← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8308–8347 · переход к 8313.

стр. 8308

آخرَها بلاءٌ وأمورٌ يُنكِرونَها، وفتنٌ يَدْفِقُ (١) بعضُها بعضًا، تجيءُ الفتنةُ فيقولُ المؤمن: هذه مُهلِكَتي، ثم تنكَشِفُ. ثم تجيءُ أخرى فيقول: هذِه هذِه، ثم تنكَشِفُ. فمَن أحبَّ أن يُزَحْزَحَ عن النارِ ويُدخَلَ الجنة، فلتُدْرِكْه منيَّتُه وهو يُؤمنُ بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناسِ ما يُحبُّ أن يُؤتى إليه، ومَن بايَع إمامًا فأعطاه صفْقةَ يمينِه وثمرةَ قلبه، فليُطِعْه ما استطاع، فإن جاء أحدٌ يُنازِعُه فاضرِبُوا عُنقَ الآخَر". قال عبدُ الرحمن: ففرَّجتُ في الناسِ فقلت: أنتَ سمِعتَ هذا من رسولِ الله ﷺ ؟ قال: سمِعَتْهُ أُذنايَ ووعاه قلبي. قلت: إنّ هذا ابنَ عمِّك مُعاويةَ يأمرُنا أن نأكُلَ أموالَنا بينَنا بالباطل، ونقتُلَ أنفُسَنا، واللهُ يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨، النساء: ٢٩]. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. قال: فضرَب بيدِه على جبهتِه وأكبَّ طويلًا، ثم قال: أطِعْه فيما أطاع الله، واعْصِه فيما عصىَ الله (٢).

стр. 8309

قال أبو عُمر: قوله في هذا الحديث: "ومنّا من يَنتَضِلُ" فإنه يريدُ الرميَ إلى الأغراض. وقوله: "ومنّا من هو في جَشَرِه" يريدُ أنه خرَج في إبلِه يرعاها. حدَّثنا أحمدُ بنُ فتح وعبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قالا: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ إسحاقُ بنُ بُنانِ بنِ مَعْنٍ الأنماطيُّ البغداديُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عيّاش، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "تَعِسَ عبدُ الدِّينار، وعبدُ الدرهم، وعبدُ القطيفة، وعبدُ الخَميصَة؛ إن أُعطيَ رضي، وإن لم يُعْطَ لم يَفِ" (١). وأما قوله: "وأن نقوم، أو نقول، بالحقِّ" فالشكُّ من المحدِّث، إمّا يحيى بنُ سعيد، وإما مالكٌ، فإنه لم يُختلَفْ عن مالكٍ في ذلك، وفي ذلك دليلٌ على الإتيانِ بالألفاظِ ومُراعاتها، وقد بيَّنّا هذا المعنى في كتاب "العلم" (٢). وأما قوله: "لا نخافُ في الله لومةَ لائم" فقد أجمَع المسلمون أن المنكَرَ واجبٌ تغييرُه على كلِّ مَن قدَر عليه، وإنه إذا لم يَلحَقْه في تغييرِه إلا اللومُ الذي لا يَتعدَّى إلى الأذى، فإن ذلك لا يَجبُ أن يَمنعَه من تغييرِه بيدِه، فإن لم يَقدِرْ فبلسانِه، فإن لم يَقدِرْ فبقلبِه، ليس عليه أكثرُ من ذلك، وإذا أنكَره بقلبه فقد أدَّى ما عليه إذا لم يَستَطِعْ سوى ذلك، والأحاديثُ عن النبيِّ ﷺ في تأكيدِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي

стр. 8310

عن المُنكَرِ كثيرةٌ جدًّا، ولكنَّها كلَّها مقيَّدةٌ بالاستطاعة. قال أبو ذرٍّ: أوْصاني رسولُ الله ﷺ أن أقولَ الحقَّ وإن كان مُرًّا، وألّا أخافَ في الله لومةَ لائم (١). وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ من وجوهٍ أنه قال: "أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عندَ ذي سلطان" (٢). وقال الله : ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]. ولما وجَبَتْ مجاهدةُ الكفارِ حتى يَظهرَ دينُ الله، فكذلك كلُّ مَن عانَد الحقَّ من أهلِ الباطل، واجبٌ مجاهدتُه على من قدَر عليه حتى يَظهرَ الحقُّ. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن، عن سُفيان، عن زُبيد (٤)، عن الشعبيِّ، عن أبي جُحَيفةَ قال: قال عليٌّ: الجهادُ بثلاثةٍ؛ باليدِ واللِّسانِ والقَلْب، فأولُها اليدُ، ثم اللسانُ، ثم القلبُ، فإذا كان لا يَعرِفُ معروفًا ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، نُكِّس فجُعِل أعلاه أسفلَه (٥).

стр. 8311

حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن مُعاويةَ بنِ إسحاق، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباس: آمُرُ بالمعروفِ وأنهى عن المنكر؟ قال: إن خَشِيتَ أن يُقتُلَكَ فلا (١). أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى بنِ جميل، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ (٢)، قال: أخبرنا الأصمعيُّ، عن أبي الأشهب، عن الحسن، قال: إنما يُكلَّمُ مؤمنٌ يُرجَى، أو جاهلٌ يُعَلَّمُ، فأما مَن وضَع سيفَه أو سَوْطَه، وقال لك: اتَّقِني اتَّقِني. فما لكَ وله. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أيوب (٣)، عن مُطرِّفِ بنِ الشِّخِّير، أنه كان يقول: لئن لم يكنْ لي دينٌ حتى أقومَ إلى رجُل معه مئةُ ألفِ سيفٍ أرْمي إليه كلمةً فيَقتُلَني، إنَّ ديني إذن لضيِّقٌ.

стр. 8312

حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا ابنُ بشار، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن، قال: حدَّثنا سُفيان. وحدَّثنا أحمدُ (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، جميعًا عن قيسِ بنِ مُسلم، عن طارقِ بنِ شهاب، قال: جاء عِتْريسُ بنُ عُرقوب إلى عبدِ الله فقال: هَلَك مَن لم يأمُرْ بالمعروفِ وَينْهَ عن المنكر. فقال عبدُ الله: بل هَلَك مَن لم يَعرِفِ المعروفَ بقلبِه، ويُنكِرِ المنكرَ بقلبِه (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عمير، قال: سمِعتُ ربيعَ بنَ عُمَيْلةَ قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ يقول: حَسْبُ المؤمنِ إذا رأى منكرًا لا يَستطيعُ تغييرَه أن يَعلمَ اللهُ من قلبِه أنه له (٣) كارهٌ (٤).

стр. 8313

حدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي حَسّان، عن ابنِ لَهِيعة، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لمؤمنٍ أن يُذِلَّ نفسَه". قالوا: يا رسولَ الله، وما إذلالُه نفسَه؟ قال: "يَتعرَّضُ من البلاءِ لما لا يقومُ له" (٢). وقد زِدْنا هذا المعنى بيانًا بالآثارِ في بابِ بلاغ مالكٍ عن أمِّ سَلَمةَ قولهَا: يا رسولَ الله، أنهلِكُ وفينا الصالحون؟ وأشْبَعْناه هناك (٣)، والحمدُ لله، وبه التوفيق.

