ طلوع الفجر، وخرجَ بعدَ غُروب الشمس. خلافَ قولِه في الشهر.

стр. 8050

وقال زُفَرُ والليثُ بنُ سَعْد: يدخلُ في الشهر وفي اليوم قبلَ طلوع الفجر. وهو قولُ أبي يوسُفَ؛ ولم يفرِّقوا بينَ الشهر واليوم (١). قال أبو عُمر: ذهَب هؤلاء إلى أنّ الليلَ لا مدخلَ له في الاعتكاف إلا أن يتقدَّمَه ويتصلَ به اعتكافُ نهار وذَهب أولئك إلى أنَّ الليلةَ تَبعٌ لليوم في كلِّ أصل، فوجَب اعتبارُ ذلك. وروَى يحيى بنُ سعيد، عن عَمْرَة، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أراد أن يعتكفَ صلَّى الصُّبحَ ثم دخَل المكانَ الذي يعتكفُ فيه (٢). قال أبو عُمر: قد ذكَرنا معاني الاعتكافِ وأصولَ مسائلِه وأمهاتِ أحكامِه في باب ابنِ شهاب، عن عُروة (٣) من هذا الكتاب. وأجمع العلماءُ على أنّ رَمَضانَ كلَّه موضعٌ للاعتكاف، وأنَّ الدهرَ كلَّه موضعٌ للاعتكافِ إلا الأيامَ التي لا يجوزُ صيامُها، وقد ذكَرْنا ما لهم من التَّنازُع في الاعتكافِ بغيرِ صوم في باب ابن شهاب، عن عُروة، وذكَرْنا اختلافَهم في صيام أيام التشريقِ في غيرِ موضع من هذا (٤) الكتاب (٥)، والحمد للّه. وأما قوله في ليلة القَدْر: "إني رأيتُها ثم أُنسِيتُها، ورأيتُني أسجدُ من صُبْحَتِها في ماءٍ وطين، فالتَمِسُوها في العشرِ الأواخر، والتمِسُوها في كلِّ وِتْر". فعلى هذا أكثرُ

стр. 8051

العلماء؛ أنها عندَهم في الوِتْرِ من العَشرِ الأواخر، وقد ذكَرْنا ما في ليلةِ القدرِ من المذاهبِ والآثارِ والاعتبارِ والاختيارِ في باب حُميد الطويل (١) من كتابنا هذا، فلا معنَى لتكريرِ ذلك هاهنا. وقد رُوِيَ من حديثِ جابرِ بنِ سَمُرةَ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "التَمِسُوا ليلةَ القدرِ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ، فإنّي قد رأيتُها ونُسِّيتُها، وهي ليلةُ مطَرٍ ورِيح". وهذا نحوُ معنى حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ في هذا الباب. أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب بن حبيب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرٍو البزارُ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنْصور، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ شَريك، عن أبيه، عن سماكِ بنِ حرب، عن جابرِ بنِ سَمُرَة، قال: قال رسول الله ﷺ : "التَمِسُوا ليلةَ القدرِ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ، فإني قد رأيتُها فنُسِّيتُها، وهي ليلةُ مطرٍ وريح (٣) ". أو قال: "قَطْرٍ وريحٍ". قال البَزّار: ولا نعلمُ أحدًا روَى هذا الحديثَ بهذا اللفظِ إلا عبدَ الرحمن بنَ شريك.

стр. 8052

وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل البخاريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ شريك، عن أبيه، عن سماك، عن جابرِ بنِ سَمُرة، عن النبيِّ ﷺ في ليلةِ القدرِ أنَّها ليلةُ ريحٍ ومطرٍ. قال أبو عُمر: هذا معناه في ذلك العام وذلك الوقت، واللّهُ أعلم. وأما قوله: "وكان المسجدُ على عَرِيش" فإنه أراد أن سَقْفَه كان مُعَرَّشًا بالجريدِ من غير طين. فوَكَفَ المسجد؛ يعني: هطلَ، فصار من ذلك في المسجدِ ماءٌ وطينٌ، فانصَرَف رسول الله ﷺ وعلى جبهتِه وأنْفِه أثرُ الماءِ والطِّينِ من سُجودِه على ذلك، قال الشاعرُ في معنى "وَكَف" (٢): كأن أسْطارَها في بَطْنِ مُهْرَقِها ... نورٌ يُضاحِكُ دَمْعَ الواكِفِ الهطِلِ وقد اختلَف قولُ مالكٍ في الصَّلاةِ في الطِّين؛ فمرةً قال: لا يُجزئُه إلا أن ينزِلَ بالأرضِ ويسجُدَ عليها على قدْرِ ما يُمْكنُه. ومرةً قال: يجزئُه أن يُومئ إيماءً ويجعلَ سُجودَه أخفضَ من ركوعِه إذا كان الماءُ قد أحاط به (٣). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمّدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُمرَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرب، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن جابرِ بنِ زيد، أنه أوْمَأ في ماءٍ وطين (٤).

