← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8203–8242 · переход к 8208.

стр. 8203

قال الشافعيُّ: وقولُ النبيِّ ﷺ في هذا الحديث: "هي خيرُ نَسيكَتَيْك". لأَنَّكَ ذَبحتَهما تَنوي نسيكَتَيْن، فلمّا ذبَحتَ الأولى قبلَ وقتِ الذبح، كانت الأخرى هي النَّسيكة، والأول غيرَ نسيكة، وإن نويتَ بها النسيكة. وقوله: "لن تُجزئَ عن أحدٍ بعدَك". أنها له خاصة. وقوله: عناقُ لبن. يعني عَناقًا تُقتَنَى للَّبن. وأخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى قال: قال أخبرنا أحمدُ بنُ بهزادَ بنِ مِهْرانَ السِّيرافيُّ، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ في كتاب "البُوَيطيِّ" عن الشافعيِّ، قال: قال الشافعيُّ: ولا يَذبَحُ أحدٌ حتى يَذبحَ الإمام، إلا أنْ يكونَ ممّن لا يَذبحُ؛ فإذا صلَّى وفرَغ من الخطبة، حلَّ الذَّبْحُ. قال: وينبغي للإمام أن يُحضِرَ ضحيَّتَه المصلَّى فيَذبحَ حينَ يَفرُغُ من الخُطبة، فإنْ لم يَفعَلْ، فليَتوَخَّ الناسُ قَدْرَ انصرافِه وذبحِه، ومَن ذبَح قبلَ الإمام فلا ضحيةَ له، وأُحِبُّ له أن يُضَحِّي بغيرِها، فإنْ لم يَفعَلْ فلا شيءَ عليه ولا ضحيةَ له. قال أبو عُمر: ومثلُ قول الشافعيِّ في هذا كلِّه قولُ مالك (١). وقال أحمدُ بنُ حنبل: إذا انصرَف الإمامُ فاذْبَح. وهو قولُ إبراهيمَ. وقال إسحاقُ: إذا فرَغ الإمامُ من الخُطبةِ فاذْبَحْ (٢). واعتبرَ الطبريُّ قَدْرَ مُضيِّ وقتِ صلاةِ النبيِّ ﷺ وخُطبتِه بعدَ ارتفاع الشمس. وحكَى المزنيُّ (٣) نحوَه عن الشافعيِّ.

стр. 8204

قال أبو عُمر: لا أعلمُ خلافًا بينَ العلماءِ أنَّ مَن ذبَح قبلَ الصلاةِ وكان من أهل المصرِ أنه غيرُ مُضَحٍّ، وكذلك لا أعلمُ خلافًا أنَّ الجَذَعَ من المَعْزِ ومن كلِّ شيءٍ يُضَحَّى به - غيرَ الضأن - لا يجوزُ، وإنما يَجوزُ من ذلكَ كلِّه الثَّنيُّ فصاعِدًا؛ ويجوزُ الجَذَعُ من الضأنِ بالسُّنَّة المسنُونة. والذي يُضَحَّى به بإجماع من المسلمينَ الأزواجُ الثمانية، وهو: الضأنُ، والمعْزُ، والإبلُ، والبقرُ، وقد اختلف الفقهاءُ في الأفضل من ذلك، وقد ذكَرْنا ذلكَ في باب سُمَيٍّ (١) من هذا الكتاب. وأما حديثُ عاصم بنِ كُليب، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ الجَذَعَ يُوفي مما يُوفي منه الثَّنيُّ" (٢). فهذا إنَّما هو في الضأن، بدليل حديثِ البراءِ وغيرِه في قصةِ أبي بُرْدةَ بنِ نِيار، أنَّ رسول الله ﷺ قال له في العَناقِ وهي من المَعْز: "إنّها لنْ تُجزئَ عن أحدٍ بعدَك". وأمّا الأُضحيةُ بالجَذَع من الضأنِ فمُجتمَعٌ عليها عندَ جماعةِ الفقهاء.

стр. 8205

وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا سُحْنون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عَمْرُو بن الحارث، أنَّ بُكيرَ بنَ الأشجِّ حدَّثه، أنَّ معاذَ بنَ خُبَيبٍ حدَّثه عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: ضحَّينا مع رسول الله ﷺ بجَذَع من الضأن (٢). وأما قوله في حديث مالك: "فأمرَه أنْ يعيدَ بضحيةٍ أُخرى" فبهذا احتجَّ مَن ذهَب إلى أنَّ الضحيةَ واجبةٌ فَرْضًا؛ لأنَّ ما لم يكُنْ واجبًا فرضًا لم يُؤمَرْ فيه بالإعادة، وهذا موضعٌ اختلَف العلماءُ فيه: فقال أبو حنيفة: الضحيةُ واجبةٌ. وقال أبو يوسف: ليست بواجبة. وقال محمدُ بنُ الحسن: الأضحَى واجبٌ على كلِّ مقيم في الأمصار، إذا كان مُوسِرًا. هكذا ذكَره الطحاويُّ عنهم في كتاب "الخلاف"، وذكر عنهم في "مختصَرِه" (٣): قال أبو حنيفة: الأضحيةُ واجبةٌ على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار وغيرهم، ولا تجبُ على المسافرين. قال: ويجبُ على الرجل من الأضحيةِ عن ولدِه الصغيرِ مثلُ

стр. 8206

الذي يجبُ عليه عن نفسِه. قال: وخالَفه أبو يوسفَ ومحمدٌ فقالا: ليست الأضحيةُ بواجبة، ولكنَّها سنّةٌ غيرُ مرخَّصٍ لمن وجَد السبيلَ إليها في تركِها. قال: وبه نأخُذُ. وقال إبراهيمُ النخعيُّ: الأضْحَى واجبٌ على أهل الأمصارِ ما خَلا الحاجَّ. وحجَّةُ مَن ذهَب إلى إيجابها أمرُ رسول الله ﷺ أبا بردةَ بنَ نِيارٍ بأن يُعيدَ الضحيةَ إذ أفسدَها قبلَ وقتِها. وقال له في الجَذَعةِ العَناق: "لا تُجزئُ عن أحدٍ بعدَك". ومثلُ هذا إنَّما يُقالُ في الفرائضِ الواجبةِ لا في التطوع. وقال الطحاويُّ (١): فإن قيل: لأنه كان أوجَبَها فأتلَفها، فأوجَب عليه إعادتَها. قيل له: لو أراد هذا، لتَعرَّفَ قيمةَ المُتلَفةِ ليأمرَه بمثلِها؛ فلمّا لم يَعتبرْ ذلك، دلَّ على أنه لم يَقصِدْ إلى ما ذكَرتَ. واحتجُّوا أيضًا بما حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُباب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عيّاش، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن الأعرجُ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن كان له سَعةٌ فلم يُضَحِّ فلا يَشهَدْ مُصَلّانا" (٣).

стр. 8207

وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بنُ أبي مسرَّة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ المقرئ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عيّاشِ بنِ عباسٍ القِتْبانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ هرمزَ الأعرجُ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله ﷺ . فذكَر مثلَه (١). قالوا: وهذه غايةٌ في تأكيدِها ووجوبها. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ رواه ابنُ وَهْب، عن عبدِ الله بنِ عيّاشٍ القِتْبانيِّ هذا، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، موقوفًا لم يرفعْه (٢). كذا هو في "مُوطَّئه". وكذلك رواه عبيدُ الله بنُ أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هُريرة موقوفًا. وعبيدُ الله بنُ أبي جعفير فوقَ عبدِ الله بنِ عيّاش. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُمفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم (٣)، قال أخبرنا يحيى بنُ

стр. 8208

أيوب (١)، عن عبيدِ الله بنِ أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هُريرة. قال: وأخبرنا الليثُ بنُ سَعْدٍ وبكرُ بنُ مُضَرَ، قالا: أخبرنا عبيدُ الله بنُ أبي جعفرٍ عن ابنِ هُرْمُز، قال: سمِعتُ أبا هُريرةَ وهو في المُصَلَّى يقول: مَن قدَر على سَعةٍ فلم يُضَحِّ فلا يَقرَبَنَّ مُصَلّانا. قال أبو عُمر: الأغلبُ عندي في هذا الحديثِ أنَّه موقوفٌ على أبي هُريرة، واللّهُ أعلم (٢). وقال مالك: على الناس كلِّهم أضحيةٌ؛ المسافرِ والمقيم، ومَن ترَكها من غيرِ عذرٍ فبئسَما صنَع (٣). وقال الثوريُّ والشافعيُّ: ليست بواجبة. وقال الثوريُّ: لا بأسَ بتركِها (٤). وقال الشافعيُّ (٥): هي سنةٌ وتَطوُّعٌ، ولا نُحبُّ لأحدٍ قَوِيَ عليها ترْكَها.

