← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8343–8382 · переход к 8348.

стр. 8343

وقال الثوريُّ: إذا كانت الثمرةُ في رؤوسِ النخلِ أو في شجرِها فليس فيه قطعٌ، ولكن يُعزَّرُ. وقال عطاءٌ (١): يُعزَّرُ ويُغرَّمُ، ولا قطعَ عليه إلا فيما أحرَز الجَرين. وقال الشافعيُّ (٢): الحوائطُ ليست بحرزٍ للنخلِ ولا للثمر؛ لأنَّ أكثرَها مُباحٌ، يدخُلُ من جوانبِ الحائطِ حيثُ شاء، فمَن سرَق من حائطٍ شيئًا، من شجرةٍ أو ثَمَرٍ معلَّق، لم يُقطَعْ، فإذا أواه الجرينُ قُطِع. قال الشافعيُّ (٣): وذلك الذي تعرِفُه العامةُ عندَنا، أنَّ الجَرِينَ حرزٌ للثمر، والحائطَ ليس بحرز. وقال أبو حنيفةَ وأصحابه (٤) في الثمرِ يُسرَقُ من رؤوس النخلِ والشجر، أو السنبل من قبلَ أن يُحصَدَ: فلا قطعَ في شيءٍ من ذلك، وسواءٌ كان الحائطُ قد استُوثِق منه وحُظر أو لم يكن؛ لأنه بلَغنا أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا قطعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ". قالوا: وكذلك النخلةُ تُسرَقُ بأصلِها، والشجرةُ تُسرَقُ بأصلِها، لا قطعَ في شيءٍ من ذلك. وقال أبو ثَوْر (٥): إذا سرَق ثمرَ نخلٍ أو شجر، أو عنبَ كرم، وذلك الثمرُ قائمٌ في أصلِه، وكان محروزًا، فبلَغ قيمةُ المسروقِ من ذلك ما تُقطَعُ فيه اليدُ،

стр. 8344

قُطِعَت يدُه، وذلك أن هذا كلَّه ملكٌ لمالكِه لا يحلُّ أخذُه، وعلى مَن استهلَكه قيمتُه في قولِ جماعةِ أهلِ العلم، لا أعلمُهم اختلَفوا في ذلك، فلذلك رأينا على مَن سرَق من ذلك ما يوجِبُ القطعَ، القطعَ. قال أبو عُمر: لأهلِ العلم في تأويلِ حديثِ هذا الباب قولان: أحدُهما: أنَّ المعنى المقصودَ إليه بهذا الحديثِ جنسُ الثَّمر والكَثَر من غير مراعاةِ حِرْز، فمَن ذهَب إلى هذا المذهب لم يرَ القطعَ على سارقٍ سرَق من الثمرِ كلِّه، وأجناسِ الفواكِه، والطعام الذي لا يبقَى ولا يُؤمَنُ فسادُه، كثيرًا كانت السرقةُ من ذلك كلِّه أو قليلًا، من حِرْزٍ كانت أو من غيرِ حِرْز. قالوا: وهذا معنى حديثِ هذا الباب؛ لأنه لو أراد ما لم يكُنْ مَحْروزًا ما كان لذكرِ الثَّمَرِ وتخصيصِه فائدةٌ. هذا كلُّه قولُ أبي حنيفةَ وأصحابه. والقولُ الآخر: أنَّ المعنى المقصودَ بهذا الحديثِ الحِرْزُ، وفيه بيانُ أنَّ الحوائطَ ليست بحِرْزٍ للثمارِ حتى يأويها الجَرينُ، وما لم تكُنْ في الجرينِ فليست محروزة. وقد قيل: إنَّ الحديثَ إنما قُصِد به حوائطُ المدينةِ خاصّة؛ لأنها حوائطُ لا حيطانَ لها، وما كان لها حيطانٌ منها فهيَ حيطانٌ لا تمنَعُ -لقِصَرِها- مَن أراد الوصولَ إلى ما داخلَها. فهذا ما في هذا الحديث من المذاهبِ لمَن استعمَله ولم يدفَعْه، وقد دفَعتْهُ فرقةٌ ولم تَقُلْ به. قال أبو عُمر: قد ثبَت عن النبيِّ ﷺ من حديثِ البَرَاءِ بنِ عازبٍ أنه قَضَى بأنَّ على أهلِ الحوائطِ حِفْظَها وحِرْزَها بالنهار (١)، وقَضَى بأن لا قَطْعَ في ثمر،

стр. 8345

فخرَج ما في الحيطانِ والأجنّةِ من الثمارِ بذلك من حُكْم الحِرْزِ في سُقوطِ القَطْع، كما خرَج المقدارُ المُعتبَرُ في المسروقِ بالسُّنّة عن جُملةِ وُجوبِ القَطْع على عُموم الآيةِ في السُّرّاقِ والسرقات، واللهُ أعلم. وذكَر عُمرُ (١) بنُ الحسين الخِرَقيُّ الحنبليُّ في "مختصَرِه" (٢) على مذهبِ أحمدَ بنِ حنبل، قال: وإذا سرَق السارقُ رُبُعَ دينارٍ من الذهب، أو ثلاثةَ دراهمَ من الوَرق، أو قيمةَ ثلاثةِ دراهمَ من العُروضِ كلِّها، طعامًا كان أو غيرَه، وأخرَجه من الحِرْز، فعليه القطعُ ما لم يكنْ ثَمَرًا ولا كَثَرًا. وذكَر إسحاقُ بنُ منصور، قال (٣): سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول القَطْع فيما أوى الجَرينُ أو المُراحُ -قال: والمراحُ للغنم، والجرينُ للثمار- قال: وقال إسحاقُ -يعني ابنَ راهُوية- كما قال أحمدُ. قال أبو عُمر: ذكَر ابنُ خُوَيْزمَنْداد أنَّ أحمدَ بنَ حنبل وأهلَ الظاهرِ وطائفةً من أهلِ الحديثِ لا يعتبرون الحِرْزَ في السرقة، ويقولون: إن كلَّ سارقٍ سرَق ما يجبُ فيه القَطْعُ قُطِع، من حِرْزٍ أو من غير حِرْز. قال أبو عُمر: هذا غيرُ صحيح عن أحمدَ بنِ حنبل، والصحيحُ ما ذكَرنا عنه في هذا الباب مما ذكَره الخِرَقيُّ وإسحاقُ بنُ منصورٍ على ما ذكَرنا. وقال الأثرم: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل يذهبُ إلى حديثِ عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ فيمن سَرق الثمرَ المعلَّقَ أنه لا قَطْعَ فيه حتى

стр. 8346

يُؤوَيه الجَرينُ، وأنَّ عليه غرامةَ مثلَيْه. واحتجَّ أيضًا بحديثِ عُمرَ في ناقةِ المُزَنيِّ (١). قال أبو عُمر: حديثُ عَمْرِو بنِ شُعيبٍ أصلٌ عندَ جمهورِ أهلِ العلم في مراعاةِ الحرزِ واعتبارِه في القطع: حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، حدَّثنا الليثُ، عن ابن عَجلانَ، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص، عن النبيِّ ﷺ ، أنه سُئِل عن الثمرِ المعلَّق، قال: "ما أصابَ منه من ذي حاجةٍ غيرَ مُتَّخذٍ خُبْنةً (٤)،

стр. 8347

فلا شيءَ عليه، ومَن خرَج بشيءٍ منه، فعليه غرامةُ مِثْلَيه والعقوبة، ومَن سرَق منه شيئًا بعد أن يُؤويَه الجَرينُ، فبلَغ ثَمنَ المِجَنِّ، فعليه القطعُ". قال أبو عُبيد (١): الثمرُ المعلَّقُ: هو الذي في رُؤوس النخل لم يُجَذَّ ولم يُحرَزْ في الجَرين. قال أبو عُمر: وكذلك سائرُ ما في رؤوسِ الأشجارِ من سائرِ الثمار. قال أبو عُبيد (٢): والجَرينُ يسمِّيه أهلُ العراقِ البَيْدَر، ويسمِّيه أهلُ الشام الأندَرَ، ويُسمَّى بالبصرةِ الجَوخان، ويقال بالحجاز: المِرْبَد. قال أبو عُبيد (٣): والوَدِيُّ: النخلُ الصغارُ، والكَثَرُ: جُمّارُ النخل في كلام العرب. قال أبو عُمر: أما داودُ وأهلُ الظاهر (٤)، فذهَبوا إلى قطع كلِّ سارقٍ تلزَمُه الحدود، إذا سرَق ما يجبُ فيه القطْعُ، من حِرْزٍ ومن غيرِ حِرْزٍ، على عُموم قولِ الله وظاهرِه في السارقِ والسارقة، وظاهرِ قولِ النبيِّ ﷺ : القطْعُ في رُبُع دينارٍ فصاعدًا" (٥). ولم يذكُرِ الحِرْزَ، وضعَّف داودُ حديثَ عَمْرِو بنِ شُعيب، وحديثَ رافع بنِ خَديج، وشذَّ في ذلك عن جمهورِ الفقهاء، كما شذَّ أهلُ البِدَع في قطع كلِّ سارقٍ سرَق قليلًا أو كثيرًا، من حِرْزٍ ومن غيرِه. والذي عليه جمهورُ العلماءِ القولُ بهذين الحديثَيْن، على ما ذكَرنا عنهم.

