← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 853–892 · переход к 858.

стр. 853

وروَاه زهيرُ بن محمدٍ، عن سهيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن زيدِ بن ثابتٍ. وهو خطأ، والصواب: عن أبيه، عن أبي هريرة. أخبَرنا أحمدُ بن عبد الله، قال: حدَّثنا الميمونُ بن حمزةَ بن عبد الله الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمد بن سلامةَ أبو جعفرٍ الطحاويُّ، قال (١): حدَّثنا بحرُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بن الحكم، عن زهيرِ بن محمدٍ، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن زيدٍ بن ثابتٍ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قضَى باليمين مع الشاهد. قال الطحاويُّ: سألني عنه النَّسَائيُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عيسى وبحرُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْبٍ، عن عثمانَ بن الحكم المدنيِّ، عن زهيرِ بن محمدٍ، عن سُهيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن زيدِ بن ثابتٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. قال أبو عُمر: زهيرُ بن محمدٍ (٢) عندَهم سيِّئُ الحفظِ، كثيرُ الغلطِ، لا يُحتَجُّ به، وعثمانُ بن الحكم (٣) ليس بالقويِّ، والصوابُ في حديث سهيل: عن أبيه، عن أبي هريرة، وباللّه التوفيقُ. وقد روَاه حمادُ بن سلمَةَ، عن سهيلٍ، وهو غريبٌ من حديث (٤) حمادٍ.

стр. 854

أخبَرنا خلفُ بن القاسم وعليُّ بن إبراهيمَ، قالا: أخبَرنا الحسنُ بن رَشيقٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن القاسم بن محمدِ بن عبد الرزاقِ الجُمَحيُّ بمكة، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمد بن أبي بزَّةَ المُؤذِّنُ، قال: حدَّثنا المُؤمَّلُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمادُ بن سلمةَ، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قضَى رسولُ الله ﷺ باليمين مع الشاهد (١). قال أبو عُمر: لا أعلَمُه رُوي عن حمادِ بن سلمةَ بغير هذا الإسناد، وهو غير محفوظٍ من حديث حماد بن سلمةَ، واللّه أعلمُ. وقد رُوِي عن أبي هريرةَ من غير حديث سهيلٍ (٢). أخبَرنا أبو محمد إسماعيلُ بن عبد الرحمن القرشيُّ، قال: أخبَرنا أبو الحسن محمد بن العباس الحَلَبيُّ، قال: أخبَرنا أبو بكرٍ محمدُ بن عبدِ الله الطائيُّ بحِمْصَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عوفٍ الطائيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، قال: حدَّثنا المغيرةُ بن عبد الرحمن، عن أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد (٣). قال ابن المبارك: وحدَّثنا الدَّراورديُّ، عن محمد بن عَجلانَ، عن أبي الزناد، أنّ عمرَ بن عبد العزيز وشُريحًا قضَيَا باليمينِ مع الشاهد (٤).

стр. 855

قال أبو عُمر: المغيرةُ بن عبد الرحمن انفرَدَ برواية هذا الحديث عن أبي الزنادِ بإسنادِه المذكور، ولم يُتابَعْ عليه، وهو (١) المغيرةُ بن عبد الرحمن المخزوميُّ صاحبُ الرأي المدنيُّ (٢). أخبرني أبو عُمرَ أحمدُ بن محمد بن أحمدَ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن معاويةَ القُرشيُّ، قال: حدَّثنا أبو يعقوبَ إسحاقُ بن أحمدَ البغداديُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن عَرَفةَ أبو عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن إبراهيمَ الغفاريُّ أبو محمد (٣) المدنيُّ، عن عبد الرحمن بن زيدِ بن أسلمَ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقبريِّ، عن أبي هريرةَ، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. وروَاه عُمارةُ بن حَزْم، عن النبيِّ ﷺ . أخبَرنا عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مَسَرَّة، قال أخبَرنا مروانُ بن سالم اليزيديُّ، قال: أخبَرنا معنُ بن عيسى القزَّازُ، قال: أخبَرنا عبدُ العزيز بن المطلب، عن عبد العزيز (٤) بن عمرَ بن عبد العزيز، عن شُرحبيل بن سعيد (٥) بن سعد بن عُبادةَ، قال: كتاب وجَدْتُه في كتبِ سعدِ بن عُبادةَ؛ أنّ عُمارةَ بن حَزْم شَهِد أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. وروَاه سعدُ بن عُبادةَ، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 856

أخبَرنا أبو القاسم يعيشُ بن سعيدِ بن محمدٍ وأبو القاسم عبدُ الوارث بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بن سليمانَ بن داودَ المِنْقَريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى النَّيسابوريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدٍ المَدَنيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُويسٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا عَمْرُو بن شُرحبيل بن سعيدِ بن سعد بن عبادةَ، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. وأخبَرنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا القَعْنَبيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلالٍ، عن ربيعةَ، عن إسماعيلَ بن عَمْرو بن قيسِ بن سعد بن عبادةَ، عن أبيه، أنّهم وجَدوا في كتُب سعد بن عبادةَ أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهدِ الواحد (١). وحدَّثنا خلف، قال: حدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُويسٍ، قال: حدّثني أبي، عن سعيدِ بن عَمْرو بن شُرحبيل بن سعيدِ بن سعد بن عبادةَ، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهدِ الواحدِ في الحقوق (٢). أخبَرنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: أخبَرنا عُمرُ بن إبراهيمَ المقرئُ، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال: حدَّثنا الصَّلْتُ بن مسعودٍ (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز

стр. 857

الدَّراورديُّ، قال: حدَّثنا ربيعةُ بن أبي عبد الرحمن، عن ابنٍ لسعدِ بن عبادةَ، قال: وجَدنا في كتبِ سعدِ بن عبادةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمينِ مع الشاهد (١). وذكَر ابنُ وَهْبٍ في "موطئه"، عن سُليمانَ بن بلالٍ، عن ربيعةَ، قال: أخبرني إسماعيلُ بن عَمْرو بن قيسِ بن سعدِ بن عبادةَ، عن أبيه، أنّه وجَدُوا في كتابِ سعدِ بن عبادَةَ أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهدِ الواحد. قال ابنُ وَهْب: وحدَّثني ابنُ لَهِيعَةَ ونافعُ بن يزيدَ، عن عُمارةَ بن غَزِيّة، عن سعيدِ بن عَمْرو بن شُرَحْبيل بن سعيدِ بن سعدِ بن عبادةَ، أنّه وجَد في كتبِ آبائه: هذا ما رفَع - أو ذكَر - عَمْرُو بن حزمٍ والمغيرةُ بن شعبةَ، قالا: بَيْنا نحن عندَ رسولِ الله ﷺ دخَل رجلانِ يختصمانِ، مع أحدِهما شاهدٌ له على حقِّه، فجعَل رسولُ الله ﷺ يَمينَ صاحبِ الحقِّ مع شاهدِه، فاقتطَعَ بذلك حقَّه (٢). وروَاه عبدُ الله بن عَمْرو بن العاص، عن النبيِّ ﷺ . أخبَرنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ بن داودَ، قال: حدَّثنا عَمْرُو بن محمدٍ النَّاقِدُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عبدِ الله بن خالدٍ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثني مُطَرِّفُ بن مازنٍ، عن ابن جُرَيْج، عن عَمْرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ النبي ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد (٣).

стр. 858

أخبَرني أحمدُ بن محمد بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أبو يعقوبَ إسحاقُ بن أحمدَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِريابيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ النُّفيليُّ، قال: حدَّثني محمدُ بن عبد الله بن عُبيدِ بن عُميرٍ الليثيُّ، عن عَمْرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. وأخبَرنا عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ الأُشنانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ النّفيْليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد الله بن عُبيدِ بن عُميرٍ، عن عَمْرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمينِ مع الشاهد. وروَاه سُرَّق، رجل من أصحابِ النبيِّ ﷺ (١)، عن النبيِّ ﵇. حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ بن داودَ المِنْقَريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسماءَ، قال: حدَّثنا جُوَيريةُ بن أسماءَ، عن يزيدَ بن عبدِ الله، عن رجلٍ من أهلِ مصرَ، أحسَبُه ابنَ البَيْلمانيِّ، عن سُرَّقٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمينِ مع الشاهدِ الواحد. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمْرِو بن عبد الخالق، قال: حدَّثنا محمدُ بن معمر،