стр. 8314

يحيى عن محمد بن يحيى بن حَبّان أربعة أحاديث (١) حديثٌ حادي وثلاثون ليَحيى بن سعيدٍ مالكٌ (٢)، عن يَحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، أنّ زيدَ بنَ خالدٍ الجُهَنيَّ قال: توفّي رجلٌ يومَ خيبر، وأنّهم ذكَروا ذلك لرسولِ الله ﷺ ، فزَعَم أنه قال: "صلُّوا على صاحبكُم" فتغيَّرتْ وُجوهُ الناس لذلك، فزعَمَ زيدٌ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّ صاحِبَكُم قد غَلَّ في سبيلِ الله" قال: ففتَحْنا متاعَهُ، فوجَدْنا خَرَزاتٍ من خَرَزِ يهودَ ما تُساوِينَ دِرهَمين. هكذا في كتاب يَحيى وروايتِه: عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، أنّ زيدَ بنَ خالد. لم يقل: عن أبي عَمْرة، ولا عن ابنِ أبي عَمْرة. وهو غلطٌ منه، وسقَطَ من كتابه ذِكْرُ أبي عَمْرة. واختلف أصحابُ مالكٍ في أبي عَمْرة، أو ابنِ أبي عَمْرةَ في هذا الحديث أيضًا: فقال القَعنبيُّ (٣)، وابنُ القاسم (٤)، ومعنُ بنُ عيسى، وأبو المُصعَب (٥)، وسعيدُ بنُ عُفير، وأكثر النسخ عن ابن بُكَير، كلُّهم قالوا في هذا الحديث: عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن ابنِ أبي عَمْرةَ، أنّ زيدَ بنَ خالدٍ الجُهنيِّ قال: توفِّي رجل؛ فذكَروا الحديث.

стр. 8315

وقال ابنُ وَهْب (١)، ومصعبٌ الزُّبيري (٢)، عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن أبي عَمْرةَ، عن زيدِ بنِ خالد. وابنُ وَهْب يقول في حديث: ألا أُخبرُكم بخيرِ الشُّهداء: مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكر، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ عثمان، عن ابنِ أبي عَمْرة. وسمّاهُ عبدُ الرحمن (٣)؛ واختلافُ أصحابِ مالكٍ عن مالكٍ في إسناد حديثِ عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ هذا، أكثرُ من اختلافهم عنه في إسنادِ يحيى بنِ سعيدٍ هذا، وقد ذكرْنا ذلك في باب عبدِ الله بنِ أبي بكر. وروى ابنُ جُريج (٤)، وحَمّادُ بنُ زيد (٥)، وابنُ عُيينة (٦)، عن يحيى بنِ سعيد، هذا الحديث، فقالوا فيه: عن محمدِ بنِ يحيى، عن أبي عَمْرة، كما قال ابنُ وَهْب، ومُصعب.

стр. 8316

وقالت فيه طائفة: عن ابنِ أبي عَمْرة، وكان عند أكثر شُيوخِنا في الموطأ عن يحيى في هذا الحديث: توفِّي رجلٌ يومَ حُنين. وهو وهمٌ، وإنّما هو يومُ خيبر. وعلى ذلك جماعةُ الرُّواة، وهو الصَّحيحُ، والدّليلُ على صحّتِه قوله: "فوَجَدْنا خَرَزاتٍ من خرَزاتِ يهودَ" ولم يكن بحُنينٍ يهودُ، واللهُ أعلم. وأما قوله ﷺ في هذا الحديث: "صلُّوا على صاحِبكُم" فإنّ ذلك كان كالتّشديدِ بغير الميِّتِ من أجل أنّ الميِّتَ قد غَلَّ لينتهيَ الناسُ عن الغُلولِ لِمَا رأوا من ترْكِ رسولِ الله ﷺ الصلاةَ على مَن غَلَّ، وكانت صلاتُه على مَن صلَّى عليه رحمةً، فلهذا لم يُصَلِّ عليه عقوبةً له وتشديدًا لغيرِه، واللهُ أعلم. وفي قوله ﷺ : "صلُّوا على صاحِبكُم" دليل على أنّ الذُّنوبَ لا تُخرِجُ المُذنِبَ عن الإيمان، لأنه لو كفرَ بغُلولِه - كما زعمَتِ الخوارجُ - لم يكن ليأمُرَ بالصَّلاة عليه، فإنّ الكافرَ والمشركَ لا يصلِّي عليه المسلمون؛ لا أهلُ الفَضْل ولا غيرُهم، ويجوزُ أن يكونَ رسولُ الله ﷺ عَلِمَ أنّ ذلك الميِّتَ قد كان غَلَّ بوَحْيٍ من الله، ويجوزُ بغير ذلك، واللهُ أعلم. وقد ذكَرْنا أحكامَ الغُلول وعُقوبةَ الغالِّ وما للعُلماء في ذلك كلّه مُمهّدًا في باب ثوْرِ بنِ زيد (١) من هذا الكتاب، والحمدُ لله، وبه التوفيق.

стр. 8317

حديثٌ ثانٍ وثلاثون ليَحيى بنِ سعيدٍ (١) مالكٌ (٢)، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبّان، عن ابنِ مُحَيريز، أنَّ رجلًا من كِنانةَ يُدعى المُخْدَجيَّ سمِعَ رجلًا بالشام يُكنى أبا محمدٍ يقول: إنَّ الوِتْرَ واجبٌ. قال المُخْدَجيُّ: فرُحتُ إلى عُبادةَ بنِ الصّامت، فاعترَضتُ له وهو رائحٌ إلى المسجد، فأخبَرتُه بالذي قال أبو محمد، قال عُبادةُ: كذَب أبو محمد، سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "خمسُ صلواتٍ كتبَهُنَّ اللهُ على العباد، فمَن جاءَ بهنَّ لم يُضيِّعْ منهنَّ شيئًا استِخْفافًا بحَقِّهِنَّ، كان له عندَ الله عهدٌ أن يُدخِلَه الجنّة. ومَن لم يأتِ بهِنَّ فليس له عندَ الله عهدٌ، إن شاءَ عذَّبه، وإن شاءَ أدخَلَه الجنَة". لم يُختلَف عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث (٣)، فهو حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ،

стр. 8318

رواه عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّانَ جماعةٌ؛ منهم: يحيى بنُ سعيد (١)، وعبدُ ربِّه بنُ سعيد (٢)، ومحمدُ بنُ إسحاق (٣)، وعُقَيلُ بنُ خالد، ومحمدُ بنُ عَجْلان، وغيرُهم بهذا الإسنادِ ومعناه سواءً، إلا أن ابنَ عَجْلانَ وعُقَيْلًا لم يَذْكُرا المُخْدَجيَّ في إسنادِه، فيما روَى الليثُ عنهما (٤). ورواه الليثُ أيضًا عن يحيى بنِ سعيدٍ كما رواه مالكٌ سواءً (٥). وإنما قلنا: إنه حديثٌ ثابتٌ؛ لأنه رُوِيَ عن عُبادةَ من طرقٍ ثابتةٍ صحاحٍ من غير طريقِ المُخْدَجيِّ بمثل روايةِ المُخْدَجيِّ. فأمّا ابنُ مُحَيريز: فهو عبدُ الله بنُ مُحَيريز (٦)، وهو من جِلَّةِ التابعين، وهو معدودٌ في الشاميين، يروي عن مُعاذِ بنِ جَبَل، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، ومُعاوية، وأبي مَحْذورة، وغيرهم، توفِّي في خلافةِ الوليدِ بنِ عبدِ الملك. وأمّا المُخْدَجيُّ فإنه لا يُعرَفُ بغيرِ هذا الحديث، وقال مالك: المُخْدَجيُّ لقبٌ وليس بنسَبٍ في شيءٍ من قبائل العرب. وقيل: إنَّ المُخْدَجيَّ اسمُه رُفَيْعٌ. ذُكِر ذلك عن يحيى بن معين.

