← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8168–8207 · переход к 8173.

стр. 8168

وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ جعفرٍ الزياتُ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ طالوت، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن حُصَيْن، عن الشعبيِّ، عن بُريدةَ الأسلميِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا رُقيةَ إلا من عينٍ أو حُمَةٍ" (١). ورواه مالكُ بنُ مِغْوَل، عن حُصين، عن الشعبيِّ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن: حدَّثنا عبدُ الوارثِ (٢) بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفَضْلُ بنُ دُكين، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ مِغْول، عن حُصَيْن، عن الشعبيِّ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا رقيةَ إلا من عينٍ أو حُمَةٍ" (٣).

стр. 8169

ورواه مجالدٌ، عن الشعبيِّ، عن جابر. ورواه العباسُ بنُ ذَريح، عن الشعبيِّ، عن أنس:

стр. 8170

حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ الكِرْمانيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ زكريا بنِ أبي زائدة، قال: حدَّثنا مجالدٌ، عن الشعبيِّ، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا رُقْيةَ إلا من عينٍ أو حُمَةٍ" (١). وحدَّثنا عبدُ الوالرث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا ابنُ الأصبهانيّ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن العبّاس بن ذَريح، عن عامر، عن أنس رفَعه قال: "لا رقيةَ إلّا من عينٍ أو حُمَةٍ أو دمٍ لا يَرْقأُ" (٢). وقد مضى في باب حُميدِ بنِ قيس (٣) في قصةِ ابني جعفرٍ كثيرٌ من معاني هذا الباب، ومضى فيه حديثُ حجّاج، عن ابن جُرَيج، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنَّ رسول الله ﷺ أرْخَص لبني عَمْرِو بنِ حَزْم في رقيةِ الحُمة. قال ابنُ وَهْب: الحُمَةُ اللدغةُ.

стр. 8171

حديثٌ ثالثَ عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن سُليمانَ بنِ يسار، أنَّ رسول الله ﷺ كان يرفعُ يديه في الصلاة. هكذا هذا الحديثُ مُرسلًا عندَ كلِّ من رواه عن مالك (٢)، وكذلك رواه شُعبةُ، عن يحيى بن سعيد. وفي هذا الباب أحاديثُ مسندةٌ كثيرةٌ عندَ مالكٍ وغيره، نذكرُ منها في هذا الباب ما يُشْبِهُه ويليقُ به إن شاء الله. أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ ويحيى بنُ عبد الرحمن، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي دُليم، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياس، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن سُليمانَ بنِ يسار، قال: كان رسول الله ﷺ يرفعُ يديه إذا كبَّر في الصلاة (٣). حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمونِ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ مطرِّفٍ العَسْقلانيُّ بعَسْقلان، قال: حدَّثنا أبو مَعْنٍ ثابتُ بنُ نُعيم، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياس، قال: حدَّثنا شُعبةُ بنُ الحجّاج، عن يحيى بنِ سعيد، عن سُليمانَ بنِ يسار قال: كان رسول الله ﷺ يرفعُ يدَيه إذا كبَّر لافتتاح الصَّلاة، وإذا رفَع رأسَه من الركوع. قال أبو عُمر: روَى رفعَ اليدَين عن النبيِّ ﷺ عندَ افتتاح الصلاة، وعندَ الرُّكوع، وعندَ رفع الرأسِ من الرُّكوع - جماعةٌ من أصحابه ﵃؛ منهم

стр. 8172

عبدُ الله بنُ عُمر (١)، ووائلُ بنُ حُجْر (٢)، ومالكُ بنُ الحُوَيرث (٣)، وأبو هُريرة، وأنسٌ (٤)، وأبو حُميدٍ الساعديُّ (٥)، في عشَرةٍ من الصحابة. ورُوِي من حديثِ البَرَاءِ بنِ عازب، وعبدِ الله بنِ مسعود، أنه كان يرفعُ يديه في أولِ افتتاح الصلاةِ ثم لا يعودُ (٦). وهما حديثان معلولان، وقد تقدَّم القولُ في رفع اليدين، وما في ذلك اعتلال الآثار، ومذاهب علماءِ الأمصار ممهَّدًا مجوَّدًا مختصرًا مُوعَبًا في بابِ ابنِ شهاب، عن سالم من هذا الكتاب (٧)، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهنا. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (٨)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٩): حدَّثنا عبدُ الملك بنُ شُعيبِ بنِ الليث، قال: حدَّثني أبي، عن جَدِّي،

стр. 8173

عن يحيى بن أيوب، عن عبدِ الملك بنِ عبدِ العزيزِ بنِ جُرَيج، عن ابنِ شهاب، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ الحارث بنِ هشام، عن أبي هُريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر للصلاةِ رفَع يدَيه حذوَ مَنكبيه، وإذا ركَع فعَل مثلَ ذلك، وإذا رفَع للسجودِ فعَل مثلَ ذلك، وإذا قام من الركعتين فعَل مثلَ ذلك. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم قراءةً منِّي عليه، أنَّ أبا الميمونِ محمدَ بنَ عبدِ الله العَسْقلانيَّ حدَّثهم بعَسْقلان، قال: حدَّثنا أبو معْن ثابتُ بنُ نُعيم، قال: حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعبةُ، حدَّثنا الحكمُ قال: رأيت طاووسًا يرفعُ يدَيْه عندَ التكبير، وعندَ رُكوعِه، وعندَ رفع رأسِه من الرُّكوع، حَذْوَ مَنكِبيه، فسألتُ رجلًا من أصحابه فقال: إنه يحدِّثُ به عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ ﷺ (١). وحدَّثنا خَلَفٌ (٢)، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا ثابتٌ، قال: حدَّثنا آدمُ،

стр. 8174

قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: سمِعتُ عاصمَ بنَ كُليب، قال: سمِعتُ أبي يحدِّثُ عن وائل الحَضرميِّ، قال: رأيتُ رسول الله ﷺ كبَّر للصلاة - فرفَع يدَيه حذْوَ مَنْكِبَيه، ثم كبَّر ورفَعَ يَدَيه ثم كبَّر وسَجَد ورفَعَ يَدَيه (١). وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا ثابتٌ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن نصرِ بنِ عاصم، عن مالكِ بنِ الحُوَيرث، قال: كان رسول الله ﷺ يَرفَعُ يَدَيه إذا كبَّر، وإذا ركَعَ، وإذا رفَعَ رأسَه من الرُّكوع حَذْوَ أذُنَيْه (٢). قال أبو عُمر: في حديثِ وائلِ بنِ حُجْر: أنّه كان ﷺ يرفَعُ يَدَيه عندَ السُّجود، وهذا معناه عندَنا: إذا انحَطَّ إلى السُّجودِ من الرُّكوع، لأنَّ ابنَ شهابٍ روَى عن سالم عن ابنِ عُمرَ: أنَّ رسول الله ﷺ كان لا يرفَعُ بينَ السَّجدتَيْن. وقال ابن عُمر: كان يرفَعُ يَدَيه حَذْوَ مَنْكِبَيْه، وهو أثبتُ ممّن روى: حَذْوَ أُذنيه. وقد ذكَرْنا هذه المعاني كلَّها وما رُويَ فيها من الآثار، وذكَرْنا الاختلافَ عن مالكٍ في هذه المسألة، وما للفقهاءِ فيها من التنازُع في باب ابنِ شهابٍ من كتابنا هذا، والحمدُ لله (٣).

