← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8378–8417 · переход к 8383.

стр. 8378

وقال موسى بنُ هارون: والصحيحُ عندنا أنَّ هذا الحديثَ رواه عميرُ بنُ سَلَمة، عن النبيِّ ﷺ ليس بينه وبين النبيِّ ﷺ فيه أحدٌ. قال: وذلك بيِّنٌ في روايةِ يزيدَ بنِ الهادِ وعبدِ ربِّه بنِ سعيد. قال موسى بنُ هارون: ولم يأتِ ذلك من مالك؛ لأنَّ جماعةً روَوه عن يحيى بنِ سعيدٍ كما رواه مالكٌ، ولكن إنما جاء ذلك من يحيى بنِ سعيد، كان يرويه أحيانًا فيقولُ فيه: عن البهزيِّ. وأحيانًا لا يقولُ فيه: عن البهزيِّ. وأظنُّ المشيخةَ الأولى كان ذلك جائزًا عندهم، وليس هو روايةً عن فلان، وإنما هو عن قصةِ فلان. هذا كلُّه كلامُ موسى بنِ هارون (١). قال أبو عُمر: البهزيُّ: اسمُه زيدُ بنُ كعب، وقد ذكَرناه في "الصحابة" (٢). قال أبو عُمر: الرَّوْحاءُ والأَثايَةُ والعَرْجُ والرُّويثةُ (٣): مواضعُ ومناهلُ بين مكةَ والمدينة، وإلى العَرْج نُسِب العَرْجيُّ الشاعر، وقيل: بل نُسِب العَرْجيُّ الشاعرُ إلى موضع آخرَ يُدعَى أيضًا بالعَرْج قربَ الطائف، كان نزلَه، لأنه كان له به مالٌ. واسمُ العرجيِّ الشاعرِ عبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ عَمْرِو بنِ عثمانَ بنِ عفان، وهو أشعرُ بني أُميّة. وفي هذا الحديث من الفقه: أنَّ كلَّ ما صاد الحلالُ جائزٌ للمُحْرِم أكلُه. وهذا موضعٌ اختلَف العلماءُ فيه قديمًا وحديثًا، واختلَفت الآثارُ فيه أيضًا، وقد بيَّنا ذلك وأوضَحناه في بابِ ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله (٤)، وفي بابِ أبي النَّضْر (٥) أيضًا من هذا الكتاب، والحمدُ لله.

стр. 8379

وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ المُحرِمَ لا يجوزُ له أن ينفِّرَ الصيدَ ولا يُعينَ عليه، ألا تَرى أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَر رجلًا أن يقفَ عند الظّبي الحاقِفِ حتى يُجاوزَه الناسُ، لا يُريبُه أحدٌ، أي: لا يمسُّه أحدٌ ولا يُحركُه، ولا يَهيجُه أحدٌ. والحاقف: الواقفُ المُنثَني والمُنحَني، وكلُّ مُنْحَنٍ فهو مُحْقَوقِفٌ، وإذا صار رأسُ الظَّبْي بين يدَيْه إلى رجلَيْه ومَيَّل رأسَه، فهو حاقفٌ ومُحْقَوْقِفٌ. هذا قولُ الأخفش. وقال غيرُه من أهل اللغة: الحاقفُ الذي قد لجأ إلى حِقْفٍ، وهو ما انعطَف من الرَّمْل. وقال العَجّاج (١): سَمَاوَةَ الهلالِ حتى احْقَوْقَفا يعني: انعطفَ، وسماوتُه شَخْصُه. وقال أبو عُبيد: حاقفٌ، يعني: قد انحنَى وتثنَّى في نومِه، ويقال للرَّجُلِ (٢) إذا انحنَى: حقَفَ. فهو حاقِفٌ. قال: وأما الأحقافُ فجمعُ حِقْفٍ، ومن ذلك قول الله : ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]. قال أبو عبيد: إنما سُمِّيت منازلُهم بالأحقاف؛ لأنها كانت بالرمال. وفي هذا الحديثِ أيضًا من الفقه: أن الصائدَ إذا أثبَت الصيدَ برُمْحِه أو نَبْلِه، فقد ملَكه بذلك، إذا كان الصيدُ لا يمتنعُ من أجل ذلك الفعل؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : "يُوشكُ أن يأتيَ صاحبُه". وقد استدلَّ قومٌ بهذا الحديثِ أيضًا على جوازِ هِبَةِ المشاع؛ لقول البهزيِّ للجماعة: شأنكُم بهذا الحمار. ثم قسَمه أبو بكرٍ بينهم بأمرِ رسولِ الله ﷺ .

стр. 8380

وفيه من الفقه: جوازُ أكلِ الصيدِ إذا غاب عنه صاحبُه أو بات عنه، وإذا عرَف أنها رميَّتُه، وليس في حديثِ مالكٍ ما يدُلُّ على أن ذلك الظبْيَ كان قد غابَ عن صاحبِه ليلةً، وذلك في حديثِ حَمّادِ بنِ زيد؛ لقولِه فيه: "أصبتُ هذا بالأمس". وقد اختلَف الفقهاءُ في هذا المعنى؛ فقال مالك (١): إذا أدرَكه الصائدُ من يومِه أكَله، في الكَلْبِ والسَّهم جميعًا، وإن كان ميِّتًا، إذا كان فيه أثرُ جرحِه، وإن كان قد بات عنه لم يأكُلْه. وقال الثوريُّ (٢): إذا غابَ عنه يومًا وليلةً كرِهتُ أكلَه. وقال أبو حنيفة وأصحابُه (٣): إذا توارَى عنه الصيدُ وهو في طَلَبِه فوجَده وقد قتَله، جاز أكلُه، وإن ترَك الطلبَ واشتغَل بعملٍ غيرِه ثم ذهَب في طلبِه فوجَده مقتولًا والكلبُ عندَه، كرِهنا أكلَه. وقال الأوزاعيُّ (٤): إذا وجَده من الغدِ ميِّتًا ووجَد فيه سهمًا أو أثرًا فليأكُلْه. وقال الشافعيُّ (٥): القياسُ ألا يأكلَه إذا غابَ عنه. ورُوِي عن ابن عباس: كُلْ ما أصْمَيْتَ، ودع ما أنميتَ (٦). يريد: كُلْ ما عاينتَ صيدَه وموتَه من سلاحِك أو كلبِك، ودع ما غابَ عنك. وفي حديث أبي رَزِين، عن النبيِّ ﷺ أنه كَرِه أكْلَ ما غاب عنك مصرعُه

стр. 8381

من الصيد (١). وهو حديثٌ مرسلٌ؛ لأنه ليس بأبي رَزِينٍ العُقَيليِّ، وإنما هو أبو رَزِينٍ مولى أبي وائل؛ رواه عنه موسى بنُ أبي عائشة، من حديثِ الثوريِّ وغيرِه (٢). وروَى أبو ثعلبةَ الخُشَنيُّ عن النبيِّ ﷺ في الذي يُدرِكُ صيدَه بعدَ ثلاث: "يأكُلُه ما لم يُنتِنْ" (٣). وفي حديثِ عديٍّ بنِ حاتم أنه سأل رسولَ الله ﷺ عن الصيدِ يغيبُ عن صاحبه الليلةَ والليلتين، فقال: "إذا وجَدتَ فيه سهمَك، ولم تجدْ أثرَ سَبُع، وعلِمتَ أن سهمَك قتلَه، فكُلْ" (٤). وفي حديثِ هذا الباب ردّ لقولِ أبي حنيفةَ وأصحابه في اشتراطِهم التراخيَ في الطَّلب؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يقلْ للبهزيِّ: هل تراخَيْتَ في طلَبه. وأباح أكله لأصحابه المُحْرِمين، ولم يسأله عن ذلك.

