← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8238–8277 · переход к 8243.

стр. 8238

قال أبو عُمر: المحلَّةُ قريةُ البوادي والمجاشِرِ (١) والقَياطِن (٢)، وكذلك القبائلُ والمياهُ والأحياء. وقال الشافعيُّ (٣): إذا وُجِد في محلَّةٍ أو قبيلةٍ قتيلٌ، وهم أعداؤُه، لا يُحيطُ بهم غيرُهم، فذلك لَوْثٌ يُقسَمُ معه، وإن خالَطهم غيرُهم، فقد طُلّ دمُه، إلا أن يدَّعيَ الأولياءُ على أهل المحِلَّةِ، فيَحلِفون ويَبرؤون. وفرّق الشافعيُّ بينَ أن يكونَ أهلُ القبيلةِ والمحلَّةِ أعداءَ المقتولِ فيُجعلَ عقلُه عليهم مع القَسامة، أو لا يكونوا فلا يلزَمَهم شيءٌ، وكذلك لو وُجِد قتيلٌ في ناحيةٍ ليس بقُربِه إلا رجلُ واحدٌ، ووُجِد بقُربِه رجلٌ في يدِه سكِّينٌ ملْطوخةٌ بالدَّم، فإنه يجعَلُ ذلك لوْثًا يُقسَمُ معَه، وسواءٌ كان به أثرٌ أم لم يكن. واعتَبر أبو حنيفةَ إن كان بالقتيل أثرٌ فيجعَلُه على القبيلة، أو لا يكونُ له أثرٌ فلا يجعَلُه على أحد. وقولُ الثوريِّ، وابنِ شُبرمة، وعثمانَ البتيِّ، وابن أبي ليلى، في القَسامةِ كقول أبي حنيفة، إلا أنه سواءٌ عندَهم كان به أثرٌ أم لم يكنْ به أثرٌ (٤). وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفة، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وسائرُ أهل العلم غيرَ مالكٍ والليث (٥): لا يُعتبرُ بقولِ المقتول: دمي عندَ فلان، ولا يُستحَقُّ بهذا القولِ قَسامةٌ. واحتَجَّ جماعةٌ من المالكيين لمذهبِ مالكٍ في ذلك بقصّةِ المقتولِ من بني إسرائيل، إذ ذُبحتِ البقرةُ وضُرب ببعضِها فأحياهُ الله، فقال: فلانٌ قتَلني، فأُخِذ بقولِه.

стр. 8239

ورَدّ المخالفُ هذا بأن تلك آيةٌ لبني إسرائيلَ لا سبيلَ إليها اليوم، وبأن شريعتَنا فيها أن الدماءَ والأموالَ لا تُستحَقُّ بالدَّعاوَى دونَ البيِّنات، ولم نَتعبَّدْ بشريعةِ مَن قبلَنا؛ لقولِه : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وقتيلُ بني إسرائيلَ لم يُقسِمْ أحدٌ عليه مع قولِه: هذا قتلني. وهذا لا يقولُه أحدٌ من علماءِ المسلمين أن المدَّعَى عليه يُقتَلُ بقولِ المدَّعي دونَ بيِّنةٍ ولا قَسامة، فلا معنَى لذكرِ قتيلِ بني إسرائيلَ هاهنا، وقد أجمع العلماءُ على أن قولَ الذي تحضُرَه الوفاةُ لا يُصدَّقُ على غيرِه في شيءٍ من الأموال، فالدِّماءُ أحقُّ بذلك، وقد علِمنا أن من الناسِ مَن يُحبُّ الاستراحةَ من الأعداءِ للبنين والأعقاب، ونحو هذا مما يطولُ ذكرُه. وقال مالك (١): إذا كان القتلُ عمدًا حلَف أولياءُ المقتولِ خمسين يمينًا على رجلٍ واحدٍ وقتَلوه. قال ابنُ القاسم (٢): لا يُقسِمُ في العمدِ إلا اثنان فصاعدًا، كما أنه لا يُقتَلُ بأقلَّ من شاهدين. وكذلك لا يُحلَّفُ النساءُ في العمد؛ لأنَّ شهادتَهن لا تجوزُ فيه، ويُحلَّفن في الخطأ من أجل أنه مالٌ، وشهادتُهن جائزةٌ في الأموال (٣). وعندَ الشافعيِّ: يُقسِمُ الوليُّ، واحدًا كان أو أكثر، على واحدٍ مدَّعًى عليه، وعلى جماعةٍ مدَّعًى عليهم. ومن حُجَّةِ الشافعيِّ أنه ليس في قولِ رسولِ الله ﷺ : "يُقسِمُ منكم خمسونَ على رجلٍ منهم فيُدفَعُ إليهم برُمَّتِه". ما يدُلُّ على أنه لا يجوزُ قتلُ أكثرَ من واحد، وإنّما فيه التَّنبيهُ على تعيينِ المدَّعَى عليه الدم، واحدًا كان أو جماعة. ومن حُجَّتِه أيضًا في ذلك أن القَسامةَ بدلٌ من الشهادة، فلمّا كانت الشَّهادةُ

стр. 8240

تُقتَلُ بها الجماعة، فكذلك القَسامةُ. واللّهُ أعلم. والاحتجاجُ على هذه الأقوالِ ولها يطول. واللّهُ المستعان. وقال أبو حنيفة: لا يُستحَقُّ بالقَسامةِ قَوَدٌ. خلافَ قولِ مالك، وعلى كلا القولينِ جماعةٌ من السلف. وعن الشافعيِّ روايتان؛ إحداهما: أن القَسامةَ يُستحَقُّ بها القَوَدُ ويُقتَلُ بها الواحدُ والجماعةُ إذا أقسَموا عليهم في العمد؛ لقوله ﷺ : "وتَستَحِقُّونَ دمَ صاحبِكم، أو قاتلِكم". والقولُ الآخر: كقولِ أبي حنيفة، أنَّ القَسامةَ تُوجبُ الديةَ دونَ القَوَدِ في العمدِ والخطأ جميعًا، إلا أنها في العمدِ في أموالِ الجناة، وفي الخطأ على العاقلة (١). والحُجّةُ من جهةِ الأثرِ في إسقاطِ القَوَدِ في القَسامةِ حديثُ أبي ليلى، عن سَهْل، عن النبيِّ ﷺ قوله: "إمّا أن يَدُوا صاحبَكم، وإمّا أن يُؤْذَنُوا بحَرْب" (٢). وتأوّل مَن ذهَب إلى هذا في قوله: "دمَ صاحبِكم": ديةَ صاحبكم (٣)؛ لأنَّ مَن استحقَّ ديةَ صاحبِه فقد استحقَّ دمَه؛ لأنَّ الدَّيةَ قد تؤخَذُ في العمْد، فيكونُ ذلك استحقاقًا للدم. قال أبو عُمر: الظاهرُ في ذكرِ الدَّم القَوَد، واللّهُ أعلم. وسيأتي ذكرُ حديثِ أبي ليلى في موضعِه من هذا الكتاب إن شاء الله، ويأتي القولُ في هذا المعنى فيه هناك بعونِ الله.