стр. 859

قال: حدَّثنا يحيى بن حمادٍ، قال: حدَّثنا جويريةُ بن أسماءَ. وأخبَرنا إسماعيلُ بن عبد الرحمن القرشيُّ (١)، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بن بكرِ بن عِمْران، قال: حدَّثنا أبو الفتح محمدُ بن الحُسين الأزديُّ الحافظ الموصليُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحُسين بن عبد الصمدِ الجَرَاديُّ، والحَسَنُ بن محمدِ بن سعيدٍ الأنصاريُّ، وعبدُ الله بن زيادٍ الشعرانيُّ، وأبو عَروبةَ الحَرَّانيُّ، قالوا: حدَّثنا يحيى بنُ حكيمٍ المُقوِّمُ، قال: حدَّثنا أبو قُتيبةَ سَلْمُ بن قتيبةَ، قال: حدَّثنا جويريةُ بن أسماءَ، عن عبد الله بن يزيدَ مولى المُنبعِث، عن رجلٍ، عن سُرَّقٍ، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى بشهادةِ رجلٍ مع يمين الطالب (٢). وأخبَرنا عبدُ الوارث بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالبٍ التَّمْتامُ، قال: حدَّثنا سَهْلُ بن بكَّارٍ، قال: حدَّثنا جويريةُ بن أسماءَ، عن عبد الله بن يزيدَ مولى المُنْبَعِث، عن رجلٍ من المصريين، عن رجلٍ كان بين أظهُرِهم من أصحابِ النبيِّ ﷺ يقالُ له: سُرَّق، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى بيمينٍ وشاهدٍ (٣). وأخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن شاذَانَ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارون، قال: حدَّثنا جُويريةُ بن أسماءَ، عن عبد الله بن يزيدَ مولى المُنْبَعِثِ، عن رجلٍ

стр. 860

من أهلِ مصرَ، عن سُرَّقٍ مولى النبيِّ ﷺ ، أنّ النبيَّ ﷺ قضَى باليمينِ مع الشاهد. وقال مرةً أخرى: قضَى بشهادةِ رجلٍ ويمين الطالب (١). قال أبو عُمر: أصحُّ إسنادٍ لهذا الحديث إسنادُ حديثِ ابن عباسٍ. وأما حديثُ أبي هريرةَ وحديثُ جعفرِ بن محمدٍ وغيرها، فحسان. وإنّما ذكَرنا في هذا الباب الآثارَ المرفوعةَ لا غيرُ، ولو ذكَرنا الأسانيدَ عمن قضَى بذلك من الصحابة والتابعين وعُلماء المسلمين، لطال ذلك. وممن رُوِيَ عنه القضاءُ باليمين مع الشاهدِ منصوصًا من الصحابة: أبو بكرٍ وعُمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وأبيُّ بن كعب، وعبدُ الله بن عمرَ، وإن كان في الأسانيدِ عنهم ضعفٌ، فإنّا لم نذكُرْهم على سبيلِ الحجَّة؛ لأنّ الحجَّةَ قد لزِمَت بالسنة الثابتة، ولا تحتاجُ السُّنَّةُ إلى من يُتابِعُها؛ لأنّ مَن خالَفَها محجوجٌ بها. ولم يأتِ عن أحدٍ من الصحابةِ أنّه أنكَر اليمينَ مع الشاهدِ، بل جاءَ عنهم القولُ به. وعلى القول به جمهورُ التابعين بالمدينة: سعيدُ بن المُسيِّبِ، وأبو سلمةَ بن عبد الرحمن، والقاسمُ بن محمدٍ، وعروةُ، وسالم، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعُبيدُ الله بن عبد الله، وخارجةُ بن زيدٍ، وسُليمانُ بن يسارٍ، وعليُّ بن حُسينٍ، وأبو جعفرٍ محمدُ بن عليٍّ، وأبو الزِّناد، وعُمرُ بن عبد العزيز (٢). ولم يُختلَفْ عن

стр. 861

واحدٍ من هؤلاء في ذلك إلّا عُروةَ، فإنّه اختُلِفَ فيه عنه. وكذلك اختُلِفَ فيه عن ابن شهابٍ، فقال معمرٌ: سألتُ الزهريَّ عن اليمين مع الشاهد، فقال: هذا شيءٌ أحدَثَه الناسُ، لا بدَّ من شهيدين (١). وقد رُوِيَ عنه أنّه أولَ ما وليَ القضاءَ حكَم بشاهدٍ ويمينٍ. وبه قال مالكٌ وأصحابُه، والشافعيُّ وأتباعُه، وأحمدُ بن حنبلٍ، وإسحاقُ بن راهُويَةَ، وأبو عُبيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ بن عليٍّ، وجماعةُ أهلِ الأثَر، وهو الذي لا يجوزُ عندي خلافُه؛ لتواتُرِ الآثارِ به عن النبيِّ ﷺ ، وعملِ أهلِ المدينة به قرنًا بعدَ قرن. وقال مالكٌ ﵀: يُقضَى باليمينِ مع الشاهدِ في كلِّ البلدان. ولم يحتَجَّ في "مُوَطَّئه" لمسألةٍ غيرها، ولم يختلَفْ عنه في القضاءِ باليمينِ مع الشاهدِ، ولا عن أحدٍ من أصحابِه بالمدينة ومصرَ وغيرهما. ولا يعرِفُ المالكيون في كلِّ بلدٍ غير ذلك من مذهبِهم، إلّا عندَنا بالأندلس؛ فإنّ يحيى بن يحيى ترَكه وزعَم أنّه لم يرَ الليثَ بن سعدٍ يُفتي به، ولا يذهَبُ إليه. وخالف يحيى مالكًا في ذلك مع خِلافِه السُّنةَ والعملَ بدار الهجرة، وقد كان مالكٌ يقول: لا يُقْضى بالعُهدةِ في الرقيق إلّا بالمدينةِ خاصةً، أو على مَن اشتُرطَتْ عليه، ويُقضَى باليمينِ مع الشاهدِ الواحد في كلِّ بلدٍ. وقد أفرَد الشافعيُّ، ﵀، لذلك كتابًا بيَّن فيه الحُجَّة على مَن رّدَّه وأكثرَ من ذلك أصحابُه. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ، والأوزاعيُّ: لا يُقْضَى باليمين مع الشاهد الواحد. وهو قولُ عطاءٍ، والحكمِ بن عتيبةَ، وطائفةٍ. وزعَم عطاءٌ أنّ أوّلَ مَن قَضَى به عبدُ الملك بن مروانَ. وهذا غَلَطٌ وظَنٌّ لا يُغْني مِن الحقِّ شيئًا،

стр. 862

وليس مَن نفَى وجَهِل كمَن أثْبَتَ وعَلِم، وقد ذكَرنا من سمَّيْنا من الصحابةِ والتابعين، وليس فيهم من يَدَعُ علمَه لعبدِ الملك بن مروان. وقد ذكَر عبدُ الرَّزَّاق (١)، عن ابن جُريج، عن ابن أبي مُليكةَ، أنّ مروانَ قضَى بشهادةِ ابن عمرَ وحدَه لبني صُهيبٍ؛ يعني مع أيمانهم. وزعَم بعضُ مَن ردَّ اليمينَ مع الشاهدِ أنّ الحديثَ المرويّ فيه منسوخٌ بقول الله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قالوا: ولم يقل: فإن لم يكن رجلٌ وامرأتان فشهادةٌ ويمينٌ. ومن حُجَّتِهم أيضًا أنّ اليمينَ إنّما جُعِلَتْ للنفي لا للإثبات، وجعَلها النبيُّ ﷺ على المدَّعَى عليه، فلا سبيلَ للمدعي إليها. قال أبو عُمر: وفي هذا إغفالٌ شديدٌ، وذهابٌ عن طريق النظرِ والعلم، وما في قول : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ما يُرَدُّ به قضاءُ رسولِ الله ﷺ في اليمين مع الشاهدِ، وإنّما في هذا أنّ الحقوقَ يُتَوَصَّلُ إلى أخذِها بذلك، وليسَ في الآية أنّه لا يُتَوَصَّلُ إليها ولا تُسْتَحَقُّ إلّا بما ذُكِرَ فيها لا غيرُ، واليمينُ مع الشاهدِ زيادةُ حكم على لسانِ رسولِ الله ﷺ ، كنهيِه عن نكاح المرأةِ على عمتِها وعلى خالتِها (٢)، مع قول الله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وكنهيه ﷺ عن أكلِ لحوم الحُمُرِ الأهلية، وكلِّ ذي نابٍ من السباع (٣)، مع قول الله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]. وكالمسح على الخُفَّين، والقرآنُ إنّما ورَد بغَسلِ الرجليْنِ أو مسحِهما. ومثلُ هذا كثيرٌ.

стр. 863

ولو جاز أن يقالَ: إنّ القرآنَ نسَخ حكمَ رسول الله باليمين مع الشاهدِ، لجاز أن يُقالَ: إنّ القرآنَ في قوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وفي قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ناسخٌ لنَهْيه ﷺ عن المُزَابَنة (١)، وبَيعْ الغَرَر (٢)، وبَيعْ ما لم يُخلَقْ، إلى سائرِ ما نهَى عنه في البيوع، ولجاز أن يقال: إنّ قولَ الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] ناسخٌ لقول رسول الله ﷺ : "لا صدقةَ في الخيل والرقيق" (٣). وهذا لا يَسُوغُ لأحدٍ؛ لأنّ السنةَ مُبَيِّنةٌ للكتابِ زائدةٌ عليه ما أذِنَ الله لرسوله ﷺ في الحُكم به، ولو جازَ ذلك لارتفَعَ البيانُ، واللّهُ يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. واللّه يفترِضُ في كتابه وعلى لسانِ رسولِه ما شاءَ، وقد أمَرَ اللهُ بطاعةِ رسولِه أمرًا مُطلقًا، وأخبَر أنّه لا ينطِقُ عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. وقال ﷺ : "أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه" (٤). وقال : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. قالوا: القرآنُ والسنةُ. ومن جِهَةِ القياسِ والنظرِ أنّا وجَدْنا اليمينَ أقوَى من المرأتَيْن؛ لأنّهما لا مدخَلَ لهما في اللِّعان، واليمينُ تدخُلُ في اللِّعان، ولمّا ثبَت أن يُحكَمَ بشهادةِ امرأَتَيْن ورجلٍ في الأموال، كان كذلك اليمينُ مع شهادةِ الرجل.

