← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8273–8312 · переход к 8278.

стр. 8273

الإقبال؛ لِمَا في ذلك من المؤْنَة، ولم يكنْ مخرَجُ الحديثِ إلا على مَن في قتلِه مُؤْنةٌ وله شَوْكةٌ، وأما مَن أُثخِن فلا، ولو كان كما زعَموا، كان الذي أثخَنه أوْلى بسَلَبِه وليس بقاتل، والسلَبُ إنما هو للقاتل علي المعنى الذي وصَفنا، واللهُ أعلم. هذا معنَى قولِه (١). وقال المُزنيُّ (٢) عن الشافعيِّ: الغنيمةُ كلُّها مقسومةٌ على ما وصَفْنا، إلا السلَبَ للقاتل في الإقبال، قال ذلك الإمامُ أو لم يَقُلْه؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ نفَّل أبا قتادةَ يومَ حُنينٍ سلَبَ قتيلِه، وما نفَّله إيّاه إلا بعدَ تقَضِّي الحرب، ونفَّل محمدَ بنَ مسلمةَ سلَبَ مَرحَبٍ يومَ خيبر، ونفَّل يومَ بدرٍ عددًا أسلابًا، ويومَ أُحدٍ رجلًا أو رجلين أسلابَ قتلاهم. قال: وما علِمتُه ﷺ حضر مَحضَرًا فقتَل رجلٌ قتيلًا في الإقبالِ إلا نفَّله سلَبَه. قال: ولقد فعَل ذلك بعدَ النبيِّ ﷺ أبو بكرٍ وعمرُ. قال أبو عُمر: أمّا قولُ رسولِ الله ﷺ يومَ حُنين: "مَن قتَل قتيلًا فلَه سلَبُه" فمحفوظٌ من روايةِ الثقاتِ غيرُ مُختلَفٍ فيه. وأما قولُه ذلك يومَ بدرٍ وأُحُدٍ، فأكثرُ ما يُوجَدُ ذلك من روايةِ أهل المغازي، وقد رُوِيَ من حديثِ أهل السِّيرِ وغيرهم أن سَعْدَ بنَ أبي وَقّاص قتَل يومَ بدرٍ سعيدَ بنَ العاص وأخَذ سيفَه، فنفَّله رسولُ الله ﷺ إيّاه حتى نزلَت سورة "الأنفال" (٣).

стр. 8274

وأن الزُّبيرَ بنَ العوّام بارزَ يومئذٍ رجُلًا فقَتَله، فنفَّلَه رسولُ الله ﷺ سلَبَه (١). وأن ابنَ مسعودٍ نفَّله رسولُ الله ﷺ يومئذٍ سيفَ أبي جهل (٢).

стр. 8275

أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك قال: قال رسولُ الله ﷺ يومئذٍ، يعني يومَ حُنين: "مَن قتَل كافرًا فله سلَبُه". فقتَل أبو طلحةَ يومئذٍ عشرين رجلًا وأخَذ أسلابَهم، ولقيَ أبو طلحةَ أمَّ سُليم ومعها خَنْجَرٌ، فقال: يا أُمَّ سُليم، ما هذا معك؟ قالت: أردتُ والله إن دنا منّي بعضُهم أن أبعَجَ به (٣) بطنَه. فأخبَر بذلك أبو طَلْحةَ رسولَ الله ﷺ . حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٤): حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ الماجِشون، قال: حدَّثني صالحُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوف، عن أبيه، عن جدِّه عبدِ الرحمن بنِ عوف: أنَّ النبيَّ ﷺ قضَى أن السلَبَ للقاتل. قال أبو عُمر: حديثُ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ هذا أصلُه يومَ بدر. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ عبدِ الله الأُوَيْسيُّ، قال: حدَّثني يوسفُ بنُ الماجِشون، عن صالح بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوف، عن أبيه،

стр. 8276

عن عبدِ الرحمن بنِ عوف، قال: إني لواقفٌ يومَ بدر، فنظَرتُ عن يَميني وشمالي، فإذا أنا بينَ فَتيَين من الأنصار حديثةٌ أسنانُهما، فتمنَّيتُ أن أكونَ بين أضْلَعَ منهما (١)، فعرَفني أحدُهما فقال: يا عمِّ، أتعرِفُ أبا جَهْل؟ قال: قلت: نعم، فما حاجتُكَ إليه يا ابنَ أخي؟ قال: أُخبِرتُ أنه يسُبُّ رسولَ الله ﷺ ، والذي نفسي بيَدِه، لئن رأيتُه لا يُفارقُ سوادي سوادَه حتى يموتَ الأعجلُ منّا. قال: فتعجَّبتُ من ذلك. قال: وغمَزني الآخَرُ فقال مثلَها، فلم أنشَبْ (٢) أن رأيتُ أبا جَهْل يَجولُ في الناس، فقلت لهما: ألا تريان؟ هذا هو صاحبُكما الذي تسألاني عنه. فابتَدَراهُ فضرَباهُ بسيفَيْهما حتى قتلاهُ، ثم انصرَفا إلى رسولِ الله ﷺ فأخبَراه، فقال رسولُ الله ﷺ : "أيكما قتَله؟ ". قال كلُّ واحدٍ منهما: أنا قتلتُه. قال: "فهل مَسَحْتُما سيفَيْكما؟ ". قالا: لا. فنظَر رسولُ الله ﷺ إلى سيفَيْهما، فقال: "كِلاكُما قتَلَه". وقضَى بسلَبِه لمُعاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوح. والآخرُ معاذُ بنُ عفراء (٣). وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا يوِسفُ بنُ يعقوبَ الماجشون، قال: حدَّثني صالحُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوف، عن أبيه، عن جدِّه قال: بينما أنا واقفٌ في الصفِّ يومَ بدر. فذكَر مثلَه سواءً إلى آخرِه (٤). وحدَّثنا عبدُ الوارث (٥)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ مُعاوية، حدَّثنا وَكيعٌ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ وأبي، عن أبي إسحاق،

стр. 8277

عن أبي عُبيدة قال: قال عبدُ الله: انتهَيْتُ إلى أبي جَهْل يومَ بدرٍ وقد ضُرِبتْ رجلُه وهو صريعٌ، وهو يذُبُّ الناسَ عنه بسيفِه. فذكر قصةً، قال: فأخذتُ سيفَه فضرَبتُه حتى برَد. وزاد فيه أبي، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عبدِ الله: فنفَّلني رسولُ الله ﷺ سيفَه (١). واحتجَّ بهذه الآثار مَن قال: إن السلَبَ للقاتل على كلِّ حال، نادَى به الإمامُ أم لم يُنادِ. ولا حُجَّةَ في ذلك؛ لأنَّ ذلك كان فيما ذكَروا قبل نُزول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. واحتجَّ مَن جعَل ذلك إلى الإمام، وأنه أمرٌ ليس بلازم إلّا أن يَجتهِدَ في ذلك الإمامُ ويُناديَ به على حسبِ ما يراه، وأن له منعَ القاتل منَ السلَب، وله إعطاؤُه على حسَبِ ما يؤدِّيه إليه اجتهادُه - بما حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمّد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٤):