стр. 8053

قال عَمْرو: وما رأيتُ أعلمَ من جابرِ بنِ زيد. قال عَمْرٌو: وأخبَرني عطاءٌ أنه سَمِعَ ابنَ عباس يقول: لو نزَل أهلُ البصرةِ عندَ قولِ جابرِ بنِ زيدٍ لأوسَعهم علمًا عما في كتابِ الله (١). وبه عن سفيان، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، قال: ذكَرتُ لقتادةَ الحسنَ ونَفَرًا من نحوِه، فقال: ما ذكَرتَ أحدًا إلا والحسنُ أفقهُ منه إلا جابرَ بنَ زيد (٢). أخبرنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصرٍ وسعيدُ بنُ عثمان، قالا: حدَّثنا أبو عمرَ أحمدَ بنُ دُحيم بنِ خليل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، قال: حدَّثنا عمرُ (٣) بنُ الرَّمَّاح قاضي بَلْخَ، قال: أخبَرني كَثيرُ بنُ زيادٍ أبو سَهْل، عن عَمْرِو بنِ عثمانَ بنِ يَعْلَى، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان النبيُّ ﷺ في سَفَر، فأصابَتْنا السماء، فكانت البِلَّةُ من تحتِنا والسماءُ من فوقِنا، وكان في مَضِيق، فحضَرتِ الصلاةُ، فأمَر رسول الله ﷺ بلالًا فأذَّن وأقام، ثم تقدَّم رسول الله ﷺ فصلَّى على راحلتِه والقومُ على رواحلِهم يومئُ إيماءً؛ يجعلُ السجودَ أخفضَ من الركوع (٤).

стр. 8054

وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورّاقُ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داود، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ الأثْرم، قال: حدَّثنا سُريجُ بنُ النعمان، قال: حدَّثنا ابنُ الرَّمَّاح، عن أبي سهلٍ كَثيرِ بنِ زيادٍ البصريِّ، عن عَمْرِو بنِ عثمانَ بنِ يَعْلَى بنِ أميّة، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ رسول الله ﷺ انتهى إلى مَضيقٍ ومعه أصحابُه، والسماءُ من فوقِهم والبِلَّةُ من أسفلَ منهم، وحضَرتِ الصلاةُ، فأمرَ رسول الله ﷺ المؤذِّنَ فأذَّن أو أقام، فتقدَّمهم رسول الله ﷺ فصلَّى بهم على راحلتِه، وهم على رواحلِهم، يومئُ إيماءً؛ يجعلُ السجودَ أخفضَ من الركوع. أو قال: يجعلُ سجودَه أخفضَ من ركوعِه (٢). قال: وحدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أبانٌ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ سيرين، قال: أقبلتُ مع أنسِ بنِ مالكٍ من الشام حتى أتيْنا سَوابيطَ (٣)، وحضَرتِ

стр. 8055

الصلاةُ والأرضُ كلُّها غَدِيرٌ، فصلَّى على حمارٍ (١) يُومئُ إيماءً (٢). قال: وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن قتادة، عن جابرِ بنِ زيدٍ في الذي تحضرُه الصلاةُ وهو في ماءٍ وطين، قال: يومئُ إيماءً (٣). قال: وحدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَير، قال: حدَّثنا ابنُ لَهِيعة، عن عُمارةَ بنِ غَزِيّة في الرجلِ تُدركُه الصلاةُ وهو في ماء وطين، قال: يصلِّي قائما متوجِّهًا إلى القبلةِ يومئُ برأسِه. قال: وحدَّثنا مِنْجابُ بنُ الحارث، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن ليث، عن طاووس، قال: إذا كان رَدْغٌ (٤) أو مطرٌ فصَلِّ على الدابة. قال: وسمِعتُ أبا عبدِ الله أحمدَ بنَ حنبل يُسألُ عن الصلاةِ المكْتُوبةِ على الراحِلَة، فيل: لا يُصلَّى على الراحِلَةِ في الأمن إلا في موضِعَين؛ إمّا في طِيْن، وإمّا تطوُّع. قال: وصلاةِ الخوْف. وذكَر أبو عبدِ الله حديثَ يَعْلَى بنِ أميةَ الذي ذكَرناه في هذا الباب (٥). وسُئِلَ أبو عبد الله أحمدُ بنُ حنبل مرةً أخرى عن الصلاةِ على الراحلة، فقال: أمّا في الطين فنعم؟ يعني المكتوبة (٦).