стр. 864

وفي الأصول أنّ مَن قوِي سببُه حلَف واستحَقَّ، ألَا تَرَى أنّ الشيءَ إذا كانَ في يَدِ أحدٍ، حَلَف صاحِبُ اليَدِ، فكذلك الشاهدُ الواحدُ. وما ذكَروا من أنّ الزيادةَ من حُكم النبيِّ ﷺ منسوخَة بآيةِ الدَّين، ينتقِضُ عليهم بالإقرارِ والنُّكُولِ، ومعاقدِ القُمُط (١)، وأنْصابِ اللبِن، والجُذُوع الموضوعَة في الحيطان، فإنّهم قد حَكَموا بكلِّ ذلك، وليس مذكورًا في الآية، فإذا استجازُوا أنْ يستحسِنُوا ويزيدُوا على النصِّ ذلك كله استحسانًا، فكيف يُنكِرون الزيادةَ عليه بالأخبار الثابتة عن النبي ﷺ ، وعن الخُلفاءِ وجمهورِ العلماء، وصحيحِ الأثرِ والنظر؟ والأمرُ في هذا أوضحُ من أنْ يُحتاجَ فيه إلى إكثارٍ، وفيما ذكَرنا منه كفايةٌ لمن فهِم، وباللّه التوفيق. أخبَرنا أبو القاسم خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ الحسنُ بن رَشيقٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن سعيدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبيد بن حِسَابٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، أنّ إياسَ بن معاويةَ أجازَ شهادةَ عاصمٍ الجَحْدريِّ وحدَه. يعني مع يمينِ الطالب (٢). وذكر إسماعيلُ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، أنّ شُريحًا أجاز شهادةَ رجلٍ واحدٍ مع يمين الطالب (٣). قال: وحدَّثنا سُليمانُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، قال: حدَّثنا عبدُ المجيد بن وهبٍ، قال: شهدْتُ يحيى بن معمَرَ (٤) قضَى بذلك (٥).

стр. 865

قال: وحدَّثنا إبراهيمُ الهَرَويُّ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن عبد الله بن عُتْبَةَ بن مسعودٍ مثلَه (١). قال: وأخبَرنا أبو موسى، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد الله الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا الأشعثُ، عن الحسن مثلَه. فهؤلاء قضاةُ أهل العراقِ أيضًا، يقضون باليمين مع الشاهد في زمنِ الصحابةِ وصدرِ الأُمَّةِ، وحَسْبُكَ به عَمَلًا مُتوارَثًا بالمدينة. قال إسماعيلُ بن إسحاقَ: حدَّثنا إبراهيمُ الهَرَويُّ، قال: أخبَرنا هُشيم، قال: أخبَرنا المغيرةُ، عن الشعبيِّ قال: أهلُ المدينة يقولون: شهادةُ الشاهدِ ويمينُ الطالب (٢). وقال مالكٌ: يحلِفُ مع شهادةِ المرأتَيْن؛ لأنّهما بمنزلَة الرجل، فلمّا حلَفَ مع الرجلِ حلَف معهما. وقال الشافعيُّ (٣): لا يمينَ إلّا مع الشاهدِ الواحدِ العدلِ في الأموالِ خاصّةً إن شاء الله، واللّهُ الموفِّقُ للصواب.

стр. 866

حديثٌ ثامنٌ لجعفرِ بن محمدٍ مُرْسَل مالكٌ (١)، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ غُسِّلَ في قَميصٍ. هكذا رواه سائرُ رواةِ "الموطَّأ" مرسلًا إلّا سعيدَ بن عُفَيرٍ، فإنَّه جعَله: عن مالكٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عائشة (٢). فإن صَحَّتْ روايتُه، فهو متَّصلٌ. والحُكمُ عندي فيه أنّه مرسلٌ عند مالك؛ لرواية الجماعة له عن مالكٍ كذلك، إلّا أنّه حديثٌ مشهورٌ عند أهل السِّيَر والمغازي وسائرِ العلماء. وقد رُوِيَ مسندًا من حديث عائشة من وجه صحيح، والحمدُ للّه. ورواه الوُحَاظيُّ، عن مالكٍ، عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنّ النبيَّ ﷺ غُسِّلَ في قميصٍ. وكذلك رواه الباغَنْديُّ، عن إسحاقَ بن عيسَى الطَّبَّاع، عن مالكٍ، عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ. إلّا أنّه خُولِفَ الباغَنْديُّ في ذلك عن إسحاق (٣). فأمّا "الموطأُ" فهو فيه مرسلٌ إلّا في روايةِ سعيدِ بن عُفَيْرٍ؛ فإنّه رواه في "الموطأ"، عن مالكٍ، عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن عائشةَ. وهو صحيحٌ عن عائشةَ من رواية غير مالكٍ. أخبَرنا عبدُ الوارث بن سفيانَ قراءةً منِّي عليه، أنّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عُبَيدُ بن عبد الواحد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال:

стр. 867

حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يحيى بن عَبّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن عائشةَ. هكذا قال. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا النُّفَيْليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن محمد بن إسحاقَ، قال: حدَّثَني يحيى بن عَبّادٍ، عن أبيه عَبّاد بن عبد الله بن الزبير، قال: سمعتُ عائشةَ تقولُ: لمَّا أرادُوا غُسْلَ رسول الله ﷺ قالوا: واللّه ما نَدري، أنُجَرِّدُ رسولَ الله ﷺ من ثيابِه كما نُجَرِّدُ موتَانا، أم نَغْسِلُهُ وعليه ثيابُه؟ فلما اختلَفوا ألقَى اللهُ عليهم النَّومَ حتى ما منهم رجلٌ إلّا وذَقَنُه في صَدْرِه، ثم كلَّمَهم مكلِّم من ناحية البيت لا يَدْرونَ من هو؛ أنِ اغسلوا النبيَّ ﷺ وعليه ثيابُه. فقاموا إلى رسول الله فغَسَلُوه وعليه قميصُه، يصُبُّونَ الماءَ فوقَ القميص وَيدْلُكونه بالقَميص دونَ أيديهم. وكانت عائشةُ تقول: لو استقبَلْتُ من أمري ما استَدْبَرْتُه ما غَسَلَه إلّا نساؤُه. قال أبو عُمر: السُّتة في الحيِّ والمَيِّتِ تحريمُ النَّظَر إلى عَوْرَتِهما، وحُرمةُ المؤمن مَيِّتًا كحُرمَتِه حيًّا في ذلك، ولا يجوزُ لأحدٍ أن يَغْسِلَ مَيِّتًا إلّا وعليه ما يَسْتُرُه، فإن غُسِّلَ في قميصه فحسنٌ، وإن سُتِرَ وجُرِّدَ عنه قميصُه، وسُجِّيَ بثوبٍ غُطِّيَ به رأسُه وسائرُ جِسْمِه إلى أطرافِ قدَمَيه، فحسنٌ، وإلا فأقلُّ ما يَلزَمُ

стр. 868

من سُتْرته أن تُستَرَ عَورَتُه. ويَستحبُّ العلماءُ أن يُسترَ وجهُه بخرْقة، وعَورَتُه بأُخرى؛ لأنّ الميِّتَ ربما تغَيَّرَ وجهُه عندَ الموتِ لعلَّةٍ أو دمٍ، وأهلُ الجهلِ ينكرونَ ذلك ويتحدَّثونَ به. وقد رُويَ عن النبيِّ ﵇ أنّه قال: "مَن غَسَّلَ ميِّتًا ثم لم يُفْشِ عليه، خرَجَ من ذُنُوبِه كيومَ وَلَدَتْه أُمُّه" (١). ورُوِيَ: "الناظرُ من الرجال إلى فروجِ الرجال، كالناظر منهم إلى فروجِ النِّساء، والناظرُ والمنكشفُ ملعونٌ" (٢). وقال ابنُ سيرينَ: يُسْتَرُ من الميِّتِ ما يُسْتَرُ من الحيِّ. وقال إبراهيمُ: كانوا يَكْرَهون أن يُغْسَلَ الميِّتُ وما بينَه وبينَ السماءِ فضاءٌ حتى يكونَ بينَه وبينَها سُتْرةٌ. أخبَرنا عبدُ الرحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا عمرُ بن محمدٍ الجُمَحيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن زيادٍ سَبَلانُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُضَيلٍ (٣)، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبد الله بن الحارث، أنّ عليًّا غَسَّل رسولَ الله ﷺ وعليه قميصُه، وعلى يدِ عليٍّ خِرْقَةٌ (٤). قال أبو عُمر: هذا مُستَحْسَنٌ عندَ جماعةِ العلماء؛ أن يأخُذَ الغاسلُ خِرْقَةً فيَلُفَّها على يَدِه إذا أرادَ غَسْلَ فرجِ الميت؛ لئلّا يُباشِرَ فَرْجَه بيَدِه، بل يُدْخِلُ يَدَه ملفوفةً بالخِرْقةِ تحتَ الثوب الذي يَستُرُ عورتَه؛ قَميصًا كان أو غيرَه، فيَغْسِلُ