стр. 8278

حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم،. قال: حدَّثني صفوانُ بنُ عَمْرو، عن عبدِ الرحمن بنِ جُبيرِ بنِ نُفير، عن أبيه، عن عوفِ بنِ مالكٍ الأشجعيِّ قال: خرجتُ مع زيدِ بنِ حارثةَ في غزو مؤتة، ورافَقَني مدَدِيٌّ (١) من أهل اليمنِ ليس معه غيرُ سيفه، فنحَر رجلٌ من المسلمين جَزُورًا، فسأله المدَدِيُّ طائفةً من جلدِه، فأعطاه إيّاه، فاتَّخذه كهيئةِ الدَّرَقَة (٢)، ومضَينا فلقِينا جموعَ الروم، وفيهم رجلٌ على فرسٍ أشقرَ عليه سرْجٌ مُذهَبٌ، وسلاحٌ مُذهَبٌ، فجعَل الروميُّ يُغري بالمسلمين، وقعَد له المدَدِيُّ خلفَ صخرة، ومرَّ به الروميُّ فعرْقَب فرسَه (٣) فخرَّ، وعلاه فقتَله، وحاز فرسَه وسلاحَه، فلمّا فتَح اللهُ على المُسلمينَ، بعَث إليه خالدُ بنُ الوليد فأخَذ منه السلَبَ. قال عوفٌ: فأتيتُه، فقلت: يا خالدُ، أما علِمتَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى بالسلَبِ للقاتل؟ قال: بلى، ولكنِّي استكثَرْتُه. فقلت: لترُدَّنه إليه أو لأُعَرِّفَنَّكَ عندَ رسولِ الله ﷺ . فأبى أن يَرُدَّ عليه. قال عوفٌ: فاجتمَعنا عندَ رسولِ الله ﷺ ، فاقتصَصْتُ عليه قصةَ المدَدِيِّ وما فعَل خالدٌ، فقال رسولُ الله ﷺ : "يا خالدُ، ما حملكَ على ما صنَعْتَ؟ ". فقال: يا رسولَ الله، استكثَرتُه له. فقال رسولُ الله ﷺ : "يا خالدُ، رُدَّ عليه ما أخَذْتَ منه". فقال عوفٌ: دُونَك يا خالدُ، ألمْ أفِ لك؟ فقال رسولُ الله ﷺ :

стр. 8279

"وما ذاك؟ ". فأخبرتُه، فغضِبَ رسولُ الله ﷺ ، وقال: "يا خالدُ، لا ترُدَّه عليه، هل أنتم تارِكونَ (١) لي أُمرائي؟ لكم صَفوةُ أمرِهم وعليهم كدَرُه". قال (٢): وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٣): حدَّثنا الوليدُ، قال: سألتُ ثورًا عن هذا الحديث، فحدَّثني عن خالدِ بنِ مَعْدان، عن جُبيرِ بنِ نُفير، عن عوفِ بنِ مالك الأشجعيِّ نحوَه. وذكَر هذا الحديثَ أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن صفوانَ بنِ عَمْرٍو بإسنادِه ومعناه. قال الفَزاريُّ: وأخبرني غيرُ صفوان، عن خالدِ بنِ مَعْدانَ بنحوِ حديثِ صفوان. وهذا الحديثُ يدُلُّ على ما ذكَرنا، أن السلَبَ إنما يكونُ للقاتل إذا أمضَى ذلك الإمامُ ورآه، وأدّاه اجتهادُه إليه، وهذا كلُّه يدُلُّ على صحةِ ما ذهب إليه مالكٌ في هذا الباب، واللهُ أعلم. وذكر عبدُ الرزاق (٤)، عن الثوريِّ، عن الأسودِ بنِ قيس، عن شَبْرِ (٥) بنِ علقمةَ العبديِّ، قال: كنّا بالقادسية، فخرَج رجلٌ منهم عليه مِنَ السلاح والهيئة،

стр. 8280

فقال: مَرْدْ ومَرْدْ. يقول: رجلٌ إلى رجل. فعَرضتُ على أصحابي أن يبارِزوه فأبوا، وكنتُ رجلًا قصيرًا. قال: فتقدَّمتُ إليه، فصاح صوتًا وهدَر، وصِحْتُ وكبَّرتُ، وحمَل عليَّ فاحتمَلني فضرَب بي. قال: وتميلُ به فرسُه، فأخذْتُ خَنجَرَه، فوثَبتُ على صدرِه فذبَحتُه. قال: وأخَذتُ منطقةً له، وسيفًا، ودِرْعًا، وسِوارَين، فقُوِّم باثنَي عشرَ ألفًا، فأتيتُ به سَعْدَ بنَ مالك، فقال: رُحْ إليَّ، ورُحْ بالسلَب. قال: فرُحْتُ إليه، فقام على المنبر، فقال: هذا سلَبُ شَبْرِ بنِ علقمة، خُذْه هنيئًا مريئًا. فنفَّلَنِيه كلَّه. وهذا يدُلُّ على أن أمرَ السلَبِ إلى الأمير، واللهُ أعلم. وذكَر ابنُ أبي شيبة (١)، عن وَكيع، عن سُفيانَ، عن الأسودِ بنِ قيسٍ مثلَه سواءً بمعناه في قصةِ شَبْرِ بنِ علقمةَ يومَ القادسية. قال (٢): وأخبَرنا أبو الأحوص، عن الأسودِ بنِ قيس، عن شَبْرِ بنِ علقمةَ، قال: بارَزْتُ رجلًا يومَ القادسيةِ فقتَلتُه، وأخذتُ سلَبَه، فأتيتُ سَعْدًا، فخطَب سَعْدٌ أصحابَه، ثم قال: هذا سلَبُ شَبْرِ بنِ علقمة، لهو خيرٌ من اثنيْ عشرَ ألفَ درهم، وإنّا قد نفَّلناه إيّاه. قال أبو عُمر: لو كان السلَبُ للقاتل قضاءً من النبيِّ ﷺ ما احتاج الأمراءُ إلى أن يُضيفوا ذلك إلى أنفُسِهم باجتهادِهم، ولأخَذه القاتلُ دونَ أمرِهم، واللهُ أعلم. واختلَف الفقهاءُ في الرجل يدَّعي أنه قتَل رجلًا بعينِه وادَّعى سلَبَه؛ فقالت طائفةٌ منهم: يُكلَّفُ على ذلك البينة، فإن جاء بشاهدين أخَذه، وإن جاء بشاهدٍ واحدٍ حلَف معه وكان له سلَبُه. واحتجّوا بحديثِ أبي قتادة، وبأنه حقٌّ يُستحقُّ مثلُه

стр. 8281

بشاهدٍ ويمين. وممّن قال ذلك؛ الشافعيُّ، والليثُ بنُ سعْد، وجماعةٌ من أصحابِ الحديث. وقال الأوزاعيُّ: إذا قال إنه قتَله، أُعطِي سلَبَه، ولم يُسألْ عن ذلك بينة (١). واختلَفوا في النفَرِ يضرِبون الرجلَ الكافرَ ضرَباتٍ مختلفةً؛ فكان الشافعيُّ يقول (٢): إذا قطَع يديه ورجليه ثم قتَله آخرُ، فالسلَبُ لقاطع اليدين والرِّجلَين، فإن ضرَبه وأثبَته، وبقيَ معه ما يَمتَنعُ به، ثم قتَله آخرُ، كان السلَبُ للآخر، وإنما يكونُ السلَبُ لمن صيَّره بحالٍ لا يَمتنِعُ فيها. واختلَف الشافعيُّ والأوزاعيُّ في مُبارِزٍ عانقَ رجلًا وحمل عليه آخرُ فقتَله؛ فقال الأوزاعيُّ: السلَبُ للمعانق. وقال الشافعيُّ: السلَبُ للقاتل (٣). وفي هذا الباب مسائلُ كثيرةٌ، لها فروعٌ لو ذكَرناها خرَجنا عن تأليفِنا، وفيما أورَدْنا من أصول هذا الباب ما فيه كفايةٌ، وبالله التوفيق. وأما قوله: "فاشتريتُ به مَخرَفًا في بني سلمة" فقال ابنُ وَهْب: هي الجُنَيْنَةُ الصغيرة. وقال غيرُه: هو ما يُخرَفُ ويُختَرفُ؛ أي: يُحفَظُ ويُجتَنَى، وهو الحائطُ الذي فيه ثمرٌ قد طاب وبَدا صلاحُه. قالوا: والحائط يقالُ له بالحجاز: الخارِفُ. والخارِفُ بلُغةِ أهل اليمن: الذي يَجتني لهم الرُّطَبَ. وقال أبو عُبيد (٤): يقال النخل بعينِه: مَخرَفٌ. قال: ومنه قولُ أبي طلحة: إن لي مَخرَفًا (٥). قال: وقال الأصمعيُّ في حديثِ النبيِّ ﷺ : "عائدُ المريض في

