← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8063–8102 · переход к 8068.

стр. 8063

حديثٌ ثالثٌ ليزيدَ بنِ الهادِ مالكٌ (١)، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن أبي مُرّةَ مولى أُمِّ هانئ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو بنِ العاص، أنَّه دخلَ على أبيه عَمْرو بنِ العاص، فوَجدَه يأكلُ، قال: فدَعاني، قال: فقلت له: إنِّي صائمٌ، فقال: هذه الأيامُ التي نَهَى رسولُ الله ﷺ عن صِيامِهنَّ، وأمرَنا بفِطْرِهِنَّ. قال مالك: وهي أيامُ التّشريق (٢).

стр. 8064

هكذا يقول يزيدُ في هذا الحديث: عن أبي مرَّة مولى أمِّ هانئ. وأكثرُهم يقولون: مولى عَقِيلِ بنِ أبي طالب. واسمُه يزيدُ بنُ مرَّة. وقال القَعْنَبِيُّ في هذا الحديث عن مالك: عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن أبي مرَّةَ مولى أم هانئ، أنه دخَل مع عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص على أبيه عَمْرِو بنِ العاص (١). وكذلك قال روحُ بنُ عُبادةَ عن مالك (٢). وكذلك قال الليث: عن يزيدَ بنِ الهادِ، عن أبي مرَّةَ مولى عَقِيل، أنه دخَل هو وعبدُ الله بنُ عَمْرو بنِ العاص على عَمْرِو بنِ العاص. وذكَر مثلَ حديثِ مالك (٣). حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجهْم السِّمَّريُّ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، عن مالك، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن أبي مرَّةَ مولى أم هانئ، أنه دخَل مع عبدِ الله بنِ عَمْرٍو على أبيه عَمْرو بنِ العاص، فقرَّب إليهما طعامًا، قال: كل. قال: إني صائم. فقال عَمْرو: كُلْ؛ فهذه الأيامُ التي كان رسول الله ﷺ يأمرُنا بفطرِها، ويَنْهَى عن صيامِها. قال مالك: وهي أيامُ التشريق (٤). وقد رُوِي هذا الحديثُ عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن النبيِّ ﷺ . وإنما هو عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ (٥)، وأحسنُ أسانيدِ حديثِ

стр. 8065

عَمْرِو بنِ العاص هذا، إسنادُ حديث مالك هذا، عن يزيدَ بنِ الهادِ، عن أبي مرَّة، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن أبيه. وقد روَى عن النبيِّ ﷺ أنه نهى عن صيام أيام التشريقِ جماعةٌ من الصحابة؛ منهم: عليُّ بنُ أبي طالب (١)، وعبدُ الله بنُ حذافة (٢)، وبشرُ بنُ سُحَيم (٣)، وعَمْرُو بنُ العاص (٤)، وعقبةُ بنُ عامر. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٥)، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ علي، قالة حدَّثنا وَهْبٌ (٦)، قال:

стр. 8066

حدَّثنا موسى بنُ عُلَيٍّ، وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): وحدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا وكيع، عن موسى بن عُلَيٍّ - والإخبارُ في حديثِ وَهْب (٢) - قال: سمِعتُ أبي، أنه سمِع عقبةَ بنَ عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : "يومُ عرفة، ويومُ النحر، وأيامُ التشريق، عيدُنا أهلَ الإسلام، وهي أيامُ أكلٍ وشرب". لا يوجدُ ذِكْرُ يوم عرفةَ في غيرِ هذا الحديث؛ وقد مضَى القولُ في ذلك في غير هذا الباب من هذا الكتاب، منها بابُ ابنِ شهاب، وبابُ أبي النَّضْر، ومضَى هنالك كثير من معاني هذا الباب، والحمدُ للّه. واختلف الفقهاءُ في صيام أيام التشريق للمُتمتِّع إذا لم يجدِ الهَدْيَ ولم يصُمْ قبلَ يوم النحر، ولمَن نذرَ صومَها أو صوْمَ بعضِها؛ فذكَر ابنُ عبدِ الحكم عن مالك (٣)، قال: لا بأسَ بصيام الدّهْر إذا أفطرَ يومَ الفطر، ويومَ النحر، وأيامَ التشريق؛ لنَهْي رسول الله ﷺ عن صيامِها. وقال في موضع آخر: ولا يَتطوَّعُ أحد بصيام أيام منًى (٤). وروَى ابنُ وَهْب عن مالك، قال: لا يصامُ يومُ الفطر، ويومُ النحر، وأيامُ التَّشْريق (٥).

стр. 8067

وروَى ابنُ القاسم (١) عن مالك، قال: لا يصومُ أحدٌ يومَ الفِطْرِ ولا يومَ النَّحْرِ بحالٍ من الأحوال، ولا ينبغي لأحدٍ أن يصومَ أيامَ الذَّبح الثلاثة. قال: وأما اليومان اللذان بعدَ يوم النَّحْر، فلا يصومُهما أحدٌ متطوعًا، ولا يقضي فيهما صيامًا واجبًا من نذرٍ ولا رمضان، ولا يصومُهما إلّا المتمتعُ الذي لم يصُمْ في الحجِّ ولم يجدِ الهدي. قال: وأما آخرُ أيام التشريق فيصامُ إن نذَره رجلٌ، أو نذَر صيامَ ذي الحجة، فأما قضاءُ رمضانَ أو غيرِه فلا يفعلُ، إلّا أن يكونَ قد صام قبلَ ذلك صيامًا متتابعًا فمرِض ثم صحَّ وقويَ على الصيام في هذا اليوم، فيَبْني على الصيام الذي كان صامه في الظِّهار أو قَتْلِ النَّفْس، وأمّا رمضانُ خاصةً فإنه لا يصومُه عنه (٢). وقال الشافعيُّ في رواية الرَّبيع والمُزني (٣): ولا يصامُ يومُ الفطر، ولا يومُ النحر، ولا أيامُ منًى، فرضًا ولا تطوعًا، ولو صامها متمتعٌ لم يجدْ هديًا لم يُجزِئ عنه بحال. قال المُزنيُّ: وقد قال مرة: يُجزِئ عنه. ثم رجَع عنه. وأصحابُ الشافعيِّ على القولين جميعًا. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه وابنُ عُليّة: لا يصوم يوم الفطرِ ولا يومُ النحرِ ولا أيامُ التشريقِ على حال، ومَن نذَر صيامَها لم يَجُزْ له، وقضاها، ولا يصومُها المتمتعُ ولا غيرُه (٤). وقال الليثُ: لا يصومُ أحدٌ أيامَ منًى، متمتعٌ ولا غيرُه. والحجةُ لمذهبِ الليثِ ومَن قال كقوله، أنَّ رسول الله ﷺ أمَر مناديَه فنادَى في أيام التشريق: "إنها أيامُ

стр. 8068

أكلٍ وشرب". ونَهَى عن صيامِها، وقد عُلِمَ أنّ في أصحابه من المُتمتِّعينَ مَن يمكنُ أن يكونَ لا يجدُ هدْيًا، وحقيقةُ النَّهْي حملُه على العُموم، إلا أن يُتَّفقَ على أنه أُريد به الخُصوص. وقد رُوِيَ عن عُمرَ (١) وابنِ عبّاس (٢) أنهما نَهَيا المتمتعَ عن صيامِ أيام منًى، وقد أجمعوا على أن النهيَ عن صيامِ يومِ النحرِ ويومِ الفطرِ نَهْيُ عُموم، فكذلك نهيُه عن صيامِ أيامِ منًى. هذه جملةُ ما احتَجَّ به الكوفيُّونَ ومَن قال بقولهم في ذلك. ومن حجةِ مَن أجاز صيامَ أيامِ التشريقِ للمتمتع إذا لم يجدِ الهَدْي، عُمومُ قولِ الله في المتمتع: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ومعلومٌ أنها من أيام الحجِّ؛ لما فيها من عمَلِه، فبهذا قلنا: إن النهيَ خرَج على التطوُّع بها، كنَهْيِه عن الصلاةِ بعد العصرِ والصُّبح، على ما قد ذكَرناه، والحمدُ للّه. قال أبو عُمر: تحصيلُ مذهبِ مالكٍ في صيامِ المُتَمتِّع إذا لم يجدِ الهَدْيَ ولم يصُم الثلاثةَ الأيام في الحجِّ أنه يصومُ أيامَ التشريق (٣). وهو قولُ ابنِ عُمرَ (٤) وعائشة (٥)، وهو أحدُ قولي الشافعيّ. قال مالكٌ (٦): فإن فاته صيامُ أيامِ الشريقِ صام العشَرةَ كلَّها إذا رجَع إلى بلادِه وأجزَأه، وإن وجَد هديًا بعدَ رجوعِه أهدَى ولم يَصُمْ.