стр. 8175

حديثٌ رابعَ عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن سُليمانَ بنِ يسار، أنَّ رسول الله ﷺ احْتَجم وهو مُحرِمٌ فوقَ رأسه، وهو يومئذٍ بلَحيَيْ جَمَل. مكانٌ بطريقِ مكة. وهذا مرسلٌ في "الموطأ" عندَ جماعةِ الرواة (٢). وقد رُوِيَ مسندًا من وجوه صِحاح؛ من حديثِ ابنِ عبَّاس، وجابر (٣)، وعبدِ الله بنِ بُحَينة، وأنس: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٥): أخبرنا هلالُ بنُ بشر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خالدٍ بنُ

стр. 8176

عَثْمة، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ بلال، قال: حدَّثني علقمةُ بنُ أبي علقمة، أنَّه سمع الأعرجَ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ بُحينةَ يحدِّثُ، أنَّ رسول الله ﷺ احْتَجم وسَطَ رأسِه وهو مُحرِمٌ بلَحيَيْ جمَل من طريق مكة. وهذا حديثٌ مدنيٌّ لفظُه لفظُ حديثِ مالكٍ سواء. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٢): حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن عطاءٍ وطاووس، عن ابنِ عبَّاس، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه احْتَجم وهو مُحرِمٌ. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ عبدِ الله، يُعرَفُ بابن قُلُنْبا (٣)، الإسكندرانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الوارث، قال: حدَّثنا عيسى بنُ حَمّاد، أخبرنا الليثُ بنُ سَعْد، عن أبي الزُّبير، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، أنَّ رسول الله ﷺ احْتَجم وهو محرمٌ (٤). حدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال:

стр. 8177

أخبرنا شُعبةُ، عن يزيدَ، عن مِقْسَم، عن ابنِ عبَّاس، قال: احْتَجم رسول الله ﷺ وهو صائمٌ محرمٌ (١). حدَّثنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ جامع، قالا: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ العَمِّيُّ، قال: حدَّثنا وُهيب، عن أيوب، عن عِكْرِمة، عن ابن عبَّاس، أنَّ رسول الله ﷺ احْتَجم وهو مُحْرِمٌ، واحْتَجم وهو صائمٌ (٢).

стр. 8178

وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا هشامٌ، عن عِكْرِمة، عن ابنِ عبَّاس، أنَّ رسول الله ﷺ احْتَجم وهو مُحرِمٌ في رأسِه من أذًى كان به. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ سُليمانَ المروزيُّ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ عَمْرو الضَّبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ حفصِ بنِ عاصم، عن حُميد، عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ احْتَجم وهو محرمٌ من داءٍ كان برأسِه (٤). قال أبو عُمر: لا خلافَ بينَ العلماءِ في أنّ للمُحرم أن يحتجِمَ إذا كان به أذًى ونزل به ضُرٌّ، إلا أنَّه إن حَلَق شيئًا من الشعَرِ في موضع المحاجِم فعلَيه فِدْيةٌ إذا حلَق شيئًا له بالٌ عندَ مالك، وإن حَلَق، عندَ مالك شعَرةً أو شعَرتين فلا شيءَ عليه، ويَستحبُّ له أن يُطعِمَ قبضةً من طعام (٥). وقال جماعة من أهل العلم: إنَّ حُكمَ شعَرِ البدَن غيرُ شعَرِ الرأسِ للمُحرم، وليس في شعَرِ البدنِ شيءٌ، وقد ذكَرنا اختلافَ العلماءِ في حكم حِلاقِ الشعرِ وما لهم في ذلك من المذاهب فيما تقدَّم من هذا الكتاب (٦).

стр. 8179

يحيى عن القاسم بنِ محمدٍ حديثٌ واحدٌ حديثٌ خامسَ عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالك (١)، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بنِ محمد، عن صالح بنِ خَوّاتٍ الأنصاريِّ، أنَّ سَهْلَ بنَ أبي حَثْمةَ حدَّثه أنَّ صلاةَ الخوفِ أن يقومَ الإمامُ ومعه طائفةٌ من أصحابه، وطائفةٌ مواجهةٌ العدُوَّ، فيركَعُ الإمامُ ركعةً ويسجدُ بالذين معه ثم يقوم، فإذا استوَى قائمًا ثبَت وأتمُّوا لأنفُسِهم الرَّكْعةَ الباقية، ثم يسلِّمون وينصَرِفونَ والإمامُ قائمٌ، فيكونون وُجاهَ العَدوِّ، ثم يُقبلُ الآخَرونَ الذين لم يُصلُّوا، فيُكبِّرونَ وراءَ الإِمام، فيركَعُ بهم ويسجدُ، ثم يُسلِّمُ، فيَقومونَ فيركَعونَ لأنفُسهم الركعةَ الثانية، ثم يُسلِّمون. هذا الحديثُ موقوفٌ على سَهْل في "الموطأ" عندَ جماعةِ الرواة عن مالك (٢)، ومثلُه لا يقالُ من جهة الرأي. وقد رُوِيَ مرفوعًا مُسندًا بهذا الإسنادِ عن القاسم بن محمد، عن صالحِ بنِ خَوّات، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة، عن النبيِّ ﷺ ؛ رواه عبدُ الرحمن بنُ القاسم، عن أبيه، وعبدُ الرحمن أسنُّ من يحيى بن سعيد وأجلُّ؛ رواه شُعبةُ عن عبدِ الرحمن كذلك (٣).

стр. 8180

وكان مالكٌ يقولُ في صلاةِ الخوفِ بحديثه عن يزيدَ بنِ رُومان (١)، ثم رجَع إلى حديثه هذا عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، وإنما بينَهما انتظارُ الإِمام الطائفةَ الثانيةَ حتى تُتمَّ، فيُسلِّمَ بهم، هكذا في حديثِ يزيدَ بنِ رومان. وفي حديث يحيى: أنَّه يسلِّمُ إذا صلَّى بهم الرَّكْعةَ الثانية، ثم يقومون فيركَعون لأنفُسهم. وقد ذكَرنا هذه المسألةَ مجوَّدةً في باب يزيدَ بنِ رومانَ من هذا الكتاب، وذكَرنا اختلافَ الآثار واختلافَ فقهاءِ الأمصارِ في صلاةِ الخوفِ ممهَّدًا مبسوطًا مجوَّدًا (٢) في باب نافع من هذا الكتاب (٣)، فلا وجهَ لإعادة ذلك هاهنا. وأما حديثُ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة هذا، فاختُلِف فيه على خمسة أوجه؛ منها: الوجهان اللذان عندَ مالكٍ عن يزيدَ بنِ رومان، وعن يحيى بنِ سعيد، على ما ذكَرنا من اختلافِهما في انتظارِ الإِمام الطائفةَ الثانيةَ حتى تُتمَّ ركعتَها، ثم يسلَّمَ بها. والوجه الثالث: هو أنَّ الإمامَ ينتظرُ الطائفةَ الأخرى قاعدًا، فإذا كبَّروا خلفَه قام وصلَّى بهم رَكْعةً وسجْدَتَين، ثم قعد حتَّى يقضُوا رَكْعة، ثم يسلِّمُ بهم. ففي هذا الوجهِ وهذه الروايةِ أنَّ الإمامَ ينتظرُ الطائفة الأخرى قاعدًا، واتَّفق حديثُ يزيدَ بنِ رومانَ ويحيى بنِ سعيدٍ هذا على أنَّ الإمامَ إنما ينتظرُهم قائمًا. والوجه الرابع: أنَّ الإمامَ يَصُفُّ الطائفتين خلفَه صفَّين، فيُحرِمُ بهم، ثم يركَعُ ويسجدُ بالذين يلونَه، ثم يقومُ قائمًا حتى يصلِّي الصفُّ الذي خلفَهم رَكْعة،