стр. 8319

وأما أبو محمدٍ فيقال: إنه مسعودُ بنُ أوسٍ الأنصاريُّ. ويقال: سَعْدُ بنُ أوس. ويقال: إنه بَدْرِيٌّ. وقد ذكَرناه في الصحابة (١). وفي هذا الحديثِ من الفقه دليلٌ على ما كان القومُ عليه من البحثِ عن العلم، والاجتهادِ في الوقوفِ على الصِّحة منه، وطلبِ الحُجّة، وتَرْكِ التقليدِ المؤدِّي إلى ذهابِ العلم. وفيه دليلٌ على أنّ السلَفِ مَن قال بوُجوب الوِتْر. وهو مذهبُ أبي حنيفة، وقد ذكَرنا وجهَ قوله، والحُجّةَ عليه في غير موضع من كتابنا هذا (٢)، والحمدُ لله. وقد روَى أبو عِصْمةَ نوحُ بنُ أبي مريم، عن أبانِ بنِ أبي عياش، عن عِكْرمة، عن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الوِتْرُ عليَّ فريضةٌ وهو لكم تطوُّعٌ، والأضحَى عليَّ فريضةٌ وهو لكم تطوُّعٌ، والغُسْلُ يومَ الجمعةِ عليَّ فريضةٌ وهو لكم تطوُّعٌ" (٣). وهذا حديثٌ منكرٌ لا أصلَ له، ونوحُ بنُ أبي مريمَ ضعيفٌ متروك، ويقال: اسمُ أبيه أبي مريمَ يزيدُ بنُ جَعْوَنة (٤)، وكان أبو عصمةَ هذا قاضي مَرْوٍ، مجتمَعٌ على ضعفِه، وكذلك أبانُ بنُ أبي عياشٍ مجتمَعٌ على ضعفِه وترْكِ حديثه. وفيه أن الصلَواتِ المكتوباتِ المفتَرضاتِ خمسٌ لا غيرُ، وهذا محفوظٌ في غيرِ ما حديث. وفيه دليلٌ على أن مَن لم يُصلِّ من المُسلمين في مشيئةِ الله، إذا كان موحِّدًا مؤمِنًا بما جاء به محمدٌ ﷺ مصدِّقًا مقرًّا وإن لم يعمل، وهذا يَردُّ قولَ المعتزلةِ

стр. 8320

والخوارج بأسرِها. ألا تَرى أن المقرَّ بالإسلام في حينِ دخولِه فيه يكونُ مسلمًا قبل الدُّخولِ في عمل الصلاةِ وصوم رمضان، بإقرارِه واعتقادِه وعُقْدَةِ نيَّتِه؟ فمِن جهةِ النظرِ لا يجبُ أن يكونَ كافرًا إلا بدَفْع ما كان به مسلمًا، وهو الجُحودُ لما كان قد أقرَّ به واعتقَده، واللهُ أعلم. وقد ذكَرنا اختلافَ العلماءِ في قتْل مَنْ أبى من عملِ الصلاةِ إذا كان بها مُقِرًّا، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتاب (١)، والحمدُ لله. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ ومحمدُ بنُ عَجْلان، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن عبدِ الله بنِ مُحَيريز، عن المُخْدَجيِّ، قال: قيل لعُبادةَ بنِ الصّامت: إن أبا محمدٍ يقول: الوترُ واجبٌ. قال: وكان أبو محمدٍ رجلًا من الأنصار. فقال عُبادة: كَذَبَ أبو محمد، سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "خمسُ صلواتٍ كتَبهن اللهُ على العبادِ في اليوم والليلة، مَن أتى بهنَّ لم ينتقِصْ من حقِّهنَّ شيئًا استخفافًا بهنَّ كان حقًّا على الله أن يُدْخِلَه الجنة، ومَن لم يأتِ بهنَّ فليس له عندَ الله عهدٌ، إن شاء غفَر له، وإن شاء عذَّبه". وروى زيدُ بنُ أسلم، عن عطاءِ بنِ يسار، عن عبدِ الله الصُّنابحيِّ، قال: زعَم أبو محمدٍ أن الوترَ فرضٌ واجبٌ، فقال عُبادةُ بنُ الصّامت: كَذَبَ أبو محمد، سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "خمسُ صلواتٍ افترَضهُنَّ الله، مَن أحسنَ وُضوؤهن،

стр. 8321

وصلّاهُنّ لوقتِهنَّ وأتمَّ رُكُوعَهُنّ وسُجودَهنَّ، كان له عندَ الله عهدٌ أن يغفرَ له، وإن لم يفعلْ، جاء وليس له عندَ الله عهدٌ، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفَر له". حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بنُ حرب الواسطيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ مُطرِّف، عن زيدِ بنِ أسلم، فذكَره. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُمرَ الواقديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ جعفر، عن أبيه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عَمْرةَ النَّجّاريِّ، أنه سأل عُبادةَ بنَ الصّامتِ عن الوتر. قال: أمرٌ حسنٌ جميلٌ، قد عمِل به رسولُ الله ﷺ والمسلمون بعدَه، وليس بواجب (٣). قال: وكان عُبادةُ يوترُ بثلاث، وربما خرَج والمؤذنُ يقيم، فأمر المؤذنَ أن يجلسَ حتى يُوتِرَ، ويُقيم.

стр. 8322

وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الورد، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى بنِ عبدِ الله الأوْديُّ (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ خُبَيْق، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ أسباط، عن السَّرِيِّ بنِ إسماعيل، عن الشَّعبيِّ، عن كعبِ بنِ عُجْرة، قال: خرَج علينا رسولُ الله ﷺ فقال: "أتدْرُونَ ما قال ربُّكم؟ ". قال: قلنا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "يقول: مَن صلَّى الصلاةَ لوقتِها، ولم يُضيِّعْها استِخْفافًا بحقِّها، فله عليَّ أن أُدخِلَه الجنةَ. ومَن لم يُصلِّها لوقتِها، وضيَّعها استخفافًا بحقِّها، فلا عهدَ له عليَّ، إن شئتُ غفَرتُ له، وإن شئتُ عذَّبتُه" (٢). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ وعبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنُ حمدانَ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل،