стр. 8241

قال أبو عُمر: كلُّ مَن أوجَبَ الحُكمَ بالقَسامةِ من علماءِ الحجازِ والعراق، فهم في ذلك على معنَيين وقولَين؛ فقومٌ أوجَبوا الدَّيةَ والقَسامةَ بوُجوبِ القتيلِ فقط، ولم يُراعُوا معنًى آخر، وقومٌ اعتبروا اللَّوْثَ، فهم يطلُبون ما يغلِبُ على الظنِّ وما يكونُ شُبهةً يُتطرَّقُ بها إلى حراسةِ الدِّماء، ولم يطلُبوا في القَسامةِ الشهادةَ القاطعةَ ولا العلمَ البتَّ، وإنما طلَبوا شُبهةً وسمَّوهُ لَوْثًا، لأنه يَلطَخُ المُدَّعَى عليه، ويُوجبُ الشُّبهةَ، ويتطرّقُ به إلي حراسةِ الأنفُسِ وحقْنِ الدِّماء، إذ في القِصاصِ حياةٌ، والخيرُ كلُّه في ردْع السُّفهاءِ والجُناة. وقد قدَّمنا عن مالك وغيرِه هذا المعنى، فلذلك وردَت القَسامة، واللّهُ أعلم، ولا أصلَ لهم في القَسامةِ غيرُ قصّةِ عبدِ الله بنِ سَهْل الحارثيِّ الأنصاريِّ المقتولِ بخيبر، على ما قد ذكَرنا من الرواياتِ بذلك على اختلافِها مُوعَبةً واضحةً في هذا الباب. والحمدُ للّه. وفي ردِّ رسولِ الله ﷺ الأيمانَ في القَسامةِ دليلٌ على ردِّ اليمينِ على المدَّعي إذا نكَل المُدَّعَى عليه عنها في سائرِ الحقوق، وإلى هذا ذهَب مالكٌ والشافعيُّ في ردِّ اليمين، وهذا أصلُهم في ذلك. وأما أبو حنيفةَ وأهلُ العراق فهم يَقضُون بالنُّكول، ولا يرَونَ ردَّ يمينٍ في شيءٍ من الحقوقِ والدعاوى. والقولُ بردِّ اليمين أوْلى وأصحُّ؛ لما رُوِيَ من الأثرِ في ذلك، وأما النُّكول، فلا أثرَ فيه ولا أصلَ يعضُدُه، ولم نرَ في الأصولِ حقًّا ثبَت على منكرٍ بسببِ واحد، والنُّكولُ سببٌ واحدٌ، فلم يكنْ بدٌّ من ضَمِّ شيءٍ غيرِه إليه، كما ضُمَّ الشَّاهدُ إلى شاهدٍ مثلِه، أو يمينِ الطالب، واللّهُ الموفقُ للصواب (١).

стр. 8242

يحيى عن عَدِيّ بن ثابتٍ حديثان حديثٌ ثانٍ وعشرونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ (١) مالكٌ (٢)، عن يحيى بن سعيد، عن عَدِيِّ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ، عن البَرَاءِ بنِ عازب، أنَّهُ قال: صَلَّيتُ مع رسولِ الله ﷺ العشاءَ، فقرأ فيها بـ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. لم يُخْتَلَفْ على مالكٍ في هذا الحديث (٣)، وكذلك رواه جماعةٌ عن يحيى بنِ سعيد، إلا أنَّ مِسعَرًا (٤) رواه فزاد فيه: وما سمِعتُ أحسنَ صوتًا منه ﷺ (٥). وقد ذكَرنا هذا الخبرَ في باب تحسينِ الصوتِ بالقرآنِ من كتاب "البيان عن تلاوة القرآن"، والحمدُ لله، فلا معنَى لذِكْرِه هاهنا. وهذا الحديثُ عندَنا محمَلُه على أنه قد قرأ بـ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ مع أمِّ القرآن، بدليلِ قوله ﷺ : "لا صلاةَ لمَن لم يقرأ فيها بـ: "فاتحة الكتاب"، وكلُّ صلاةٍ لم يُقرَأ فيها بـ: "أمِّ القرآن" فهي خِداج" (٦). وقد ذكَرنا مذاهبَ الفقهاءِ في هذا الباب

стр. 8243

في باب العلاءِ من هذا الكتاب، وليس في هذا الحديث بعدَ هذا معنًى يُشكِل، وما قرأ به المصلِّي في الرَّكْعتَين الأولَيِين، من الظُّهر والعصرِ والمغربِ والعشاء، مع "أمِّ القرآن"، فحسَنٌ، وكذلك صلاةُ الصُّبح. وفي قول رسولِ الله ﷺ : "لا صلاةَ إلا بـ: "فاتحة الكتاب"، وكلُّ صلاةٍ لم يُقرَأ فيها بـ: "أمِّ القرآن" فهي خِداج" دليلٌ على أنَّ مَن قرأ "فاتحة الكتاب" في كلِّ رَكْعةٍ من صلاتِه ولم يزِدْ - فقد صلَّى صلاةً كاملةً وتامة غيرَ ناقصة، وحسبُكَ بهذا، وقد قدَّمنا ذكرَ الدلائل على أنَّ ذكرَ الصلاةِ في هذين الحديثَين أُريد به الرَّكْعةُ في غيرِ موضع من كتابنا هذا، فلا وجهَ لتكرير ذلك هاهنا. وقد كان بعضُ أصحاب مالكٍ يرى الإعادةَ على من تعمَّد تركَ السُّور مع "أمِّ القرآن"، وهو قولٌ ضعيفٌ لا أصلَ له في نظَرٍ ولا أثر. وجمهورُ أصحابِ مالكٍ على أنه قد أساءَ وصلاتُه مُجزئةٌ عنه، وكذلك قولُ سائر العلماء، والحمدُ لله. وللفقهاء استحباباتٌ فيما يُقرَأ به مع "أمِّ القرآن" في الصلوات، ومراتبُ وتحديداتٌ، كلُّ ذلك استحسانٌ وليس بواجب، وبالله التوفيق.

стр. 8244

حديث ثالثٌ وعشرون ليَحيى بن سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَدِيِّ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ، أنَّ عبدَ الله بنَ يزيدَ الخَطْميَّ أخبَره، أنَّ أبا أيوبَ الأنصاريَّ أخبَره، أنه صلَّى مع رسولِ الله ﷺ في حِجّةِ الوداع المغربَ والعشاءَ بالمُزدَلِفة جميعًا. عَدِيُّ بنُ ثابتٍ هذا هو عَدِيُّ بنُ ثابتِ بنِ عُبيدِ بنِ عازب أخي البراءِ بنِ عازب، ولجَدِّه صُحْبةٌ، وقد رَوَى عن أبيه، عن جدِّه أحاديث، وجدُّه لأمِّه عبدُ الله بنُ يزيدَ الخَطْميُّ هذا فيما ذكَر غيرُ واحد. وقال الطحاويُّ: عَدِيُّ بنُ ثابتٍ الأنصاريُّ كوفيٌّ، وجدُّه قيسُ بنُ الخَطيم الشاعر. وأمّا عبدُ الله بنُ يزيدَ هذا فله صُحبةٌ وروايةٌ، وقد ذكَرناه في كتاب "الصحابة" (٢) بما يُغْني عن ذِكْرِه هاهنا. وكان عبدُ الله بنُ يزيدَ هذا أميرًا على الكوفةِ لعبدِ الله بنِ الزُّبير، ذكَر ذلك الليثُ بنُ سعْد، عن يحيى بن سعيد، عن عَدِيِّ بنِ ثابت. وقد ذكَرْنا ما في هذا الحديثِ مع المعاني، ومضى القولُ في ذلك في باب ابنِ شهاب، عن سالم (٣) من هذا الكتاب، والحمد لله.

стр. 8245

يحيى عن الأعرج حديثٌ واحدٌ حديثٌ رابعٌ وعشرون ليَحيى بنِ سعيدٍ مالك (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن الأعرج عبدِ الرحمنِ بنِ هُرمُز، عن عبدِ الله بنِ بُحَيْنة، أنه قال: صلَّى لنا رسولُ الله ﷺ الظهر، فقام في اثنتَين ولم يجلسْ فيهما، فلمّا قضَى صلَاته سجدَ سجدتين ثم سَلَّم بعدَ ذلك. قد مضَى القولُ في هذا الحديثِ مجوَّدًا ممهَّدًا في باب ابن شهاب، عن الأعرج، من هذا الكتاب (٢).