стр. 8069

قال أبو عُمر: رُوِيَ عن ابنِ عُمر، والزُّبير، وأبي طَلْحة، والأسودِ بنِ يزيد، أنهم كانوا يصومون أيامَ التشريقِ تطوعًا (١). وليس ذلك بصحيح عنهم، ولو صحَّ كانت الحُجّةُ فيما جاء عن رسول الله ﷺ لا فيما جاء عنهم، وجماعةُ العلماءِ والفقهاءِ على كراهيةِ صيام أيام التشريق تطوعًا، وباللّه التوفيق. وأيامُ التَّشْريق هي أيامُ منًى وأيامُ الذَّبْح بعدَ يومِ النَّحْرِ عندَ جماعةٍ من أهلِ العلم. وقد اختلف العلماءُ في أيام الذَّبْح للأضْحى، وقد ذكَرْنا اختلافَهُم في ذلك في باب يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسارٍ من هذا الكتاب (٢)، والحمدُ للّه. وفي اشتقاقِ أيام التَّشْريق لأهل اللُّغة قولان: أحدُهما: أنّها سُمِّيت بذلكَ لأنَّ الذَّبْحَ فيها يجبُ بعدَ شُروق الشَّمس. والآخر: إنَّما سُمِّيت بذلك، لأنّهم كانوا يُشَرِّقون فيها لُحومَ الأضاحي إذا قُدِّدَت، قاله قتادة (٣). وقولٌ ثالثٌ: إنّما سُمِّيتْ أيامَ التَّشْريق، لأنّهم كانوا يُشرِّقُونَ للشَّمْسِ في غيرِ بُيوتٍ ولا أبنيةٍ للحجِّ. هذا قولُ أبي جعفر محمدِ بنِ عليٍّ (٤)، والثاني قول قتادة.

стр. 8070

مالكٌ عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ قُسَيطٍ حديثٌ واحدٌ وهو يزيدُ بنُ عبدِ الله بنِ قُسَيطٍ اللَّيثيُّ (١)، من أنفُسِهم، يُكْنى أبا عبدِ الله، وكان من سُكّان المدينةِ ومعدودٌ في عُلمائها وتقاتها وفُقهائها. روَى عن أبي هُريرة، وابنِ عُمرَ، وسمِعَ منهما؛ روَى عنه مالكُ بنُ أنس، وعُبيدُ الله بنُ عمرَ، وابنُ أبي ذِئْب، وكان أعرجَ يَخْمَعُ من رِجْلِه (٢). قال الواقديُّ: توفّي يزيدُ بنُ عبدِ الله بنِ قُسَيطٍ بالمدينةِ سنةَ اثنتَينِ وعشرينَ في خلافة هشام، وقال غيرُه: سنةَ ثلاثٍ وعشرين (٣). أخبرَنا أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم بنِ سهل بنِ أسودَ الحافظ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ صالح بنِ عُمرَ القرئُ، قال: حدَّثنا أبو الحُسين أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ محمدِ بنِ عُبيد الله المُنادي المُقرئُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال (٤): حدَّثني أبي - أملاهُ عليَّ إملاءً، قال: حدَّثنا عبدُ الرّزاق، قال:

стр. 8071

أخبرَنا ابنُ جُريج، قال: حدَّثني سُفيانُ بنُ سعيد، عن مالكِ بنِ أنس، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ قُسَيطٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، أنَّ عُمرَ وعثمانَ قضَيا في المِلْطاءِ (١) وفي السِّمْحاقِ بنِصْفِ المُوضِحَة. قال عبدُ الرزاق: ثم قدِمَ علينا سفيانُ فحدَّثنا به عن مالك، عن يزيد، عن ابنِ المُسيِّب عن عُمرَ، وعثمانَ مثلَه؛ فلقيتُ مالكًا فقلتُ له: إنّ سفيانَ حدَّثنا عنكَ عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ قُسَيطٍ، عن ابنِ المُسيِّب، عن عُمرَ وعثمانَ أنّهما قضَيا في المِلْطاء بنصفِ المُوضِحَة (٢)، فحَدِّثْنِي به، فقال: لا، لستُ أُحدِّثُ به اليوم؛ وقد صدَق قد حدّثتُه، ثم تبسَّمَ وقال: بلَغَني أنه يُحدَّثُ به عنِّي، ولستُ أحدِّثُ به اليوم؛ فقال له مُسلمُ بنُ خالد: عزَمْتُ عليكَ إلّا حدثتُه به - وهو إلى جَنْبه - فقال: لا تعْزِمْ عليَّ؟ فلو كنتُ محدِّثًا به اليومَ أحدًا حدثتُه، قلت: فلمَ لا تُحدِّثُني به؟ قال: ليس العملُ عليه عندَنا، وذلك أنّ صاحِبَنا ليس عندَنا بذاك، يعني يزيدَ بنَ عبدِ الله بنِ قُسَيطٍ. قال أبو عُمر: قد قال مالكٌ في موطَّئه (٣): لم أعلَمْ أحدًا من الأئمّةِ في القديم ولا في الحديثِ قضى فيما دُون المُوضِحَة بشيءٍ معلوم، وهذا القول يُعارضُ حديثَ يزيدَ بنِ قُسَيط هذا، وحديثُ يزيدَ بنِ قُسَيطٍ يدفَعُ قولَ مالكٍ هذا في موطّئه، فما أدري ما هذا ولا مخرَجَ له إلّا أن يكونَ لم يصحَّ عنده.