стр. 8323

قال: حدَّثنا أبي، قال (١): حدَّثنا هاشمٌ (٢)، قال: حدَّثنا عيسى بنُ المسيِّب البَجَليُّ، عن الشعبيِّ، عن كَعْبِ بنِ عُجْرة، قال: بينما نحن جلوسٌ في مسجدِ رسولِ الله ﷺ مُسْنِدي ظُهورِنا إلى قِبْلةِ مسجدِه سبعةُ رهْطٍ؛ أربعةٌ من موالينا، وثلاثةٌ من عرَبنا، إذ خرَج علينا رسولُ الله ﷺ لصلاة الظُّهرِ حتى انتهى إلينا فقال: "ما يُجلِسُكم ها هنا؟ ". قلنا: يا رسولَ الله، ننتظرُ الصلاةَ. قال: فأرمَّ (٣) قليلًا، ثم رفَع رأسَه فقال: "أتدرون ما يقولُ ربُّكم ﵎؟ ". يقول: مَن صلَّى الصلاةَ لوقتِها، وحافَظ عليها، ولم يُضيِّعْها استِخْفافًا بحقِّها، فله عليَّ عهدٌ أن أُدخِلَه الجنةَ، ومَن لم يُصلِّها لوقتِها، ولم يحافظْ عليها، وضيَّعها استخفافًا بحقِّها، فلا عهدَ له، إن شئتُ عذَّبتُه، وإن شئتُ غفرتُ له". قال أبو عُمر: ذهبت طائفةٌ من أهلِ العلم إلى أنَّ معنى حديثِ عبادةَ المذكورِ في هذا الباب، ومعنى حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرة هذا: أن التضييعَ للصلاةِ الذي لا يكونُ معه لفاعلِه المسلم عندَ الله عهدٌ هو أن لا يُقيمَ حُدودَها من مُراعاةِ وقتٍ وطهارة، وتمام رُكوع وسُجود، ونحوِ ذلك، وهو مع ذلك يصلِّيها ولا يمتنعُ من القيام بها في وقتِها وغيرِ وقتِها، إلا أنه لا يحافظُ على أوقاتها. قالوا: فأمّا من ترَكها أصلًا ولم يُصلِّها فهو كافرٌ. قالوا: وتركُ الصلاةِ كفرٌ. واحتجُّوا بآثار؛ منها حديثُ أبي الزُّبير وأبي سُفيان، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "بينَ العبدِ وبينَ الكُفرِ تركُ الصلاة". وما كان في معنى هذا من الآثارِ

стр. 8324

قد ذكَرناها في بابِ زيدِ بنِ أسلم (١)، عندَ ذكرِنا اختلافَ العلماءِ في أحكام تاركِ الصلاةِ هنالك، فلا معنَى لذكرِ ذلك ها هنا. أخبرنا أبو ذرٍّ عبدُ بنُ أحمدَ فيما أجاز لنا، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ خَميرُويَة، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمن الساميُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي رجاء، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّاب الثقفيُّ، عن أيوب، عن محمدِ بنِ سيرين، قال: نُبِّئتُ أن أبا بكرٍ وعُمرَ كانا يُعلِّمان مَن دخَل في الإسلام: تؤمنُ بالله ولا تُشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصلاةَ التي افترَض اللهُ عليك لمواقيتِها، فإنَّ في تفريطِها الهلَكة، وتؤدِّي الزكاةَ طيِّبَ النفسِ بها، وتصومُ رمضان، وتحجُّ البيت، وتسمعُ وتطيعُ لمن ولّاه اللهُ أمرَك، وتعملُ لله ولا تَعمَلُ للناس (٢). ومما احتجُّوا به في أن معنى حديثِ عُبادةَ في هذا الباب تضييعُ الوقتِ وشبهُه، ما حدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ الأشنانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ زِبْريق، قال: حدَّثنا بقيّةُ بنُ الوليد، عن ضُبارةَ بنِ عبدِ الله، عن دُويدِ بنِ نافع، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أن أبا قتادةَ بنَ رِبْعيٍّ أخبَره، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إن الله ﵎ افترَض على أُمّتي خمسَ صلوات، وعهِدَ عندَه عهدًا؛ مَن حافَظ عليهنَّ لوقتهنَّ أدخلَه اللهُ الجنّة، ومَن لم يُحافظْ عليهنّ فلا عهدَ له عندَه" (٣).

стр. 8325

وذكر إسماعيلُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ نُمير، قال: حدَّثنا حفصٌ (١)، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، قال: كلُّ شيءٍ في القرآن: ساهُون، ودائمون، وحافظون فعلى مواقيتِها. قال: وحدَّثنا ابنُ نُمير (٢)، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن مسلم، عن مسروق، قال: الحفاظُ على الصلاة: الصلاةُ لوقتِها، والسهوُ عنها: تركُ وقتِها (٣). وعن عبدِ الله بنِ مسعودٍ مثلُ ذلك، وقد ذكَرنا خبرَ ابنِ مسعودٍ في باب زيدِ بنِ أسلم (٤). وأصحُّ شيء في هذا الباب من جهةِ النظرِ ومن جهة الأثر: أنَّ تارِكَ الصلاةِ إذا كان مُقِرًّا بها غيرَ جاحدٍ ولا مُستَكْبر، فاسقٌ مرتكبٌ لكبيرةٍ مُوبقَةٍ من الكبائر المُوبقات، وهو مع ذلك في مشيئةِ الله ، إن شاء غفَر له، وإن شاء عذَّبه؛ فإنه لا يغفرُ أن يُشركَ به، ويغفرُ ما دونَ ذلك لمن يشاء. وقد يكونُ الكُفرُ يُطلقُ على مَن لم يَخْرجْ من الإسلام، ألا ترَى إلى قوله ﷺ في النِّساء: "رأيتُهن أكثرَ أهلِ النار بكُفرِهنَّ". قيل: يا رسولَ الله، أيكفُرْن بالله؟ قال: "يكفرْن العشيرَ، ويَكفُرْن الإحسان" (٥). فأطلَق عليهنَّ اسمَ الكُفرِ لكُفْرهنَّ

стр. 8326

العشيرَ والإحسان، وقد يُسمَّى كافرُ النعمةِ كافرًا. وأصلُ الكفر: التغطيةُ للشيء، ألمْ تسمعْ قولَ لبيد (١): في ليلةٍ كفَر النجومَ غَمامُها فيحتمِلُ - واللهُ أعلم - إطلاقُ الكُفرِ على تاركِ الصلاةِ أن يكونَ معناه أن تركَه الصلاةَ غطَّى إيمانَه وغيَّبه حتى صار غالبًا عليه، وهو مع ذلك مؤمنٌ باعتقادِه، ومعلومٌ أن مَن صلَّى صلاتَه، وإن لم يُحافظْ على أوقاتها، أحسنُ حالًا ممن لم يصلِّها أصلًا وإن كان مُقِرًّا بها. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي حبيب، عن أبي الخير، عن الصُّنابحيِّ، عن عُبادةَ بنِ الصّامت، أنه قال: إني من النُّقباءِ الذين بايَعوا رسولَ الله ﷺ . وقال: بايَعناهُ على أن لا نُشرِكَ بالله شيئًا، ولا نسرِقَ، ولا نزني، ولا نقتُلَ النفسَ التي حرَّم اللهُ إلا بالحقِّ، ولا ننتَهِبَ، ولا نعصيَ، فالجنةُ إن فعَلنا ذلك، فإن غشيْنا من ذلك شيئًا كان أمرُ ذلك إلى الله (٢).

