← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8133–8172 · переход к 8138.

стр. 8133

قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ المُنكدر، عن ابنِ هَزّال، عن أبيه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لو ستَرْتَه بردائِك كان خيرًا لك" (١). قال أبو عُمر: هذا الحديثُ، وإن كنا ذكَرْناه من روايةِ الكُدَيميِّ، فإنه محفوظٌ عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ المنكدر، عن ابنٍ لهَزّال، عن هَزّال، وعن يحيى بنِ سعيد، عن يزيدَ بنِ نُعيم بنِ هَزّال، من وجوه. وقد ذكَرْنا الحُكْمَ في معاني هذا الحديثِ في مواضعَ سلَفَت من كتابنا، والحمدُ للّه (٢). وقد رُوِيَت آثارٌ عن النبيِّ ﷺ في فَضْلِ السِّتْرِ على المُسلم، أذكُرُ منها ما حضَرني ذِكْرُه بعوْنِ الله. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الفضل عارمٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن سُليمانَ الأعمش، عن أبي صالِح، عن أبي هُريرة - وربّما قال: عن أبي سعيد - قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن نَفَّس عن مُسلم كُرْبةً من كُرَب الدُّنيا، نَفَّس اللهُ عنه كُرْبةً من كُرَبِ الآخرة، ومَن يسَّر على مُسلم في الدُّنيا (٣)، يسَّر اللهُ عليه في الدُّنيا والآخرة، ومَن سَتَر على مُسلم، ستَر اللهُ عليه في الدُّنيا والآخرة، واللّهُ في عَوْنِ العبدِ ما كان العبدُ في عَوْنِ أخيه" (٤).

стр. 8134

حدَّثنا أحمدُ بنُ عُمر (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عبدِ الله بنِ سيف، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مَسْلَمةَ بنِ

стр. 8135

قَعْنَب، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن محمدِ بنِ واسع، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله: "مَن فرَّج عن أخيه كُرْبةً من كُرَب الدنيا، فرَّج اللهُ عنه كُرْبةً من كُرَبِ الآخرة، ومَن ستَر أخاهُ، ستَرَه اللهُ في الدُّنيا والآخِرَة، واللّهُ في عوْنِ العبدِ ما كان العبدُ في عَونِ أخيه" (١). أخبرنا أحمدُ بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ السَّرْح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن أبيه، عن مولى لخارجةَ حدَّثه، عن أبي صيّادٍ الأسودِ

стр. 8136

الأنصاريِّ - وكان عَريفَهم - أن رجلًا قدِم، فحَلَّ ببابِ مَسلمةَ بنِ مَخْلَد، واستَأذَن، فأذِن له، وقال: حُلَّ. قال: لا، ولكن أرْسِلْ معي إلى عقبةَ بنِ عامر. فأرْسَل معه أبا صيّاد، فدخَلُوا على عقبة، فرحَّب به، فقال الرجلُ لعقبة: هل تَذكُرُ مجلِسًا كنا فيه عندَ رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "مَن ستَر عورةَ مؤمنٍ كانت له كمَوْؤودةٍ أحْياها؟ " قال عقبة: نعم، لَعَمْري إني لَحاضرٌ ذلك، وسمِعتُه منه. فكبَّر الرجلُ، وقال: لهذا ارْتَحَلْتُ. ورجَع (١).

стр. 8137

حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ سُليمانَ المِنْقَريُّ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، قال: حدَّثنا همّامُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي طلحة، قال: حدَّثنا شيبةُ الحَضْرميُّ، قال: شهِدتُ عُروةَ بنَ الزُّبير يُحدِّثُ عُمرَ بنَ عبدِ العزيز، عن عائشةَ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ كنتُ حالِفًا عليهنّ، ولو حلَفْتُ على الرابعةِ رجَوْتُ ألّا آثَمَ؛ لا يَجعلُ اللهُ مَن له سهْمٌ في الإسلام كمَن لا سهمَ له". قال: "وسِهامُ الإسلام الصلاةُ والصيامُ والصدقةُ، ولا يُحبُّ رجلٌ قومًا إلا جاء معهم يومَ القيامة، ولا يتوَلَّى اللهَ عبدٌ في الدُّنيا فيُولِّيَه غيرَه يومَ القيامة، والرابعة، لا يَستُرُ اللهُ على عبدٍ في الدنيا إلا ستَرَه يومَ القيامة". هكذا قال: شَيبةُ الحَضْرميُّ، وإنما هو شَيبةُ الخُضْريُّ، وكذلك رواه عفانُ، عن همّام؛ ذكَره ابنُ أبي شيبة (١)، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا همامٌ، قال: سمِعتُ إسحاقَ بنَ عبدِ الله بنِ أبي طلحة، قال: حدَّثني شَيبةُ الخُضْريُّ، أنه شهِد عُروةَ يُحدِّثُ عُمرَ بنَ عبدِ العزيز، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يَجعلُ اللهُ رجلًا له سهمٌ في الإسلام كمَن لا سهمَ له". وذكَر الحديثَ سواءً إلى آخرِه بمعناه، وزاد: فقال عُمرُ بنُ عبدِ العزيز: إذا سمِعتُم بمثل هذا الحديثِ عن مثل عُروة، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ فاحْفَظُوه.

стр. 8138

حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم بنِ سَهْلِ بنِ محمدِ بنِ أسودَ الحافظ، قال: حدَّثنا أبو الطّيبِ محمدُ بنُ جعفرٍ غُنْدَرٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعد، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ الحسَن (١)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سُلَيْم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ كثير، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقول: إن الملائكةَ مع ابنِ آدم، فإذا ذكَر أخاهُ المسلمَ بخيرٍ قالتِ الملائكة: ولكَ مثلُه. وإذا ذَكَره بشَرٍّ، قالت الملائكة: ابنَ آدم، المستورَ عورتُه، ارْبَعْ على نفْسِك، واحمَدِ اللهَ الذي سترَ عورتَكَ (٢). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسم (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنِ أبي شيبة، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا وُهَيْبٌ، قال: حدَّثنا سُهَيْلٌ، عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يَستُرُ عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا ستَره اللهُ يومَ القيامة" (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله ومحمدُ بنُ إبراهيم (٥)، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفضلُ بنُ الحُباب، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ نَشيطٍ الوَعْلانيُّ، عن كَعْبِ بن عَلْقمة،