стр. 8072

وأما حديثُه المسنَدُ في الموطّأ (١)، فهو: مالكٌ، عن يزيدَ بنِ قُسَيطٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ ثَوْبان، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسول الله ﷺ أمرَ أن يُستَمْتَعَ بجُلودِ المَيْتة إذا دُبِغَتْ. هذا حديثٌ ثابتٌ من جهة الإسناد، وبه أخذَ مالكٌ في جُلودِ المَيتةِ إذا دُبِغَتْ أن يُستَمتَعَ بها، ولا تُباعَ ولا تُرْهنَ، ولا يُصلّى عليها، ولا يُتوضّأ فيها، ويُستَمتَعُ بها في سائرِ ذلك من وُجوهِ الانتفاع، لأنَّ طهارةَ الدِّباغ عندَه ليسَتْ بطهارةٍ كاملةٍ، وأكثرُ الفقهاءِ يقولون: إنّ دِباغَها طَهورُها طهارةَ كاملة في كلِّ شيءٍ لقوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُرَ" (٢). وقد ذكَرْنا ما للعُلماء في هذا الباب من المذاهبِ والأقوالِ والحُجَجِ والاعتلالِ في باب زَيْد بنِ أسلَمَ عن ابنِ وعْلَةَ (٣) من هذا الكتاب، والحمدُ للّه. وروَى مالكٌ (٤) عن يزيدَ بنِ قُسَيط، عن سعيدِ بنِ المُسيّب، أنَّه كان يقول: ذَكاةُ ما في بطْنِ الذّبيحةِ ذكاةُ أُمِّه، إذا كان قد نَبَت شَعرُه وتمَّ خَلْقُه. وقد روَى عن النبيِّ ﷺ : "ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أُمِّه" جابر (٥)، وابن

стр. 8073

عُمر (١)، وأبو سعيد (٢)، وأبو أيوب (٣) بأسانيدَ حسان، وليس في شيء منها ذِكْرُ شَعَرٍ ولا تَمامُ خَلْق. ويقولُ سعيدُ بنُ المُسيِّب بقول مالك: إن تَمَّ خلْقُه وأشعَرَ أُكِلَ، وإن لم يتمَّ خلْقُه لم يؤكَلْ (٤). وقال الثوريُّ، والليثُ بنُ سعدٍ والأوزاعيُّ وأبو يوسفَ ومحمّدٌ، والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وداود: يؤكَلُ الجَنينُ بذكاةِ أُمِّه، إن كان ميتًا. ولم يذكُروا تمامَ خلْقٍ ولا شَعَر (٥).

стр. 8074

ورُوِيَ عن ابنِ عبّاس: "أُحِلَّت لكُم بهيمةُ الأنعام". قال: الجَنين (١). وقال أبو حنيفة، وزُفَرُ: لا يؤكل إلا إن كان حيًّا فيُذكّى، وهو قولُ إبراهيمَ النخعيِّ (٢). وقال الحسن في قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]، قال: الشاةُ والبقرةُ والبعيرُ (٣). وروى أبو إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ، وأيوب، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قالا: ذكاةُ الجنين ذكاةُ أُمِّه إذا أشْعَرَ، وهذا القول ليس فيه ردٌّ للآثار المرفوعة، بل هو تفسيرٌ لها؛ وهو أولى ما قيلَ به في هذا الباب، لأنه إذا لم يتمَّ خلْقُه ولا نَبتَ شيءٌ من شَعَرِه، فهو في حُكْم مُضْغَةِ الدّم (٤)، واللّهُ أعلم، وهو الموفِّق للصّواب.

стр. 8075

مالكٌ عن يزيدَ بنِ زيادٍ القُرَظي حديثان مالكٌ (١)، عن يزيدَ بنِ زياد، عن محمدِ بنِ كعْبٍ القُرَظيِّ، قال: قال معاويةُ بنُ أبي سُفيانَ وهو على المِنْبر: أيُّها الناسُ، "لا مانعَ لِمَا أعطَى الله، ولا مُعْطي لِمَا منَع اللهُ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منه الجَدُّ، مَن يُردِ اللهُ به خيرًا يفقِّهْه في الدِّين". ثم قال: سمِعتُ هؤلاء الكلماتِ من رسول الله ﷺ على هذه الأعواد. وهذا حديثٌ مسندٌ صحيح، وإن كان ظاهرُه في هذا الإسنادِ الانقطاع (٢)، وقد سمِع ذلك محمدُ بنُ كعبٍ من معاوية، ذكَر ذلك بعضُ رُواةِ مالكٍ عن مالك، وهو محفوظٌ أيضًا من غيرِ طريقِ مالك.

стр. 8076

وأما محمدُ بنُ كَعْب، فأحدُ العلماءِ الفضلاءِ الثقات، ومن التابعين بالمدينة،

стр. 8077

وكان من أعلمِهم بتأويل القرآنِ وأقرئِهم له، ويُكْنَى أبا حمزة، توفِّي سنةَ عشرين ومئة، وهو ابن ثمانٍ وسبعين سنة، وقد قيل: توفِّي سنةَ سبعَ عشرةَ أو ثمانِ عشرة. هذا قولُ الواقديِّ وغيره. وقال أبو معشرٍ وأبو نعيم: مات محمدُ بنُ كعبٍ القُرظيُّ سنةَ كانٍ ومئة (١). وهو محمدُ بنُ كَعْبِ بنِ حيّانَ بنِ سُلَيْمان (٢) بنِ أسدٍ القُرَظيُّ، من قُريظةَ حُلفاءِ الأوس، وقد روَى القاسمُ بنُ محمد، عن محمدِ بنِ كَعْبٍ القرظيِّ، وحسبُك بذلك جلالةً له، وقد سمِع هذا الحديثَ ابنُ عجلانَ من محمدِ بنِ كَعْبٍ القرظيِّ: حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد (٣)، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن ابنِ عجلان، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كَعْبٍ القرظيَّ قال: كان معاويةُ يخطبُ بالمدينةِ يقول: تعلَمُنَّ أيُّها الناسُ أنه "لا مانعَ لما أعطَى الله، ولا مُعطيَ لما منَعَ اللهُ، ولا يَنْفعُ ذا الجَدِّ منه الجَدُّ، مَن يُردِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهْه في الدين". سمِعتُ هذه الأحرفَ من رسول الله ﷺ على هذه الأعواد (٤). لم تختلفِ الرواية، واللّهُ أعلم، في هذا الحديثِ عن محمدِ بنِ كعب، عن معاوية، أنه سمِع هذا الحديثَ من رسول الله ﷺ ، وهي روايةُ أهل المدينة، وأما

стр. 8078

أهلُ العراق، فيروُون أن المغيرةَ بنَ شعبةَ كتَب بهذا الحديثِ إلى معاوية، فاللّهُ أعلم. وقد يجوزُ أن يكونَ قوله: "من يُردِ اللهُ به خيرًا يفقِّهْه في الدِّين". سمعه معاويةُ من رسول الله ﷺ فأشار إليه؛ لأنَّ ذلك ليس في حديثِ المغيرة، وسائرُه في حديثِ المُغيرة، وعلى هذا التخريج تصحُّ الأحاديثُ في ذلك، لأنها منقولةٌ بأسانيدَ صحاح، والحمدُ للّه. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبد المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمْدان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال (١): حدَّثنا عبدُ الرزاق، ورَوْحٌ، وابنُ بكر، قالوا: حدَّثنا ابنُ جُريج، قال: أخبرني عَبْدةُ بنُ أبي لُبابة، أن ورّادًا مولى المغير بنِ شعبةَ أخبرَه، أن المغيرةَ بنَ شعبةَ كتَب إلى معاوية، كتَب ذلك الكتابَ له ورَّادٌ: إني سمِعتُ رسول الله ﷺ يقولُ حينَ يُسلِّمُ: "لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، اللهمَّ لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ". قال ورَّادٌ: ثم قدِمتُ بعدَ ذلك على معاوية، فسمِعتُه على المنبرِ يأمرُ الناسَ بذلك القول، ويعلِّمُهموه. قال أحمدُ بنُ حنبل (٢): وحدَّثنا روحٌ، قال: حدَّثنا ابنُ عون، قال: أنبأني أبو سعيد، قال: أنبأني ورَّادٌ كاتبُ المغير بنِ شعبة، قال: كتَب معاويةُ إلى المغيرة: أنِ

стр. 8079

اكتُبْ إليَّ بشيءٍ حفِظتَه من رسول الله ﷺ . فقال: كان إذا صلَّى ففرَغ، قال: "لا إلهَ إلا الله" قال: وأظنُّه قال: "وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، اللهمَّ لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ". قال أبو عُمر: أبو سعيد هذا أظُنه الحَسَن البَصْريّ، واللّه أعلم. قال أحمدُ بنُ حنبل (١): وحدَّثنا عليُّ بنُ عاصم، قال: حدَّثنا المغيرةُ، قال: حدَّثنا عامرٌ الشعبيُّ، عن ورَّادِ كاتبِ المغيرة، قال: كتَب معاويةُ إلى المغيرة بنِ شعبة: اكتُبْ إليَّ بما سمِعتَ من رسول الله ﷺ . فدَعاني المغيرةُ، قال: فكتَب إليه: إني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ إذا انصرَف من الصَّلاة قال: "لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، اللهمَّ لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ". وسمِعتُه ينهى عن قيلَ وقال، وعن كثرةِ السؤال، وإضاعةِ المال، وعن وَأْدِ البنات، وعُقوقِ الأُمَّهات، ومنع وهات. قال (٢): وحدَّثنا عليُّ بنُ عاصم، قال: أخبرَنا الجُريريُّ، عن عَبْدة، عن ورّاد، عن المغيرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه، إلا أنه لم يذكر: وَأْدَ البنات.