стр. 8181

ثم يتقدَّمون ويتأخَّرُ الذين كانوا قُدّامَهم فيصلِّي بهم ركعة، ثم يجلسُ حتى يصلِّي الذين تخلَّفوا رَكْعة، ثم يسلِّمُ بهم. والوجه الخامس: أن يُصلِّي بكلِّ طائفةٍ رَكْعة، ثم يسلِّم، فتَقضيَ كلُّ واحدةٍ من الطائفتين رَكْعةً رَكْعةً بعدَ سلامِه، بمعنَى حديثِ ابن عُمر. وهذه الثلاثةُ الأوجه في حديثِ سَهْل بن أبي حَثْمةَ اختلف فيها أصحابُ شُعبة، عن شُعبة، عن عبدِ الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن صالح، عن سَهْل، عن النبيِّ ﷺ ، ولم يَختلفوا في هذا الإسناد، ولا في رَفْع الحديثِ إلى النبيِّ ﷺ . حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا عبيدُ الله بنُ معاذ العَنْبريُّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن صالحِ بنِ خوّات، عن سهْل بن أبي حَثْمة: أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى بأصحابه في خوف، فجعَلهم خلفَه صفَّين، فصلَّى بالذين يلُونَه رَكْعةً، ثم قام، فلم يزلْ قائمًا حتى صلَّى الذين خلفَه رَكْعةً، ثم تقدَّموا وتأخَّر الذين كانوا قُدَّامَهم، فصلَّى بهم النبيُّ ﷺ رَكْعةً، ثم قعد حتَّى صلَّى الذين خلفَه رَكْعةً، ثم سلَّم. حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤): أخبرنا عَمْرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعبة،

стр. 8182

عن عبدِ الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن صالح بنِ خَوّات، عن سَهْل بنِ أبي حَثْمة، أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى بهم صلاةَ الخوف، فصفَّ صفًّا خلفَه، وصفًّا مصافي العدو، فصلَّى بهم رَكْعة، ثم ذهبَ هؤلاء وجاءَ أولئك، فصلَّى بهم رَكْعةً، ثم قاموا فقضوا رَكْعةً رَكْعةً. قال أبو عُمر: هذا موافقٌ لحديثِ نافع (١) وسالم (٢) عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ ﷺ وقد اختُلِف على شُعبةَ كما ترى، ولم يُختلفْ على مالكٍ في حديثه هذا، وهو أصحُّ شيءٍ عندي في هذا الباب وأوْلى بالصواب إن شاء الله؛ لِمَا فيه من مطابقةِ ظاهرِ القرآنِ لاستفتاح الإِمام ببعضِهم، وذلك قوله : ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، ثم قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]. وفي حديثِ مالكٍ هذا أنَّ الطائفةَ الثانيةَ لا تدخلُ في الصلاةِ إلا بعدَ انصرافِ الطائفةِ الأولى، بخلافِ روايةِ معاذٍ (٣) عن شُعبة (٤)، وفي حديثِ مالكٍ أن الثانية لا تنصرفُ عن الإِمام وعليها شيءٌ من الصلاة، وهذا أشبهُ بظاهر القرآن أيضًا؛ لِما فيه من التسويةِ بين الطائفتين في استفتاحِه (٥) بالأولى وتسليمه بالثانية.

стр. 8183

يحيى عن أبي بكرِ بنِ حَزْم، حديثٌ واحدٌ حديثٌ سادسَ عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْم، عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيز، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ الحارثِ بنِ هشام، عن أبي هُريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أيُّما رجُلٍ أفلَسَ فأدرَكَ الرَّجُلُ مالَهُ بعَيْنِه، فهو أحقُّ به من غيرِه". هذا حديثٌ متفقٌ على صحّةِ إسنادِه، وقد مضى القولُ في معناه مُجوَّدًا ممهَّدًا في بابِ ابنِ شهاب، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرّحمن، من هذا الكتاب (٢).

стр. 8184

يحيى عن أبي الحُبابِ حديثان حديثٌ سابعَ عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، قال سمِعتُ أبا الحُباب سعيدَ بنَ يسارٍ يقول: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقول: قال رسول الله ﷺ : "أُمرتُ بقريةٍ تأكلُ القُرى، يقولون: يثْرِبُ، وهي المدينة، تُنفي الناسَ كما يَنفي الكيرُ خَبَثَ الحديد". هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" عندَ جماعةِ الرواة (٢). ورواه إسحاقُ بنُ عيسى الطبّاع، عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيب، عن أبي هُريرة. وهو خطأ، والصواب فيه: مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ يسار أبي الحُباب، كما في "الموطأ"، واللهُ أعلم. وأبو الحُباب هذا سعيدُ بنُ يسارٍ (٣) مولى الحَسَنِ بنِ عليّ، وقيل: مولى شُمَيسةَ؛ امرأةٍ نصرانيّةٍ أسلمت بالمدينة على يدي الحَسَنِ بنِ عليّ. وقيل: أبو الحُباب سعيدُ بنُ يسارٍ مولى شُقْرانَ مولى النبيِّ ﷺ . وكان أبو الحُباب أحدَ الثقاتِ من التابعين بالمدينة، وبها توفِّي سنةَ سبعَ عشرةَ ومئة.

стр. 8185

وأما قوله: "تأكُلُ القُرَى" فرُوِيَ عن مالك أنَّه قال: معناه: تفتَح القُرَى، وتُفتتَحُ منها القُرَى؛ لأنَّ من المدينةِ افتُتِحَتِ المدائنُ كلُّها بالإسلام. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على كراهيةِ تسميةِ المدينةِ بيثربَ على ما كانت تُسمَّى في الجاهلية، وأما القرآنُ فنزَل بذِكْر يَثْربَ على ما كانوا يعرِفون في جاهليَّتهم، ولعلَّ تسميةَ رسول الله ﷺ إيّاها بطَيْبةَ كان بعدَ ذلك، وهو الأغلبُ في ذلك. وأما قوله: "تَنفي الناس" فإنه أراد شِرارَ الناس، ألا ترى أنَّه مَثَّلَ ذلك وشَبَّههُ بما يصنَعُ الكِيْرُ في الحديد، والكِيْرُ إنما ينفي رديءَ الحديدِ وخبَثَه، ولا يَنْفي جيِّده. وهذا عندي، واللهُ أعلم، إنما كان في حياةِ رسول الله ﷺ ، فحينئذٍ لم يكنْ يخرجُ من المدينةِ رغبةً عن جوارِه فيها إلّا من لا خيرَ فيه، وأما بعدَ وفاتِه فقد خرَج منها الخيارُ الفُضلاءُ الأبرار. وأما الكِيْرُ: فهو موضعُ نارِ الحدّادِ والصائغ، وليس الجِلْدَ الذي تُسمِّيه العامةُ كيرًا. هكذا قال أهلُ العلم باللُّغة، ومن هذا حديثُ أبي أُمامة وأبي رَيْحانة، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الحُمَّى كيرٌ من جهنَّم، وهي نصيبُ المؤمنِ من النار" (١). حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ مَعْبَد، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: حدَّثنا أبو غسّانَ محمدُ بنُ مُطرِّف، عن أبي الحُصَين، عن أبي صالح الأشْعَريِّ، عن أبي أُمامة، عن النبيِّ ﷺ قال: "الحُمّى كِيْرٌ من جهنّمَ، فما أصابَ المؤمنَ منها كان حظَّهُ من النار" (٢)، والله أعلم.

