← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8448–8487 · переход к 8453.

стр. 8448

وذكر مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، أن عاتِكَة ابنة زيدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْل امرأةَ عُمرَ بنِ الخطاب كانت تستأذنُه إلى المسجدِ فيسكُتُ، فتقول: لأخرُجنَّ إلا أن تمنعَني. وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ وأحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشر، قالا: حدَّثنا مَسْلَمةُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى المقرئ المعروفُ بابنِ الوَشَّاء، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ زيادٍ مولى بني هاشم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ الله الهرَويُّ، قال: حدَّثنا هُشَيمُ بنُ بَشير، قال: حدَّثنا رجلٌ من أهلِ المدينةِ يقالُ له محمدُ بنُ مُجَبَّر (٢)، عن زيدِ بنِ أسلمَ وعبدِ الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه قال: تزوَّج عبدُ الله بنُ أبي بكر الصديق عاتِكَةَ ابنةَ زيدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيل، وكانت امرأةً جميلة، وكان يحبُّها حبًّا شديدًا، فقال له أبو بكر الصديق: طلِّقْ هذه المرأة، فإنها قد شغَلتْك عن الغزو. فأبى وقال: وما مِثْلي في الناس طلَّق مِثْلَها ... وما مِثْلُها في غيرِ بأسٍ تُطَلَّقُ قال: ثم خرَج في بعضِ المغازي فجاء نَعيُه، فقالت فيه عاتِكَةُ: رُزِئتُ بخيرِ الناسِ بعدَ نبيِّهم ... وبعدَ أبي بكرٍ وماكان قَصَّرَا فآليتُ لا تنفكُّ عيني حزينةً ... عليك ولا ينفكُّ جِلْديَ أغبَرَا فللّهِ عينَا مَن رأى مثلَه فتًى ... أعفَّ وأحمَى في الهياجِ وأصْبَرا قال: فلمّا انقضَت عِدَّتُها زارت حفصةَ ابنةَ عُمر، فدخَل عُمرُ على حفصة، فلما رأت عاتِكَةُ عُمرَ قامت فاستتَرت، فنظَر إليها عُمرُ، فإذا امرأةٌ بارعةٌ ذاتُ

стр. 8449

خَلْقٍ وجمال، فقال عُمرُ لحفصةَ: مَن هذه؟ فقالت: هذه عاتِكةُ ابنةُ زيدِ بنِ عَمْرو بنِ نُفيل. فقال عُمرُ: اخطُبيها علَيَّ. قال: فذكَرتْ حفصةُ لها ذلك. فقالت: إنَّ عبدَ الله بنَ أبي بكر جعَل لي جُعْلًا على ألا أتزوجَ بعدَه. فقالت ذلك حفصةُ لعُمرَ، فقال لها عُمرُ: مُريها فلتَرُدَّ ذلك على ورثتِه وتزوَّجُني. قال: فذكَرت ذلك لها حفصةُ، فقالت لها عاتكةُ: أنا اشترِطُ عليه ثلاثًا؛ ألا يضْرِبَني، ولا يمنعَني من الحقِّ، ولا يمنعَني عن الصلاةِ في مسجدِ رسولِ الله ﷺ العشاءَ الآخرة. فقالت حفصةُ لعُمرَ ذلك، فتزوَّجها، فلمّا دخَل عليها أوْلمَ عليها، ودعا أصحابَ رسولِ الله ﷺ ، ودعا فيهم عليَّ بنَ أبي طالب، فلمّا فرَغوا من الطعام وخرَجوا، خرَج عليٌّ فوقَف فقال: أهاهنا عاتكةٌ؟ قالوا: نعم. فصارت خلفَ السِّترِ وقالت: ما تريدُ بأبي وأُمّي؟ فذكَّرها بقولِها في عبدِ الله بنِ أبي بكر: فآليتُ لا تنفكُّ عيني سخينةً ... عليكَ ولا ينفكُّ جِلْديَ أغْبَرَا تلك الأبيات. وقال لها: هل تقولين الآن هذا. فبكَت عاتكةُ، فسمِع عُمرُ البكاءَ فقال: ما هذا؟ فأُخبِر، فقال لعليٍّ: ما دعاك إلى ذلك؟ غمَمْتَها وغمَمْتَنا. قال: فلبِثتْ عندَه حتى أُصيبَ ﵀، فرثَتْه بأبياتٍ وذكرها، قد ذكَرْتُها في بابها من كتابِ النساءِ من كتابي في "الصحابة" (١). ثم اعتدَّتْ، فلمّا انقضَت عدَّتُها خطَبها الزُّبيرُ بنُ العوام، فقالت له: نعم، إن شرَطتَ لي الثلاثَ الخِصالَ التي اشترَطتُها على عُمرَ. فقال: لكِ ذلك. فتزوَّجها، فلمّا أرادت أن تخرُجَ إلى العشاءِ شقَّ ذلك على الزُّبير، فلما رأت ذلك قالت: ما شئتَ، أتريدُ أن تمنعَني؟ فلمّا عيلَ صبرُه (٢) خرَجت ليلةً إلى العشاء، فسبَقها الزبيرُ فقعَد لها على الطريقِ من حيثُ لا تراه، فلمّا مرَّت جلَس خلفَها فضرَب بيدِه على عَجُزِها، فنفَرت من ذلك ومضَت،

