← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8098–8137 · переход к 8103.

стр. 8098

فتُترَكَ فريضةٌ أنزَلها الله، فيضِلُّوا، فإن الرجمَ في كتاب الله على مَن زنَى إذا أحصَن من الرجالِ والنِّساء، إذا قامت البينةُ، أو كان الحَبَلُ أو الاعتراف. وذكَر الحديثَ بتمامِه (١). وذكر مالكٌ في "الموطأ" (٢) هذا الكلامَ الآخِر، عن ابنِ شهاب، عن عبيدِ الله، عن ابنِ عباس، أنه قال: سمِعتُ عُمرَ بنَ الخطاب يقول: الرجمُ في كتابِ الله حقٌّ على مَن زنَى من الرجالِ والنساء، إذا أحصَن، إذا قامت عليه البينةُ، أو كان الحَبَلُ أو الاعتراف. وأجمَع العلماءُ على أنّ البينةَ إذا كانوا شُهودًا أربعةً عُدُولًا، أُقيم الحدُّ على الزاني، وكذلك الاعترافُ إذا ثبَت عليه العاقلُ البالغُ ولم يَنْزعْ عنه. واختلَفوا في الحَبَل يظهَرُ بالمرأة، هل يكونُ مثلَ البينةِ والاعترافِ أم لا؟ ففي حديثِ عُمرَ هذا التّسويةُ بين البيِّنةِ والاعترافِ والحَبَل؛ فذهب قومٌ إلى أنّ المرأةَ إذا ظهَر بها حمْلٌ ولم يُعلَمْ لها زوجٌ، أن عليها الحدَّ، ولا ينفعُها قولها: إنه من زوج، أو من سيِّد إن كانت أمَةً، إذا لم يُعلَمْ ذلك. قالوا: وهذا حَدٌّ قد وجَب بظهورِ الحَبَل، فلا يُزيلُه إلا يقينٌ من بيِّنةِ نكاح أو ملْكِ يمين. وقال مالك: إذا وُجِدت امرأةٌ حاملًا فقالت: تزوَّجتُ، أو استكرِهتُ. لم يُقبلْ ذلك منها إلا ببيِّنة، على ما ذكَرتُ لك، أو جاءت تستغيثُ وهي تَدْمَي، أو نحوُ ذلك من فضيحةِ نفسِها، وإلا أُقيم عليها الحدُّ. هكذا رواه ابنُ عبدِ الحكم وغيرُه، عن مالك (٣).

стр. 8099

وقال ابنُ القاسم (١): إن كانت طارئةً غريبةً فلا حدَّ عليها، وإلا أُقيم عليها الحدُّ. وهو قولُ عثمانَ البَتِّيِّ. وقال أبو حنيفة، والشافعيُّ (٢): لا حدَّ عليها إلا أن تُقرَّ بالزِّنى، أو تقومَ بذلك عليها بينةٌ. ولم يفرِّقوا بين طارئةٍ وغيرِ طارئة. وروَى حديثَ السَّقيفةِ بتمامِه عن ابنِ شهاب: عُقيلٌ (٣)، ويونسُ (٤)، ومَعْمرٌ (٥)، وابنُ إسحاق، وعبدُ الله بنُ أبي بكر (٦)، وغيرُهم. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عيسى. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٧)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد - واللفظُ لحديثِ مسدَّد، وهو أتمُّ - عن عليِّ بنِ زيد، عن يوسفَ بنِ مهران، عن ابنِ عباس، قال: سمِعتُ عُمرَ بنَ الخطاب يخطُبُ فقال: أيُّها الناسُ، إنَّ الرجمَ حقٌّ، فلا تُخدَعُنَّ عنه، وإنَّ آيةَ ذلك أنَّ رسول الله ﷺ قد رَجَم، وأن أبا بكر قد رَجَم، وإنّا قد رجَمنا بعدَهما، وسيكونُ قومٌ من هذه الأمةِ يكذِّبون بالرجم،

стр. 8100

ويكذِّبون بالدَّجَّال، ويكذِّبون بطلوع الشمسِ من مغربها، ويكذِّبون بعذابِ القَبْر، ويكذِّبون بالشفاعة، ويكذِّبون بقوم يخرجون من النار بعدَما امتُحِشُوا (١). قال أبو عُمر: الخوارجُ كلُّها والمعتزلةُ تُكذِّبُ بكلِّ هذه الفُصُول السِّتة، وأهلُ السُّنة على التّصديق بها، وهم الجماعة، والحُجَّةُ على مَن خالَفهُم بما هم عليه من استِمْساكِهم بسُنَّةِ نبيِّهم ﷺ ، ولا خلافَ بين علماءِ المسلمين؛ أهل الحديثِ والرأي، أنّ المُحصَنَ إذا زنَى حدُّه الرّجمُ، وجمهورُهم يقول: ليس عليه مع الرَّجْم شيءٌ. ومنهم من يقول: يُجْلَدُ ويُرجَمُ، وهم قليل. وقد ذكَرنا هذه المسألةَ مجوَّدةً في بابِ ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله، عن زيدِ بنِ خالد، من هذا الكتاب (٢)، والحمدُ للّه. وذكَر حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن الحجّاج (٣)، عن الحسنِ بنِ سَعْد، عن عبدِ الله بنِ شداد: أنَّ عُمرَ رجَم رجلًا في الزِّنى ولم يجلِدْه (٤). وفي حديثِ مالكٍ هذا دليلٌ على أنَّ آيةَ الرَّجْم ممّا نُسِخ خطُّه من القرآن، ولم يكتُبْه عثمانُ في المصحف، ولا جمعَه أبو بكرٍ في الصُّحف، وقد ذكَرنا وجُوهَ النَّسخ في القرآنِ عند ذِكْرِ حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ (٥) من كتابنا هذا، فلا معنَى لتكريرِه هاهنا.

стр. 8101

حديثٌ ثانٍ ليَحيى بنِ سَعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ أبا موسى الأشعريَّ أتى عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ فقال لها: لقد شَقَّ عليَّ اختلافُ أصحابِ رسول الله ﷺ في أمر، إنِّي لأعْظِمُ أن أسْتَقْبِلَكِ به. فقالت: ما هو؟ ما كنتَ سائلًا عنه أُمَّك فسَلْني عنه. فقال: الرجلُ يُصيبُ أهلَه ثم يُكْسِلُ ولا يُنزِلُ. فقالت: إذا جاوَز الخِتانُ الخِتانَ فقد وجَبَ الغُسلُ. فقال أبو موسى: لا أسألُ عن هذا أحدًا بعدَكِ أبدًا. هكذا هذا الحديثُ موقوفًا في "الموطأ" عندَ جماعة الرُّواة (٢). وقد رُوِيَ عن أبي قُرَّة، عن مالكٍ مرفوعًا؛ ما حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الحسن عليُّ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ المقدسيُّ بمنًى في مسجدِ الخَيْفِ إملاءً من حفظِه، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ الجَنَديُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيادٍ اللَّحْجِيُّ (٣)، قال: حدَّثنا أبو قُرّة، قال: ذكر مالكُ بنُ أنس، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّب، عن أبي موسى، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا التَقَى الختانان وجَب الغُسْل" (٤).