стр. 8186

حديثٌ ثامِنَ عشرَ ليَحيى بنِ سَعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي الحُباب سعيدِ بنِ يَسار، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن تصَدَّق بصدَقة من كسْبٍ طيِّب، ولا يَقبلُ اللهُ إلّا الطيِّب، كان إنما يَضَعُها في كفِّ الرَّحمن، يُربِّيها كما يُربِّي أحدُكُم فلُوَّه (٢) أو فَصِيلَه حتى يكونَ مثلَ الجبَل". هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ عن مالك في "الموطأ" مُرْسلًا، وتابعَه أكثرُ الرُّواة عن مالكٍ على ذلك، وممّن تابعَه: ابنُ القاسم، وابنُ وَهْب (٣)، ومُطرِّف، وأبو المُصعَب (٤)، وجماعة. ورواه مَعْنُ بنُ عيسى، ويحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكَير، عن مالك، عن يحيى، عن أبي الحُباب، عن أبي هُريرة، مسندًا. حدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخَضِر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٥): حدَّثنا عليُّ بنُ شُعيب، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى، عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي الحُباب سعيدِ بنِ يَسار، عن أبي هُريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن تصدَّق بصدقة". وذكَر الحديثَ. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عُمرَ ويحيى بنُ أيوب، قالا: حدَّثنا ابنُ بكير، عن مالك. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان،

стр. 8187

قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطرِّفُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا ابنُ بكير، عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي الحُباب سعيدِ بنِ يَسار، عن أبي هُريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن تصَدَّق بصدقةٍ من كسبٍ طيِّب، ولا يَقبلُ اللهُ إلا طيِّبًا، كان كأنما يَضَعُها في كفِّ الرَّحمن، فيربِّيها له كما يُربِّي أحدُكم فَصيلَه أو فَلُوَّه حتى يكونَ مثلَ الجبل" (١). قال أبو عُمر: "موطأُ ابنِ بكير" عندَنا بهذين الإسنادين، قرأتُه على أبي عُمرَ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أحمد، وعلى أبي القاسم عبدِ الوارثِ بنِ سُفيان، رحِمهما الله، بالإسنادين المذكورين. وأخبرناه أيضًا أبو القاسم خَلَفُ بنُ قاسمٌ ﵀، قال: أخبرنا أبو محمدٍ الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ المؤدِّب، قال: حدَّثنا ابنُ بكير. وهذا الحديثُ رواه سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ المَقبُريُّ، عن أبي الحُباب، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ (٢). ورُوِيَ عن أبي هُريرة، من وجوه (٣). وروَته طائفةٌ من الصحابة، عن النبيِّ ﷺ . وهو حديثٌ صحيحٌ مجتمعٌ على صحَّتِه.

стр. 8188

وفيه أن الله إنما يقبلُ من الصّدقات ما طاب كَسْبُه، وأُريدَ به وجهُه، والكسبُ (١) الطيِّبُ: هو الحلالُ المحْضُ أو المتشابه؛ فإن المتشابه عندَنا في حيِّز (٢) الحلال، بدلائلَ قد ذكَرناها في غير هذا الكتاب، وللعلماءِ في المُتشابه أقاويل، أشبَهُها عندَنا من جهةِ النَّظَر ما ذكَرنا، وبالله توفيقنا. ومعنى هذا الحديث يعضُدُه قولُ الله : ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. قيل لبعض العلماء: إن الله قال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾. وإنّا نرى أصحابَ الرِّبا تَنمي أموالهم! فقال: إنما يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا حيث يُرْبي الصدقاتِ ويُضَعِّفُها، وذلك في القيامةِ إذا نظَر العبدُ إلى أعمالِه (٣)، فرآها مَمْحوقةً أو مُضاعَفة. أو (٤) كما قال. روَى وَكيعٌ، عن عبّادِ بنِ منصور، عن القاسم بنِ محمد، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ العبدَ إذا تَصَدَّق بصَدَقةٍ وضعَتْ في كفِّ الرّحمن قبلَ أن تقعَ في كَفِّ السائل". قال: "فيُربِّيها كما يُربِّي أحدُكم فَصيلَه أو فَلُوَّه، حتى أن اللُّقمةَ لتَصيرُ مثلَ أُحُد". ثم قرأ: " ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ " (٥). وفي قولِ رسول الله ﷺ : "اتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ" (٦)، دليلٌ على عظيم فَضْل الصَّدَقة.

стр. 8189

ورُويَ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "ما أحْسَن عبدٌ الصدقةَ إلا أحْسَن اللهُ الخلافةَ على بَنيه، وكان في ظلِّ الله يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه، وحُفِظ في يوم صدقتِه من كلِّ عاهةٍ وآفةٍ" (١). وفي فضل الصدقاتِ آثارٌ كثيرة، ومَن طلَب العلمَ للعمل، وأراد به الله، فالقليلُ يكْفيه إن شاء الله. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الطاهر محمدُ بنُ أحمدَ بنِ بُجَير القاضي، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابي، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا الحكمُ بنُ يَعْلى، قال: حدَّثنا عَمْرُو بنُ الحارث، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيب، عن أبي الخَيْر، عن عُقبةَ بنِ عامر، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الصَّدقةَ لتُطفئُ عن أهلِها حرَّ القبور" (٢).

стр. 8190

أخبرنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعناقيُّ، قال: حدَّثنا أبو البِشْرِ عبدُ الرحمن بنُ الجارود، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني حَرملةُ بنُ عِمْران، عن ابنِ أبي حبيب، عن أبي الخَيْر، قال: سمِعتُ عُقبةَ بنَ عامر يقول: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ امرئ في ظلِّ صدقتِه حتى يُفصَلَ بينَ الناس". أو قال: "يُحكَمَ بينَ الناس". قال يزيد: وكان أبو الخير لا يُخطِئُه يومٌ إلا تصَدَّق فيه بكعكةٍ أو بصلةٍ أو شيء (١). وحدَّثنا خَلَفٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا سعيد بن عثمان، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسّان، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ زيد بن أسْلَم، عن أبيه، عن عليِّ بنِ حُسينٍ قال: دعوةُ المُتصدَّقِ عليه للمُتصَدِّق لا تُرَدُّ.