стр. 8209

وتحصيلُ مذهبِ مالكٍ أنَّ الضحيةَ سنةٌ مؤكَّدةٌ لا ينبغي تركُها، وهي على كلِّ مقيمٍ ومسافرٍ إلا الحاجَّ بمنًى، ويُضَحَّى عندَه عن اليتيم والمولود، وعن كلِّ حرٍّ واجد. وقال الشافعيُّ (١): هي سُنّةٌ على جميع الناس، وعلى الحاجِّ بمنًى أيضًا، وليست بواجبة. وقولُ أبي ثور في هذا كقولِ الشافعيِّ. وكان ربيعةُ والليثُ يقولان (٢): لا نرى أنْ يَترُكَ المسلمُ الموسرُ المالكُ لأمرِه الضَّحيَّة. ورُوِيَ عن سعيدِ بنِ المسيِّب، وعطاء، وعلقمة، والأسود، أنهم كانوا لا يُوجِبونَها (٣). وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبل (٤). ورُوِيَ عن الشعبيِّ أنَّ الصدقةَ أفضلُ من الأضحية. وقد رُوِيَ عن مالكٍ مثلُه (٥). ورُوِيَ عنه أيضًا أنَّ الضحيةَ أفضلُ. والصحيحُ عنه وعن أصحابه في مذهبِه أنَّ الضحيةَ أفضلُ من الصدقةِ إلا بمِنًى؛ فإنَّ الصدقةَ بثمنِ الأضحيةِ بمنًى أفضلُ؛ لأنه ليس بموضع أضحية. وقد رُوِيَ عنه أنَّ الصدقةَ بثمنِ الأضحيةِ بمنًى أفضلُ. وقال ربيعةُ، وأبو الزناد، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، وأحمدُ بنُ حنبل: الضحيةُ أفضلُ من الصدقة. وقال أبو ثور: الصدقةُ أفضلُ من الأضحية (٦).

стр. 8210

قال أبو عُمر: الضحيةُ عندَنا أفضلُ من الصدقة؛ لأنَّ الضحيةَ سُنّةٌ وكيدةٌ كصلاةِ العيد، ومعلومٌ أنَّ صلاةَ العيد أفضلُ من سائرِ النوافل، وكذلكَ صلواتُ السننِ أفضلُ من التطوع كلَّه. وقد رُوِيَ في فضلِ الضحايا آثارٌ حِسانٌ؛ فمنها ما رواه سعيدُ بنُ داودَ بنِ أبي زَنْبَر، عن مالك، عن ثورِ بنِ زيد، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن نفقةٍ بعدَ صِلَةِ الرَّحِم أعظمُ عندَ الله من إهراقِ الدم"؛ حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عثمانَ بنِ أبي التمام، قال: حدَّثنا كثيرُ بنُ مَعْمَر الجوهريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ داودَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ داودَ بنِ أبي زَنْبَر، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، فذكَره بإسنادِه إلى آخرِه (١). وهو غريبٌ من حديثِ مالك. وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهْم السِّمَّريُّ، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ راشد، عن سُليمانَ بنِ موسى، عن عطاءِ بنِ أبي رباح، عن عائشة، قالت: يا أيُّها الناسُ، ضحوُّا وطيبُوا بها أنفُسًا، فإنّي سمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما مِن عبدٍ توجَّه بأُضحيتِه إلى القِبْلة إلا كان دمُها وفَرْثُها وصوفُها حسناتٍ محُضَراتٍ في ميزانِه يومَ القيامة، فإنَّ الدمَ وإنْ وقَع في التراب، فإنَّما يقعُ في حِرْزِ الله حتى يُوَفِّيَه صاحبَه يومَ القيامة". وقال رسول الله ﷺ : "اعملُوا يسيرًا تُجْزَوا كثيرًا" (٢).

стр. 8211

قال أبو عُمر: احتجَّ الشافعيُّ في سقوطِ وجوبِ الضحيةِ بحديثِ أمِّ سَلَمةَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إذا دخَل العَشْرُ، عشرُ ذي الحجة، فأراد أحدُكم أنْ يُضَحِّي، فلا يأخُذَنَّ من شعَرِه ولا من أظفارِه". قال: في قوله: "فأراد أنْ يُضَحِّي" دليلٌ على أنها غيرُ واجبة، وهذا الحديثُ رواه شُعبة، عن مالكِ بنِ أنس، عن عُمرَ بنِ مسلم، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أمِّ سَلَمة (١). وكان مالكٌ لا يُحدِّثُ به أصحابَه، لأنه كان لا يأخذُ بما فيه من معنى المنع من حَلْقِ الشعَرِ وقَطْع الظُّفُرِ لمَن أراد الضحية، وإنما لم يأخُذْ به لحديثِ عائشةَ أنَّ رسول الله ﷺ كان يبعَثُ بهدْيِه ثم لا يَحرُمُ عليه شيءٌ مما يَحرُمُ على المُحْرِم حتى يَنحَرَ الهدي. وقد ذكَرنا هذا المعنى مُجوَّدًا في باب عبدِ الله بنِ أبي بكر (٢). وذكَر عِمْرانُ بنُ أنس، قال: سألتُ مالكًا عن حديثِ أمِّ سَلَمةَ هذا فقال: ليس من حديثي. قال: فقلتُ لجُلسائِه: قد رواه عنه شُعبةُ وحدَّث به عنه، وهو يقول: ليس من حديثي. فقالوا: إنه إذا لم يأخُذْ بالحديث، قال فيه: ليس من حديثي. وقد رواه عن مالك جماعةٌ، ورُوِيَ من غيرِ حديثِ مالكٍ من وُجوه قد ذكَرناها في باب عبدِ الله بنِ أبي بكر (٣)، والحمدُ للّه.

стр. 8212

وروَى الشعبيُّ، عن أبي سَريحةَ الغِفَاريِّ، قال: رأيتُ أبا بكرٍ وعُمرَ وما يُضَحِّيان (١). وقال ابنُ عُمرَ في الضحية: ليست بحَتْم ولكنها سُنّةٌ ومعروفٌ (٢). وقال أبو مسعود الأنصاريُّ: إني لأدَعُ الأضْحى وأنا موسِرٌ مخافةَ أنْ يَرى جيراني أنها حتْمٌ عليَّ (٣). وقال عِكْرمة: كان ابنُ عباس يَبْعَثُني يومَ الأضحى بدرهَمين أشتَري له لحمًا، ويقول: مَن لقِيتَ فقل: هذه أضحيةُ ابن عباس (٤). وهذا أيضًا مَحملُه عندَ أهل العلم؛ لئلا يُعتقدَ فيها، للمواظبةِ عليها، أنها واجبةٌ فرضًا، وكانوا أئمة يَقتَدي بهم مَن بعدَهم ممن ينظُرُ في دينِه إليهم؛ لأنهم الواسطةُ بينَ النبيِّ ﷺ وبينَ أمتِه، فساغ لهم من الاجتهادِ في ذلك ما لا يَسوغُ اليومَ لغيرهم. والأصلُ في هذا الباب أنَّ الضحيةَ سُنةٌ مؤكّدةٌ؛ لأنَّ رسول الله ﷺ فعلَها وواظَب عليها، أو ندَب أُمَّتَه إليها؛ وحسبُكَ أنَّ من فقهاءِ المسلمين مَن يراها فَرْضًا؛ لأمرِ رسول الله ﷺ المُضَحِّي قبلَ وقتِها بإعادتِها، وقد بيَّنّا ما في ذلك، والحمدُ للّه.

стр. 8213

وأما وقتُ الأضْحَى، فإنَّ العلماءَ مجمِعون على أنَّ يومَ النحرِ يومُ أضحًى، وأجمَعوا على أن قوله : ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]. إنَّما قُصِدَ به أيامُ الذّبْح والنحر. واختلفوا في تعيينِها؛ فقالت طائفة: هي أيامُ العَشْر. ورُوِيَ هذا عن ابنِ عباس (١). وإليه ذهَب الشافعيُّ، والطبريُّ، وفرقة. واحتجَّ بعضُ مَن ذهب إلى هذا بأنه جائزٌ أنْ يكونَ مرادُ الله من قوله: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾. بعضَ تلكَ الأيام، وهو يومُ النحر، كما قال : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. يريدُ بعضَ الأشهر، وأقلَّها، كما قال : ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]. وليس القمرُ في السَّبع السماوات، وإنما هو في بعضهنَّ. وقال الآخرون: الأيامُ المعلومات: هي أيامُ الذبح، وذلك يومُ النحرِ ويومان بعدَه. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمر (٢)، وابن عباس أيضًا (٣). وعلى هذا القول أكثرُ الناس. وأما تمهيدُ أقوالِ العلماءِ في مدةِ أيام النَّحْر، فإنَّهم أجمَعوا على أنه لا يكونُ أضحًى قبلَ طلوع الفجر من يوم النحرِ لا لحَضَريٍّ ولا لبَدَويٍّ، واختلَفوا فيما بعدَ ذلك؛ فرُوِيَ عن ابن سيرينَ أنَّ الأضحَى يومٌ واحدٌ، يومُ النحرِ وحدَه. وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ وجابرِ بنِ زيد، أنَّ الأضحَى في الأمصارِ يومٌ واحدٌ، وبمِنًى

стр. 8214

ثلاثةُ أيام (١). وعن قتادة: النَّحرُ يومُ النَّحرِ وستةُ أيام بعدَه. وعن الحسن: الأضحَى إلى هلالِ المُحَرَّم (٢). قال أبو عُمر: هذه أقاويلُ كلُّها شاذَّةٌ. وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما، والثوريُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وأكثرُ أهل العلم: الأضحَى يومُ النَّحْرِ ويومان بعدَه. ورُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عُمرَ، وابنِ عباس، وأنس، مثلُه (٣). وقال الشافعيُّ والأوزاعيُّ: الأضحى يومُ النحرِ وثلاثةُ أيام بعدَه. ورُوِيَ ذلك عن عليِّ بنِ أبي طالب أيضًا. وهو قولُ عطاء، ورُوِيَ أيضًا مثلُه عن ابنِ عباس والحسنِ على اختلافٍ عنهما. وهو قولُ عُمرَ بن عبد العزيز (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن الصوفيُّ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بنُ خارجة، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيّاش، عن عَمْرِو بنِ مهاجر، أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيز قال: الأضحَى يومُ النحرِ وثلاثةُ أيام بعدَه (٥). وروَى إسماعيلُ بنُ عيّاشٍ أيضًا عن سُليمانَ بنِ موسى، عن نافع بنِ جُبيرِ بنِ مُطْعِم، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ : "كلُّ فِجاجِ مكّة منحَرٌ، وكلُّ أيام التّشريقِ ذبْحٌ" (٦) واحتجَّ بهذا أصحابُ الشافعيِّ.