стр. 8102

وهذا خطأ، والصوابُ ما في "الموطأ"، وهذا الحديثُ يدخلُ في المسنَدِ بالمعنى والنظر؛ لأنه مُحالٌ أن تَرى عائشةُ نفسَها في رأيها حُجةً على غيرِها من الصحابةِ في حين اختلافِهم في هذه المسألةِ النازلةِ بينَهم، ومُحالٌ أن يُسلِّمَ أبو موسى لعائشةَ قولها من رأيها في مسألةٍ قد خالَفها فيها من الصحابة غيرُها برأيِه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ ليس بحجةٍ على صاحبِه عندَ التنازع، لأنهم أُمِروا إذا تَنازَعوا في شيء أن تزدُّوه إلى كتابِ الله وسُنّةِ رسولِه، وهذا يدُلُّك على أن تَسْليمَ أبي موسى لعائشةَ في هذه المسألةِ إنما كان من أجلِ أنَّ عِلْمَ ذلك كان عندَها عن رسول الله ﷺ ، فلذلك سلَّم لها، إذ هي أوْلى بعلم مثل ذلك من غيرِها. ومع ما ذكَرْنا من جهةِ الاستدلال، فقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن عائشةَ عن النبيِّ ﷺ مُسندًا، ورُوِيَ أنّ سعيدَ بنَ المسيِّب دخَل مع أبي موسى على عائشةَ في هذه القصة، فبان بذلك حقيقةُ قولِنا وصحةُ استدلالِنا، وباللّه التوفيق. وأخبَرنا عبدُ الوارث (١) وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكَير، قال: حدَّثنا زائدةُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيدٍ بنِ جُدْعان، عن سعيدِ بنِ المسيِّب قال: نازَع أبو موسى ناسًا من الأنصار، فقالوا: الماءُ من الماء. قال سعيد: فانطَلَقْتُ أنا وأبو موسى حتى دخَلْنا على عائشة، فقال لها أبو موسى الذي تنازَعوا فيه، فقالت عائشة: عندي الشِّفاءُ من ذلك، قال رسول الله ﷺ : "إذا جلسَ الرجلُ بينَ الشُّعَبِ الأربع، وألصَق الخِتانَ بالخِتانِ، فقد وجَبَ الغُسلُ" (٢).

стр. 8103

وروَى هشامٌ وشُعبةُ، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه سواء. ذكَره البخاريُّ (١) من طريق هشام، ثم قال: تابَعه عَمْرٌو (٢)، عن شُعبة. وقد حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا شُعبة وهشام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا قعَد بينَ شُعَبِها الأربع، وألْزَقَ الخِتانَ بالخِتان، فقد وجَبَ الغُسلُ" (٣). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٤)، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٥): حدَّثنا أبو مُعاوية، عن حَجّاج،

стр. 8104

عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا التَقَى الخِتانانِ وتَوارَتِ الحَشَفةُ، فقد وجَبَ الغُسلُ". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير والحارثُ بنُ أبي أسامة، قالا: حدَّثنا عفان بنُ مسلم، قال: حدَّثنا همّامٌ وأبانٌ، قالا: حدَّثنا قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا قعَد بينَ شُعَبِها الأربع وأجهَد نفسَهُ، فقد وَجَب الغُسْلُ، أنزَل أو لم يُنزِلْ" (١). قال أحمدُ بنُ زُهير: سُئِل يحيى بنُ معين عن أبان وهمام؟ أيُّهما أحبُّ إليك؟ فقال: كان يحيى بنُ سعيدٍ يَروي عن أبان، وكان أحبَّ إليه، وأما أنا فهمّامٌ أحبُّ إليَّ، وكلاهما ثقةٌ (٢).

стр. 8105

أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبد الرحيم، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، قال: حدَّثنا ثابت، عن عبدِ الله بنِ رَباح، عن عبدِ العزيز بنِ النعمان، عن عائشةَ، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا التَقَى الخِتانانِ اغتَسَل (١). وقال فيه سُليمانُ بنُ حَرْب، عن حَمّادِ بنِ سَلَمةَ بإسنادِه هذا، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا التَقى الخِتانانِ وجَب الغُسلُ" (٢). قال أبو عُمر: هذا إسنادٌ كلُّه ثقةٌ عن ثقة، لا أعلَمُ فيه علّةً، إلا أن البخاريَّ (٣) قال: لا أعلَمُ لعبدِ العزيزِ بنِ النعمانِ سماعًا من عائشة. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَوْح، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عُمر، قال: أخبرنا

стр. 8106

عبيدُ الله بنُ أبي زياد، عن عطاء، قال: قالت عائشة: إذا التَقى الخِتانانِ فقد وجَب الغُسْلُ، قد كنتُ أنا ورسول الله ﷺ نفعَلُه فنَغْتَسل (١). ورواه أبو الزبير، عن جابر، عن أُمِّ كُلثوم، عن عائشة، مثلَه مرفوعًا (٢). ورواه القاسمُ بنُ محمد، عن عائشة: حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قراءة منّي عليه، أن قاسمَ بنَ أصبَغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المَدينيِّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: إذا جاوَز الختانُ الختانَ فقد وجَب الغُسلُ، فعَلْتُه أنا ورسول الله ﷺ فاغتسَلْنا (٣).

стр. 8107

قال أبو عُمر: تسليمُ أبي موسى لعائشةَ في هذه المسألةِ دليلٌ على صحةِ رفعِها إلى النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ مثلَ هذا لا يقالُ من جهةِ الرأي، وكذلك قطْعُها ﵂ بصِحّة ذلك، ألا تَرى إلى توبيخِها لأبي سَلَمةَ في ذلك. روى مالكٌ (١)، عن أبي النَّضْرِ مولى عُمرَ بنِ عبيدِ الله، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، أنه قال: سألتُ عائشة: ما يُوجِبُ الغسلَ؟ فقالت: هل تَدرِي ما مَثلُك يا أبا سَلَمة؟ مثلُ الفَرُّوج يَسمَعُ الدِّيكةَ تَصرُخُ فيَصرُخُ معها، إذا جاوَز الختانُ الختانَ فقد وجَب الغُسلُ. قال أبو عُمر: على هذا القول جمهورُ أهل الفتوى بالحجازِ والعراقِ والشام ومصر، وإليه ذهَب مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والليثُ بنُ سَعْد، والأوزاعيُّ، والثوريُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عُبيد، والطَّبَريُّ (٢). واختلَف أصحابُ داودَ (٣) في هذه المسألة؛ فبعضُهم قال بما عليه الفقهاءُ والجمهورُ على ما وصَفْنا من إيجاب الغُسل بمُجاوزةِ الختانِ الختانَ، ومنهم مَن قال: لا غُسْلَ عليه إلا بإنزالِ الماءِ الدافق. وجعل في الإكْسال الوضوء.

стр. 8108

واحْتَج مَن ذَهَب هذا المذهبَ بما حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى القطّانُ، عن هشام بنِ عُروة، قال: أخبَرني أبي، قال: أخبرني أبو أيوبَ الأنصاريُّ، قال: أخبرني أُبيُّ بنُ كَعْب أنه قال: يا رسولَ الله، إذا جامَع الرجلُ المرأةَ فلم يُنزِل؟ قال: "يَغْسِلُ ما مسَّ المرأة، ثم يَتوَضَّأُ ويُصَلِّي" (١). وذكَره البُخاريُّ (٢)، عن مُسدَّد، بإسنادِه مثلَه سواء. وذكَره عبدُ الرزاق (٣)، عن ابن جُرَيج، قال: حدَّثني هشامُ بنُ عُروة. بإسنادِه مثلَه حرفًا بحرف. وهذا حديثٌ صحيحٌ من جهةِ الإسناد، إلا أن حديثَ عائشةَ يُعارضُه؛ لأنَّ مثلَها لا يَجهَلُ الحكمَ في هذا المعنى، وأيضًا فإن حديثَ أُبيِّ بنِ كَعْب هو في نفسِه واهٍ، من جهةِ رجوع أبيِّ بنِ كَعْبٍ عن القولِ به وهو الذي رواه، ولو كان عندَه غيرَ منسوخ لَمَا رجَع عنه؛ لأنَّ ما لم يُنْسَخْ من الكتابِ والسُّنة لا يجوزُ تركُه بوجْهٍ من الوُجوه، وقد كان هشامُ بنُ عُروة يقولُ (٤) به. ذكَر عبدُ الرزاق (٥)، عن مَعْمَر، قال: سمِعتُ هشامَ بنَ عُروةَ يقول: لقد أصَبْتُ فأكسَلْتُ ولم أُنزِلْ، فما اغتَسَلْتُ.