стр. 8139

عن دُخَيْن أبي الهيثم كاتبِ عُقبة، قال: قلت لعُقبةَ بنِ عامر: إنَّ لنا جيرانًا يَشْرَبون الخمر، وأنا داعٍ لهم الشُّرَطَ فيَأخُذونهم. قال: لا تَفعَلْ، ولكن عِظْهم وتهدَّدْهم. قال: ففَعَل ذلك بهم شهرًا. ثم جاء دُخَيْنٌ إلى عُقبة، فقال: إنِّي نهيتُهم فلم يَنتَهوا، وإنِّي داعٍ لهم الشُّرَط. فقال له عُقبة: وَيْحكَ لا تفعَلْ، فإنِّي سمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن ستَر على مؤمنٍ عَوْرةً فكأنّما استَحْيا موؤودةً" (١). وهذا الحديثُ رواه ابنُ وَهْب، عن إبراهيمَ بنِ نَشيط، عن كَعْبِ بنِ عَلْقَمة، عن كثيرٍ مولى عُقبةَ بنِ عامر، عن عُقبةَ بنِ عامر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن رأى عورةً فستَرها، كان كمَن اسْتَحيا موؤودةً من قبرِها" (٢). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا أبو مُعاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن نَفَّس عن مُسلم كُرْبةً مِن كُربِ الدُّنيا، نَفَّس اللهُ عنه كُرْبةً مِن كُرَبِ الآخرة، ومَن ستَر مسلمًا، ستَره

стр. 8140

اللهُ في الدُّنيا والآخرة، ومَن يسَّر على مُعْسِر، يسَّر اللهُ عليه في الدنيا والآخرة، واللّهُ في عوْنِ العبدِ ما كان العبدُ في عوْن أخيه، ومَن سلَك طريقًا يَلتَمِسُ فيها علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنّة، وما اجتمَع قومٌ في بيتٍ من بيوتِ الله، يَتلُون كتابَ الله، ويَتدارَسونه بينَهم، إلا نزَلت عليهم السَّكينة، وغشِيَتهم الرَّحمة، وحفَّتهمُ الملائكةُ، وذكَرهُم اللهُ فيمَن عندَه، ومَن أبطَأ به عملُه لم يُسْرِعْ به حَسَبُه" (١). حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الصَّبّاحيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ وَرْدِ بنِ عبد الله، حدَّثني أبي، حدَّثنا عديٌّ (٢)، عن داودَ بنِ أبي هند، عن عِكْرِمة، عن ابنِ عباسٍ أن عمارَ بنَ ياسرٍ أخَذ سارقًا، فقال: ألا أسْتُرُه لعلَّ الله يَستُرُني (٣).

стр. 8141

حديثٌ خامسٌ ليحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّب، أنه قال: ما صلَّى رسول الله ﷺ الظُّهرَ والعصرَ يومَ الخندَقِ حتَّى غابَتِ الشمسُ. وهذا يَستندُ من حديثِ ابنِ مسعود، وحديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ (٢)، وحديثِ جابر، وبعضُها أتمُّ معنًى من بعض، وقد يجوزُ أن يكونَ هذا النِّسيانُ ولَّدَه شُغْلٌ عظيمٌ. روَى هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن جابر، قال: جعَل عُمرُ بنُ الخطاب يَسُبُّ كفارَ قُريش يومَ الخندق، ويقول: يا رسولَ الله، واللّه ما صلَّيتُ العصرَ حتى غابَتِ الشمسُ، أو كادتْ تَغيبُ. فقال رسول الله ﷺ : "واللّه ما صلَّيتُها". فنزَلنا معه إلى بُطْحان (٣)، فتوَضَّأ للصلاة، وتوَضَّأنا معه، فصلَّى العصرَ بعدَما غربَتِ الشمس، ثم صلَّى بعدَها المغرب (٤). وأما قولُه ﷺ يومَ الخندق: "شغَلُونا عن الصلاةِ الوُسطَى صلاةِ العصرِ حتَّى غرَبَتِ الشمسُ". فقد ذكَرْنا طُرقَ هذا الحديثِ في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، وذكَرْنا حديثَ أبي سعيدٍ الخدريِّ، وحديثَ ابنِ مسعودٍ في بابِ مُرسلِ زيدٍ أيضًا، وفي حديثِهما أنَّ رسول الله ﷺ شُغِل يومئذٍ عن أربع صلوات: الظُّهر، والعصر،

стр. 8142

والمغرب، والعشاء. وفي حديث جابر: العصرِ وحدَها. وفي مُرسَل سعيد: الظُّهر والعصر. والمعنى في ذلك كلِّه سواء، والحمدُ لله. قرأتُ على عبدِ الله بن محمدِ بنِ يوسف، أنّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ يحيى حدَّثه، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زياد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجبّار، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بُكَيْر، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ سَنْبَر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: جعَل عُمرُ بنُ الخطاب يَسُبُّ كفارَ قريش يومَ الخندق، ويقول: يا رسولَ الله، ما صلَّيتُ العصرَ حتى كادَت الشمسُ تَغيبُ. فقال رسول الله ﷺ : "والله ما صلَّيتُها". فنزلنا معهُ إلى بُطْحان، فتوضَّأ للصلاة، وتوضَّأنا معه، فصلَّى العصرَ بعدَما غرَبتِ الشمسُ، ثم صلَّى بعدَها المغرب (١). وقد تقدَّم القولُ في معاني هذا الحديث في باب زيدِ بنِ أسلَم (٢).

стр. 8143

حديثٌ سادسٌ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّه قال: صلَّى رسول الله ﷺ بعدَ أن قدِمَ المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا نحوَ بيتِ المقدس، ثم حُوِّلَتِ القِبلَةُ قبلَ بَدْرٍ بشهرَين. هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" عن مالك، عن يحيى بن سعيدِ مرسلًا (٢). ورواه محمدُ بنُ خالدِ بنِ عَثْمة، عن مالك، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هُريرة، قال: صلَّى رسول الله ﷺ بعدَ أن قدِمَ المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا نحوَ بيتِ المقدس، حتى (٣) حُوِّلَت القبلةُ قبلَ بدرٍ بشهرين (٤). انفَرَد به عن محمدِ بنِ خالدِ بنِ عَثْمةَ عبدُ الرحمنِ بنُ خالدِ بنِ نَجيح، وعبدُ الرحمنِ ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به.