стр. 8056

قال أبو عُمر: من أبى من الصَّلاةِ على الراحلةِ أو على قدمَيْه بالإيماءِ من أجل الطينِ والماء، احتَجَّ بحديثِ هذا الباب عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ؛ قوله: "فأبصرتْ عينايَ رسول الله ﷺ انصرَف وعلى جبهتِه وأنفِه، ويُروى: "وعلى جبينِه وأنفِه - أثرُ الماءِ والطين". قالوا: فلو جاز الإيماءُ في ذلك ما كان رسول الله ﷺ ليَضعَ أنفَه وجبهَتَه في الطِّين. قالوا: وهذا حديثٌ صحيحٌ، وحديثُ يَعْلى بن أميةَ ليس إسنادُه بشيء. قال أبو عُمر: أما إذا كان الطِّين والماءُ مما يُمكِنُ السُّجودُ عليه، وليس فيه كبيرُ تلويثٍ وفسادٍ للثياب، وجاز تمكينُ الجبهةِ والأنفِ من الأرض، فهذا موضع لا تجوزُ فيه الصلاةُ على الراحلةِ ولا على الأقدام بالإيماء؛ لأنَّ الله قد افترَض الرُّكوعَ والسُّجودَ على كلِّ مَن قدَر على ذلك كيفما قدَر. وأمّا إذا كان الطينُ والوحَلُ والماءُ الكثيرُ قد أحاط بالمَسْجون أو المسافرِ الذي لا يرجُو الانفكاكَ منه ولا الخروجَ عنهُ قبلَ خروج الوَقْت، وكان ماءً مَعِينًا غَدَقًا (١) وطِينًا قبيحًا وَحِلًا، فجائزٌ لِمَن كان في هذه الحال أن يصلِّي بالإيماءِ على ما جاء في ذلك عن العلماءِ من الصحابةِ والتابعين، فاللّهُ أعلمُ بالعُذر، وليس باللّه حاجةٌ إلى تلويثِ وجْهِه وثيابه، وليس في ذلك طاعة، إنّما الطاعةُ الخشيةُ والعملُ بما في الطاقة. وفي هذا الحديث أيضًا ما يدُلُّ على أن السُّجودَ على الأنفِ والجبهةِ جميعًا، واجتمَع العلماءُ على أنه إن سجَد على جبهتِه وأنفِه فقد أدَّى فرضَ الله في سُجودِه. واختلفوا فيمن سجَد على أنفِه دونَ جبهتِه، أو جبهتِه دونَ أنفِه؛ فقال مالك:

стр. 8057

يسجُدُ على جبهتِه وأنفِه، فإنْ سجَد على أنفِه دونَ جبهتِه لم يُجزِئْه، وإن سجَد على جبهتِه دون أنفِه كُرِه ذلك وأجزَأ عنه (١). وقال الشافعيُّ (٢): لا يجزئُه حتى يسجدَ على أنفِه وجبهتِه. وهو قولُ الحسنِ بنِ حَيٍّ (٣). وقد روَى حمادُ بنُ سَلَمة، عن عاصم الأحول، عن عِكْرمة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن لم يضَعْ أنفَه بالأرضِ فلا صلاةَ له" (٤). وقال أبو حنيفة: إذا سجَد على جبهتِه أو ذَقَنِه أو أنفِه أجزَأه (٥). وحجتُه حديثُ ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ : "أُمرتُ أن أسجُدَ على سبعةِ آراب" (٦). ذكَر منها الوجهَ،