стр. 8246

يحيى عن أبي صالح حديثٌ خامسٌ وعشرون ليحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي صالح السَّمّان، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لولا أن أشُقَّ على أمَّتي لأحْبَبْتُ ألّا أتخلَّفَ عن سِريّةِ تخرُجُ في سبيل الله، ولكنِّي لا أجدُ ما أحمِلُهم عليه، ولا يِجدُون ما يتحمَّلون عليه فيخرُجُون، ويشُقُّ عليهم أن يتخَلَّفُوا بَعدي، فودِدْتُ أني أقاتلُ في سبيل الله فأُقْتَلُ، ثم أُحْيا فأُقْتَلُ، ثم أُحْيا فأُقْتَلُ". في هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الجهادَ ليس بفرضٍ مُعيَّن على كلِّ أحدٍ في خاصَّته، ولو كان فَرْضًا معيَّنا ما تخلَّفَ رسولُ الله ﷺ ولو شقَّ على أمَّتِه، والجهادُ عندَنا بالغزواتِ والسَّرايا إلى أرضِ العدوِّ فرضٌ على الكِفاية، فإذا قامَ بذلك مَن فيه كفايةٌ ونِكَايةٌ للعدوِّ سقَط عن المتخلِّفين، فإذا أظلَّ العدوُّ بلدةً مقاتلًا لها تعيَّنَ الفَرضُ على كلِّ أحدٍ حينئذٍ في خاصَّته على قَدْرِ طاقتِه خفيفًا وثقيلًا، شابًّا وشيخًا، حتى يكونَ فيمن يُكابدُ العدوَّ كفايةٌ بهم. ومن أوضَح شيء في أنَّ الجهادَ إلى أرض العدوِّ ليس بفرضٍ على الجميع قولُ الله : ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. وفي هذا إباحةُ القُعودِ والتخلُّف، وتفضيلُ المجاهدِ على القاعد، فصار الجهادُ فضيلةً لمن سبق إليه وقام به، لا فريضةً على الجميع.

стр. 8247

يحيى عن عبّادِ بن تميم حديثٌ واحدٌ حديثٌ سادسٌ وعشرونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالك (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبّادِ بنِ تَميم، أنَّ عُويمِرَ بنَ أشقرَ ذبَح أُضحيَّتَه قبلَ أن يغْدُو إلى المصلَّى، فذكر ذلك لرسولِ الله ﷺ ، فأمَره أن يعودَ بضَحيّةٍ أخرى. لم يُختلَف عن مالك في هذا الحديث (٢)، ورواه حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبّادِ بنِ تميم، عن عُويمر بنِ أشقَر، أنه ذبَح قبلَ أن يُصلِّي فأمَره النبيُّ ﷺ أن يُعيدَ (٣). قال أبو عُمر: ذكَر أحمدُ بنُ زهير (٤)، عن يحيى بنِ معين، أنَّ حديثَ عبّادِ بنِ تمَيم هذا عن عُوَيْمرِ بنِ أشقَرَ مرسلٌ. وأظُنُّ يحيى بنَ معين إنّما قال ذلك من أجل روايةِ مالك هذه، عن يحيى، عن عبّادِ بنِ تميم، أنَّ عُوَيْمرَ بنَ أشْقرَ ذبَح أضحيتَه. وظاهرُ هذا اللفظِ الانقطاعُ؛ لأنَّ عبّادَ بنَ تميم لا يجوزُ أنْ يَظُنَّ به أحدٌ من أهل العلم أنه أدرَك ذلك الوقت،

стр. 8248

ولكنّه ممكنٌ أن يُدرِكَ عُوَيْمرَ بنَ أشقر، فقد روَى هذا الحديثَ عبدُ العزيز الدَّراورديُّ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبّادِ بنِ تميم، أنَّ عُوَيْمرَ بنَ أشقرَ أخبَره، أنه ذبَح قبلَ الصلاة، وذكَر ذلك لرسولِ الله ﷺ بعدَما صلَّى، فأمَره أن يُعيدَ ضَحِيَّتَهُ (١). وهذه الروايةُ مع روايةِ حَمّادِ بنِ سَلَمةَ تدُلُّ على غَلَطِ يحيى بن معين، وقولُه في ذلك ظنٌّ لم يُصِبْ فيه (٢)، واللهُ أعلم. ولا خلافَ بينَ العلماءِ أنَّ مَن ذبَح أُضحيتَه قبل أنْ يَغدُو إلى المصلَّى ممن عليه صلاةُ العيد، فهو غيرُ مُضَحٍّ، وأنه ذبَح قبلَ وقتِ الذَّبْح، وكذلك مَن ذبَح قبلَ الصلاة، وإنما اختلَفوا فيمَن ذبَح بعدَ الصلاةِ وقبلَ ذبح الإمام، وقد ذكَرنا ذلك فيما تقدَّم من هذا الكتاب في باب يحيى، عن بُشَيرِ بنِ يسار (٣)، والحمدُ لله.

стр. 8249

يحيى بنُ سعيدٍ عن سعيدِ بنِ أبي سعيد حديثٌ سابعٌ وعشرونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المقبُريِّ، عن عبدِ الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أنه قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، إنْ قُتِلْتُ في سبيل الله صابرًا مُحتَسِبًا، مُقبلًا غيرَ مُدْبِر، أيُكفِّرُ اللهُ عنِّي خطاياي؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "نعم". فلمّا أدبَر الرجلُ ناداه رسولُ الله ﷺ ، أو أَمَر به فنُودي له، فقال رسولُ الله " ﷺ : "كيف قلتَ؟ ". فأعادَ عليه قوله، فقال له النبيُّ ﷺ : "نعم، إلا الدَّينَ، كذلك قال لي جبريلُ". هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، وتابَعه على ذلك جمهورُ الرواة لـ "الموطأ" عن مالك، وممّن تابعَه: ابنُ وَهْب (٢)، وابنُ القاسم (٣)، ومُطرِّفٌ، وابنُ بُكير (٤)، وأبو المُصعب (٥)، وغيرُهم (٦).

стр. 8250

ورواه مَعْنُ بنُ عيسى (١)، والقَعْنَبيُّ (٢)، جميعًا عن مالك، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد. لم يذكُرا يحيى بنَ سعيد، فاللهُ أعلم. وفي الممكنِ أن يكونَ مالكٌ قد سمِعه من يحيى، عن سعيد، ثم سمِعه من سعيد. وقد رواه الليثُ بنُ سَعْدٍ وابنُ أبي ذِئْب، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد. حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذئب والليثُ بنُ سَعْد، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن عبدِ الله بنِ أبي قتادة، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن قُتِل في سبيل الله صابرًا محُتسِبًا، مُقبِلًا غيرَ مُدْبر، كان ذلك تكفيرًا لخطاياه، إلا الدَّين، فإنه مأخوذٌ كما زعَم جبريل" (٤).

стр. 8251

في هذا الحديث أنَّ الخطايا تُكَفَّرُ بالأعمال الصالحةِ مع الاحتسابِ والنِّيةِ في العمل، وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "قَتلُ الصَّبرِ كفَّارَةٌ" (١). مُجمَلًا، وهذا عندي إنّما يكونُ لمن احتسَب كما جاء في هذا الحديث، أو يكونُ مظلومًا؛ فمَن قُتِل مظلومًا كُفِّرت خطاياه على كلِّ حال. وفيه دليلٌ على أنَّ أعمالَ البرِّ المُتَقبَّلاتِ لا تُكَفِّرُ من الذُّنوب إلا ما بينَ العبدِ وبينَ ربِّه، فأما تَبِعاتُ بني آدم، فلا بدَّ فيها من القِصاص، وقد ذكَرنا وجوهَ الذُّنوبِ المُكَفَّراتِ بالأعمالِ الصالحةِ في غير موضع من كتابنا هذا، والحمدُ لله. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال (٢): حدَّثنا هُدْبةُ ويزيدُ بنُ هارون، قالا: حدَّثنا همامٌ، قال: حدَّثنا