стр. 8348

وكذلك لا أعلمُ أحدًا قال بتضعيفِ القيمةِ غيرَ أحمدَ بنِ حنبل، وسائرُ العلماءِ يقولون بالقيمةِ أو المِثْل، على حسَب ما ذكَرنا في باب نافع من هذا الكتاب (١). قال أبو عُمر: قولُه في هذا الحديث: "فعليه غرامةُ مِثْلَيْه" منسوخٌ بالقرآنِ والسُّنة؛ فالقرآنُ قولُ الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. ولم يقل: بمثْلَي ما عُوقبتم به. وقضَى النبيُّ ﷺ فيمَنْ أعتَق شِقْصًا له في عبد، بقيمتِه قيمةِ عَدْل (٢). ولم يقل: بمثلَي قيمتِه. ولا بتضعيفِ قيمتِه، وقضَى في الصحفةِ بمثلِها لا بمثْلَيها، وقد ذكَرنا خبرَ الصحْفةِ في باب نافع (٣). وأجمَع فقهاءُ الأمصارِ على أن لا تضعيفَ في شيءٍ من الغرامات، وأجمَعوا على إيجابِ المِثْلِ على مُستهلكِ المَكيلاتِ والمَوْزونات، واختلَفوا في العُرُوض، على ما قد ذكَرناه في باب نافع من هذا الكتاب (٤)، والحمدُ لله، وبه التوفيق.

стр. 8349

يحيى عن محمدِ بنِ إبراهيمَ أربعةُ أحاديث حديثٌ خامسٌ وثلاثونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيْميِّ، عن أبي حازم التمَّار، عن البياضيِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ خرَج على الناس وهم يُصلُّون، وقد علَتْ أصواتُهم بالقراءة فقال: "إنّ المُصلِّي يُناجي ربَّه، فلْينظُرْ بما يُناجيه به (٢)، ولا يَجهرْ بعضُكم على بعض بالقرآن". محمدُ (٣) بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ هذا، هو أحدُ ثقاتِ أهلِ المدينةِ ومحدِّثيهم. معدودٌ في التابعينَ. رُوِيَ عنه أنه قال: رأيتُ سَعْدَ بنَ أبي وَقّاص وعبدَ الله بنَ عُمرَ يأخُذانِ برُمّانةِ المنبر، ثم ينصَرِفان. ويُكْنَى أبا عبدِ الله، وهو محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ بنِ خالدِ بنِ صَخْرِ بنِ عامرِ بنِ كعبِ بنِ سَعْدِ بنِ تَيْم بنِ مُرّة. قال الواقديُّ: كان جدُّه الحارثُ بنُ خالدٍ من المهاجرينَ الأولين. وتوفّي محمدُ بنُ إبراهيمَ سنةَ عشرين ومئةٍ في خلافة هشام. وأبو حازم التمّارُ (٤) يقال: اسمُه دينارٌ، مولى الأنصار، ويقال: مولى أبي رُهْم الأنصاريِّ. وذكر حبيبٌ عن مالكٍ أنَّ اسمَ أبي حازم التمّارِ يسارٌ مولى قيسِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبادة. وأما البياضيُّ (٥) فيقولون: اسمُه فروةُ بنُ عَمْرِو بن ودقة بنِ عُبيدِ بنِ عامرِ بنِ بَياضة، فخِذٌ من الخزرج.

стр. 8350

وهذا الحديثُ معناه في صلاةِ النافلة، إذا كان كلُّ أحدٍ يُصلِّي لنفسِه. وأما صلاةُ الفريضة، فقد أحكَمت السُّنةُ سرَّها وجَهْرَها، وأنها خلفَ إمام للجماعةِ أبدًا، هذه سُنّتُها، وكان أصلُ هذا الحديث في صلاةِ رمضان؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يجمعُهم لها إلا على ما قد مضَى في بابِ ابنِ شهاب (١)، عن عُروة، من أنه صلَّى بهم ليلةً وثانيةً وثالثةً، ثم امتَنع من الخروج إليهم خشيةَ أن يُفرضَ عليهم. وقد روَى هذا الحديثَ حَمّادُ بنُ زيد، عن يحيى بنِ سعيد، فقال فيه: إن ذلك في رمضان. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيانَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن أبي حازم مولى الأنصار، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان مُعتكِفًا في رمضانَ في قُبّةٍ على بابها حَصِيرٌ. قال: وكان الناسُ يصلُّون عُصَبًا عُصَبًا. قال: فلمّا كان ذاتَ ليلةٍ رفَع بابَ القُبةِ فأطلَع رأسَه، فلمّا رآه الناسُ أنصَتُوا، فقال: "إن المُصلِّي يُناجي ربَّه، فلْينظرْ أحدُكم ما يُناجي به ربَّه، ولا يجهر بعضُكم على بعضٍ بالقرآن" (٢). هكذا قال حَمّادُ بنُ زيدٍ في هذا الباب، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمد، عن أبي حازم، عن النبيِّ ﷺ مُرسلًا، لم يذكُرِ البياضيَّ، كذلك رواه كلُّ مَن رواه عن حَمّادِ بنِ زيد.

стр. 8351

وقد روَى هذا الحديثَ يزيدُ بنُ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن أبي حازم، عن البياضيِّ، وعن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عطاءِ بنِ يسار، عن البياضيِّ؛ حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الحجاج الطبرانيُّ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ محمدٍ المدينيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ بكير، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثنا ابنُ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عطاءِ بنِ يسار، عن رجلٍ من بني بياضةَ من الأنصار، أنه سمِع رسولَ الله ﷺ يقولُ وهو مجاورٌ في المسجدِ يومًا، فوعَظ الناسَ وحذَّرهم ورغَّبهم، ثم قال: "ليس مُصَلٍّ يُصلِّي إلا وهو يُناجي ربَّه، فلا يجهرْ بعضُكم على بعضٍ بالقرآن" (١). قال الليثُ: وحدَّثنا ابنُ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن أبي حازم مولى الغِفاريِّين، أنه حدَّثهم هذا الحديثَ البياضيُّ عن رسولِ الله ﷺ (٢) وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (٣) وعبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قالا: حدَّثنا ابنُ أبي مريم، قال:

стр. 8352

أخبرنا يحيى بنُ أيوب (١) وابنُ لهيعة، قالا: حدَّثنا ابنُ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عطاءِ بنِ يسار، عن رجلٍ من بني بياضة، أنه سمِع رسولَ الله ﷺ . فذكَره سواءً إلى آخرِه. وقد روَى هذا الحديثَ أبو سعيدٍ الخدريُّ، عن النبيِّ ﷺ . أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق (٤)، قال: أخبرنا معمرٌ، عن إسماعيلَ بنِ أمية، عن أبي سَلَمة، عن أبي سعيدٍ، قال: اعتكَف رسولُ الله ﷺ في المسجد، فسمِعهم يجهَرون بالقراءة، فكشَف السِّترَ وقال: "ألا إنَّ كلَّكم مُناج ربَّه، فلا يؤذِينّ بعضُكم بعضًا، ولا يرفعْ بعضُكم على بعض في القراءة". أو قال: "في الصلاة". لم يذكرْ أبو داودَ حديثَ البياضيِّ، وذكَر حديثَ أبي سعيدٍ هذا. وقد روَى خالدٌ الطحان، عن مُطرِّف، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ قال: نهى رسولُ الله ﷺ أن يرفعَ الرجلُ صوتَه بالقراءةِ قبلَ العشاءِ وبعدَها،

стр. 8353

يغلِّطُ أصحابَه وهم يصلُّون (١). وهذا تفرَّد به خالدٌ الطحانُ وهو ضعيفٌ، وإسنادُه كلُّه ليس مما يُحتجُّ به (٢). وحديثُ البياضيِّ وحديثُ أبي سعيدٍ ثابتان صحيحان، واللهُ أعلم، والحمدُ لله، وليس فيهما معنًى يُشكِلُ يحتاجُ إلى القولِ فيه إن شاء الله. وإذا لم يَجُزْ للتالي المصلِّي رفعُ صوتِه لئلا يُغلِّطَ ويخلِّطَ على مُصَلٍّ إلى جَنْبِه، فالحديثُ في المسجدِ مما يُخلِّطُ على المصلِّي أوْلى بذلك وألزمُ وأمنَعُ وأحرَمُ، واللهُ أعلم. وإذا نُهِيَ المسلمُ عن أذى أخيه المسلم في عمَلِ البِرِّ وتلاوةِ الكتاب، فأذاه في غير ذلك أشدُّ تحريمًا، وقد نظَر عبدُ الله بنُ عُمرَ إلى الكعبةِ فقال: والله إنَّ لكِ لحُرمةً، ولكنَّ المؤمنَ عندَ الله أعظمُ حرمةً منك؛ حَرُم منه عِرْضُه، ودمُه، ومالُه، وألّا يُظَنَّ به إلا خيرٌ (٣). وحسبُك بالنهي عن أذى المسلم في المعنَى الواردِ في هذا الحديث، فكيف بما هو أشدُّ من ذلك، واللهُ المستعان.