стр. 8215

وأمّا أهلُ الحديث، فإنهم يقولون: إنّه مما انفرَد بتَوْصِيله (١) إسماعيلُ بنُ عيّاش، ولم يُتابَعْ على ذلك، وإنّما هو مُرسَلٌ. وقال أحمدُ بنُ حَنبَل: الصَّحيحُ فيه مرسَل (٢). قال أحمد: وقد رُوِيَ الأضْحى يومُ النَّحْر ويومانِ بعدَهُ عن غير واحدٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عُثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ليلى، عن أبي المِنْهال، عن زِرٍّ، عن عليٍّ ﵁ قال: الأيامُ المعدوداتُ: يومُ النّحرِ ويومانِ بعدَهُ، اذبَحْ في أيِّها شئتَ، وأفضَلُها أوَّلهُا (٣). وقال الطحاويُّ (٤): مثلُه لا يكونُ رأيًا، فدلَّ أنه توقيفٌ، واللّهُ أعلم.

стр. 8216

حديثٌ حادي وعشرونَ ليحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يسار، أنه أخبَره أن عبدَ الله بنَ سَهْل الأنصاريَّ ومُحيِّصةَ بنَ مسعودٍ خرَجا إلى خَيْبرَ فتفرَّقا في حوائجِهما، فقُتِل عبدُ الله بنُ سَهْل، فقدِم مُحَيِّصةُ، فأتى هو وأخوهُ حُويِّصةُ وعبدُ الرحمنِ بنُ سَهْل إلى النبيِّ ﷺ ، فذهَب عبدُ الرحمن ليتكلَّمَ؛ لمكانِه من أخيه، فقال رسولُ الله ﷺ : "كَبِّرْ كَبِّرْ". فتكلَّم مُحَيِّصةُ وحُويِّصةُ، فذكَرا شأنَ عبدِ الله بنَ سَهْل، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : "أتَحلِفُونَ خمسينَ يَمينًا وتَستَحِقُّون دمَ صاحبِكُم، أو قاتلِكُم؟ ". قالوا: يا رسولَ الله، لم نشهَدْ ولم نحضُرْ. فقال رسول الله ﷺ : "فتُبرِئُكم يهودُ بخمسين يمينًا؟ ". فقالوا: يا رسول الله، كيف نقبَلُ أيمانَ قوم كُفّار؟ قال يحيى: فزعَم بُشيرُ أنَّ رسولَ الله ﷺ ودَاهُ من عنده. لم يختلفِ الرواةُ عن مالك في إرسالِ هذا الحديث (٢). وقد رواه حَمّادُ بنُ زيد، وسُفيانُ بنُ عُيينة، والليثُ بن سَعْد (٣)، وعبدُ الوهّاب الثَّقفيُّ (٤)، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَير بنِ يَسار، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة.

стр. 8217

وبعضُهم يجعلُ مع سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ رافعَ بنَ خَديج، جميعًا عن النبيِّ ﷺ ، وكلُّهم يجعَلُه عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة مسندًا. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا عبيدُ الله بنُ عُمرَ بنِ مَيْسرةَ ومحمدُ بنُ عبيدٍ المعنى، قالا: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يسار، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ ورافع بنِ خَديج، أن مُحَيِّصةَ بنَ مسعودٍ وعبدَ الله بنَ سَهْل انطلَقا قبلَ خَيْبرَ فتفرَّقا في النخل، فقُتِل عبدُ الله بنُ سَهْل، فاتَّهموا اليهود، فجاء أخوه عبدُ الرحمن بنُ سَهْلٍ وابنا عمِّه حُوَيِّصةُ ومُحَيِّصةُ، فأتوا النبيَّ ﷺ ، فتكلَّم عبدُ الرحمن في أمرِ أخيه وهو أصغرُهم، فقال رسولُ الله ﷺ : "الكُبْرَ الكُبْرَ". أو قال: "ليبدَأ الأكبرُ". فتكلَّموا في أمرِ صاحبِهم، فقال رسولُ الله ﷺ : "يُقْسِمُ منكم خمسون على رجُلٍ فيُدْفَعُ برُمَّتِه؟ ". قالوا: أمر لم نَشهَدْه، كيف نَحلِفُ؟ قال: "فتُبْرِئُكم يهودُ بأيمانِ خمسينَ منهم". قالوا: يا رسولَ الله، قومٌ كفارٌ! قال: فوداهُ رسولُ الله ﷺ من قِبَله. قال: قال سَهْل: دخلتُ مِرْبَدَ التَّمْر لهم يومًا فركَضتني ناقةٌ من تلك الإبلِ ركضةً برِجْلِها، هذا أو نحوُه. قال أبو داود: رواه مالكٌ وبشرُ بنُ المُفضَّل، عن يحيى، فقالا فيه: "تَحْلِفونَ خمسين يمينًا وتستَحِقُّون دمَ صاحبِكم، أو قاتلكُم؟ ". ولم يذكُرْ بشرٌ "دَمَ". وقال عَبْدةُ (٣) عن يحيى كما قال حَمّاد.

стр. 8218

قال أبو عُمر: في حديثِ حَمّادِ بنِ زيدٍ هذا دليلٌ واضحٌ على أنَّه لا يُقتلُ بالقسامةِ إلا واحدٌ؛ لأنه أمَرهم بتعيينِ رجلٍ يُقسِمون عليه فيُدفَعُ إليهم برُمَّتِه، وهو حُجةٌ لمالكٍ وأصحابه في ذلك، وكذلك في حديثِ الزُّهريِّ، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة: "تُسمُّون قاتلَكم، ثم تحْلِفون عليه خمسين يَمينًا، فيُسَلَّمُ إليكم؟ " (١). ومن جهةِ النظَرِ فلأنَّ الواحدَ أقلُّ (٢) مَن يُستيقنُ أنه قتلَه، فوجَب أن يُقتصَرَ بالقسامةِ عليه. قال أبو داود (٣): ورواه ابنُ عُيينة، عن يحيى، فبدَأ بقوله: "تُبْرِئُكم يهودُ بخَمسين يَمينًا يحْلِفون". ولم يذكُر الاستحقاق. هكذا قال أبو داود، وليس عندَنا حديثُ ابنِ عُيينةَ كذلك، وهو عندَنا من روايةِ الحميديِّ - وهو أثبَتُ الناسِ في ابنِ عُيينةَ - على غيرِ ما ذكَره. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٤): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، قال أخبرني بُشَيرُ بنُ يَسار، أنه سمِع سَهْلَ بنَ أبي حَثْمةَ يقول: وُجِد عبدُ الله بنُ سَهْلٍ قتيلًا في فَقيرٍ أو قَليبٍ من قُلُبِ خَيْبر، فأتى أخوه النبيَّ ﷺ ؛ عبدُ الرحمنِ بنُ سَهْلٍ وعمّاه حُوَيِّصةُ ومُحَيِّصةُ ابنا مسعود، فذهَب عبدُ الرحمن يتكلَّمُ، فقال النبيُّ ﷺ : "الكُبْرَ الكُبْرَ". فتكلَّم مُحَيِّصةُ، فذكَر مقتلَ عبدِ الله بنِ سَهْل، فقال: يا رسولَ الله، إنا وجَدنا عبدَ الله بنَ سَهْلٍ قتيلًا،

стр. 8219

وإن اليهودَ أهلُ كُفرٍ وغَدْر، وهم الذين قتَلوه. فقال رسولُ الله ﷺ : "تحْلِفون خَمسين يَمينًا وتسْتَحِقُّون صاحِبَكم، أو دمَ صاحبِكم؟ " قالوا: يا رسولَ الله، كيف نَحلِفُ على ما لم نَحضُرْ ولم نَشهَدْ؟ قال: "فتُبْرئُكم يهودُ بخمسين يمينًا؟ ". قالوا: كيف نقبَلُ أيمانَ قوم مشركين؟ قال: فودَاهُ رسولُ الله ﷺ من عندِه. قال سَهْلٌ: فلقد ركَضَتني بَكْرةٌ (١) منها. ورواه الشافعيُّ (٢) وغيرُه جماعة، عن ابنِ عُيينةَ كما قال أبو داود. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ وأحمدُ بنُ محمد (٣)، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ يحيى، قال: أخبَرني أبي (٤)، عن الليث، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يسار، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة - قال يحيى: حَسِبتُ أنه قال: وعن رافع بنِ خَديج - أنهما قالا: خرَج عبدُ الله بنُ سَهْلِ بنِ زيدٍ ومُحَيِّصةُ بنُ مسعودِ بنِ زيد، حتى إذا كانا بخيبرَ تفرَّقا في بعض ما هنالك، ثم إذا مُحَيِّصةُ يجدُ عبدَ الله قتيلًا، فدفَنه ثم أقبَل إلى رسولِ الله ﷺ هو وحُوَيِّصةُ بنُ مسعودٍ وعبدُ الرحمن بنُ سَهْل - وكان أصغرَ القوم - فذهَب عبدُ الرحمن ليتكلَّمَ قبلَ صاحبيه، فقال رسولُ الله ﷺ : "كَبِّرْ". للكُبْر في السِّنِّ، فصمَتَ وتكلَّم صاحباه ثم تكلَّم معهما، فذكَروا لرسولِ الله ﷺ مقتلَ عبدِ الله بنِ سهْل، فقال: "أتَحْلِفونَ خَمسين يَمينًا فتستَحِقُّونَ صاحبَكم، أو قتيلَكم؟ ". فقالوا: وكيف نحلِفُ ولم نَشهدْ؟