стр. 8191

يحيى عن بُشيرِ بنِ يسارٍ أربعةُ أحاديث حديثٌ تاسع عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ مولى بني حارثة، عن سُويدِ بنِ النُّعمان، أنَّه أخبَره أنَّه خرجَ مع رسول الله ﷺ عامَ خيبرَ حتى إذا كانوا بالصَّهباء - وهي من أدنى خَيْبر - نزلَ رسولُ الله ﷺ فصلَّى العصرَ، ثم دعا بالأزواد، فلم يُؤتَ إلّا بالسَّويق، فأمَر به فثُرِّيَ، فأكَل رسول الله ﷺ وأكَلْنا، ثم قام إلى المغرب، فمَضْمَض ومَضمَضْنا، ثم صلَّى ولم يتوضَّأْ. وبُشيرُ بنُ يسارٍ هذا: هو بُشيرُ بنُ أبي كَيْسانَ (٢) مولى بني حارثةَ من الأنصار، مَدَنيٌّ تابعيٌّ ثقةٌ. وهذا حديثٌ صحيحٌ إسنادُه ثابتٌ (٣)، أدخَله مالكٌ في باب تَرْكِ الوضوءِ مما مسَّتِ النار، وهذا يدُلُّك على أن السَّويقَ من الطعام الذي قد مسَّتْهُ النار، وأنه لا وُضوءَ فيه، وقد أوضَحنا هذا المعنى وجوَّدناه من جهةِ الأثرِ والنظر، ومهَّدناه وبسَطناه، وجلَبنا فيه الاختلافَ ووُجوهَ الاعتلالِ في باب زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتاب (٤)، والحمدُ لله. وأما قوله: "فثُرِّيَ"؛ يعني: بُلَّ بالماء، ومنه قيل للتراب النَّديِّ: الثَّرَى.

стр. 8192

وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أن الصالحين والفُضلاءَ لا يستَغنون عن الزادِ في سفرِهم، وهو يُبطلُ مذهبَ الصُّوفيةِ الذين لا يدَّخِرونَ لغد. وفيه دليلٌ على أن جمعَ الأزوادِ واجتماعَ الأيدي عليها أعظمُ بركة، ولذلك قال بعضُ العلماء: جمعُ الأزوادِ في السفر سُنّة. وقد أجاز لنا أبو ذرٍّ عبدُ بنُ أحمدَ الهَرويُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عبْدانَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعد، قال: حدَّثنا أبو هشام الرِّفاعيُّ محمدُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: شكَوْنا إلى رسول الله ﷺ الجوعَ، فقال: "اجْمَعُوا أزوادَكُم". قال: فجعَل الرجلُ يجيءُ بالحَفْنةِ من التَّمْرِ والحَفْنةِ من السَّويق، وطرَحُوا الأنطاعَ - أو قال: الأَكْسِيَة - فوضَع النبيُّ ﷺ يدَه عليها، ثم قال: "كُلُوا". فأكَلنا وشبِعْنا، وأخَذْنا في مَزاودِنا، ثم قال: "أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأنّي رسولُ الله، مَن قالها غيرَ شاكٍّ فقد دخَل الجنة" (١). وقد استدَلّ بعضُ الفقهاءِ بهذا الحديث؛ لما فيه من أمرِ رسول الله ﷺ بإخراج أزوادِهم للمُساواةِ فيها، على أنه جائزٌ للإمام عندَ قلةِ الطعام وارتفاع السِّعرِ وغلاءِ الأقواتِ أن يأمُرَ مَن عندَه طعامٌ فوقَ قُوتِه فيخراجِه للبيع، ويُجبرَه على ذلك؛ لما فيه من تَرميقِ مُهجِ الناسِ وإحيائِهم والإبقاءِ عليهم. وقد رَوينا من طريقٍ مُنقطع عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مِن السُّنّةِ أن يُخرِجَ

стр. 8193

القومُ إذا خرَجوا في سفَرٍ نفقتَهم جميعًا؟ فإن ذلك أطيبُ لأنفُسِهم وأحسنُ لأخلاقِهم" (١). وروينا عن ابنِ عُمرَ من وجوهٍ أنه قال: مِن كرَم الرجلِ طيبُ زادِه في سفرِه (٢). وروينا أن محمدَ بنَ إسحاقَ لمّا أراد الخروجَ إلى العراق، قال له رجلٌ من أصحابه: إني أحسَبُ السُّفرةَ عندَك خَسيسةً يا أبا عبدِ الله. وكان ابنُ إسحاقَ ذلك الوقتَ قد رقَّت حالتُه، فقال: إن كانت السفرةُ خَسيسةً، فما أخلاقُنا بخَسيسة، ولرُبَّما قصَّر الدّهرُ باعَ الكريم. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيلَ الضَّرَّابُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ جعفرٍ الفِريابيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله الأقطعُ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سُويدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا أبو فِراسٍ عبدُ الرَّحيم بنُ عُبيد، قال: سمِعتُ ربيعةَ بنَ أبي عبدِ الرحمن يقول: للسَّفر مُروءةٌ، وللحَضَرِ مُروءةٌ، فأما المُروءةُ في السفر: فبذْلُ الزاد، وقلّةُ الخلاف على الأصحاب، وكثرةُ المزاح في غير مَساخطِ الله، وأمّا المُروءةُ في الحضَر: فالإدمانُ إلى المساجد، وتلاوةُ القرآن، وكثرةُ الإخوانِ في الله (٣).

стр. 8194

وأتى رَجُلان إلى ابنِ عَوْنٍ يُودِّعانه ويسألانه أن يُوصِيَهما، فقال لهما: عليكما بكَظْم الغَيْظ، وبَذْلِ الزاد. فرأى أحدُهما في المنام أن ابنَ عونٍ أهدَى إليهما حُلَّتين. ولبعض بني أسَد، وقيل: إنها لحاتم الطائيّ: إذا ما رَفيقي لم يكن خلفَ ناقتي ... له مُركبٌ فضلًا فلا حمَلَت رحلي (١) ولم يكُ مِن زادي له شَطرُ مِزودِي ... فلا كنتُ ذا زادٍ ولا كنتُ ذا فَضلِ شريكانِ فيما نحنُ فيه وقد أرَى ... عليَّ له فضلًا بما نالَ مِن فضلي (٢) وقال آخر: وإني لأستحيِي رفيقيَ أن يَرى ... مكانَ يدي من جانبِ الزادِ أقرَعا أبِيتُ هضيمَ (٣) الكَشحِ مُضْطَمِرَ (٤) الحشا ... من الجُوعِ أخشَى الذَّمَّ أن أتضلَّعا وإنَّك إن أعطيتَ بطنَك سُؤلَه ... وفَرجَك نالا مُنتَهى الذمِّ أجمَعا (٥)

стр. 8195

حديث مُوفى عشرينَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يَسار، أنَّ أبا بُرْدةَ بنَ نِيارٍ ذبحَ أُضْحِيَّته قبل أن يَذبحَ رسول الله ﷺ يومَ الأضحَى، فزعَم أنَّ رسول الله ﷺ أمَره أن يعودَ لضحيةٍ أخرى، فقال أبو بُرْدة: لا أجِدُ إلا جَذَعًا. قال: "وإن لم تَجدْ إلا جذَعًا (٢) فاذْبَحْ". أبو بُرْدةَ بنُ نِيارٍ اسمُه هانئ بنُ نِيار، وقد ذكَرْناه في كتاب "الصحابة" (٣) بما يُغني عن ذكرِه هاهنا، ويقال: إن بُشَيرَ بنَ يَسار لم يَسْمَعْ من أبي بُرْدة. وقد رواه مَعْنُ بنُ عيسى، عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يَسار، عن أبي بُرْدةَ بنِ نِيار، أنه ذبَح قبلَ أن يَذبَحَ رسول الله ﷺ . فذكَر الحديث. هكذا ذكَره إسماعيلُ بنُ إسحاق (٤)، عن عليِّ بنِ المَدينيِّ عن مَعْن. وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّد، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن يحيى (٥)، عن بُشَيرِ بنِ يَسار، عن أبي بُرْدةَ بنِ نِيار، أنه ذبَح. فذكَر الحديثَ مثلَه (٦).