стр. 8282

مَخارفِ الجنة" (١). قال: واحدُها مَخرَفٌ، وهو جَنَى النخل، وإنما سُمِّيَ مَخرَفًا لأنه يُخرَفُ منه، أي: يُجتنَى منه. وقال الأخفشُ: المِخرَفُ بكسرِ الميم القطعةُ من النخلِ التي يُختَرفُ منها الثمرُ، والمَخرَفُ بفتح الميم النخلُ أيضًا. وأما قوله: "فإنه لأولُ مالٍ تأثَّلتُه في الإسلام" فإنه أراد أوّلَ أصلٍ باقٍ من المالِ اقتَناه وجمَعه، ومَن اكتسَب ما يَبقَى ويُحمدُ فقد تأثَّل. قال امرؤُ القيس (٢): ولكنَّما أسعَى لمجدٍ مؤثَّلٍ ... وقد يُدرِكُ المجدَ المؤثَّلَ أمثالي وقال لبيدٌ (٣): لله نافِلَةُ الأجَلِّ الأفضلِ ... وله العُلَى وأُثِيثُ كلِّ مؤثَّلِ ومن هذا حديثُ عُمرَ في وَقْفِه أرضَه، قال: ولمَن وَليَها أن يأكلَ منها أو يُؤكِلَ صديقًا غيرَ متأثِّلٍ مالًا (٤).

стр. 8283

حديثٌ تاسعٌ وعشرونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن واقدِ بنِ سَعْدِ بنِ معاذ، عن نافع بنِ جُبير بنِ مُطعِم، عن مسعودِ بنِ الحكم، عن عليِّ بنِ أبي طالب، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقومُ في الجنائز، ثم جلَس بعدُ. هكذا قال يحيى عن مالك: واقدُ بنُ سَعْدِ بنِ معاذ (٢). وسائرُ الرواةِ عن مالك يقولون: عن واقدِ بنِ عَمْرِو بنِ سَعْدِ بنِ معاذ (٣)، وهو الصوابُ إن شاء الله، وكذلك قال ابنُ عُيينةَ وزهيرُ بنُ مُعاوية (٤). وهو واقدُ بنُ عَمْرِو بنِ سَعْدِ بنِ معاذِ بنِ النُّعمانِ بنِ امرئ القيس الأشهليُّ الأنصاريُّ، يكنَى أبا عبدِ الله، مدنيٌ ثقةٌ، كناه خليفةُ بنُ خيّاط (٥)، وذكَره الحسنُ بنُ عثمانَ في بني عبدِ الأشهل وقال: كانت وفاتُه سنةَ عشرين ومئةٍ.

стр. 8284

وكان محمدُ بنُ عَمْرِو بنِ علقمةَ يقول فيه: واقدُ بنُ عُمرَ بنِ سَعْدِ بنِ معاذ. يَهِمُ فيه. روَى يزيدُ بنُ هارون، عن محمدِ بنِ عَمْرو، عن واقدِ بنِ عُمرَ بنِ سَعْدِ بنِ معاذٍ قال: دخلتُ على أنسِ بنِ مالك - وكان واقدٌ من أعظم الناس وأطوَلهم - فقال لي: مَن أنتَ؟ فقلت: واقدُ بنُ عُمرَ بنِ سَعْدِ بنِ معاذ. قال: إنك بسعدٍ لشَبيةٌ. ثم بكى فأكثرَ البكاءَ وقال: يرحَمُ اللهُ سعدًا، كان من أعظم الناس وأطولِهم (١). وقد مضَى ذِكْرُ نافع بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِم في بابِ ابنِ شهاب. وأمّا مسعودُ بنُ الحكم، فرجلٌ من بني زُرَيق من الأنصار، كبيرٌ جليلٌ، وُلِدَ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، وهو مسعودُ بنُ الحكم بنِ الربيع بنِ عامرِ بنِ خالدِ بنِ عامرِ بنِ زُرَيق، وكان له بالمدينةِ قَدرٌ وجلالةٌ وهيئةٌ، وقد ذكَرناه في كتاب "الصحابة" (٢). قال أبو عُمر: حديثُ مالكٍ في هذا الباب يدلُّ على أنّ القيامَ للجنائزِ إذا مرَّت بالإنسان وقيامَه إذا شيَّعها وشَهِدها حتى تُدفَن، مَنْسوخ (٣)؛ وذلك أن الأمرَ أولًا كان ألّا يجلسَ مشيع الجِنازةِ حتى تُوضَعَ في اللَّحْدِ أو في الأرض، وإنْ مرَّت به جِنازةٌ قام، ثم نُسِخَ ذلك بالتخفيف، والحمدُ لله.

стр. 8285

وروَى ابنُ عُيينةَ ومَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، عن عامرِ بنِ ربيعةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا رأيتُم الجِنازةَ فقوموا حتى تُخلِّفَكم أو تُوضَعَ"؛ حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، عن سالم، عن أبيه، عن عامرِ بنِ ربيعة، عن النبيِّ ﷺ . فذكَره. قال الحميديُّ: وهذا منسوخٌ. وذكر عبدُ الرزاق (٢)، عن مَعْمَرٍ بإسنادِه مثلَه. وروى أيوبُ (٣)، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن عامرِ بنِ ربيعة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. وروَى يحيى بنُ أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا رأيتُم الجِنازةَ فقوموا، فمَن تَبِعَها فلا يَقعُدْ حتى تُوضَعَ" (٤). وروَى ربيعةُ بنُ سيف، عن أبي عبدِ الرحمن الحُبُليِّ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو بنِ العاص قال: سأل رجلٌ رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، تمرُّ بنا

стр. 8286

جنازةُ الكافر، أفنقوم (١) لها؟ قال: "نعم، قوموا لها، فإنّكم إنما تقومونَ إعظامًا للذي يقبضُ النُّفوس" (٢). وروَى في القيام للجنائزِ أبو موسى (٣)، وجابرٌ، ويزيدُ (٤) وزيدٌ ابنا ثابت، وقيسُ بنُ سَعْد، وسَهْلُ بنُ حُنَيف (٥)، كلُّهم عن النبيِّ ﷺ .