стр. 8327

وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الترمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو توبةَ الربيعُ بنُ نافع، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مهاجر، عن عُروةَ بنِ رُوَيْم، عن ابنِ حاجب، عن عُبادةَ بنِ الصّامت، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن مات يشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه: وجَبت له الجنةُ". وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ البِرْتيُّ ومحمدُ بنُ غالب التَّمتامُ، قالا: حدَّثنا أبو حذيفة (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُسلم (٢)، عن عثمانَ بنِ عبدِ الله بنِ أوس، قال: سمِعتُ أوسَ بنَ عبدِ الله يقول: سمِعتُ عُبادةَ بنَ الصّامتِ يقول: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن لَقيَ اللهَ لا يُشرِكُ به شيئًا دخَل الجنةَ" (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا الترمذيُّ (٤)، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ الحكم بنِ أبي مريم، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوب، قال: حدَّثني محمدُ بنُ عَجْلان، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن عبدِ الله بنِ محيريزٍ الجُمَحيِّ، عن الصُّنابِحيِّ، أنه قال: دخلتُ على عُبادةَ بنِ الصّامتِ وهو في الموت، فلمّا رأيتُ ما به من العَلَزِ (٥) بكيتُ، فقال: ما يُبكيك؟ فواللّه لئن شُفِّعتُ لأشفَعنَّ لك،

стр. 8328

ولئن سُئِلتُ لأشهَدنَّ لك، ولئن استطَعتُ لأنفعنَّك، والله ما كتَمتُك حديثًا سمِعتُه من رسولِ الله ﷺ إلا حديثًا واحدًا؛ سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن لَقيَ اللهَ يشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ الله دخَل الجنةَ" (١). قال أبو عُمر: محمَلُ هذه الأحاديثِ بعدَ القِصاصِ والعفو، أن يكونَ آخِرُ أمرِ الموحِّدين إلى الجنة، والحمدُ لله. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ (٣)، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد وعبدُ الواحد وهشيمٌ ويزيدُ بنُ زريع، قالوا: حدَّثنا خالدٌ الحذاء، عن أبي قِلابةَ، عن أبي أسماء، عن عُبادةَ، قال: أخَذ علينا رسولُ الله ﷺ في البيعةِ حيثُ أخَذ على النساء: ألّا نشركَ بالله شيئًا، ولا نزني، ولا نسرِقَ، ولا نقتلَ أولادَنا، ولا يعْضَهَ بعضُنا بعضًا (٤)، ولا نعصيَه في معروف، فمن أتى منكم حدًّا في الدُّنيا فعُجِّلت له عقوبتُه فهو كفّارتُه، ومن أُخِّر ذلك عنه فأمرُه إلى الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء غفَر له (٥).

стр. 8329

وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: سمِعتُ الزُّهريَّ يقول: حدَّثني أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ، أنه سمِع عُبادةَ بنَ الصّامتِ يقول: كنا عند النبيِّ ﷺ في مجلس فقال: "تُبايعوني على ألّا تُشرِكُوا بالله شيئًا، ولا تسرِقوا، ولا تزنوا - الآية (٢) - فمَن وفَّى منكم فأجرُه على الله، ومَن أصاب من ذلك شيئًا فستَرهُ اللهُ عليه فذلك إلى الله، إن شاء غفَر له وإن شاء عذَّبه". قال سُفيان: كنّا عند الزُّهريِّ، فلمّا حدَّث بهذا الحديث أشار عليَّ أبو بكرٍ الهُذَليُّ أن أحفظَه، فكتبتُه، فلمّا قدم الزُّهريُّ أخبَرتُ به أبا بكر.

стр. 8330

قال أبو عُمر: قوله في حديثِ ابنِ شهاب هذا: "ومَنْ أصابَ من ذلك شيئًا"؛ يريد: مما في الحدود، ما عدا الشِّركَ. وقد بانَ ذلك في الحديثِ الذي قبلَ هذا، وذلك مُقيَّدٌ بقولِ الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]، ومُقيَّدٌ بالإجماع على أن مَن مات مشركًا فليس في المشيئة، ولكنّه في النارِ وعذابِ الله، أجارَنا اللهُ وعصَمنا برَحمتِه من كلِّ ما يقودُ إلى عذابه. أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا معلَّى بنُ الوليدِ بنِ عبدِ العزيز العَنْسيُّ (١). وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُضَرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا الحكمُ بنُ موسى، قالا: حدَّثنا مُبشِّرُ بنُ إسماعيلَ الحلبيُّ، عن الأوزاعيِّ، عن عُميرِ بنِ هانئ، عن جُنادةَ بنِ أبي أُميّة، عن عُبادةَ بنِ الصّامت، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من شهِد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه". زاد الحكم: "وأن الجنّةَ حقٌّ، وأن النارَ حقٌّ، وأن الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها، وأن اللهَ يبعثُ مَن في القُبور". ثم اتَّفقا: "وأن عيسى ابنَ مريمَ عبدُ الله ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه، أدخَله اللهُ الجنةَ على ما كان من عمل". وقال الحكم: "من عملِه" (٢).

стр. 8331

وذكَر الطحاويُّ (١)، قال: حدَّثنا فهدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا عَمْرُو بنُ عونٍ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ سُليمان، عن عاصم، عن شقيق، عن ابنِ مسعود، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "أُمِر بعبدٍ من عبادِ الله أن يُضربَ في قبرِه بمئةِ جَلْدةٍ، فلم يزلْ يسألُ اللهَ ويدعوه حتى صارت جَلدةً واحدةً، فجُلِد جلدةً واحدةً، فامتلأ قبرُه عليه نارًا، فلمّا ارتفَع عنه أفاق، فقال: علامَ جلَدتمُوني؟ قالوا: إنك صلَّيتَ صلاةً بغير طُهور، ومرَرتَ على مظلوم فلم تَنصُرْه". قال الطحاويُّ (٢): وفي هذا ما يدلُّ على أن تاركَ الصلاةِ ليس بكافر؛ لأنَّ مَن صلَّى صلاةً بغيرِ طهورٍ فلم يُصَلِّ. وقد أُجيبتْ دعوتُه، ولو كان كافرًا ما سُمِعتْ دعوتُه؛ لأنَّ اللهَ يقول: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤، غافر: ٥٠]. واحتجَّ أيضًا بقوله ﷺ : "الذي يتركُ صلاةَ العصر، فكأنما وَتِر أهلَه ومالَه" (٣). قال (٤): فلو كان كافرًا لكان القصدُ إلى ذكرِ ما ذهَب من إيمانِه لا إلى ذهابِ أهلِه ومالِه. ومعلومٌ أن ما زاد على صلاةٍ واحدةٍ من المحملواتِ في حُكْم الصلاةِ الواحدة، ألا ترَى أن تاركَها عامِدًا حتى يخرُجَ وقتُها يُستتابُ على الوُجوهِ التي ذكَرْنا عن

стр. 8332

العلماءِ على مذاهبِهم في ذلك، في بابِ زيدِ بنِ أسلم (١)، وجملةُ القولِ في هذا الباب أن من لم يُحافظْ على أوقاتِ الصلواتِ لم يُحافظْ على الصلوات، كما أن مَن لم يُحافظْ على كمالِ وُضوئها وتمام رُكوعِها وسُجودِها فليس بمحافظٍ عليها، ومَن لم يُحافظْ عليها فقد ضيَّعها، ومَن ضيَّعها فهو لِمَا سواها أضيعُ، كما أن مَن حفِظَها وحافظَ عليها حفِظ دينَه، ولا دينَ لمن لا صلاةَ له. ورحِم اللهُ أبا العتاهيةِ حيث يقول (٢): أقمِ الصلاةَ لوقتِها بطَهورِها ... ومِنَ الضلالِ تفاوتُ الميقاتِ (٣) قال أبو عُمر: إنما ذكَرنا أحاديثَ هذا الباب وإن كان فيها للمُرجئةِ تعلُّقٌ؛ لأنَّ المعتزلةَ أنكَرتِ الحديثَ المرويَّ في قوله: "ومَن لم يأتِ بهنَّ فليس له عندَ الله عهدٌ، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفَر له". وقالت: مَن لم يأتِ بهنَّ فهو في النارِ مخلَّدٌ. فردَّتِ الحديثَ المأثورَ في ذلك عن النبيِّ ﷺ من نَقْل العُدولِ الثقات، وأنكَرت ما أشبَهه من تلك الأحاديث، ودفَعت قولَ الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فضَلَّت وأضَلَّت، فذكَرنا في هذا الباب من الآثارِ ما يضارعُ هذه الآيةَ حجةً عليهم، والحمدُ لله.