стр. 8196

وقصةُ أبي بُرْدة هذه محفوظةٌ من حديثِ البراءِ بنِ عازب: حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّد، قال: حدَّثنا أبو الأحوص، قال: حدَّثنا المنصورُ بنُ المُعتَمِر، عن الشعبيِّ، عن البراءِ بنِ عازب، قال: خطَبَنا رسول الله ﷺ يومَ النَّحرِ بعدَ الصلاة فقال: "مَن صلَّى صلاتَنا ونسَك نُسُكَنا فقد أصاب النُّسُكَ، ومن نسَك قبلَ الصلاةِ فتلك شاةُ لحم". فقام أبو بُرْدةَ بنُ نِيارٍ فقال: واللّه يا رسولَ الله، لقد نسَكْتُ قبلَ أن أخرُجَ إلى الصلاة، وعرَفْتُ أن اليومَ يومُ أكْلٍ وشُرْب، فعَجِلْتُ وأكَلْتُ، ثم أطعَمْتُ أهلي وجيراني. فقال رسول الله ﷺ : "تلك شاةُ لَحْم". قال: فإنّ عندي عَناقًا جَذَعةً هي خيرٌ من شاتَيْ لحم، فهل تجزِئُ عنِّي؟ قال: "نعم، ولن تُجزئَ عن أحدٍ بعدَك" (١). ورواه داودُ بنُ أبي هِنْد (٢)، ومُطَرِّفُ بنُ طَريف (٣)، وعاصمٌ (٤) الأحولُ (٥)،

стр. 8197

وسَيّار (١)، عن الشعبيِّ، عن البراءِ مثلَه بمعناه. ومَن رواه عن الشعبيِّ، عن جابرٍ فقد أخطأ. وفي حديثِ مالكٍ من الفقه: أن الذّبْحَ لا يجوزُ قبلَ ذبْح الإمام؛ لأنَّ رسول الله ﷺ أمَر الذي ذبَح قبلَ أن يَذبحَ بالإعادة، وقد أمرَنا الله بالتأسِّي به (٢)، وحذَّرَنا من مُخالفَةِ أمرِه، ولم يُخبرْنا رسول الله ﷺ أن ذلك خصوصٌ له، فالواجبُ في ذلك استعمالُ عُمومِه، وقد أجمع العلماءُ على أن الأضحى مُؤقَّتٌ بوَقْتٍ لا يتقدَّمُ، إلا أنهم اختلَفوا في تعيينِ ذلك الوقتِ على ما نُورِدُه عنهم في هذا الباب، إن شاء الله. وأجمَعوا على أن الذبحَ لأهل الحَضر لا يجوزُ قبلَ الصلاة؛ لقوله ﷺ : "ومَن ذبَح قبلَ الصَّلاةِ فتلك شاةُ لحم". وأما الذَّبحُ بعدَ الصَّلاةِ وقبلَ ذبح الإمام، فموضعٌ اختلَف فيه العلماءُ لاختلافِ الآثارِ في ذلك؛ فذهبَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابهما، والأوزاعيُّ (٣): إلى أنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يَذبحَ أضحيتَه قبلَ ذبح الإمام، وحجَّتُهم حديثُ مالكٍ هذا، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يَسار، أنَّ رسول الله ﷺ أمَر أبا بُرْدة بنَ نِيارٍ لما ذبَح ضَحِيّته قبلَ ذبح رسول الله ﷺ أن يُعيدَ بضَحيّة أخرى. وروَى ابنُ جُرَيج، عن أبي الزبير، عن جابر، أنَّ النبيَّ ﷺ (٤) صلَّى يومَ النحر بالمدينة، فتقدَّم رجالٌ فنحَروا، وظنُّوا أنَّ رسول الله ﷺ قد نحَر، فأمَر

стр. 8198

مَن كان نحَر قبلَه أن يُعيدَ بذبح آخرَ، ولا يَنحرَ حتى يَنحرَ النبيُّ ﷺ . ذكرَه سُنَيدٌ، عن حجّاج، عن ابن جُرَيج (١). ففي هذين الحديثين أن النحرَ لا يجوزُ قبلَ نحرِ الإمام. وقال مَعْمَر، عن الحَسَن في قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. نزلَت في قوم ذبَحوا قبلَ أن يَنحرَ النبيُّ ﷺ ، أو قبلَ أن يُصلِّي النبيُّ ﷺ ، فأمرَهم النبيُّ ﷺ أن يُعيدوا (٢). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ، والليثُ بنُ سَعْد (٣): لا يجوزُ ذبحُ الأضحيةِ قبلَ الصَّلاة، ويجوزُ بعدَ الصَّلاةِ قبلَ أن يَذبحَ الإمام، وحجَّتُهم حديثُ الشَّعبيِّ، عن البَرَاء، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن نَسَكَ قبلَ الصَّلاةِ فإنما هي شاةُ لحم". وقد ذكَرْنا هذا الحديثَ فيما تقدَّم من هذا الباب. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زياد أبو جعفرٍ البَزّازُ ببغداد، قال: حدَّثنا زكريا بنُ عَديٍّ، قال: حدَّثنا حفصٌ، عن داودَ وعاصم، عن الشعبيِّ، عن البَرَاءِ قال: قال رسول الله ﷺ في خُطبتِه يومَ النحر: "مَن ذبَح قبلَ الصَّلاةِ فلْيُعِدْ" (٤).

стр. 8199

وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو. وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ وعُبيدُ بنُ محمد، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مِسكين، قالا: حدَّثنا ابنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا شُعبة، عن زُبَيد، عن الشعبيِّ، عن البراءِ بنِ عازب، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أولُ ما نبدأُ به في يومِنا هذا أنْ نُصلِّي ثم نَنْحَر، فمَن فعَل ذلك فقد أصاب سنَّتَنا، ومَن تعجَّل فإنما هو لحمٌ قدَّمه لأهلِه". وكان أبو بُردةَ بنُ نِيارٍ ذبَح قبلَ الصلاةِ فقال: يا رسولَ الله، إنَّ عندي جذَعةً خيرًا من مُسِنّة. فقال: "اجعَلْها مكانَه، ولنْ تُجزئَ أو تُوفيَ عن أحدٍ بعدَك" (١). وذكر الطَّحاويُّ (٢) حديثَ ابنِ جُرَيج عن أبي الزبير، عن جابر، المذكورَ في هذا الباب، وقال: لا حجةَ فيه؛ لأنه قد خالَفه حَمّادُ بنُ سَلَمة، فرواه عن أبي الزبير، عن جابر، أنَّ رجلًا ذبحَ قبل أنْ يُصلِّي النبيُّ ﷺ عَتُودًا جَذَعًا، فقال النبيُّ ﷺ : "لا تُجزئُ عن أحدٍ بعدَك". ونهى أن يَذبَحُوا قبلَ أنْ يُصلِّي. فجعَل ذبحَ أبي بُردةَ كان قبلَ الصلاةِ لا قبلَ ذبح الإمام بعدَ الصلاةِ محما قال ابنُ جُرَيج. ومن حجَّتِهم أيضًا ما حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، عن محمدِ بنِ سيرين، عن أنس بنِ مالك - وقفَه مرةً ورفعَه أخرى - أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى ثم خطَب فقال: "مَن ذبَح قبلَ الصلاةِ أعاد ذبْحًا". فقام رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسولَ الله، إنَّ جيراني؟ إمّا قال: بهم حاجةٌ. أو قال: فاقةٌ، فذبَحتُ قبلَ الصلاة، وعندي