стр. 8058

قال: فأيُّ شيءٍ وُضِع من الوجْهِ أجزأه. وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ هذا الحديثَ قد ذكَر فيه جماعةٌ الأنفَ والجبهة. وأما قوله: "وذلك صَبيحةُ ليلةِ (١) إحدى وعشرين" فذلك يدُلُّ على أن تلك الليلةَ كانت ليلةَ القدرِ لا محالة، واللّهُ أعلم، لأنَّ رسول الله ﷺ قال: "إني رأيتُها ثم أُنسيتُها، ورأيتني أسجُدُ من صُبحَتِها في ماءٍ وطين". فكان كما رأى في نومِه ﷺ ، ومعلومٌ أن ليلةَ القدر جائزٌ أن تكونَ ليلةَ إحدى وعشرين، وفي كلِّ وترٍ من العَشْرِ الأواخرِ أيضًا، وقد قيل في غيرِ الوتر، وفي غيرِ العشرِ الأواخرِ أيضًا إذا كان في شهرِ رمضان، وقد قدَّمنا ذكرَ ذلك كلِّه في باب حُميدٍ الطويل (٢) من هذا الكتاب. وقد ذهَب جماعةٌ من أهلِ العلم إلى أن ليلةَ القدْرِ في كلِّ رمضانٍ ليلةُ إحدى وعشرين، وذهَب آخرون إلى أنَّها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين في كلِّ رمضان، وذهَب آخرون إلى أنها ليلةُ سبع وعشرين في كلِّ رمضان، وذهَب آخرون إلى أنَّها تنتقلُ في كلِّ وترٍ من العَشْرِ الأواخر، وهذا عندَنا هو الصحيحُ إن شاء الله. وقد ذكَرنا القائلين بهذه الأقاويل وما رُوي في ذلك كلِّه من الأثرِ في باب حُميد الطويل، والحمدُ للّه. وذكَرْنا في باب أبي النَّضْر (٣) من هذا الكتاب ما قيل في ليلةِ ثلاثٍ

стр. 8059

وعشرين، ومَن قطَع بأنها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين أبدًا، وهي عندَنا تنتقلُ، وبهذا يصحُّ استعمالُ الآثارِ المرفوعةِ وغيرها، وباللّه التوفيق. ذكَر عبدُ الرزاق (١)، عن الأسلميِّ، عن جعفرِ بنِ محمد، عن أبيه، أنَّ عليًّا كان يتحرَّى ليلةَ القدرِ ليلةَ تسعَ عشْرةَ، وإحدى وعشرين، وثلاثٍ وعشرين. وعن الثوري (٢)، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: قال عبدُ الله بنُ مسعود: تحرَّوا ليلةَ القدرِ ليلةَ سبعَ عشْرةَ صَباحةَ بدر، أو إحدى وعشرين، أو ثلاثٍ وعشرين. وعن الأسلميِّ (٣)، عن داودَ بنِ الحُصين، عن عِكْرمة، عن ابنِ عَبّاس، قال: ليلةُ القدرِ في كلِّ رمضانٍ تأتي. ومن حديثِ أبي ذَرٍّ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "هي في كلِّ رَمَضان" (٤). وعن مَعْمَر، عن أيوب، عن أبي قِلابة، قال: ليلةُ القدرِ تنتقلُ في العَشْرِ الأواخرِ في كلِّ وترٍ (٥). قال أبو عُمر: هذا أصحُّ؛ لأنَّ ابنَ عُمرَ روَى عن رسول الله ﷺ أنه قال:

стр. 8060

"التمِسوها في العَشْرِ الأواخرِ في كلِّ وتر" (١)، و"في التِّسْع الأواخر" (٢). و"في السَّبْع الأواخرِ في كلِّ وتر" (٣). وقد رُوي من حديثِ عمرَ عن النبيِّ ﷺ : حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ عبدِ الخالق، قال (٤): حدَّثنا يعقوبُ بنُ

стр. 8061

إبراهيمَ بنِ كثير، حدَّثنا عبدُ الله بنُ إدريس، عن عاصمِ بنِ كُليب، عن أبيه، عن ابن عباس، عن عُمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ ذكَر ليلةَ القدر فقال: "التمِسُوها في العَشْرِ الأواخرِ في وِتْرٍ منها". ورُوِيَ مثلُ ذلك من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدرِي وغيرِه عن النبيِّ ﷺ . وقد روَى الدراوَرْديُّ حديثَ أبي سعيد، عن يزيدَ بنِ الهادِ بإسنادِه، وساقَه سياقةً حسنة، وذكَر فيه أنَّ رسول الله ﷺ كان ينصرِفُ إذا اعتكَف العَشْرَ الوُسَطَ (١) ليلةَ إحدى وعشرين. وهذا يدُلُّ على أنَّ ذلك كان ليلًا، وهذا يرُدُّ روايةَ مَن روَى عن مالك في هذا الحديث: "وهي الليلةُ التي كان يخرُجُ من صُبْحتِها من اعتكافِه" ويُصحِّحُ روايةَ مَن روى: "وهي الليلةُ التي كان يخرُجُ فيها من اعتكافِه". حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد، قراءةً منِّي عليه، أنَّ الميمونَ بنَ حمزةَ الحُسَيْنيَّ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو جعفر الطحاويُّ، قال (٢): حدَّثنا المُزَنيُّ،