стр. 8109

وذكر عبد الرزاق (١) أيضًا، عن الثوريِّ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، عن أُبيِّ بنِ كَعْب، أنه سَمِعَ النبيَّ ﷺ يقول: "إذا جامَع أحدُكم فأكْسَل فليتوضَّأْ وضوءَه للصلاة". قال أبو عُمر: مَن روَى هذا الحديثَ عن أُبيِّ بنِ كَعْب، عن النبيِّ ﷺ لزِمه القولُ به، وعساهُ لم يبلُغْه رُجوعُ أُبيِّ بنِ كَعْب عنه، وأما رجوعُ أُبيِّ بنِ كَعْبٍ عن ذلك: فروَى مالكٌ في "موطئه" (٢)، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبدِ الله بنِ كَعْبِ مولى عثمانَ بنِ عَفان، أن محمودَ بنَ لَبيدٍ الأنصاريَّ سأل زيدَ بنَ ثابتٍ عن الرَّجل يُصيبُ أهلَه ثم يُكسِلُ ولا يُنزِلُ، فقال زيدٌ: يَغتَسِلُ. فقال محمودُ بنُ لَبيد: إن أُبَيَّ بنَ كَعْب كان لا يَرى الغُسلَ. فقال زيدٌ: إن أُبيًّا نزَع عن ذلك قبلَ أن يموت. وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلبُ بنُ شُعيب قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثني عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهاب، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قال: حدَّثني أُبيُّ بنُ كَعْبٍ أنَّ الفُتْيا التي كانوا يُفتُون بها؛ قولهم: إنّما الماءُ من الماء. رُخْصَةٌ كان رسول الله ﷺ أرخَص فيها في أول الإسلام، ثم أمَر بالغُسْلِ بعدُ (٣).

стр. 8110

فهذا بيِّنٌ في أن الماءَ من الماءِ منسوخٌ بالتقاءِ الخِتانين (١). وروَى هذا الحديثَ مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ لم يتَجاوَزْه (٢)، ولم يَسمَع الزهريُّ هذا الحديثَ من سَهْلِ بن سَعْد (٣).

стр. 8111

حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ بَحْر، قال: سمِعتُ موسى بنَ هارونَ يقول: كان الزهريُّ إنما يقولُ في هذا الحديث: "قال سَهْلُ بنُ سَعْد". ولم يَسمَع الزهريُّ هذا الحديثَ من سَهْلِ بنِ سَعْد، وقد سمِع من سَهْلٍ أحاديث، إلا أنه لم يَسمعْ هذا منه، رواه ابنُ وَهْب، عن عَمْرو بنِ الحارث، عن الزُّهريِّ قال: حدَّثني بعضُ مَن أرْضَى، أن سَهْلَ بنَ سَعْدٍ أخبَره. قال موسى: ولَعَمْري إنْ كان الزُّهريُّ سمِعه من أبي حازم، فإن أبا حازم رضًا، فقد روَى أبو حازم هذا الحديثَ عن سَهْلِ بنِ سَعْد: قال أبو عُمر: أما روايةُ ابنِ وَهْب، عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن الزُّهريِّ في هذه القصة؛ فأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال:

стр. 8112

أخبرني عَمْرُو بنُ الحارث، عن ابنِ شهاب، قال: حدَّثني بعضُ مَن أرْضَى، أن سَهْلَ بنَ سَعْدٍ الساعديَّ أخبَره، أنَّ أُبيَّ بنَ كَعْبٍ أخبَره، أنَّ رسول الله ﷺ إنما جعَل ذلك رُخصةً للناسِ في أول الإسلام، ثم أمَر بالغُسْل، ونَهَى عن ذلك. قال أبو داود: يعني: الماءُ من الماء. قال أبو داود (١): وحدَّثنا محمدُ بنُ مِهْران البزّازُ الرازيُّ، قال: حدَّثنا مُبشِّرٌ الحَلَبيُّ، عن محمدٍ أبي غسّان، وهو ابنُ مُطرِّف، عن أبي حازم، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قال: حدَّثني أُبيُّ بنُ كَعْب، أنَّ الفُتْيا التي كانوا يُفْتُون: الماءُ من الماء. كانت رُخصةً رخَّصها رسولُ الله ﷺ في بَدْءِ الإسلام، ثم أمَر بالاغتسالِ بعدُ.

стр. 8113

قال أبو داود (١): وحدَّثني أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني عَمْرُو بنُ الحارث، عن ابنِ شهاب، عن أبي سَلَمة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الماءُ مِن الماء". وكان أبو سَلَمة يَفعلُ ذلك. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، من جهةِ النقل ثابتٌ، ولكنه يحتملُ التأويل؛ لأنَّ قوله: "الماءُ مِن الماء". ليس فيه ما يَدفعُ: الماءُ من التقاءِ الختانَين؛ لأنَّ مَن أوجَب الغُسلَ من التقاءِ الختانَين يقول: الماءُ من الماء، ومن التقاءِ الختانَين أيضًا، زيادةُ حكم. وقد قيل: معنى "الماءُ من الماء": في الاحتلام، لا في اليَقظة. وهذا مجتمَع عليه فيمَن رأى أنه يُجامعُ ولم يُنزِل، أنه لا غُسْلَ عليه. وهذا لعَمْري تأويلٌ محتمَلٌ في: "الماءُ مِن الماء" لولا أنّ بعضَهم يَروي حديثَ أُبيِّ بنِ كَعْبٍ وحديثَ أبي سعيدٍ الخُدريِّ بغيرِ هذا اللفظ، وذلك قوله: "إذا جامَع أحدُكم فأكْسَل أو أقْحَط فلا يَغتَسِلْ، ولكن يتوَضَّأ". ذكَر عبدُ الرزاق (٢)، عن الثوريِّ، عن الأعمش، عن ذَكْوان، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أُعْجِلَ أحدُكم أو أقْحَط فلا يَغتَسْلْ".

стр. 8114

ورواه شُعبة، عن الحكم، عن ذَكْوانَ أبي صالح، عن أبي سعيد، مثلَه (١). وهذا يَحتملُ أن يكونَ أُعجِل فلم يَبلغْ مجاوزِةِ الخِتانِ الخِتانَ، إلا أنه قد رُوِيَ عن عثمان، عن النبيِّ ﷺ في ذلك ما: حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر وعبدُ الوارث بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا عبيدُ الله بنُ موسى، عن شَيْبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، أن عطاءَ بنَ يَسارٍ أخبَره، أنَّ زيدَ بنَ خالدٍ الجُهَنيَّ أخبَره، أنه سأل عثمانَ بنَ عفان، قال: قلت: أرأيتَ إذا جامَع الرَّجلُ امرأتَه ولم يُمْنِ؟ قال عثمان: يتَوضَّأ كما يتوَضَّأ للصلاة، وَيغسِلُ ذَكرَه، سمِعتُه من رسول الله ﷺ . قال: وسأل عن ذلك عليًّا، والزُّبير، وطلحة، وأُبيَّ بنَ كَعْب، فأمَروه بذلك. وذكَره البخاريُّ (٤)، عن سَعْدِ بنِ حَفْص خالِ النّفيليِّ، عن شيبان، بإسنادِه مثلَه سواءً إلى آخرِه. ورواه حسينٌ المعلِّمُ كما رواه شيبانُ عن يحيى سواء (٥).