стр. 8144

وفي هذا الحديثِ بيانُ النَّسْخ في أحكام الله ، وهو بابٌ يُستَغْني عن القولِ فيه؛ لاتفاق أهلِ الحقِّ عليه، وقد أتيْنا بلُمَع من عِللَه في مواضعَ من كتابنا، والحمدُ لله، وذكَرْنا نسخَ الصلاةِ إلى الكعبة، وكيف كان الوجهُ في ذلك، وكثيرًا من معاني استقبالِ القبلةِ في باب ابنِ شهاب، عن عُروة (١)، وفي باب عبدِ الله بنِ دينار (٢)، فأغنَى عن ذكرِ ذلك هاهنا. وهذا الحديثُ ومثلُه أصلٌ في عِلْم الخبرِ وحفظِ السِّيَر، وقد رُوِىَ معناه مُسنَدًا من وُجوه من حديثِ البراءِ وغيرِه (٣)، ولم يختلف العلماءُ في أنَّ رسول الله ﷺ إذْ قدِمَ المدينةَ صلَّى إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، وقيل: سبعةَ عشر. وقيل: ثمانيةَ عشر. وإنما اختلَفوا في صلاتِه بمكّة، فقالت طائفة: كانت إلى الكعبة. وقال آخرون: كانت إلى بيتِ المقدس. وقد ذكَرْنا ما رُوِيَ في ذلك وقيل به في باب ابنِ شهاب، عن عُروةَ من هذا الكتاب في بابِ صلاةِ جبريلَ بالنبيِّ ﷺ بمكةَ حينَ فَرْضِ الصلاة (٤)، وذكَرْنا بعضَ ذلك أيضًا مع حُكْم مَن صلَّى إلى غيرِ القبلةِ مجتَهِدًا وغيرَ مجتهدٍ في بابِ عبدِ الله بنِ دينار (٥). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٦): أخبرنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيم، قال: حدَّثنا

стр. 8145

إسحاقُ، عن زكريّا، عن أبي إسحاق، عن البراءِ بنِ عازب، قال: قدِم رسول الله ﷺ المدينة، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم إنه وُجِّه إلى الكعبة، فمرَّ رجلٌ قد كان صلَّى مع النبيِّ ﷺ على قوم من الأنصار، فقال: أشهدُ أنَّ رسول الله ﷺ قد وُجِّه إلى الكعبة. فانصَرَفوا. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا سُنَيْد، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما قدِم النبيُّ ﵇ المدينةَ، صلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا، وكان يُحبُّ أن يُوجَّهَ إلى الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] فوُجِّه نحوَ الكعبة، وكان يُحبُّ ذلك (١). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا أَبو الأحوص، قال: حدَّثنا أَبو إسحاق، عن البَرَاء، قال: صلَّيتُ مع النبيِّ ﷺ إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، فلمّا نَزلَت هذه الآية في القِبْلَة: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤، ١٥٠]. قال: فنزلَت بعدَما صلَّى

стр. 8146

النبيُّ ﷺ ، فانطَلَق رجلٌ من القوم، فمرَّ بناسٍ من الأنصارِ وهُمْ يُصلُّون، فحدَّثهم الحديثَ، فولَّوا وجوهَهم (١). وقد روَى هذا الحديثَ شُعبةُ، والثوريُّ (٢)، وزُهَيرُ بنُ مُعاوية (٣) وهو أتمُّهم له سِياقةً عن أبي إسحاق، عن البَرَاءِ مثله. وقد ذكَرنا تأريخَ تحويل القبلةِ إلى الكعبة، والاختلافَ في ذلك في باب ابن شهابٍ عن عُروة (٤)، والحمدُ لله.

стр. 8147

حديثٌ سابعٌ ليَحيى بنِ سَعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أنَّه سمع سعيدَ بنَ المُسيِّب يقول: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقول: اختَتن إبراهيمُ ﷺ بالقَدُّوم (٢) وهو ابنُ مئةٍ وعشرين سنة، ثم عاش بعدَ ذلك ثمانين سنة. مثلُ هذا لا يكونُ رأيًا، وقد تابَع مالكًا على توقيفِ هذا الحديثِ جماعةٌ عن يحيى بنِ سعيد؛ منهم يحيى بنُ سعيدٍ القطان، وعليُّ بنُ مُسْهِر. ورواه الأوزاعيُّ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله ﷺ "اختَتن إبراهيمُ وهو ابنُ عشرين ومئةِ سنة، ثم عاش بعدَ ذلك ثمانين سنة" (٣). ورُوِيَ مُسنَدًا من غير روايةِ يحيى بنِ سعيدٍ من وُجوه؛ منها ما ذكَره ابنُ بُكَير،

стр. 8148

عن الليث، عن ابنِ عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "اختَتن إبراهيمُ حين بلَغ ثمانين، سنة واختَتن بقَدُّوم" (١). قال ابنُ بُكير: وحدَّثني بمثلِها عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ (٢). وروى يحيى القطانُ، عن ابنِ عَجْلان، سمِع أباه، سمع أبا هُريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣). ورواه المغيرةُ بنُ عبدِ الرحمن (٤) وورقاءُ بنُ عُمرَ اليَشْكُريّ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ . إلا أن حديثَ أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة مرفوعًا: "أن إبراهيمَ اختَتن بعدَما مرّ عليه ثمانون سنة، واختَتن بالقَدُّوم".