стр. 8200

عَناقُ لَبَنٍ لهي أحبُّ إليَّ من شاتي لحم. قال: فرخَّص له. فإن كانت رخصتُه عدَت ذلك الرجل، فلا علمَ لي، ثم انكَفأ إلى كَبْشَيْن أمْلَحَيْن فذبَحهما، وتفرَّق الناسُ إلى غُنيمةٍ فتجزَّعوها (١). وحدَّثنا عبدُ الوارث (٢)، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحسنِ الحربيُّ، قال: حدَّثنا موسى بنُ داود، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثوريُّ، عن الأسودِ بنِ قيس، عن جُنْدُب، قال: خرجْنا مع النبيِّ ﷺ يومَ أضْحى، فرأى قومًا قد ذبَحوا، وقومًا لم يَذبَحوا، فقال: "مَن كان ذبَح قبلَ صلاتِنا فلْيُعِدْ، ومَن لم يَذبحْ فليَذبَحْ باسم الله" (٣). وذكره الشافعيُّ (٤)، قال: أخبرنا سُفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا الأسودُ بنُ قيس، قال: سمِعتُ جندُبَ بنَ عبدِ الله البَجَليَّ، قال شهِدتُ العيدَ مع النبيِّ ﷺ وإنَّ ناسًا ذبَحُوا قبلَ الصلاة فقال: "مَن كان منكم ذبَح قبلَ الصلاةِ فليُعِدْ ذَبيحتَه، ومَن لم يكنْ ذَبَحَ فليذْبَحْ على اسم الله". قالوا: فهذه الآثارُ كلُّها تدلُّ على اعتبارِ الصلاةِ ومُراعاتها دونَ ما سواها. وأما قوله في حديث مالك: "لا أجِدُ إلا جَذَعًا" فإنَّ الجَذَعَ الذي أراد أبو بُرْدةَ كان عَناقًا أو عَتُودًا، وقد بان ذلك في الأحاديثِ التي ذكَرنا من غير

стр. 8201

روايةِ مالك، وهو أمرٌ مجتمعٌ عليه عندَ أهل العلم؛ أنَّ الجذَعَ المذكورَ في حديثِ أبي بُرْدةَ هذا كان عَناقًا أو عَتُودًا على ما جاء في حديثِ البراء، وحديثِ جابر، وأنسِ بنِ مالك، والعَناقُ والعَتُودُ والجَفْرةُ لا تكونُ إلا من ولدِ المعْزِ خاصّة، ولا تكونُ من ولدِ الضّأن؛ وهذا ما لا خلافَ فيه بينَ أهل اللغة، وفيها قال رسول الله ﷺ لأبي بُرْدة: "لا تُجزئُ عن أحدٍ بعدَك". وهو أمرٌ مجتمعٌ عليه عندَ العلماءِ أنَّ الجَذَعَ من المعزِ لا تُجزئُ اليومَ عن أحد؛ لأنَّ أبا بُرْدةَ خُصَّ بذلك. قال أهل اللغة: الجَفْرُ والجَفْرَةُ والعَريضُ والعَتُودُ، هذه كلُّها لا يكونَ إلا في أولادِ المعزِ خاصّة، وهي كلُّها أسماءٌ تقعَ على الجَدْي، والجَدْيُ الذكَرُ، والأنثى عَناقٌ من أولادِ المعزِ خاصة، والجَفْرَةُ منها: ما كان يَرْضَعُ ويَنالُ من الكَلأ فيَجتمعُ فيه الرَّعيُ واللبَن. واختُلِف في سنِّ الجَذَع من الضَّأْن؛ فقيل: ابنُ سَبعةِ أشهرٍ أو ثمانية. وقيل: ابنُ عشرة. وقيل: ما بينَ الستةِ أشهرٍ إلى العشرةِ أشهر. وقيل: ما بينَ ثمانيةِ أشهرٍ إلى سنة. وأولُ سنٍّ تقعُ من البهائم فهو جَذَعٌ، والسنُّ الثانيةُ إذا وقَعتْ فهو ثنيٌّ، والسنُّ الثالثةُ إذا وقَعتْ فهو رَباعٌ، فإذا استوَتْ أسنانُه فهو قارحٌ من ذواتِ الحافر، ومن الإبل بازِلٌ، ومن الغنم ضالعٌ. قالوا: وأمّا أولادُ الضأن فهي الخَروفُ، والبَذَجُ (١)، والحَمَلُ، ويقال: رَخِلٌ. فإذا أتى عليه الحولُ، فالذكرُ كبشٌ، والأنثى نعجةٌ وضائنةٌ، وإذا أتى على ولدِ المعزِ الحوْلُ، فالذَّكَرُ تيسٌ، والأنثى عَنزٌ، والسَّخْلَةُ والبَهْمَةُ يقالُ في أولادِهما جميعًا.

стр. 8202

أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مسعودٍ الزَّنْبريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ (١) الحكم. وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله (٢) بنِ محمد، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سلامةَ الطَّحاويُّ، قاله (٣): حدَّثنا إسماعيلُ بنُ يحيى المُزَنيُّ (٤)، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ، قال: أخبرَنا عبدُ الوهابِ بنُ عبدِ المجيد، عن داودَ بنِ أبي هند، عن عامرٍ الشعبيِّ، عن البراءِ بنِ عازب، أنَّ رسول الله ﷺ قام يومَ النحرِ خطيبًا، فحمِد اللهَ وأثنَى عليه، ثم قال: "لا يَذْبَحَنَّ أحدٌ حتى نُصَلِّي". قال: فقام خالي فقال: يا رسولَ الله، هذا يومٌ اللحمُ فيه مَعْدُومٌ (٥)، وإني ذبَحتُ نسيكَتي فأطعَمتُ أهلي وجيراني. فقال له النبيُّ ﷺ : "متى فعَلتَ؟ ". قال: قبلَ الصلاة. قال: "فأعِدْ ذبحًا آخرَ". فقال: عندي عَناقُ لبنٍ هي خيرٌ من شاتَي لحم. فقال: "هي خيرُ نَسيكَتَيْك، ولن تُجزئَ جَذَعَةٌ عن أحدٍ بعدَك". قال عبد الوهاب: أظُنُّ أنها ماعزٌ. قال الشافعيُّ: هي ماعزةٌ، كما قال عبدُ الوهّاب، إنما يُقالُ للضّائنة: رَخِلٌ.