стр. 8115

وهو حديثٌ انفَرد به يحيى بنُ أبي كثير، وقد جاء عن عثمان، وعليٍّ، وأبيِّ بنِ كَعْب، ما يَدفَعُه من نقلِ الثقاتِ الأثباتِ ويُعارِضُه، وقد دفَعه جماعةٌ منهم أحمدُ بنُ حنبل وغيرُه، وقال عليُّ بنُ المَدينيِّ: هو حديثٌ شاذٌ، وقد أفتَى عثمانُ وعليٌّ وأُبيٌّ بخلافِه. قال يعقوبُ بنُ شيبة: سمِعتُ عليَّ بنَ المَدينيِّ، وذكَر حديثَ يحيى بنِ أبي كثير هذا فقال: إسنادُه جيدٌ، ولكنه حديثٌ شاذٌّ. قال: وقد رُوِيَ عن عثمان، وعليٍّ، وأبيِّ بنِ كَعْب، أنهم أفْتَوا بخلافِه. قال يعقوبُ بنُ شيبة: هو حديثٌ منسوخ، كان في أولِ الإسلام، ثم جاء بعدُ عن النبيِّ ﷺ أنه أمَر بالغُسل من مسِّ الختانِ الختانَ، أنزَل أم لم يُنزِل (١).

стр. 8116

قال أبو عُمر: روَى مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أن عُمرَ بنَ الخطاب، وعثمانَ بنَ عفان، وعائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ ، كانوا يقولون: إذا مسَّ الخِتانُ الخِتانَ فقد وجَبَ الغسلُ. وهذا هو الصحيحُ عن عثمانَ من نقلِ الثقاتِ الأئمةِ الحُفّاظ.

стр. 8117

وذكَر عبدُ الرزاق (١)، عن مَعْمر، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيِّب، قال: كان عُمرُ، وعثمانُ، وعائشةُ، والمهاجرون الأوَّلون، يقولون: إذا مسَّ الختانُ الختانَ فقد وجبَ الغُسْل. وعلى أن لفظَ حديثِ عُثمانَ المرفوع ليس فيه تصريحٌ لمجاوزةِ الختانِ الختانَ، وهو محتمِلٌ للتأويل الذي ذكَرْناه في حديثِ أبي سعيد. وقال الأثرم: قلت لأحمدَ بنِ حنبل: حديثُ حسينٍ المعلِّم، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن عطاءِ بنِ يَسار، عن زيدِ بنِ خالدٍ قال: سألتُ خمسةً من أصحابِ رسول الله ﷺ ؛ عثمانَ بنَ عفان، وعليَّ بنَ أبي طالب، وطلحة، والزبير، وأبيَّ بنَ كَعْب، قالوا: الماءُ من الماء. فيه علةٌ تَدْفَعُه بها؟ قال: نعم، بما يُروَى عنهم من خلافِه. قلت: عن عثمان، وعليٍّ، وأبيِّ بنِ كَعْب؟ قال: نعم. وقال أحمدُ بنُ حنبل: الذي أرَى، إذا جاوَز الختانُ الختانَ فقد وجَب الغُسْل. قيل له: قد كنتَ تقولُ غيرَ هذا؟ فقال: ما أعلَمُني قلتُ غيرَ هذا قطُّ. قيل له: قد بلَغَنا ذلك عنك (٢)، قال: اللهُ المستعانُ. قال أبو عُمر: قد تُكُلِّم في حديثِ أبي سَلَمةَ للاختلافِ عنه فيه؛ لأنَّ ابنَ شهابٍ يَرويه عن أبي سَلَمة، عن أبي سعيد، ويحيى بنَ أبي كثير يَرْويه عن أبي سَلَمة، عن عطاءِ بنِ يَسار، عن زيدِ بنِ خالد، عن عثمان. ومن أهل الحديثِ مَن جعلَهما حديثَين وصحَّحهما، وهو الصواب (٣)؛ لأنّ حديثَ أبي سعيد رُوِيَ من وجوءه عن أبي سعيد، فهو غيرُ حديثِ عثمانَ بلا شكٍّ، واللّهُ الموفِّق للصواب.

стр. 8118

وأما الرِّواياتُ عن الصحابةِ ومَن بعدَهم في هذا الباب؛ فمنها ما ذكَر عبدُ الرزاق (١)، عن الثوريِّ، عن جابر، عن الشعبيِّ، قال: حدَّثني الحارثُ، عن عليٍّ، وعَلْقمةُ، عن عبدِ الله بنِ مسعود، ومَسْروقٌ، عن عائشة، قالوا: إذا جاوَز الختانُ الختانَ فقد وجَب الغُسْلُ. قال مسروقٌ: وكانت أعلمَهم بذلك. يعني عائشة. وعن مَعْمَر، عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عَقيل، أن عليًّا قال: كما يجبُ منه الحدُّ، كذلك يَجبُ منه الغُسْلُ (٢). وعن محمّدِ بنِ مُسلم، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن أبي جعفر، أن عليًّا وأبا بكرٍ وعُمرَ قالوا: ما أوجَب الحدَّيْن؛ الرجمَ والجَلْد، أوجَب الغُسْل (٣). وعن عليٍّ وشريح قالا: أيُوجِبُ الحدَّ ولا يُوجِبُ قَدَحًا من ماءٍ (٤)؟! وعن ابنِ جُرَيج وعبدِ الله بنِ عُمر، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، قال: إذا جاوَز الختانُ الختانَ وجَب الغُسْل (٥). وعن الثوريِّ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمة، أنَّ ابنَ مسعودٍ سُئِل عن ذلك فقال: إذا بلَغْتُ ذلك اغتسَلْتُ. قال سُفيان: والجماعةُ على الغُسْل (٦). قال أبو عُمر: ذكَر ابنُ خُوَيْزمَنْدادَ أن إجماعَ الصحابةِ انعَقَد على إيجابِ الغُسلِ من التقاءِ الختانين. وليس ذلك عندَنا كذلك، ولكنا نقول: إن الاختلافَ في هذا ضعيفٌ، وأن الجمهورَ الذين هم الحُجّةُ على مَن خالَفهم من السلفِ والخلفِ انعَقَد إجماعُهم على إيجاب الغُسْل من التقاءِ الختانين ومجاوزَةِ الختانِ الختانَ، وهو