стр. 8149

حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ أبي غالبٍ بمصر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ بدْر، قال: حدَّثنا رزقُ الله بنُ موسى، قال: حدَّثنا شبابةُ بنُ سوّار، قال: حدَّثنا ورقاءُ بنُ عُمر، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "اختَتن إبراهيمُ بعدَما مرَّ عليه ثمانون سنة، واختَتن بالقَدُّوم" (١). وذكَر المروزيُّ حديثَ الأوزاعيِّ، عن أبي الوليدِ أحمدَ بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا الوليدُ، قال: أخبرني أبو عَمْرو - يعني الأوزاعيّ - عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "اختَتن إبراهيمُ وهو ابنُ عشرين ومئةِ سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنةً" (٢). قال: وحدَّثنا أبو قُدَامة (٣)، قال: حدَّثنا يحيى، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقول: اختَتن إبراهيمُ وهو ابنُ عشرين ومئةِ سنة. ثم عاش بعدَ ذلك ثمانين سنة. قال: وحدَّثنا أبو هَمّام (٤)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ مُسْهِر، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هُريرة، قال: اختَتن إبراهيمُ بالقَدُّوم وهو ابنُ عشرين ومئةِ سنة.

стр. 8150

قال سعيد: وهو أولُ مَن اختَتن، وأولُ مَن أضاف الضيف، وأولُ مَن استَحدَّ، وأولُ مَن قلَم الأظفار، وأولُ مَن قصَّ الشاربَ، وأولُ مَن شاب، فلما رأى الشَّيبّ قال: ما هذا؟ قال: وقارٌ. قال: يا ربِّ، زِدْني وَقارًا. قال: وحدَّثنا أبو كامل (١)، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حدَّثني عُمارةُ، قال: حدَّثني عِكْرِمةُ، قال: أوحَى اللهُ إلى إبراهيم: إنك قد أكْملت الإسلامَ إلا بَضْعةً منك فألقِها. فقدِم يَختِنُ نفسَه بالفأس، فصرَف بصرَه عن عورته أن يَنظُرَ إليها. قال عِكْرِمة: واختَتن إبراهيمُ وهو ابنُ ثمانين سنة. قال: ولم يَطُفْ بالبيتِ بعدُ على ملّةِ إبراهيمَ إلا مَخْتون (٢). قال أبو عُمر: هكذا قال عِكْرِمةُ في إبراهيم: إنه اختَتن وهو ابنُ ثمانين سنة. وقد قاله المسيِّبُ بنُ رافع، كذلك ذكَر المَرْوزيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّبّاح، قال: حدَّثنا جرير، عن مغيرة، عن المسيِّب بنِ رافع: أوحَى اللهُ إلى إبراهيمَ أن تطهَّر، فتوضَّأ، فأوحى اللهُ إليه أن تطهَّر، فاغتسَل، فأوحى اللهُ إليه أن تطهَّر، فاختَتن بالقَدُّوم بعدَ ثمانينَ سنة. وهذا هو المحفوظُ في حديثِ عجْلانَ وحديثِ الأعرج، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ ، وقد مضَى القولُ في الخِتانِ في بابِ سعيدِ بنِ أبي سعيد (٣)، وتقصَّينا هنالك ما للعلماءِ في ذلك. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على جوازِ القولِ في سِيَرِ الأنبياءِ والصالحين، وفي معنى ذلك الحديثُ عن الماضين وأيام الناس جُملةً، وبالله التوفيق.

стр. 8151

قرأتُ على أبي عُمرَ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أحمد، أنَّ أبا عبدِ الله محمدَ بنَ عيسى حدَّثهم، قال: سأل رجل يحيى بنَ أيوبَ بنِ بادي العلّافَ ونحن عندَه، عن ختان النبيِّ ﷺ فقال: قد طلَبتُ ذلك عندَ أكثرِ مَن لقيتُ ممّن كتبتُ عنه، فلم أجِدْه حتى أتيتُ محمدَ بنَ أبي السَّريِّ العَسْقلانيّ في سَفْرتي الثانية، فسألتُه عنه عندَ توديعي له مُنصَرِفًا، فقال: حدَّثني الوليدُ بنُ مُسلم، عن شُعيب، عن عطاءٍ الخُرسانيِّ، عن عِكْرِمة، عن ابن عبَّاس: أن عبدَ المطَّلب ختَن النبيَّ ﷺ يومَ سابعِه، وجعَل له مأدُبةً، وسمّاه محمدًا (١). وقد قيل: إنَّ النبيَّ ﷺ وُلِد مختونًا (٢)، فاللهُ أعلم. وقد ذكَرنا ما للعلماءِ في هذا المعنى مجوَّدًا في باب سعيدِ بنِ أبي سعيد (٣) عند قوله ﵇: "خمسٌ مِن الفِطْرة". فذكَر منها الختان.

стр. 8152

حديثٌ ثامنٌ ليحيى بنِ سَعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أن سعيدَ بنَ المُسيِّب كان يقول: إنَّ الرجلَ لَيُرْفَعُ بدُعاءِ ولَدِه من بعدِه. وأشار بيدَيه نحوَ السماءِ يرفَعُهما. لم يختلف رواةُ "الموطّأ" عن مالك في أنَّ هذا الحديث فيه هكذا (٢)، ورواه ابنُ وَهْب، عن عَمْرِو بنِ الحارثِ ومالكِ بنِ أنس، عن يحيى بنِ سعيد، قال: كان سعيدُ بنُ المسيِّب يقول. فذكرَه هكذا سواءً من قولِ سعيدِ بنِ المسيِّب. وهذا لا يُدرَكُ بالرأي، وقد رُوِي بإسنادٍ جيدٍ عن النبيِّ ﷺ . قرأتُ على أبي عُمرَ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أحمد، أن أبا العباس أحمدَ بنَ الفضلِ الخفّافَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو جعفر محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزجانيُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله ليرفَعُ العبدَ الدرجة، فيقول: أيْ ربِّ، أنَّى لي هذه الدرجة؟ فيقال: باستِغفار ابنِك لكَ" (٣).

стр. 8153

وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ السَّكَن (١) إملاءً، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسين بنِ حُميدِ بنِ الرّبيع الخزّاز، قال: حدَّثنا حُميدُ بنُ عليِّ النَّجِيْرَميُّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ حُباب، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثّوريُّ، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: وأكبرُ ظنِّي أنّه عن رسول الله ﷺ قال: "إنّ المؤمنَ لتُرفَعُ له الدّرجةُ في الجنّة فيقول" فذكَره.