стр. 8203

قال الشافعيُّ: وقولُ النبيِّ ﷺ في هذا الحديث: "هي خيرُ نَسيكَتَيْك". لأَنَّكَ ذَبحتَهما تَنوي نسيكَتَيْن، فلمّا ذبَحتَ الأولى قبلَ وقتِ الذبح، كانت الأخرى هي النَّسيكة، والأول غيرَ نسيكة، وإن نويتَ بها النسيكة. وقوله: "لن تُجزئَ عن أحدٍ بعدَك". أنها له خاصة. وقوله: عناقُ لبن. يعني عَناقًا تُقتَنَى للَّبن. وأخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى قال: قال أخبرنا أحمدُ بنُ بهزادَ بنِ مِهْرانَ السِّيرافيُّ، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ في كتاب "البُوَيطيِّ" عن الشافعيِّ، قال: قال الشافعيُّ: ولا يَذبَحُ أحدٌ حتى يَذبحَ الإمام، إلا أنْ يكونَ ممّن لا يَذبحُ؛ فإذا صلَّى وفرَغ من الخطبة، حلَّ الذَّبْحُ. قال: وينبغي للإمام أن يُحضِرَ ضحيَّتَه المصلَّى فيَذبحَ حينَ يَفرُغُ من الخُطبة، فإنْ لم يَفعَلْ، فليَتوَخَّ الناسُ قَدْرَ انصرافِه وذبحِه، ومَن ذبَح قبلَ الإمام فلا ضحيةَ له، وأُحِبُّ له أن يُضَحِّي بغيرِها، فإنْ لم يَفعَلْ فلا شيءَ عليه ولا ضحيةَ له. قال أبو عُمر: ومثلُ قول الشافعيِّ في هذا كلِّه قولُ مالك (١). وقال أحمدُ بنُ حنبل: إذا انصرَف الإمامُ فاذْبَح. وهو قولُ إبراهيمَ. وقال إسحاقُ: إذا فرَغ الإمامُ من الخُطبةِ فاذْبَحْ (٢). واعتبرَ الطبريُّ قَدْرَ مُضيِّ وقتِ صلاةِ النبيِّ ﷺ وخُطبتِه بعدَ ارتفاع الشمس. وحكَى المزنيُّ (٣) نحوَه عن الشافعيِّ.

стр. 8204

قال أبو عُمر: لا أعلمُ خلافًا بينَ العلماءِ أنَّ مَن ذبَح قبلَ الصلاةِ وكان من أهل المصرِ أنه غيرُ مُضَحٍّ، وكذلك لا أعلمُ خلافًا أنَّ الجَذَعَ من المَعْزِ ومن كلِّ شيءٍ يُضَحَّى به - غيرَ الضأن - لا يجوزُ، وإنما يَجوزُ من ذلكَ كلِّه الثَّنيُّ فصاعِدًا؛ ويجوزُ الجَذَعُ من الضأنِ بالسُّنَّة المسنُونة. والذي يُضَحَّى به بإجماع من المسلمينَ الأزواجُ الثمانية، وهو: الضأنُ، والمعْزُ، والإبلُ، والبقرُ، وقد اختلف الفقهاءُ في الأفضل من ذلك، وقد ذكَرْنا ذلكَ في باب سُمَيٍّ (١) من هذا الكتاب. وأما حديثُ عاصم بنِ كُليب، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ الجَذَعَ يُوفي مما يُوفي منه الثَّنيُّ" (٢). فهذا إنَّما هو في الضأن، بدليل حديثِ البراءِ وغيرِه في قصةِ أبي بُرْدةَ بنِ نِيار، أنَّ رسول الله ﷺ قال له في العَناقِ وهي من المَعْز: "إنّها لنْ تُجزئَ عن أحدٍ بعدَك". وأمّا الأُضحيةُ بالجَذَع من الضأنِ فمُجتمَعٌ عليها عندَ جماعةِ الفقهاء.

стр. 8205

وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا سُحْنون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عَمْرُو بن الحارث، أنَّ بُكيرَ بنَ الأشجِّ حدَّثه، أنَّ معاذَ بنَ خُبَيبٍ حدَّثه عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: ضحَّينا مع رسول الله ﷺ بجَذَع من الضأن (٢). وأما قوله في حديث مالك: "فأمرَه أنْ يعيدَ بضحيةٍ أُخرى" فبهذا احتجَّ مَن ذهَب إلى أنَّ الضحيةَ واجبةٌ فَرْضًا؛ لأنَّ ما لم يكُنْ واجبًا فرضًا لم يُؤمَرْ فيه بالإعادة، وهذا موضعٌ اختلَف العلماءُ فيه: فقال أبو حنيفة: الضحيةُ واجبةٌ. وقال أبو يوسف: ليست بواجبة. وقال محمدُ بنُ الحسن: الأضحَى واجبٌ على كلِّ مقيم في الأمصار، إذا كان مُوسِرًا. هكذا ذكَره الطحاويُّ عنهم في كتاب "الخلاف"، وذكر عنهم في "مختصَرِه" (٣): قال أبو حنيفة: الأضحيةُ واجبةٌ على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار وغيرهم، ولا تجبُ على المسافرين. قال: ويجبُ على الرجل من الأضحيةِ عن ولدِه الصغيرِ مثلُ

стр. 8206

الذي يجبُ عليه عن نفسِه. قال: وخالَفه أبو يوسفَ ومحمدٌ فقالا: ليست الأضحيةُ بواجبة، ولكنَّها سنّةٌ غيرُ مرخَّصٍ لمن وجَد السبيلَ إليها في تركِها. قال: وبه نأخُذُ. وقال إبراهيمُ النخعيُّ: الأضْحَى واجبٌ على أهل الأمصارِ ما خَلا الحاجَّ. وحجَّةُ مَن ذهَب إلى إيجابها أمرُ رسول الله ﷺ أبا بردةَ بنَ نِيارٍ بأن يُعيدَ الضحيةَ إذ أفسدَها قبلَ وقتِها. وقال له في الجَذَعةِ العَناق: "لا تُجزئُ عن أحدٍ بعدَك". ومثلُ هذا إنَّما يُقالُ في الفرائضِ الواجبةِ لا في التطوع. وقال الطحاويُّ (١): فإن قيل: لأنه كان أوجَبَها فأتلَفها، فأوجَب عليه إعادتَها. قيل له: لو أراد هذا، لتَعرَّفَ قيمةَ المُتلَفةِ ليأمرَه بمثلِها؛ فلمّا لم يَعتبرْ ذلك، دلَّ على أنه لم يَقصِدْ إلى ما ذكَرتَ. واحتجُّوا أيضًا بما حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُباب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عيّاش، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن الأعرجُ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن كان له سَعةٌ فلم يُضَحِّ فلا يَشهَدْ مُصَلّانا" (٣).

стр. 8207

وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بنُ أبي مسرَّة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ المقرئ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عيّاشِ بنِ عباسٍ القِتْبانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ هرمزَ الأعرجُ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله ﷺ . فذكَر مثلَه (١). قالوا: وهذه غايةٌ في تأكيدِها ووجوبها. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ رواه ابنُ وَهْب، عن عبدِ الله بنِ عيّاشٍ القِتْبانيِّ هذا، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، موقوفًا لم يرفعْه (٢). كذا هو في "مُوطَّئه". وكذلك رواه عبيدُ الله بنُ أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هُريرة موقوفًا. وعبيدُ الله بنُ أبي جعفير فوقَ عبدِ الله بنِ عيّاش. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُمفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم (٣)، قال أخبرنا يحيى بنُ
следующие страницы →