стр. 8382

حديثٌ ثامنٌ وثلاثون ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ التيميِّ، أنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنين قالت: كنتُ نائمةً إلى جَنبِ رسولِ الله ﷺ ، ففقَدْتُه من الليل، فلمَستُه بيدي، فوضَعتُ يَدي على قدمَيْه وهو ساجدٌ يقول: "أعوذُ برِضاكَ من سَخَطِكَ، وبمُعافاتِكَ من عُقوبتِكَ، وبكَ منكَ، لا أُحْصِي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنَيْتَ على نفسِكَ". هذا حديثٌ مرسلٌ في "الموطأ" (٢) عندَ جماعةِ الرواة، لم يختلفوا عن مالكٍ في ذلك (٣)، وهو يستنِدُ من حديثِ الأعرج، عن أبي هُريرة، عن عائشةَ، ومن حديثِ عُروة، عن عائشةَ، من طرقٍ صحاحٍ ثابتة: حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ (٤) قراءةً مني عليه، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل الدِّينَوَريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير الطبريُّ، قال: حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيم البَرْقيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: حدَّثني عُمارةُ بنُ غَزِيّة، قال: سمِعتُ أبا النَّضْرِ يقول: سمِعتُ عُروةَ بنَ الزبيرِ يقول: قالت عائشةُ زوجُ النبيِّ ﷺ : فقَدتُ رسولَ الله ﷺ ، وكان معي على فراشي، فوجَدتُه ساجدًا راصًّا عَقِبَيْه، مُستقبِلًا بأطرافِ أصابعِه القِبْلة، فسمِعتُه يقول:

стр. 8383

"أعوذُ برِضاكَ من سَخَطِكَ، وبعفوِكَ من عُقوبتِكَ، وبكَ منكَ، أُثني عليك، لا أبلُغُ كلَّ ما فيك". قالت: فلمّا انصرَف قال: "يا عائشةُ، أخَذكِ شيطانُك؟ ". فقلت: أما لكَ شيطانٌ؟ قال: "ما من آدميٍّ إلا له شيطانٌ". فقلت: يا رسولَ الله، وأنتَ؟ قال: "وأنا، ولكنِّي دعوتُ اللهَ فأعانَني عليه فأسلَمَ" (١). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنِ أبي شيبة، قال (٢): وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى المقرئ، قال: حدَّثنا عُمرُ بنُ إبراهيمَ المقرئُ ببغداد، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ إسماعيلَ

стр. 8384

المَحامليُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ شُعيب. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم الحافظُ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان بنِ السكنِ الحافظُ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا يعقوبُ الدَّورَقيُّ، وعليُّ بنُ شُعيب، ومحمدُ بنُ عثمانَ بنِ كرامة، قالوا: حدَّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ عُمر، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن عبدِ الرحمنِ الأعرج، عن أبي هُريرة، عن عائشة، قالت: فقدتُ رسولَ الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ من الفراش، فالتمَستُه في البيت، وجعَلتُ أطلبُه بيدي، فوقَعت يدي على قدَمَيْه وهما منتصِبَتان -وفي حديث قاسم: منصوبتان- وهو ساجدٌ، فسمِعتُه يقول: "أعوذُ برضاك من سَخَطِك، وبمعافاتِك من عقوبتِك، وأعوذُ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسِك". ولفظُهم متقاربٌ، والمعنى سواءٌ. وفي هذا الحديثِ، والله أعلم، دليلٌ على أنّ اللَّمْسَ باليدِ لا ينقُضُ الطهارةَ إذا كان لغيرِ شهوة، واللهُ أعلم، وفي ذلك نظرٌ؛ لأنَّ من العلماءِ مَن لا يَنقُضُ الطهارةَ بمُلامَسةِ اليدِ على كلِّ (١) حال، ومنهم مَن يَنقُضُها بمُلامسةِ اليدِ على كلّ حال، وقد بيَّنَّا مسألةَ المُلامَسة، وما للعلماءِ فيها من المذاهب، وما بينَهم في ذلك من التنازُع، وما احتجَّ به كلُّ فريقٍ منهم لمذهبِه، ومهَّدنا ذلك وأوضحناه في باب أبي النَّضْر من كتابنا هذا (٢)، والحمدُ لله. وروينا عن مالك أنه قال في قوله في هذا الحديث: "لا أُحصي ثناءً عليك". يقول: وإن اجتهدتُ في الثناءِ عليكَ، فلن أُحصِيَ نعمَكَ وثناءَكَ وإحسانَكَ. قال أبو عُمر: في قوله: "أنتَ كما أثنيتَ على نفسِك". دليلٌ على أنه لا يبلُغُ وصفَه، وأنه لا يوصَفُ إلا بما وصَفَ به نفسَه تبارك اسمُه، وتعالى جدُّه، ولا إلهَ غيرُه.

стр. 8385

وقد رُوِيَ عن يحيى بنِ سعيدٍ من حديثِ عائشةَ حديثٌ يوافقُ حديثَ هذا الباب في بعض معانيه، وهو عندي حديثٌ آخَرُ، واللهُ أعلم. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا يحيى بنُ سعيد، عن عُبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادة، أنَّ عائشةَ ذكَرت أنها فقَدت النبيَّ ﷺ ذاتَ ليلة، فأتتْه فإذا هو في المسجد، فأدخَلَتْ يدَها في شَعَرِه وانصرَفتْ، فقال: "ما شأنُكِ؟ أقد جاءَك شيطانُكِ؟ ". قلت: أوَ ما لَكَ شيطانٌ؟ قال: "بلى، ولكنَّ اللهَ أعانَني عليه فأسلَمَ" (٢). وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا عبدُ الوَهّاب، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيد يقول: أخبرني عُبادةُ بنُ الوليدِ بنِ عُبادةَ أنَّه بلَغه أنَّ عائشةَ كانت نائمةً عندَ رسولِ الله ﷺ ففقَدتْه من الليل، فسمِعت صوتَه وهو يصلِّي، قالت: فقُمتُ إليه فأدخلتُ يَدي في شعرِه فمَسَستُه؛ أبه بللٌ، ثم رجَعتُ إلى فراشي، ثم إنه سلَّمَ، فقال: "أجاءَكِ شيطانُك؟ ". فقلت: أما لك شيطانٌ؟ قال: "بلى، ولكن اللهَ أعانَني عليه فأسلَمَ" (٣). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٤)،

стр. 8386

قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، عن حَمّادِ بنِ سَلَمة، عن هشام بنِ عَمْرو، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، عن عليٍّ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقولُ في آخر وترِه: "اللهم إني أعوذُ برضاكَ من سَخَطِكَ، وأعوذُ بمعافاتِكَ من عُقوبتِكَ، وأعوذُ بكَ منكَ، لا أُحصِي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ".