стр. 8287

روَى الأوزاعيُّ، [عن يحيى بن أبي كثير] (١)، عن عُبيدِ الله بنِ مِقْسَم، قال: حدَّثني جابرُ بنُ عبدِ الله، قال: كنا مع النبيِّ ﷺ إذ مرَّت جِنازةٌ فقام لها، فلمّا ذهَبت فإذا بها جِنازةُ يهوديٍّ، فقلنا: يا رسولَ الله، إنها جِنازةُ يهوديٍّ. فقال: "إن الموتَ فَزَعٌ، فإذا رأيتُم الجِنازةَ فقوموا" (٢). وروى الثوريُّ، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا شيّعتُم (٣) جِنازةً فلا تَجلِسوا حتى تُوضَعَ في الأرض" (٤). ورواه أبو مُعاوية، عن سُهيل بإسنادِه مثلَه، إلا أنه قال: "حتى تُوضَعَ في اللَّحد" (٥). ورواه زُهيرُ بنُ مُعاوية، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ (٦) وقولُ الثوريِّ أشبَهُ وأولى إن شاء الله (٧).

стр. 8288

فهذه الآثار، وهي صِحاحٌ ثابتة، تُوجِبُ القيامَ للجِنازةِ على ما ذكَرنا، وقد جاءت آثارٌ ناسخةٌ لذلك. روَى جُنادةُ بنُ أبي أُميّة، عن عُبادةَ بنِ الصامت، قال: كان رسولُ الله ﷺ يقومُ في الجنازة حتى تُوضَعَ في اللَّحد، فمرَّ حَبْرٌ من أحبارِ اليهود، فقال: هكذا نفعَلُ. فجلَس النبيُّ ﷺ وقال: "اجلِسُوا وخالِفُوهم". ذكَره أبو داودَ بإسنادِه (١). وروى الثوريُّ، عن ليثِ بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن أبي مَعْمَر، عن عليِّ بنِ أبي طالب، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يتشبَّهُ بأهل الكتاب فيما لم يَنزِلْ فيه وحيٌ، وكان يقومُ للجِنازة، فلما نُهيَ انتهَى (٢). ورواه ابنُ عُيينة، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي مَعْمَر، عبدِ الله بنِ سَخْبَرةَ الأزديِّ قال: كانوا عندَ عليِّ بنِ أبي طالب، فمرَّت بهم جِنازةٌ فقاموا لها، فقال

стр. 8289

عليٌّ: ما هذا؟ فقالوا: أمرُ أبي موسى الأشعريِّ. فقال: إنّما قامَ رسولُ الله ﷺ مرّةً (١) واحدةً ثم لم يَعُدْ (٢). واختلَف العلماءُ في هذا الباب، فممَّن رُوِيَ عنه أنه قال بالأحاديثِ التي زعَمْنا أنها منسوخةٌ واستعمَلها ولم يرَها منسوخةً، وقالوا: لا يَجلِسُ مَن اتَّبعَ الجِنازةَ حتى تُوضَعَ من أعناقِ الرِّجال: الحسنُ بنُ عليٍّ، وأبو هُريرة، والمِسْورُ بنُ مَخرَمة، وابنُ عُمر، وابنُ الزُّبير، وأبو سعيدٍ الخُدريُّ، وأبو موسى الأشعريُّ، والنَّخَعيُّ، والشَّعبيُّ، وابنُ سيرين (٣). وذهَب إلى ذلك الأوزاعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق. وبه قال محمدُ بنُ الحسن (٤). وحُجَّتُهم قوله ﷺ : "إذا شيَّعتُم جِنازةً فلا تجلِسوا حتى تُوضَعَ" (٥). ورُوِيَ عن أبي مسعودٍ البدريِّ، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، وقيسِ بنِ سَعْد، وسَهْلِ بنِ حُنَيف، وسالم، أنهم كانوا يقومون للجِنازةِ إذا مرَّت بهم (٦).

стр. 8290

وقال أحمدُ، وإسحاق (١): مَن قام لها لم أعِبْه، ومَن قعَد فغيرُ آثم. وحجةُ هؤلاء قوله: "إذا رأيتم الجِنازةَ فقوموا؛ فإن الموتَ فَزَعٌ" (٢). وروَى عليُّ بنُ أبي طالب، وعبدُ الله بنُ عباس: أن القيامَ في الجِنازةِ كان قبلَ الأمرِ بالجلوس. فبانَ بذلك أنهما عَلِما الناسخَ في ذلك من المنسُوخ، وليس على مَن لم يقف على ذلك نقيصةٌ في تمادِيه على ما علم، بل هو الواجبُ عليه حتى يعلَمَ أنّ ذلك قد رُفِع حُكمُه ونُسِخ. وقد زَعَم بعضُ العلماءِ أن عِلْمَ الناسخ منَ المنسوخ في الحديث أشدُّ تعذُّرًا من علم ناسخ القرآنِ ومنسُوخِه، ولذلك قال ابنُ شهاب، واللهُ أعلم: أعيا الفقهاءَ أن يعرِفوا ناسخَ حديثِ رسولِ الله ﷺ من منسوخِه (٣). قال أبو عُمر: لأنَّ ذلك لا يصحُّ إلا بعلم الآخرِ من الأولِ في غيرِ بابِ الإباحة، وذلك إنما يُوقَفُ عليه بنصٍّ أو تاريخ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، عن محمد: أنَّ جِنازةً مرَّت بعبدِ الله بنِ عباس والحَسَنِ بنِ عليٍّ، فقعَد ابنُ عباسٍ وقام الحسنُ، فقال الحسنُ: أليس قد قامَ رسولُ الله ﷺ لجنازةِ يهوديٍّ؟ فقال ابنُ عباس: بلى، وجلَس بعدُ (٤).

стр. 8291

قال أبو عُمر: الصوابُ في هذا الباب المصيرُ إلى ما قال عليٌّ وابنُ عباس، فقد حفِظَا الوجهَين جميعًا، وعرَّفا الناسَ أنَّ الجلوسَ كان من رسولِ الله ﷺ بعدَ القيام، فوجَب امتثالُ ذلك من سنَّته، فالآخِرُ منهما ناسخٌ. وهو أمرٌ واضح. وإلى هذا ذهَب سعيدُ بنُ المسيِّب (١)، وعُروةُ بنُ الزبير (٢)، ومالكٌ (٣)، والشافعيُّ. وقال الشافعيُّ: القيامُ لها مَنْسوخٌ (٤). وذكَر عبدُ الرزاق (٥)، عن مَعْمَر، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه: أنه كان يَعيبُ مَن قام للجِنازةِ ويُنكرُ ذلك عليه. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ وأحمدُ بنُ زهير، قالا: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٦): حدَّثنا سُفيانُ، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، عن واقدِ بنِ عَمْرو، عن نافع بنِ جُبير، عن مسعودِ بنِ الحكم، عن عليِّ بن أبي طالب قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ قام مرةً واحدةً ثم لم يَعُدْ. حدَّثنا عبدُ الوارث (٧)، حدَّثنا قاسمٌ، حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٨): حدَّثنا

стр. 8292

مالكُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا زهير، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، قال: أخبرني واقدُ بنُ عَمْرِو بنِ سَعْدِ بنِ معاذ قال: بينما أنا واقفٌ أنتظِرُ جِنازةً تُوضَعُ، فلمّا وُضِعَتْ جلَستُ إلى نافع بنِ جبيرِ بنِ مُطعِم، فقال لي نافعٌ: كأنك نظَرت هذه الجِنازةَ أن تُوضَعَ؟ قلت: أجل. قال نافعٌ (١): حدَّثني مسعودُ بنُ الحكم الأنصاريُّ، أنه سمع عليَّ بنَ أبي طالب يقول: إنَّ رسولَ الله ﷺ قام ثم قعَد. قال أبو عُمر: اتفق مالكٌ وابنُ عُيينةَ وزهيرٌ على واقدِ بنِ عَمْرو، فدلَّ ذلك على أن قولَ محمدِ بنِ عَمْرو: واقدُ بنُ عُمر، خطأ، هذا إن صحَّ عن محمدِ بنِ عَمْرو. وأما روايةُ يحيى وقوله: "واقدُ بنُ سَعْد" فجائزٌ أن يُنسبَ المرءُ إلى جدِّه، والذي عند جمهورِ الرواة لـ"الموطأ": واقدُ بنُ عَمْرِو بنِ سَعْد (٢). وقد روَى هذا الحديثَ عن مسعودِ بنِ الحكم ابنُه قيسُ بنُ مسعود. ذكَر عبدُ الرزاق (٣)، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني موسى بنُ عقبة، عن قيسِ بنِ مسعود، عن أبيه، أنه شهِد جِنازةً مع عليِّ بنِ أبي طالب بالكوفة، فرأى