стр. 8450

فلمّا كانت الليلةُ المقبلةُ سمِعت الأذانَ فلم تتحرَّك، فقال لها الزبير: ما لكِ؟ هذا الأذانُ قد جاء. فقالت: فسَد الناسُ. ولم تخرُجْ بعدُ، فلم تزَلْ مع الزُّبير حتى خرَج الزُّبيرُ إلى الجمَلِ فقُتِل، فبلَغها قتلُه، فرثَتْه فقالت: يا عَمْرُو لو نبَّهتَه لوجدتَه ... لا طائشٌ منه الجَنَانُ ولا اليَدُ وهي أبياتٌ قد ذكَرْتُها في بابها من كتاب "الصحابة" (١). وأخبرنا عبد الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مِسْكين، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: أخبرنا موسى بنُ عُبيدة، عن داودَ بنِ مُدرِك، عن عُروةَ بنِ الزبير، عن عائشةَ، قالت: بينما النبيُّ ﷺ جالسٌ في المسجدِ إذ دخَلتِ امرأةٌ من مُزَيْنة ترفُلُ (٢) في زينةٍ لها في المسجد، فقال النبيُّ ﷺ : "أيُّها النّاسُ، انهَوا نساءكم عن لُبسِ الزينةِ والتَّبختُر في المساجد؛ فإن بني إسرائيلَ لم يُلْعَنوا حتى لبسَ نساؤُهم الزِّينةَ وتبخْتَرُوا في المسجد" (٣). هذا ما ليحيى بن سعيد عن عمرة. وله عن عمرة حديث الاعتكاف قد ذكرناه في باب ابن شهاب لرواية يحيى له عن مالك، عن ابن شهاب -وهو مما رواه عن زياد عن مالك- وهو خطأ؛ وإنما الحديث ليحي بن سعيد عند جماعة