стр. 869

فَرْجَه ويأمُرُ من يُوالي بالصبِّ عليه حتى يُنْقِيَ ما هنالكَ من قُبُلٍ ودُبُرٍ، وعلى ما وَصَفْنا من العمل في غُسْلِ الميِّتِ في باب أيُّوب. وإنْ لم يَلُفَّ على يدِه خِرْقَةً ودلَكه بالقميص، أجْزَأه إذا أنْقَى، ولا يُباشِرُ شيئًا من عَوْرَته بيدِه. ذكر عبدُ الرَّزَّاق (١)، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن ابن المسيِّب، قال: الْتَمَسَ علي ﵁ من النبيِّ ﷺ ما يُلْتَمَسُ من الميتِ فلم يَجِدْ شيئًا، فقال: بأبي أنتَ وأُمِّي، طِبْتَ حيًّا، وطبْتَ ميِّتًا (٢). قال (٣): وأخبَرنا ابنُ جُرَيْج، قال: سمِعْتُ محمدَ بن عليِّ بن حسينٍ يُخبِرُ، قال: غُسِّلَ رسولُ الله ﷺ في قميصٍ، وغُسِّلَ ثلاثًا، كلّهُنَّ بماءٍ وسِدْرٍ، ووَليَ عليٌّ سُفْلته، والفَضلُ بن عبّاسٍ مُحتضِنٌ النبيَّ ﷺ والعَبّاسُ يَصُبُّ الماءَ، وعليٌّ يَغْسِلُ سُفْلته، والفَضْلُ يقولُ: أرِحْني أرِحْني، قَطَعْتَ وَتِيني، أنِّي لأجِدُ شيئًا يتنَزَّلُ عليَّ. قال: وغُسِّلَ النبيُّ ﷺ من بئرٍ لسعدِ بن خَيثَمَة يقالُ لها: الغَرْسُ (٤) بقُباءٍ، كان رسولُ الله ﷺ يشْرَبُ منها (٥). ورُوِيَ عن عليٍّ ﵀، أنّه قال: لما تُوفِّي النبيُّ ﷺ وسُجِّيَ بثوبٍ، هتَف هاتفٌ من ناحية البيت، يَسْمَعُونَ صَوْتَه، ولا يَرَوْن شخصه: السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه، السّلامُ عليكم أهلَ البيت الآيةَ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧]. إنّ في الله خَلَفًا من كُلِّ هالكٍ،

стр. 870

وعزاءً من كُلِّ مُصيبةٍ، ودَرَكًا من كلِّ فائتٍ، فباللّه فثِقُوا، وإيّاه فارْجُوا، فإنّ المُصابَ من حُرِمَ الثَّواب (١). قال عليّ ﵁: وتَوَلَّى غُسْلَه ﷺ العباسُ وأنا والفَضْلُ. قال عليٌّ: فلم أره يعتادُ فاه في الموتِ ما يَعْتادُ أفواهَ المَوْتَى. ثم لمّا فرَغ عليٌّ من غُسلِه، وأدْرَجَه في أكفانِه، كشَف الإزارَ عن وجهِه، ثم قال: بأبي أنتَ وأمِّي، طبْتَ حيًّا، وطِبْتَ ميِّتًا، انْقَطَعَ بمَوْتِكَ ما لم يَنْقَطِعْ بمَوْتِ أحَدٍ ممن سواكَ، من النُّبُوَّةِ والأنبياء، خَصَصْتَ حتى صِرْتَ مُسْليًا عمن سِواكَ، وعَمَمْتَ حتى صارَت المصيبَةُ فيك سواءً، ولولا أنَّكَ أمَرْتَ بالصَّبْرِ ونَهَيْتَ عن الجَزَع، لأنْفَدْنا عليك الشُّئون (٢)، بأبي أنتَ وأمِّي، اذْكُرْنا عندَ ربِّكَ، واجْعَلْنا من هَمِّكَ. ثم نظَر إلى قَذاةٍ في عَيْنِه فلفِظها بلسَانِه، ثم رَدَّ الإزارَ على وجهه ﷺ . وقد قال بعضُ الناس وقطَعَ: إنّ رسولَ الله ﷺ لم يُنزعْ عنه ذلك القميصُ، وإنّه كُفِّنَ فيه مع الثلاثةِ الأثْوابِ السَّحُوليّة. وهذا ليس بشيءٍ، ومعلوم أنّ الثوبَ الذي يُغَسَّلُ فيه الميِّتُ ليس من ثيابِ أكفانِه، وثيابُ الأكفانِ غيرُ مبلولَةٍ، وقد قالت عائشةُ: كُفِّنَ رسولُ الله ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليّةٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ (٣). تعني: ليس في أكفانه قميصٌ ولا عمامةٌ. وسيأتي القولُ في ذلك في موضِعِه من كتابِنا هذا إن شاء الله.

стр. 871

وقد يجوزُ أن يكونَ قائلُ ذلك مال إلى روايةِ المُؤمَّلِ بن إسماعيلَ، عن الثوريِّ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، أنّ النبيَّ ﷺ كُفِّنَ في قميصٍ وثَوْبَيْنِ صُحارَّييْن (١) من عَمَلِ عُمان (٢). وهذا خبرٌ غيرُ متَّصلٍ، وحديثُ عائشةَ صحيحٌ مسندٌ (٣)، والحُجَّةُ به ألزمُ في العمل، وكلاهما لا يَقطعُ العُذْرَ، وباللّه العصمةُ والتوفيقُ. إلّا أنّ الحديثَ المُسندَ يُوجبُ العملَ، وتجبُ به الحُجَّةُ عندَ جميع أهل الحقِّ والسُّنّة. فإن احتجَّ مُحتَجٌّ بما حدَّثناه سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيبة (٤)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن إدريسَ، عن يزيدَ (٥)، عن مِقْسَمٍ (٦)، عن ابن عباسٍ، قال: كُفِّنَ رسولُ الله ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ؛ قميصِه الذي مات فيه، وحُلَّةٍ له نَجْرانِيّة (٧). قيل له: هذا الحديثُ يدورُ على يزيدَ بن أبي زيادٍ، وليس عندَهم ممن يُحتَجُّ به فيما خُولِفَ فيه أو انفرَد به، ومنهم من لا يَحتَجُّ به في شيءٍ لضعفِه، وحديثُ

стр. 872

عائشةَ حديثٌ ثابتٌ يُعارِضُه ويَدفَعُه، وقد رُوِيَ من حديث مِقْسَم، عن ابن عباسٍ، أنّ النبيَّ ﷺ كُفِّنَ في ثلاثة أثوابٍ، أحدُها قَميصه الذي غُسِّلَ فيه. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أُسامَة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن عيسى بن نَجيحٍ الطَّبَّاعُ وأبو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بن دُكَيْنٍ، قال إسحاقُ: حدَّثنا مالكٌ، وقال أبو نُعَيم: حدَّثنا سفيان؛ جميعًا عن هشام بن عروَةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كُفِّنَ رسولُ الله ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ سَحُوليّةٍ كُرْسُفٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامَةٌ (١). وليس في حديث مالكٍ: كُرْسُف. وذكَر عبدُ الرَّزَّاق (٢)، عن ابن جُرَيْج، عن صالحٍ مولَى التَّوأمة، أنّه سمِع ابنَ عباس يقول: غُسِّلَ النبيُّ ﷺ في قميص. قال (٣): وأخبَرنا مَعْمَر والثَّوريّ عن منصور، قال: كان على النبيِّ ﷺ قميصٌ، فنودوا: ألا تنزعوهُ.