стр. 8080

قال (١): وحدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن منصور، قال: سمِعتُ المسيّبَ بنَ رافع يحدِّثُ، عن ورّادٍ كاتبِ المغير بنِ شعبة، أن المغيرةَ بنَ شعبةَ كتب إلى معاويةَ أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا سلَّم قال: "لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، اللهمَّ لا مانعَ لما أعطَيْتَ، ولا مُعطيَ لما منَعْتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ويعيشُ بنُ سعيد، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مضرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا هنادُ بنُ السَّريِّ، قال: حدَّثنا عَبْدةُ، عن محمدِ بنِ عَمْرو، عن أبي سَلَمة، عن المُغيرةِ بنِ شُعبة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم من الصلاة قال: "اللهمَّ لك الحمدُ، لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منَعتَ، ولا ينفعُ (٢) ذا الجَدِّ منك الجَدُّ" (٣).

стр. 8081

قال أبو عُمر: أما قوله: "ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ". فالروايةُ فيه بفتح الجيم، لم أعلَمْ عن مالكٍ في ذلك خلافًا، وقد رُويَ بكَسْر الجيم. فأمّا "الجَدُّ" بفتح الجيم: فهو الحظُّ، وهو الذي يقال له: البَخْتُ. عند العامّة، يقولون: بَخْتُ فلانٍ خيرٌ من بختِ فلان. والعربُ تقول: جَدُّ فلانٍ أحظَى من جَدِّ فلان. ومنه قولهم: اسع بجَدٍّ لا بكَدٍّ. وقال الشاعر: وبالجَدِّ يسعَى المرءُ لا بالتَّقَلُّبِ (١) وقال أبو عُبيد (٢): المعنى في هذا الحديث: ولا ينفعُ ذا الغِنَى منك غِناهُ، إنما ينفعُه طاعتُك والعملُ بما يقرِّبُ منك. واحتَجَّ بقولِ النبيِّ ﷺ : "قُمْتُ على بابِ الجنّةِ فإذا عامّةُ مَن دخلَها الفقراء، وإذا أصحابُ الجَدِّ محْبوسونَ" (٣). يريد:

стр. 8082

أصحابُ الغِنَى في الدُّنيا محبوسون يومَئذٍ. وقال: هو بمنزلةِ قوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]. وبمنزلةِ قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧]. وقال غيرُ أبي عُبيد (١) في تأويل هذا الحديثِ نحوَ قولِ أبي عبيد وزاد، قال: "الجَدُّ" في هذا الموضع الحظُّ. على ما قدَّمنا ذكْرَه. قال: ومعنى هذا الحديث: لا ينفعُ ذا الحظِّ منك الحظُّ، وإنما ينفعُه العملُ بطاعَتِك. قال: وهو مأخوذٌ من قولِ العرب: لِفُلانٍ جَدٌّ في هذا الأمر، أي: حَظٌّ. واستشهَد بقولِ امرئ القيس (٢): ألا يا لَهْفَ نَفْسي (٣) إثرَ قَوْمٍ ... همُ كانوا الشِّفاءَ فلمْ يُصَابوا وَقَاهُم جَدُّهم ببَني أبِيهِم ... وبالأشقَينَ ما كانَ العِقابُ أراد: وقاهُم حظُّهم. وقال الأخطلُ (٤): أعطاكم اللهُ جَدًّا تُنْصَرونَ به ... لا جَدَّ إلا صغيرٌ بعدُ محتقرُ

стр. 8083

وقال غيرُه (١): عِشْ بجَدٍّ لا يَضُرَّك نَوْكٌ (٢) ... إنما عَيشُ مَن تَرَى بالجُدُودِ وقال آخرُ (٣): عِشْ بجَدٍّ ولا يَضِرْ ... كَ النَّوْكُ ما لَقِيتَ جَدًّا وقال أحمدُ بنُ حُميد: بالجَدِّ أجْدَى على امرئ طَلَبُهْ ... ومَن يَطُلْ حِرْصُه يَطُلْ تَعَبُهْ (٤) وقال ابنُ دُرَيد (٥)، عفا الله عنه: لا يَرفعُ اللبُّ بلا جَدٍّ ولا ... يَحُطُّكَ الجَهْلُ إذا الجَدُّ عَلا أخبَرنا أبو محمدٍ (٦) عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أبو الحُسينِ (٧) عبدُ الباقي بنُ قانع القاضي ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ سعيد،

стр. 8084

بنِ سعيد، قال: حدَّثنا أبو غسانَ مالكُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادة، وسِمَاكَ بنَ حَرْب، وأبانَ بنَ تغلبَ، يُنشِدُون هذا البيت: أرَى كلَّ ذي جَدٍّ يَنُوءُ بجَدِّهِ ... فلو شاء ربِّي كنتُ عَمْرَو بنَ مَرْثَدِ (١) وقال بعضُ أهلِ هذا العصر (٢): لا تَشرَهَنَّ إلى دُنْيا تملَّكها ... قومٌ كثيرٌ بلا عَقْلٍ ولا أدَبِ ولا تقُلْ إنّني أبصَرتُ ما جهِلوا ... من الإدارةِ في مَرٍّ ومُنْقَلَبِ فبالجُدُودِ همُ نالوا الذي ملَكُوا ... لا بالعُقُولِ ولا بالعِلْم والأدبِ وأيسرَ الجَدُّ نَحْوِي كُلَّ ممتنِعٍ ... على التمكُّنِ عندَ البغْيِ والطَّلَبِ وإن تأمَّلتَ أحوالَ الذين مَضَوْا ... رأيتَ مِن ذا وهذا أعجبَ العَجَبِ قال أبو عُمر: ومَن روَى هذا الحديثَ بكسرِ الجيم، قال: الجِدُّ: الاجتهادُ. والمعنى أنه لا ينفعُ ذا الاجتهادِ في طلبِ الرزقِ اجتهادُه، وإنما يأتيه ما قُدِّر له، وليس يُرزَقُ الناسُ على قَدْرِ اجتهادِهم، ولكنّ اللهَ يُعطي مَن يشاءُ ويمنعُ، فلا مانعَ لما أعطَى، ولا مُعْطي لما منَع. وهذا وجهٌ حسنٌ، والقولُ الأولُ أكثرُ، وقولُ أبي عبيد (٣) في هذا الباب حسنٌ أيضًا، وبالله التوفيق. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ القاضي الخَصِيبيُّ،

стр. 8085

قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الحسنِ الفِرْيابيُّ (١) وأحمدُ بنُ يحيى بنِ إسحاقَ الحُلْوانيُّ، قالا: حدَّثنا عليُّ بنُ حكيم الأوْديُّ، قال: أخبَرنا شرِيكٌ، عن أبي عُمرَ، عن أبي جُحيفة، قال: تذاكَروا الجُدُودَ عندَ رسول الله ﷺ ؛ فقال بعضُهم: جَدِّي في الغنم. وقال بعضُهم: جَدِّي في الخيل. وقال بعضُهم: جَدِّي في الإبل. وحضَرتِ الصلاةُ، فصلَّى بهم رسول الله ﷺ ، فلمّا رفَع رأسه من الرُّكوع قال: "سمِعَ اللهُ لِمَن حَمِده، ربَّنا لك الحمدُ، ملءَ السّماواتِ وملءَ الأرض، وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بعدُ، لا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجَدُّ". يرفعُ بها صوتَه.