стр. 8354

حديثٌ سادسٌ وثلاثونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيميِّ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يخرُجُ فيكُم قومٌ تحقِرونَ صلاتَكُم معَ صلاتهم، وصيامَكُم معَ صيامِهم، وأعمالَكُم مع أعمالِهم، يقرؤونَ القرآنَ لا يُجاوزُ حناجِرَهُم، يَمرُقونَ منَ الدِّينِ كما يمْرُقُ السَّهمُ منَ الرَّميّة؛ تنظُرُ في النَّصْل فلا تَرى شيئًا، وتنظُر في القِدْح فلا ترى شيئًا، وتنظُرُ في الرِّيشِ فلا تَرى شيئًا، وتتَمارى في الفُوق". هذا حديثُ صحيحُ الإسناد ثابتٌ، وقد رُوِيَ معناهُ من وجوهٍ كثيرةٍ عن النبيِّ ﷺ ، ولم يُختلَفْ عن مالكٍ فيما علِمْتُ في إسنادِ هذا الحديث (٢). ورواه القَعْنبيُّ عن الدّراوَرْديِّ عن يَحيى بنِ سعيد، أنَّ محمدَ بنَ إبراهيمَ أخبرَه، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن وعطاءِ بنِ يسار، أنهما سألا أبا سعيدٍ الخُدريَّ عن الحَروريّة، فقالا: هل سمِعتَ رسولَ الله ﷺ يذكرُها؟ فقال: لا أدري ما الحروريّة، ولكني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يخرجُ في هذه الأمة -ولم يقل: منها - قومٌ تحقِرون صلاتَكم مع صلاتهم، يقرؤون القرآنَ لا يجاوزُ حُلُوقَهم -أو قال: حناجِرَهم- يمرُقون من الدِّينِ مُروقَ السَّهْم من الرَّميّة، فينظرُ الرامي إلى سَهْمِه، ثم إلى نَصْلِه، ثم إلى رصافِه، فيتمارَى في الفُوقَة؛ هل علِقَ بها من الدَّم شيءٌ؟ ". ذكَره يعقوبُ بنُ شيبة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسلمةَ بنِ قَعْنَب، قال: حدَّثنا

стр. 8355

عبدُ العزيز الدراورديُّ، عن يحيى بنِ سعيد. فذكَره بإسنادِه إلى آخرِه كما ذكرناه (١). فأما قوله: "يخرجُ فيكم" فمن هذه اللفظةِ سُمِّيت الخوارجُ خوارجَ ومعنى قوله: "يخرجُ فيكم"؛ يريد: فيكم أنفُسِكم، يعني أصحابَه، أي يخرجُ عليكم؛ وكذلك خرَجتِ الخوارج، ومرقَتِ المارقةُ في زمن الصحابةِ ﵃، وأولُ مَن سمّاهم حَرُوريةً عليٌّ ﵁؛ إذ خرَجوا مخالفينَ للمسلمين، ناصبينَ لرايةِ الخلافِ والخروج؛ وأما تسميةُ الناس لهم بالمارقةِ وبالخوارج، فمن أصلِ ذلك هذا الحديث، وهي أسماءٌ مشهورةٌ لهم في الأشعارِ والأخبار. قال عبدُ الله بنُ قيسِ الرُّقَيّات (٢): ألَا طرَقتْ من آلِ بُثنةَ (٣) طارقَهْ ... على أنها معشُوقَةُ الدَّلِّ عاشِقَهْ تَبِيتُ وأرضُ السُّوسِ بيني وبينها ... وسُولافُ رستاقٌ حمَتْه الأزارِقَهْ (٤) إذا نحن شِئنا فارقَتْنا (٥) عصابةٌ ... حروريةٌ أضحَت (٦) من الدِّين مارِقَهْ (٧)

стр. 8356

والمعنى في هذا الحديث ومثلِه مما جاء عن النبيِّ ﷺ في ذلك عندَ جماعةِ أهلِ العلم، المرادُ به عندَهم القومُ الذين خرَجوا على عليِّ بنِ أبي طالب يومَ النهروان، فهم أصلُ الخوارج وأولُ خارجةٍ خرَجت، إلا أن منهم طائفةً كانت ممّن قصَد المدينةَ يومَ الدار في قتلِ عثمانَ ﵀. قال أبو عُمر: كان للخوارج مع خروجِهم تأويلاتٌ في القرآن ومذاهبُ سوء؛ مفارقةٌ لسلَفِ هذه الأمّةِ من الصحابةِ والتابعين لهم باحسان، الذين أخذوا الكتابَ والسُّنةَ عنهم، وتفقَّهوا منهم، فخالفوا في تأويلِهم ومذاهبِهم الصحابةَ والتابعينَ وكفَّروهم، وأوجَبوا على الحائض الصلاة، ودفَعوا رجْمَ المُحصَنِ الزاني، ومنهم من دفَع الظُّهرَ والعصر؛ وكفَّروا المسلمين بالمعاصي، واستحلُّوا بالذُّنوب دماءَهم، وكان خروجُهم، فيما زعَموا، تغييرًا للمنكرِ وردًّا للباطل، فكان ما جاؤوا به أعظمَ المُنكَر، وأشدَّ الباطل، إلى قبيح مذاهبِهم، ممّا قد وقَفنا على أكثرِها، وليس هذا، والحمدُ لله، موضعَ ذكرِها. فهذا أصلُ أمرِ الخوارج، وأولُ خروجِهم كان على عليٍّ ﵁، فقتَلهم بالنَّهْروان، ثم بقِيت منهم بقايا من أبنائهم ومن غيرِ أنسابهم على مذاهبهم، يتناسَلُون ويعتقِدون مذاهبَهم، وهم، بحمدِ الله، مع الجماعةِ مُستَترون بسوءِ مذهبهم، غيرُ مظهرينَ لذلك ولا ظاهرينَ به، والحمدُ لله. وكان للقوم صلاةٌ بالليل والنهار وصيام، يحتقِرُ الناسُ أعمالَهم عندَها؛ وكانوا يتْلُون القرآنَ آناءَ الليلِ والنهار، ولم يكنْ يتجاوزُ حناجرَهم ولا تراقيَهم؛ لأنهم كانوا يتأوَّلُونَه بغيرِ علم بالسُّنةِ المبيِّنةِ له، فكانوا قد حُرِموا فهمَه والأجرَ على تلاوتِه، فهذا، واللهُ أعلم، معنى قوله: "لا يُجاوِزُ حناجِرَهم". يقول: لا ينتفعُون بقراءتِه، كما لا ينتفعُ الآكلُ والشاربُ من المأكولِ والمشروب بما لا يُجاوزُ حَنجرَتَه.

стр. 8357

وقد قيل: إنَّ معنى ذلك أنهم كانوا يتلُونه بألسنَتِهم، ولا تعتقدُه قلوبُهم. وهذا إنّما هو في المنافقين، وروَى ابنُ وَهْبٍ عن سُفيانَ بنِ عُيينة، عن عُبيدِ الله بن أبي يزيد، قال: ذكرتُ الخوارجَ واجتهادَهم عندَ ابنِ عباس وأنا عندَه، فسمِعتُه يقول: ليسوا بأشدَّ اجتهادًا من اليهودِ والنَّصارى، وهم يَضِلُّون؛ حدَّثناه خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمر بنِ إسحاقَ الجَوْهريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج، قال: حدَّثنا خالي أبو الربيع، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب (١)، فذكره. قال أحمدُ: وحدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، وعبدُ الرحمن بنُ يعقوب، وسعيدُ بنُ دَيْسَم، قالوا: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن عبيدِ الله بنِ أبي يزيد، فذكره (٢). وكانوا لتكفيرِهم الناسَ لا يقبلُون خبرَ أحدٍ عن النبيِّ ﷺ ، فلم يعرِفوا لذلك شيئًا من سُنَّتِه وأحكامِه المُبيِّنةِ لمُجملِ كتابِ الله، والمُخْبرةِ عن مرادِ الله من خطابِه في تنزيلِه بما أرادَ اللهُ من عبادِه في شرائعِه التي تعبَّدهم بها؛ وكتابُ الله عربيٌّ، وألفاظُه محتملةٌ للمعاني، فلا سبيلَ إلى مرادِ الله منها إلا ببيانِ رسوله؛ ألا ترى إلى قولِ الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وألا ترى أنّ الصلاةَ والزكاةَ والحجَّ والصيامَ وسائرَ الأحكام إنما جاء ذكرُها وفرضُها في القرآنِ مجُمَلًا، ثم بيَّن النبيُّ ﷺ أحكامَها؟ فمَن لم يقبلْ أخبارَ العُدولِ عن النبيِّ ﷺ بذلك ضلَّ وصار في عمياءَ، فلمّا لم يقبل القومُ أخبارَ الأُمّة عن نبيِّها، ولم يكنْ عندهم فيهم عدلٌ ولا مؤمنٌ، وكفَّروا عليًّا وأصحابَه فمَن دونَهم، ضلُّوا وأضلُّوا، ومرَقُوا من الدِّين، وخالفوا سبيلَ المؤمنين، عافانا اللهُ وعصَمنا من الضلالِ كلِّه برحمتِه وفَضْلِه؛ فإنه القادرُ على ذلك لا شريكَ له.