стр. 873

حديثٌ تاسعٌ لجعفرِ بن محمدٍ مُرْسَل مالكٌ (١)، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ خَطَبَ خُطْبَتين يومَ الجُمُعة وجلَسَ بينهما. هكذا رواه جماعةُ رواةِ "الموطأ" مُرسلًا (٢)، وهو يتصلُ من وجوهٍ ثابتةٍ من غير حديثِ مالكٍ (٣). واختلَف الفقهاءُ في الجلوسِ بين الخطبتَين، هل هو فرضٌ أم سُنةٌ؟ فقال مالكٌ وأصحابُه، والعراقيُّون، وسائرُ فقهاءِ الأمصارِ إلّا الشافعيَّ: الجلوسُ بينَ الخُطبتَين سنةٌ، فإنْ لم يجلِسْ بينَهما فلا شيءَ عليه. وقال الشافعيُّ: هو فرض، وإن لم يجلسْ بينَهما صلَّى ظهرًا أربعًا (٤). واختلَفوا أيضًا في الخُطبة، هل هي من فروضِ صلاةِ الجمُعة أم لا؟ وقد جاءَ فيها أيضًا عن أصحابِنا أقاويلُ مُضْطربةٌ. والخُطبةُ عندَنا في الجمُعةِ فرضٌ، وهو مذهبُ ابن القاسم، والحُجَّةُ في ذلك أنّها من بيانِ رسولِ الله ﷺ لمُجمَلِ الخطابِ في صلاةِ يوم الجمعة، قال اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. فأبان رسولُ الله ﷺ صلاةَ الجمُعة بفعلِه كيفَ هي، وأيَّ وقتٍ هي،

стр. 874

وبيانُه لذلك فرضٌ كسائرِ بيانِه لمُجمَلات الكتابِ في الصلواتِ وركوعِها وسجودِها وأوقاتِها، وفي الزَّكواتِ ومقاديرِها، وغير ذلك ممَّا يطولُ ذكرُه. وقد استدلَّ بعضُ أصحابِنا على وجوب الخطبةِ بقولِ الله : ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] لأنه عاتَب بذلك الذين ترَكوا النبيَّ ﷺ قائمًا يخطُبُ يومَ الجُمُعة وانفَضُّوا إلى التجار التي قَدِمت العِيرُ بها في تلك الساعة، وعابَهم لذلك، ولا يُعابُ إلّا على تركِ الواجب. وما قدَّمناه من القولِ في وجوبِها لازمٌ أيضًا قاطعٌ، وباللّه التوفيق. وكلُّ ما وقَع عليه اسمُ خُطبةٍ من كلامٍ مؤلَّفٍ يكونُ فيه ثناءٌ على الله، وصلاةٌ على رسول الله، وشيءٌ من القرآن، يُجزئُ، ولا يُجزئُ عندي إلّا أقلُّ ما يقعُ عليه اسمُ خُطبة. وأمّا تكبيرةٌ واحدةٌ، أو تسبيحةٌ، أو تهليلةٌ، كما قال أبو حنيفةَ فلا، وقد ذكَر ابنُ عبد الحكم في هذا شيئًا لم أرَ لذكرِه وجهًا؛ لِما قدَّمنا ذِكرَه من صحيح القول عندَنا، وباللّه التوفيق. وأمّا الأثرُ المتصلُ في معنَى حديثِ مالكٍ، فأخبَرنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ العبديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عمرَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنّ النبيَّ ﷺ كان يجلسُ بينَ الخُطْبتين (١). قال عليٌّ: وحدَّثنا بشرُ بنُ المفضل، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عمرَ، أنّ رسولَ الله ﷺ كان يخطُبُ خُطبتَين قائمًا، يفصِلُ بينهما بجلوسٍ (٢).

стр. 875

وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا موسى بن معاويةَ، قال: حدَّثنا وكيع، عن الثوريِّ، عن سماكِ بن حربٍ، عن جابرِ بن سمُرة، قال: كان النبيُّ ﷺ يخطُبُ قائمًا ويجلِسُ بينَ الخطبتين، وكانت صلاتُه قصدًا وخُطبتُه قَصدًا، وكان يتلُو في خُطبتِه آياتٍ من القرآن (١) (٢).

стр. 876

بابُ الحاء [حُمَيدٌ الطَّويلُ] (١) حُميدٌ الطَّويل (٢) أبو عُبيدة، بَصريٌّ، وهو: حُميد بن أبي حُميد مولى طلحة الطَّلْحات، وهو: طَلْحةُ بنُ عبد الله الخُزاعي؛ قيل: كان حُميد من سَبْي سِجِسْتان، وقيل: من سَبْي كابُل. واختُلِفَ في اسم أبيه أبي حُمَيْد؛ فقيل: طَرْخان، وقيل: مِهْران، وقيل: حُميد الطَّويل هو حُميد بن شَيْمانَ (٣)؛ قاله أبو نُعيم. وقال غيرُه: هو حُميد بن تِيرُوَيَة. قال أبو عُمر: سَمِعَ من أنس بن مالك، والحَسَن بن أبي الحَسَن، وأكثرُ روايتِه عن أنس أخَذَها عن ثابتٍ البُناني عن أنس، وعن قَتادةَ عن أنس، وقد سمع من أنس. توفي في جُمادى سنة أربعين ومئة، وقيل: سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين ومئة؛ قاله ابنه إبراهيمُ بن حُميد، وهو ابنُ خمس وسبعين سنة. وكان ثقةً، روَى عنه جماعةٌ من الأئمة. وذكر الحُلْواني، قال: حدَّثنا عفان، قال: حدَّثنا يَزيدُ بن زُريع، قال: تناول رجلٌ حُميدًا الطَّويل عند يونُس بن عُبيد، فقال: أكثرَ اللهُ فينا أمثالَهُ. قال عفان: كان حُميد الطويل فقيهًا، وكان هو والبَتِّيُّ يفتيان؛ فأما البَتِّي، فكان يقضي، وأما حُميد فكان يُصلح، فقال حُميد للبتي: إذا جاءك الرجلان، فلا

стр. 877

تُخبرهما لمن الحق، ولكن أصلح بينهما؛ احمِلْ على هذا، واحمِلْ على هذا. فقال عُثمانُ البَتّي: أنا لا أحسنُ سحرَك. وكان حميد رفيقًا. وقال الأصمعيُّ: رأيت حُميدًا الطويل، ولم يكن بالطويل، كان طويل اليدين. لمالك عنه من مرفوعات "الموطأ" سبعةُ أحاديث؛ ستة منها (١) مسندات، وواحدٌ موقوف لم يُسنِدْه عن مالك خاصة إلّا من لا يوثَقُ بحفظه.

стр. 878

حديث أولُ لمالكٍ، عن حُميدٍ الطَّويل مُسندٌ صحيح مالكٌ (١)، عن حُميدٍ الطوِيل، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: سافَرنا مع رسولِ الله ﷺ في رَمَضانَ، فلم يَعِبِ الصَّائمُ على المُفْطِرِ، ولا المفطِرُ على الصَّائم. هذا حديثٌ مُتَّصِلٌ صحيحٌ. وبلَغَني عن ابنِ وضَّاحٍ ﵀ أنّه كان يقولُ: إنّ مالكًا لم يُتابَعْ عليه في لفظِه. وزعَم أنّ غيرَه يَرْوِيه عن حُميدٍ، عن أنسٍ، أنّه قال: كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يُسافِرُونَ، فيصُومُ بعضُهم ويُفطِرُ بعضُهم، فلا يَعِيبُ الصائمُ على المُفْطِرِ، ولا المُفْطِرُ على الصائمِ. ليس فيه ذِكرُ رَسُولِ الله ﷺ ، ولا أنّه كان يُشاهِدُهم في حالِهم هذه (٢). وهذا عندي قِلَّةُ اتِّسَاعٍ في عِلْم الأثَرِ؛ وقد تابَعَ على ذلك مالِكًا جَماعَةٌ من الحُفَّاظِ، منهم: أبو إسحاقَ الفَزارِيُّ، وأبو ضَمْرةَ أنسُ بن عِياضٍ (٣)، ومحمدُ بن عبدِ الله الأنْصارِيُّ (٤)، وعبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ (٥)، كلُّهم روَوْه عن حُميدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ بمعنى حديثِ مالكٍ: سافَرنا مع رسولِ الله ﷺ ، سواءً. ورُوِي عن النبيِّ ﷺ وأصحابه مثلُ ذلك من وُجُوهٍ؛ منها: حديثُ ابن عباسٍ (٦)، وحديثُ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ (٧).

стр. 879

وحديثُ أنسٍ هو حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ، وباللّه التوفيقُ، وما أعلَمُ أحدًا روَى حديثَ أنسٍ هذا على ما قال ابنُ وضَّاح، إلّا ما روَاه محمدُ بن مسعودٍ، عن القَطَّانِ، عن حُميدٍ، عن أنسٍ، قال: كُنَّا نُسافِرُ مع أصحابِ رسولِ الله ﷺ - ولا أعْلَمُه قال إلّا: في رَمَضَانَ - مِنّا الصَّائِمُ، ومِنَّا المُفْطِرُ، فلا يَعِيبُ هذا على هذا. هكذا حدَّث به ابنُ وضَّاح؛ قال: حدَّثنا محمدُ بن مسعودٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ القَطَّانُ، عن حُميدٍ، عن أنسٍ، فذكَره. قال أبو عُمر: ليس هذا بشيءٍ، والذي عليه الرُّوَاةُ ما ذكره مالكٌ وسائرُ من سَمَّيناه من الحفَّاظِ، عن حُميدٍ، عن أَنسٍ، قال: سافَرْنا مع رَسُولِ الله ﷺ ، وهو الصوابُ إن شاءَ اللهُ، وسنَذكُرُ الآثارَ في ذلك بالأسانيدِ الجِيَادِ في آخِر هذا البابِ بعدَ الفراغِ من القولِ في معانيه واختلافِ العلماءِ فيه بعونِ الله إن شاءَ اللهُ. وفيه من الفِقْهِ وجُوهٌ كثيرَةٌ؛ منها: رَدُّ قولِ من زعَم أن الصائمَ في رمضَانَ في السَّفَرِ لا يُجْزِئُه، كما رُوِيَ عن عُمرَ (١)، وأبي هُريرَة (٢)، وابن عبّاسٍ (٣)، وقال بذلك قومٌ من أهلِ الظّاهِرِ. ورُوِي عن ابن عمرَ أنّه قال: من صام في السَّفَرِ قَضَى في الحَضَرِ. وروي عن عبدِ الرحمن بن عوفٍ: أنّ الصَّائمَ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ (٤). وروي عن ابن عباسٍ (٥) أيضًا والحسنِ أنّهما قالا: إنّ الفِطرَ في السَّفَرِ عَزْمَةٌ لا ينبغي تركُها. وحديثُ هذا البابِ يَرُدُّ هذه الأقاوِيلَ، ويُبْطِلُها كلَّها. وقد روي عن ابن