стр. 8293

الناسَ قيامًا يَنتظرون الجِنازةَ أن تُوضَعَ، فأشار إليهم أن اجلِسُوا، فإنّ رسولَ الله ﷺ قد جلَس بعدَ ما كان يقوم. ورواه أيضًا عن مسعودِ بنِ الحكم محمدُ بنُ المنكدر. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى المقرئ (١)، قال: حدَّثنا عبيدُ الله (٢) بنُ محمدِ بنِ حَبابةَ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز البغويُّ، قال (٣): حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا وَكيعٌ. قال البغويُّ: وحدَّثنا خلّادٌ، قال: أخبرنا النضرُ بنُ شُميل. قال البغويُّ: وحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكير. قال البغويُّ: وحدَّثنا عليُّ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا أبو داود (٤). قال البغويُّ: وحدَّثنا عباسٌ، قال: حدَّثنا قُرادٌ؛ قالوا كلُّهم: حدَّثنا شُعبةُ، عن محمدِ بنِ المُنكدر، عن مسعودِ بنِ الحكم، عن عليِّ بنِ أبي طالب قال: قام رسولُ الله ﷺ للجِنازةِ فقُمْنا، ثم جلَس فجلَسنا. وهذا لفظُ حديثِ وَكيع. واختُلِف أيضًا في القيام على القبرِ بعد أن تُوضَعَ الجِنازةُ في اللَّحْد، فكَرِة ذلك قومٌ وعَمِلَ به آخرون.

стр. 8294

ذكَر مالكٌ (١)، عن أبي بكرِ بنِ عثمانَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف، أنه سَمِع أبا أمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف يقول: كنّا نشهَدُ الجنائزَ، فما يَجلِسُ آخرُ الناس حتى يُؤذَنوا. وهذا عندي لم يدخلْ في المَنْسوخ؛ لأنَّ النسخَ إنما جاء في القيام للجِنازةِ عند رؤيتِها إذا شُيِّعت حتى تُوضَعَ، وقد كان من أهل العلم جماعةٌ يذهَبون إلى نسْخِ القيام على القبرِ وغيرِه في الجنائز. وأظنُّهم ذهَبوا إلى أن القيامَ كلَّه في الجنائز منسوخٌ؛ لقول عليٍّ: كان رسولُ الله ﷺ يقومُ في الجنائز، ثم قعَد بعْدُ. ومن ها هنا، واللهُ أعلم، قال أبو قلابة: قيامُ الرجلِ على القبرِ حتى يُوضَعَ الميتُ في اللَّحدِ بدعةٌ (٢). وقد جاء عن عليٍّ، وهو راوي حديثِ النّسخ، ما يدُلُّ على أنَّ القيامَ على اللَّحدِ لم يدخلْ في النَّسْخ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُليم (٣)، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو مروانَ عبدُ الملك بنُ حبيبٍ المِصِّيصيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك (٤)، عن قيسِ بنِ سُلَيم (٥)، عن عُميرِ بنِ سعيد (٦): أنَّ عليًّا قام على قبرِ ابنِ المُكَفَّف، فقيل له: ألا تجلِسُ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: قليلٌ لأخينا قيامُنا على قبرِه (٧).

стр. 8295

قال ابنُ وَضّاح (١): وحدَّثنا يزيدُ بنُ مَوْهَب، عن يحيى بن زكريا بنِ أبي زائدة، عن مالكِ بنِ مِغْوَل، عن عُميرِ بنِ سعيد (٢)، عن عليٍّ (٣) مثلَه. قال ابنُ وَضّاح: وحدَّثنا موسى (٤)، حدَّثنا وَكيعٌ، عن سُفيانَ، عن قيس، عن عُميرِ بنِ سعيد، عن عليٍّ قال: ليَلِ أحدُكم القيامَ على قبرِ أخيه حتى يَدفِنَه (٥). قال: وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَيْفور، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ شقيق، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ واقد، عن فرقَدٍ السَّبَخيِّ، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: رأيتُ ابنَ عُمرَ قام على قبرٍ قائمًا حين وُضِع في القبرِ وقال: يُستحبُّ إذا أُنِسَ من الرّجُلِ الخيرُ أن يُفعلَ به ذلك (٦). قال: وحدَّثنا يوسفُ بنُ عَدِيٍّ (٧)، عن أبي المَليح (٨)، عن ميمونِ بنِ مِهْران،

стр. 8296

أنه وقَف على قبر، فقيل له: أواجبٌ هذا؟ قال: لا، ولكنَّ هؤلاء أهلُ بيت، هذا لهم منِّي قليل. وقد رُوِيَ في هذا المعنى حديثٌ حسنٌ مرفوع. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُليم (١)، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو خيثمةَ مُصعَبُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَلَمة، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباس: أنَّ رسولَ الله ﷺ قام على قبرٍ حتى دُفِنَ (٢). وذكر يعقوبُ بنُ شيبة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إدريسَ الأُسْواريُّ وإسحاقُ بنُ أبي إسرائيل، قالا: حدَّثنا هشامُ بنُ يوسفَ الصَّنعانيُّ، عن عبدِ الله بنِ بَحِير، وأثنَى عليه خيرًا، أنه سمِع هانئًا مولى عثمانَ بنِ عفانَ يذكرُ عن عثمان،

стр. 8297

قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا فرَغ من دفنِ الرَّجل وقَف عليه فقال: "استغفِروا لأخيكم وسَلوا له التَّثَبتَ، فإنه الآن يُسألُ" (١). وبهذا الإسنادِ عن هانئ مولى عثمانَ قال: كان عثمانُ إذا وقَف على قبرٍ بكَى حتى يَبُلَّ لحيتَه، فقيل له: تذكُرُ الجنةَ والنارَ فلا تَبكي، وتبكي من هذا؟ قال: فإن رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ القبرَ أولُ منازلِ الآخرة، فإن نجا منه، فما بعدَه أيسرُ منه، وإن لم يَنْجُ منه، فما بعدَه أشدُّ منه". وقال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما رأيتُ منظرًا إلا والقبرُ أفظعُ منه" (٢)، وبالله التوفيق (٣).