стр. 8358

ذكر عبدُ الرزاق، عن مَعْمر، عن أيوب، عن نافع، قال: قيل لابن عُمر: إنَّ نَجْدةَ يقول: إنك كافرٌ. وأراد قتْلَ مولاك إذ لم يقل: إنك كافرٌ. فقال عبدُ الله: كذَب والله، ما كفرتُ منذ أسلمتُ. قال نافع: وكان ابنُ عُمرَ حين خرَج نَجْدةُ يَرى قتالَه. قال عبدُ الرزاق (١): وأخبرنا مَعْمرٌ، عن ابنِ طاووس، عن أبيه، أنه كان يُحرِّضُ الناسَ على قتالِ زريقٍ الحَرُوريِّ. فأما قوله: "يقرؤون القرآنَ لا يجاوزُ حناجرَهم" فالحناجرُ جمعُ حَنْجرَةٍ، وهي آخِرُ الحَلْقِ مما يلي الفم؛ ومنه قولُ الله : ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. وقيل: الحنجرةُ أعلى الصدرِ عندَ طرفِ الحُلقوم. وأما قوله: "يمرُقون من الدِّين" فالمُرُوق: الخروجُ السريع، "كما يمرُقُ السهمُ من الرَّمية". والرَّميةُ: الطريدةُ من الصيد، المرميّةُ (٢). وهي فعيلةٌ من الرَّمي؛ لأنَّ كلَّ فاعل يُبنى على فِعْله فالاسمُ منه فاعل، والمفعولُ منه مفعول؛ كقولك: ضرَب. فهو ضاربٌ، والمفعولُ مضروبٌ، والأنثى مضروبةٌ؛ فإذا بنَيْتَ الفعلَ من بناتِ الياء، قلت: رمَى، فهو رام، والمفعولُ مَرميٌّ، وكان أصلُه "مَرْمُويٌ"، حتى يكون على وزن مفعول، فاستثقَلتِ العربُ ياءً قبلَها ضمّة، فقَلبتِ الواوَ ياءً، ثم أدغَمَتْها في الياءِ التي بعدَها، فصار "مَرْميٌّ"، فإذا أنَّثتَه قلت: مَرْميّةٌ. وإذا أدخلتَ عليها الألفَ واللامَ قلت: المَرْميّةُ والرَّمِيّةُ. مثلَ المقتولةِ والقتيلة.

стр. 8359

قال الشاعر: والنفسُ موقوفةٌ والموتُ غايتُها ... نَصْبَ الرَّمِيَّةِ للأحداثِ تَرْمِيها قال أبو عُبيد (١): في قوله: "كما يخرجُ السهمُ من الرميّة". قال: يقول: خَرَج السهمُ ولم يتمسَّكْ بشيء، كما خرَج هؤلاء من الإسلام ولم يتمسَّكوا بشيء. وقال غيرُه: "تتمارى في الفُوق"؛ أي: تَشُكُّ، والتماري: الشَّكُّ، وذلك يوجبُ ألّا يُقطَعَ على الخوارج ولا على غيرِهم من أهل البِدَع بالخروج من الإسلام، وأن يُشَكَّ في أمرهم، وكلُّ شيءٍ يُشَكُّ فيه، فسبيلُه التوقفُ عنه دونَ القطع عليه. وقال الأخفشُ: شبَّهه برميةِ الرامي الشديدِ الساعدِ إذا رمَى فأنفذَ سهمَه في جَنْبِ الرميَّة، فخرَج السّهْمُ من الجانبِ الآخَرِ من شدَّةِ رميِه وسُرعةِ خروج سهْمِه، فلم يتعلَّقْ بالسهم دمٌ ولا فَرْثٌ؛ فكأن الراميَ أخذَ ذلك السهمَ فنظَر في النَّصْل -وهو الحديدةُ التي في السّهْم- فلم يرَ شيئًا، يريدُ من فَرْثٍ ولا دم، ثم نظَر في القِدْح -والقِدْح: عُودُ السهم نفسُه- فلم يرَ شيئًا، ونظَر في الرِّيش فلم يرَ شيئًا. وقوله: "تتمارَى في الفُوق"، والفُوقُ: هو الشقُّ الذي يدخلُ فيه الوَتَرُ، أي: يشكُّ إن كان أصابَ الدمُ الفُوقَ. يقول: فكما خرَج السهمُ خاليًا نقيًّا من الفَرْثِ والدم لم يتعلقْ منها بشيء، فكذلك خروجُ هؤلاء من الدِّين، يعني الخوارج. وفي غير حديثِ مالكٍ ذُكِر الرُّعْظُ: وهو مدخلُ السَّهم في الزُّجِّ، والرِّصافُ: وهو العَقَبُ الذي يُشَدُّ عليه. والقُذَذُ: وهو الريش، واحدتُها قُذّةٌ. أخبرنا خَلَفٌ (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ

стр. 8360

الحجّاج، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: النَّصْلُ: الحديدةُ، والرِّصافُ: العَقَبُ، والقُذَذُ: الريشُ، والنَّضِيُّ: السهْمُ كلُّه إلى الريش. قال أبو عُمر: قد قال فيهم رسولُ الله ﷺ : "يخرجُ قومٌ من أُمَّتي" (١). إن صحَّت هذه اللفظةُ فقد جعَلهم من أُمَّتِه، وقد قال قوم: معناه: من أُمَّتي بدَعْواهم. ذكر الحُميديُّ (٢)، عن ابن عُيينة، عن ابنِ جُدْعان، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى تَقْتَتلَ فئتانِ عظيمتان، دَعْواهُما واحدةٌ، فبينما هم كذلك، إذ مرَقَتْ مارِقةٌ كما يمرُقُ السهْمُ منَ الرميّة، تقتلُها أولى الطائفتَين بالحقِّ". حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسنُ بنُ عليٍّ الرافقيُّ بأنطاكيةَ سنةَ ثلاثٍ وعشرين وثلاثِ مئةٍ (٤)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي الحناجر، قال: حدَّثنا مؤمَّلُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا مباركُ بنُ فَضالة، عن عليِّ بنِ زيد، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "تلتقي من أمَّتي فئتانِ عظيمتان، دعواهُما واحدةٌ، فبينا هم كذلك، إذ مرقَتْ بينَهما مارِقةٌ تقتلُهم أوْلى الطائفتَين بالحقِّ" (٥).

стр. 8361

حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أبو يعلى محمدُ بنُ زهير الأُبُلِّيُّ القاضي بالأُبُلَّة، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ بنِ زيادٍ القُلُوسيُّ، قال: حدَّثنا بشيرُ بنُ عبادٍ الساعديُّ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا أبو نَضْرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "تمرُقُ مارقةٌ عندَ فُرقةٍ من الناس، تقتلُها أولى الطائفتين بالحقِّ" (١). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد، قال: حدَّثنا مُجالدٌ، قال: حدَّثنا أبو الوَدّاك، قال: سمِعتُ أبا سعيدٍ الخُدريَّ يقول: قال رسولُ الله ﷺ : "يخرجُ قومٌ من أُمّتي بعدَ فرقةٍ من الناس، أو عندَ اختلافٍ من الناس؛ قومٌ يقرؤون القرآنَ كأحسنِ ما يقرؤُه الناسُ، ويرعَوْنَه كأحسن ما يرْعاهُ الناسُ، يمْرُقونَ من الدِّينِ كما يمرُقُ السهمُ من الرميّة، يرمي الرجلُ الصيدَ، فينفُذُ الفرثَ والدمَ، فيأخذُ السهمَ، فيتمارى أصابَه شيءٌ أم لا، هم شرارُ الخَلْق والخليقة، يقتلُهم أوْلى الطائفتين بالله، أو أقربُ الطائفتين إلى الله" (٣). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ

стр. 8362

وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا عليُّ بنُ مُسهر، عن الشيبانيِّ، يعني أبا إسحاق، عن يُسَيْرِ بنِ عَمْرو، قال: سألتُ سَهْلَ بنَ حُنَيف: هل سمِعتَ رسولَ الله ﷺ يذكرُ هؤلاء الخوارج؟ قال: سمِعتُه، وأشار بيَدِه نحوَ المشرق، يقول: "يخرجُ منه قومٌ يقرؤون القرآنَ بألسنتِهم لا يعْدُو تراقِيَهم، يمرُقونَ من الدِّينِ كما يمْرُقُ السهمُ من الرميَّة". وروى ابنُ وَهْب، عن يونسَ بنِ يزيدَ، عن ابنِ شهاب، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: بينا نحنُ عندَ رسولِ الله ﷺ وهو يَقسِمُ قَسْمًا، أتاه ذو الخُويْصِرَة، وهو رجلٌ من بني تميم، فقال: يا رسولَ الله، اعدِلْ. فقال رسولُ الله ﷺ : "ويْلَكَ، ومَن يعْدِلُ إن لم أعدِلْ؟! لقد خِبتُ وخسِرتُ إن لم أعْدِلْ". فقال عُمر: يا رسولَ الله، ائذنْ لي فيه فأضربَ عنقَه. فقال: "دَعْهُ؛ فإن له أصحابًا يحْقِرُ أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامِهم، يقرؤونَ القرآنَ لا يُجاوزُ تراقِيَهم، يمرُقونَ من الإسلام كما يمرُقُ السهمُ من الرميّة، ينظُرُ إلى نَصْلِه فلا يُوجدُ فيه شيءٌ، ثم ينظُرُ إلى رِصَافِه فلا يوجدُ فيه شيءٌ, ثم ينظُرُ إلى نَضِيِّه فلا يُوجدُ فيه شيءٌ -وهو القِدْحُ- ثم ينظُرُ إلى قُذَذِه فلا يوجدُ فيه شيءٌ؛ سبقَ الفَرْثُ والدم، آيتُهم رجلٌ أسود، إحدى عَضُدَيْه مثلُ ثَدْي المرأة، أو مثلُ البَضْعَةِ (٢) تدَرْدَرُ (٣)؛ يخرُجون على حين فُرقةٍ من الناس".

стр. 8363

قال أبو سعيد: فأشهدُ أنّي سمِعتُ هذا من رسولِ الله ﷺ ، وأشهدُ أنَّ عليَّ بنَ أبي طالب قاتَلَهُم وأنا معه، فأمَر بذلك الرجُلِ فالتُمِس فوُجِدَ، فأُتيَ به حتى نظرتُ إليه على نَعْتِ رسولِ الله ﷺ الذي نَعَتَ (١). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال (٣): حدَّثنا يحيى بنُ آدم، عن سَعِيد (٤) بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ راشد، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن والضحاكِ بنِ قيس (٥)، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: بينا رسولُ الله ﷺ يقسِمُ

стр. 8364

مغنمًا يومَ حنين، أتاه رجلٌ من بني تميم يقالُ له: ذو الخُوَيْصِرَة. فقال: يا رسولَ الله، اعدِلْ. قال: "لقد خِبتُ وخسِرتُ إن لم أعدِلْ". فقال عُمر: يا رسولَ الله، دعني أقتُلْه. قال: "لا، إن لهذا أصحابًا يخرجون عندَ اختلافٍ بينَ الناس، يقرؤون القرآنَ لا يجاوزُ تراقِيَهم أو حناجرَهم، يمرُقون من الدِّين كما يمرُقُ السهمُ من الرميّة؛ آيتُهم رجلٌ منهم كأن يدَه ثديُ المرأة، أو كأنها بَضْعَةٌ تَدَرْدَرُ". فقال أبو سعيد: سمِعتْ أُذُني من رسولِ الله ﷺ يومَ حنين، وبَصُرَتْ عيني مع عليِّ بنِ أبي طالب حينَ قتلَهم فنظرتُ إليه. وذكَر الضحاكَ في هذا الحديثِ طائفةٌ عن يونس (١)، وعن الأوزاعيِّ (٢)، عن الزُّهريِّ، وطائفةٌ تقول فيه: الضحاكُ المشرَقيُّ. وطائفةٌ تقول: الضحاكُ بنُ مزاحم. ولم يذكره معمرٌ (٣).

стр. 8365

وروى ابنُ وَهْب، عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن بُكَيرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشجِّ، عن بُسْرِ بنِ سعيد، عن عُبيدِ الله بنِ أبي رافع مولى رسولِ الله ﷺ ، أنَّ الحرُوريةَ لمّا خرَجت، وهو مع عليٍّ بنِ أبي طالب، فقالوا: لا حُكْمَ إلا لله. فقال عليٌّ: كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطلٌ؛ إنَّ رسولَ الله ﷺ وصَف أُناسًا، إني لأعرِفُ صِفَتَهم في هؤلاء؛ يقولون الحقَّ بألسِنَتهم، لا يُجاوزُ هذا منهم -وأشار إلى حَلْقِه- من أبغضِ خَلْقِ الله إليه، منهم أسودُ، إحدى يدَيه كطُبْيِ شاةٍ (١) أو حَلَمَةِ ثَدْي. فلمّا قتَلهم عليُّ بنُ أبي طالب، قال: انظُروا، فنَظروا. فلم يجدُوا شيئًا، فقال: ارجعُوا، فوالله ما كذبتُ ولا كُذبتُ. مرتين أو ثلاثًا، ثم وجَدُوه في خَرِبة، فأتوا به حتى وضَعُوه بين يدَيْه، فقال عبيدُ الله: أنا حاضرٌ ذلك من أمرِهم وقولَ عليٍّ فيهم. قال بُكيرُ بنُ الأشجّ: وحدَّثني رجلٌ، عن إبراهيمَ بن حُنَين، أنه قال: رأيتُ ذلك الأسود (٢). قال أبو عُمر: قوله: "يخرجُ". وقوله: "إن لهذا أصحابًا يخرجُون عندَ اختلافٍ من الناس". يدُلُّ على أنهم لم يكونوا خرَجوا بعدُ، وأنهم يخرُجونَ فيهم، وقد استدلَّ بنحو هذا الاستدلالِ مَن زعَم أن ذا الخُوَيْصِرَةِ ليس ذا الثُّدَيَّة، واللهُ أعلم. ويحتمِل قولُه: "إن لهذا أصحابًا"، يريدُ على مذهَبه، وإن لم يكونوا ممّن صحِبَه، كما يقالُ لأتباع الشافعيِّ، وأتباع مالك، وأتباع أبي حنيفة، وغيرِهم من الفقهاءِ فيمن تبِعَهم على مذاهبهم: هؤلاء أصحابُ فلان، وهذا من أصحابِ فلان، واللهُ أعلم.

стр. 8366

ويقال: إن ذا الخُوَيْصِرَةِ اسمُه حُرْقُوصٌ. ورُوِيَ عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرظيِّ أنه قال: حُرقوصُ بنُ زُهَيرٍ هو ذو الثُّدَيّة، وهو الذي قال للنبيِّ ﷺ : ما عدَلتَ (١). وذكر المدائنيُّ عن نُعيم بنِ حَكِيم، عن أبي مَرْيم، قصةَ ذي الثُّدَيَّةِ بتمامِها وطولِها، وقال: يقال له: نافعٌ ذو الثُّديَّة. وذكر عبد الرزاق (٢)، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: بينا النبيُّ ﷺ يقسِمُ قَسْمًا، إذ جاء ابنُ أبي الخُوَيْصِرَة، فقال: اعدِلْ يا محمدُ. فقال: "ويلَك، إذا لم أعدِلْ فمَن يعدلُ؟! ". قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ له أصحابًا يمرُقُونَ من الدِّينِ كما يمرُقُ السهمُ من الرميّة، فيهم رجلٌ، إحدى يدَيْه، أو على يدَيْه، مثلُ ثَدْي المرأة، أو مثلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، يخرجُونَ على حينِ فترَةٍ من الناس". قال: فنزَلت فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]. قال أبو سعيد: أشهدُ أني سمِعتُ هذا الحديثَ من رسولِ الله ﷺ ، وأشهدُ أن عليًّا قتَلهم، وأنا حينَ قتَلهم معه، حتى أُتىَ بالرَّجُل على النعْتِ الذي قال رسولُ الله ﷺ . أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، قال: حدَّثنا سُفيانُ. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجعد، قال: حدَّثنا زهيرٌ، جميعًا عن الأعمش، عن خيثمة، عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلة، عن عليِّ بنِ أبي طالب، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول:

стр. 8367

"يكونُ قومٌ في آخرِ الزمان، سفهاءُ الأحلام، يقرؤون القرآنَ لا يُجاوزُ تراقِيَهم، يَمْرُقون من الدِّين كما يَمرُقُ السّهْمُ من الرَّميّة، فأينما لقِيتَهم فاقتُلْهم؛ فإنَّ قتْلَهم أجرٌ لمَن قتلَهُم" (١). وروَى يحيى بنُ آدم، عن إسرائيل، عن محمدِ بنِ قيس (٢)، عن مالك بنِ الحارث (٣)، قال: شهِدتُ مع عليٍّ النَّهْروان، فلمّا فرغَ منهم قال: اطْلُبوه، اطْلُبوه. فطلَبُوه فلم يقدِرُوا على شيء؛ فأخذَه الكرْبُ، فرأيتُ جبينَه يتحدَّرُ منه العَرَقُ، ثم وجَدَه، فخرَّ ساجدًا وقال: والله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ (٤).