стр. 8154

حديثٌ تاسعٌ ليَحيى بن سَعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أنَّه قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ المُسيِّب يقول: ألا أُخبرُكم بخَيْرٍ من كثيرٍ من الصَّلاةِ والصَّدقةِ والصَّوم؟ قالوا: بلى. قال: إصلاحُ ذاتِ البَيْن، وإيّاكم والبغْضاء؛ فإنها هيَ الحالِقة. هكذا هذا الحديث موقوفًا على سعيدٍ في "الموطأ" (٢)، لم يَخْتلفْ على مالكٍ فيه الرواةُ إلا إسحاقَ بنَ بشرٍ الكاهليَّ، وهو ضعيفٌ متروكُ الحديث، فإنه رواه عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ ﷺ . حدَّثنا بحديثه خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ القاضي، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ سُليمانَ الأشجُّ بمكّة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ بشرٍ الكاهليُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : "إيّاكم والبغضاء؛ فإنها الحالِقةُ، ألا أُخبِرُكم بخيرٍ من كثيرٍ من الصَّلاةِ والصَّدقة؟ " قالوا: بلى يا رسولَ الله. قال: "صلاحُ ذاتِ البين".

стр. 8155

وقد رُوِيَ هذا عن النبيِّ ﷺ مرفوعًا مُسنَدًا ومُرسَلًا من حديثِ يحيى بن سعيد: حدَّثناه سَلَمةُ بنُ سعيدِ بنِ سَلَمة، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ زكريا المحاربيُّ، قال: حدَّثنا أبو كريبٍ محمدُ بنُ العلاء، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِياث، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: قال رسول الله ﷺ : "ألَا أُخبِرُكم بخَيْرٍ من كثيرٍ من الصَّلاةِ والصِّيام والصَّدقة؟ إصلاحُ ذاتِ البين، وإياكم والبغضة؛ فإنما هي الحالقةُ" (١). وحدَّثنا سَلَمةُ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ الجُعفيُّ، عن ابنِ عُيينة، عن يحيي بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. قال أبو الدرداء: أما إني لا أقول: حالقةُ الشعرِ ولكنها حالقةُ الدِّين (٢). قال أبو الحَسَن عليُّ بنُ عُمر (٣): تفرَّد به أبو كُريب. وقد رُوِي هذا الحديث من غير روايةِ مالك، وسنذكُرُه إن شاء الله. وفيه علةٌ ذكَرها عليُّ بنُ المَدينيِّ فقال - وذلك ما أخبرناه عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المَدينيِّ،

стр. 8156

قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيد، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيِّب قال: ألا أُخبرُكم بخيرٍ من كثيرٍ من الصَّلاة؟ وذكَرَ الحديثَ. قال عليٌّ: فقلتُ لِمَعْن: إنَّ هذا الحديثَ لم يسمَعْه يحيى بنُ سعيدٍ من سعيدِ بنِ المسيِّب، بينَهما رجلٌ، فلا تقل فيه: سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيِّب. واجعَلْه عن سعيدِ بنِ المسيِّب. فكان لا يقولُ فيه إلا عن سعيدِ بنِ المسيِّب. قال عليّ: وقد حدَّثناه عبدُ الوهاب، ويزيدُ بنُ هارون، وغيرُهما، عن يحيى بنِ سعيد، عن إسماعيلَ بنِ أبي حَكيم، عن سعيدِ بنِ المسيِّب مرفوعًا (١). وقد روَى الأعمش، عن عَمْرِو بنِ مرّة، عن سالم بنِ أبي الجَعْد، عن أمِّ الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : "ألَا أدُلُّكم على أفضلَ من كثيرٍ مِن الصَّلاةِ والصَّدَقة؟ ". قالوا: ماذا يا رسولَ الله؟ قال: "صلاحُ ذاتِ البَيْن". ذكَره البزّارُ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى وصالحُ بنُ معاذ، قالا: حدَّثنا أبو مُعاوية، عن الأعمش، فذكَره.

стр. 8157

وقد روى يحيى بنُ أبي كثير، عن يعيشَ بنِ الوليد، عن مولًى للزُّبير، عن الزُّبير، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "دبَّ إليكُم داءُ الأُمم قِبَلكُم: الحسَدُ والبغْضاءُ" أو قال: "العَدَاوةُ والبَغْضاءُ، وهي الحالِقَة، لا أقولُ حالِقَةُ الشّعْر، ولكن حالِقَةُ الدِّين" (١). وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ من وُجوه في كتاب العِلْم (٢)، وفيه مع خبرِ هذا الباب أوضَحُ حُجّةٍ في تحريم العداوة، وفَضْل المؤاخاةِ وسلامةِ الصُّدُورِ منَ الغِلِّ.

стр. 8158

حديثٌ عاشرٌ ليَحيى بن سَعيدٍ يحيى عن أبي سَلَمة مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبد الرحمن، أنَّه قال: سمِعتُ أبا قتادةَ بنَ رِبْعيٍّ يقول: سمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الرُّؤيا الصالحةُ منَ الله، والحُلُمُ من الشيطان، فإذا رأى أحدُكمُ الشيءَ يكْرهُه فلينفُثْ عن يسارِه ثلاثَ مرّاتٍ إذا استيقَظ، وليتعوَّذْ بالله من شرِّها، فإنها لن تضُرَّه". قال أبو سَلَمة: إنْ كنتُ لأرى الرُّؤيا هي أثقلُ عليَّ من الجبل، فلمّا سمِعتُ هذا الحديثَ فما كنتُ أبالِيها. هذا الحديثُ بيِّن المعنى، وفيه دليلٌ على أنّ الرُّؤيا السيِّئة لا تضُرُّ منِ استعاذ بالله من شرِّها ونَفَثَ عن يسارِه. والرُّؤيا السيِّئةُ حُلمٌ وتهويلٌ من الشيطان، وتحزينٌ لابنِ آدم، على ما جاء عن النبيِّ ﷺ ، بما قد ذكَرناه في باب إسحاقَ بنِ أبي طلحة (٢) من هذا الكتاب. وقد روَى هذا الحديث الزُّهريُّ، عن أبي سَلَمة، وهو عندَ مَعْمَر (٣)، وابنِ عُيينة (٤)، وعُقيل (٥)، وليس عندَ مالك.