стр. 8086

حديثٌ ثانٍ ليزيدَ بنِ زيادٍ مالكٌ (١)، عن يزيدَ بنِ زياد، عن عبدِ الله بنِ رافع مولى أُمِّ سَلَمةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ؛ أنه سألَ أبا هريرةَ عن وقتِ الصلاة، فقال أبو هريرة: أنا أُخبِرُكَ، صَلِّ الظّهْرَ إذا كان ظِلُّكَ مِثْلَكَ، والعصْرَ إذا كان ظِلُّكَ مِثْلَيْكَ، والمغربَ إذا غَربتِ الشَّمسُ، والعِشاءَ ما بينَكَ وبينَ ثُلُث اللّيل، فإنْ نِمْتَ إلى نِصْفِ اللّيلِ (٢) وصَلِّ الصّبحَ بغَبَشٍ. يعني: الغَلَسَ. هذا حديثٌ موقوفٌ في "الموطأ" عندَ جماعةِ رواتِه (٣). والمواقيتُ لا تؤخذُ بالرأي، ولا تدركُ إلا بالتوقيف، وقد رُوِيَ عن أبي هريرة، حديثُ المواقيتِ مرفوعًا بأتمَّ من حط يثِ يزيدَ هذا، إلا أنَّه إنما اقتَصر فيه على ذِكْرِ أواخرِ الأوقاتِ المُستحبّة دونَ أوائلِها، وجعَل للمغربِ وقتًا واحدًا، وقد رُوِيَ عن أبي هريرةَ مرفوعًا كاملًا بذكرِ أوائل الأوقات وأواخرِها: أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٥): أخبرنا الحسينُ بنُ حرَيْثٍ أبو عَمّار، قال: أخبرنا الفَضْلُ بنُ

стр. 8087

موسى، عن محمدِ بنِ عَمْرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "هذا جبريلُ جاءكم يعلِّمُكم دينَكم". فصلَّى الصُّبحَ حينَ طلَع الفَجْرُ، وصلَّى الظهرَ حينَ زاغتِ الشمسُ، ثم صلَّى العَصْرَ حينَ رأى الظلَّ مثلَه، ثم صلَّى المغربَ حينَ غرَبتِ الشمسُ وحلَّ فطرُ الصائم، ثم صلَّى العشاءَ حينَ ذهَب شفقُ الليل، ثم جاء الغداة، فصلَّى الصُّبحَ حينَ أسفَر قليلًا، ثم صلَّى الظُّهرَ حينَ كان الظلُّ مثلَه، ثم صلَّى العَصْرَ حينَ كان الظلُّ مثْلَيْه، ثم صلَّى المغربَ لوقتٍ واحدٍ حين غَربتِ الشمسُ وحلَّ فطرُ الصائم، ثم صلَّى العشاءَ حينَ ذهَب ساعة من الليل، ثم قال: "الصلاةُ ما بينَ صلاتِك أمسِ وصلاتِك اليومَ". هذا حديثٌ مُسندٌ ثابتٌ صحيحٌ، لا مطْعَنَ فيه لأحدٍ من أهل العِلْم بالحديث، وفيه صلاةُ جبريل بالنبيِّ ﷺ لوقتَين كلَّ صلاة، وأنّه جعلَ للوقتِ أولًا وآخرًا إلّا المغربَ. وقد ذكَرْنا مذاهبَ العُلماءِ في أوقاتِ الصَّلوات وذكَرْنا اختلافَ الآثارِ في ذلك، وأوضَحْنا وجُوهَها ونُزوعَ أهل العِلْم منها لِمَا أوْجَبُوه من ذلك وما استَحبُّوهُ ممهَّدًا مبسوطًا في باب ابنِ شهاب عن عُروةَ من هذا الكتاب (١)، والحمدُ لله. [آخر المجلد الرابع عشر من هذه الطبعة المحققة، نسأل الله جل في علاه الإعانة على إتمامه].

стр. 8088

يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ ﵀ وهو يحيى (١) بنُ سعيدِ بنِ قيسِ بنِ عَمْرِو بنِ سَهْلِ بنِ ثعلَبةَ بنِ الحارثِ بنِ زيدِ بنِ ثعلبةَ بنِ غَنْم بنِ مالكِ بنِ النّجار، ولجدِّه قيسُ بنُ عَمْرٍو صُحبة، وقد ذكَرنا في كتاب "الصحابة" (٢). وقال قومٌ: جدُّ يحيى بنِ سعيد: قيسُ بنُ قَهْدٍ (٣). وقال آخَرون: قيسُ بنُ عاصم وإنّما جدُّه قيسُ بنُ عَمْرٍو على ما ذكرنا، وهو الصّحيحُ عندَنا. ويُكْنَى يحيى بنُ سعيدٍ أبا سعيد. وكان فقيهًا، عالمًا، محدِّثًا، حافظًا، ثقةً، مأمونًا، عدْلًا، مرضيًّا، وكان كريمًا جوادًا حين أدرك الغِنى بعدَ ولايته القضاء، وكان نَزِهَ النَّفْس، وكان في أوّلِ أمْرِه مُقِلًّا قد رَكِبَه الدَّينُ، ثم أثرى بعدُ. وله أخبارٌ كثيرةٌ كرِهْتُ اجتلابَها، وسنَذكُر منها ما يُستَدلُّ به على ما قلنا، إن شاء الله. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٤): حدَّثنا يحيى بنُ معين، قال: حدَّثنا ابنُ مهْدي، عن حَمّادِ بنِ زيد، عن هشام بنِ عُروة، قال: حدَّثني الأمينُ المأمونُ - على ما يَغيبُ عليه - يحيى بنُ سعيد، عن عُروة، قال: يُقطَعُ الآبقُ إذا سرَقَ.

стр. 8089

قال (١): وسمِعتُ أبي ويحيى بنَ معينٍ يقولان: يحيى بنُ سعيدِ بنِ قيسٍ الأنصاريُّ مدنيٌّ ثقةٌ. وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: سمِعتُ عليَّ بنَ المدينيِّ يقول: أربعةٌ من أهل الأمصارِ يَسْكُن القلبُ إليهم في الحديث: يحيى بنُ سعيدٍ بالمدينة، وعَمْرُو بنُ دينارٍ بمكّة، وأيوبُ بالبَصْرة (٢)، ومَنْصورٌ بالكوفة (٣). وذكر الواقديُّ قال: لما استُخلِفَ الوليدُ بنُ يزيدَ بنِ عبد الملك، استعمَلَ على المدينة يوسفَ بنَ محمدِ بنِ يوسفَ الثقفيَّ، فاستَقْضى سَعْدَ بنَ إبراهيمَ على المدينة، ثم عزَلَه واستَقْضى يحيى بنَ سعيدٍ الأنصاريَّ (٤). قال الواقديُّ: وقدِمَ يحيى بنُ سعيدٍ على أبي جعفرٍ الكوفةَ وهو بالهاشِميّة فاستَقْضاهُ على القضاءِ بالهاشِميّة (٥)، فمات بها سنةَ ثلاثٍ وأربعين (٦). قال (٧): وأخبَرنا سُليمانُ بنُ بلال، قال: خرَج يحيى بنُ سعيدٍ إلى إفريقيةَ