стр. 8119

الحقُّ إن شاء الله، وكيف يجوزُ القولُ بإجماع الصحابةِ في شيء من هذه المسألة مع ما ذكَرْناه في هذا الباب، ومع ما ذكَره عبدُ الرزاق (١)، عن ابنِ عُيَينة، عن زيدِ بنِ أسلم، عن عطاءِ بنِ يَسار، عن زيدِ بنِ خالد، قال: سمِعتُ خمسةً من المهاجرين لا آلُو، منهم عليُّ بنُ أبي طالب، فكلُّهم قال: الماءُ مِن الماء. قال عبدُ الرزاق (٢): وأخبرَنا ابنُ مجاهد، عن أبيه، قال: اختلَف المهاجرون والأنصارُ فيما يُوجبُ الغُسْل؛ فقالت الأنصار: الماءُ من الماء. وقال المهاجرون: إذا مسَّ الختانُ الختانَ وَجَبَ الغُسْل. فحكَّموا بينَهم عليَّ بنَ أبي طالب واختَصَموا إليه، فقال عليٌّ: أرأيتُم لو رأيتُم رجلًا يُدخِلُ ويُخرِجُ، أيجِبُ عليه الحدُّ؟ قالوا: نعم. قال: فيُوجِبُ الحدَّ، ولا يُوجِبُ صاعًا من ماء؟! فقضى للمهاجرين، فبلَغ ذلك عائشةَ فقالت: ربما فعَلْنا ذلك أنا ورسول الله ﷺ فقُمْنا واغتسَلْنا. قال (٣): وأخبرنا ابنُ عُيينة، عن عَمْرِو بنِ دينار، قال: أخبَرني إسماعيلُ الشَّيبانيُّ عن امرأةِ رافع بنِ خَديج، أنَّ رافعَ بنَ خديج (٤) كان لا يَغتَسِلُ إلا إذا أنزَل الماء. وكان إسماعيلُ قد خلَف على امرأةِ رافع.

стр. 8120

قال (١): وأخبَرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرني عَمْرُو بنُ دينار، عن عُبيد الله بنِ أبي عياض، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ أنه قال: الماءُ مِن الماء. قال (٢): وأخبَرنا ابنُ جُرَيج، قال: قال لي عطاءٌ: سمِعتُ ابنَ عباس يقول: الماءُ مِن الماء. قال: وأخبَرنا ابنُ عُيَينة، عن عَمْرو، عن عطاء، عن ابنِ مسعود، مثلَه. قال أبو عُمر: عطاءٌ لم يَسمعْ من ابنِ مسعود، وقد قدَّمْنا بإسنادٍ صحيح عن ابنِ مسعودٍ خلافَ هذا (٣). وأما أصحابُ داودَ فاختلَفوا في هذه المسألة؛ فطائفةٌ منهم قالت بما عليه جمهورُ الفقهاءِ من إيجاب الغُسْل إذا التَقَى الخِتانان، ومنهم مَن أبي ذلك وقال: لا غُسْلَ إلا بالإنزال. وهو المشهورُ عن داود (٤). واحتجَّ مَن ذهَب مذهبَه في ذلك بأن الحديثَ عن رسول الله ﷺ بذكر: "الماءُ مِن الماء". أثبتُ من جهةِ النقل؛ رواه أُبيُّ بنُ كَعْب، وعثمانُ بنُ عفان، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وغيرُهم، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال في الإكسال الوُضوء، وفي الإنزال الغُسْل (٥). قالوا: وعلى ذلك جماعةُ الأنصارِ وجمهورُهم، ومن المهاجرين: عليٌّ وابنُ عباس، وعثمان، وغيرُهم. وضعَّفوا حديثَ عليٍّ في إيجاب الغُسْلِ من التقاءِ الختانين؛ لأنه يَدورُ على جابرٍ الجُعفيِّ والحارثِ الأعور، وهما ضعيفان.

стр. 8121

وقالوا: حديثُ عثمانَ المُسندُ أولى بالمصير إليه مما رُوِى عنه في ذلك؛ لأنَّ الحديثَ عليه حجةٌ، وليس هو على الحديثِ حجةً، وإنما يسُوغُ ما ذهَب إليه راوي الحديث إذا لم يَدْفَعْه، فأما إذا دفَعَه فالحُجّة في المسنَد. ولهم في هذا المعنى كلامٌ يطولُ تركْتُه. قالوا: ورجوعُ أبيٍّ بن كَعْبٍ عن ذلك لا يَصحُ؛ لأنَّ خبرَ زيدِ بنِ ثابتٍ وأبيٍّ في ذلك يدورُ على عبدِ الله بنِ كَعْب، ولم يَصحَّ له سماعٌ من زيدِ بنِ ثابت، وإنما يَروي عن خارجةَ بنِ زيد، وهو أيضًا غيرُ مشهور بنقلِ العلم، وخبرُ ابن شهاب في ذلك لم يَسمَعْه من سَهْلِ بنِ سَعْد، ولا يُدرَى مَن بينَهما على صحة (١). قالوا: وأقلُّ أحوالِ هذه المسألة أن تَتكافأ فيها الحُججُ، فتتعارَضَ فيها الآثارُ، فيُرجَعُ حينئذٍ إلى ظاهرِ كتاب الله، وليس في كتاب الله إيجابُ الغُسْل إلا على مَن كان جُنبًا، ولا جُنبَ إلا الذي يُنزِلُ الماءَ الدافق. قالوا: ووجهٌ آخر، أن الفرائضَ لا تجبُ إلا بيقين، ولا يقينَ في هذه المسألةِ إلا على قولِ مَن لم يُوجِبِ الغُسْل إلا بإنزالِ الماء، وهو الاتفاقُ الذي يُقطَعُ عليه ويُستَيْقَن، وباللّه التوفيق. قال أبو عُمر: لا مَدخلَ عندَ أولي الألباب من العلماءِ للنظرِ عندَ ثبوتِ الأثر، وما ادَّعاه هؤلاء من ثبوتِ حديث: "الماءُ مِن الماء". فقد مضَى الجوابُ عن ذلك، وعلّةُ حديثِ أُبيٍّ بيِّنة؛ لرُجوعِه عن الفُتْيا به، ومعلومٌ أنه لا يجوزُ أن يدعَ الناسخَ ويأخذَ المنسوخ، ولا حُجّة في حديثِ أبي أيوب؛ لأنه إنما يَرْويه عن أُبيِّ بنِ كَعْب، وحديثُ أبي سعيدٍ وغيرِه يحتمِلُ أن يكونَ أكْسَل ولم يُجاوِز الختانُ الختانَ، فهذا فيه الوضوءُ؛ للمُلامسةِ والمباشرة، ولا يَصِحُّ عن المهاجرين ما ذُكِرَ،

стр. 8122

بل الصَّحيحُ عنهم غيرُ ما وُصِفَ، على ما تقدَّم عنهم في هذا الباب، وحديثُ عثمانَ المرفوعُ لا يَصحُّ؛ لأنه لو صحَّ عن عثمانَ وعندَه، ما خالَف، وقد كان يُفْتي بخلافِه، وكلُّ خبرٍ مَرويٍّ في: "الماءُ مِن الماء". محتملٌ للتأويل على ما وصَفْنا في هذا الباب. وخبرُ ابنِ شهابٍ عن سَهْلٍ صحيحٌ عندَنا؛ لروايةِ أبي حازم له، وموضعُ ابنِ شهاب مَوضِعُه، وعبدُ الله بنُ كَعْب معروف؛ روَى عنه يحيى بنُ سعيد، ومحمدُ بنُ إسحاق، وغيرُهما، وقد مضَى القولُ في هذه المعاني مبسوطًا لمن تدبَّرها. وأمّا ما رجَّحوه من الاحتياطِ في تركِ إيجابِ الفَرْضِ إلا بيقين، فإنه يَدخُلُ عليهم أنّ الصلاةَ لا تَجبُ أن تُؤدَّى إلا بطهارةٍ مجتمع عليها، وقد أجمعْنا على أن المُجامعَ إذا أكْسَل ولم يُنزِلْ فقد وجَبَت عليه طهارةٌ، وصار في حالةٍ لا يدخُلُ معها في الصلاةِ حتى يَطهُر، وأجمَعوا أنّ الغُسلَ طهارةٌ له إن فعلَه، ولم يُجمِعوا على أن الوُضوءَ طهارةٌ له، فالواجبُ على الاحتياطِ القولُ بالغُسل إن شاء الله، والأحوطُ الصحيحُ في هذا ما جاء عن عائشةَ مرفوعًا وموقوفًا، وعلى حديثِها المدارُ في هذا الباب، وحديثُ أبي هُريرةَ مثلُه (١)، ولا يَصِحُّ فيه دعوى إجماع الصحابة، وقد يَقرُبُ فيه دعوى إجماع مَن دونهم، إلا مَن شذَّ ممّن لا يُعَدُّ خلافًا عليهم ويلزَمُه الرُّجوعُ إليهم، والقولُ بأنْ لا غُسْلَ من التقاءِ الختانين شُذوذٌ، وهو عندَ جمهورِ الفقهاءِ مهجورٌ مرغوبٌ عنه مَعيبٌ، والجماعةُ على الغُسْل، وباللّه التوفيق.