стр. 8159

قال أبو عُمر: ذكَرَ الجوهريُّ (١) والنَّسائيُّ في مسنده (٢) حديثَ مالكٍ عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي سَلَمة، عن عائشة، سمِعها تقول: إن كان ليكونُ عليَّ الصِّيامُ من رَمَضان، فما أستطيعُ أن أقضِيَهُ حتى يأتي شعبانُ. فأدْخَلا هذا في المُسنَد ولا وجْهَ له عندي إلّا وجْهٌ بعيدٌ؛ وذلك أنَّه زعمَ أنّ ذلكَ كان لحاجةِ رسول الله ﷺ إليها؛ واستدلَّ بحديث مالكٍ عن أبي النَّضْر، عن أبي سَلَمة، عن عائشة، قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ أكثر صيامًا منه في شعبان (٣). وقد يُسْتَدلُ من قول عائشة هذا على جواز تأخير قَضَاء رَمَضان، لأنَّ الأغلب أن تركها لقضاء ما كان عليها من رَمَضان لم يكن إلا بعِلْم رسول الله ﷺ وإذا كان ذلك كذلك، كان فيه بيان لمراد الله من قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، لأنَّ الأمرَ يقتضي الفَوْر حتى تقومَ الدَّلالة على التَّراخي كما يقتضي الانقياد إليه، ووجوب العَمَل به حتى تقومَ الدَّلالة على غير ذلك، وفي تأخير عائشة قضاءَ ما عليها من صيام رَمَضان دليلٌ على التَّوسعة والرُّخصة في تأخير ذلك، وذلك دليلٌ على أنَّ شَعْبانَ أقصى الغاية في ذلك، فمن أخَّرَهُ حتى يدخل عليه رَمَضان آخر، وَجَبَت عليه الكَفّارةُ التي أفتى بها جمهور السَّلَف والخَلَف من العُلماء، وذلك مُدٌّ عن كل يوم، والله أعلم (٤).

стр. 8160

يحيى عن سُليمان بن يسار أربعة أحاديث حديثٌ حادي عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن سُليمانَ بنَ يسار، أنّ عبدَ الله بنَ عبَّاس وأبا سَلَمةَ بنَ عبدِ الرحمن اختلَفا (٢) في المرأةِ تُنفَسُ بعدَ وفاةِ زوجِها بليال؛ فقال أبو سَلَمة: إذا وضَعتْ ما في بطْنِها فقد حلَّتْ. وقال ابنُ عبَّاس: آخِرُ الأجَلَين. فجاء أبو هُريرةَ فقال: أنا مع ابنِ أخي؛ يعني أبا سَلَمة (٣)، فبعَثوا كُريبًا مولى عبدِ الله بنِ عبَّاس إلى أمِّ سَلَمةَ زوجِ النبيِّ ﷺ يسألُها عن ذلك، فجاءَهُم فأخبَرهُم أنها قالت: ولَدتْ سُبَيعةُ الأسْلميَّة بعدَ وفاةِ زوجِها بليال، فذكَرَتْ ذلك لرسول الله، فقال: "قد حَلَلْتِ، فانكِحي مَن شئْت". في هذا الحديثِ دليلٌ على جلالةِ أبي سَلَمة، وأنه كان يُفْتي مع الصحابة، وأبو سَلَمةَ القائل: لو رَفقتُ بابن عبَّاس لاستخرجتُ منه علمًا. وفيه دليلٌ على أنَّ العلماءَ لم يزالوا يَتناظرون، ولم يَزلْ منهم الكبيرُ لا يرتفعُ على الصّغير، ولا يمنَعونَ الصغيرَ إذا علمَ أن ينطِقَ بما علِمَ، ورُبَّ صغيرٍ في السِّنِّ كبيرٍ في عِلْمِه، واللهُ يمُنُّ على مَن يشاءُ بحِكْمتِه ورَحمتِه. وفيه دليلٌ على (٤) أنَّ المُناظرةَ وطلبَ الدليل وموقع الحجةِ كان قديمًا من لدُنْ زمنِ الصحابةٍ هلمَّ جرًّا، لا يُنكِرُ ذلك إلا جاهل. وفيه دليلٌ على أن الحُجّة عندَ التنازع سُنة رسول الله ﷺ فيما لا نصَّ فيه من كتابِ الله، وفيما فيه نصٌّ أيضًا إذا احتَمل الخُصوص؛ لأنَّ السُّنةَ تُبيِّنُ مُرادَ الله من كتابه.

стр. 8161

قال الشافعيُّ ﵀: مَن عرفَ الحديثَ قوِيتْ حُجَّتُه، ومن نظَر في النحوِ رقَّ طبْعُه، ومَن حفِظ القرآنَ نَبُل قدرُه، ومَن لم يَصُنْ نفسَه لم يَصُنْه العِلمُ (١). وقد مضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ في بابِ عبدِ ربِّه بنِ سعيدٍ (٢) من هذا الكتاب، وفي حديثِ عبدِ ربِّه أن الاختلافَ في عدَّةِ الحاملِ المتوفَّى عنها كان بينَ أبي هُريرة وابنِ عبّاس، وأن أبا سَلَمةَ كان رسولَهما إلى أُمِّ سَلَمة في ذلك. وعبدُ ربِّه ثقةٌ، ويحيى ثقةٌ، والمعنى الذي له جُلِبَ الحديثُ غيرُ مختلَفٍ فيه، والحمدُ لله، وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ جعَل الوَضْعَ من الحاملِ المتوفَّى عنها انقضاءَ عدَّتها، وهذا المعنَى لم يُختلفْ فيه عن النبيِّ ﷺ ، وفي ذلك بيان لمُرادِ الله من قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أنَّه عنَى منهنّ مَن لم تكنْ حاملًا. وقد جاء عن عليٍّ وابنِ عباسٍ في هذه المسألةِ ما قد ذكَرناه وأوضَحنا معناه في بابِ عبدِ ربِّه، والحمدُ لله. وحديثُ يحيى بنِ سعيدٍ هذا، عن سُليمانَ بنِ يسارٍ ليس عندَ القعْنبيِّ ولا ابنِ بُكَيرٍ في الموطّأ (٣)، وهو عندَ ابنِ وَهْبٍ وجماعة: حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسين، قال: حدَّثنا الرّبيعُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، حدَّثنا مالكٌ؛ فذكَره إلى آخره (٤)، وبالله التوفيق.