стр. 8368

وروينا عن [أبي] (١) خليفةَ الطائيِّ، قال: لمّا رجَعنا من النَّهْروان، لقينا العَيْزارَ الطائيَّ قبل أن ينتهيَ إلى المدائن، فقال لعديِّ بنِ حاتم: يا أبا طَريف، أغانِمٌ سالمٌ، أم ظالمٌ آثمٌ؟ قال: بل غانمٌ سالمٌ، إن شاء الله. قال: فالحُكْمُ والأمرُ إذن إليك؟ فقال الأسودُ بنُ يزيدَ والأسودُ بنُ قيسٍ المُراديّان: ما أخرَج هذا الكلامَ منك إلا شرٌّ، وإنّا لنعرفُك برأي القوم. فأتيا به عليًّا فقالا: إن هذا يرَى رأيَ الخوارج، وقد قال كذا وكذا. قال: فما أصنعُ به؟ قالا: تقتُلُه. قال: لا أقتلُ مَن لا يخرُجُ عليَّ. قالا: فتحبِسُه. قال: ولا أحبِسُ مَن ليست له جِنايةٌ، خَلِّيا سبيلَ الرجل (٢). حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ إسحاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكير، قال: حدَّثني ابنُ لهِيعة، قال: حدَّثني بكيرُ بنُ عبدِ الله بنِ الأشجِّ، أنه سأل نافعًا: كيف كان

стр. 8369

رأيُ ابنِ عُمرَ في الخوارج؟ فقال: كان يقول: هم شرارُ الخَلْق، انطلَقوا إلى آياتٍ أُنزلت في الكُفّار فجعَلُوها على المؤمنين (١). وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ إسحاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج، قال: حدَّثني خالي أبو الربيع وأحمدُ بنُ عَمْرو وأحمدُ بنُ صالح، قالوا: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال (٢): أخبرني عَمْرُو بنُ الحارث أن بكيرَ بنَ الأشجِّ حدَّثه أنه سأل نافعًا: كيف كان رأيُ ابنِ عُمرَ في الحَروريّة؟ قال: يراهُم شِرارَ خلقِ الله، قال: إنهم انطلَقوا إلى آياتٍ في الكُفّار فجعَلُوها على المؤمنين. ورَوَى حَكِيمُ بنُ جابر (٣)، وطارقُ بنُ شهاب (٤)، والحَسَنُ (٥)، وغيرُهم، عن عليٍّ بمعنًى واحد، أنه سُئل عن أهل النَّهْروان، أكفارٌ هم؟ قال: من الكُفْر فرُّوا. قيل: فمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون اللهَ إلا قليلًا. قيل: فما هم؟ قال: قومٌ أصابتهم فتنةٌ فعَمُوا فيها وصمُّوا وبَغَوْا علينا، وحارَبُونا وقاتَلُونا فقتَلْناهُم. ورُوِيَ عنه أنَّ هذا القولَ كان منه في أصحابِ الجَمَل (٦)، واللهُ أعلم.

стр. 8370

وأخبارُ الخوارج بالنَّهْروان، وقتلُهم للرِّجال والوِلْدان، وتكفيرُهم الناسَ، واستحلالُهم الدماءَ والأموالَ، مشهورٌ معروفٌ، ولأبي زيدٍ عُمرَ بنِ شَبّةَ في أخبارِ النَّهْروانِ وأخبارِ صِفِّينَ ديوانٌ كبير، مَن تأمَّله اشتفَى من تلك الأخبار، ولغيرِه في ذلك كتبٌ حِسانٌ، واللهُ المستعان. وروَى إسرائيلُ، عن مُسلم بنِ عُبيد، عن أبي الطُّفيل، عن عليٍّ في قولِ الله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ الآية [الكهف: ١٠٣]. قال: هم أهلُ النهر (١). وروَى الثوريُّ، عن قيسِ بنِ مُسلم، عن طارقِ بنِ شهاب: أن عِتريسَ بنَ عُرقُوبٍ أتى عبدَ الله بنَ مسعودٍ فقال: يا أبا عبدِ الرحمن، هلَك مَن لم يأمرْ بالمعروفِ ولم ينهَ عن المنكر. فقال عبدُ الله بنُ مسعود: هلَك من لم ينكرِ المنكرَ بقلبِه، ولم يعرفِ المعروفَ بقلبه (٢).

стр. 8371

أخبرنا أحمدُ بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ سَهْل، قال: حدَّثنا نعيمُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن مِسْعَر، عن عامرِ بنِ شقيق، عن أبي وائل، عن عليٍّ، قال: لم نُقاتلْ أهلَ النهرِ على الشِّرْك (٢). حدَّثنا نعيمٌ (٣)، حدَّثنا وَكيعٌ، عن ابنِ أبي خالد، عن حكيم بنِ جابر، عن عليٍّ مثلَه (٤). حدَّثنا نعيمٌ, قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدِ بنِ كثير، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ يحيى الغسانيُّ، عن أبيه، أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتَب إليه في الخوارج: إن كان من رأي القوم أن يسيحُوا في الأرض من غيرِ فسادٍ على الأئمّة، ولا على أحدٍ من أهل الذِّمة، ولا يتناولون أحدًا (٥)، ولا قَطْع سبيلٍ من سُبُلِ المسلمين فلْيَذْهبوا حيث شاؤوا، وإن كان رأيُهم القتالَ، فوالله لو أن أبكاري من ولدي خرَجوا رغبةً عن جماعةِ المسلمين لأرقتُ دماءَهم، ألتمِسُ بذلك وجهَ الله والدارَ الآخرة. وذكَر ابنُ وَهْب (٦)، عن يونسَ، عن ابنِ شهاب، قال: صاحبتُ الفتنةَ الأولى،

стр. 8372

فأدركتُ رِجالًا ذَوي عَدَدٍ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ممّن شَهِدَ بدرًا، فبلَغنا أنهم كانوا يرَوْن أن يُهدَرَ أمرُ الفتنة، فلا يُقامَ فيها على رجلٍ قصاصٌ في قتلٍ ولا دم، ولا يرَوْن على امرأةٍ سُبِيَتْ فأُصيبت حدًّا، ولا يروْنَ بينَها وبينَ زوجِها مُلاعنة، ومَن رماها جُلِد الحدَّ، وتُردُّ إلى زوجِها بعدَ أن تعتدَّ من الآخَر. قال ابنُ شهاب: وقالوا: لا يُضْمَنُ مالٌ ذهبَ، إلا أن يُوجدَ شيءٌ بعينِه فيُرَدَّ إلى أهلِه. وقال ابنُ القاسم (١): بلَغني أنَّ مالكًا قال: الدماءُ موضوعةٌ عنهم، وأما الأموالُ فإنْ وُجِد شيءٌ بعينِه أُخِذ، وإلا لم يُتْبَعوا بشيء. قال ذلك في الخوارج. قال ابنُ القاسم: وفرَّق بينَ المحارِبين وبينَ الخوارج؛ لأنَّ الخوارجَ خرَجوا واستَهْلكُوا ذلك على تأويلٍ يرَون أنه صوابٌ، والمحاربون خرَجوا فِسْقًا وخُلُوعًا على غيرِ تأويل، فيُوضعُ عن المحاربِ إذا تابَ قبل أن يُقدَرَ عليه حدُّ الحِرابَةِ، ولا تُوضعُ عنه حقوقُ الناس؛ يعني في دم ولا مال. قال أبو عُمر: قال إسماعيلُ بنُ إسحاق: رأى مالكٌ قتلَ الخوارج وأهلِ القَدَرِ من أجلِ الفسادِ الداخل في الدِّين، وهو من بابِ الفسادِ في الأرض، وليس إفسادُهم بدون إفسادِ قُطّاع الطريقِ والمُحارِبينَ للمُسلمين على أموالهم؛ فوجَب بذلك قتْلُهم، إلا أنه يَرى استتابتَهم لعلّهم يُراجِعُون الحقَّ، فإن تمادَوْا قُتِلوا على إفسادِهم، لا على كُفرٍ. قال أبو عُمر: هذا قولُ عامةِ الفقهاءِ الذين يرَون قتلَهم واستتابتَهم، ومنهم من يقول: لا يُتعرَّضُ لهم باستتابةٍ ولا غيرِها ما استتَروا ولم يبغُوا ويُحارِبوا. وهذا مذهبُ الشافعيِّ، وأبي حنيفة، وأصحابهما، وجمهورِ أهلِ الفقه، وكثيرٍ من أهلِ الحديث (٢).