стр. 8387

حديث تاسعٌ وثلاثون ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عَمْرة، أنه قال: جاء عُثمانُ بنُ عفانَ إلى صلاةِ العشاء، فرأى أهلَ المسجدِ قليلًا، فاضطجَع في مؤخَّرِ المسجدِ ينتظِرُ الناسَ أن يكثُروا، فأتاه ابنُ أبي عَمْرةَ فجلَس إليه، فسأله مَن هو؟ فأخبَره، فقال له: ما معكَ من القرآن؟ فأخبَره، فقال عثمان: مَن شَهِد العشاءَ فكأنّما قامَ نصفَ ليلة، ومن شَهِد الصُّبحَ فكأنّما قامَ ليلةً. وهذا أيضًا لا يكونُ مثلُه رأيًا، ولا يُدرَكُ مثلُ هذا بالرأي، وقد رُوِيَ مرفوعًا عن النبيِّ ﷺ . ورواه ابنُ جُريج، عن يحيى بنِ سعيد، قال: أخبَرني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيميُّ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي عَمْرة قال: خرَج عثمانُ إلى العشاءِ الآخرة. فذكَر مثلَ حديثِ مالكٍ سواءً إلى آخرِه بلفظِه ومعناه موقوفًا لم يرفعْهُ؛ ذكَره عبدُ الرزاق (٢)، عن ابنِ جريج. وكذلك رواه عن يحيى بنِ سعيدٍ موقوفًا كما رواه مالكٌ وابنُ جريج: يزيدُ بنُ هارون، وعبدُ الوهّاب الثقفيُّ (٣). ورواه عثمانُ بنُ حكيم بنِ عبادِ بنِ حُنَيف -وهو عندَهم ثقةٌ لا بأسَ به، وليس كيحيى بنِ سعيدٍ في الإتقانِ والجلالة- عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن ابنِ أبي عَمْرةَ، عن عثمانَ مرفوعًا. رواه عن عثمانَ بنِ حكيم: سُفيانُ الثوريُّ، وعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ العبديُّ (٤):

стр. 8388

ذكَره عبدُ الرزاق (١)، عن الثوريِّ، عن عُثمانَ بنِ حكيم، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي عَمْرةَ، عن عثمانَ بنِ عفان، عن النبيِّ ﷺ : "مَن صلَّى العشاءَ في جماعةٍ فهو كنصفِ قيام ليلة، ومَن صلَّى العشاءَ والصُّبحَ في جماعةٍ فهو كقيام ليلة". وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٤): حدَّثنا إسحاقُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي سهيل، يعني عثمانَ بنَ حكيم، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ أبي عَمْرة، عن عُثمانَ بنِ عفان، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن صلَّى العشاءَ في جماعةٍ كان كقيام نصفِ ليلةٍ، ومَن صلَّى العشاءَ والفجرَ في جماعةٍ كان كقيام ليلةٍ". هكذا في حديثِ عثمانَ بنِ حكيم هذا المرفوع: "من صلَّى العشاءَ والفجرَ في جماعةٍ فكأنما قام ليلةً".

стр. 8389

وفي حديثِ يحيى بنِ سعيدٍ من قولِ عثمانَ ﵁: مَن شَهِد الصبحَ في جماعةٍ فكأنما قام ليلةً. لم يذكُرْ معها العشاءَ، وكذلك في حديثِ الشِّفاء، عن عُمرَ بنِ الخطاب من قوله. ذكَره مالكٌ (١)، عن ابنِ شهاب، عن أبي بكرِ بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمة، أنَّ عُمرَ بنَ الخطاب فقد سُليمانَ بنَ أبي حثمةَ في صلاةِ الصُّبح، وأنَّ عُمرَ غدَا إلى السُّوق، ومسْكَنُ سُليمانَ بين المسجدِ والسُّوق، فمرَّ على الشِّفاءِ أمِّ سُليمان، فقال: لم أرَ سُليمانَ في الصُّبح. فقالت: إنه بات يصلِّي فغلَبتْهُ عيناهُ. فقال عُمر: لَأنْ أشهدَ صلاةَ الصُّبح أحبُّ إليَّ من أن أقومَ ليلةً. هكذا رواه مالكٌ، وخالفه معمرٌ في إسنادِه، والقولُ في ذلك قولُ مالك، واللهُ أعلم. ورواه أبو حفصٍ الأبارُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ مرفوعًا، إلا أنه جعَل في موضع العشاءِ الصُّبحَ، وفي موضع الصُّبح العشاءَ. حدَّثناه أحمدُ بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الصيرفيُّ، قال: حدَّثنا أبو الربيع الزهرانيُّ، عن عُمرَ بنِ عبدِ الرحمنِ الأبّار، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عَمْرة، عن عُثمانَ بنِ عفان، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "صلاةُ العشاءِ في جماعةٍ تعْدِلُ قيامَ ليلة، وصلاةُ الصُّبح في جماعةٍ تعدلُ قيامَ نصفِ ليلة" (٣).

стр. 8390

ذكَر عبدُ الرزاق (١)، عن مَعْمر، عن الزُّهريِّ، عن سُليمانَ بنِ أبي حَثْمة، عن الشِّفاءِ ابنةِ عبدِ الله، قالت: دخَل عليَّ بيتي عُمرُ بنُ الخطاب، فوجَدَ عندي رجُلَيْن نائمَيْن، فقال: ما شأنُ هذَين؟ أمَا شهِدَا معنا الصلاة؟ قالت: يا أميرَ المؤمنين، صَلَّيَا مع الناس -وكان ذلك في رمضانَ- فلم يزالا يُصلِّيانِ حتى أصبَحا، ثم صلَّيا الصُّبحَ، ثم ناما. فقال عُمر: لَأنْ أصلِّي الصُّبحَ في جماعةٍ أحبُّ إليَّ من أن أُصلِّي ليلةً حتى أُصبِحَ. ليس في هذا الحديثِ حُكْمٌ، وإنما فيه فَضْلُ صلاةِ الفَرِيضةِ في جماعة، وقد زعَم بعضُ الناسِ أنَّ فيه دليلًا على جوازِ صلاةِ الرجلِ وحدَه وإن كانت مفضولةً، وليس ذلك بالبيِّن في هذا الحديث؛ لأنه يجوزُ أن يكونَ صلَّاها بعدُ كالفائتة، وقد مضَى القولُ في هذه المسألة (٢).

стр. 8391

حديثٌ موفي أربعينَ ليَحيى بنِ سعيدٍ يَحيى عن عَمْرة مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، قال: حدَّثتني عَمْرةُ بنتُ عبدِ الرحمن، أنَّها سَمِعتْ عائشةَ أمَّ المؤمنين تقول: خرَجنا مع رسولِ الله ﷺ لخمسٍ بَقين من ذي القَعْدَة، ولا نُرَى إلا أنه الحجُّ، فلما دَنَونا من مكةَ أمَر رسولُ الله ﷺ مَن لم يكُنْ معه هَدْيٌ إذا طافَ بالبيتِ وسَعَى بين الصَّفَا والمَرْوةِ أن يَحِلَّ. قالت عائشة: فدُخِل علينا يومَ النحرِ بلَحْم بقَر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: نحَر رسولُ الله ﷺ عن أزواجِه. قال يحيى بنُ سعيد: فذكَرتُ هذا الحديثَ للقاسم بنِ محمد، فقال: أتتْكَ والله بالحديثِ على وجهِه. قال أبو عُمر: هذا خلافُ روايةِ عُروةَ عنها (٢)؛ لأنَّ عُروةَ يقول عنها: خرَجنا مع رسولِ الله ﷺ ، فأهلَلنا بعُمرة. وهي حجّةٌ واحدةٌ، وخروجٌ واحدٌ، وقد تقدَّم القولُ في ذلك كلِّه مبسوطًا في بابِ ابنِ شهاب، عن عُروة، من هذا الكتاب. وأمّا قولها: "فلمّا دنَوْنا من مكةَ أمَر رسولُ الله ﷺ مَن لم يكُنْ معه هديٌ إذا طاف بالبيتِ وسعَى بينَ الصفا والمروة أن يَحِلَّ" فهذا فسخُ الحجِّ في العُمرة، وقد تواتَرت به الروايةُ عن النبيِّ ﷺ من طُرقٍ صِحاح من حديثِ عائشةَ وغيرها،