стр. 880

عبّاسٍ في هذه المسألةِ: خُذْ بيُسْرِ الله (١). وهذا منه إباحَةٌ للصومِ والفِطْرِ للمُسافِرِ، خِلافُ القولينِ اللذين ذكرناهما عنه. وعلى إباحَةِ الصوم والفِطْرِ للمسافرِ جماعةُ العلماءِ وأئمَّةُ الفقهِ بجميع الأمصارِ، إلّا ما ذكَرتُ لك عمّن قدَّمنا ذِكْرَه، ولا حُجَّةَ في أحَدٍ مع السُّنةِ الثابِتَةِ، هذا إن ثبَت ما ذكرناه عنهم، وقد ثبَت عن النبيِّ ﷺ من وُجُوهٍ أنّه صام في السَّفرِ، وأنه لم يَعِبْ على من أفطَر، ولا على من صام. فثبَتَتْ حُجَّتُه، ولَزِم التَّسليمُ له، وإنّما اختلَف الفقهاءُ في الأفضَلِ من الفِطرِ في السَّفَرِ أو الصَّوْمِ فيه لِمَن قدَر عليه؛ فرَوينا عن عُثْمانَ بن أبي العاص الثقفيِّ (٢) وأنسِ بن مالِكٍ صاحِبَيْ رسولِ الله ﷺ ، أنّهما قالا: الصومُ في السَّفرِ أفضلُ لِمَن قَدَر عليه (٣). وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه. ونحوُ ذلك قولُ مالكٍ والثورِيِّ؛ لأنّهما قالا: الصومُ في السَّفَرِ أحَبُّ إلينا لِمَن قَدَر عليه (٤). فاستَدلَلنا أنّهم لم يَستَحسِنوه إلّا أنّه أفضلُ عندَهم. وقال الشَّافعيُّ ومن اتّبَعه: هو مُخيَّرٌ، ولم يُفَضِّلْ. وكذلك قال ابن عُليَّةَ. وقد روي عن الشَّافعيِّ أن الصومَ أحَبُّ إليه (٥). ولم يُختلفْ عن ابن عُليَّةَ أنّه لا يُفَضِّلُ، وهو ظاهِرُ حديثِ أنَسٍ هذا. وروي عن ابن عمرَ وابن عباسٍ أنّ الرُّخصةَ أفضَلُ (٦).

стр. 881

وبه قال سعيدُ بن المسيِّبِ، والشعبيُّ، وعُمرُ بن عبدِ العزيزِ، ومجاهدٌ، وقتادَةُ، والأوزاعِيُّ، وأحمدُ بن حنبلٍ، وإسْحاقُ بن راهُويَة، كلُّ هؤلاءِ يقولون: إنّ الفِطرَ أفضَلُ؛ لقولِ الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وروي عن ابن عباسٍ من وُجُوهٍ: إن شاءَ صامَ، وإن شاءَ أفْطَرَ. وهو الثابتُ عن النبيِّ ﷺ ، من حَدِيثِ أنَسٍ، وابن عباسٍ، وأبي سعيدٍ، وحَمْزَةَ بن عَمْرٍو الأسْلَمِيِّ. حدَّثنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا مالكُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن مجاهِدٍ، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قد صامَ رسولُ الله ﷺ في السَّفَرِ، فمَنْ شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفْطَرَ (١). قال عليٌّ: وكذلك رواه أبو عَوَانَةَ، عن مَنْصورٍ بإسْنادِه، حدَّثناه فهدُ (٢) بن عَوْفٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن مَنْصُورٍ، عن مجاهدٍ، عن طَاوسٍ، عن ابن عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ . فذكَر الحديثَ (٣). قال: ورواه شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهِدٍ، عن ابن عباسٍ. لم يَذْكُرْ طَاوُسًا؛ حدَّثنا مسلِمٌ (٤)، قال: حدَّثنا شعبةُ، فذكَره (٥).

стр. 882

قال أبو عُمر: كان حُذَيْفَةُ ﵀، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبو جَعْفَرٍ محمدُ بن عليٍّ، لا يَصومُون في السَّفَرِ (١)، وكان عَمْرُو بن ميمونٍ، والأسودُ بن يَزِيدَ، وأبو وائِلٍ، يَصومُون في السَّفَرِ، وكان ابنُ عمرَ يَكْرَهُ الصِّيامَ في السَّفَرِ. وعن سعيدِ بن جُبَيْرٍ مثْلُه (٢). حدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عثمانَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالحٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفرٍ الرَّقيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عَمْرٍو، عن عبدِ الكريمِ، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنّما أرادَ اللهُ برُخصةِ الفِطرِ في السَّفرِ التيسيرَ عليكم، فمَن تيسَّرَ عليه الصومُ فلْيصُمْ، ومن تيسَّرَ عليه الفطرُ فلْيُفطِرْ (٣). فإن قال قائلٌ ممَّن يميلُ إلى قولِ أهلِ الظَّاهرِ في هذه المسألَةِ: قد روي عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "ليس البِرَّ - أو: ليس من البِرِّ - الصِّيامُ في السَّفرِ". وما لم يكُنْ من البِرِّ فهو من الإثم، واستَدلَّ بهذا على أنّ صومَ رمضانَ في السَّفَرِ لا يُجْزئُ. فالجوابُ عن ذلك: أنّ هذا الحديثَ خرَج لفظُه على شخصٍ معيَّنٍ، وهو رجلٌ رآه رسولُ الله ﷺ وهو صائمٌ قد ظُلِّلَ عليه وهو يَجودُ بنفسِه، فقال ذلك القولَ، أي: ليس البِرَّ أن يبلُغَ الإنسانُ بنفسِه ذلك المبلَغَ، واللّهُ قد رخَّص له في الفِطرِ. والدليلُ على صحَّةِ هذا التأويلِ: صومُ رسولِ الله ﷺ في السَّفرِ، ولو كان الصومُ في السَّفر إثمًا، كان رسولُ الله ﷺ أبعَدَ الناسِ منه. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمادٍ، قال: حدَّثني عَمِّي إسماعِيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن

стр. 883

حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن عُمارَةَ بن غَزِيَّةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمن بن عبدِ الله بن سعدِ (١) بن زُرَارَةَ، قال: قال جابرٌ: بَيْنَا رسولُ الله ﷺ عامَ تَبُوكَ يسيرُ بعدَ أن أضحَى، إذا هو بجماعةٍ في ظِلِّ شجرةٍ، فقال: "ما هذه الجَماعةُ؟ ". فقالوا: رجلٌ صام فجَهَدَه الصَّوْمُ. فقال رسولُ الله ﷺ : "ليس البِرَّ أنْ تَصُومُوا في السَّفَرِ" (٢). قال إسماعيلُ: وحدَّثنا حفصُ بن عمرَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن محمدِ بن عَمْرِو بن حَسَنِ أو ابن حسينٍ - عن جابرِ بن عبدِ الله نحوَه. وأخبرنا عبدُ الرحمن بن مروانَ (٣)، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ الحسنُ بن يحيى القُلْزُمِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عليِّ بن الجارُودِ (٤)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن هاشِمٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الرحمن، عن محمدِ بن عَمْرِو بن الحسنِ، عن جابِرِ بن عبدِ الله، أنّ رسولَ الله ﷺ كان في سَفَرٍ، فرأى رجلًا عليه زِحَامٌ وقد ظُلِّلَ عليه، فقال: "ما هذا؟ ". قالوا: صائمٌ. قال: "ليس من البِرِّ - أو: ليس البِرَّ - أن تصومُوا في السَّفرِ" (٥).