стр. 8333

حديثٌ ثالثٌ وثلاثون ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن عمِّه واسع بنِ حَبّان، عن عبدِ الله بنِ عُمرَ أنه كان يقول: إنَّ ناسًا يقولون: إذا قعَدتَ على حاجتِكَ فلا تستقبل القِبْلةَ ولا بيتَ المقدس. قال عبدُ الله: لقد ارتقَيْتُ على ظَهْرِ بيتٍ لنا، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ على لبنَتَينِ مُستقبلًا بيتَ المقدسِ لحاجَتِه. لم يُختلَفْ على مالكٍ في هذا الحديث (٢)، وتابَعه على لفظِه في هذا الحديثِ عبدُ الوهّاب الثقفيُّ، وسُليمانُ بنُ بلال (٣). ذكَره المروزيُّ عن إسحاق، عن عبدِ الوهّاب، وعن القَعْنبيِّ، عن سُليمان، كلاهما عن يحيى بنِ سعيدٍ بإسنادِه هذا مثلَ حديثِ مالكٍ في استقبالِ بيتِ المقدس خاصّة، لا زيادة. ورواه جماعةٌ عن يحيى بنِ سعيدٍ بإسنادِه (٤)، فقالوا فيه: على لبِنَتَين يقضي حاجتَه نحوَ القبلة. وربما زاد بعضهم: أو بيتِ المقدس. ورواه عُبيدُ الله بنُ عُمر، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن عمِّه، عن ابنِ عُمرَ، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ جالسًا لحاجتِه مستقبلَ بيتِ المقدس، مستدبرَ الكعبة (٥).

стр. 8334

وفي هذا الحديثِ أن قومًا يقولون: لا تُستقبلُ الكعبةُ ولا بيتُ المقدسِ لحاجةِ الإنسان. وممن قال ذلك في بيتِ المقدس من العلماء؛ ابنُ سيرين، ومجاهد، وإبراهيم، وقد ذكَرنا ما للفقهاءِ من المذاهبِ في هذا البابِ في بابِ إسحاق (١)، والحمدُ لله (٢).

стр. 8335

حديثٌ رابعٌ وثلاثون ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، أنَّ عَبدًا سرَق ودِيًّا من حائطِ رجُل، فغرَسه في حائطِ سيِّدِه، فخرَجَ صاحبُ الوَدِيِّ يلتمِسُ ودِيَّه فوجدَه، فاستعدَى على العبدِ مروانَ بنَ الحكم، فسجَن مروانُ العبدَ وأراد قَطْعَ يدِه، فانطلَق سيِّدُ العبدِ إلى رافع بنِ خَديج فسأله عن ذلك، فأخبَره أنه سَمِع رسولَ الله ﷺ يقول: "لا قَطع في ثَمَرٍ ولا في كَثَر". والكَثَرُ الجُمّارُ. قال الرَّجلُ: فإنّ مروانَ بنَ الحكم أخَذ غلامًا لي وهو يريدُ قطعَه، فأنا أُحبُّ أن تمشيَ معي إليه فتُخبرَه بالذي سمِعتَ من رسولِ الله ﷺ . فمشَى معه رافعٌ إلى مروانَ بنِ الحكم فقال: أخَذتَ غلامًا لهذا؟ فقال: نعم. فقال: فما أنتَ صانعٌ به؟ قال: أردتُ قَطْعَ يَدِه. فقال له رافعٌ: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا في كَثَر". فأمَر مروانُ بالعبدِ فأُرسِل. قال أبو عُمر: هذا حديثٌ منقطعٌ؛ لأنَّ محمدَ بنَ يحيى لم يَسمَعْه من رافع بنِ خَديج. وقد رواه ابنُ عُيينة، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن عمِّه واسع بنِ حَبّان، عن رافع بنِ خَدِيج (٢). فإن صحَّ هذا فهو متَّصلٌ مسندٌ صَحيحٌ، ولكن قد خُولِف ابنُ عُيينةَ في ذلك، ولم يُتابَعْ عليه، إلا ما رواه حَمّادُ بنُ دُلَيل المدائنيُّ، عن شُعبة (٣)، فإنه رواه عن شُعبة، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبّان، عن عمِّه، عن رافع بنِ خَديج.

стр. 8336

وأما غيرُ حَمّادِ بنِ دُلَيل فإنّما رواه عن شُعبة، عن يحيى، عن محمد، عن رافع (١)، كما رواه مالكٌ. وكذلك رواه الثوريُّ (٢)، وحَمّادُ بنُ زيد (٣)، وحَمّادُ بنُ سَلَمة (٤)، وأبو عَوانة (٥)، ويزيدُ بنُ هارون (٦)، وأبو خالدٍ الأحمرُ (٧)، وعبدُ الوارثِ بنُ سعيد (٨)، وأبو

стр. 8337

مُعاوية (١)، كلُّهم عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن رافع بنِ خَديج. ورواه ابنُ جريج (٢)، وأبو أسامة (٣)، والليثُ بنُ سَعْدٍ على اختلافٍ عنه، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن رجل من قومِه (٤)، عن رافع بنِ خَديج. ورواه بشرُ بنُ المفضل، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن رجلٍ من قومِه، عن عمِّه، عن رافع بنِ خَديج (٥). ورواه الليثُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّانَ، عن عمِّةٍ له، أنَّ غلامًا سرَق وَدِيًّا، وساق الحديث (٦). ورواه الدَّراوَرْديُّ، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبّان، عن أبي ميمون، عن رافع بنِ خَديج (٧).

стр. 8338

فأما روايةُ ابنِ عُيينة، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن عمِّه واسع بنِ حَبّان، أنَّ عبدًا سرَق ودِيًّا من حائطِ رجل (٢)، فجاء به فغرَسه في حائطِ أهلِه، فأُتي به مروانُ بنُ الحكم، فأراد أن يَقطعَه، فشهِد رافعُ بنُ خَديج أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ". فأرسَله مروانُ. قال الحميديُّ (٣): قال لنا سُفيان: وأخبَرنا عبدُ الكريم، قال: اسمُ الذي سرَق الوَدِيَّ فيلٌ (٤). قال الحميديُّ: فقيل لسُفيان: ليس يقولُ أحدٌ في هذا الحديث: عن عمِّه. فقال: هكذا حفظي. قال الحميديُّ: فقال لي أبو زيدٍ المدائنيُّ حَمّادُ بنُ دُلَيل: اثبُتْ عليه، فإن شُعبةَ كذا حدَّثنا، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن عمِّه. وقال أحمدُ بنُ زهير: سمِعتُ يحيى بنَ معين يقول (٥): حَمّادُ بنُ دُلَيلٍ ليس به بأسٌ، كان على المدائنِ قاضيًا، ولا أدري من أين أصلُه.