стр. 8392

ولم يُرْوَ عن النبيِّ ﷺ شيءٌ يدفَعُه، إلا أن أكثرَ العلماءِ يقولون: إن ذلك خُصوصٌ لأصحابِ النبيِّ ﷺ . واعتلُّوا بأنَّ النبيَّ ﷺ إنما أمَر أصحابَه بأن يفسَخُوا الحجَّ في العُمرة، ليُريَ الناسَ أنَّ العُمرةَ في أشهرِ الحجِّ جائزةٌ؛ وذلك أنَّ قريشًا كانت تراها في أشهُرِ الحجِّ من أفجَرِ الفُجور، وكانت لا تستجيزُ ذلك البتة، وكانت تقول: إذا خرَج صَفَر -وكانوا يجعلون المُحَرَّمَ صَفَر (١) - وبرَأ الدَّبَر (٢)، وعفا الأثَر، حلَّت العمرةُ لمن اعتَمَرْ. فأمَر رسولُ اللّه ﷺ صحابَه مَن لم يكنْ منهم معه هَدْي أن يفسَخَ حجَّه في عُمرة، ليعلمَ الناسُ أنه لا بأسَ بالعمرةِ في أشهرِ الحجِّ. واعتلُّوا بقولِ اللّه : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهذا يُوجبُ إتمامَ الحجِّ على كلِّ مَن دخَل فيه، إلا مَن خُصَّ بالسُّنةِ الثابتة، وهم أصحابُ محمدٍ ﷺ على الوجهِ الذي ذكَرنا.

стр. 8393

واعتلُّوا بأنّ عُمرَ بنَ الخطاب كان يقول: مُتْعتانِ كانتا على عهدِ رسولِ اللّه ﷺ ، أنا أنهَى عنهما، وأعاقِبُ عليهما؛ متعةُ النساء، ومتعةُ الحجِّ (١)؛ يعني فَسْخَ الحجِّ في العمرة، ومعلومٌ أنَّ عُمرَ لم يكنْ لينهَى عن شيءٍ فعَله رسولُ اللّه ﷺ أو أباحه أو أمَر به، ولا ليعاقِبَ عليه، إلا وقد علِمَ أنَّ ذلك إمّا خصوصٌ، وإمّا منسوخٌ، هذا ما لا يَشُكُّ فيه ذو لُبٍّ. واعتلُّوا أيضًا بما رُوِيَ في ذلك عن أبي ذرٍّ وبلالِ بنِ الحارثِ المزنيِّ (٢)، أنَّ ذلك خُصوصٌ لأصحاب النبيِّ ﷺ . وممّن ذهَب إلى أنَّ فسْخَ الحجِّ في العُمرةِ لا يجوزُ لأحدٍ اليوم، وأنه لم يَجُزْ لغيرِ أصحابِ رسولِ اللّه ﷺ : مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابُهم، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سَعْد، في جماعةٍ من التابعين بالحجاز، والعراق، والشام، ومصرَ. وبه قال أبو ثور، وإسحاقُ بنُ راهُوية، وأبو عُبيد، والطبريُّ، وهو قولُ أكثرِ أهل العلم (٣). وكان أحمدُ بنُ حنبل وداودُ بنُ عليٍّ (٤) يذهبان إلى أن فسْخَ الحجِّ في العمرةِ جائزٌ إلى اليوم ثابت، وأنَّ كلَّ مَن شاءَ أن يفسَخَ حجَّه في عَمرةٍ إذا كان ممّن لم يسُقْ هَدْيًا، كان ذلك له اتِّباعًا للآثارِ التي رُوِيت عن النبيِّ ﷺ في ذلك.

стр. 8394

وقال أحمدُ بنُ حنبل: في فسخ الحجِّ أحاديثُ ثابتةٌ لا تُتركُ لمثلِ حديثِ أبي ذرٍّ وحديث بلالِ بنِ الحارث. وضعَّفهما، وقال: مَن المُرقِّعُ بنُ صَيْفيٍّ الذي يرويه عن أبي ذرٍّ (١)؟! قال (٢): ورُوِيَ الفسخُ عن النبيِّ ﷺ من حديثِ جابر (٣)، وعائشة (٤)، وأسماءَ ابنةِ أبي بكر (٥)، وابنِ عباس (٦)، وأبي موسى الأشعريِّ (٧)، وأنسِ بنِ مالك (٨)، وسَهْلِ بنِ حُنَيف (٩)، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ (١٠)،

стр. 8395

والبراءِ بنِ عازب (١) وابنِ عُمرَ (٢)، وسَبْرةَ الجُهَنيِّ (٣). قال أحمد (٤): مَن أهلَّ بالحجِّ مفردًا أو قرَن الحجَّ مع العُمرة، فإن شاء أن يجعلَها عُمرة فعَل (٥)، ويفسَخُ إحرامَه في عُمرة، إن شاء فعَل، وإن شاء لم يفعلْ. واحتجَّ أيضًا أحمدُ ومَن ذهَب مذهبَه بقوله ﷺ : "لو استقبَلتُ من أمري ما استدبَرتُ ما سُقْتُ الهَدْيَ، ولجعَلتُها عُمرةً" (٦).

стр. 8396

وبقولِ سُراقةَ بنِ جُعْشُم: يا رسولَ اللّه، علِّمْنا تعليمَ قوم أسلَموا اليومَ، أعُمْرتُنا هذه لعامِنا هذا، أم لأبدٍ؟ فقال: "بل لأبدٍ، بل لأبدٍ" (١). قال أبو عُمر: ليس في هذا حُجّةٌ؛ لأنَّ قولَه ﷺ : "لو استقبَلتُ من أمري ما استدبَرتُ لجعلتُها عُمرةً". إنما معناه: لأهلَلتُ بعُمْرة، وجعَلتُ إحرامي بعُمرةٍ أتمتَّعُ بها. وإنما هذا حُجّةُ لمَن فضَّل التمتُّع، وأما مَن أجاز فَسْخَ الحجِّ في العُمرة، فما له في هذا حُجّة؛ لاحتمالِه ما ذكَرنا، وهو الأظهرُ فيه. وأما قولُه لسُراقة: "بل للأبد". فإنما معناه: أن حَجّتَه تلك وعُمرتَه ليس عليه ولا على مَن حجَّ معه غيرُها للأبد، ولا على أُمَّتِه غيرُ حجة واحدة، أو عُمرةٍ واحدة في مذهبِ مَن أوجَبها في دَهْرِه للأبد، لا فريضةَ في الحجِّ غيرُها. هذا معنى قولِه لسراقة، واللّهُ أعلم. وذكَر عبدُ الرزاق (٢)، قال: أخبرنا ابنُ جُريج ومَعْمرٌ، عن ابنِ طاووس، عن أبيه، قال: قدِمُوا بالحجِّ خالصًا لا يخالِطُه شيءٌ، وكانوا يرون العُمرةَ في أشهُرِ الحجِّ أفجَرِ الفُجور، وكانوا يقولون: إذا برَأ الدَّبَر، وعفا الأثَر، وانسلَخَ صَفَر، حلَّت العُمرةُ لمن اعتمَرْ. وكانوا يدعُون المحرمَ صَفَر (٣)، فلمّا حجَّ النبيُّ ﷺ خطَبهم فقال: "مَن كان أهلَّ بالحجِّ فلْيَطُفْ بالبيتِ وبينَ الصفا والمروة، ثم ليحْلِقْ أو ليقصِّرْ، ثم ليَحِلَّ إلا مَن كان معه هَدْيٌ". قال: فبلَغه أنهم يقولون:

стр. 8397

يأمُرُنا أن نحِلَّ! فقال: "لو شعَرتُ ما أهدَيْتُ". نزَل الأمرُ عليه من السماء بعدَما طاف بينَ الصفا والمروة، فكلَّمهم بذلك، فقال سُراقةُ: يا رسولَ اللّه، علِّمْنا تعليمَ قوم أسلَموا اليوم، عمرتُنا هذه لعامِنا هذا أم لأبد؟ فقال: "بل لأبد". قال أبو عُمر: يحتمِلُ أن يكونَ قولُه هذا نحوَ حديثِ الزُّهريِّ، عن أبي سنان، عن ابن عبّاس، أنَّ الأقرعَ بنَ حابسٍ سألَ النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللّه، الحجُّ في كلِّ عام أو مرّةً واحدةً؟ قال: "بل مرةً واحدةً، ومَن زاد فهو متطوِّعٌ" (١). وروَى أبو هُريرة، وأبو واقدٍ الليثيُّ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال لأزواجِه في حجَّةِ الوداع: "هذه ثمّ ظُهورَ الحُصُر": حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبيدُ اللّه بنُ محمدِ بنِ حَبابةَ ببغداد، قال: حدَّثنا البغويُّ (٢)، قال: حدَّثنا جَدِّي، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال:

стр. 8398

أخبرنا ابنُ أبي ذئب، عن صالح مولى التّوْأمة، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ اللّه ﷺ قال لنسائِه في حجّةِ الوداع: "هذه ثُمّ ظهورَ الحُصُر". ورواه صالحُ بنُ كَيْسانَ، عن صالح مولى التّوْأمة مثلَه (١). قال بشرُ بنُ عُمر: سألتُ مالكَ بنَ أنسٍ عن صالح مولى التّوْأمة، فقال: ليس بثقة (٢). وذكَر عباسٌ (٣) عن ابنِ معين قال: هو ثقةٌ، ولكنه خَرِفَ، فمن سمِع منه قبلَ أن يختلِطَ فهو ثَبْتٌ. وهو صالحُ بنُ نبهانَ مولى التّوْأمة بنتِ أميّة بنِ خلفٍ الجُمَحيِّ. وذكَر عبدُ اللّه بنُ أحمدَ بنِ حنبل (٤) لأبيه قولَ مالكٍ في صالح مولى التّوْأمة فقال: أدرَكه مالكٌ وقد اختلَط (٥)، ومَن سمِع منه قديمًا فلا بأس، وقد روَى عنه أكابرُ أهلِ المدينة. وقال أبو حاتم الرازيُّ (٦): روَى عنه أبو الزناد، وزيادُ بنُ سَعْد، وعُمارةُ بنُ غَزِيّة، والثوريُّ (٧)، وابنُ جريج، وابنُ أبي ذئب.

стр. 8399

أخبرنا عبدُ اللّه (١)، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا النفيليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابنٍ لأبي واقدٍ الليثيِّ، عن أبيه، قال: سمِعتُ رسولَ اللّه ﷺ يقولُ لأزواجِه في حجةِ الوداع: "هذه ثم ظُهورَ الحُصُر". وروَى شُعبةُ، عن عبدِ الملك، عن طاووس، عن سُراقةَ بنِ جُعْشُم، أنه قال: يا رسولَ اللّه، أرأيتَ عُمْرتَنا هذه لعامِنا أم للأبد؟ فقال رسولُ اللّه ﷺ : "لأبد" (٣). وذكَر النَّسائيُّ (٤)، عن هَنّاد، عن عَبْدة، عن ابنِ أبي عَرُوبة (٥)، عن مالكِ بنِ دينار، عن عطاء، عن سُراقة، قال: تمتَّعنا مع رسولِ اللّه ﷺ فقلنا: ألنا خاصّة أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد".

стр. 8400

وهذا يحتمِلُ أن يكونَ التمتُّعَ المعروف، لا فَسْخَ الحجِّ. وأما حديثُ بلالِ بنِ الحارثِ المُزنيِّ، فحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (١): حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميد. وأخبرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قالا: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمدٍ الدراورديُّ، عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرحمن، عن الحارثِ بنِ بلالِ بنِ الحارثِ المزنيِّ، عن أبيه، قال: قلتُ: يا رسولَ اللّه، فَسْخُ الحجِّ لنا خاصّةً أم للناسِ عامّةً؟ قال: "بل لنا خاصّةً". وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (٢)، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٣): حدَّثنا سُفيانُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن المُرَقِّع، عن أبي ذرٍّ، أنه قال: إنما كان فَسْخُ الحجِّ من رسولِ اللّه ﷺ لنا خاصّةً.

стр. 8401

حدَّثنا عبدُ اللّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا النفيليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز، يعني ابنَ محمد، قال: أخبرني ربيعةُ بنُ أبي عبد الرحمن، عن الحارثِ بنِ بلالِ بنِ الحارث، عن أبيه، قال: قلت: يا رسولَ اللّه، فسخُ الحجِّ لنا خاصّةً أم لمَن بعدَنا. قال: "لكم خاصّةً". وحدَّثنا عبدُ اللّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، عن ابن أبي زائدة (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق،

стр. 8402

عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسود، عن سُليم بنِ الأسود (١)، أن أبا ذرٍّ كان يقولُ فيمن حجَّ ثم فسَخها عُمرةً: لم يكن ذلك إلا للركبِ الذين كانوا مع رسولِ اللّه ﷺ . وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣): أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: أخبَرنا عبدُ العزيز، عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرحمن، عن الحارثِ بنِ بلال، عن أبيه، قال: قلت: يا رسولَ اللّه، أفَسْخُ الحجِّ لنا خاصّةً أم للناسِ عامّةً؟ قال: "بل لنا خاصّةً". وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤): أخبرنا عَمْرُو (٥) بنُ يزيد، عن عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا

стр. 8403

سُفيانُ، عن الأعمشِ وعيّاشٍ العامريِّ، عن إبراهيمَ التيميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ في متعةِ الحجِّ، قال: كانت لنا رُخْصةً. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (١): أخبرنا بشرُ بنُ خالد، قال: أخبرنا غُندرٌ، عن شُعبةَ، عن سُليمانَ، عن إبراهيمَ التيميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، قال: كانت المتعةُ رُخْصةً لنا. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢): أخبرنا عبدُ الأعلى بنُ واصل، قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن وُهيب بنِ خالد، قال: حدَّثنا عبدُ اللّه بنُ طاووس، عن أبيه، عن ابنِ عباس، قال: كانوا يَرَون أنَّ العُمْرةَ في أشهر الحجِّ من أفجرِ الفُجورِ في الأرض، ويجعلون المُحرَّمَ صَفَر (٣)، ويقولون: إذا بَرَأ الدَّبَر، وعفا الوَبَر (٤)، وانسَلَخ صَفَر -أو قال: دَخَل صَفَر- حلَّت العُمرةُ لمَنِ اعتمَرْ. فقدِم النبيُّ ﷺ وأصحابُه (٥)

стр. 8404

صبيحةَ رابعةٍ مُهلِّين بالحجِّ، فأمَرهم أن يجعَلوها عُمرة، فتعاظَم ذلك عندَهم فقالوا: يا رسولَ اللّه، أيُّ الحلِّ؟ قال: "الحِلُّ كُلُّه". حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو عُبيدةَ بنُ أحمد (١)، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ يزيدُ بنُ سنانٍ البصريُّ، قال: حدَّثنا مَكيُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن نافع، عن ابنِ عُمر، قال: قال عُمرُ: مُتْعتانِ كانتا على عهدِ رسولِ اللّه ﷺ ، أنا أنهَى عنهُما، وأعاقِبُ عليهما؛ متعةُ النساءِ ومتعةُ الحجِّ (٢). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال (٣): حدَّثنا سُليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، عن أبي قِلابة، قال: قال عُمر، فذكَر مثلَه. قال أبو عُمر: فسْخُ الحجِّ في العُمرةِ هي المُتعةُ التي كان عُمرُ ينهَى عنها في الحجِّ ويُعاقِبُ عليها، لا التمتعُ الذي أذِن اللّهُ ورسولُه فيه.