стр. 8252

القاسمُ بنُ عبدِ الواحد، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ محمدٍ يُحدِّثُ عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: بلَغني حديثٌ عن رجلٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، فابتَعتُ بعيرًا فقذَفْتُ عليه رَحْلي، ثم سِرتُ إليه، فسِرتُ إليه شهرًا حتى قدِمتُ الشام، فإذا عبدُ الله بنُ أُنيس الأنصاريُّ، فأتيتُ منزلَه، فأرسَلتُ إليه أنَّ جابرًا على الباب، فرجَع إليَّ الرسول، فقال: جابرُ بنُ عبدِ الله؟ فقلتُ: نعم. فرجَع إليه فخرَج فاعتنَقتُه واعتنَقني. قال: فقلتُ: حديثٌ بلَغني أنك سمِعتَه من رسولِ الله ﷺ في المظالم لم أسمَعْه. قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يَحشُرُ اللهُ العبادَ" - أو قال: الناسَ. شكَّ همّامٌ - وأوْمأ بيدَيه إلى الشام "عُراةً غُرْلًا بُهْمًا". قلنا: ما بُهْمًا؟ قال: "ليس معهم شيءٌ؛ فيُناديهم بصوتٍ يَسمَعُه مَن بَعُدَ ومَن قَرُبَ: أنا الملِكُ، أنا الدَّيّانُ، لا ينبغي لأحدٍ من أهلِ الجنةِ أنْ يَدخُلَ الجنةَ وأحدٌ من أهل النارِ يَطلُبُه بمَظْلِمة، ولا يَنبغي لأحدٍ من أهلِ النارِ أن يدخُلَ النارَ وأحدٌ من أهلِ الجنةِ يطلُبُه بمَظلِمة حتى اللَّطْمة". قال: قلنا: كيف، وإنّما نأتي اللهَ عُراةً حُفاةً غُرْلًا؟ قال: "بالحسَناتِ والسيِّئاتِ". حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو طالبٍ محمدُ بنُ زكريا بنِ يحيى المقدِسيُّ ببيتِ المقدس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ النعمانِ بنِ بشير، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُويس، قال: حدَّثني مالكٌ، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن كانت عندَه مَظلِمةٌ لأحدٍ فليَتَحلَّلْه، فإنّه ليس ثمَّ دينار

стр. 8253

ولا دِرهمٌ، من قبل أنْ يُؤخَذَ لأخيه من حسَناته، فإن لم تكنْ له حسناتٌ، أُخِذَ من سيِّئاتِه فطُرِحَتْ عليه" (١). وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ زيد. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ إسحاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج، قالا: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ يحيى المدَنيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن كانت عندَه مَظلِمَةٌ لأخيه"، فذكَر الحديث. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ إسحاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج، قال: حدَّثنا هانئُ بنُ متوكِّل من كتابِه سنةَ ثمانٍ وعشرينَ ومئتَين، قال: حدَّثني خالدُ بنُ حُميد، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هُريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "مَن كانت عندَه مَظلِمةٌ لأخيه من مالٍ أو عِرْض، فليَأتِه فليتَحَلَّلْه قبلَ أن يُؤخَذَ منه، وليس ثمَّ دينار ولا دِرهَمٌ، فإنْ كانت عندَه حسنات، وإلا أُخِذ من سيئاتِ صاحبِه فطُرِحت عليه" (٢). وذكَر ابنُ الجارود، قال: حدَّثنا أزهرُ بنُ زُفَرَ بنِ صَدَقةَ مولى خيرِ بنِ نعيم، قال: حدَّثني هانئ بنُ المتوكِّل، قال: حدَّثني خالدُ بنُ حُميد، عن مالكِ بنِ أنس،

стр. 8254

عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن كانت عندَه مَظلِمةٌ لأخيه في مالٍ أو عِرْض". فذكَر معناه. قال ابنُ الجارود: وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحسين (١)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه، أنه سمِع أبا هُريرة يقول: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "هل تَدرُون مَن المُقِلُّون؟ ". قالوا: يا رسولَ الله، المُقِلُّون فينا مَن لا درهمَ له ولا متاعَ له. فقال رسولُ الله ﷺ : "إن المقلِّين مَن يأتي يومَ القيامةِ بصيامٍ وصلاةٍ وزكاة، ويأتي قد شتَم عِرْضَ هذا، وأكَل مالَ هذا، وقذَف هذا، وضرَب هذا، فيَقعُدُ يومَ القيامة، فيُقتَصُّ هذا كلُّه من حسناتِه، فإن ذهَبتْ قبلَ أن يُقتَصَّ منه الذي عليه من الخطايا، أُخِذ من خطاياهم فتُطرَحُ عليه" (٢). ليس هذان الحديثان في "الموطأ" وهما من حديثِ مالك. حدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا أبو الفضل جعفرُ بنُ محمدِ بنِ يزيدَ الجوهَريُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ (٣) سلّام البغداديُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَر، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، عن أبيه، عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمة، عن أبيه، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "نفسُ المؤمنِ معلَّقةٌ بدَيْنِه حتى يُقْضى عنه" (٤).

стр. 8255

وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (١): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، عن أبيه، عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمة، عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "نفسُ المؤمنِ معلَّقةٌ بدَيْنِه حتى يُقضَى عنه". وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ دُكَين، قال: حدَّثنا سُفيانُ. قال أحمدُ بنُ زهير: وحدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن سُفيان، عن سَعْدِ بنِ إبراهيم، عن عُمرَ بنِ أبي سلَمة، عن أبيه، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "نفسُ المؤمنِ معلَّقةٌ ما كان عليه دَينٌ" (٢). قال أحمدُ بنُ زهير (٣): سُئِل يحيى بنُ معين عن هذا الحديث، فقال: هو

стр. 8256

صحيح. وسُئِل عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمة، فقال: ضعيفُ الحديث (١). وقال عليُّ بنُ المدينيِّ عن يحيى القطان: كان شُعبةُ يُضَعِّفُ عُمرَ بنَ أبي سَلَمة (٢). قال أبو عُمر: هذه الأحاديثُ تُفسِّرُ حديثَ هذا الباب. حدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، حدَّثنا ابنُ سَنجَرَ، قال: حدَّثنا حجّاجُ بنُ منهال، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، أخبرني عبدُ الملكِ أبو جعفر، عن أبي نَضْرة، عن سَعْدِ بنِ الأطول، قال: إنّ أخاهُ مات وترَك ثلاثَ مئةِ درهم، وترَك عِيالًا، قال: فأردتُ أنْ أُنفِقَها عليهم، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ أخاكَ محبوسٌ بدَيْنِه، فاقْضِ عنه". قال: فقضَيتُ عنه، ثم جئتُ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقلت: قد قضَيتُ عنه، ولم تبْقَ إلا امرأةٌ تدَّعي بدينارَيْن وليس لها بيِّنةٌ. فقال: "أعْطِها فإنها صادقةٌ" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله الخزاعيُّ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة. فذكَر بإسنادِه مثلَه سواء.

стр. 8257

وفي هذا الحديث؛ حديثِ هذا الباب معانٍ من الفقه؛ منها: أن الورثةَ لا يُنفَقُ عليهم ولا لهم ميراثٌ حتى يُؤدَّى الدَّينُ. وروَى إسماعيلُ بنُ جعفر (١)، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي كثيرٍ مولى محمدِ بنِ جَحْش، عن محمدِ بنِ جَحْش، قال: كنّا جلوسًا في موضع الجنائز مع النبيِّ ﷺ ، إذ رفَع رأسَه ثم نكَسَه، ثم وضَع راحتَه على جبهتِه وقال: "سُبحانَ الله، ماذا نزَل من التشديد؟ ". فسكَتْنا وفَرِقْنا، فلمّا كان من الغد، سُئل رسولُ الله ﷺ : ما هذا التشديدُ الذي نزل؟ قال: "في الدَّيْن، والذي نفسي بيدِه، لو أن رجلًا قُتِل في سبيلِ الله ثم أُحْييَ، ثم قُتِل ثم أُحْييَ، ثم أُحْيي ثم قُتِل وعليهْ دَيْنٌ، ما دخَل الجنّةَ حتى يُقضَى عنه". هكذا ذكَره ابنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفر، قال: أخبرَنا العلاءُ بن عبدِ الرحمن. فذكَره. ورواه أنسُ بنُ عياض، عن محمدِ بنِ أبي يحيى، عن أبي كثيرٍ مولى الأشجَعيِّين، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ عبدِ الله بنِ جَحْش - وكانت له صُحبةٌ -