стр. 8339

وأما حديثُ شُعبةَ من غيرِ روايةِ حَمّادِ بنِ دُلَيل، فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ (١)، عن شُعبةَ، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، قال: سرَق غلامٌ من الأنصارِ نخلًا صِغارًا، فأُتيَ به مروانُ، فأمَر به أن يُقطعَ، فقال رافعُ بنُ خَديج: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يُقطعُ السارقُ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" - فقلتُ ليحيى: ما الكَثَرُ؟ قال: الجُمّارُ - فضرَبه وحبَسه (٢). وأما روايةُ الثوريِّ، فحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن رافع بنِ خَديج، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" (٣). وأما روايةُ حَمّادِ بنِ زيد، فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، أنَّ غُلامًا لعمِّه واسع بنِ حَبّانَ سرَق وَدِيًّا من أرضِ جارٍ له، فغرَسه في أرضِه، فرُفِع إلى مروان، فأمَر بقطعِه، فأتى مولاه رافعَ بنَ خَديج، فذكَر ذلك له، فقال: لا قَطْعَ عليه. فقال له: تعالَ معي إلى مروان.

стр. 8340

فجاء به فحدَّثه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ". فدرأ عنه القطْعَ (١). وأما روايةُ أبي أسامة، فأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢): أخبرنا الحسينُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن رجلٍ من قومِه، عن رافع بنِ خَديج، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ". وأما روايةُ بشرِ بنِ المفضل، فأخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣): أخبرنا عَمْرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ المُفضَّل، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبّان أنَّ رجلًا من قومِه حدَّثه، عن عمَّةٍ له، أن رافعَ بنَ خَديج قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ".

стр. 8341

ورواه يزيدُ بنُ هارون، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبّان، أنه أخبَره، أن غلامًا لعمِّه يقال له: فيل، أسود، سرَق وَدِيًّا لرجل، فأُتيَ به مروانُ بنُ الحكَم، فأراد أن يقطَعَه، فقال له رافع: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ". فأرسَله مروانُ، فباعه أو نفاه (١). وأخبرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطيس، قال: أخبرنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا مسدَّدُ بنُ مُسَرْهَد، قال: حدَّثنا أبو عَوَانة، قال: كنتُ عندَ أبي حنيفة، فأتاه رسولُ صاحبِ الشرطةِ (٢) فقال: أرسَلني إليك فلانٌ - يعني صاحبَ الشُّرطة - أُتيَ برجُلٍ سرَق وَدِيًّا من أرضِ قوم. فقال: إن كان قيمةُ الودِيِّ عَشَرةَ دراهمَ فاقطَعْه. فقلت له: يا أبا حنيفة، حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن رافع بنِ خَديج، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ". قال: ما تقول؟ قلت: نعم، أرسِلْ في إثْرِ الرسول؛ فإنّي أخافُ أن يُقطَعَ الرجل. فقال: قد مضَى الحكمُ. فقُطِع الرجلُ (٣). قال أبو عُمر: هذا لا يصحُّ عن أبي حنيفة؛ لأنَّ مذهبَه المشهورَ عنه أنه لا قطْعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ، ولا في أصلِ شجرةٍ يُقلَعُ، ولا في كلِّ ما يبقَى من الطعام ويُخشَى فسادُه؛ لأنه عندَهم في معنى الثَّمرِ المُعلَّق (٤).

стр. 8342

واختلَف الفقهاءُ في هذا الباب؛ فقال مالكٌ: لا قطعَ في كَثَرٍ، والكَثَرُ الجُمّارُ، ولا قطعَ في النَّخْلةِ الصغيرةِ ولا الكبيرة، ومن قلَع نخلةً أو قطَعها من حائطٍ فليس فيها قطعٌ. قال: ولا قطعَ في ثمرِ الأشجار، ولا في الزرع، ولا في الماشية، فإذا أوَى الجَرينُ الزرعَ أو الثمرَ، وأوَى المُراحُ الغَنَمَ، فعلى مَن سرَق من ذلك قيمةَ رُبُع دينار، القطعُ (١). قال ابنُ الموّاز: مَن سرَق نخلةً أو ثمرةً في دارِ رجلٍ قُطِع، بخلافِ ثمرِ شجرِ الحائطِ والجِنان. قال أبو عُمر: لم يختلِفْ مالكٌ وأصحابُه أنَّ القَطْعَ واجبٌ على مَن سرَق رُطَبًا أو فاكهةً رَطْبةً إذا بلَغت قيمتُها ثلاثةَ دراهم، وسُرِقت من حرزٍ -وهو قولُ الشافعيِّ (٢) - لحديثِ عثمان، أنه قطَع سارقًا لمرَق أُترُجَّةً قُوِّمت بثلاثةِ دراهم (٣). قال مالكٌ: وهي الأُترُجَّةُ التي يأكلُها الناسُ. قال أبو عُمر: وهذا يدلُّ على أنَّ القَطْعَ واجبٌ في الثمرِ الرَّطْب، صَلَحَ أن يَيبَسَ أو لم يَصْلُح؛ لأنَّ الأترُجَّ لا يَيبَسُ. وقال أشهبُ (٤): يُقطَعُ سارقُ النخلةِ المطروحةِ في الجنانِ المحروسة. وقال ابنُ القاسم: لا يُقطَعُ (٥).

стр. 8343

وقال الثوريُّ: إذا كانت الثمرةُ في رؤوسِ النخلِ أو في شجرِها فليس فيه قطعٌ، ولكن يُعزَّرُ. وقال عطاءٌ (١): يُعزَّرُ ويُغرَّمُ، ولا قطعَ عليه إلا فيما أحرَز الجَرين. وقال الشافعيُّ (٢): الحوائطُ ليست بحرزٍ للنخلِ ولا للثمر؛ لأنَّ أكثرَها مُباحٌ، يدخُلُ من جوانبِ الحائطِ حيثُ شاء، فمَن سرَق من حائطٍ شيئًا، من شجرةٍ أو ثَمَرٍ معلَّق، لم يُقطَعْ، فإذا أواه الجرينُ قُطِع. قال الشافعيُّ (٣): وذلك الذي تعرِفُه العامةُ عندَنا، أنَّ الجَرِينَ حرزٌ للثمر، والحائطَ ليس بحرز. وقال أبو حنيفةَ وأصحابه (٤) في الثمرِ يُسرَقُ من رؤوس النخلِ والشجر، أو السنبل من قبلَ أن يُحصَدَ: فلا قطعَ في شيءٍ من ذلك، وسواءٌ كان الحائطُ قد استُوثِق منه وحُظر أو لم يكن؛ لأنه بلَغنا أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا قطعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ". قالوا: وكذلك النخلةُ تُسرَقُ بأصلِها، والشجرةُ تُسرَقُ بأصلِها، لا قطعَ في شيءٍ من ذلك. وقال أبو ثَوْر (٥): إذا سرَق ثمرَ نخلٍ أو شجر، أو عنبَ كرم، وذلك الثمرُ قائمٌ في أصلِه، وكان محروزًا، فبلَغ قيمةُ المسروقِ من ذلك ما تُقطَعُ فيه اليدُ،