стр. 8373

قال الشافعيُّ، ﵀، في كتابِ قتالِ أهلِ البغي (١): لو أن قومًا أظهَروا رأيَ الخوارج وتجنَّبوا جماعةَ المسلمين (٢) وكفَّرُوهم، لم تحلَّ بذلك دماؤُهم ولا قتالُهم؛ لأنهم على حُرمةِ الإيمان حتى يصيروا إلى الحالِ التي يجوزُ فيها قتالُهم؛ من خروجِهم إلى قتالِ المسلمين، وإشهارِهم السلاح، وامتناعِهم من نفوذِ الحقِّ عليهم. وقال: بلَغنا أنَّ عليَّ بنَ أبي طالب بينما هو يخطُبُ إذ سمِع تحكيمًا من ناحيةِ المسجد، فقال: ما هذا؟ فقيل: رجلٌ يقول: لا حُكْمَ إلا لله. فقال عليٌّ ﵀: كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطلٌ، لا نمنعُكم مساجدَ الله أن يُذْكَرَ فيها اسمَ الله، ولا نمنعُكم الفيءَ ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤُكم بقتال. قال (٣): وكتَب عديٌّ إلى عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنَّ الخوارجَ عندَنا يَسُبُّونك. فكتَب إليه عُمرُ: إن سَبُّوني فسُبُّوهم أو اعفُوا عنهم، وإن شهَروا السلاحَ فاشهَروا عليهم، وإن ضرَبوا فاضرِبوا. قال الشافعيُّ: وبهذا كلِّه نقول، فإن قاتَلُونا على ما وصَفنا قاتَلناهم، فإن انهزَموا لم نَتَّبعْهُم ولم نُجْهِزْ على جريحِهم. قال أبو عُمر: قولُ مالكٍ في ذلك ومذهبُه عندَ أصحابِه في ألّا يُتبعَ مُدبِرٌ من الفئةِ الباغية، ولا يُجهَزَ على جريح، كمذهب الشافعيِّ سواءً، وكذلك الحكمُ في قتالِ أهلِ القبلةِ عندَ جمهورِ الفقهاء. وقال أبو حنيفة: إن انهزَم الخارجيُّ أو الباغي إلى فئةٍ أُتْبع، وإن انهزَم إلى غيرِ فئةٍ لم يُتْبَع (٤).

стр. 8374

قال أبو عُمر: أجمَع العلماءُ على أن مَن شقَّ العَصَا، وفارَق الجماعة، وشهَر على المُسلمين السلاحَ، وأخافَ السبيلَ، وأفسَدَ بالقَتْلِ والسَّلْب، فقَتْلُهم وإراقةُ دمائِهم واجبٌ؛ لأنَّ هذا من الفسادِ العظيم في الأرض، والفسادُ في الأرضِ موجِبٌ لإراقةِ الدماءِ بإجماع، إلا أن يتوبَ فاعلُ ذلك من قَبْلِ أن يُقدَرَ عليه، والانهزامُ عندَهم قريبٌ من التوبة، وكذلك مَن عجَز عن القتال، لم يُقتَلْ إلا بما وجَب عليه قبلَ ذلك. ومن أهلِ الحديثِ طائفةٌ تراهُم كفّارًا على ظواهرِ الأحاديثِ فيهم، مثلُ قوله ﷺ : "مَنْ حملَ علَينا السِّلاحَ فليسَ منّا" (١) ومثلُ قوله: "يمْرُقون من الدِّين" وهي آثار يُعارِضُها غيرُها فيمَن لا يُشركُ بالله شيئًا، ويُريدُ بعمَلِه وجْهَه، وإن أخطأ في حُكمه واجتهادِه. والنّظرُ يشهدُ أنّ الكُفرَ لا يكونُ إلا بضِدِّ الحالِ التي يكونُ بها الإيمان، لأنهما ضِدّان؛ وللكلام في هذه المسألةِ موضِعٌ غيرُ هذا، وبالله التوفيق.

стр. 8375

حديثٌ سابعٌ وثلاثونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، أنه قال: أخبرني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيميُّ، عن عيسى بنِ طَلْحةَ بنِ عُبيدِ الله، عن عُميرِ بنِ سَلَمةَ (٢) الضَّمْريِّ، عن البَهْزيِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ خرَج يريدُ مكةَ وهو مُحرِمٌ، حتى إذا كان بالرَّوْحاء، إذا حمارٌ وَحْشيٌّ عَقيرٌ، فذُكِر ذلك لرسولِ الله ﷺ فقال: "دعُوه، فإنه يُوشِكُ أن يأتيَ صاحبُه". فجاء البَهْزيُّ، وهو صاحبُه، إلى رسولِ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، شأنكُم بهذا الحمار. فأمَر رسولُ الله ﷺ أبا بكرٍ فقسَمه بين الرِّفاق ثم مضَى، حتّى إذا كان بالأثايَةِ (٣) بين الرُّويْثَةِ والعَرْج، إذا ظبيٌ حاقفٌ في ظلِّ شجرةٍ وفيه سهمٌ، فزعَم أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَر رجلًا أن يقفَ عنده لا يَرِيبُه أحدٌ من الناسِ حتى يُجاوزَه. لم يُختلَفْ على مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث (٤)، واختلف أصحابُ يحيى بنِ

стр. 8376

سعيدٍ فيه على يحيى بن سعيد، فرواه جماعةٌ كما رواه مالكٌ، ورواه حَمّادُ بنُ زيد وهشيمٌ ويزيدُ بنُ هارون (١) وعليُّ بنُ مُسهِرٍ (٢)، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عيسى بنِ طلحة، عن عميرِ بنِ سَلَمة، عن النبيِّ ﷺ . قرأتُ على سعيدِ بنِ نصر، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَوْح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا يحيى بنُ سعيد، أنَّ محمدَ بنَ إبراهيمَ أخبَره، عن عيسى بنِ طَلْحة، عن عُميرِ بنِ سَلَمةَ الضَّمْريِّ. وأخبَرنا قاسمُ بنُ محمد، واللفظُ لحديثِه، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا عارمٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، قال: حدَّثني يحيى، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيميِّ، عن عيسى بنِ طَلْحة، عن عُميرِ بنِ سَلَمةَ الضَّمْريِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أقبَل، أو خرَج، وهم مُحرِمون، حتى إذا كانوا بالرَّوْحاء، فإذا في بعض أفنائِها حمارُ وَحْشٍ عَقِيرٌ، فقيل: يا رسولَ الله، هذا حمارٌ عقيرٌ. فقال: "دَعُوه حتى يأتي طالبُه". قال: فجاء رجلٌ من بَهْزٍ فقال: يا رسولَ الله، أصبتُ هذا بالأمس، فشأنكم به. فأمَر رسولُ الله ﷺ أبا بكرٍ أن يقسِمَ لحمَه بين الرفاق. قال: ثم سار حتى إذا كان بالأَثايَةِ بين العَرْج والرُّوَيْثَة، إذا ظبيٌ حاقفٌ في ظلٍّ فيه سهمٌ، فقيل: يا رسولَ الله، هذا ظبيٌ حاقفٌ في ظلٍّ فيه سهمٌ. قال:

стр. 8377

"لا يُعرَضْ له حتى يَمُرَّ آخرُ الناس". فأمَر (١) رجلًا أن يقيمَ عنده حتى يمرَّ آخِرُ الناس (٢). هكذا قال حَمّادُ بنُ زيدٍ في هذا الحديث: عن عُميرِ بنِ سَلَمة، عن النبيِّ ﷺ . وعميرُ بنُ سَلَمةَ من كبارِ الصحابة، وقد ذكَرناه في كتاب "الصحابة" (٣) بما يغني عن ذكرِه ها هنا، فالحديثُ لعُميرِ بنِ سَلَمة، عن النبيِّ ﷺ فيما قال حَمّادُ بنُ زيد، وتابعَه على ذلك جماعةٌ؛ منهم هُشيمٌ، وعليُّ بنُ مُسهر، ويزيدُ بنُ هارون (٤). وجعَله مالكٌ عن عُمير، عن البَهْزِيِّ، عن النبيِّ ﷺ . وممّا يدُلُّك على صحّةِ روايةِ حَمّادِ بنِ زيدٍ ومَن تابَعه عن يحيى بنِ سعيدٍ على ما ذكَرنا، أنَّ يزيدَ بنَ الهادِ وعبدَ ربِّه بنَ سعيد (٥)، رَوَيا هذا الحديث، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عيسى بنِ طَلْحة، عن عُميرِ بنِ سَلَمةَ الضَّمْريِّ قال: خرَجنا مع رسولِ الله ﷺ . وفي حديثِ يزيدَ بنِ الهادِ: بينما نحن مع رسولِ الله ﷺ ؛ رواه الليثُ بنُ سَعْد، هكذا عن يزيدَ بنِ الهادِ (٦).