стр. 8258

يقول: إنَّ رسولَ الله ﷺ أتاه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، ما لي إن قاتلتُ في سبيلِ الله حتى أُقتَلَ؟ قال: "الجنة". فلمّا ولَّى الرجلُ قال رسولُ الله ﷺ : "كِرُّوه عليَّ". فلمّا جاءه قال: "إنَّ جبريلَ قال: إلا أن يكونَ عليه دَيْنٌ" (١). وروَى سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا المباركُ بنُ فَضالة، عن كثيرٍ أبي محمد، عن البَرَاء، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "صاحبُ الدَّينِ مأسورٌ يومَ القيامةِ يَشْكُو إلى الله الوَحْدَة" (٢). قال أبو عُمر: كثيرٌ أبو محمد: هو كثيرُ بنُ أعينَ المراديُّ، بصْريٌّ. ومنها: أنَّ المرءَ يُحبَسُ عن الجنّةِ من أجل دَيْنِه حتى يقعَ القِصاص. ومنها: أنَّ القضاءَ عن الميتِ بعدَه في الدنيا ينفَعُ الميتَ في الآخرة. ومنها: أنَّ الميتَ إنما يُحبَسُ عن الجنةِ بدَينِه إذا كان له وفاءٌ ولم يُوصِ به ولم يُشهِدْ عليه، والوصيةُ بالدَّيْنِ فرض عندَ الجميع إذا لم تكن عليه بينةٌ؛ فإذا لم يُوصِ به كان عاصيًا، وبعصيانِه ذلك يُحبَسُ عن الجنَّة، واللهُ أعلم. وفي قوله في هذا الحديث: "أعْطِها فإنها صادقةٌ" دليلٌ على أن الحاكمَ يَقضي بعِلْمِه، وقد تكلَّمنا على هذا المعنى في غير هذا الموضع، والدَّيْنُ الذي يُحبَسُ به

стр. 8259

صاحبُه عن الجنة، واللهُ أعلم، هو الذي قد ترَك له وفاءً ولم يُوصِ به، أو قدَر على الأداءِ فلم يؤدِّ، أو ادَّانَهُ في غيرِ حقٍّ أو في سَرَفٍ ومات ولم يُؤدِّه. وأمّا مَن ادَّان في حقٍّ واجبٍ لفاقةٍ وعُسْرةٍ ومات ولم يترُكْ وفاءً؛ فإن اللهَ لا يَحبِسُه به عن الجنّةِ إن شاء الله؛ لأنَّ على السلطانِ فرضًا أن يُؤدِّيَ عنه دَينَه، إما من جملةِ الصدَقات، أو من سَهْم الغارِمينَ، أو من الفَيء الراجع على المسلمين من صنوف الفَيء. وقد قيل: إنَّ قولَ رسولِ الله ﷺ وتشديدَه في الدَّين، كان من قَبل أن يَفتَحَ اللهُ عليه ما يَجيءُ (١) منه الفَيءُ والصدقاتُ لأهلِها. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّد، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن بُدَيل، عن عليِّ بنِ أبي طلحة، عن راشدِ بنِ سَعْد، عن أبي عامر الهَوزَنيِّ، عن المِقْدام الكِنديِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أنا أوْلى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه، مَن ترَك دَيْنًا أو ضَيعةً فإليَّ، ومَن ترَكَ مالًا فلِوَرَثتِه"، وذكَر تمامَ الحديث (٢). حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا مُطَّلبُ بنُ شُعيب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثني عُقيلٌ، عن ابنِ شهاب، قال: أخبَرني أبو سَلَمة، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أنا أوْلى بالمؤمنين

стр. 8260

من أنفسِهم، فمَن تُوفِّي من المسلمين فترَك دَيْنًا فعلَيَّ قضاؤُه، ومَن ترَك مالًا فلورثتِه" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارث قراءةً منِّي عليه، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ إبراهيمَ دُحَيْمٌ، قال: حدَّثنا الوليدُ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا دُعِيَ إلى رجلٍ من المسلمينَ ليُصَلِّي عليه، أقبَل على أصحابه فقال: "هل ترَك من دَيْن؟ ". فإن قالوا: نعم. قال: "فهل ترَك من وفاء؟ ". فإن قالوا: لا. قال: "صَلُّوا على صاحبكم". فلمّا فتَح اللهُ على رسولِه الفتوح، قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسِهم، مَن ترَك دَيْنًا أو ضَياعًا فعلى الله ورسولِه، ومَن ترَك مالًا فلورثتِه" (٢). وعند سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المقبُريِّ في هذا حديثٌ آخرُ في هذا المعنى: أخبَرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: أخبَرنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ منصور، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجرَ، قال: حدَّثنا يعلى بنُ عُبيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَمْرو، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن عبدِ الله بنِ أبي قتادة، عن أبيه، قال: أُتي رسولُ الله ﷺ بجنازةٍ ليُصَلِّي عليها، فقال: "أعَلَيهِ دَيْنٌ؟ "

стр. 8261

قالوا: نعَمْ ديناران، فقال: "أترَكَ لهما وفاءً؟ " قالوا: لا، قال: "صَلُّوا على صاحبِكُم" قال أبو قتادة: هما عليَّ يا رسولَ الله، قال: فصلّى عليه النبيُّ ﷺ (١). وفي قولِه ﵇: "كذلك قالَ لي جبريلُ" دليلٌ على أنّ منَ الوَحْيِ ما يُتْلى وما لا يُتْلى، وما هو قُرآنٌ وما ليسَ بقُرآن. وقالت طائفةٌ من أهل العلم بالقُرآن في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. قالوا: القرآنُ: آياتُ الله، والحِكْمة: سُنةُ رسولِ الله ﷺ (٢). قال أبو عُمر: وكلٌّ منَ الله، إلّا ما قام عليه الدّليلُ، فإنّه لا ينْطِقُ عن الهوى ﷺ ، وشرَّف وكَرَّم.

стр. 8262

يحيى عن عَمْرِو بنِ كثير حديثٌ ثامنٌ وعشرونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ كثيرِ بنِ أفلح، عن أبي محمدِ مولى أبي قتادة، عن أبي قتادةَ بنِ رِبْعيٍّ، أنه قال: خرَجنا مع رسولِ الله ﷺ عامَ حُنين، فلمّا التقَيْنا كانت للمسلمينَ جولةٌ. قال: فرأيتُ رجلًا منَ المشركينَ قد علا رجلًا من المسلمين. قال: فاستدَرتُ له حتى آليتُه من ورائِه، فضربتُه بالسيفِ على حبلِ عاتقِه، فأقبلَ عليَّ فضَمَّني ضمَّةً وجَدتُ منها ريحَ الموت، ثم أدرَكَه الموتُ فأرسلَني. قال: فلقِيتُ عُمرَ بنَ الخطاب، فقلت: ما بالُ الناس؟ فقال: أمرُ الله. ثم إن الناسَ رجَعوا، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَن قتَل قتيلًا له عليه بيَّنةٌ فلَهُ سَلَبُه". قال: فقمتُ ثم قلت: مَن يَشهدُ لي؟ ثم جلَستُ، ثم قال (٢): "مَن قتَل قتيلًا له عليه بيِّنةٌ فله سَلَبُه". قال: فقُمتُ ثم قلت (٣): من يَشهَدُ لي؟ ثم جلَستُ (٤)، ثم قال ذلك الثالثة، فقمتُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما لكَ يا أبا قتادة؟ ". فاقتصَصْتُ عليه القِصَّة، فقال رجلٌ من القوم: صدَق يا رسولَ الله، وسَلَبُ ذلك القتيلِ عندي، فأرْضِه منه يا رسولَ الله. فقال أبو بكر: لا ها الله إذن لا يَعمِدُ إلى أسدٍ من أُسْدِ الله يُقاتلُ عن الله وعن رسويه فيُعطيك سَلَبَه. فقال رسولُ الله ﷺ : "صدَق، فأعطِه (٥) إيّاه". فأعطانيه، فبِعْتُ الدِّرْعَ فاشترَيْتُ به مَخرَفًا في بني سَلَمة، فإنّه لأوَّلُ مالٍ تأثَّلْتُه في الإسلام.