стр. 8451

الرواة ليس لابن شهاب والله الموفق للصواب، وهو حديث مالك، عن يحيي بن سعيد، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن أنَّ رسولَ الله ﷺ أرادَ أن يعتكف، فلمّا انصرفَ إلى المكان الذي أرادَ أن يعتكفَ فيه، رأى أخبية: خِباء عائشة، وخِباء حَفْصة، وخباء زَيْنب، فقال رسول الله ﷺ : آلبر تقولون بهن؟ ثم انصرفَ فلم يعتكف حتى اعتكَفَ عَشْرًا من شَوَّال (١). هكذا هو في الموطأ مُرْسلًا، وقد وصلَهُ الوليدُ بنُ مُسلم عن مالك؛ وكذلك رواهُ جماعةٌ عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرة، عن عائشة مسندًا. وقد ذكرنا ذلك، وذكرنا ما في هذا الحديث من المعاني وما للعُلماء فيها من المذاهب في باب ابن شهاب عن عَمْرة وإن كان ذلك خطأ لا شك فيه، ولكن لما رواه يحيى بن يحيى عن مالك كذلك على ما وصفنا، وباللّه توفيقنا. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا ابنُ ملاس، قال: حدَّثنا أبو عامر العَقَري، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا أبو عَمْرو الأوزاعي ومالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرة، عن عائشة ذكرت أنَّ رسول الله ﷺ أراد أن يعتكف العَشْر الأواخر من شهر رَمَضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها. وسألته (٢) حَفْصة أن يأذَن لها ففعل، فلما رأت ذلك زينبُ بنتُ جَحْش أمرت ببناءٍ لها، قالت: فكانَ رسولُ الله ﷺ إذا صَلّى الصُّبْحَ انصرفَ إلى بنائه؛ فأبصرَ الأبينة فقال: ما هذا؟ قالوا: عائشة وحفصة وزينب، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما أنا بمعتكفٍ فرجع؛ فلما أفطر، اعتكفَ عَشْرًا من شَوّال" (٣).

стр. 8452

حديثٌ سابعٌ وأربعونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ يحيى عن النُّعمان بن مُرّة حديثٌ واحدٌ وهو أولُ مراسيل يحيى (١) مالكٌ (٢)، عن يحيى بنِ سعيد، عن النعمانِ بنِ مُرّة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما ترَوْنَ في الشاربِ والسارقِ والزاني؟ " -وذلك قبلَ أن يُنزَلَ فيهم- قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "هُنّ فواحِشُ وفيهِنّ عُقوبةٌ، وأسوَأُ السَّرقةِ الذي يسرِقُ صلَاته". قالوا: وكيف يسرِقُ صلَاته؟ قال: "لا يُتمُّ رُكُوعَها ولا سُجودَها". لم يختلفِ الرواةُ عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحديثِ عن النعمانِ بنِ مُرَّة (٣)، وهو حديثٌ صحيحٌ يستندُ من وجوهٍ من حديثِ أبي هُريرة وأبي سعيد. أخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشر، قال: أخبرنا مَسْلَمةُ بنُ قاسم، قال: أخبرنا أبو عبدِ الله جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الحسنِ بنِ سعيدٍ الأصبهانيُّ بسيرَافَ (٤)، قال: حدَّثنا أبو بشر يونسُ بنُ حبيبِ بنِ عبدِ القاهر، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطيالسيُّ، قال (٥): حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عليِّ بنِ زيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ.

стр. 8453

وحدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ زكريا النيسابوريُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن عليِّ بنِ زيد، عن سعيدِ بنِ المسيب، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ. وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، قال: أخبرنا عليُّ بنُ زيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ أسوأ السَّرِقة (٢) سرقةً الذي يسرقُ صلاتَه". قالوا: وكيف يسرقُها؟ قال: لا يُتمُّ ركوعَها ولا سجودَها" (٣). وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّانَ الأنماطيُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عَمّار، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ حبيب، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى، قال: حدَّثني أبو سَلَمة، قال: حدَّثني أبو هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ شرَّ الناسِ سرقةً الذي يسرقُ صلاتَه". قالوا: وكيف يسرقُ صلاتَه؟ قال: "لا يُتمُّ رُكوعَها ولا سجودَها" (٤).

стр. 8454

وروى الحكمُ بنُ عبدِ الملك، عن قتادة، عن الحسن، عن عِمْرانَ بنِ حُصين، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما تعُدُّون الكبائرَ فيكم؟ ". قلنا: الشركُ، والزنى، والسرقةُ، وشربُ الخمر. قال: "هن كبائرُ، وفيهن عقوباتٌ، ألا أنبئُكم بأكبرِ الكبائر؟ ". قلنا: بلى. قال: "شهادةُ الزُّور" (١). والحكمُ (٢) هذا ضعيفٌ، عندَه مناكيرُ، لا يُحتجُّ به، ولكن فيما تقدَّم ما يعضُدُ هذا.