стр. 8378

وقال موسى بنُ هارون: والصحيحُ عندنا أنَّ هذا الحديثَ رواه عميرُ بنُ سَلَمة، عن النبيِّ ﷺ ليس بينه وبين النبيِّ ﷺ فيه أحدٌ. قال: وذلك بيِّنٌ في روايةِ يزيدَ بنِ الهادِ وعبدِ ربِّه بنِ سعيد. قال موسى بنُ هارون: ولم يأتِ ذلك من مالك؛ لأنَّ جماعةً روَوه عن يحيى بنِ سعيدٍ كما رواه مالكٌ، ولكن إنما جاء ذلك من يحيى بنِ سعيد، كان يرويه أحيانًا فيقولُ فيه: عن البهزيِّ. وأحيانًا لا يقولُ فيه: عن البهزيِّ. وأظنُّ المشيخةَ الأولى كان ذلك جائزًا عندهم، وليس هو روايةً عن فلان، وإنما هو عن قصةِ فلان. هذا كلُّه كلامُ موسى بنِ هارون (١). قال أبو عُمر: البهزيُّ: اسمُه زيدُ بنُ كعب، وقد ذكَرناه في "الصحابة" (٢). قال أبو عُمر: الرَّوْحاءُ والأَثايَةُ والعَرْجُ والرُّويثةُ (٣): مواضعُ ومناهلُ بين مكةَ والمدينة، وإلى العَرْج نُسِب العَرْجيُّ الشاعر، وقيل: بل نُسِب العَرْجيُّ الشاعرُ إلى موضع آخرَ يُدعَى أيضًا بالعَرْج قربَ الطائف، كان نزلَه، لأنه كان له به مالٌ. واسمُ العرجيِّ الشاعرِ عبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ عَمْرِو بنِ عثمانَ بنِ عفان، وهو أشعرُ بني أُميّة. وفي هذا الحديث من الفقه: أنَّ كلَّ ما صاد الحلالُ جائزٌ للمُحْرِم أكلُه. وهذا موضعٌ اختلَف العلماءُ فيه قديمًا وحديثًا، واختلَفت الآثارُ فيه أيضًا، وقد بيَّنا ذلك وأوضَحناه في بابِ ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله (٤)، وفي بابِ أبي النَّضْر (٥) أيضًا من هذا الكتاب، والحمدُ لله.

стр. 8379

وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ المُحرِمَ لا يجوزُ له أن ينفِّرَ الصيدَ ولا يُعينَ عليه، ألا تَرى أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَر رجلًا أن يقفَ عند الظّبي الحاقِفِ حتى يُجاوزَه الناسُ، لا يُريبُه أحدٌ، أي: لا يمسُّه أحدٌ ولا يُحركُه، ولا يَهيجُه أحدٌ. والحاقف: الواقفُ المُنثَني والمُنحَني، وكلُّ مُنْحَنٍ فهو مُحْقَوقِفٌ، وإذا صار رأسُ الظَّبْي بين يدَيْه إلى رجلَيْه ومَيَّل رأسَه، فهو حاقفٌ ومُحْقَوْقِفٌ. هذا قولُ الأخفش. وقال غيرُه من أهل اللغة: الحاقفُ الذي قد لجأ إلى حِقْفٍ، وهو ما انعطَف من الرَّمْل. وقال العَجّاج (١): سَمَاوَةَ الهلالِ حتى احْقَوْقَفا يعني: انعطفَ، وسماوتُه شَخْصُه. وقال أبو عُبيد: حاقفٌ، يعني: قد انحنَى وتثنَّى في نومِه، ويقال للرَّجُلِ (٢) إذا انحنَى: حقَفَ. فهو حاقِفٌ. قال: وأما الأحقافُ فجمعُ حِقْفٍ، ومن ذلك قول الله : ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]. قال أبو عبيد: إنما سُمِّيت منازلُهم بالأحقاف؛ لأنها كانت بالرمال. وفي هذا الحديثِ أيضًا من الفقه: أن الصائدَ إذا أثبَت الصيدَ برُمْحِه أو نَبْلِه، فقد ملَكه بذلك، إذا كان الصيدُ لا يمتنعُ من أجل ذلك الفعل؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : "يُوشكُ أن يأتيَ صاحبُه". وقد استدلَّ قومٌ بهذا الحديثِ أيضًا على جوازِ هِبَةِ المشاع؛ لقول البهزيِّ للجماعة: شأنكُم بهذا الحمار. ثم قسَمه أبو بكرٍ بينهم بأمرِ رسولِ الله ﷺ .

стр. 8380

وفيه من الفقه: جوازُ أكلِ الصيدِ إذا غاب عنه صاحبُه أو بات عنه، وإذا عرَف أنها رميَّتُه، وليس في حديثِ مالكٍ ما يدُلُّ على أن ذلك الظبْيَ كان قد غابَ عن صاحبِه ليلةً، وذلك في حديثِ حَمّادِ بنِ زيد؛ لقولِه فيه: "أصبتُ هذا بالأمس". وقد اختلَف الفقهاءُ في هذا المعنى؛ فقال مالك (١): إذا أدرَكه الصائدُ من يومِه أكَله، في الكَلْبِ والسَّهم جميعًا، وإن كان ميِّتًا، إذا كان فيه أثرُ جرحِه، وإن كان قد بات عنه لم يأكُلْه. وقال الثوريُّ (٢): إذا غابَ عنه يومًا وليلةً كرِهتُ أكلَه. وقال أبو حنيفة وأصحابُه (٣): إذا توارَى عنه الصيدُ وهو في طَلَبِه فوجَده وقد قتَله، جاز أكلُه، وإن ترَك الطلبَ واشتغَل بعملٍ غيرِه ثم ذهَب في طلبِه فوجَده مقتولًا والكلبُ عندَه، كرِهنا أكلَه. وقال الأوزاعيُّ (٤): إذا وجَده من الغدِ ميِّتًا ووجَد فيه سهمًا أو أثرًا فليأكُلْه. وقال الشافعيُّ (٥): القياسُ ألا يأكلَه إذا غابَ عنه. ورُوِي عن ابن عباس: كُلْ ما أصْمَيْتَ، ودع ما أنميتَ (٦). يريد: كُلْ ما عاينتَ صيدَه وموتَه من سلاحِك أو كلبِك، ودع ما غابَ عنك. وفي حديث أبي رَزِين، عن النبيِّ ﷺ أنه كَرِه أكْلَ ما غاب عنك مصرعُه

стр. 8381

من الصيد (١). وهو حديثٌ مرسلٌ؛ لأنه ليس بأبي رَزِينٍ العُقَيليِّ، وإنما هو أبو رَزِينٍ مولى أبي وائل؛ رواه عنه موسى بنُ أبي عائشة، من حديثِ الثوريِّ وغيرِه (٢). وروَى أبو ثعلبةَ الخُشَنيُّ عن النبيِّ ﷺ في الذي يُدرِكُ صيدَه بعدَ ثلاث: "يأكُلُه ما لم يُنتِنْ" (٣). وفي حديثِ عديٍّ بنِ حاتم أنه سأل رسولَ الله ﷺ عن الصيدِ يغيبُ عن صاحبه الليلةَ والليلتين، فقال: "إذا وجَدتَ فيه سهمَك، ولم تجدْ أثرَ سَبُع، وعلِمتَ أن سهمَك قتلَه، فكُلْ" (٤). وفي حديثِ هذا الباب ردّ لقولِ أبي حنيفةَ وأصحابه في اشتراطِهم التراخيَ في الطَّلب؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يقلْ للبهزيِّ: هل تراخَيْتَ في طلَبه. وأباح أكله لأصحابه المُحْرِمين، ولم يسأله عن ذلك.

стр. 8382

حديثٌ ثامنٌ وثلاثون ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ التيميِّ، أنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنين قالت: كنتُ نائمةً إلى جَنبِ رسولِ الله ﷺ ، ففقَدْتُه من الليل، فلمَستُه بيدي، فوضَعتُ يَدي على قدمَيْه وهو ساجدٌ يقول: "أعوذُ برِضاكَ من سَخَطِكَ، وبمُعافاتِكَ من عُقوبتِكَ، وبكَ منكَ، لا أُحْصِي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنَيْتَ على نفسِكَ". هذا حديثٌ مرسلٌ في "الموطأ" (٢) عندَ جماعةِ الرواة، لم يختلفوا عن مالكٍ في ذلك (٣)، وهو يستنِدُ من حديثِ الأعرج، عن أبي هُريرة، عن عائشةَ، ومن حديثِ عُروة، عن عائشةَ، من طرقٍ صحاحٍ ثابتة: حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ (٤) قراءةً مني عليه، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل الدِّينَوَريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير الطبريُّ، قال: حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيم البَرْقيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: حدَّثني عُمارةُ بنُ غَزِيّة، قال: سمِعتُ أبا النَّضْرِ يقول: سمِعتُ عُروةَ بنَ الزبيرِ يقول: قالت عائشةُ زوجُ النبيِّ ﷺ : فقَدتُ رسولَ الله ﷺ ، وكان معي على فراشي، فوجَدتُه ساجدًا راصًّا عَقِبَيْه، مُستقبِلًا بأطرافِ أصابعِه القِبْلة، فسمِعتُه يقول:
следующие страницы →