стр. 8263

هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث: عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ كثير. وتابعَه قومٌ (١)، وقال الأكثرُ: عُمرُ بنُ كثيرِ بنِ أفلح. وقال الشافعيُّ (٢): عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن ابنِ كثيرِ بنِ أفلحَ. ولم يُسَمِّه. والصوابُ فيه عن مالك: عُمرُ بنُ كثير. وكذلك قال فيه كلُّ مَن رواه عن يحيى بنِ سعيد؛ منهم ابنُ عُيينة (٣)، وحفصُ بنُ غِياث. وقال البخاريُّ (٤) والعُقَيليُّ: عُمرُ بنُ كثيرِ بنِ أفلح، مدنيٌّ، روَى عنه ابنُ عَجْلانَ وغيرُه. وقال عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل (٥): سألتُ أبي عن عُمرَ بنِ كثيرِ بنِ أفلحَ، فقال: هذا مولى أبي أيوب، روَى عنه ابنُ عون. وذكَر البخاريُّ (٦) والعُقيليُّ في باب عَمْرو: عَمْرُو بنُ كثيرِ بنِ أفلحَ، مدنيٌّ، روَى عنه ابنُ أبي فُدَيكٍ وعثمانُ بنُ اليمان. قال أبو عُمر: عَمْرُو بنُ كثيرِ بنِ أفلحَ الذي روَى عنه ابنُ أبي فُديكٍ ليس هو عُمرَ الذي روَى عنه يحيى بنُ سعيد، وإنما الذي روَى عنه يحيى بنُ سعيدٍ هو الذي

стр. 8264

روَى عنه ابنُ عَجلانَ وغيرُه، وهو الذي روَى عنه ابنُ عون، وهو من التابعين ممّن لقيَ ابنَ عُمرَ وأنسَ بنَ مالك، وهو كبيرٌ، أكبرُ من عَمْرِو بنِ كثير، وأظنُّهما أخوَين، ولكنَّ عُمرَ بنَ كثيرِ بنِ أفلحَ أجلُّ من عَمْرِو بنِ كثيرِ بنِ أفلحَ وأشهر، وهو الذي في "الموطأ"، وليس لعَمْرِو بنِ كثيرٍ في "الموطأ" ذِكرٌ إلا عندَ من لم يُقِم (١) اسمَه وصحَّفه. وأمّا أبو محمدٍ مولَى أبي قتادة، فمن كبارِ التابعين، واسمُه نافع (٢)، يُعرَفُ بالأقرَع، وقد روَى عنه ابنُ شهاب، وحَسْبُك، وروَى عنه صالحُ بنُ كَيْسانَ وجماعةٌ من الجِلَّة. وأمّا أبو قتادةَ الأنصاريُّ، فاسمُه الحارثُ بنُ رِبْعيٍّ (٣)، على اختلافٍ قد ذكَرناه في كتاب "الصحابة" (٤)، وكان يقال له: فارسُ رسولِ الله ﷺ . ولم يقل ذلك لغيرِه، كما قيل لخالدِ بنِ الوليد: سيفُ الله. وكان أبو قتادةَ من شُجعانِ فرسانِ الصحابةِ ﵃. وروايةُ ابنِ عُيينةَ لهذا الحديثِ مختصَرَةٌ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عُمرَ بنِ كثيرِ بنِ أفلح، عن أبي محمد، عن أبي قتادة: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَفَّلَه سَلَبَ قتيلِه (٥).

стр. 8265

وأما مالكٌ، فساقَه سِياقةً حسَنةً، وكان حافظًا ﵀. وروَى هذا الحديثَ حَمّادُ بنُ سَلَمة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال يومَ حُنين: "مَن قتَل كافرًا فلَهُ سَلَبُه". فقتَل أبو طلحةَ عشرينَ قتيلًا، وأخَذ أسْلابَهم، وقال أبو قتادة: يا رسولَ الله، إنِّي ضرَبتُ رجلًا على حِبالِ العاتقِ وعليه دِرْعٌ، فأُعْجِلْتُ عنها أن آخُذَها، فانظُرْ مع مَن هي؟ فقام رجلٌ فقال: أنا أخَذتُها، فأرْضِه منها أو أعْطِنيها. فسكَت رسولُ الله ﷺ ، وكان لا يُسألُ شيئًا إلا أعطاهُ أو سكَتَ. فقال عُمرُ: لا يَنزِعُها من أسدٍ من أُسدِ الله ويُعطيكَها. فضحِكَ رسولُ الله ﷺ وقال: "صدَق عمرُ" (١). وفي حديثِ أبي قتادةَ هذا من الفقه: معرفةُ غَزاةِ حُنين، وذلك أمرٌ يُستَغْنى بشُهرتِه عن إيرادِه، ولولا كراهتُنا التطويلَ لذكَرْنا هنا خبرَ تلك الغَزاة، وقد ذكَرنا ذلك في كتاب "الدُّرَر في اختصارِ المغازي والسِّير" (٢). وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أن المُسلمين هُزِموا يومَ حُنين، وأنهم كانت لهم الكَرَّةُ بعدُ والظَّفَرُ والغَلَبةُ، والحمدُ لله، وقال اللهُ : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦]. وفيه دليلٌ على موضع أبي قتادةَ من النَّجْدةِ والشجاعة. وفيه أن السَّلَبَ للقاتل، وهذا موضعٌ اختلَف فيه السلفُ والخلفُ على وجوهٍ نذكرُها إن شاء الله، ولهذه النُّكتةِ وهذا المعنى جُلِبَ هذا الحديثُ ونُقِل؛

стр. 8266

فجملةُ مَذْهب مالكٍ أنه لا يُنَفَّلُ إلا بعدَ إحرازِ الغنيمة، وقد ذكَرنا حكمَ النَّفَل في مذهبِه ومذهبِ غيرِه في باب نافع من هذا الكتاب (١). قال مالك (٢): وإنما قال النبيُّ ﷺ : "مَن قتَل قتيلًا وله عليه بيِّنةٌ فله سَلَبُه". بعدَ أن برَدَ القتالُ يومَ حُنين، ولم يُحفَظْ عنه ذلك في غير يوم حُنين. قال (٣): ولا بلَغَني فِعْلُه عن الخليفتين، فليس السَّلَبُ للقاتل حتى يقولَ ذلك الإمام، والاجتهادُ في ذلك إلى الإمام. وقال ابنُ أبي زيد: ظاهرُ حديثِ أبي قتادةَ هذا يدُلُّ على أن ذلك حكمٌ فيما مضَى، ولم يُرِدْ به رسولُ الله ﷺ أن يكونَ أمرًا لازمًا في المستقبل؛ لأنه أعطاه السَّلبَ بشهادةِ رجُلٍ واحدٍ بلا يمين، ويُخَرَّجُ ذلك على الاجتهادِ من الخُمُس إذا رأى ذلك الإمامُ مصلحة، والاجتهادُ فيه مُؤتَنَفٌ. قال أبو عُمر: بل أعطاه إيّاه واللهُ أعلم؛ لأنه أقرَّ له به مَن كان قد حازَه لنفسِه في القتال، ثم أقرَّ أن أبا قتادةَ أحقُّ بما في يدَيه منه، فأُمِر بدَفْع ذلك إليه. قال مالكٌ (٤): والسلَبُ من النَّفَل، والفرسُ من النَّفَل - وكذلك قال ابنُ عباس (٥) - ولا نفَلَ في ذهبٍ ولا فضّة، ولا نفَلَ إلا من الخُمُس، ويكونُ في أولِ مَغْنَم وآخرِه على الاجتهاد. وكرِه مالكٌ أن يقولَ الإمام: مَن أصاب شيئًا فهو له.