стр. 8062

قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (١): حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: كان رسول الله ﷺ يجاورُ في رمضانَ العشرَ التي وَسَطَ الشهر، فإذا كان يُمسي من عشرين ليلةً تمضي وتَسْتَقْبِل إحدى وعشرين يرجعُ إلى مسكنِه، ويرجعُ مَن كان يجاورُ معه، ثم أقام في شهرٍ جاور فيه تلك الليلةَ التي كان يرجعُ فيها، فخطَب الناسَ، وأمرَهم بما شاءَ اللهُ ، فقال: "إنِّي كنتُ أجاورُ هذه العَشْرَ، ثم بدا لي أن أجاورَ هذه العَشْرَ الأواخر، فمَن كان اعتكَف معي، فليثْبُتْ في معتكفِه، وقد رأيتُ هذه الليلةَ ثم أُنْسِيتُها، فابتَغُوها في العَشْرِ الأواخر، وابتَغُوها في كلِّ وِتْرٍ، وقد رأيتُني صَبيحَتِها أسجُدُ في طِينٍ وماءٍ". قال أبو سعيد: فاشتَملتِ السّماءُ في تلك اللّيلةِ فأمطَرَتْ، فوَكَفَ المسجدُ في مُصلّى رسول الله ﷺ ، ليلةَ إحدى وعشرين، بَصَرُ عَيْني، نظَرْتُ إليه انصرَفَ من صلاةِ الصُّبْح وجِبيْنُه ممتَلئٌ طِينًا وماءً.

стр. 8063

حديثٌ ثالثٌ ليزيدَ بنِ الهادِ مالكٌ (١)، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن أبي مُرّةَ مولى أُمِّ هانئ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو بنِ العاص، أنَّه دخلَ على أبيه عَمْرو بنِ العاص، فوَجدَه يأكلُ، قال: فدَعاني، قال: فقلت له: إنِّي صائمٌ، فقال: هذه الأيامُ التي نَهَى رسولُ الله ﷺ عن صِيامِهنَّ، وأمرَنا بفِطْرِهِنَّ. قال مالك: وهي أيامُ التّشريق (٢).

стр. 8064

هكذا يقول يزيدُ في هذا الحديث: عن أبي مرَّة مولى أمِّ هانئ. وأكثرُهم يقولون: مولى عَقِيلِ بنِ أبي طالب. واسمُه يزيدُ بنُ مرَّة. وقال القَعْنَبِيُّ في هذا الحديث عن مالك: عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن أبي مرَّةَ مولى أم هانئ، أنه دخَل مع عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص على أبيه عَمْرِو بنِ العاص (١). وكذلك قال روحُ بنُ عُبادةَ عن مالك (٢). وكذلك قال الليث: عن يزيدَ بنِ الهادِ، عن أبي مرَّةَ مولى عَقِيل، أنه دخَل هو وعبدُ الله بنُ عَمْرو بنِ العاص على عَمْرِو بنِ العاص. وذكَر مثلَ حديثِ مالك (٣). حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجهْم السِّمَّريُّ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، عن مالك، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن أبي مرَّةَ مولى أم هانئ، أنه دخَل مع عبدِ الله بنِ عَمْرٍو على أبيه عَمْرو بنِ العاص، فقرَّب إليهما طعامًا، قال: كل. قال: إني صائم. فقال عَمْرو: كُلْ؛ فهذه الأيامُ التي كان رسول الله ﷺ يأمرُنا بفطرِها، ويَنْهَى عن صيامِها. قال مالك: وهي أيامُ التشريق (٤). وقد رُوِي هذا الحديثُ عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن النبيِّ ﷺ . وإنما هو عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ (٥)، وأحسنُ أسانيدِ حديثِ