стр. 884

هكذا قال محمدُ بن عَمْرِو بن الحسنِ. ويَحتمِلُ قولُه ﷺ : "ليس البِرَّ الصيامُ في السَّفرِ"، أي: ليس هو أبَرَّ البِرِّ؛ لأنَّه قد يكونُ الإفطارُ أبَرَّ منه إذا كان في حجٍّ أو جِهادٍ؛ ليَقوَى عليه، وقد يكونُ الفِطرُ في السَّفَرِ المباحِ بِرًّا؛ لأنَّ اللهَ أباحَه. ونظِيرُ هذا من كلامِه ﷺ : "ليس المسكينُ بالطوَّافِ الذي ترُدُّه التَّمرةُ والتَّمرتان، واللُّقمةُ واللُّقمتان". قيل: فمَن المِسْكينُ؟ قال: "الذي لا يسألُ، ولا يجِدُ ما يُغنِيه، ولا يُفْطَنُ له فيُتصَدَّقَ عليه" (١). ومعلومٌ أنّ الطَّوَّافَ مسْكِينٌ، وأنّه من أهلِ الصدَقَةِ إذا لم يكُنْ له شيءٌ غيرُ تَطْوافِه. وقد قال ﷺ "رُدُّوا المِسْكينَ ولو بكُرَاعٍ مُحْرَقٍ". و: "رُدُّوا السَّائلَ ولو بظِلْفٍ مُحْرَقٍ" (٢). وقالت عائشةُ: إنَّ المِسكِينَ لَيَقِفُ على بابي. الحديثَ (٣). وقال اللهُ : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]. فأجمَعوا أنّ الطَّوَّافَ منهم، فعُلِمَ أنّ قولَه ﷺ : "ليس المسْكِينُ بالطَّوَّافِ عليكم"، مَعْناه: ليس السائلُ بأشَدِّ الناسِ مسكَنَةً؛ لأنّ المُتعَفِّفَ الذي لا يَسألُ الناسَ ولا يُفْطَنُ له أشَدُّ مَسْكَنَةً منه، فكذلك قولُه: "ليسَ البرَّ الصيامُ في السَّفَرِ". مَعْناه: ليس البِرَّ كلّه في الصِّيامِ في السَّفَرِ؛ لأنّ الفِطْرَ في السفَرِ بِرٌّ أيضًا لِمَنْ شاء أن يأخذَ برُخصَةِ الله تعالى ذِكْرُه. وأمّا قولُه: "ليس من البِرِّ". فهو كقَوْلِه: "ليس البِرَّ". و"مِن" قد تكونُ زائدةً؛ كقولِهم: ما جاءَني من أحَدٍ. أي: ما جاءَني أحَدٌ، واللّهُ أعلمُ.

стр. 885

فأمّا مَن احْتَجَّ بقولِ الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وزَعَمَ أنّ ذلك عَزْمَة، فلا دليلَ معه على ذلك؛ لأنّ ظاهرَ الكلامِ وسياقَه إنّما يدُلُّ على الرُّخصةِ والتَّخِييرِ. والدليلُ على ذلك قولُه : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ودليل آخَرُ؛ وهو إجماعُهم أنّ المريضَ إذا تحامَلَ على نفسِه فصامَ، وأتمَّ صَوْمَ يومِه، أنّ ذلك مُجْزِئٌ عنه، فدَلَّ على أنّ ذلك رُخْصَة له، والمسافرُ في التِّلاوةِ وفي المَعْنَى مثْلُه. والكلامُ في هذا أوْضَحُ من أنْ يُحتاجَ فيه إلى إكثارِ، واللّهُ المستعانُ. وحدَّثني أبو القاسِمِ خلفُ بن القاسِمِ، قال: حدَّثنا أبو الفَوَارِسِ أحمدُ بن محمدِ بن الحُسينِ بن السِّندِيِّ، قال: حدَّثنا أبو الفَضلِ قاسِمُ بن محمدِ بن الخَيَّاطِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله الأنصارِيُّ، قال: حدَّثنا حُميدٌ الطَّويلُ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: سافَرنا مع رسولِ الله ﷺ ، فصامَ قومٌ، وأفطَرَ قومٌ، فلمْ يَعِبِ الصائمُ على المُفْطِرِ، ولا المُفْطِرُ على الصَّائم. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا الميمونُ بن حمزةَ الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنِيُّ، قال: حدَّثنا الشَّافعيُّ، قال (١): أخبَرنا عبدُ الوَهَّابِ بن عبدِ المجيدِ الثقفِيُّ، عن حُميدٍ الطَّويلِ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: سافَرنا مع رسولِ الله ﷺ ؛ فمِنَّا الصائمُ، ومنَّا المُفطِرُ، لا يَعِيبُ الصائمُ على المُفطِر، ولا المُفطِرُ على الصائم. وبه عن الشَّافِعِيِّ، قال (٢): وحدَّثنا عبدُ الوهَّابِ بن عبدِ المجيدِ، عن (٣) الجُرَيرِيِّ، عن أبي نَضرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، قال: كنا نسافِرُ مع رسولِ

стр. 886

الله ﷺ منَّا الصَّائِمُ، ومنَّا المُفطِرُ، لا يَجِدُ الصَّائمُ على المُفْطِرِ، ولا المُفطِرُ على الصَّائمِ، يَرَوْن أنّه مَن وجَدَ قُوَّةً فصامَ، أنّ ذلكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ، ومَن وجَدَ ضَعْفًا فأفْطَرَ، فكذلك حَسَنٌ جميلٌ. حدَّثنا أبو عبدِ الله محمدُ بن عبدِ الله بن حَكَمٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاوية، قال: حدَّثنا أبو خَلِيفَةَ الفضلُ بن الحُبابِ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أبي نَضرةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: خرَجنا مع رسولِ الله ﷺ حينَ فَتَحَ مكةَ، لسبع عَشْرةَ أو لتسعَ عَشْرةَ بقِينَ من رمضانَ، فصامَ صائمون، وأفْطَر مُفطِرون، فلم يَعِبْ على هؤلاء، ولم يَعِبْ على هؤلاء (١). قال أبو عُمر: هذا معنًى حسَنٌ؛ لأنّه أضافَ الإباحَةَ إلى النبيِّ ﵇، وأنّه لم يَعِبْ على واحدةٍ من الطّائفتَين، وهو من أصَحِّ إسْنادٍ جاءَ في هذا الحدِيثِ. وروَاه سعيدُ بن أبي عَرُوبَةَ، عن قتادَةَ بإسنادِه، فقال فيه: خرَجنا مع النبيِّ ﷺ لثِنْتَيْ عَشْرةَ (٢). وقال هِشَامٌ، عن قتادَةَ فيه بإسْنادِه: لثَمَانِ عَشْرةَ (٣). وقد حدَّثنا خَلَفُ بن القاسِم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي العَقِبِ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ (٤)، قال: حدَّثنا أبو مُسْهِرٍ (٥)، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عبدِ العَزِيزِ، عن عَطِيَّةَ بن قَيْسٍ، عن قَزَعَةَ، عن أبي سعيدٍ الخدرِيِّ، قال: آذَننا رسولُ الله ﷺ بالرَّحِيلِ عامَ الفَتْح لليلَتين خَلَتَا من رمضانَ، فخرَجنا صُوَّامًا حتى بلَغنا الكَدِيدَ (٦)،

стр. 887

فأمَرَنا بالفِطْرِ، فأصبَحَ الناسُ منهم الصَّائمُ ومنهم المُفطِرُ حتى بلَغنا مَرَّ الظَّهْرانِ، فآذَننا بلِقاءِ العدُوِّ وأمَرنا بالفِطر فأفطَرنا جميعًا (١). قال أبو عُمر: عندَ سعيدِ بن عبدِ العزِيزِ في هذا البابِ حديثان؛ أحدُهما: هذا، عن عَطِيَّةَ. والآخَرُ: عن إسماعيلَ بن عُبَيدِ الله، عن أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عن أبي الدَّرْدَاءِ. وهما صَحِيحان (٢). وفي هذا البابِ مسائلُ للفُقَهاءِ قد اختلفوا فيها، وقد ذكَرتُها في بابِ ابن شهابٍ، عن عُبَيْدِ الله بن عبدِ الله، والحمدُ للّه على ذلك كثيرًا.

стр. 888

حديثٌ ثانٍ لحُميد الطَّويل، عن أنس مُسندٌ صحيحٌ مُتَّصل مالكٌ (١)، عن حُميد الطَّويلِ، عن أنَسِ بن مالكٍ، أنّ عبدَ الرحمنِ بن عَوفٍ جاءَ إلى رسولِ الله ﷺ وبه أثَرُ صُفْرَةٍ، فسألَه رسولُ الله ﷺ ، فأخبَرَه أنّه تَزَوَّجَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "كم سُقتَ إليها؟ " قال: زِنَةَ نَوَاةٍ من ذَهَبٍ. فقال له رسولُ الله ﷺ : "أوْلمْ ولو بشاةٍ". قال أبو عُمر: هكذا هذا الحديثُ في "المُوَطَّأ" عندَ جماعةِ رواتِه فيما عَلِمْتُ من مسندِ أنسِ بن مالكٍ (٢). وروَاه رَوْحُ بن عُبادةَ، عن مالِكٍ، عن حُمَيْدٍ، عن أنَسٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن عَوفٍ، أنّه جاءَ إلى رسولِ الله ﷺ (٣)، فجعَلَه من مسندِ عبدِ الرحمنِ بن عَوفٍ. وقد ذكَرنا عبدَ الرحمنِ بن عَوْفٍ بما يجبُ من ذِكْرِه، وما يَنْبِغِي ممّا يُحْتاجُ إليه من خَبَرِه، في كتابِنا في "الصَّحابَةِ" (٤)، وذكَرْنا هناك نساءَه وذريتَه. وقال الزُّبَيْرُ بن بكارٍ: المرأةُ التي قال رسولُ الله ﷺ فيها لعبدِ الرحمن بن عوفٍ حينَ تزوَّجها: "ماذا أصْدَقْتها؟ " فقال: زِنةَ نواةٍ من ذهبٍ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "أوْلمْ ولو بشاةٍ"، هي: ابْنَةُ أنَس بن رافِعِ ابن امْرِئ القَيْسِ بن زيدِ بن عَبْدِ الأشْهَلِ الأنصَارِيَّةُ، وَلَدَتْ له القاسِمَ وأبا عثمانَ. قال: واسمُ أبي عثمانَ عبدُ الله.