стр. 8267

وكرِه أن يَسْفِكَ أحدٌ دمَه على هذا، وقال: هو قتالٌ على جُعْل. وكرِه للإمام أن يقول: مَن قاتَل فله كذا، ومن بلَغ موضِعَ كذا فله كذا، ومن قتَل قتيلًا فله كذا، أو نصفُ ما غنِم. قال: وإنما نفَّل النبيُّ ﷺ بعدَ القتال (١). هذا جملةُ مذهبِ مالكٍ في هذا الباب، ومذهبُ أبي حنيفةَ والثوريِّ نحوُ ذلك (٢). واتَّفق مالكٌ، والثوريُّ، وأبو حنيفة، على أن السَّلَبَ من غنيمةِ الجيشِ حكمُه كحكم سائرِ الغنيمة، إلا أن يقولَ الأمير: مَن قتَل قتيلًا فله سلَبُه. فيكونَ حينئذٍ له. وقال الأوزاعيُّ، والليثُ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور، وأبو عُبيد (٣): السلَبُ للقاتلِ على كلِّ حال، قال ذلك الأميرُ أو لم يَقُلْه. إلا أنَّ الشافعيَّ قال (٤): إنما يكونُ السلَبُ للقاتل إذا قتَل قتيلَه مُقبِلًا عليه، وأما إذا قتَله وهو مُدبِرٌ عنه فلا سَلَب له. وقال الأوزاعيُّ ومكحولٌ (٥): السَّلَبُ مَغْنَمٌ ويُخمَّسُ. قال الشافعيُّ (٦): يُخمَّسُ كلُّ شيءٍ من الغنيمةِ إلا السَّلَبَ فإنه لا يُخمَّسُ. وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبل والطبريِّ. واحتجُّوا بقولِ عُمرَ بنِ الخطاب: كنا لا نُخمِّسُ السَّلَبَ على عهدِ رسولِ الله ﷺ . ذكر عبدُ الرزاق (٧)، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن ابنِ سيرينَ قال: بارَز

стр. 8268

البراءُ بنُ مالكٍ أخو أنس بن مالك مَرْزُبانَ الزَّأرر فقتَلَه (١)، وأخَذ سَلَبَه فبلغَ سَلَبه ثلاثين ألفًا، فبلَغ ذلك عُمرَ بنَ الخطاب، فقال لأبي طلحة: إنّا كنّا لا نُخمِّسُ السَّلَبَ، وإنّ سلَبَ البراءِ قد بلغَ مالًا كثيرًا، ولا أُرانا إلّا خامِسِيه. وذكر ابنُ أبي شيبة (٢)، عن عيسى بنِ يونس، عن ابنِ عَوْنٍ وهشام بنِ حَسّان، عن ابنِ سيرين، عن أنسِ بنِ مالك: أن البراءَ بنَ مالكٍ حمل على مَرْزُبانِ الزَّأرَة، فطعَنه طعنةً دقَّ قَرَبُوسَ سَرْجِه (٣)، وقتَله وسلَبَه. فذكَر معنى ما تقدَّم. قال محمدُ بنُ سيرين: فحدَّثني أنسُ بنُ مالك أنه أولُ سَلَبٍ خُمِّسَ في الإسلام. وقال إسحاق (٤): بهذا أقولُ؛ إذا استكثَر الإمامُ السلَبَ خَمَّسه وذلك إليه. وقد حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفضلُ بنُ الحُباب القاضي، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، قال: حدَّثنا عِكْرمةُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُبيدِ بنِ عُمير: أنَّ. عُمرَ بنَ

стр. 8269

الخطاب بعَث أبا قتادةَ فقتَل مَلِكَ فارسَ بيَدِه، وعليه مِنطَقةٌ ثمنُها خمسةَ عشرَ ألفَ درهم، فنفَّله عُمرُ إيّاها (١). وذكَر ابنُ أبي شيبة (٢)، عن عبدِ الرحيم بنِ سُليمان، عن حَجّاج، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ قال: قال لي عُمر: بلَغني أنك بارزْتَ دِهْقانًا (٣) وقتَلْتَه. قلت: نعم. فأعجبَه ذلك ونَفَّله سَلَبَه. قال أبو عُمر: أحسنُ شيءٍ في هذا ممّا يُحتجُّ به مرفوعًا ما حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمد (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا سعيدُ بنُ منصور قال (٦): أخبرنا إسماعيلُ بنُ عيّاش، عن صفوانَ بنِ عَمْرو، عن عبدِ الرحمن بنِ

стр. 8270

جُبيرِ بنِ نُفير، عن أبيه، عن عوفِ بنِ مالك الأشجعيِّ وخالدِ بنِ الوليد: أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى بالسَّلَبِ للقاتل ولم يُخَمِّسِ السلَبَ. وقال محمدُ بنُ جرير: مَن قتَل قتيلًا كان له سلَبُه، نادَى به الإمامُ أم لم ينادِ، مُقبِلًا قتلَه أو مُدْبرًا، هارِبًا أو مُبارِزًا، إذا كان في المعركة، وليس سبيلُ السلَبِ سبيلَ النفَل؛ لأنَّ النَّفَلَ لا يكونُ إلا بعدَ أن يتقدَّمَ للإمام به قولٌ. قال أبو عُمر: روَى عبدُ الرزاق (١) ومحمدُ بنُ بكر (٢)، عن ابنِ جُريج، قال: سمِعتُ نافعًا مولى ابنِ عُمرَ يقول: لم نزَلْ نسمَعُ: إذا التقَى المسلمون والكفار، فقتَل رجلٌ من المسلمين رجلًا من الكفار، فإنَّ سلَبَه له، إلا أن يكونَ في مَعْمَعَةِ القتال، فإنه لا يُدْرَى حينئذٍ مَن قتَل قتيلًا. وظاهرُ هذا الحديثِ يَرُدُّ قولَ الطبريِّ، لاشتراطِه في السلَبِ القتْلَ في المعركةِ خاصة. وقال أبو ثَوْر (٣): السَّلَبُ لكلِّ قاتل، في معركةٍ كان أو غيرِ معركة، في الإقبالِ والإدبار، والهروب والانتهار، على كلِّ الوجوه. واحتجَّ قائلو هذه المقالةِ بعموم قولِ رسولِ الله ﷺ : "مَن قتَل قتيلًا فله سلَبُه". لم يَخُصَّ حالًا من حال، واحتجُّوا أيضًا بخبرِ سَلَمةَ بنِ الأكوع.

стр. 8271

قال أبو عُمر: ليس في خبرِ سَلَمةَ بنِ الأكوع حُجَّةٌ لأبي ثورٍ ولا لغيرِه على الشافعيِّ؛ لأنَّ سَلَمةَ لم يقتُلْه إلا مُلاقيًا ومُتحيِّلًا في قَتْلِه مُغافِصًا له (١)، وقد قيل: إنه بارَزَه. وأخبرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا عِكْرمةُ بنُ عمّار، قال: حدَّثني إياسُ بنُ سَلَمة، قال: حدَّثني أبي سَلَمةُ بنُ الأكوع قال: غزَوْنا مع رسولِ الله ﷺ هوازِن. قال: فبينَما نحن قُعودٌ نتضَحَّى (٢)، إذ جاء رجلٌ على جمل أحمر، فانتزَع طلَقًا من حَقَب البعير (٣)، فقيَّد به بعيرَه، ثم جاء يمشي حتى قعَد معنا يتغدَّى، فنظَر في القوم، فإذا في أظهُرِهم رِقَّةٌ، وأكثرُهم مُشاة، فلمّا نظَر إلى القوم خرَج فانطلَق يَعْدُو، فأتى بعيرَه فقعَد عليه، فخرَج يُرْكِضُه، وهو طليعةٌ للكفار، فاتَّبعَه رجلٌ منّا من أسلمَ على ناقةٍ له ورقاء (٤). قال إياسٌ: قال أبي: فاتَّبعتُه أعدُو. قال: والناقةُ عندَ وَرِكِ الجمل، فلحِقتُه فكنتُ عند وَرِكِ الناقة، ثم تقدَّمتُ حتى كنتُ عندَ وَرِكِ الجمل، ثم تقدَّمتُ حتى آخُذَ بخِطام البعير، فاخترَطتُ سيفي، فضرَبتُ رأسَه فندَر (٥)، ثم جئتُ بناقتِه أقودُها،