стр. 8455

وفي حديثِ مالكٍ من الفقه: طَرحُ العالم على المتعلِّم المسائلَ، وفيه أن شرْبَ الخَمْرِ والسرقةَ والزنى فواحشُ، واللهُ قد حرَّم الفواحشَ ما ظهَر منها وما بطَن، ومعلومٌ أنه لم يُرِدْ شربَ الماء، وإنما أراد شُرْبَ ما حرَّمه اللهُ من الأشربة. وفيه دليلٌ على أن الشاربَ يُعاقَبُ، وعقوبتُه كانت مردودةً إلى الاجتهاد؛ فلذلك جمَع عُمرُ الصحابةَ فشاوَرَهم في حدِّ الخَمْر، فاتفَقوا على ثمانين، فصارت سُنّةً، وبها العملُ عندَ جماعةِ فقهاءِ المدينةِ ومكةَ والكوفةِ والبصرةِ والشام والمغرب، وجمهورِ أهلِ الحديث، وما خالَفَهم شذوذٌ (١)، وبالله التوفيق. وأما السرقةُ والزنى فقد أحكَم اللهُ حدودَهما في كتابه وعلى لسانِ رسولِه ﷺ بما لا مدخَلَ للرأي فيه، وأظنُّ قولَه ﷺ هذا كان عندَ نزولِ قولِ الله في فاحشةِ الزنى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]. وبعدَ قولِه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥]. ثم نُسِخَ ذلك كلُّه بالجلدِ والحدِّ. وفيه دليلٌ على أنَّ تركَ الصلاة، أو تركَ إقامتِها على حدودِها من أكبرِ الذُّنوب؛ ألا تَرى أنه ضرَب المثلَ لذلك بالزاني والسارق، ومعلومٌ أنَّ السرقةَ والزنى من الكبائر، ثم قال: "وشرُّ السرقة -أو أسوأُ السرقة- الذي يسرِقُ صلاتَه". كأنه قال: وشرُّ ذلك سرقةً مَن يسرِقُ صلاتَه فلا يُتمُّ ركوعَها ولا سُجودَها. وقد مضَى القولُ في تاركِ الصلاةِ ممن يُؤمِنُ بفرضِها في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتاب (٢). حدَّثني قاسمُ بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثني خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ

стр. 8456

فُطَيس، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: أخبرني سُليمانُ الأعمشُ، قال: سمِعتُ عُمارةَ بنَ عمير، عن أبي مَعْمَر، عن أبي مسعود، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا صلاةَ لمن لا يقيمُ صُلْبَه في الركوعِ والسُّجود" (١). حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ بَحْر، قال: حدَّثنا موسى بن هارون، قال: حدَّثنا ابنُ أخي جويرية، قال: حدَّثنا مهديُّ بنُ ميمون، عن واصلٍ الأحدب، عن أبي وائل، عن حُذيفة، أنَّه رأى رجلًا يصلِّي لا يقيمُ رُكوعَه ولا سُجودَه، فلمّا قضَى صلاتَه دعاهُ، فقال: مُذْ كم صلَّيتَ هذه الصلاة؟ قال: صلَّيتُها منذُ كذا وكذا. فقال له حذيفة: ما صليتَ لله صلاةً (٣). وقال مالكٌ في روايةِ ابنِ وَهْب عنه، والشافعيُّ، والثوريُّ، وجمهورُ الفقهاء: مَن لم يُتمَّ ركوعَه ولا سُجودَه في الصلاةِ وجَب عليه إعادتُها. وكذلك عندَهم