стр. 8162

يحيى عن سُليمان بنِ يسار حديثٌ ثاني عشر ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، عن سُليمانَ بنِ يسار، أنَّ عُروةَ بنَ الزبير حدَّثه، أنَّ رسول الله ﷺ دخَل بيتَ أمِّ سَلَمة وفي البيت صَبِيٌّ يبكي، فذكروا أنَّ به العين. قال عُروة: فقال رسول الله ﷺ : "ألا تستَرْقوا له من العين؟ ". هذا حديثٌ مُرسلٌ عندَ جميع الرُّواة عن مالك في "الموطأ" (٢)، وهو حديثٌ صحيحٌ يستندُ معناه من طرق ثابتة، وقد تقدَّم ذِكرُ بعضها في بابِ حُميدِ بنِ قيس (٣) من كتابنا هذا في قصة ابنَي جعفر. وفيه روايةُ النَّظير عن النَّظير. وقد روَى هذا الحديثَ أبو مُعاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سُليمانَ بنِ يسار، عن عُروة، عن أمِّ سَلَمة؛ ذكره البزارُ (٤)، قال: حدَّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا أبو مُعاوية. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا رَوْحٌ قال: حدَّثني ابنُ جُرَيج،

стр. 8163

قال: أخبَرني أبو الزُّبير، أنَّه سمِع جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: إنَّ النبيَّ ﷺ قال لأسماءَ ابنةِ عُميس: "ما شأنُ أجسام بني أخي ضارعة؟ أتُصيبُهم حاجة؟ ". قالت: لا، ولكن تُسرِعُ إليهمُ العينُ، أفنَرقيهم؟ قال: "وبماذا؟ " فعرَضَتْ عليه. فقال: "ارقِيهم" (١). وحدَّثنا خلف بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الربيع بنِ سُليمان، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا حجّاجُ بنُ محمد، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني أبو الزُّبير، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: كان رسول الله ﷺ أرْخَص لبني عَمْرِو بنِ حَزم في رُقْية الحمة. قال: وقال لأسماءَ بنتِ عُمَيس: "ما شأنُ أجسام بني أخي ضارعةً؟ ". فذكَر مثلَه حرفًا بحرفٍ إلى آخرِه (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن عُروةَ بنِ عامر، عن عُبيدِ بنِ رفاعةَ البارقيِّ، أن أسماءَ بنتَ عُميس قالت: يا رسولَ الله، إن بني جعفرٍ تُصيبُهم العينُ، أفأستَرْقي لهم؟ قال: "نعم، لو كان شيءٌ سابَقَ القَدَرَ سبَقته العينُ" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث (٤)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالب، قال: حدَّثنا سَهْلُ بنُ بكار، قال: حدَّثنا وُهيبٌ، عن أبي واقد، عن أبي سَلَمة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "استعيذوا بالله من العَيْن، فإن العَيْنَ حقٌّ" (٥).

стр. 8164

قال أبو عُمر: وذكَر ابنُ وَهْب (١)، عن يونُس (٢)، عن ابنِ شهاب، قال: بلَغني عن رجالٍ من أهلِ العلم أنهم كانوا يقولون: إنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الرُّقَى حينَ قدِم المدينة، وكانت الرُّقَى في ذلك الزَّمانِ فيها كثيرٌ من كلام الشِّرك (٣)، فلمّا قَدِمَ المدينةَ لُدِغ رجلٌ من أصحابه، فقالوا: يا رسولَ الله، قد كان آلُ حَزْم يَرْقونَ من الحُمَة، فلما نهَيتَ عن الرُّقَى ترَكوها، فقال رسول الله ﷺ : "ادعُوا لي عُمارةَ بنَ حَزْم". ولم يكنْ له ولدٌ، وكان قد شهِد بدرًا، فدُعِيَ له، فقال: "اعرِضْ عليَّ رُقيتَك". فعرَضها عليه فلم يرَ بها بأسًا، وأذِن لهم بها. قال ابنُ وَهْب (٤): وأخبرني أُسامةُ بنُ زيدٍ الليثيُّ، قال: حدَّثني أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حزم، قال: عرَض آلُ عَمْرِو بنِ حزم رُقيتَهم على رسول الله ﷺ ، فأمَرهم أن يَرْقُوا بها. قال ابنُ وَهْب (٥): وأخبرني ابنُ لَهيعة، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أرْقي من العَقْرب. فقال رسول الله ﷺ : "مَن استطاع منكم أن ينفَعَ أخاه فلْيفعَلْ".

стр. 8165

قال ابنُ وَهْب (١): وأخبَرني ابنُ لَهيعة، عن عُبيد الله (٢) بنِ المُغيرة، أنَّ كثيرَ بنَ أبي سُليمانَ العَدَويَّ (٣) أخبَره، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، أنَّه قال: كثيرٌ من الرُّقَى والأُخْذةِ والكَهانةِ ونظرٍ في النجوم طَرَفٌ من السِّحْر. قال ابنُ وَهْب: وأخبَرني ابنُ سَمْعان (٤)، قال: سمِعتُ رجالًا من أهل العلم يقولون: إذا لُدِغ الإنسانُ فنهَشتْه حيّة أو لسَعتْه عقربٌ، فليقرَأ الملدوغ بهذه الآية: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٨]، فإنه يُعافَى بإذنِ الله. قال أبو عُمر: لا أعلمُ خلافًا بينَ أهل العلم في جوازِ الاسترقاءِ من العين والحُمَة، وقد ثبَت ذلك عن النبيِّ ﷺ ، والآثارُ في الرُّقَي أكثرُ من أن تُحصَى. وقال جماعةٌ من أهل العلم: الرَّقْيُ جائزٌ من كلِّ وَجَع، ومن كلِّ ألم، ومن العَيْنِ وغيرِ العَيْن. وحجَّتُهم حديثُ عثمانَ بنِ أبي العاص ومثلُه، عن النبيِّ ﷺ في جوازِ الرَّقْي من الوجَع، وقد ذكَرْنا حديثَ عثمانَ بنِ أبي العاص في باب يزيدَ بنِ خُصيفةَ (٥)

стр. 8166

من هذا الكتاب، وحديثَ ابنِ شهاب، عن عُروة، عن عائشة، أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا اشْتَكى قرأ على نفسِه بالمعوِّذات ونفَث (١). وروَى إبراهيمُ، عن الأسودِ مثلَه بمعناه. وروى أنسٌ (٢)، وعائشةُ (٣)، عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان إذا دخَل على مريض قال: "أذْهِب الباسَ، ربَّ الناس" الحديثَ. وروَى محمدُ بنُ حاطب، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٤) وروَى صالحُ بنُ كَيْسان، عن أبي بكرِ بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمَة، عن الشِّفاء، أنَّ رسول الله ﷺ دخَل عليها فقال لها: "علِّمي حفصةَ رُقْيةَ النَّمِلةِ (٥) كما علَّمْتِها الكتابَ" (٦).