стр. 8123

حديثٌ ثالثٌ ليَحيى بنِ سَعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رجُلًا من أسْلَمَ جاء إلى أبي بكرٍ الصديق، فقال له: إنَّ الآخِرَ (٢) زنَى. فقال له أبو بكر: هل ذكَرتَ ذلك لأحدٍ غيري؟ فقال: لا. فقال له أبو بكر: فتُبْ إلى الله، واستَترْ بسِتْرِ الله، فإنّ الله يقبلُ التوبةَ عن عِبادِه. فلم تُقرِرْه نفسُه حتى أتى عُمرَ بنَ الخطاب، فقال له عُمرُ مثلَ الذي قال له أبو بكر، فلم تُقْرِرْه نفسُه حتى جاء رسول الله ﷺ ، فقال له: إن الأخِر زَنَى. فقال سعيد: فأعْرَض عنه رسول الله ﷺ ثلاثَ مرات (٣)، كلّ ذلك يُعرضُ عنه رسول الله ﷺ ، حتى إذا أكثَر عليه بعَث رسول الله ﷺ إلى أهلِه، فقال: "أيَشْتَكي؟ أبه جِنَّة؟ ". فقالوا: يا رسولَ الله، واللّه إنه لَصحيح. فقال: "أبِكرٌ أم ثيّبٌ؟ " فقالوا: بل ثَيّبٌ يا رسولَ الله. فأمَر به رسول الله ﷺ فرُجِم. هذا الحديثُ مرسلٌ عندَ جماعةِ الرُّواة عن مالك (٤)، وقد تابَعه على إرسالِه طائفةٌ من أصحاب يحيى بن سعيد. وروَى هذا الحديثَ الزُّهريُّ، فاختُلف عليه: فرواه يونس، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمة، عن جابر، أنَّ رجلًا من أسلمَ أتى النبيَّ ﷺ ، الحديثَ (٥).

стр. 8124

ورواه شُعيبُ (١) بنُ أبي حمزة (٢) وعُقيلُ بنُ خالد (٣)، عن ابنِ شهاب، عن أبي سَلَمةَ وسعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هُريرة. قال شُعيبٌ: أتى رجلٌ من أسلَمَ النبيَّ ﷺ . وقال عُقَيلٌ: أتى رجلٌ من المُسلمين رسولَ الله ﷺ . بمعنى واحد، وألفاظٍ مختلفة، ولم تَختلِفْ ألفاظُهم في أنه ماعزٌ الأسلَميُّ، وأنه ردَّه رسول الله ﷺ أربعَ مرات. وروَى هذا الحديثَ مالكٌ (٤)، عن ابنِ شهاب مرسلًا، وقد ذكَرناه في مراسيل (٥) ابنِ شهاب، وذكَرْنا هناك الآثارَ المرويةَ في هذا الباب، وكثيرًا من الأحكام التي تُوجبُها ألفاظُها، والحمدُ للّه. وفي هذا الحديثِ من الفقه: أن السِّترَ أوْلى بالمُسلم على نفسه - إذا واقَع حدًّا من الحدود - من الاعتراف به عندَ السلطان، وذلك مع اعتقادِ التوبةِ والنَّدَم على الذَّنْب، وتكونُ نيَّتُه ومعتَقدُه ألّا يعود، فهذا أوْلى به من الاعتراف، فإن الله يقبَلُ التوبةَ عن عبادِه، ويُحبُّ التوابين، وهذا فعلُ أهل العَقْلِ والدِّين؛ النّدَمُ والتوبةُ، واعتقادُ أن لا عودةَ، ألا تَرى إلى قوله: "أيَشْتَكي؟ أبِه جِنّةٌ؟ ". وروَى يزيدُ بنُ هارون، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنّ ماعزَ بنَ مالكٍ الأسلميَّ أتى إلى أبي بكر، فأخبَره أنه زَنَى، فقال له أبو بكر: هل ذكَرتَ ذلك لأحدٍ قبلي؟ فقال: لا. فقال له أبو بكر: استَتِرْ بسِتْرِ الله، وتُبْ إلى الله؛ فإن الناسَ يُعَيِّرونَ ولا يُغَيِّرونَ، وإنّ اللهَ يَقبَلُ التوبةَ عن عبادِه (٦).

стр. 8125

وأما إعراضُ رسول الله ﷺ عنه، ففيه مذاهبُ لأهلِ العلم؛ منهم مَن زعَم أن ذلك كان لأنَّ الإقرارَ لا بدّ أن يكونَ أربعَ مرات، كالشهادات على الزِّنى، وكان إعراضُه لئلّا يَتمَّ الإقرارُ الموجبُ للحدِّ، محبّةٌ في السّتر، فلمّا تمَّ الإقرارُ على حُكمِه أمَر بالرَّجْم. ومنهم مَن قال: مرةٌ واحدةٌ تُجزئ. وقد ذكَرْنا مذاهبَهم والآثارَ التي منها نزَع وفرَّع كلُّ فريق منهم قولَه في بابِ مُرسلِ ابنِ شهاب من هذا الكتاب (١). وفي قوله ﵇: أَيْشْتَكي؟ أبِه جِنّةٌ؟ ". دليلٌ على أنه إنما ردَّه وأعرَض عنه من أجل ذلك، واللّهُ أعلم، لا ليتمَّ إقرارُه أربعَ مراتٍ كما زعَم مَن قال ذلك. ويدلُّ على صحةِ هذا التأويل قولُه ﷺ في حديثِ ابنِ شهاب: "واغْدُ يا أُنيسُ على امرأةِ هذا، فإن اعْتَرفَت فارْجُمها" (٢). ولم يقل: إن اعتَرفَت أربعَ مرات. وفي حديث الأوزاعيِّ، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المُهاجر، عن عِمْرانَ بن حُصين، أن امرأةً قالت: يا رسولَ الله، إني أصَبْتُ حدًّا فأقِمْه علَيَّ. فأمَر بها فشُكَّت عليها ثيابُها (٣). وقد ذكَرنا هذا الخبرَ في باب يعقوبَ بن زيدٍ من هذا الكتاب.