стр. 8220

قال: "فتُبرِئُكم يهودُ بخَمسين يَمينًا؟ ". قالوا: وكيف نقبلُ أيمانَ قوم كفار؟ فلمّا رأى ذلك رسولُ الله ﷺ أعطَى عَقلَه (١). وقد رواه بشرُ بنُ المفضَّل، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يسار، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة، قال: وُجِد عبدُ الله بنُ سَهْل قتيلًا، فجاء أخوه وعمّاه. وذكر الحديث (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوب، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، عن ابنِ إسحاق، قال (٣): فحدَّثني الزُّهريُّ، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة. قال ابنُ إسحاق: وحدَّثني أيضًا بُشيرُ بنُ يسار مولى بني حارثة (٤)، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة، قال: أُصيب عبدُ الله بنُ سَهْل بخيبر، وكان خرَج إليها في أصحاب له يَمْتارُ منها تمرًا، فوُجِد في عينٍ قد كُسِرت عُنقُه ثم طُرِح فيها، فأخَذوه فغيَّبوه، ثم قدِموا على رسولِ الله ﷺ فذكروا له شأنَه، فتقدَّم إليه أخوه عبدُ الرحمن ومعه ابنا عمِّه حُوَيّصة ومُحَيّصة ابنا مَسْعود، وكان عبدُ الرحمن من أحْدَثِهم سِنًّا، وكان صاحب الدَّم وكان ذا قِدَم القوم، فلما تكلّم قبل ابني عَمِّه، قال رسولُ الله ﷺ :

стр. 8221

"الكُبْرَ الكُبْرَ". فسكَت، فتكلَّم حُوَيِّصةُ ومُحَيِّصةُ، ثم تكلَّم هو بعد، فذكَروا لرسولِ الله ﷺ قتلَ صاحبِهم، فقال رسولُ الله ﷺ : "تُسَمُّون قاتِلَكم ثم تَحلِفون عليه خمسين يمينًا فيُسَلَّمُ إليكم؟ ". فقالوا: يا رسولَ الله، ما كنّا لنَحلِفَ على ما لا نعلَمُ. قال: "فيَحلِفون لكم باللّه خمسين يَمينًا ما قتَلوه ولا يعلَمون له قاتلًا، ثم يَبرَؤون من دمِه؟ ". قالوا: يا رسولَ الله، ما كنّا لنَقبَلَ أيمانَ يهود، ما فيهم من الكُفرِ أعظمُ من أن يَحلِفوا على إثم. قال: فوداهُ رسولُ الله ﷺ من عندِه مئةَ ناقة. قال سَهْلٌ: فواللّه ما أنسى بَكرةً منها حمراءَ ضرَبتني وأنا أحُوزُها. ففي هذه الرِّوايات لمالكٍ وغيرِه إثباتُ تَبدِئةِ المُدَّعين بالأيمانِ في القَسامة. وفي حديثِ مالكٍ هذا من الفقه: إثباتُ القَسامةِ في الدَّم، وهو أمرٌ كان في الجاهلية، فأقرَّها رسولُ الله ﷺ في الإسلام. ذكَر مَعْمَرٌ ويونُس، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ وسُليمانُ بنُ يسار، عن رجالٍ أو رجُل من أصحابِ رسولِ الله ﷺ من الأنصار، أنَّ رسولَ الله ﷺ أقَرّ القَسامةَ على ما كانت عليه في الجاهلية؟ ذكَره عبدُ الرزاق (١)، عن مَعْمَر، وذكَرهُ ابنُ وَهْب (٢)، عن يونس، قال يونس: عن رجل. وقال مَعْمَرٌ: عن رجال (٣). وقال مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيِّب: كانت القَسامةُ في الجاهليةِ فأقرَّها رسولُ الله ﷺ وقضَى بها في الأنصاريِّ الذي وُجِد مقتولًا في جُبِّ اليهودِ بخَيبر (٤).

стр. 8222

وفيه أنَّ القومَ إذا اشترَكوا في معنًى من معاني الدَّعوَى وغيرها، كان أوْلاهم بأن يبدأ بالكلام أكبرَهُم، فإذا سُمِعَ منه تكلَّم الأصغَرُ فسُمِعَ منه أيضًا إنِ احْتيجَ إلى ذلك، وهذا أدبٌ وعلمٌ، فإن كان في الشُّركاءِ في القولِ والدَّعوَى مَن له بيانٌ، ولتَقدِمَتِه في القولِ وَجهٌ، لم يكنْ بتَقديمِه بأسٌ إن شاء الله. أخبرنا محمدُ بنُ زكريا، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا مروانُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أبو حاتم، عن العُتْبيِّ، قال: قال سُفيانُ بنُ عُيينة: قدِم وفدٌ من العراقِ على عُمرَ بنِ عبدِ العزيز، فنظَر عُمرُ إلى شابٍّ منهم يريدُ الكلامَ ويهَشُّ إليه، فقال عُمر: كَبِّروا كَبِّروا. يقول: قدِّموا الكبارَ. قال الفتى: يا أميرَ المؤمنين، إن الأمرَ ليس بالسِّنِّ، ولو كان الأمرُ كذلك، لكان في المسلمين من هو أسَنُّ منك. قال: صدَقْتَ، فتكلَّمْ، رحِمَك الله. قال: إنّا وفْدُ شُكْر، وذكَر الخبرَ (١). وفيه أنَّ المدَّعين الدمَ يُبَدَّؤون بالأيمانِ في القَسامةِ خاصة، وهو يَخُصُّ قولَ النبيَّ ﷺ : "البَيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على المُنكر". فكأنَّه قال بدليل هذا الحديث: إلّا في القسامة. ولا فرقَ بينَ أن يجيءَ ذلك في حديثٍ واحدٍ أو حديثَين؛ لأنَّ ذلك كلَّه بسُنَّتِه ﷺ . وقد حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بنُ أبي مسَرَّة، قال: حدَّثنا مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ خالدٍ الزَّنْجيُّ، [عن ابن جُريج] (٢)، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه،

стр. 8223

عن جدِّه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "البيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على مَن أنكَر، إلا في القَسامة" (١). وهذا الحديثُ وإن كان في إسنادِه لينٌ، فإن الآثارَ المتواترةَ في حديثِ هذا الباب تَعْضُدُه، ولكنه موضعٌ اختلَف فيه العلماء؛ فقال مالكٌ ﵀ (٢): الأمرُ المجتمَعُ عليه عندَنا، والذي سمِعتُ ممّن أرضَى في القَسامة، والذي اجتمَعتْ عليه الأئمةُ في القديم والحديث، أن يُبدَّأ بالأيمانِ المدَّعون في القَسامة. قال (٣): وتلك السُّنّةُ التي لا اختلافَ فيها عندَنا، والذي لم يزَلْ عليه عملُ الناس، أنَّ المُبدَّئينَ في القَسامةِ أهلُ الدَّم الذين يدَّعُونَه في العمْدِ والخطأ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ بدَّأ الحارِثيِّينَ في صاحبِهم الذي قُتِل بخيبر. وذهب الشافعيُّ (٤) في تَبدِئةِ المدَّعين الدَّمَ بالأيمانِ إلى ما ذهَب إليه مالكٌ في ذلك، على ظواهرِ هذه الأحاديثِ المتقدِّم ذكرُها في هذا الباب. ومن حُجةِ مالك والشافعيِّ في تَبدئةِ المدَّعينَ الدَّمَ باليمين - مع صحة الأثر بذلك - قولُ الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وقوله

стр. 8224

عزَّ وجلَّ: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢]. فللعداو التي كانت بينَ الأنصارِ واليهودِ بدَّأ الحارِثيِّين بالأيمان، وجعَل العداوةَ سببًا تَقوَى به دعْواهُم؛ لأنه لَطْخٌ يليقُ بهم (١) في الأغلب لعَداوتِهم، ومن سُنّتِه ﷺ أنّ من قوِيَ سببُه في دَعواه، وجَبَت تَبدِئتُه باليمين، ولهذا جاء اليمينُ مع الشاهد، واللّهُ أعلم، مع ما في هذا من قطْع التطرُّقِ إلى سفْكِ الدِّماء، وقبْضِ أيدي الأعداءِ عن إراقةِ دم مَن عادَوْه على الدُّنيا، واللّهُ أعلم. وذهَب جمهورُ أهلِ العراقِ إلى تَبدئةِ المدَّعَى عليهم بالأيمانِ في الدِّماء، كسائرِ الحقوق. وممّن قال ذلك: أبو حنيفةَ وأصحابه، وعثمانُ البَتِّيُّ، والحسنُ بنُ صالح، وسُفيانُ الثوريُّ، وابنُ أبي ليلى، وابنُ شُبْرمة (٢)، كلُّ هؤلاء قالوا: يُبدَّأُ المدَّعَى عليهم. على عموم قولِ رسولِ الله ﷺ : "البينةُ على مَن ادّعى، واليمينُ على مَن أنكَر". حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (٣): أخبرنا مسلمُ بنُ خالد، عن ابنِ جُريج، عن ابنِ أبي مليكة، عن ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "البَيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على المدَّعَى عليه". قالوا (٤): وهذا على عُمومِه في سائرِ الحقوقِ من الدِّماء أو غيرِها؛ لأنه قد رُوِيَ أنَّ مخرَجَ هذا الخبرِ كان في دَعْوى دم.