стр. 889

وأمّا قولُه: وبه أثَرُ صُفْرَةٍ. فيُرْوَى أنّ الصُّفْرَةَ كانت من الزَّعْفَرانِ، وإذا كان ذلك كذلك، فلا يجوزُ أنْ تكونَ إلّا في ثِيابِه، واللّهُ أعلمُ؛ لأنّ العلماءَ لم يَخْتَلِفُوا - فيما عَلِمْتُ - أنّه مَكْرُوهٌ للرَّجُلِ أنْ يُخَلِّقَ جَسَدَه بخَلُوقِ الزَّعْفَرَانِ. وقد اخْتَلَفُوا في لِبَاسِ الرَّجُلِ للثِّيابِ المُزَعْفَرَةِ؛ فأجازَها أهلُ المدينةِ، وإلى ذلك ذهَبَ مالِكٌ وأصحابُه. وكَرِهَ ذلك العراقيون، وإليه ذهَبَ الشافعيُّ. ولكلِّ واحدٍ منهم آثارٌ مَرْوِيَّةٌ بما ذهَبَ إليه عن السَّلَفِ، وآثارٌ مرفوعةٌ إلى النبيِّ ﷺ . فأمّا الروايةُ بأنّ الصُّفْرَةَ كانت على عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ زَعْفَرانًا، فحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بن سعيدٍ، عن حُمَيْدٍ الطويلِ، قال: سمِعتُ أَنَسَ بن مالكٍ يقولُ: قَدِمَ عبدُ الرحمنِ بن عوفٍ المدينةَ، فآخَى رسولُ الله ﷺ بيْنَه وبينَ سَعْدِ بن الرَّبيعِ، فأتَى السُّوقَ فرَبِحَ شيئًا من أَقِطٍ وسَمْنٍ، فرَآه النبيُّ ﷺ بعدَ أيّام وعليه وضَرُ صُفْرَةٍ، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَهْيَمْ؟ " (١) فقال عبدُ الرحمنِ: تزَوَّجْتُ امرأةً من الأنصارِ. قال: "فما سُقْتَ إليها؟ " قال: وَزْنَ نَواةٍ من ذَهَبٍ، فقال رسولُ الله ﷺ :"أوْلِمْ ولو بشاةٍ" (٢). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَكْرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا مُوسَى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ، عن ثابِتٍ البُنانِي وحُمَيْدٍ الطَّوِيل، عن أنَسِ بن مالكٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ رأى عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ وعليه رَدْعُ (٤) زَعْفَرانٍ، فقال له النبيُّ ﷺ : "مَهْيَمْ؟ "، فقال: يا رسولَ الله،

стр. 890

تزَوَّجْتُ امرأةً. قال: "ما أصْدَقْتَها؟ " قال: وَزْنَ نَواةٍ من ذَهَبٍ. قال: "أوْلِمْ ولو بشاةٍ" (١). قال أبو عُمر: فقد بانَ في هذه الآثارِ من نَقْلِ الأئمَّةِ أنّ الصُّفْرَةَ التي رأى رسولُ الله ﷺ بعبدِ الرحمنِ كانت زَعْفَرانًا. والوَضَرُ معروفٌ في الثِّيابِ، والرَّدعُ: صَبغ الثِّيابِ بالزَّعْفَرانِ، قال الخليلُ (٢): الرَّدْعُ الفِعْلُ، والرَّادِعَةُ والمردَّعةُ: قَمِيصٌ قد لُمِّع بالزَّعْفَرانِ أو بالطِّيبِ في مواضِعَ وليس مصبوغًا كلُّه، إنّما هو مُبلَّقٌ كما تَرْدَعُ الجارِيَةُ جَيْبَها بالزعفرانِ بمِلءِ كفِّها. وقال الشاعرُ: * رَادِعَةً بالمسكِ أرْدانَها (٣) * وقال الأعْشَى (٤): ورادِعَةٍ بالمِسْكِ صَفْراءَ عندَنا ... لجَسِّ (٥) النَّدامَى في يَدِ الدِّرْعِ مَفْتَقُ يعْنِي: جارِيةً قد جعَلَتْ على ثِيابِها في مواضِعَ زَعْفَرانًا. وأمّا الرَّدغ - بالغَيْنِ المَنْقُوطَةِ - فإنّما هو من الطِّينِ والحَمْأةِ. وأمّا اختلافُ العلماءِ في لباسِ الثِّيابِ المصبوغةِ بالزعفرانِ، فقال مالكٌ: لا بأسَ بلباسِ الثَّوبِ المُزَعْفَرِ، وقد كنتُ ألْبَسُه.

стр. 891

وفي "الموطأ" (١): مالكٌ، عن نافِع، أنَّ ابن عمرَ كان يَلْبَسُ الثوبَ المصبوغَ بالمِشْقِ والمصبوغَ بالزعفرانِ. وتأوَّلَ مالكٌ وجماعةٌ معه حديثَه عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن عُبَيْدِ بن جُرَيْحٍ، عن ابن عمرَ، أنّ النبيَّ ﵇ كان يَصْبُغُ بالصُّفْرةِ (٢). أنّه كان يصبُغُ ثيابَه بصفرةِ الزَّعْفرانِ. وقد ذكَرْنا مَن خالَفَه في تأويلِه ذلك في بابِ سعيدِ بن أبي سعيدٍ. وقد حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلَمَةَ القعنبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن زَيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، أنّ ابن عمرَ كان يصْبُغُ ثِيابَه بالزَّعْفرانِ، فقيل له في ذلك، فقال: كان رسولُ الله ﷺ يصْبُغُ به، ورأيْتُه أحَبَّ الطَّيبِ إليه (٣). وذكَرَ ابنُ وَهْب، عن عمرَ بن محمدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يصْبُغُ ثِيابَه كلَّها بالزَّعفرانِ حتى العِمامةَ (٤). وذكرَ أيضًا، عن هشامِ بن سعدٍ، عن يَحْيَى بن عبدِ الله بن مالكِ الدَّارِ، قال: كان النبيُّ ﵇ يَبْعَثُ بقميصِه وردائِه إلى بعضِ أزواجِه فتُصْبَغُ له بالزَّعْفرانِ (٥). حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن القاسم بن شَعْبانَ، قال: حدَّثنا الحسينُ بن محمدِ بن الضحَّاكِ، قال: حدَّثنا أبو مَرْوانَ العُثْمانِيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْد بن إبراهيمَ، قال: سألْتُ ابن شهابٍ عن الخَلُوقِ، فقال:

стр. 892

قد كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يتَخَلَّقُون، ولا يَرَوْن بالخَلُوقِ بأسًا. قال ابنُ شَعْبانَ: هذا خاصٌّ عندَ أصْحابِنا في الثِّيابِ دونَ الجَسَدِ (١). قال أبو عُمر: هو كما قال ابن شَعْبانَ. وقد كَرِهَ التَّزَعْفُرَ للرِّجالِ في الجَسَدِ والثِّيابِ جماعَة من السَّلَفِ أهلِ العراقِ، وإليه ذهبَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأصحابُه؛ لآثارٍ رُوِيتْ في ذلك، أصَحُّها حَدِيثُ أَنَسِ بن مالِكٍ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتِيُّ ببغدادَ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن صُهَيْبِ، عن أنَسِ بن مالِكٍ، قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ أنْ يَتَزَعْفَرَ الرجلُ (٢). وروَاه حَمَّادُ بن زيدٍ، وابنُ عُلَيّةَ، عن عبدِ العزيزِ بن صُهَيْب، عن أنسٍ، مثلَه سواءً، إلّا أنّهما قالا: نَهى رسولُ الله ﷺ أنْ يَتَزَعْفَرَ الرجالُ. والمَعْنَى واحِدٌ. أخبَرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا محمد، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا مُسَدَّدٌ، أنَّ حَمَّادَ بن زَيْدٍ وإسماعيلَ بن إبراهيمَ حدَّثاهم، عن عبدِ العزيزِ بن صُهَيْبٍ، عن أنسٍ، قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ عن التَّزَعْفُرِ للرجالِ (٤). قال أبو عُمر: حمَلُوا هذا على الثِّيابِ وغيرِها، وأمَّا الجَسَدُ، فلا خِلافَ عَلِمْتُه فيه، واللّهُ أعلمُ.
следующие страницы →