стр. 8457

مَن لم يعتدِلْ قائمًا في ركوعِه ولا جالسًا بينَ السجدتَيْن، وقد روَى ابنُ القاسم عن مالكٍ في ذلك ما يشبهُ قولَ أبي حنيفة، وقد أوضَحنا أنَّ قولَ أبي حنيفةَ في ذلك شذوذٌ عن جمهورِ الفقهاء، وخلافٌ لظاهرِ الآثارِ المرفوعةِ في هذا الباب، وذكَرنا اختلافَ الفقهاءِ فيمن لم يعتدلْ في ركوعِه ولا سجودِه في باب أبي الزناد، عند قوله: "مَن أمَّ الناسَ فليخفِّفْ" (١). وأوضَحنا ذلك المعنى هناك بالآثار، فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهنا. وقد حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا المُفَضَّلُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زياد، قال: حدَّثنا أبو قُرّة (٢)، قال: سمِعتُ مالكًا يقول: إذا نقَص الرجلُ صلاتَه في رُكُوعِه وسُجُودِه، فإني أحبُّ أن يبتدِئَها. قال أبو عُمر: كأنه يقول: إنّه أحبُّ إليه من إلغاءِ الرَّكْعة.

стр. 8458

حديثٌ ثامنٌ وأربعونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيدٍ وغيرِ واحد، عن الحَسَنِ بنِ أبي الحسنِ البَصْريِّ، وعن محمدِ بنِ سيرين؛ أنَّ رجلًا في زمنِ رسولِ الله ﷺ أعتَق عبيدًا له ستةً عندَ موته، فأسهَم رسولُ الله ﷺ بينَهم، فأعتَق ثُلُثَ تلك العبيد. هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ عن مالك، عن يحيى بنِ سعيدٍ وغيرِ واحد، وتابعه طائفةٌ من رواة "الموطأ" (٢)، وروَتْه أيضًا جماعةٌ عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن غيرِ واحد، عن الحسنِ وابنِ سيرينَ مثلَه مرسلًا. وقال مالكٌ: بلَغني أنه لم يكنْ للرجل مالٌ غيرُهم (٣). وهذا الحديثُ يتَّصلُ من حديثِ الحسنِ وابنِ سيرين، عن عِمْرانَ بنِ حُصين، عن النبيِّ ﷺ ، وهو حديثُ ثابتٌ صحيحٌ، رواه عن الحَسَنِ جماعةٌ؛ منهم قتادة، وسِمَاكُ بنُ حرب، وأشعثُ بنُ عبدِ الملك، ويونسُ بنُ عُبيد، ومباركُ بنُ فَضَالة، وخالدٌ الحذّاءُ، ويتصلُ أيضًا من حديثِ أبي هُريرةَ من روايةِ ابنِ سيرينَ وغيرِه: أخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل بنِ العباس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن يزيدَ بنِ إبراهيم، عن الحَسَنِ وابنِ سيرين، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنَّ رَجُلًا أعتقَ ستةَ أعبُدٍ في مَرضِه، فأقرَع رسولُ الله ﷺ بينَهم، فأعتَق اثنين وأرقَّ أربعة (٤).

стр. 8459

سقَط من هذا الحديثِ ومن حديثِ مالكٍ قولُه فيه: ليس له مالٌ غيرُهم. وهو لفظٌ محفوظٌ في هذا الحديثِ عند الجميع، والأصولُ كلُّها تشهَدُ بأن الأمرَ الموجِبَ للقُرعةِ بينَهم أنه لم يكنْ له مالٌ غيرُهم. وحدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين البَغْداديُّ بمكةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح البُخاريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن أيوب، عن محمدِ بنِ سيرين، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، وعن قتادة وحُميد وسِمَاك، عن الحسن، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنَّ رجلًا أعتَق ستةَ مملوكين له عندَ موتِه، وليس له مالٌ غيرُهم، فأقرَع رسولُ الله ﷺ بينَهم، فأعتَق اثنين، وردَّ أربعةً في الرِّقِّ (١). قال حَمّادُ بنُ سَلَمة: وحدَّثنا عطاءٌ الخراسانيُّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٢).