стр. 8405

وقال بعضُ أصحابنا: في أمرِ رسولِ اللّه ﷺ أصحابَه أن يفسَخُوا حجَّهم في عُمرة، أوضحُ دليلٍ على أنه لا يجوزُ إدخالُ العُمرةِ على الحجِّ؛ لأنه لو جاز ذلك لم يؤمَروا بفسخ الحجِّ في العُمرة، إذ الغرضُ كان في ذلك أن يُريَهم ﷺ جوازَ العُمرةِ في أشهرِ الحجِّ لا غير، لِما كانوا عليه من أن ذلك لا يَحِلُّ ولا يجوز، على ما كانوا عليه في جاهليتهم؛ فأراهم ﷺ فسخَ ذلك وإبطالَه بعملِ العُمرةِ في أشهرِ الحجِّ، ولو جاز إدخالُها على الحجِّ ما احتاج، واللّهُ أعلم، إلى الخروج عما دخَل فيه، واستئنافِه بعدُ؛ للمَعْنَى المذكور، واللّهُ الموفِّقُ للصواب. وفي قوله: نحَر رسولُ اللّه ﷺ عن أزواجِه البقر. دليل على أن نَحْرَ البقرِ جائزٌ. وعلى جوازِ ذلك أهلُ العلم، إلا أنهم يستحبُّون الذَّبحَ في البقر؛ لقولِ اللّه في البقرة: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ [البقرة: ٧١]. ولم يقل: فنحروها. فذَبْحُ البقرةِ ونحرُها جائزٌ بالقرآنِ والسنة، والحمدُ للّه. وقال الشافعيُّ عن مالكٍ في هذا الحديث: نحَر رسولُ اللّه ﷺ عن أزواجِه بقرةً. ومنهم من يرويه: بقرًا. وقد ذكَرنا هذا المعنى في باب مُرسلِ ابنِ شهابٍ من هذا الكتاب، وذكَرنا حُكْمَ الاشتراك في الهَدْيِ هناك (١)، وفي بابِ أبي الزبير (٢)، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهنا، والحمدُ للّه وحدَه.

стр. 8406

حديثٌ حادٍ وأربعونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ بنِ سَعْدِ (٢) بنِ زُرارةَ الأنصارية، أنها أخبَرتْهُ عن حبيبةَ بنتِ سَهْل، أنها كانت تحتَ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَّماس، وأنَّ رسولَ اللّه ﷺ خرَج إلى الصُّبح، فوجَد حبيبةَ بنتَ سَهْلٍ عندَ بابِه في الغَلَس، فقال رسولُ اللّه ﷺ : "مَنْ هذه؟ ". فقالت: أنا حبيبةُ بنتُ سَهْلٍ يا رسولَ اللّه. قال: "ما شأنكِ؟ ". قالت: لا أنا ولا ثابتُ بنُ قيس، لزوجِها، فلمّا جاء زوجُها ثابتُ بنُ قيسٍ قال له رسولُ اللّه ﷺ : "هذه حبيبةُ بنتُ سَهْل، قد ذكَرتْ ما شاء اللّهُ أن تذكُرَ". فقالت حبيبةُ: يا رسولَ اللّه، كلُّ ما أعطاني عندي، فقال رسولُ اللّه ﷺ لثابت: "خُذْ منها". فأخَذ منها، وجلَستْ في أهلِها. لم يُختلَفْ على مالكٍ في هذا الحديث (٣)، وهو حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ مسنَدٌ متصلٌ، وهو الأصلُ في الخُلْع. وفيه إباحةُ اختلاع المرأةِ من زوجِها بجميع صَداقِها، وفي معنى ذلك جائزٌ أن تختلِعَ منه بأكثرَ من ذلك وأقلَّ، لأنه مالُها، كما الصداقُ مالُها، فجائزٌ الخُلْعُ بالقليل والكثير، إذا لم يكنِ الزوجُ مُضِرًّا بها، فتفتدِيَ من أجلِ ضررِه. وأجمَع العلماءُ على إجارر الخُلْع بالصداقِ الذي أصدَقها إذا لم يكنْ مُضِرًّا بها، وخافا ألّا يُقيما حُدودَ اللّه.

стр. 8407

واختلَفوا في الخُلعْ على أكثرَ مما أعطاها؛ فذهب مالكٌ والشافعيُّ إلى جوازِ الخُلعْ بقليلِ المالِ وكثيرِه، وبأكثرَ من الصداق، وبمالها كلِّه، إذا كان ذلك من قِبَلِها. قال مالكٌ (١): لم أزلْ أسمعُ إجازةَ الفِدْيةِ بأكثرَ من الصداق؛ لقول اللّه : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ولحديثِ حبيبةَ بنتِ سهْلٍ مع ثابتِ بنِ قيس. قال (٢): فإذا كان النُّشوزُ من قِبَلِها جاز للزوج ما أخَذ منها بالخُلْع وإن كان أكثرَ من الصداق، إذا رضِيَت بذلك وكان لم يُضِرَّ بها، فإن كان لخوفِ ضررِه، أو لظلم ظلَمها، أو أضرَّ بها، لم يَجُزْ له أخذُه، وإن أخَذ شيئًا منها على هذا الوجهِ ردَّه ومضَى الخُلْعُ عليه. وقال الشافعيُّ (٣): الوجهُ الذي تحِلُّ به الفِدْيَةُ والخُلْعُ، أن تكونَ المرأةُ مانعةً لا يجبُ عليها، غيرَ مؤدِّيةٍ حقَّه، كارهةً له، فتحِلُّ الفديةُ حينئذٍ للزوج. قال الشافعيُّ (٤): وإذا حلَّ له أن يأكُلَ ما طابت به نفسًا له على غيرِ فراق، جاز له أن يأكُلَ ما طابت له به نفسًا ويأخُذَه بالفراق (٥)، إذا كان ذلك برضاها ولم يُضِرَّها. قال الشافعيُّ (٦): والمختلِعةُ لا يلحَقُها طلاقٌ وإن كانت في العدَّة، وهو قولُ ابنِ عباس وابنِ الزبير.

стр. 8408

قال أبو عُمر: وبه قال مالكٌ، وهو القياسُ والنظرُ؛ لأنها ليست زوجة. وقال إسماعيلُ القاضي: اختلَف الناسُ فيما يأخُذُ منها على الخُلْع، فاحتجَّ الذين قالوا: يأخُذُ منها أكثرَ ممّا أعطاها بقولِ اللّه : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال إسماعيلُ: فإن قال قائلٌ: إنما هو معطوفٌ على ما أعطاها من صَداقٍ أو بعضِه. قيل له: لو كان كذلك لكان: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدَت به منه، أو: من ذلك. قال: وهو بمنزلةِ مَن قال: لا تضرِبنَّ فلانًا إلا أن تخافَ منه، فإن خِفتَه فلا جناحَ عليك فيما صنَعتَ به. فهذا إن خافَهُ كان الأمرُ إليه فيما يفعلُ به؛ لأنه لو أرادَ الضربَ خاصّةً لقال: من الضرب. أو: فيما صنَعت منه. واحتجَّ الذين قالوا: لا يحِلُّ له من ذلك شيءٌ حتى يراها على فاحشة. بقوله : ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]. واحتجَّ الذين قالوا: إنه لا يجوزُ له الأخذُ إذا كانت الإساءةُ من قِبَلِه. بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]. هكذا قال إسماعيل. قال: ومن قال بأن قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. منسوخٌ بالآيتَين، فإن قولَه مدفوعٌ بأنه إنما يكون النسخُ بالخلاف، ولا خلافَ في الآيتين للآيةِ الأخرى؛ لأنهما إذا خافا ألّا يُقيما حدودَ اللّه فقد صار الأمرُ منهما جميعًا، والعملُ في الآيةِ الأخرى منسوبٌ إلى الزوج خاصّةً، وذلك إرادتُه لاستبدالِ زَوْج مكانَ زَوْج، ولأن الزوجةَ إذا خافت ألّا تُقيمَ حدودَ اللّه فاختلَعت منه، فقد طابت نفسُها بما أعطَتْ، وهو قولُ عامّةِ أهلِ العلم. وذكَر حديثَ حبيبةَ بنتِ سَهْل، عن أبي مُصعب، عن مالك، ثم قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن حُميد،