стр. 8344

قُطِعَت يدُه، وذلك أن هذا كلَّه ملكٌ لمالكِه لا يحلُّ أخذُه، وعلى مَن استهلَكه قيمتُه في قولِ جماعةِ أهلِ العلم، لا أعلمُهم اختلَفوا في ذلك، فلذلك رأينا على مَن سرَق من ذلك ما يوجِبُ القطعَ، القطعَ. قال أبو عُمر: لأهلِ العلم في تأويلِ حديثِ هذا الباب قولان: أحدُهما: أنَّ المعنى المقصودَ إليه بهذا الحديثِ جنسُ الثَّمر والكَثَر من غير مراعاةِ حِرْز، فمَن ذهَب إلى هذا المذهب لم يرَ القطعَ على سارقٍ سرَق من الثمرِ كلِّه، وأجناسِ الفواكِه، والطعام الذي لا يبقَى ولا يُؤمَنُ فسادُه، كثيرًا كانت السرقةُ من ذلك كلِّه أو قليلًا، من حِرْزٍ كانت أو من غيرِ حِرْز. قالوا: وهذا معنى حديثِ هذا الباب؛ لأنه لو أراد ما لم يكُنْ مَحْروزًا ما كان لذكرِ الثَّمَرِ وتخصيصِه فائدةٌ. هذا كلُّه قولُ أبي حنيفةَ وأصحابه. والقولُ الآخر: أنَّ المعنى المقصودَ بهذا الحديثِ الحِرْزُ، وفيه بيانُ أنَّ الحوائطَ ليست بحِرْزٍ للثمارِ حتى يأويها الجَرينُ، وما لم تكُنْ في الجرينِ فليست محروزة. وقد قيل: إنَّ الحديثَ إنما قُصِد به حوائطُ المدينةِ خاصّة؛ لأنها حوائطُ لا حيطانَ لها، وما كان لها حيطانٌ منها فهيَ حيطانٌ لا تمنَعُ -لقِصَرِها- مَن أراد الوصولَ إلى ما داخلَها. فهذا ما في هذا الحديث من المذاهبِ لمَن استعمَله ولم يدفَعْه، وقد دفَعتْهُ فرقةٌ ولم تَقُلْ به. قال أبو عُمر: قد ثبَت عن النبيِّ ﷺ من حديثِ البَرَاءِ بنِ عازبٍ أنه قَضَى بأنَّ على أهلِ الحوائطِ حِفْظَها وحِرْزَها بالنهار (١)، وقَضَى بأن لا قَطْعَ في ثمر،

стр. 8345

فخرَج ما في الحيطانِ والأجنّةِ من الثمارِ بذلك من حُكْم الحِرْزِ في سُقوطِ القَطْع، كما خرَج المقدارُ المُعتبَرُ في المسروقِ بالسُّنّة عن جُملةِ وُجوبِ القَطْع على عُموم الآيةِ في السُّرّاقِ والسرقات، واللهُ أعلم. وذكَر عُمرُ (١) بنُ الحسين الخِرَقيُّ الحنبليُّ في "مختصَرِه" (٢) على مذهبِ أحمدَ بنِ حنبل، قال: وإذا سرَق السارقُ رُبُعَ دينارٍ من الذهب، أو ثلاثةَ دراهمَ من الوَرق، أو قيمةَ ثلاثةِ دراهمَ من العُروضِ كلِّها، طعامًا كان أو غيرَه، وأخرَجه من الحِرْز، فعليه القطعُ ما لم يكنْ ثَمَرًا ولا كَثَرًا. وذكَر إسحاقُ بنُ منصور، قال (٣): سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول القَطْع فيما أوى الجَرينُ أو المُراحُ -قال: والمراحُ للغنم، والجرينُ للثمار- قال: وقال إسحاقُ -يعني ابنَ راهُوية- كما قال أحمدُ. قال أبو عُمر: ذكَر ابنُ خُوَيْزمَنْداد أنَّ أحمدَ بنَ حنبل وأهلَ الظاهرِ وطائفةً من أهلِ الحديثِ لا يعتبرون الحِرْزَ في السرقة، ويقولون: إن كلَّ سارقٍ سرَق ما يجبُ فيه القَطْعُ قُطِع، من حِرْزٍ أو من غير حِرْز. قال أبو عُمر: هذا غيرُ صحيح عن أحمدَ بنِ حنبل، والصحيحُ ما ذكَرنا عنه في هذا الباب مما ذكَره الخِرَقيُّ وإسحاقُ بنُ منصورٍ على ما ذكَرنا. وقال الأثرم: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل يذهبُ إلى حديثِ عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ فيمن سَرق الثمرَ المعلَّقَ أنه لا قَطْعَ فيه حتى

стр. 8346

يُؤوَيه الجَرينُ، وأنَّ عليه غرامةَ مثلَيْه. واحتجَّ أيضًا بحديثِ عُمرَ في ناقةِ المُزَنيِّ (١). قال أبو عُمر: حديثُ عَمْرِو بنِ شُعيبٍ أصلٌ عندَ جمهورِ أهلِ العلم في مراعاةِ الحرزِ واعتبارِه في القطع: حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، حدَّثنا الليثُ، عن ابن عَجلانَ، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص، عن النبيِّ ﷺ ، أنه سُئِل عن الثمرِ المعلَّق، قال: "ما أصابَ منه من ذي حاجةٍ غيرَ مُتَّخذٍ خُبْنةً (٤)،

стр. 8347

فلا شيءَ عليه، ومَن خرَج بشيءٍ منه، فعليه غرامةُ مِثْلَيه والعقوبة، ومَن سرَق منه شيئًا بعد أن يُؤويَه الجَرينُ، فبلَغ ثَمنَ المِجَنِّ، فعليه القطعُ". قال أبو عُبيد (١): الثمرُ المعلَّقُ: هو الذي في رُؤوس النخل لم يُجَذَّ ولم يُحرَزْ في الجَرين. قال أبو عُمر: وكذلك سائرُ ما في رؤوسِ الأشجارِ من سائرِ الثمار. قال أبو عُبيد (٢): والجَرينُ يسمِّيه أهلُ العراقِ البَيْدَر، ويسمِّيه أهلُ الشام الأندَرَ، ويُسمَّى بالبصرةِ الجَوخان، ويقال بالحجاز: المِرْبَد. قال أبو عُبيد (٣): والوَدِيُّ: النخلُ الصغارُ، والكَثَرُ: جُمّارُ النخل في كلام العرب. قال أبو عُمر: أما داودُ وأهلُ الظاهر (٤)، فذهَبوا إلى قطع كلِّ سارقٍ تلزَمُه الحدود، إذا سرَق ما يجبُ فيه القطْعُ، من حِرْزٍ ومن غيرِ حِرْزٍ، على عُموم قولِ الله وظاهرِه في السارقِ والسارقة، وظاهرِ قولِ النبيِّ ﷺ : القطْعُ في رُبُع دينارٍ فصاعدًا" (٥). ولم يذكُرِ الحِرْزَ، وضعَّف داودُ حديثَ عَمْرِو بنِ شُعيب، وحديثَ رافع بنِ خَديج، وشذَّ في ذلك عن جمهورِ الفقهاء، كما شذَّ أهلُ البِدَع في قطع كلِّ سارقٍ سرَق قليلًا أو كثيرًا، من حِرْزٍ ومن غيرِه. والذي عليه جمهورُ العلماءِ القولُ بهذين الحديثَيْن، على ما ذكَرنا عنهم.
следующие страницы →