стр. 8225

وذكروا ما حدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سُفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الصائغُ بمكةَ والحارثُ بنُ أبي أسامة، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكير، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ عُمرَ، عن ابنِ أبي مُلَيكة، قال: كتبتُ إلى ابنِ عباسٍ في امرأتين أخرَجت إحداهما يدَها تَشْخَبُ دمًا، فقالت: أصابَتْني هذه. وأنكَرتِ الأخرى، فكتَب إليَّ ابنُ عباس: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ اليَمينَ على المُدَّعَى عليه". وقال: "لو أنَّ الناسَ أُعطُوا بدَعْواهُم لادَّعَى ناسٌ دِماءَ قوم وأموالَهم". ادعُها فاقرَأ عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]. فقرَأتُ عليها، فاعترَفت، فبلَغه فسرَّه (١). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّاب، قال: أخبرنا ابنُ جريج، عن عبدِ الله بنِ أبي مليكة، عن ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لو يُعطَى الناسُ بدَعواهم لادَّعَى ناسٌ دماءَ قوم وأموالَهم، ولكنَّ اليمينَ على المُدَّعَى عليه" (٢). قالوا: فهذا عندَنا في جميع الحقوق. وعارَضوا الآثارَ المتقدِّمةَ بما حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ

стр. 8226

بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق (٣)، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ وسُليمانَ بنِ يسار، عن رجالٍ من الأنصار، أنَّ النبيَّ ﷺ قال ليهودَ وبدَأ بهم: "أيحلِفُ منكم خَمسون رجلًا؟ ". فأبوا، فقال للأنصار: "اسْتَحِقُّوا". فقالوا: نَحلِفُ على الغيبِ يا رسولَ الله؟ فجعَلها رسولُ الله ﷺ على يهود؛ لأنه وُجِد بينَ أظهُرِهم. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ يحيى الحرَّانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَلَمة. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثني أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوب، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، جميعًا عن محمدِ بنِ إسحاق - واللفظُ لحديثِ عبدِ الوارث - قال: حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارث، عن عبدِ الرحمن بنِ بُجَيْدِ بنِ قَيْظيٍّ أحدِ بني حارثة - قال محمدُ بنُ إبراهيم: وايمُ الله، ما كان سَهْلٌ بأكثرَ علمًا منه، ولكنّه كان أسنَّ منه - أنه قال: واللّه ما كان الشأنُ هكذا، ولكنْ سَهْلٌ أوْهَمَ، ما قال رسولُ الله ﷺ احْلِفُوا

стр. 8227

على ما لا عِلْمَ لكم به. ولكنه كتَب إلى يهودَ حينَ كلَّمَتْهُ الأنصار: "إنه قد وُجِد قتيلٌ بينَ أبياتِكم فدُوهُ". فكتَبوا إليه يحلِفون باللّه ما قتلُوه، ولا يعلَمون له قاتلًا، فوداه رسولُ الله ﷺ من عندِه. قال أبو عُمر: ليس قولُ عبدِ الرحمن بنِ بُجَيْدٍ هذا مما يُرَدُّ به قولُ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة؛ لأنَّ سَهْلًا أخبَر عما رأى وعايَن وشاهَد حتى رَكَضتْهُ منها ناقةٌ واحدة، وعبدُ الرحمن بنُ بُجيدٍ لم يَلقَ النبيَّ ﷺ ولا رآه، ولا شهِد هذه القصة، وحديثُه مرسلٌ، وليس إنكارُ مَن أنكَر شيئًا بحُجَّةٍ على مَن أثبتَهُ، ولكن قد تقدَّم عن سعيدِ بنِ المسيِّب وسُليمانَ بنِ يسار، عن رجالٍ من الأنصار، مخالَفةٌ في تَبدئةِ الأيمانِ في هذه القصة، وهو حديثٌ ثابتٌ (١). وكذلك اختُلِف في حديثِ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة أيضًا، ولكنّ الرِّوايةَ الصحيحةَ في ذلك إن شاء الله، روايةُ مالكٍ ومَن تابعَه، عن يحمص بن سعيدٍ وغيرِه على ما ذكَرناه في هذا الباب. ومن الاختلافِ في حديثِ سَهْل: ما حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سعيدٌ - يعني ابنَ عُبيدٍ الطائيَّ - عن بُشَيرِ بنِ يسار، أنَّ رجلًا من الأنصارِ يقال له: سَهْلُ بنُ أبي حَثْمة أخبَره، أنَّ نفَرًا من قومِه انطلَقوا إلى خَيْبرَ

стр. 8228

فتفرَّقوا فيها، فوجَدوا منهم قتيلًا، فقالوا للذين وجَدوه عندَهم: قتَلتم صاحبَنا. قالوا: ما قتَلناه ولا علِمنا له قاتلًا. قال: فانطلَقوا إلى النبيِّ ﷺ فقالوا: يا نبيَّ الله، انطلَقنا إلى خَيْبَر، فوجَدنا أحدَنا قتيلًا. فقال رسولُ الله ﷺ : "الكُبْرَ الكُبْرَ". فقال لهم: "تَأتونَ بالبيِّنةِ على مَن قتَل؟ ". فقالوا: ما لنا بينةٌ. قال: "فيَحلِفون لكم؟ ". قالوا: ما نَرضَى أيمانَ يهود. فكَرِه رسولُ الله ﷺ أن يُبطِلَ دَمَه، فوَداه بمئةٍ من إبلِ الصدَقة (١). قال أبو عُمر: هذه روايةُ أهلِ العراقِ عن بُشَيرِ بنِ يسارٍ في هذا الحديث، وروايةُ أهلِ المدينةِ عنه أثبَتُ إن شاء الله، وهم به أقعَدُ، ونقلُهم أصحُّ عندَ أهلِ العلم.

стр. 8229

وقد حكَى الأثرمُ عن أحمدَ بنِ حنبل أنه ضعَّف حديثَ سعيدِ بنِ عُبيدٍ هذا، عن بُشَيرِ بنِ يسار، وقال: الصحيحُ عن بُشَيرِ بنِ يسارٍ ما رواه عنه يحيى بنُ سعيد. قال أحمد: وإليه أذهَبُ (١). وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا الحسنُ بنُ عليِّ بنِ راشد، قال: حدَّثنا هشيمٌ عن أبي حيانَ التَّيميِّ، قال: حدَّثنا عَبايةُ بنُ رفاعة، عن رافع بنِ خَديج، قال: أصبَح رجلٌ من الأنصارِ مقتولًا بخيبر، فانطلَق أولياؤُه إلى النبيِّ ﷺ فذكَروا ذلك له، فقال لهم: "شاهِدان يشْهَدانِ على قتلِ صاحبِكُم". قالوا: يا رسولَ الله، لم يكنْ ثمَّ أحدٌ من المسلمين، وإنما هم يهود، وقد يجتَرئونَ على أعظمَ من هذا. قال: "فاختاروا منهم خمسينَ فاستَحْلِفُوهم". فأبوا، فوَداهُ رسولُ الله ﷺ من عندِه. قال أبو عُمر: في هذه الأحاديثِ كلِّها تَبدئةُ المدَّعَى عليهم بالأيمانِ في القَسامة، وفي الآثارِ المتقدِّمةِ عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ تَبدئةُ المدَّعِين بالأيمان، وقد روَى ابنُ شهاب هذه وهذه، وقضَى بما في حديثِ سَهْل، فدَلّ على أنّ ذلك عندَه الأثبَتُ والأوْلى على ما قال أحمدُ بنُ حنبل، وعلى ما ذهب إليه الحِجازيّون، واللّهُ أعلم.