стр. 8460

حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى المقرئ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حبابةَ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال (١): حدَّثنا عليُّ بنُ الجعد، قال (٢): أخبَرنا مباركُ بنُ فَضالة، عن الحسن، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنَّ رجلًا أعتَق ستةَ مملوكين له عندَ موتِه، لم يكنْ له مال غيرُهم، فرُفِع ذلك إلى النبيِّ ﷺ فأقرَع بينَهم، فأعتَق اثنين وأرقَّ أربعة. قال أبو عُمر: قال يحيى القطان: مباركٌ أحبُّ إليَّ في الحسنِ من الربيع بنِ صَبيح (٣). حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٥)، قالا: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن يحيى بنِ عتيقٍ وأيوب، عن محمدِ بنِ سيرين، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أن رجلًا أعتَق ستةَ أعبُدٍ له عندَ موتِه، ولم يكنْ له مالٌ غيرُهم، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ فأقرَع بينَهم، فأعتقَ اثنين وأرقَّ أربعة.

стр. 8461

قال يحيى: وقال محمد: لو لم يبلُغْني عن النبيِّ ﷺ لكان رأيي. أخبرنا محمدُ بنُ خليفة، قال: أخبرنا محمدُ بنُ الحسين، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ أبي داود، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ حَسّان، عن محمدِ بنِ سيرين، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنَّ رجلًا كان له ستةُ أعبُدٍ لم يكنْ له مالٌ غيرُهم، فأعتَقهم عندَ موتِه، فرُفِع ذلك إلى النبيِّ ﷺ فجزَّأهم ثلاثةَ أجزاء، فأعتَق اثنين وأرقَّ أربعة (١). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا الأشعثُ، عن الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنَّ رجلًا أعتَق ستةَ مملوكينَ لم يكنْ له مالٌ غيرُهم عندَ موتِه، فأقرَع النبىُّ ﷺ بينَهم، فأعتَق اثنينِ وأرَقَّ، أو أبقى، أربعة (٢). وأخبرنا محمدُ بنُ خليفة (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ زكريا المطَرِّزُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سُفيانَ وأبو بكرِ بنُ زنجُويَة، قالا: حدَّثنا الفريانيُّ، عن سُفيانَ، عن سِمَاكٍ وخالد، عن الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنَّ رجلًا من الأنصارِ أعتَق ستةَ أعبدٍ غِلْمةٍ عندَ الموت، فأقرَع النبيُّ ﷺ بينَهم، فأعتَق ثُلُثَهم، وقال: "لو علِمنا ما صلَّينا عليه، أو ما دُفِن في مقابرِنا" (٤).

стр. 8462

وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن عَمْرو، عن الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصَين، أنَّ رجلًا مات وأعتقَ ستةَ مملُوكينَ ليس له مالٌ غيرُهم، فأقرَع النبيُّ ﷺ بينَهم، فأعتَق اثنينِ وأرقَّ أربعة، وقال: "لو أدرَكتُه ما صلَّيتُ عليه" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارث (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوَانة، عن سِمَاكِ بنِ حَرْب، عن الحَسَنِ بنِ أبي الحَسَن البَصْريِّ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنَّ رجلًا أعتَق عندَ موتِه ستةَ رَجْلة، فجاء ورثتُه من الأعراب فأخبَروا رسولَ الله ﷺ بما صنَع، فقال: "أو فعَل ذلك؟ ". قالوا: نعم. قال: "لو علِمْنا، إن شاء الله، ما صلَّينا عليه". فأقرَع بينَهم، فأعتَق منهم اثنين، ورَدَّ أربعةً في الرِّقِّ (٣). وحدَّثنا سعيدٌ (٤) وعبدُ الوارث قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عُبيد،