стр. 8126

وفيه أيضًا دليلٌ على أن المجنونَ لا يلزَمُه حدٌّ، ولهذا ما سأل رسول الله ﷺ "أَيَشتَكي؟ أبِه جِنّةٌ؟ ". وهذا إجماعٌ، أن المجنونَ المَعتُوهَ لا حدَّ عليه، والقلمُ عنه مرفوعٌ. وفيه دليلٌ على أن إظهارَ الإنسانِ ما يأتيه من الفواحشِ حُمقٌ لا يفعَلُه إلا المجانينُ، وأنه ليس من شأنِ ذوي العُقول كشفُ ما واقَعوه (١) من الحُدود والاعترافُ به عندَ السلطانِ وغيرِه، وإنما من شأنهم السترُ على أنفُسِهم والتوبةُ من ذنوبهم، وكما يلزَمُهم السترُ على غيرهم فكذلك يلزَمُهم السترُ على أنفسِهم، وسنذكُرُ في هذا الباب والباب الذي بعدَه في السترِ أحاديثَ يَستدِلُّ بها الناظرُ في كتابنا على صحّةِ هذا إن شاء الله. وفيه دليلٌ على أن حدَّ الثيِّب غيرُ حدِّ البِكْرِ في الزِّنى، ولهذا ما سأل رسول الله ﷺ : "أبكرٌ هو أم ثيبٌ؟ ". ولا خلافَ بينَ علماءِ المسلمين أن حدَّ البكرِ في الزِّنى غيرُ حدّ الثيِّب، وأن حدَّ البكرِ الجلدُ وحدَه، وحدَّ الثيبِ الرجمُ وحدَه، إلا أن من أهلِ العلم مَن رأى على الثيِّب الجلْدَ والرجْمَ جميعًا، وهم قليل، رُوِيَ ذلك عن عليٍّ (٢)، وعُبادة (٣)، وتعلَّق به داودُ وأصحابُه، والجمهورُ على أن الثيِّبَ يُرجَمُ ولا يُجلَدُ. وقد ذكَرْنا الاختلافَ في ذلك في باب ابنِ شهاب، عن عبيدِ الله (٤).

стр. 8127

وأما أهلُ البدع من الخوارج والمعتزلة، فلا يرَوْن الرجمَ على أحدٍ من الزُّناة؛ ثيِّبًا كان أو غيرَ ثيِّب، وإنّما حدُّ الزُّناة عندَهم الجلْدُ، الثيِّبُ وغيرُ الثيِّب سواءٌ عندَهم، وقولهُم في ذلك خلافُ سُنّةِ رسول الله ﷺ ، وخلافُ سبيلِ المؤمنين، فقد رجَم رسول الله ﷺ والخلفاءُ بعدَه، وعلماءُ المسلمين في أقطارِ الأرض متَّفقون على ذلك من أهل الرأي والحديث، وهم أهلُ الحق، وباللّه التوفيق. وأما قوله: "إن رجلًا من أسلَم جاء إلى أبي بكرٍ الصديق" فهذا الرجلُ هو ماعزٌ الأسلميُّ، لا يَختلِفُ أهلُ العلم في ذلك، وقد تقدَّم من روايةِ يزيدَ بنِ هارون، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنه ماعزُ بنُ مالكٍ الأسلميّ (١). وهو معروفٌ عندَ العلماءِ محفوظٌ، لا يختلِفون فيه (٢). أخبرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ منصور، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سَنْجَر، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سِماك، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله ﷺ ماعزُ بنُ مالك، فاعترَف مرتين، فقال: "اذهَبوا به ثم رُدُّوه". فاعترَف مرَّتين، حتى اعترَف أربعًا، فقال: "اذهَبوا به فارجُموه" (٣). قال ابنُ سَنْجَر (٤): وحدَّثنا عارم، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن سِماكِ بنِ حَرْب،

стр. 8128

عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباس، أنَّ رسول الله ﷺ قال لماعز: "ما بلَغَني عنكَ؟ ". قال: وما بلَغَك عنِّي؟ قال: "وقَعتَ على جاريةِ بني فُلان؟ ". قال: نعم. قال: فشَهِدَ على نَفْسه أربعَ شهادات، أو أقرَّ أربعَ مرّات. قال: فأمَر النبيُّ ﷺ برجمه. وفي الباب بعدَ هذا في قصةِ هزّال بيانُ ذلك أيضًا (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الله (٢)، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا عبدُ المجيد، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني أبو الزُّبير، أنه سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: رجَمَ رسول الله ﷺ رجُلًا من أسْلَم، ورجُلًا من اليهودِ وامرأة (٣). حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا عبدُ الصّمدِ بنُ عبدِ الرَّحمن المَرْوزيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ الحسين، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمرَ الزَّهرانيّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ لَهيعة، قال: حدَّثنا أبو الزُّبير، قال: سألتُ جابرَ بنَ عبد الله: هل رجَمَ رسول الله ﷺ ؟

стр. 8129

قال: رجَمَ رجلًا من أسلَمَ، ورجُلًا من اليهودِ وامرأة، وقال لليهوديِّ: "نحن نَحكُمُ عليكم اليومَ" (١). حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ إسماعيلَ أبو عيسى الأسوانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ وَكيع بن الجرّاح الرُّواسيُّ، قال: حدَّثني أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامرٍ الشَّعبيِّ، عن عبدِ الرحمن بن أبْزى، عن أبي بكرٍ الصديق، أن ماعزًا أقرَّ على نفسِه بالزِّنى عندَ رسول الله ﷺ ثلاثَ مرات، فقال له النبيُّ ﷺ : "إن إقْرَرْتَ الرابعةَ أقَمْتُ عليكَ الحدَّ". فأقَرَّ عندَه الرابعة، فأمَر به فحُبِس، ثم سأل عنه فذكَروا خيرًا، فرُجِم (٢).

стр. 8130

وليس في هذا الحديثِ حجّةٌ من أجلِ جابرٍ الجُعفيِّ، وإنما ذكَرناه ليُعرَف، وقد أجمعوا على أنه يُكتبُ حديثُه، واختلَفوا في الاحتجاج به، وكان يحيى وعبدُ الرحمن لا يُحدِّثان عنه، وكان أحمدُ وابنُ معينٍ يضعِّفانه، وشهِد له بالصدقِ والحفظ؛ الثوريُّ، وشُعبة، ووَكيعٌ، وزهيرُ بنُ مُعاوية، وقال وَكيع: مهما شكَكْتُم في شيءٍ فلا تَشُكُّوا أن جابرًا الجُعفيّ ثقةٌ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَكَم (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمار، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: أخبَرني عثمانُ بنُ أبي سَوْدة، قال: حدَّثني مَن سمِع عُبادةَ بنَ الصامتِ يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن اللهَ ليَسْتُرُ العبدَ مِن الذنبِ ما لم يَخرِقْه". قالوا: وكيف يَخرِقُه يا رسولَ الله؟ قال: "يُحَدِّثُ به الناسَ" (٢). وأما قوله: "إن الآخِرَ زَنَى" فالروايةُ بكسْرِ الخاء، وهو الصوابُ، ومعناه أن الرَّذْلَ الدَّنيء زَنَى (٣)، كأنَّه يدعُو على نفسِه ويَعيبُها بما نزَل به من مُواقَعةِ الزِّنى. قال أبو عُبيد: ومن هذا قولهم: السؤالُ آخِرُ كسبِ الرجل؛ أي: أرذلُ كسبِ الرجل. وقال الأخفشُ: كَنَى عن نفسِه، فكسَر الخاءَ، وهذا إنما يكونُ لمَن حدَّث عن نفسِه بقبيح يكرَهُ أن يَنسِبَ ذلك إلى نفسِه.