стр. 8167

ومن حديثِ عُبادة (١)، وأبي سعيدٍ الخدريِّ (٢)، وميمونة (٣)، وعائشة (٤)، عن النبيِّ ﷺ جوازُ الرَّقْي من كلِّ شيءٍ يُشتَكَى به من الأوجاع كلِّها. وقال آخرون: لا رُقيةَ إلا من عينٍ أو لَدْغَةِ عَقْرب؛ واحتجُّوا بقوله ﷺ : "لا رُقْيةَ إلا من عينٍ أو حُمَة". والحُمَةُ: لَدغةُ العَقْرب. وهذا حديثٌ يرويه الشعبيُّ، واختُلِف عليه فيه اختلافًا كثيرًا. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بن نُمير، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ سُليمان، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن حُصين، عن الشعبيِّ، عن بريدةَ الأسلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا رقيةَ إلا من عَيْنٍ أو حُمَةٍ" (٥).

стр. 8168

وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ جعفرٍ الزياتُ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ طالوت، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن حُصَيْن، عن الشعبيِّ، عن بُريدةَ الأسلميِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا رُقيةَ إلا من عينٍ أو حُمَةٍ" (١). ورواه مالكُ بنُ مِغْوَل، عن حُصين، عن الشعبيِّ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن: حدَّثنا عبدُ الوارثِ (٢) بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفَضْلُ بنُ دُكين، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ مِغْول، عن حُصَيْن، عن الشعبيِّ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا رقيةَ إلا من عينٍ أو حُمَةٍ" (٣).

стр. 8169

ورواه مجالدٌ، عن الشعبيِّ، عن جابر. ورواه العباسُ بنُ ذَريح، عن الشعبيِّ، عن أنس:

стр. 8170

حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ الكِرْمانيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ زكريا بنِ أبي زائدة، قال: حدَّثنا مجالدٌ، عن الشعبيِّ، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا رُقْيةَ إلا من عينٍ أو حُمَةٍ" (١). وحدَّثنا عبدُ الوالرث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا ابنُ الأصبهانيّ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن العبّاس بن ذَريح، عن عامر، عن أنس رفَعه قال: "لا رقيةَ إلّا من عينٍ أو حُمَةٍ أو دمٍ لا يَرْقأُ" (٢). وقد مضى في باب حُميدِ بنِ قيس (٣) في قصةِ ابني جعفرٍ كثيرٌ من معاني هذا الباب، ومضى فيه حديثُ حجّاج، عن ابن جُرَيج، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنَّ رسول الله ﷺ أرْخَص لبني عَمْرِو بنِ حَزْم في رقيةِ الحُمة. قال ابنُ وَهْب: الحُمَةُ اللدغةُ.

стр. 8171

حديثٌ ثالثَ عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن سُليمانَ بنِ يسار، أنَّ رسول الله ﷺ كان يرفعُ يديه في الصلاة. هكذا هذا الحديثُ مُرسلًا عندَ كلِّ من رواه عن مالك (٢)، وكذلك رواه شُعبةُ، عن يحيى بن سعيد. وفي هذا الباب أحاديثُ مسندةٌ كثيرةٌ عندَ مالكٍ وغيره، نذكرُ منها في هذا الباب ما يُشْبِهُه ويليقُ به إن شاء الله. أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ ويحيى بنُ عبد الرحمن، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي دُليم، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياس، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن سُليمانَ بنِ يسار، قال: كان رسول الله ﷺ يرفعُ يديه إذا كبَّر في الصلاة (٣). حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمونِ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ مطرِّفٍ العَسْقلانيُّ بعَسْقلان، قال: حدَّثنا أبو مَعْنٍ ثابتُ بنُ نُعيم، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياس، قال: حدَّثنا شُعبةُ بنُ الحجّاج، عن يحيى بنِ سعيد، عن سُليمانَ بنِ يسار قال: كان رسول الله ﷺ يرفعُ يدَيه إذا كبَّر لافتتاح الصَّلاة، وإذا رفَع رأسَه من الركوع. قال أبو عُمر: روَى رفعَ اليدَين عن النبيِّ ﷺ عندَ افتتاح الصلاة، وعندَ الرُّكوع، وعندَ رفع الرأسِ من الرُّكوع - جماعةٌ من أصحابه ﵃؛ منهم

стр. 8172

عبدُ الله بنُ عُمر (١)، ووائلُ بنُ حُجْر (٢)، ومالكُ بنُ الحُوَيرث (٣)، وأبو هُريرة، وأنسٌ (٤)، وأبو حُميدٍ الساعديُّ (٥)، في عشَرةٍ من الصحابة. ورُوِي من حديثِ البَرَاءِ بنِ عازب، وعبدِ الله بنِ مسعود، أنه كان يرفعُ يديه في أولِ افتتاح الصلاةِ ثم لا يعودُ (٦). وهما حديثان معلولان، وقد تقدَّم القولُ في رفع اليدين، وما في ذلك اعتلال الآثار، ومذاهب علماءِ الأمصار ممهَّدًا مجوَّدًا مختصرًا مُوعَبًا في بابِ ابنِ شهاب، عن سالم من هذا الكتاب (٧)، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهنا. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (٨)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٩): حدَّثنا عبدُ الملك بنُ شُعيبِ بنِ الليث، قال: حدَّثني أبي، عن جَدِّي،
следующие страницы →