стр. 8298

يحيى عن عُبادة بن الوليد حديثٌ موفي ثلاثين ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، قال: أخبرني عُبادةُ بنُ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصّامت، عن أبيه، عن جدِّه قال: بايَعْنا رسولَ الله ﷺ على السَّمْع والطاعة؛ في العُسرِ واليُسر، والمَنشطِ والمَكره، وألّا نُنازعَ الأمرَ أهلَه، وأن نقول، أو نقوم، بالحقِّ حيثُما كنّا، لا نخافُ في الله لومةَ لائم. هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالك بهذا الإسنادِ جمهورُ رواتِه (٢)، وهو الصحيح، وما خالفه عن مالك فليس بشيء. وقد اختُلف فيه على يحيى بن سعيد؛ فرواه بعضُهم عنه، عن عُبادةَ بنِ الوليد، عن أبيه قال: بايعنا رسولَ الله ﷺ . الحديث (٣)، لم يَذكرْ عُبادةَ بنَ الصامت، وزعَم أنَّ البيعةَ المذكورةَ في هذا الحديث ليست بيعةَ العقبة، وأنَّ الوليدَ بنَ عبادةَ له صحبةٌ، وأنه ممكن أن يُشاهدَ هذه البيعة؛ لأنها كانت على الحرب، وذلك بالمدينة.

стр. 8299

ورواه سُفيانُ بنُ عُيينة، عن يحيى بنِ سعيد، عن عُبادةَ بنِ الوليد، عن جدِّه عُبادةَ بنِ الصّامت، لم يذكرِ الوليدَ بنَ عُبادة. هكذا رواه الحُميديُّ (١)، عن ابنِ عُيَيْنة. ورواه أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن يحيى بنِ سعيد، عن الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصّامت، عن أبيه. لم يذكرْ عُبادةَ بنَ الوليد، وهذا عندي غلَط، واللهُ أعلم، والصحيحُ فيه إن شاء الله: يحيى بنُ سعيد، عن عبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصّامت، عن أبيه، عن جدِّه. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاق، قال: حدَّثني عُبادةُ بنُ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصّامت، عن أبيه الوليد، عن أبيه عُبادةَ بنِ الصّامت، وكان أحدَ النُّقباء، قال: بايعْنا رسولَ الله ﷺ بيعةَ الحرب، وكان عُبادةُ من الاثنَي عشرَ الذين بايَعُوا في العقبة الأولى، على السمع والطاعةِ في عُسْرِنا ويُسرِنا، ومَنشطِنا ومَكرَهِنا، وألّا نُنارعَ الأمرَ أهلَه، وأن نقولَ بالحقِّ حيثُما كنّا، لا نخافُ في الله لومةَ لائم.

стр. 8300

قال أبو عُمر: كان عُبادةُ بنُ الصّامتِ قد شهِد العقبةَ الأولى والثانية، وشهِد بدرًا والحُدَيبية والمشاهدَ كلَّها، وبايع رسولَ الله ﷺ مرارًا، وقد ذكَرْنا من خبرِه في كتاب "الصحابة" (١) ما فيه كفايةٌ. حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ سلمانَ بنِ الحسنِ النجّادُ الفقيهُ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٢): حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سَعْد، قال: حدَّثني أبي، عن ابنِ إسحاق، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي حبيب، عن مَرْثدِ بنِ عبدِ الله اليَزَنيِّ، عن أبي عبدِ الله عبدِ الرحمنِ بنِ عُسَيلَةَ الصُّنابحيِّ، عن عُبادةَ بنِ الصّامتِ قال: كنتُ فيمن حضَر العقبةَ الأولى، وكنا اثني عشرَ رجلًا، فبايعْنا رسولَ الله ﷺ على بيعةِ النِّساء، وذلك قبلَ أن يُفترضَ عليهم الحربُ، على ألّا نُشركَ بالله شيئًا، ولا نسرقَ ولا نَزني، ولا نقتُلَ أولادَنا، ولا نأتي ببُهتانٍ نفتَريه بين أيدينا وأرجلِنا، ولا نَعصيَه في معروف، "فإن وفَّيتُم فلكُمُ الجنةُ، وإن غَشيتُم من ذلك شيئًا فأمرُكم إلى الله؛ إن شاء عذَّب، وإن شاء غفَر". قال أحمدُ بنُ حنبل (٣): وحدَّثنا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، قال: حدَّثني

стр. 8301

أبي ومجالد، عن عامرٍ الشعبيِّ، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ قال: انطلَق النبيُّ ﷺ معه العباسُ عمُّه إلى السبعين من الأنصار عندَ العقبةِ تحتَ الشجرة، فقال: ليتكلَّم متكلِّمُكم، ولا يُطيلُ الخطبة؛ فإنَّ عليكم من المشركين عَيْنًا، وإن يعلَموا بكم يَفضَحوكم. قال قائلُهم، وهو أبو أمامة: سلْ يا محمدُ لربِّك ما شئتَ، وسلْ لنفسِك ولأصحابِك ما شئتَ، ثم أخبرْنا بما لنا من الثواب على الله إذا فعَلْنا ذلك. قال: "أسألُكم لربِّي أن تعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأسألُكم لنفسي ولأصحابي أن تُؤوونا وتَنصُرونا وتَمنعُونا مما مَنَعتُم منه أنفسَكم". قالوا: فما لنا إذا فعَلْنا ذلك؟ قال: "لكم الجنةُ". قالوا: فلك ذلك. قال الشعبيُّ: وكان أبو مسعودٍ أصغرَهم. قال أحمدُ بنُ حنبل (١): وحدَّثني يحيى بن زكريا، قال: حدَّثني إسماعيلُ بنُ أبي خالد، قال: سمِعتُ الشعبيَّ يقول: ما سمع الشِّيبُ ولا الشُّبّانُ خطبةً مثلَها. قال أبو عُمر: هذه البيعةُ التي انفرَد بها الأنصارُ بهذا اللفظ وهذا المعنى، وسائرُ البيعاتِ التي ذكَر عُبادةُ وغيرُه هي بيعاتٌ كمبايَعاتِ الناس؛ قريشٍ والأنصارِ وسائرِ أفْناء (٢) العرب ممّن دخَل في الإسلام، والله أعلم.

стр. 8302

قال أحمدُ بنُ حنبل (١): سمِعتُ سُفيانَ بنَ عُيينةَ وقيل له: تُسمِّي النُّقباء؟ فقال: نعم؛ سَعْدُ بنُ عبادة، وأسعدُ بنُ زُرارة، وسَعْدُ بنُ الربيع، وسَعْدُ بنُ خَيْثمة، وعبدُ الله بنُ رَوَاحة، والمنذرُ بنُ عَمْرو، وأبو الهيثم بنُ التَّيِّهان، والبَرَاءُ بنُ مَعْرور، وأُسيدُ بنُ حُضير، وعبدُ الله بنُ عَمْرِو بنِ حَرام أبو جابر، وعُبادةُ بنُ الصّامت، ورافع بنُ مالك من بني زُريق. قال سُفيان: عبادةُ عَقَبيٌّ بدْرِيٌّ أُحُديٌّ شَجَريٌّ نَقيبٌ. قال أبو عُمر: ما ذكَره سُفيانُ في النُّقباءِ خلافُ ما ذكَره ابنُ إسحاقَ فيهم في السِّير، فاللهُ أعلم، ولم يَختلِفوا أنهم اثنا عشرَ رجلًا (٢)، وهم الذين بايَعُوا رسولَ الله ﷺ في العقبةِ الأولى؛ وكان بينَها وبينَ العقبةِ الثانيةِ عامٌ أو نحوُه، وكانوا في بيعةِ العقبةِ الثانيةِ ثلاثًا وسبعين رجلًا - فيما ذكَر ابنُ إسحاقَ - وامرأتين، وكانت العقبةُ الثانيةُ قبلَ الهجرةِ بأشهُرٍ يسيرة. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سلمان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا حجّاجُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثنا عُقيلٌ، عن ابنِ شهاب، أنه كان بينَ ليلةِ العقبةِ وبينَ مهاجَرِ رسولِ الله ﷺ ثلاثةُ أشهرٍ أو نحوُها. قال: وكانت بيعةُ الأنصارِ ليلةَ العَقَبةِ في ذي الحجة، وقدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ في ربيع الأول (٤).