стр. 8131

حديث رابعٌ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنه قال: بلَغني أنَّ رسول الله ﷺ قال لرجلٍ - من أسلَمَ يقال له: هَزّالٌ: "يا هَزّالُ (٢)، لو ستَرتَه بردائِك لكانَ خيرًا لك". قال يحيى بنُ سعيد: فحدَّثْتُ بهذا الحديثِ في مجلسٍ فيه يزيدُ بنُ نُعَيم بنِ هَزّالٍ الأسْلَميُّ، فقال يزيدُ: هَزّالٌ جَدِّي، وهذا الحديثُ حقٌّ. وهذا الحديثُ لا خلافَ في إسنادِه في "الموطأ" على الإرسال (٣) كما ترَى، وهو يَستنِدُ من طرقٍ صِحاح. أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلبُ بنُ شُعيب، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن يزيدَ بنِ نُعيم، عن جدِّه هَزّال، وعن محمدِ بنِ المنْكَدر، عن هَزّال، أنه أمَر ماعزًا الأسلَميَّ أن يأتي رسول الله ﷺ فيُخبِرَه بحَدَثِه، فأتاه ماعزٌ، فأخبَره بحَدَثِه، فأعْرَض عنه مِرارًا، وهو يُردِّدُ ذلك على رسول الله ﷺ ، فبعَث إلى قومِه فسألهم: "أبِه جِنّةٌ؟ ". فقالوا: لا. فسأل عنه: "أثيِّبٌ أم بِكْرٌ؟ ". قالوا: ثيِّبٌ. فأمَر به فرُجِم، ثم قال: "يا هَزّالُ، لو ستَرْتَه بردائِكَ كان خيرًا لكَ" (٤).

стр. 8132

وأخبَرنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ نُعيم بنِ هَزّال، عن أبيه، أن ماعزَ بنَ مالكٍ كان في حِجْرِ أبيه هزّال، فلمّا فجرَ قال له أبي: لو أتيتَ رسول الله ﷺ فأخبَرتَه. فلهذا قال رسول الله ﷺ لهزّال حينَ لَقِيَه: "يا هَزّالُ، لو سترْتَه بردائِكَ كان خيرًا لكَ" (١). حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البغداديُّ بُكيرٌ بمكّة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يونسَ الكُدَيميُّ، قال: حدَّثنا الربيعُ بنُ يحيى الأُشنانيُّ،

стр. 8133

قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ المُنكدر، عن ابنِ هَزّال، عن أبيه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لو ستَرْتَه بردائِك كان خيرًا لك" (١). قال أبو عُمر: هذا الحديثُ، وإن كنا ذكَرْناه من روايةِ الكُدَيميِّ، فإنه محفوظٌ عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ المنكدر، عن ابنٍ لهَزّال، عن هَزّال، وعن يحيى بنِ سعيد، عن يزيدَ بنِ نُعيم بنِ هَزّال، من وجوه. وقد ذكَرْنا الحُكْمَ في معاني هذا الحديثِ في مواضعَ سلَفَت من كتابنا، والحمدُ للّه (٢). وقد رُوِيَت آثارٌ عن النبيِّ ﷺ في فَضْلِ السِّتْرِ على المُسلم، أذكُرُ منها ما حضَرني ذِكْرُه بعوْنِ الله. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الفضل عارمٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن سُليمانَ الأعمش، عن أبي صالِح، عن أبي هُريرة - وربّما قال: عن أبي سعيد - قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن نَفَّس عن مُسلم كُرْبةً من كُرَب الدُّنيا، نَفَّس اللهُ عنه كُرْبةً من كُرَبِ الآخرة، ومَن يسَّر على مُسلم في الدُّنيا (٣)، يسَّر اللهُ عليه في الدُّنيا والآخرة، ومَن سَتَر على مُسلم، ستَر اللهُ عليه في الدُّنيا والآخرة، واللّهُ في عَوْنِ العبدِ ما كان العبدُ في عَوْنِ أخيه" (٤).

стр. 8134

حدَّثنا أحمدُ بنُ عُمر (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عبدِ الله بنِ سيف، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مَسْلَمةَ بنِ

стр. 8135

قَعْنَب، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن محمدِ بنِ واسع، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله: "مَن فرَّج عن أخيه كُرْبةً من كُرَب الدنيا، فرَّج اللهُ عنه كُرْبةً من كُرَبِ الآخرة، ومَن ستَر أخاهُ، ستَرَه اللهُ في الدُّنيا والآخِرَة، واللّهُ في عوْنِ العبدِ ما كان العبدُ في عَونِ أخيه" (١). أخبرنا أحمدُ بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ السَّرْح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن أبيه، عن مولى لخارجةَ حدَّثه، عن أبي صيّادٍ الأسودِ

стр. 8136

الأنصاريِّ - وكان عَريفَهم - أن رجلًا قدِم، فحَلَّ ببابِ مَسلمةَ بنِ مَخْلَد، واستَأذَن، فأذِن له، وقال: حُلَّ. قال: لا، ولكن أرْسِلْ معي إلى عقبةَ بنِ عامر. فأرْسَل معه أبا صيّاد، فدخَلُوا على عقبة، فرحَّب به، فقال الرجلُ لعقبة: هل تَذكُرُ مجلِسًا كنا فيه عندَ رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "مَن ستَر عورةَ مؤمنٍ كانت له كمَوْؤودةٍ أحْياها؟ " قال عقبة: نعم، لَعَمْري إني لَحاضرٌ ذلك، وسمِعتُه منه. فكبَّر الرجلُ، وقال: لهذا ارْتَحَلْتُ. ورجَع (١).

стр. 8137

حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ سُليمانَ المِنْقَريُّ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، قال: حدَّثنا همّامُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي طلحة، قال: حدَّثنا شيبةُ الحَضْرميُّ، قال: شهِدتُ عُروةَ بنَ الزُّبير يُحدِّثُ عُمرَ بنَ عبدِ العزيز، عن عائشةَ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ كنتُ حالِفًا عليهنّ، ولو حلَفْتُ على الرابعةِ رجَوْتُ ألّا آثَمَ؛ لا يَجعلُ اللهُ مَن له سهْمٌ في الإسلام كمَن لا سهمَ له". قال: "وسِهامُ الإسلام الصلاةُ والصيامُ والصدقةُ، ولا يُحبُّ رجلٌ قومًا إلا جاء معهم يومَ القيامة، ولا يتوَلَّى اللهَ عبدٌ في الدُّنيا فيُولِّيَه غيرَه يومَ القيامة، والرابعة، لا يَستُرُ اللهُ على عبدٍ في الدنيا إلا ستَرَه يومَ القيامة". هكذا قال: شَيبةُ الحَضْرميُّ، وإنما هو شَيبةُ الخُضْريُّ، وكذلك رواه عفانُ، عن همّام؛ ذكَره ابنُ أبي شيبة (١)، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا همامٌ، قال: سمِعتُ إسحاقَ بنَ عبدِ الله بنِ أبي طلحة، قال: حدَّثني شَيبةُ الخُضْريُّ، أنه شهِد عُروةَ يُحدِّثُ عُمرَ بنَ عبدِ العزيز، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يَجعلُ اللهُ رجلًا له سهمٌ في الإسلام كمَن لا سهمَ له". وذكَر الحديثَ سواءً إلى آخرِه بمعناه، وزاد: فقال عُمرُ بنُ عبدِ العزيز: إذا سمِعتُم بمثل هذا الحديثِ عن مثل عُروة، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ فاحْفَظُوه.
следующие страницы →