стр. 8409

عن رجاءِ بنِ حيوة، عن قَبيصةَ بنِ ذؤيب، أنه تلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: هو أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها (١). قال: وحدَّثنا سُليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن هشام بنِ عُروةَ قال: كان أبي يقول: إذا جاء الفسادُ من قِبَلِ المرأةِ حلَّ له الخُلْعُ، وإن جاء من قِبَلِ الرجلِ فلا، ولا نعمة (٢). قال أبو عُمر: ذكَر عبدُ الرزاق (٣)، عن مَعْمر، عن الزُّهريِّ قال: لا يحِلُّ للرجلِ أن يأخذَ من امرأتِه شيئًا من الفديةِ حتى يكونَ النشوزُ من قِبَلِها. قيل له: وكيف يكونُ النّشُوزُ؟ قال: أن تُظهِرَ له البغضاءَ، وتُسيءَ عِشْرَتَه، وتُظهِرَ له الكراهية، وتعصِيَ أمرَه، فإذا فعَلتْ ذلك فقد حلَّ له أن يقبَلَ منها ما أعطاها، لا يحِلُّ له أكثرُ مما أعطاها. وهو قولُ أبي حنيفة (٤). قال أبو عُمر: رُوِيَ عن عليِّ بنِ أبي طالب بإسنادٍ مُنقطع: لا يأخذُ منها أكثرَ ممّا أعطاها (٥). وهو قولُ الحسن، وعطاء، وطاووس (٦).

стр. 8410

وعن ابنِ المسيِّب والشعبيِّ: كرِها أن يأخذَ منها كلَّ ما أعطاها (١). ورُوِيَ عن ابنِ عُمرَ وابنِ عباس، أنه لا بأسَ أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها. وهو قولُ عِكْرمة، وإبراهيم، ومجاهد، وجماعة (٢). ذكَر عبدُ الرزاق (٣)، عن ابنِ جُريج، عن موسى بنِ عُقبة، عن نافع، أن ابنَ عُمرَ جاءَتْه مولاةٌ لامرأتِه اختلَعت من زوجِها بكلِّ شيءٍ لها، وبكلِّ ثوبٍ عليها، فلم يُنكِرْ ذلك عبدُ اللّه. وقال عِكْرمة: يأخُذُ منها حتى قُرْطَها (٤). وقال مجاهدٌ وإبراهيم: يأخُذُ منها حتى عِقَاصَ رأسِها (٥). واختلَفوا في فُرقةِ الخُلْع؛ فذهَب مالكٌ، والثوريُّ، وأبو حنيفة، وأصحابُهم، إلى أن الخُلْعَ تطليقةٌ بائنةٌ. وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، وأحَبُّ إلى المُزَنيِّ (٦). وقال أحمدُ وإسحاق (٧): الخُلْعُ فرقةٌ وليس بطلاق. وهو قولُ داود. وقال الشافعيُّ (٨) في أحدِ قوليه: إنَّ الرجلَ إذا خلَع امرأتَه، فإن نوَى بالخلع

стр. 8411

طلاقًا أو سمّاه فهو طلاقٌ، فإن كان سمَّى واحدة فهي تطليقةٌ بائنةٌ، وإن لم ينوِ طلاقًا ولا شيئًا لم تَقَعْ فُرقةٌ. وقال أبو ثور (١): إذا لم يسمِّ الطلاقَ فالخُلْعُ فُرقةٌ وليسَ بطلاق، وإن سمَّى تطليقةً فهي تطليقةٌ، والزوجُ أملَكُ برجعتِها ما دامت في العدَّة. قال أبو عُمر: احتجَّ مَن لم يرَ الخُلع طلاقًا بحديثِ ابنِ عُيينة، عن عَمْرو، عن طاووس، عن ابنِ عباس، أن إبراهيمَ بنَ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاص سأله فقال: رجلٌ طلَّق امرأتَه تطليقتَيْن، ثم اختلَعت منه، أيتزوَّجُها؟ قال: نعم، ليَنكحْها، ليس الخُلْعُ بطلاق؛ ذكَر اللّهُ الطلاقَ في أولِ الآية وآخرِها، والخُلْعَ فيما بينَ ذلك، فليس الخُلْعُ بشيء. ثم قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) [البقرة: ٢٢٩]. وقرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. واحتجَّ مَن جعل الخُلْعَ طلاقًا بحديثِ شُعبة، عن الحكَم، عن خَيْثمة، عن عبدِ اللّه بنِ شهاب قال: شهِدتُ عُمرَ بنَ الخطاب أتتْه امرأةٌ ورجلٌ في خُلْع فأجازَهُ، وقال: إنّما طلَّقكِ بمالِكِ (٣). وبحديثِ مالك (٤)، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن جُمْهانَ مولى الأسلميِّين،

стр. 8412

عن أمِّ بكرةَ الأسلمية، أنها اختلَعت من زوجِها عبدِ اللّه بنِ أسيد، ثم أتيا عثمانَ بنَ عفانَ في ذلك، فقال: هي تطليقةٌ، إلا أن تكونَ سمَّيتَ، فهو كما سمَّيتَ. وقال إسماعيلُ: وكيف يجوزُ القولُ في رجلٍ قالت له امرأتُه: طلِّقْني على مئةٍ. فطلَّقها، أنه لا يكونُ طلاقًا، وهو لو جعَل أمرَها بيدِها من غيرِ شيءٍ فطلَّقتْ نفسَها كان طلاقًا؟ قال: فأما قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. فهو معطوفٌ على: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾؛ لأنَّ قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾. إنما يعني به: أو تطليق، واللهُ أعلم، فلو كان الخُلْعُ معطوفًا على التطليقتَيْن، لكان لا يجوزُ الخلعُ أصلًا إلا بعدَ تطليقتَيْن، وهذا لا يقولُه أحدٌ. قال: ومثلُ هذا في القرآنِ كثيرٌ، مثل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهي على كلِّ مَن حلَق مُحصَرٍ أو غيرِ مُحصَر؛ لأنه لم يَخُصَّ المُحمَر، كما لم يَخُصَّ بالفديةِ مَن قد طلَّق تطليقتَيْن، بل هي للأزواج كلِّهم. واختلَف الفقهاءُ أيضًا في عِدَّةِ المختلِعة؛ فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابُهم. وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبل: عِدَّةُ المختلعةِ كعِدَّةِ المطلَّقة؛ فإن كانت ممن تحيضُ فثلاثُ حِيَض، وإن كانت من اليائساتِ فثلاثةُ أشهر (١). ويُروَى هذا عن عُمرَ، وعليٍّ، وابنِ عمر (٢).