стр. 8065

عَمْرِو بنِ العاص هذا، إسنادُ حديث مالك هذا، عن يزيدَ بنِ الهادِ، عن أبي مرَّة، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن أبيه. وقد روَى عن النبيِّ ﷺ أنه نهى عن صيام أيام التشريقِ جماعةٌ من الصحابة؛ منهم: عليُّ بنُ أبي طالب (١)، وعبدُ الله بنُ حذافة (٢)، وبشرُ بنُ سُحَيم (٣)، وعَمْرُو بنُ العاص (٤)، وعقبةُ بنُ عامر. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٥)، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ علي، قالة حدَّثنا وَهْبٌ (٦)، قال:

стр. 8066

حدَّثنا موسى بنُ عُلَيٍّ، وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): وحدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا وكيع، عن موسى بن عُلَيٍّ - والإخبارُ في حديثِ وَهْب (٢) - قال: سمِعتُ أبي، أنه سمِع عقبةَ بنَ عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : "يومُ عرفة، ويومُ النحر، وأيامُ التشريق، عيدُنا أهلَ الإسلام، وهي أيامُ أكلٍ وشرب". لا يوجدُ ذِكْرُ يوم عرفةَ في غيرِ هذا الحديث؛ وقد مضَى القولُ في ذلك في غير هذا الباب من هذا الكتاب، منها بابُ ابنِ شهاب، وبابُ أبي النَّضْر، ومضَى هنالك كثير من معاني هذا الباب، والحمدُ للّه. واختلف الفقهاءُ في صيام أيام التشريق للمُتمتِّع إذا لم يجدِ الهَدْيَ ولم يصُمْ قبلَ يوم النحر، ولمَن نذرَ صومَها أو صوْمَ بعضِها؛ فذكَر ابنُ عبدِ الحكم عن مالك (٣)، قال: لا بأسَ بصيام الدّهْر إذا أفطرَ يومَ الفطر، ويومَ النحر، وأيامَ التشريق؛ لنَهْي رسول الله ﷺ عن صيامِها. وقال في موضع آخر: ولا يَتطوَّعُ أحد بصيام أيام منًى (٤). وروَى ابنُ وَهْب عن مالك، قال: لا يصامُ يومُ الفطر، ويومُ النحر، وأيامُ التَّشْريق (٥).

стр. 8067

وروَى ابنُ القاسم (١) عن مالك، قال: لا يصومُ أحدٌ يومَ الفِطْرِ ولا يومَ النَّحْرِ بحالٍ من الأحوال، ولا ينبغي لأحدٍ أن يصومَ أيامَ الذَّبح الثلاثة. قال: وأما اليومان اللذان بعدَ يوم النَّحْر، فلا يصومُهما أحدٌ متطوعًا، ولا يقضي فيهما صيامًا واجبًا من نذرٍ ولا رمضان، ولا يصومُهما إلّا المتمتعُ الذي لم يصُمْ في الحجِّ ولم يجدِ الهدي. قال: وأما آخرُ أيام التشريق فيصامُ إن نذَره رجلٌ، أو نذَر صيامَ ذي الحجة، فأما قضاءُ رمضانَ أو غيرِه فلا يفعلُ، إلّا أن يكونَ قد صام قبلَ ذلك صيامًا متتابعًا فمرِض ثم صحَّ وقويَ على الصيام في هذا اليوم، فيَبْني على الصيام الذي كان صامه في الظِّهار أو قَتْلِ النَّفْس، وأمّا رمضانُ خاصةً فإنه لا يصومُه عنه (٢). وقال الشافعيُّ في رواية الرَّبيع والمُزني (٣): ولا يصامُ يومُ الفطر، ولا يومُ النحر، ولا أيامُ منًى، فرضًا ولا تطوعًا، ولو صامها متمتعٌ لم يجدْ هديًا لم يُجزِئ عنه بحال. قال المُزنيُّ: وقد قال مرة: يُجزِئ عنه. ثم رجَع عنه. وأصحابُ الشافعيِّ على القولين جميعًا. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه وابنُ عُليّة: لا يصوم يوم الفطرِ ولا يومُ النحرِ ولا أيامُ التشريقِ على حال، ومَن نذَر صيامَها لم يَجُزْ له، وقضاها، ولا يصومُها المتمتعُ ولا غيرُه (٤). وقال الليثُ: لا يصومُ أحدٌ أيامَ منًى، متمتعٌ ولا غيرُه. والحجةُ لمذهبِ الليثِ ومَن قال كقوله، أنَّ رسول الله ﷺ أمَر مناديَه فنادَى في أيام التشريق: "إنها أيامُ
следующие страницы →