стр. 8272

عليها سلَبُه، فاستقبَلني رسولُ الله ﷺ مع الناس، فقال: "مَن قتَل الرجلَ؟ ". قالوا: ابنُ الأكوع. قال: "لك سلَبُه أجمعُ" (١). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصير وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا وَكيعٌ، عن أبي العُمَيْس، عن إياسِ بنِ سَلَمة، عن أبيه: أنه بارَز رجلًا فقتَله، فنفَّله النبيُّ ﷺ سلَبَه. واحتجَّ أصحابُ (٤) الشافعيِّ لمذهبهم في أن القاتلَ لا يستحِقُّ سلَبَ قتيلِه إلا أن يَقتُلَه مُقْبِلًا، بأشياءَ يطُولُ ذكرُها، أحسنُها عندي ما ذكَرَه أبو العباسِ بنُ سُرَيْج، قال: ليس الحديث: "مَن قتَل قتيلًا فلَه سلَبُه". على عمومِه؛ لاجتماع العلماءِ على أن مَن قتَل أسيرًا أو امرأةً أو شيخًا أنه ليس له سلَبُ واحدٍ منهم، وكذلك مَن ذفَّف (٥) على جريح، أو قتَل مَن قد قُطِعَتْ يَداهُ ورِجْلاهُ. قال: وكذلك المنهزمُ لا يَمتنِعُ في انهزامِه، وهو كالمَكتوف، فعُلِم بذلك أن الحديثَ إنما جَعَل السَّلَبَ لمَن لقَتْلِه معنًى زائدٌ، ولمَن في قتْلِه فضيلةٌ، وهو القاتلُ في

стр. 8273

الإقبال؛ لِمَا في ذلك من المؤْنَة، ولم يكنْ مخرَجُ الحديثِ إلا على مَن في قتلِه مُؤْنةٌ وله شَوْكةٌ، وأما مَن أُثخِن فلا، ولو كان كما زعَموا، كان الذي أثخَنه أوْلى بسَلَبِه وليس بقاتل، والسلَبُ إنما هو للقاتل علي المعنى الذي وصَفنا، واللهُ أعلم. هذا معنَى قولِه (١). وقال المُزنيُّ (٢) عن الشافعيِّ: الغنيمةُ كلُّها مقسومةٌ على ما وصَفْنا، إلا السلَبَ للقاتل في الإقبال، قال ذلك الإمامُ أو لم يَقُلْه؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ نفَّل أبا قتادةَ يومَ حُنينٍ سلَبَ قتيلِه، وما نفَّله إيّاه إلا بعدَ تقَضِّي الحرب، ونفَّل محمدَ بنَ مسلمةَ سلَبَ مَرحَبٍ يومَ خيبر، ونفَّل يومَ بدرٍ عددًا أسلابًا، ويومَ أُحدٍ رجلًا أو رجلين أسلابَ قتلاهم. قال: وما علِمتُه ﷺ حضر مَحضَرًا فقتَل رجلٌ قتيلًا في الإقبالِ إلا نفَّله سلَبَه. قال: ولقد فعَل ذلك بعدَ النبيِّ ﷺ أبو بكرٍ وعمرُ. قال أبو عُمر: أمّا قولُ رسولِ الله ﷺ يومَ حُنين: "مَن قتَل قتيلًا فلَه سلَبُه" فمحفوظٌ من روايةِ الثقاتِ غيرُ مُختلَفٍ فيه. وأما قولُه ذلك يومَ بدرٍ وأُحُدٍ، فأكثرُ ما يُوجَدُ ذلك من روايةِ أهل المغازي، وقد رُوِيَ من حديثِ أهل السِّيرِ وغيرهم أن سَعْدَ بنَ أبي وَقّاص قتَل يومَ بدرٍ سعيدَ بنَ العاص وأخَذ سيفَه، فنفَّله رسولُ الله ﷺ إيّاه حتى نزلَت سورة "الأنفال" (٣).

стр. 8274

وأن الزُّبيرَ بنَ العوّام بارزَ يومئذٍ رجُلًا فقَتَله، فنفَّلَه رسولُ الله ﷺ سلَبَه (١). وأن ابنَ مسعودٍ نفَّله رسولُ الله ﷺ يومئذٍ سيفَ أبي جهل (٢).

стр. 8275

أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك قال: قال رسولُ الله ﷺ يومئذٍ، يعني يومَ حُنين: "مَن قتَل كافرًا فله سلَبُه". فقتَل أبو طلحةَ يومئذٍ عشرين رجلًا وأخَذ أسلابَهم، ولقيَ أبو طلحةَ أمَّ سُليم ومعها خَنْجَرٌ، فقال: يا أُمَّ سُليم، ما هذا معك؟ قالت: أردتُ والله إن دنا منّي بعضُهم أن أبعَجَ به (٣) بطنَه. فأخبَر بذلك أبو طَلْحةَ رسولَ الله ﷺ . حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٤): حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ الماجِشون، قال: حدَّثني صالحُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوف، عن أبيه، عن جدِّه عبدِ الرحمن بنِ عوف: أنَّ النبيَّ ﷺ قضَى أن السلَبَ للقاتل. قال أبو عُمر: حديثُ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ هذا أصلُه يومَ بدر. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ عبدِ الله الأُوَيْسيُّ، قال: حدَّثني يوسفُ بنُ الماجِشون، عن صالح بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوف، عن أبيه،

стр. 8276

عن عبدِ الرحمن بنِ عوف، قال: إني لواقفٌ يومَ بدر، فنظَرتُ عن يَميني وشمالي، فإذا أنا بينَ فَتيَين من الأنصار حديثةٌ أسنانُهما، فتمنَّيتُ أن أكونَ بين أضْلَعَ منهما (١)، فعرَفني أحدُهما فقال: يا عمِّ، أتعرِفُ أبا جَهْل؟ قال: قلت: نعم، فما حاجتُكَ إليه يا ابنَ أخي؟ قال: أُخبِرتُ أنه يسُبُّ رسولَ الله ﷺ ، والذي نفسي بيَدِه، لئن رأيتُه لا يُفارقُ سوادي سوادَه حتى يموتَ الأعجلُ منّا. قال: فتعجَّبتُ من ذلك. قال: وغمَزني الآخَرُ فقال مثلَها، فلم أنشَبْ (٢) أن رأيتُ أبا جَهْل يَجولُ في الناس، فقلت لهما: ألا تريان؟ هذا هو صاحبُكما الذي تسألاني عنه. فابتَدَراهُ فضرَباهُ بسيفَيْهما حتى قتلاهُ، ثم انصرَفا إلى رسولِ الله ﷺ فأخبَراه، فقال رسولُ الله ﷺ : "أيكما قتَله؟ ". قال كلُّ واحدٍ منهما: أنا قتلتُه. قال: "فهل مَسَحْتُما سيفَيْكما؟ ". قالا: لا. فنظَر رسولُ الله ﷺ إلى سيفَيْهما، فقال: "كِلاكُما قتَلَه". وقضَى بسلَبِه لمُعاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوح. والآخرُ معاذُ بنُ عفراء (٣). وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا يوِسفُ بنُ يعقوبَ الماجشون، قال: حدَّثني صالحُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوف، عن أبيه، عن جدِّه قال: بينما أنا واقفٌ في الصفِّ يومَ بدر. فذكَر مثلَه سواءً إلى آخرِه (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارث (٥)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ مُعاوية، حدَّثنا وَكيعٌ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ وأبي، عن أبي إسحاق،

стр. 8277

عن أبي عُبيدة قال: قال عبدُ الله: انتهَيْتُ إلى أبي جَهْل يومَ بدرٍ وقد ضُرِبتْ رجلُه وهو صريعٌ، وهو يذُبُّ الناسَ عنه بسيفِه. فذكر قصةً، قال: فأخذتُ سيفَه فضرَبتُه حتى برَد. وزاد فيه أبي، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عبدِ الله: فنفَّلني رسولُ الله ﷺ سيفَه (١). واحتجَّ بهذه الآثار مَن قال: إن السلَبَ للقاتل على كلِّ حال، نادَى به الإمامُ أم لم يُنادِ. ولا حُجَّةَ في ذلك؛ لأنَّ ذلك كان فيما ذكَروا قبل نُزول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. واحتجَّ مَن جعَل ذلك إلى الإمام، وأنه أمرٌ ليس بلازم إلّا أن يَجتهِدَ في ذلك الإمامُ ويُناديَ به على حسبِ ما يراه، وأن له منعَ القاتل منَ السلَب، وله إعطاؤُه على حسَبِ ما يؤدِّيه إليه اجتهادُه - بما حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمّد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٤):
следующие страницы →