стр. 8303

حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن سيّار ويحيى بنِ سعيد، أنهما سمِعا عُبادةَ بنَ الوليدِ يُحدِّثُ، عن أبيه. قال سيارٌ: عن النبيِّ ﷺ . وقال يحيى بن سعيد: عن أبيه، عن جدِّه قال: بايعْنا رسولَ الله ﷺ على أن نقومَ بالحقِّ حيثُما كان (٢). فهذا شُعبةُ قد جوَّده، ففرَّق بينَ روايةِ سيّارٍ وروايةِ يحيى بن سعيد، فدلَّ ذلك على صحّةِ مَن جَعَلَ حديثِ يحيى بنِ سعيد، عن عبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادة، عن أبيه، عن جدِّه. حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوردِ وعبدُ الرحمن بنُ عُمرَ بنِ إسحاق، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابر، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: حدَّثنا مالكٌ والليثُ بنُ سَعْد، عن يحيى بنِ سعيد، قال: حدَّثني عُبادةُ بنُ الوليدِ بنِ عُبادة، قال: أخبرني أبي، عن عُبادةَ بنِ الصّامت، قال: بايعتُ

стр. 8304

رسولَ الله ﷺ على العُسرِ واليُسر، والمَكرهِ والمَنشَط، وألّا نُنازعَ الأمرَ أهلَه، وأن نقومَ، أو نقولَ، بالحقِّ حيثُما كُنّا، لا نخافُ في الله لومةَ لائم (١). وهذا هو الصحيحُ في إسنادِ هذا الحديثِ إن شاء الله. وأما قوله فيه: "بايعْنا رسولَ الله ﷺ على السمع والطاعة" فقولٌ مجمَلٌ، يفسِّرُه حديثُ مالك (٢)، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن ابنِ عُمرَ، قال: كنّا إذا بايعْنا رسولَ الله ﷺ على السمع والطاعةِ يقول لنا: "فيما استطعْتُم". وكذلك كان أخْذُه على النِّساءِ في البيعة، كان يقولُ لهنَّ: "فيما استَطَعتُنَّ وأطَقْتُنَّ" (٣). وهذا كلُّه يتضمَّنُه قولُ الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولا يلزَمُ من طاعةِ الخليفةِ المبايَع إلّا ما كان في المعروف؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يكنْ يأمرُ إلّا بالمعروف، وقد قال ﷺ : "إنما الطاعةُ في المعروف" (٤). وأجمع العلماءُ على أنَّ من أمَر بمنكرٍ لا تَلزَمُ طاعتُه، قال اللهُ : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عَمار، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم،

стр. 8305

قال: حدَّثنا ابنُ ثَوْبان، قال: حدَّثني عُميرُ بنُ هانئ، قال: حدَّثني جُنادةُ بنُ أبي أُمية، قال: حدَّثني عُبادةُ بنُ الصّامت قال: قال رسولُ الله ﷺ : "عليك بالسمع والطاعة؛ في عُسرِك ويسرِك، ومنشَطِك ومكرهِك، وأثَرَةٍ عليك، وألّا تُنازِعَ الأمرَ أهلَه، إلّا أن يأمُروك بأمرٍ عندَك تأويلُه من الكتاب". قال عُميرٌ: وحدَّثني خُضيرٌ السُّلميُّ (١)، أنه سَمِع عُبادةَ بنَ الصامتِ يُحدِّثُ به عن النبيِّ ﷺ . قال خُضيرٌ: فقلت لعبادة: أفرأيتَ إن أنا أطَعْتُه؟ قال: يُؤخَذُ بقوائمِك فتُلْقَى في النارِ ولْيجئ هذا فيُنقِذَك (٢). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا الحوطيُّ، قال: حدَّثنا بقيّةُ بنُ الوليد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثني ربيعةُ بنُ يزيد، قال: قعَدتُ إلى الشعبيِّ بدمشقَ في خلافةِ عبدِ الملك، فحدَّث رجلٌ من التابعين عن رسولِ الله ﷺ أنه قال: "اعبُدُوا ربَّكم ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأقيموا الصلاةَ، وآتوا الزكاةَ، وأطيعُوا الأمراءَ، فإن كان خيرًا فلَكُم، وإن كان شرًّا فعلَيهم، وأنتُم منه بَراءٌ". قال الشعبيُّ: كذَبتَ، لا طاعةَ في معصية، إنما الطاعةُ في المعروف (٣).

стр. 8306

وأما قوله: "في العُسْرِ واليُسْر، والمَنشَطِ والمَكْرهِ" فمعناه: فيما نَقدِرُ عليه، وإن شقَّ علينا أو يَسَر بنا، وفيما نُحِبُّه ونَنشَطُ له، وفيما نكرَهُه ويثقُلُ علينا. وعلى هذا المعنى جاء حديثُ ابن عُمرَ عن النبيِّ ﷺ في ذلك. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم ومحمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى المَرْوزيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا ليثُ بنُ سَعْد، عن عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ ﷺ قال: "على المرءِ المُسلم السمعُ والطاعةُ فيما أحبَّ أو كرِهَ" (١). وروَى عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، عن سُفيانَ الثوريِّ، عن محمدِ بنِ المُنكَدِر قال: قال ابنُ عُمرَ حينَ بُويعَ يزيدُ بنُ مُعاوية: إن كان خيرًا رضينا، وإن كان بلاءً صبَرْنا (٢). وأما قوله: "وألّا نُنازعَ الأمرَ أهلَه" فاختلَف الناسُ في ذلك؛ فقال قائلون: أهلُه أهلُ العدلِ والإحسانِ والفضلِ والدين، فهؤلاء لا يُنازَعُون لأنّهم أهلُه،

стр. 8307

وأما أهلُ الجَورِ والفسقِ والظُّلم فليسُوا له بأهل، ألا ترَى إلى قولِ الله لإبراهيمَ ﵇، قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. وإلى منازعةِ الظالم الجائرِ ذهَبت طوائفُ من المعتزلةِ وعامةُ الخوارج، وأما أهلُ الحقِّ، وهم أهلُ السُّنة، فقالوا: هذا هو الاختيارُ أن يكونَ الإمامُ فاضلًا عدْلًا مُحسِنًا، فإن لم يكنْ فالصبرُ على طاعةِ الجائرِ من الأئمَّةِ أوْلى من الخروج عليه؛ لأنَّ في منازعتِه والخروجِ عليه استبدالَ الأمنِ بالخوف (١)، ولأنّ ذلك يَحمِلُ على هِراقةِ الدِّماء وشنِّ الغاراتِ والفسادِ في الأرض، وذلك أعظمُ من الصَّبرِ على جَوْره وفِسْقِه، والأصولُ تشهَدُ والعقلُ والدِّينُ: أنَّ أعظمَ المكروهَيْنِ أولاهُما بالترك، وكلُّ إمام يُقيمُ الجمُعةَ والعيدَ، ويُجاهِدُ العدوَّ، ويُقيمُ الحُدودَ على أهل العَداء، ويُنصفُ الناسَ من مظالمِهم بعضِهم لبعض، وتَسكُنُ له الدَّهْماء، وتأمَنُ به السُّبلُ، فواجبٌ طاعتُه في كلِّ ما يأمُرُ به من الصَّلاح أو منَ المُباح. حدّثني خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ سُليمانَ ومحمدُ بنُ عُمر، قالا: حدَّثنا أبو زيدِ عبدُ الرحمن بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ موسى، عن الأعمش، عن زيد بنِ وَهْب، عن عبدِ الرحمن بنِ عبدِ ربِّ الكعبة، عن عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص، قال: كنّا مع النبي ﷺ في سفر، فنزَلْنا منزلًا، فمِنّا من يَنتَضِلُ، ومنّا مَن يُصلِحُ خِباءَه، ومنّا مَن هو في جَشَرِه، إذ نادَى منادي رسول الله ﷺ : الصلاةَ جامعةً. فانتهَيتُ إلى رسولِ الله ﷺ وهو يقول: "إنه لم يكنْ نبيٌّ قبْلي إلا كان لله عليه حقًّا أن يدُلُّ أُمَّتَه على الذي هو خيرٌ لهم، ويُنذرَهم الذي هو شرٌّ لهم، وإنَّ هذه الأمةَ جُعِلت عافيتُها في أوَّلها، وسيُصيبُ