стр. 8413

وقال إسحاقُ وأبو ثور (١): عدةُ المُختلعةِ حَيْضةٌ. ويُروَى هذا عن النبيِّ ﷺ من حديثِ هشام بنِ يوسف، عن مَعْمر، عن عَمْرِو بنِ مُسلم، عن عِكْرمة، عن ابنِ عباس، أن ثابتَ بنَ قيسٍ اختلَعت منه امرأتَه، فجعَل النبيُّ ﷺ عِدَّتَها حَيْضةً. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَيُّون، حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحيم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ بحر، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن مَعْمر، بإسنادِه (٢). ورواه عبدُ الرزاق (٣)، عن مَعْمَر، عن عَمْرِو بنِ مسلم، عن عِكْرمةَ، مُرسلًا. وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أيضًا من وجهٍ آخر، وكلاهما ليس بالقويِّ:

стр. 8414

حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ شاذان، قال: حدَّثنا المعلَّى بنُ منصور، حدَّثنا ابنُ لَهِيعة، قال: حدَّثني أبو الأسود، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن ومحمدِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ ثوبان، عن رُبَيِّع بنتِ مُعَوِّذٍ، قالت: سمِعتُ رسولَ اللّه ﷺ يأمرُ امرأةَ ثابتِ بنِ قيسٍ حينَ اختلَعت منه أن تعتَدَّ حيضةً (١). ورُوِيَ عن عثمانَ بنِ عفانَ ﵁ في ذلك ما حدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ يحيى (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زبّان، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ رُمح، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سَعْد، عن نافع، أنه سمِع الرُّبَيِّعَ ابنةَ مُعَوِّذِ ابنِ عفراءَ تخبرُ عبدَ اللّه بنَ عُمرَ أنها اختلَعت من زوجِها في زمانِ عُثمان، فجاء معها عمُّها معاذُ ابنُ عفراءَ إلى عثمان، فقال: إن ابنةَ مُعَوِّذِ اختلَعت من زوجِها، أفتنتقِلُ؟ فقال عثمان: لتنتقِلْ، ولا ميراثَ بينهما، ولا عِدَّةَ عليها، ولكن لا تَنكِحْ حتى تحيضَ حيضة؛ خشيةَ أن يكونَ بها حَمل. فقال ابنُ عُمرَ: عثمانُ خيرُنا وأعلمُنا (٣).

стр. 8415

وفي روايةِ أيوبَ وعُبيدِ اللّه بنِ عُمرَ في هذا الحديث، عن نافع، عن ابنِ عُمر: ولا نفقةَ لها (١). قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ أحكامٌ وعلوم، منها أنَّ عثمانَ ﵁ أجاز الخُلْعَ، وعلى ذلك جماعةُ الناس، إلا بكرَ بنَ عبدِ اللّه المُزنيَّ، فإنه قال: إن قولَه : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. منسوخ، نسخَه قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] الآية. قال عُقبةُ بنُ أبي الصَّهباء: سألتُ بكرَ بنَ عبدِ اللّه المُزَنيَّ عن الرجُلِ يريدُ أن يُخالعَ امرأتَه، فقال: لا يحِلُّ له أن يأخُذَ منها شيئًا. قلت: فأين قولُ اللّه : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ قال: هي منسوخة. قلت: وما نسَخها؟ قال: ما في سورة "النساء"؛ قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ الآية (٢). قال أبو عُمر: قولُ بكرٍ هذا خلافُ السُّنةِ الثابتةِ في قصةِ ثابتِ بنِ قيسٍ وحبيبةَ بنتِ سَهْل، وخلافُ جماعةِ العلماءِ والفقهاءِ بالحجازِ والعراقِ والشام. وكان ابنُ سيرينَ وأبو قِلابةَ يقولان: لا يحِلُّ للرجلِ الخلعُ حتى يجدَ على بطنِها رجلًا؛ لأنَّ اللّه يقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]. قال أبو قلابة: فإذا كان ذلك، جاز له أن يُضارَّها ويَشُقَّ عليها حتى تختلِعَ (٣).

стр. 8416

قال أبو عُمر: ليس هذا بشيء؛ لأنَّ له أن يطلِّقَها أو يُلاعِنَها، وإما أن يضارَّها ليأخُذَ مالَها، فليسَ ذلكَ له. وفي حديثِ عُثمانَ أيضًا من الفقه: إجازةُ الخُلْع عندَ غيرِ السلطان، وهو خلافُ قولِ الحسن، وزياد (١)، وسعيدِ بنِ جُبير، ومحمدِ بنِ سيرين (٢). قال سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة: قلت لقتادة: عمَّن أخَذ الحسنُ: الخُلْعُ إلى السلطان؟ قال: عن زياد (٣). وفيه أنه جعَله طلاقًا، خلافًا لقولِ ابنِ عباسٍ أنه فَسْخٌ بغيرِ طلاق (٤). وفيه أنه أجازه بالمال، ولم يسأل: أهو أكثرُ من صَداقِها، أو أقلُّ؟ على خلافِ ما يقولُ أبو حنيفة، والزُّهريُّ، وعطاءٌ، ومَن تابَعهم (٥)، في أنَّ الخُلْعَ لا يكونُ بأكثرَ من الصداق. وفيه أنه أجاز للمُختَلِعةِ أن تنتقلَ، فلم يجعَلْ لها سُكْنى، وجعَلها خلافًا للمطلَّقة، وهذا خلافُ قولِ مالك، والشافعيِّ، وأبي حنيفة. وفيه أنه لم يَجْعلْ عِدَّتها عِدَّةَ المطلقة، وجعَل عدَّتَها حَيْضةً. وبهذا قال

стр. 8417

إسحاقُ بنُ راهُوية وأبو ثور. وهو قولُ ابنِ عباسٍ بلا اختلافٍ عنه (١)، وأحدُ قولي الشافعيِّ. ورُوِيَ عن ابنِ عُمرَ مثلُ ذلك (٢). ورُوِيَ عنه أنَّ عِدَّةَ المُخْتلعةِ عدَّةُ المُطلّقة؛ رواه مالكٌ (٣) وغيرُه، عن نافع، عن ابنِ عمر. وهو أصحُّ عن ابنِ عُمر، وهو المشهورُ من قول الشافعيِّ. وبه قال سعيدُ بنُ المسيِّب، وسُليمانُ بنُ يسار، وسالمٌ، وعُروةُ، وعُمرُ بنُ عبدِ العزيز، والزُّهريُّ، والحسنُ، والنَّخَعيُّ، ومالكٌ، والأوزاعيُّ، وأبو حنيفة، وأحمدُ بنُ حنبل (٤). وفيه أنَّ المُختلِعةَ أملَكُ لنفسِها، لا تُنْكَحُ إلا برضاها، خلافَ قولِ أبي ثور. وفيه دليلٌ على أن المختلعةَ لا يلحَقُها طلاقٌ، ولا ظِهار، ولا إيلاءٌ، ولا لِعانٌ؛ لأنه لم يجعَلْ لها سُكْنَى ولا نفقةً، ولا يتوارَثان، وجعَلها بخلافِ الرجعية، وقولُ أبي حنيفةَ أنها يلحَقُها الطلاقُ، خلافُ أقاويلِ الفقهاء (٥). وكذلك ما رواه طاووسٌ، عن ابنِ عباس في أنَّ الخُلع ليس بطلاق (٦)، شذوذٌ في الرواية، وما احتجَّ به فغيرُ لازم؛ لأنَّ قوله : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. عندَ أهل العلم كلامٌ تامّ بنفسِه، وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ حكمٌ مستأنفٌ فيمن طُلِّقت وفيمَن لم تُطلَّقْ، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾. فرجَع إلى المعنى الأوّل في قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. ومثلُ هذا التقديم والتأخير ودُخولِ قصةٍ على أخرى في القرآنِ كثيرٌ، ولطاووس مع
следующие страницы →