стр. 8230

فإن قيل: قد روَى مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن عِرَاكِ بنِ مالكٍ وسُليمانَ بنِ يسار، أنَّ عُمرَ بنَ الخطاب بدَّأ المدَّعَى عليهم بالأيمانِ في القَسامة. قيل له: المصيرُ إلى المُسندِ الثابتِ أوْلى من قولِ الصاحب من جهةِ الحُجَّة. وفي هذا الحديث، حديثِ يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يسار، نُكولُ الفريقَينِ عن الأيمان، وفي ذلك ما يدُلُّ على أن الدِّيةَ إنما جعلَها رسولُ الله ﷺ من عندِه تبرُّعًا؛ لئلا يُطَلَّ ذلك الدم (٢)، وذلك ليس بواجب، واللّهُ أعلم. وقد روَى ابنُ عبدِ الحكَم عن مالكٍ في قتيل ادَّعَى بعضُ وُلاتِه أنه قُتِل عمْدًا، وقال بعضُهم: لا عِلْمَ لنا بمَن قتلَه، ولا نحلِفُ، فإنّ دمَه يُطَلُّ. وللفقهاءِ في القسامةِ وفيما يُوجِبُها من الأسباب، وفيما يجبُ بها من القَوَدِ أو الدِّية، مذاهبُ نحن (٣) نذكُرُها هاهنا ليتبيَّن للناظرِ في كتابنا معنى القَسامةِ بيانًا واضحًا إن شاء الله تعالى (٤). قال مالكٌ ﵀ (٥): القَسامةُ لا تجبُ إلّا بأحدِ أمرين؛ إمّا أن يقولَ المقتول: دمي عندَ فلان. أو يأتي وُلاةُ المقتولِ بلَوْثٍ (٦) من بيِّنةٍ وإن لم تكنْ قاطعةً على الذي يُدَّعَى عليه الدم، فهذا يُوجبُ القَسامةَ لمدَّعي الدّم على من ادَّعوهُ، فيحلِفُ من

стр. 8231

وُلاةِ القوم (١) خمسون رجلًا خمسين يمينًا، فإن قلَّ عددُهم أو نَكَل بعضُهم، رُدَّتِ الأيمانُ عليهم، إلا أن يَنكُلَ أحدٌ من وُلاةِ المقتولِ الذين يجوزُ عفوُهم، فلا يُقتلَ حينئذٍ أحدٌ، ولا سبيلَ إلى الدَّم إذا نكَل واحدٌ منهم، ولا تُردُّ الأيمانُ على مَن يُقْتلَ إذا نكَل أحدٌ ممن يجوزُ له العفوُ عن الدَّم، وإن كان واحدًا. قال مالك (٢): وإنما تُردُّ الأيمانُ على مَن بقيَ إذا نكَل أحدٌ ممّن لا يجوزُ له عفو، فإن نكَل واحدٌ ممّن يجوزُ له العفو، فإنه إذا كان ذلك، رُدَّتِ الأيمانُ حينئذٍ على المدَّعَى عليهم الدَّم، فيحلِفُ منهم خمسون رجلًا خمسين يمينًا، فإن لم يبلُغوا خمسين رجلًا، رُدَّتِ الخمسون يمينًا على مَن حلَف منهم حتى تكمُلَ الخمسون يمينًا، فإن لم يُوجَدْ أحدٌ يحلِفُ إلا الذي ادُّعي عليه الدَّم، حلَف وحدَه خمسين يمينًا (٣). قال مالك (٤): لا يُقسِمُ في قتل العمدِ إلا اثنان من المدَّعِين فصاعدًا، يحلِفانِ خمسينَ يمينًا تُردَّدُ عليهما، ثم قد استحَقَّا الدَّمَ وقتلا مَن حلَفا عليه، وكذلك إن كان وليُّ الدَّم الذي ادّعاه واحدًا بُدئَ به، فحلَف وحدَه خمسين يمينًا، فإذا حلَف المدَّعون خمسين يمينًا، استحَقُّوا دمَ صاحبِهم، وقتَلوا مَن حلَفوا عليه، ولا يُقتَلُ في القسامةِ إلا واحدٌ، ولا يُقتَلُ فيها اثنان. هذا كلُّه قولُ مالك في "موطَّئه" و"موطأ" ابنِ وَهْب. قال أبو عُمر: إنّما جعَل مالكٌ قولَ المقتول: دَمي عندَ فلان: شُبهةً ولَطْخًا، وجَب به تَبدئةُ أوليائِه بالأيمانِ في القَسامة؛ لأنَّ المعروفَ من طِباع الناسِ عندَ حُضورِ الموتِ الإنابةُ والتوبةُ والتندُّمُ عى ما سلَف من سيِّئ العمل، ألا ترَى إلى

стр. 8232

قولِ الله : ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]. فهذا معهودٌ من طباع الإنسان، وغيرُ معلوم من عادتِه أن يعدِلَ عن قاتلِه إلى غيرِه ويدَعَ قاتِلَه، وما خرَج عن هذا فنادرٌ في الناسِ لا حُكمَ له، فلهذا وشِبْهِه مما وصَفنا، ذهب مالكٌ إلى ما ذكَرنا، واللّهُ أعلم. وقد نزَع بعضُ أصحابنا في ذلك بقصةِ قتيلِ البقرة؛ لأنه قُبِل قولُه في قاتلِه. وفي هذا ضُروب من الاعتراضات، وفيما ذكَرنا كفايةٌ إن شاء الله. وذكَر ابنُ القاسم (١) عن مالك، قال: إذا شهِد رجلٌ عدلٌ على القاتل، أقسَم رجلان فصاعدًا خمسين يمينًا. وقال ابنُ القاسم (٢): والشاهدُ في القسامةِ إنما هو لَوْثٌ وليست شهادة، وعندَ مالكٍ أن وُلاةَ الدم إذا كانوا جماعةً لم يُقسِمْ منهم (٣) إلا اثنان فصاعدًا. واعتلّ بعضُ أصحابه لقوله هذا بأنَّ النبيَّ ﷺ إنما عرَضها على جماعة، والقسامةُ في قتل الخطأ كهي في العَمْد، لا تُستحَقُّ بأقلَّ من خمسين يمينًا، من أجل أنَّ الدِّيةَ إنما تجبُ عن دم، والدَّمُ لا يُستحَقّ بأقلَّ من خمسين يمينًا. فالقَسامةُ على الخطأ وإن لم يكنْ يجبُ بها قتلٌ ولا قوَدٌ، كالقَسامةِ في قتْلِ العَمْد، واليمينُ في القَسامة على مَن سمَّى أنه ضَرَبه، وأن مِن ضَرْبَته مات، فإن أقسَم وُلاةُ المقتولِ على واحد - لأنه لا يُقتلُ بالقَسامةِ أكثرُ من واحد - قُتِل المحلوفُ عليه، فإن كان معَه ممّن ادُّعي عليه الدَّمُ جماعةٌ غيرُه، ضُرِبوا مئةً مئةً، وسُجِنوا سنة، ثم خُلِّيَ عنهم. والدِّيةُ في قتل الخطأ على عاقلةِ الذي يقسِمونَ عليه أنه مات من فِعْلِه به خطأ.

стр. 8233

قال مالكٌ (١): وإنما يحلِفُون في قَسامةِ الخطأ على قدْرِ ميراثِ كلِّ واحدٍ منهم في الدِّية، فإن وقَع في الأيمانِ كُسورٌ، أُتِمَّت اليمينُ على أكثرِهم ميراثًا. ومعنى ذلك أن يحلِفَ هذا يمينًا وهذا يمينًا، ثم يُرجَعَ إلى الأول فيحلِفَ، ثم الذي يليه، حتى تتمَّ الأيمانُ كلُّها. وقال مالك: إذا ادَّعَى الدمَ بَنُونَ أو أخوة، فعفَا أحدُهم عن المدَّعَى عليه، لم يكن إلى الدَّم سبيل، وكان لمن بقيَ (٢) منهم أنصباؤُهم من الدَّلة بعدَ أيمانهم. قال ابنُ القاسم: لا يكونُ لهم من الدلة شيءٌ إلا أن يكونوا قد أقسَموا، ثم عفا بعضُهم، فأما إذا نكَل أحدُهم عن القَسامة، لم يكُنْ لمن بقيَ شيءٌ من الدية. ولأصحاب مالكٍ في عفوِ العَصَباتِ مع البناتِ وفي نوازلِ القَسامةِ مسائلُ لا وجهَ لذِكْرِها هاهنا. وقال مالكٌ في "الموطأ" (٣): إنما فُرِقَ بينَ القَسامةِ في الدَّم وبينَ الأيمانِ في الحقوق، أنَّ الرجلَ إذا دايَن الرجلَ استَثْبت عليه في حقِّه، وأن الرجلَ إذا أراد قتلَ الرجلِ (٤) لم يقتُلْه في جماعةٍ من الناس، وإنما يلتمِسُ الخَلوة. قال: فلو لم تكن القَسامةُ إلا فيما ثبَت بالبيِّنةِ وعُمِل فيها كما يُعمَلُ في الحقوق، هلَكتِ الدِّماءُ وبطَلَت، واجترَأ الناسُ عليها إذا عرَفوا القضاءَ فيها، ولكن إنما جُعِلَتِ القَسامةُ إلى وُلاةِ المقتول يُبَدَّؤون فيها؛ ليكفَّ الناسُ عن الدَّم، وليَحذرَ القاتلُ أن يُؤخذَ في ذلك بقولِ المقتول.