стр. 8308

آخرَها بلاءٌ وأمورٌ يُنكِرونَها، وفتنٌ يَدْفِقُ (١) بعضُها بعضًا، تجيءُ الفتنةُ فيقولُ المؤمن: هذه مُهلِكَتي، ثم تنكَشِفُ. ثم تجيءُ أخرى فيقول: هذِه هذِه، ثم تنكَشِفُ. فمَن أحبَّ أن يُزَحْزَحَ عن النارِ ويُدخَلَ الجنة، فلتُدْرِكْه منيَّتُه وهو يُؤمنُ بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناسِ ما يُحبُّ أن يُؤتى إليه، ومَن بايَع إمامًا فأعطاه صفْقةَ يمينِه وثمرةَ قلبه، فليُطِعْه ما استطاع، فإن جاء أحدٌ يُنازِعُه فاضرِبُوا عُنقَ الآخَر". قال عبدُ الرحمن: ففرَّجتُ في الناسِ فقلت: أنتَ سمِعتَ هذا من رسولِ الله ﷺ ؟ قال: سمِعَتْهُ أُذنايَ ووعاه قلبي. قلت: إنّ هذا ابنَ عمِّك مُعاويةَ يأمرُنا أن نأكُلَ أموالَنا بينَنا بالباطل، ونقتُلَ أنفُسَنا، واللهُ يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨، النساء: ٢٩]. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. قال: فضرَب بيدِه على جبهتِه وأكبَّ طويلًا، ثم قال: أطِعْه فيما أطاع الله، واعْصِه فيما عصىَ الله (٢).

стр. 8309

قال أبو عُمر: قوله في هذا الحديث: "ومنّا من يَنتَضِلُ" فإنه يريدُ الرميَ إلى الأغراض. وقوله: "ومنّا من هو في جَشَرِه" يريدُ أنه خرَج في إبلِه يرعاها. حدَّثنا أحمدُ بنُ فتح وعبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قالا: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ إسحاقُ بنُ بُنانِ بنِ مَعْنٍ الأنماطيُّ البغداديُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عيّاش، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "تَعِسَ عبدُ الدِّينار، وعبدُ الدرهم، وعبدُ القطيفة، وعبدُ الخَميصَة؛ إن أُعطيَ رضي، وإن لم يُعْطَ لم يَفِ" (١). وأما قوله: "وأن نقوم، أو نقول، بالحقِّ" فالشكُّ من المحدِّث، إمّا يحيى بنُ سعيد، وإما مالكٌ، فإنه لم يُختلَفْ عن مالكٍ في ذلك، وفي ذلك دليلٌ على الإتيانِ بالألفاظِ ومُراعاتها، وقد بيَّنّا هذا المعنى في كتاب "العلم" (٢). وأما قوله: "لا نخافُ في الله لومةَ لائم" فقد أجمَع المسلمون أن المنكَرَ واجبٌ تغييرُه على كلِّ مَن قدَر عليه، وإنه إذا لم يَلحَقْه في تغييرِه إلا اللومُ الذي لا يَتعدَّى إلى الأذى، فإن ذلك لا يَجبُ أن يَمنعَه من تغييرِه بيدِه، فإن لم يَقدِرْ فبلسانِه، فإن لم يَقدِرْ فبقلبِه، ليس عليه أكثرُ من ذلك، وإذا أنكَره بقلبه فقد أدَّى ما عليه إذا لم يَستَطِعْ سوى ذلك، والأحاديثُ عن النبيِّ ﷺ في تأكيدِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي

стр. 8310

عن المُنكَرِ كثيرةٌ جدًّا، ولكنَّها كلَّها مقيَّدةٌ بالاستطاعة. قال أبو ذرٍّ: أوْصاني رسولُ الله ﷺ أن أقولَ الحقَّ وإن كان مُرًّا، وألّا أخافَ في الله لومةَ لائم (١). وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ من وجوهٍ أنه قال: "أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عندَ ذي سلطان" (٢). وقال الله : ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]. ولما وجَبَتْ مجاهدةُ الكفارِ حتى يَظهرَ دينُ الله، فكذلك كلُّ مَن عانَد الحقَّ من أهلِ الباطل، واجبٌ مجاهدتُه على من قدَر عليه حتى يَظهرَ الحقُّ. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن، عن سُفيان، عن زُبيد (٤)، عن الشعبيِّ، عن أبي جُحَيفةَ قال: قال عليٌّ: الجهادُ بثلاثةٍ؛ باليدِ واللِّسانِ والقَلْب، فأولُها اليدُ، ثم اللسانُ، ثم القلبُ، فإذا كان لا يَعرِفُ معروفًا ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، نُكِّس فجُعِل أعلاه أسفلَه (٥).

стр. 8311

حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن مُعاويةَ بنِ إسحاق، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباس: آمُرُ بالمعروفِ وأنهى عن المنكر؟ قال: إن خَشِيتَ أن يُقتُلَكَ فلا (١). أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى بنِ جميل، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ (٢)، قال: أخبرنا الأصمعيُّ، عن أبي الأشهب، عن الحسن، قال: إنما يُكلَّمُ مؤمنٌ يُرجَى، أو جاهلٌ يُعَلَّمُ، فأما مَن وضَع سيفَه أو سَوْطَه، وقال لك: اتَّقِني اتَّقِني. فما لكَ وله. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أيوب (٣)، عن مُطرِّفِ بنِ الشِّخِّير، أنه كان يقول: لئن لم يكنْ لي دينٌ حتى أقومَ إلى رجُل معه مئةُ ألفِ سيفٍ أرْمي إليه كلمةً فيَقتُلَني، إنَّ ديني إذن لضيِّقٌ.

стр. 8312

حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا ابنُ بشار، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن، قال: حدَّثنا سُفيان. وحدَّثنا أحمدُ (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، جميعًا عن قيسِ بنِ مُسلم، عن طارقِ بنِ شهاب، قال: جاء عِتْريسُ بنُ عُرقوب إلى عبدِ الله فقال: هَلَك مَن لم يأمُرْ بالمعروفِ وَينْهَ عن المنكر. فقال عبدُ الله: بل هَلَك مَن لم يَعرِفِ المعروفَ بقلبِه، ويُنكِرِ المنكرَ بقلبِه (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عمير، قال: سمِعتُ ربيعَ بنَ عُمَيْلةَ قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ يقول: حَسْبُ المؤمنِ إذا رأى منكرًا لا يَستطيعُ تغييرَه أن يَعلمَ اللهُ من قلبِه أنه له (٣) كارهٌ (٤).
следующие страницы →