стр. 8090

لميراثٍ وجبَ له هناكَ وطَلبَ له ربيعةُ بنُ أبي عبدِ الرّحمنِ البريدَ، فرَكِبَه إلى إفريقية، فقدِمَ بذلك الميراث، وهو خمسُ مئة دينار، قال: فأتاهُ الناسُ يُسلِّمونَ عليه، وأتاهُ ربيعةُ فسلَّمَ عليه، فلمّا أرادَ ربيعةُ أن يقومَ حبَسَهُ، فلمّا ذهبَ الناسُ، أمرَ بالباب فأُغلِقَ؛ ثم دعا بمِنْطَقَتِه فصبَّها بينَ يدَيْ ربيعةَ وقال: يا أبا عثمانَ، واللّه الذي لا إلهَ إلّا هو ما غيَّبْتُ منها دينارًا إلّا شيئًا أنفقْتُه في الطريق. ثم عدَّ خمسينَ ومئَتَي دينارٍ فدفَعَها إلى ربيعة، وأخذَ خمسينَ ومِئَتي دينارٍ لنَفْسِه، قاسَمَه إيّاها، وكان ثقةً صدُوقًا. أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (١): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذرِ الحِزاميُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمد، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ بلال، قال: لمّا خرجَ يحيى بنُ سعيدٍ إلى العراق، خرجْتُ أُشَيِّعُه، فكان أوّلَ من استقبلتهُ جِنازةٌ، فتغيَّر وَجْهي لذلك، فالتفَتَ إليَّ فقال: يا أبا محمد، كأنَّكَ تطيَّرْتَ؟ فقلت: اللهمَّ لا طَيرَ إلّا طيرك. فقال: لا عليكَ، واللّه لئنْ صدَقَ، ليُنْعِشَنَّ اللهُ أمري. قال: فمَضَى واللّه، ما أقامَ إلّا شهريْنِ حتَّى بَعَث بقضاءِ دَيْنِه ونفقةِ أهلِه، وأصابَ خيرًا. قال (٢): وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذر، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمد بنِ طلحةَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ الصِّديق، قال: حدَّثني سُليمانُ بنُ بلال، قال: كان يحيى بنُ سعيدٍ قد ساءَتْ حالُه، وأصابَهُ ضِيْقٌ شديد، وركِبَه الدَّينُ، فبينَما هو على ذلك، إذ جاءَهُ كتابُ أبي العبّاس يسْتَقْضِيه، قال سُليمانُ: فوَكَلَني يحيى بأهلِه، وقال لي: واللّه ما خرجتُ وأنا أجهَلُ شيئًا، فلمّا قدِمَ العراق، كتبَ إليَّ: إني كنتُ قلتُ لك حينَ خرجتُ: قد خرجتُ وما أجهلُ شيئًا. وإنه واللّه لأوّلُ خَصْمَين جلسَا بينَ

стр. 8091

يَدَي فاقتَصّا شيئًا، واللّه ما سمِعتُه قطُّ، فإذا جاءك كتابي هذا فسَلْ ربيعةَ بنَ أبي عبدِ الرّحمن، واكتب إليَّ بما يقول، ولا يعلَمُ أنّي كتبتُ إليكَ بذلك. قال (١): وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذر، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثنا مالكٌ، قال: قال لي يحيى بنُ سعيد: اكتُبْ لي أحاديثَ من أحاديثِ ابنِ شهابٍ في الأقضية. قال: فكتبتُ له ذلك في صَحيفةٍ كأنّي انظر إليها صفْراءَ، فقيل لمالك: يا أبا عبدِ الله أعَرَضَ عليكَ؟ قال: هو كان أفقَهَ من ذلك. قال أبو عُمر: يحيى بنُ سعيدٍ من فُقهاءِ التابعينَ بالمدينة، سمعَ من أنسِ بنِ مالك، وروى عنه أحاديثَ مُسنَدةً وغيرَ مُسنَدة، وليس عند مالكٍ عنه، عن ابن شهاب (٢)، حديثٌ مُسندٌ. قال محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ نُمير: مات يحيى بنُ سعيدٍ سنةَ ثلاثٍ وأربعينَ ومئة، ويُكْنى أبا سعيد، وكذلك قال يزيدُ بنُ هارونَ والواقديُّ (٣)، إلا أنَّهما قالا: بالهاشِميّةِ سنةَ ثلاثٍ وأربعين. ولمالكٍ عنه في "الموطأ" من حديثِ النبيِّ ﷺ خمسة وسبعونَ حديثًا، منها ثلاثونَ حديثًا مُسندةً، في يسيرٍ منها انقطاعٌ، ومنها تسعةٌ موقوفةٌ، وسائرُها مُرسَلَةٌ ومُنقطِعةٌ وبلاغات، وكلُّها مرفوعةٌ إلى النبيِّ ﷺ نصًّا أو معنًى.

стр. 8092

يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب تسعة أحاديث حديث أول ليحيى بن سعيد مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنه سمِعَه يقول: لّما صدَر عُمرُ بنُ الخطاب من منًى أناخ بالأبطَح، ثم كوَّم كُومةً بطحاءَ، ثم طَرَح عليها رداءَهُ واستلْقَى، ثم مدَّ يدَيه إلى السماء فقال: اللهمَّ كبِرَتْ سنِّي، وضَعُفَتْ قوَّتي، وانتشرَتْ رَعِيَّتي، فاقبِضْني إليك غيرَ مُضيِّع ولا مُفرِّط. ثم قدِمَ المدينةَ فخطَب الناسَ فقال: أيُّها الناسُ، قد سُنَّت لكمُ السُّنَن، وفُرِضَتْ لكمُ الفَرائض، وتُرِكتُم على الواضِحَة، إلا أن تضِلُّوا بالناس يمينًا وشمالًا. وضرَب بإحدى يدَيْه على الأخرى، ثم قال: إيّاكم أن تَهلِكُوا عن آيةِ الرَّجْم، أن يقولَ قائل: لا نجِدُ حَدَّينِ في كتابِ الله. فقد رجَمَ رسول الله ﷺ ورجَمْنا (٢)، والذي نفسي بيَدِه، لولا أن يقولَ الناس: زاد عُمرُ بنُ الخطاب في كتابِ الله لكَتبتُها: (الشيخُ والشيخةُ فارجُوهما البتَّة). فإنّا قد قرأناها. قال مالكٌ: قال يحيى بنُ سعيد: قال سعيدُ بنُ المسيِّب: فما انسلخَ ذو الحِجَّة حتى قُتِل عُمرُ ﵀. قال مالكٌ: (الشيخُ والشيخةُ): الثيِّبُ والثيِّبةُ، (فارجُمُوهما البتّة). قال أبو عُمر: هذا حديثٌ مسندٌ صحيحٌ، والذي يستندُ منه قوله: فقد رَجَمَ رسول الله ﷺ . وأمّا سماعُ سعيدِ بنِ المسيِّب من عُمرَ بنِ الخطابِ فمُختَلَفٌ فيه؛ فقالت طائفةٌ من أهل العلم: لم يسمَعْ من عُمرَ شيئًا، ولا أدرَكه إدراكَ من يحفَظُ عنه.