стр. 8234

وقال الشافعيُّ (١): إذا وُجِد القتيلُ في دارِ قوم محيطةٍ أو قبيلةٍ وكانوا أعداءً للمقتول، وادَّعَى أولياؤُه قتلَه، فلهم القَسامةُ، وكذلك الزحامُ إذا لم يفتَرِقوا حتى وجَدوا بينَهم قتيلًا، أو في ناحيةٍ ليس إلى جانبِه إلا رجل واحدٌ، أو يأتي شهودٌ متفرِّقون من المسلمين من نواح لم يجتمِعوا فيها، يُثبِتُ كلُّ واحدٍ منهم على الانفرادِ على رجل أنه قتَله، فتتواطأ شهادتُهم، ولم يسمَعْ بعضُهم بشهادةِ بعض، وإن لم يكونوا ممّن يُعدَّلُ، أو شهِدَ رجل عدلى أنه قتَله؛ لأنَّ كلَّ سببٍ من هذا يغلِبُ على عقلِ الحاكم أنه كما ادَّعَى وليُّه، فلِلْوَليِّ حينئذٍ أن يُقسِمَ على الواحدِ وعلى الجماعة، وسواء كان جُرْحٌ أو غيرُه؛ لأنه قد يُقتَلُ بما لا أثرَ له. قال (٢): ولا يُنظَرُ إلى دعوَى الميت. وقال الأوزاعيُّ (٣): يُستحلَفُ من أهل القريةِ خمسون رجلًا خمسين يمينًا ما قتَلنا، ولا علِمنا قاتلًا. فإن حلَفوا بَرئُوا، وإن نقَصَتْ قَسامتُهم وليَها المدَّعون، فأُحلِفوا بمثلِ ذلك عن رجلٍ واحد، فإن حلَفوا استحَقُّوا، وإن نقَصتْ قَسامتُهم، أو نكَل رجلٌ منهم، لم يُعطَوا الدَّمَ، وعُقِل قتيلُهم إذا كان بحضرةِ الذين ادُّعي عليهم في ديارِهم. وقال الليثُ بنُ سَعْد (٤): الذي يوجِبُ القَسامةَ أن يقولَ المقتولُ قبلَ موته: فلان قتَلني. أو يأتي من الصبيانِ أو النساءِ أو النصارى ومَن أشبَههم ممَّن لا يُقطَعُ بشهادتِه، أنهم رأوا هذا حينَ قتَل هذا، فإن القَسامةَ تكونُ مع ذلك. وقال أبو حنيفة (٥): إذا وُجِد قتيلٌ في مَحِلَّةٍ وبه أثرٌ، وادَّعَى الوليُّ على أهل

стр. 8235

المحِلةِ أنهم قتَلوه، أو على واحدٍ منهم بعينِه، استُحلِف من أهل المحِلَّةِ خمسون رجلًا باللّه: ما قتَلنا، ولا علِمنا قاتلًا. يختارُهم الوليُّ، فإن لم يبلُغوا خمسين، كرَّر عليهم الأيمان، ثم يَغرَمون الدِّيةَ، وإن نكَلوا عن اليمين، حُبِسُوا حتى يُقِرُّوا أو يَحلِفوا. وهو قولُ زُفَر. وروَى الحسنُ بنُ زياد، عن أبي يوسف (١): إذا أبوا أن يَحلِفوا ترَكهم ولم يَحبِسْهم، وجعَل الدِّيةَ على العاقلةِ في ثلاثِ سنين. وقالوا جميعًا - يعني أبا حنيفةَ وأصحابَه -: إن ادَّعَى الوليُّ على رجُلٍ من غيرِ أهلِ المحِلَّة، فقد أبرَأ أهلَ المحِلَّة، ولا شيءَ له عليهم. وقال الثوريُّ في هذا كلِّه مثلَ قول أبي حنيفة، إلا أن ابنَ المبارك روَى عن الثوريِّ (٢): أنه إن ادَّعَى الوليُّ على رجُلٍ بعينِه من أهل المحِلَّة، فقد بَرئ أهلُ المحِلَّة، وصار دمُه هَدْرًا، إلا أن يُقيمَ البيِّنةَ على ذلك الرجل. وقال الحسنُ بنُ حيٍّ (٣): يحلِفُ مَن كان حاضرًا من أهلِ المَحِلَّة من ساكنٍ أو مالكٍ خمسين يمينًا: ما قتَلتُه، ولا علِمتُ قاتلًا. فإذا حلَفوا كان عليهم الديةُ، ولا يُستحلَفُ من كان غائبًا وإن كان مالكًا، وسواءٌ كان به أثرٌ أو لم يكن. وقال عثمانُ البتيُّ (٤): يُستحلَفُ منهم خمسون رجلًا: ما قتَلنا، ولا علِمنا قاتلًا. ثم لا شيءَ عليهم غيرُ ذلك، إلا أن تقومَ البيِّنةُ على رجُلٍ بعَينِه أنه قتَله. وكان مسلمُ بنُ خالد الزَّنجيُّ وأهلُ مكةَ لا يَرَون القَسامةَ. وهو قولُ

стр. 8236

عُمرَ بنِ عبدِ العزيز، وسُليمانَ بنِ يسار، وسالم بنِ عبدِ الله، وقَتادة، والحَسَن. وإليه ذهَب ابنُ عُلَيّة (١). وقال الحسنُ البصريُّ: القتلُ بالقسامةِ جاهليةٌ (٢). قال أبو عُمر: من حجةِ مالك، والشافعيِّ في أحدِ قولَيْه أنه يُوجِبُ القَودَ في القَسامة، ومَن قال بقولهما، مع الآثارِ المتقدِّم ذكرُها في هذا الباب ما حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا محمودُ (٥) بنُ خالدٍ وكَثيرُ بنُ عُبيد، قالا: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن الأوزاعيِّ، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ رسولَ الله ﷺ قتَل بالقَسامةِ رجلًا من بني نَصْرِ بنِ مالك. وقد رُوِيَ عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنَّه قَضَى فيها بالقَوَد، وقضَى بها عبدُ الله بنُ الزَّبير، وحَسْبُك بقولِ مالك: إنه الذي لم يزَلْ عليه علماءُ أهلِ المدينةِ قديمًا وحديثًا. واحتَجَّ بعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ لقوله في هذا الباب بحديثِ مالك، عن أبي ليلى، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ في هذه القصة قوله: "إما أن يَدُوا صاحبَكم،

стр. 8237

وإما أن يُؤذَنوا (١) بحرب". قالوا: ومعلومٌ أنَّ النبيَّ ﷺ لم يقل ذلك لهم إلّا وقد تحقَّق عندَه قبلَ ذلك وجودُ القَتيل بخيبرَ، فدَلّ ذلك على وجوبِ الدلة على اليهود، لوجودِ القتيل بينَهم، لأنه لا يجوزُ أن يُؤذَنوا بحربٍ إلا بمنْعِهم حقًّا واجبًا عليهم. واحتَجُّوا أيضًا بما رُوِيَ عن عُمرَ بنِ الخطابِ في رجُلٍ وُجِد قتيلًا بينَ قريتَين، فجعَله على أقربهما، وأحلَفهم خمسين يمينًا: ما قتَلنا، ولا علِمنا قاتلًا. ثم أغرَمهم الدِّيةَ. فقال الحارثُ بنُ الأزمع: نحلِفُ ونَغرَمُ؟ قال: نعم (٢). قالوا: وحديثُ سَهْلٍ مضطربٌ. قالوا: والمصيرُ إلى حديثِ ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب وأبي سَلَمة وسُليمانَ بنِ يسار، عن رجالٍ من الأنصارِ في هذه القصةِ أولى (٣)؛ لأنَّ نقلتَه أئمّةٌ فُقهاءُ حُفاظٌ لا يُعدَلُ بهم غيرُهم، وفيه: فجعَلَها رسولُ الله ﷺ ديةً على اليهود، لأنه وُجِد بينَ أظهُرِهم. وأما مالكٌ، والشافعيُّ، والليثُ بنُ سَعْد (٤)، فقالوا: إذا وُجِد قتيلٌ في محلّةِ قوم، أو في قبيلةِ قوم، لم يُستحَقَّ عليهم بوجودِه شيء، ولم تجِبْ به قَسامة. حتى تكونَ الأسبابُ التي شرَطوها، كلٌّ على أصلِه الذي قدَّمنا عنه. قال ابنُ القاسم عن مالك (٥): سواءٌ وُجِد القتيلُ في محلّةِ قوم، أو دارِ قوم، أو أرضِ قوم، أو في سوق، أو مسجدِ جماعة، فلا شيءَ فيه ولا قسامة، وقد طُلّ دمُه.

стр. 8238

قال أبو عُمر: المحلَّةُ قريةُ البوادي والمجاشِرِ (١) والقَياطِن (٢)، وكذلك القبائلُ والمياهُ والأحياء. وقال الشافعيُّ (٣): إذا وُجِد في محلَّةٍ أو قبيلةٍ قتيلٌ، وهم أعداؤُه، لا يُحيطُ بهم غيرُهم، فذلك لَوْثٌ يُقسَمُ معه، وإن خالَطهم غيرُهم، فقد طُلّ دمُه، إلا أن يدَّعيَ الأولياءُ على أهل المحِلَّةِ، فيَحلِفون ويَبرؤون. وفرّق الشافعيُّ بينَ أن يكونَ أهلُ القبيلةِ والمحلَّةِ أعداءَ المقتولِ فيُجعلَ عقلُه عليهم مع القَسامة، أو لا يكونوا فلا يلزَمَهم شيءٌ، وكذلك لو وُجِد قتيلٌ في ناحيةٍ ليس بقُربِه إلا رجلُ واحدٌ، ووُجِد بقُربِه رجلٌ في يدِه سكِّينٌ ملْطوخةٌ بالدَّم، فإنه يجعَلُ ذلك لوْثًا يُقسَمُ معَه، وسواءٌ كان به أثرٌ أم لم يكن. واعتَبر أبو حنيفةَ إن كان بالقتيل أثرٌ فيجعَلُه على القبيلة، أو لا يكونُ له أثرٌ فلا يجعَلُه على أحد. وقولُ الثوريِّ، وابنِ شُبرمة، وعثمانَ البتيِّ، وابن أبي ليلى، في القَسامةِ كقول أبي حنيفة، إلا أنه سواءٌ عندَهم كان به أثرٌ أم لم يكنْ به أثرٌ (٤). وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفة، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وسائرُ أهل العلم غيرَ مالكٍ والليث (٥): لا يُعتبرُ بقولِ المقتول: دمي عندَ فلان، ولا يُستحَقُّ بهذا القولِ قَسامةٌ. واحتَجَّ جماعةٌ من المالكيين لمذهبِ مالكٍ في ذلك بقصّةِ المقتولِ من بني إسرائيل، إذ ذُبحتِ البقرةُ وضُرب ببعضِها فأحياهُ الله، فقال: فلانٌ قتَلني، فأُخِذ بقولِه.