стр. 8093

وذكروا ما رواه ابنُ لَهِيعة، عن بُكيرِ بنِ الأشجِّ، قال: قيل لسعيدِ بنِ المسيِّب: أدرَكتَ عُمرَ بنَ الخطاب؟ قال: لا (١). وقال آخرون: قد سمع سعيدُ بنُ المسيِّب من عُمرَ أحاديثَ حفِظها عنه، منها هذا الحديث، ومنها قولُه حين رأى البيت (٢). وزعَموا أن سعيدَ بنَ المسيِّب شهِد هذه الحَجَّةَ مع عُمرَ، وحفِظ عنه فيها أشياءَ وأدَّاها عنه، وهي آخرُ حَجةٍ حجَّها عُمرُ، وكانت خلافتُه عشرَ سنين وستةَ أشهرٍ وأربعةَ أيام، وقُتِل بعد انصرافِه من حَجتِه تلك، لأربع بَقينَ من ذي الحِجةِ سنةَ أربع وعشرين. حدَّثني عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا

стр. 8094

ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ المُهاجر، قال: حدَّثنا عبدُ الصمد (٢)، قال: حدَّثنا شُعبة، عن قتادة، قال: قلتُ لسعيدِ بنِ المسيِّب: رأيتَ عُمرَ بنَ الخطاب؟ قال: نعم. قال ابنُ وَضّاح: وُلد سعيدُ بنُ المسيِّب لسنتين مضَتا من خلافةِ عُمرَ، وسَمِع منه كلامَه الذي قال حينَ نظَر إلى الكعبة: اللهمَّ أنت السلامُ، ومنك السلامُ، فحيِّنا ربَّنا بالسلام. كذلك قال لي ابنُ كاسب وغيرُ واحد. ابنُ وَضّاح يقولُه (٣). قال أبو عُمر: أصحُّ ما قيل في مولدِ سعيدٍ أنه لسنتين مضَتا من خلافةِ عُمر، وقد قيل: لسنتين بقِيَتا، وليسَ بشيء. وقال مالكٌ والليثُ: كان سعيدُ بنُ المسيِّب يقال له: راويةُ عُمر (٤).

стр. 8095

وذكَر الحُلْوانيُّ قال: حدَّثنا أسباطُ، عن الشيبانيِّ، عن بُكير بنِ الأخْنَس، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، قال: سمِعتُ عُمرَ يقولُ على هذا المنبر: لا أجدُ أحدًا جامَع ولم يغتسِلْ، أنزَل أو لم يُنزِلْ، إلا عاقبتُه (١). قال الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلوانيُّ: وحدَّثنا الأصمعيُّ، قال: حدَّثنا طلحةُ بنُ محمدِ بنِ سعيدِ بنِ المسيِّب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب قال: أنا في الغِلْمةِ الذين جَرُّوا جَعدةَ العُقيليَّ (٢) إلى عُمر (٣).

стр. 8096

قال: وحدَّثنا عبدُ الصَّمد (١)، قال: حدَّثنا شُعبة، عن إياسِ بنِ مُعاوية، قال: قال لي سعيدُ بنُ المسيِّب: ممّن أنتَ؟ قلت: من مُزينة. فقال: إنِّي لأذكرُ اليومَ الذي نَعَى فيه عُمرُ بنُ الخطاب النعمانَ بنَ مقرِّنٍ المزنيِّ إلى الناس على المنبر (٢). وكان عليُّ بنُ المدينيِّ يصحِّحُ سماعَه من عُمر. قال أبو عُمر: معنى هذا الحديث يستندُ من وجوهٍ صحاح ثابتةٍ من حديثِ ابنِ عباس، عن عُمر. أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٣): حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباس، قال: سمِعتُ عُمرَ بنَ الخطابِ يقول: إنّ اللهَ بَعث محمدًا بالحقِّ، وأنزَل عليه الكتابَ، وكان فيما أُنزِل عليه آيةُ الرَّجْم، فرجَمَ رسول الله ﷺ ورجَمْنا بعدَه.

стр. 8097

قال سُفيان: وقد سمِعتُه من الزُّهريِّ بطُوله، فحفِظتُ منه أشياء، وهذا ممّا لم أحفَظْه يومئذٍ. قال أبو عُمر: قولُ ابنِ عُيينة: وقد سمِعتُه من الزُّهريِّ بطُولِه؛ يعني حديثَ السَّقيفة، وفيه هذا الكلامُ عن عُمرَ في الرّجْم. وقد روَى حديثَ السَّقيفةِ عن الزُّهريِّ بتمامِه، مالكٌ وغيرُه، رواه عن مالكٍ جماعة، منهم ابنُ وَهْب (١)، وإسحاقُ بنُ محمدٍ الفَرْويُّ، وعبدُ العزيزِ بنُ يحيى، وجويريةُ بنُ أسماء. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمدٍ الفَرْويُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتبةَ بنِ مسعود، عن ابنِ عباس، وأخبَرنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسماء، قال: حدَّثنا جويريةُ بنُ أسماء، عن مالك، عن الزُّهريِّ، أن عبيدَ الله بنَ عبدِ الله بنِ عتبةَ أخبَره، أن عبدَ الله بنَ عباس أخبَره، أنه كان يُقرئُ عبدَ الرحمن ابنَ عوف. فذكَرا حديثَ السقيفةِ بطوله، وفيه: قال عُمر: أما بعد، فإني قائلٌ لكم مقالةً قد قُدِّر لي أن أقولها، لعلها بين يدَي أجَلي، فمَن وعاها وعقَلها، فليُحدِّثْ بها حيث انتهت به راحلتُه، ومن خَشِي ألّا يعيَها، فلا أُحلُّ له أن يكذِبَ عليَّ: إن اللهَ بعَث محمدًا بالحقِّ، وأنزَل عليه الكتاب، وكان مما أنزَل عليه آيةُ الرجم، فقرَأناها وعقَلناها، ورجَم رسول الله ﷺ ورجَمنا، وأخشَى إن طال بالناس زمانٌ أن يقولَ قائل: واللّه ما نجِدُ آيةَ الرجم في كتاب الله.

стр. 8098

فتُترَكَ فريضةٌ أنزَلها الله، فيضِلُّوا، فإن الرجمَ في كتاب الله على مَن زنَى إذا أحصَن من الرجالِ والنِّساء، إذا قامت البينةُ، أو كان الحَبَلُ أو الاعتراف. وذكَر الحديثَ بتمامِه (١). وذكر مالكٌ في "الموطأ" (٢) هذا الكلامَ الآخِر، عن ابنِ شهاب، عن عبيدِ الله، عن ابنِ عباس، أنه قال: سمِعتُ عُمرَ بنَ الخطاب يقول: الرجمُ في كتابِ الله حقٌّ على مَن زنَى من الرجالِ والنساء، إذا أحصَن، إذا قامت عليه البينةُ، أو كان الحَبَلُ أو الاعتراف. وأجمَع العلماءُ على أنّ البينةَ إذا كانوا شُهودًا أربعةً عُدُولًا، أُقيم الحدُّ على الزاني، وكذلك الاعترافُ إذا ثبَت عليه العاقلُ البالغُ ولم يَنْزعْ عنه. واختلَفوا في الحَبَل يظهَرُ بالمرأة، هل يكونُ مثلَ البينةِ والاعترافِ أم لا؟ ففي حديثِ عُمرَ هذا التّسويةُ بين البيِّنةِ والاعترافِ والحَبَل؛ فذهب قومٌ إلى أنّ المرأةَ إذا ظهَر بها حمْلٌ ولم يُعلَمْ لها زوجٌ، أن عليها الحدَّ، ولا ينفعُها قولها: إنه من زوج، أو من سيِّد إن كانت أمَةً، إذا لم يُعلَمْ ذلك. قالوا: وهذا حَدٌّ قد وجَب بظهورِ الحَبَل، فلا يُزيلُه إلا يقينٌ من بيِّنةِ نكاح أو ملْكِ يمين. وقال مالك: إذا وُجِدت امرأةٌ حاملًا فقالت: تزوَّجتُ، أو استكرِهتُ. لم يُقبلْ ذلك منها إلا ببيِّنة، على ما ذكَرتُ لك، أو جاءت تستغيثُ وهي تَدْمَي، أو نحوُ ذلك من فضيحةِ نفسِها، وإلا أُقيم عليها الحدُّ. هكذا رواه ابنُ عبدِ الحكم وغيرُه، عن مالك (٣).

стр. 8099

وقال ابنُ القاسم (١): إن كانت طارئةً غريبةً فلا حدَّ عليها، وإلا أُقيم عليها الحدُّ. وهو قولُ عثمانَ البَتِّيِّ. وقال أبو حنيفة، والشافعيُّ (٢): لا حدَّ عليها إلا أن تُقرَّ بالزِّنى، أو تقومَ بذلك عليها بينةٌ. ولم يفرِّقوا بين طارئةٍ وغيرِ طارئة. وروَى حديثَ السَّقيفةِ بتمامِه عن ابنِ شهاب: عُقيلٌ (٣)، ويونسُ (٤)، ومَعْمرٌ (٥)، وابنُ إسحاق، وعبدُ الله بنُ أبي بكر (٦)، وغيرُهم. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عيسى. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٧)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد - واللفظُ لحديثِ مسدَّد، وهو أتمُّ - عن عليِّ بنِ زيد، عن يوسفَ بنِ مهران، عن ابنِ عباس، قال: سمِعتُ عُمرَ بنَ الخطاب يخطُبُ فقال: أيُّها الناسُ، إنَّ الرجمَ حقٌّ، فلا تُخدَعُنَّ عنه، وإنَّ آيةَ ذلك أنَّ رسول الله ﷺ قد رَجَم، وأن أبا بكر قد رَجَم، وإنّا قد رجَمنا بعدَهما، وسيكونُ قومٌ من هذه الأمةِ يكذِّبون بالرجم،

стр. 8100

ويكذِّبون بالدَّجَّال، ويكذِّبون بطلوع الشمسِ من مغربها، ويكذِّبون بعذابِ القَبْر، ويكذِّبون بالشفاعة، ويكذِّبون بقوم يخرجون من النار بعدَما امتُحِشُوا (١). قال أبو عُمر: الخوارجُ كلُّها والمعتزلةُ تُكذِّبُ بكلِّ هذه الفُصُول السِّتة، وأهلُ السُّنة على التّصديق بها، وهم الجماعة، والحُجَّةُ على مَن خالَفهُم بما هم عليه من استِمْساكِهم بسُنَّةِ نبيِّهم ﷺ ، ولا خلافَ بين علماءِ المسلمين؛ أهل الحديثِ والرأي، أنّ المُحصَنَ إذا زنَى حدُّه الرّجمُ، وجمهورُهم يقول: ليس عليه مع الرَّجْم شيءٌ. ومنهم من يقول: يُجْلَدُ ويُرجَمُ، وهم قليل. وقد ذكَرنا هذه المسألةَ مجوَّدةً في بابِ ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله، عن زيدِ بنِ خالد، من هذا الكتاب (٢)، والحمدُ للّه. وذكَر حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن الحجّاج (٣)، عن الحسنِ بنِ سَعْد، عن عبدِ الله بنِ شداد: أنَّ عُمرَ رجَم رجلًا في الزِّنى ولم يجلِدْه (٤). وفي حديثِ مالكٍ هذا دليلٌ على أنَّ آيةَ الرَّجْم ممّا نُسِخ خطُّه من القرآن، ولم يكتُبْه عثمانُ في المصحف، ولا جمعَه أبو بكرٍ في الصُّحف، وقد ذكَرنا وجُوهَ النَّسخ في القرآنِ عند ذِكْرِ حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ (٥) من كتابنا هذا، فلا معنَى لتكريرِه هاهنا.

стр. 8101

حديثٌ ثانٍ ليَحيى بنِ سَعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ أبا موسى الأشعريَّ أتى عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ فقال لها: لقد شَقَّ عليَّ اختلافُ أصحابِ رسول الله ﷺ في أمر، إنِّي لأعْظِمُ أن أسْتَقْبِلَكِ به. فقالت: ما هو؟ ما كنتَ سائلًا عنه أُمَّك فسَلْني عنه. فقال: الرجلُ يُصيبُ أهلَه ثم يُكْسِلُ ولا يُنزِلُ. فقالت: إذا جاوَز الخِتانُ الخِتانَ فقد وجَبَ الغُسلُ. فقال أبو موسى: لا أسألُ عن هذا أحدًا بعدَكِ أبدًا. هكذا هذا الحديثُ موقوفًا في "الموطأ" عندَ جماعة الرُّواة (٢). وقد رُوِيَ عن أبي قُرَّة، عن مالكٍ مرفوعًا؛ ما حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الحسن عليُّ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ المقدسيُّ بمنًى في مسجدِ الخَيْفِ إملاءً من حفظِه، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ الجَنَديُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيادٍ اللَّحْجِيُّ (٣)، قال: حدَّثنا أبو قُرّة، قال: ذكر مالكُ بنُ أنس، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّب، عن أبي موسى، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا التَقَى الختانان وجَب الغُسْل" (٤).

стр. 8102

وهذا خطأ، والصوابُ ما في "الموطأ"، وهذا الحديثُ يدخلُ في المسنَدِ بالمعنى والنظر؛ لأنه مُحالٌ أن تَرى عائشةُ نفسَها في رأيها حُجةً على غيرِها من الصحابةِ في حين اختلافِهم في هذه المسألةِ النازلةِ بينَهم، ومُحالٌ أن يُسلِّمَ أبو موسى لعائشةَ قولها من رأيها في مسألةٍ قد خالَفها فيها من الصحابة غيرُها برأيِه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ ليس بحجةٍ على صاحبِه عندَ التنازع، لأنهم أُمِروا إذا تَنازَعوا في شيء أن تزدُّوه إلى كتابِ الله وسُنّةِ رسولِه، وهذا يدُلُّك على أن تَسْليمَ أبي موسى لعائشةَ في هذه المسألةِ إنما كان من أجلِ أنَّ عِلْمَ ذلك كان عندَها عن رسول الله ﷺ ، فلذلك سلَّم لها، إذ هي أوْلى بعلم مثل ذلك من غيرِها. ومع ما ذكَرْنا من جهةِ الاستدلال، فقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن عائشةَ عن النبيِّ ﷺ مُسندًا، ورُوِيَ أنّ سعيدَ بنَ المسيِّب دخَل مع أبي موسى على عائشةَ في هذه القصة، فبان بذلك حقيقةُ قولِنا وصحةُ استدلالِنا، وباللّه التوفيق. وأخبَرنا عبدُ الوارث (١) وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكَير، قال: حدَّثنا زائدةُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيدٍ بنِ جُدْعان، عن سعيدِ بنِ المسيِّب قال: نازَع أبو موسى ناسًا من الأنصار، فقالوا: الماءُ من الماء. قال سعيد: فانطَلَقْتُ أنا وأبو موسى حتى دخَلْنا على عائشة، فقال لها أبو موسى الذي تنازَعوا فيه، فقالت عائشة: عندي الشِّفاءُ من ذلك، قال رسول الله ﷺ : "إذا جلسَ الرجلُ بينَ الشُّعَبِ الأربع، وألصَق الخِتانَ بالخِتانِ، فقد وجَبَ الغُسلُ" (٢).
следующие страницы →