стр. 8239

ورَدّ المخالفُ هذا بأن تلك آيةٌ لبني إسرائيلَ لا سبيلَ إليها اليوم، وبأن شريعتَنا فيها أن الدماءَ والأموالَ لا تُستحَقُّ بالدَّعاوَى دونَ البيِّنات، ولم نَتعبَّدْ بشريعةِ مَن قبلَنا؛ لقولِه : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وقتيلُ بني إسرائيلَ لم يُقسِمْ أحدٌ عليه مع قولِه: هذا قتلني. وهذا لا يقولُه أحدٌ من علماءِ المسلمين أن المدَّعَى عليه يُقتَلُ بقولِ المدَّعي دونَ بيِّنةٍ ولا قَسامة، فلا معنَى لذكرِ قتيلِ بني إسرائيلَ هاهنا، وقد أجمع العلماءُ على أن قولَ الذي تحضُرَه الوفاةُ لا يُصدَّقُ على غيرِه في شيءٍ من الأموال، فالدِّماءُ أحقُّ بذلك، وقد علِمنا أن من الناسِ مَن يُحبُّ الاستراحةَ من الأعداءِ للبنين والأعقاب، ونحو هذا مما يطولُ ذكرُه. وقال مالك (١): إذا كان القتلُ عمدًا حلَف أولياءُ المقتولِ خمسين يمينًا على رجلٍ واحدٍ وقتَلوه. قال ابنُ القاسم (٢): لا يُقسِمُ في العمدِ إلا اثنان فصاعدًا، كما أنه لا يُقتَلُ بأقلَّ من شاهدين. وكذلك لا يُحلَّفُ النساءُ في العمد؛ لأنَّ شهادتَهن لا تجوزُ فيه، ويُحلَّفن في الخطأ من أجل أنه مالٌ، وشهادتُهن جائزةٌ في الأموال (٣). وعندَ الشافعيِّ: يُقسِمُ الوليُّ، واحدًا كان أو أكثر، على واحدٍ مدَّعًى عليه، وعلى جماعةٍ مدَّعًى عليهم. ومن حُجَّةِ الشافعيِّ أنه ليس في قولِ رسولِ الله ﷺ : "يُقسِمُ منكم خمسونَ على رجلٍ منهم فيُدفَعُ إليهم برُمَّتِه". ما يدُلُّ على أنه لا يجوزُ قتلُ أكثرَ من واحد، وإنّما فيه التَّنبيهُ على تعيينِ المدَّعَى عليه الدم، واحدًا كان أو جماعة. ومن حُجَّتِه أيضًا في ذلك أن القَسامةَ بدلٌ من الشهادة، فلمّا كانت الشَّهادةُ

стр. 8240

تُقتَلُ بها الجماعة، فكذلك القَسامةُ. واللّهُ أعلم. والاحتجاجُ على هذه الأقوالِ ولها يطول. واللّهُ المستعان. وقال أبو حنيفة: لا يُستحَقُّ بالقَسامةِ قَوَدٌ. خلافَ قولِ مالك، وعلى كلا القولينِ جماعةٌ من السلف. وعن الشافعيِّ روايتان؛ إحداهما: أن القَسامةَ يُستحَقُّ بها القَوَدُ ويُقتَلُ بها الواحدُ والجماعةُ إذا أقسَموا عليهم في العمد؛ لقوله ﷺ : "وتَستَحِقُّونَ دمَ صاحبِكم، أو قاتلِكم". والقولُ الآخر: كقولِ أبي حنيفة، أنَّ القَسامةَ تُوجبُ الديةَ دونَ القَوَدِ في العمدِ والخطأ جميعًا، إلا أنها في العمدِ في أموالِ الجناة، وفي الخطأ على العاقلة (١). والحُجّةُ من جهةِ الأثرِ في إسقاطِ القَوَدِ في القَسامةِ حديثُ أبي ليلى، عن سَهْل، عن النبيِّ ﷺ قوله: "إمّا أن يَدُوا صاحبَكم، وإمّا أن يُؤْذَنُوا بحَرْب" (٢). وتأوّل مَن ذهَب إلى هذا في قوله: "دمَ صاحبِكم": ديةَ صاحبكم (٣)؛ لأنَّ مَن استحقَّ ديةَ صاحبِه فقد استحقَّ دمَه؛ لأنَّ الدَّيةَ قد تؤخَذُ في العمْد، فيكونُ ذلك استحقاقًا للدم. قال أبو عُمر: الظاهرُ في ذكرِ الدَّم القَوَد، واللّهُ أعلم. وسيأتي ذكرُ حديثِ أبي ليلى في موضعِه من هذا الكتاب إن شاء الله، ويأتي القولُ في هذا المعنى فيه هناك بعونِ الله.

стр. 8241

قال أبو عُمر: كلُّ مَن أوجَبَ الحُكمَ بالقَسامةِ من علماءِ الحجازِ والعراق، فهم في ذلك على معنَيين وقولَين؛ فقومٌ أوجَبوا الدَّيةَ والقَسامةَ بوُجوبِ القتيلِ فقط، ولم يُراعُوا معنًى آخر، وقومٌ اعتبروا اللَّوْثَ، فهم يطلُبون ما يغلِبُ على الظنِّ وما يكونُ شُبهةً يُتطرَّقُ بها إلى حراسةِ الدِّماء، ولم يطلُبوا في القَسامةِ الشهادةَ القاطعةَ ولا العلمَ البتَّ، وإنما طلَبوا شُبهةً وسمَّوهُ لَوْثًا، لأنه يَلطَخُ المُدَّعَى عليه، ويُوجبُ الشُّبهةَ، ويتطرّقُ به إلي حراسةِ الأنفُسِ وحقْنِ الدِّماء، إذ في القِصاصِ حياةٌ، والخيرُ كلُّه في ردْع السُّفهاءِ والجُناة. وقد قدَّمنا عن مالك وغيرِه هذا المعنى، فلذلك وردَت القَسامة، واللّهُ أعلم، ولا أصلَ لهم في القَسامةِ غيرُ قصّةِ عبدِ الله بنِ سَهْل الحارثيِّ الأنصاريِّ المقتولِ بخيبر، على ما قد ذكَرنا من الرواياتِ بذلك على اختلافِها مُوعَبةً واضحةً في هذا الباب. والحمدُ للّه. وفي ردِّ رسولِ الله ﷺ الأيمانَ في القَسامةِ دليلٌ على ردِّ اليمينِ على المدَّعي إذا نكَل المُدَّعَى عليه عنها في سائرِ الحقوق، وإلى هذا ذهَب مالكٌ والشافعيُّ في ردِّ اليمين، وهذا أصلُهم في ذلك. وأما أبو حنيفةَ وأهلُ العراق فهم يَقضُون بالنُّكول، ولا يرَونَ ردَّ يمينٍ في شيءٍ من الحقوقِ والدعاوى. والقولُ بردِّ اليمين أوْلى وأصحُّ؛ لما رُوِيَ من الأثرِ في ذلك، وأما النُّكول، فلا أثرَ فيه ولا أصلَ يعضُدُه، ولم نرَ في الأصولِ حقًّا ثبَت على منكرٍ بسببِ واحد، والنُّكولُ سببٌ واحدٌ، فلم يكنْ بدٌّ من ضَمِّ شيءٍ غيرِه إليه، كما ضُمَّ الشَّاهدُ إلى شاهدٍ مثلِه، أو يمينِ الطالب، واللّهُ الموفقُ للصواب (١).

стр. 8242

يحيى عن عَدِيّ بن ثابتٍ حديثان حديثٌ ثانٍ وعشرونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ (١) مالكٌ (٢)، عن يحيى بن سعيد، عن عَدِيِّ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ، عن البَرَاءِ بنِ عازب، أنَّهُ قال: صَلَّيتُ مع رسولِ الله ﷺ العشاءَ، فقرأ فيها بـ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. لم يُخْتَلَفْ على مالكٍ في هذا الحديث (٣)، وكذلك رواه جماعةٌ عن يحيى بنِ سعيد، إلا أنَّ مِسعَرًا (٤) رواه فزاد فيه: وما سمِعتُ أحسنَ صوتًا منه ﷺ (٥). وقد ذكَرنا هذا الخبرَ في باب تحسينِ الصوتِ بالقرآنِ من كتاب "البيان عن تلاوة القرآن"، والحمدُ لله، فلا معنَى لذِكْرِه هاهنا. وهذا الحديثُ عندَنا محمَلُه على أنه قد قرأ بـ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ مع أمِّ القرآن، بدليلِ قوله ﷺ : "لا صلاةَ لمَن لم يقرأ فيها بـ: "فاتحة الكتاب"، وكلُّ صلاةٍ لم يُقرَأ فيها بـ: "أمِّ القرآن" فهي خِداج" (٦). وقد ذكَرنا مذاهبَ الفقهاءِ في هذا الباب
следующие страницы →