стр. 8463

عن الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أن رجلًا كان له ستةُ أعبُد، فأعتَقهُم عندَ موتِه، لم يكنْ له مالٌ غيرُهم، فرُفِع ذلك إلى رسولِ الله ﷺ ، فكرِهَ ذلك، ثم جزَّأهم ثلاثةَ أجزاء، فأقرَع بينَهم رسولُ الله ﷺ فأعتقَ اثنينِ وأرقَّ أربعة (١). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن محمد، أنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ كان يحدِّثُ، أنَّ رجلًا من الأنصارِ أعتَقَ ستةَ أعبُدٍ له عندَ موتِه، لم يكنْ له مالٌ غيرُهم، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ فدعا بهم فجزَّأهُم، ثم أقرعَ بينَهم، فأعتَقَ اثنينِ وردَّ أربعةً في الرِّقَّ (٢). فهذه روايةُ الحسنِ وابنِ سيرينَ لهذا الحديث، وقد رواه أبو المهلَّب، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، وهو حديثٌ بصريٌّ، انفرَد به أهلُ البصرة. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو دواد (٤). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ

стр. 8464

أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق (١)، قالا: حدَّثنا سُليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابة، عن أبي المهلَّب، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنَّ رجلًا أعتَق ستةَ أعبدٍ له عندَ موتِه، لم يكنْ له مالٌ غيرُهم، فبلَغ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فقال للرجل قولًا شديدًا، ثم دعاهُم فجزَّأهم ثلاثةَ أجزاء، فأقرَع بينَهم، فأعتَق اثنين وأرقَّ أربعةً. ورواه أبو هُريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثثا عُبيدُ الله بنُ موسى، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الله بنِ المختار، عن محمدِ بنِ زياد، عن أبي هُريرة، أنَّ رجلًا كان له ستةُ أعبد، فأعتقَهم عندَ موتِه، فأقرَع النبيُّ ﷺ بينَهم، فأعتَق منهم اثنين وأرقَّ أربعةً.

стр. 8465

ورواه بشرُ بنُ المفضَّل، عن عَوْف، عن محمدِ بنِ سيرين، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ ذكَره إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي بكر، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ المفضّل (١). قال إسماعيل (٢): وحدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ أمية، أنَّه سمِع مكحولًا يحدِّثُ عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ امرأةً أعتَقت ستةَ مملُوكينَ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ليس لها مالٌ غيرُهم، فأقرَع النبيُّ ﷺ بينَهم، فأعتَق اثنينِ وأرَقَّ أربعةً. قال: وحدَّثنا عليٌّ (٣)، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق (٤)، قال: أخبَرنا ابنُ جريج، قال: أخبرني قيسُ بنُ سَعْد، أنَّه سمِع مكحولًا يقول: سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيِّب

стр. 8466

يقول: أعتَقت امرأة أو رجلٌ ستةَ أعبدٍ لها عندَ الموتِ لم يكنْ لها مالٌ غيرُهم، فذكَر الحديث. قال (١): وأخبَرنا ابنُ جُريج، قال: أخبرني سُليمانُ بنُ موسى، قال: سمِعتُ مكحولًا يقول: أعتَقت امرأةٌ من الأنصارِ تُوفِّيت أعبدًا لها ستةً لم يكنْ لها مالٌ غيرُهم، فلما بلَغ النبيَّ ﷺ غضِب وقال في ذلك قولًا شديدًا، ثم دعا بستّةِ قِداح فأقرَع بينَهم، فأعتَق اثنَين (٢). قال سُليمانُ بنُ موسى: كنتُ أُراجِعُ مكحولًا فأقول: إن كان ثمنُ عبدٍ ألفَ دينارٍ أصابتْهُ القرعةُ فذهَب المال، فقال: قِفْ على أمرِ رسولِ الله ﷺ . قال ابنُ جُريج: قلتُ لسُليمان: الأمرُ يستقيمُ على ما قال مكحولٌ. قال: كيف؟ قلت: يُقامُونَ قيمةً، فإن زاد اللذانِ أُعتِقا على الثُّلثِ أُخِذَ منهما، وإن نقَصا أُعتِقَ ما بقيَ أيضًا بالقُرعة، فإن فضلَ عليه أُخِذ منه. قال: لم يبلُغْنا أنَّ النبيَّ ﷺ أقامَهُم. قال إسماعيلُ القاضي: قد ذكَر غيرُ واحدٍ في الأحاديثِ المُسْنَدةِ أنَّ النبيَّ ﷺ جزَّأهم، فهذا يدُلُّ على القيمة، ولو لم يذكُرِ التجزئةَ في الحديث، لعُلِمَ أن القيمةَ لا بدَّ منها، إذا كان الواجبُ في ذلك إخراجَ الثُّلُث، فإن استوى الرقيقُ كانوا على العدد، وإن لم يستووا كانوا على القيمة، على ما فسَّره ابنُ جُريج، وهو قولُ مالك. حدَّثنا سعيدٌ وعبدُ الوارث (٣)، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ

стр. 8467

إسحاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن أيوبَ، وعن كثير، أنَّ الحَسَنَ حدَّثَ به عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، وكان يراه ويقضي به. وحدَّثنا سعيدٌ وعبدُ الوارث، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن أيوبَ، عن يحيى، قال: ذهَب بعضُ الناسِ إلى أن يُراجعَ محمدًا فيه، فقال: لو لم يبلُغْني عن النبيِّ ﷺ لكان رأي (١). قال أبو عُمر: اختلَف العلماءُ في الرجلِ يُعتقُ عندَ موتِه عبيدًا له في مرضِه، ولا مالَ له غيرُهم، أو يوصِي بعتقِهم كلِّهم ولا مالَ له غيرُهم، فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما بهذا الأثرِ الصحيح، وذهَبوا إليه. وهو قولُ أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداودَ، والطبريِّ، وجماعةٍ من أهلِ الرأي والأثر (٢). ذكر ابنُ عبدِ الحكم، عن مالك قال: مَن أعتَق عبيدًا له عندَ الموتِ ليس له مالٌ غيرُهم، قُسِّموا أثلاثًا، ثم يُسْهَمُ بينَهم، فيُعتَقُ ثلثُهم بالسهم، ويُرَقُّ ما بقيَ، وإن كان فيهم فضلٌ رُدَّ السهمُ عليهم فأُعتِق الفضلُ، وسواءٌ ترَك مالًا غيرَهم أو لم يترُك. قال: ومَن أعتَق رقيقًا له عندَ الموت، وعليه دَيْنٌ يُحيطُ بنصفِهم، فإنِ استُطيع أن يُعتَقَ من كلِّ واحدٍ نِصْفٌ، فُعِل ذلك بهم. قال: ومَن قال: ثلثُ رقيقي حُرٌّ. أُسهِم بينَهم، وإن أعتَقهم كلَّهم، أُسهِم بينَهم إذا لم يكنْ له مالٌ غيرُهم، وإن قال: ثلثُ كلِّ رأسٍ حُرٌّ أو نصفُه. لم يُسْهَم بينَهم.

стр. 8468

وقال ابنُ القاسم (١): كلُّ مَن أوصَى بعتقِ عَبيدِه أو بتَل عتقَهم في مرضِه، ولم يدَعْ غيرَهم، فإنه يُعتَقُ بالسهم ثلثُهم، وكذلك لو ترَك مالًا والثلثُ لا يسعُهم، لعتَقَ مبلغُ الثلثِ منهم بالسهم، وكذلك لو أعتَق منهم جزءًا سمّاه، أو عددًا سمّاه، وكذلك لو قال: رأسٌ منهم حرٌّ. فبالسهم يُعتقُ منهم مَن يُعتقُ، إن كانوا خمسةً فخمُسُهم، أو ستةً فسدُسُهم، خرَج لذلك أقلُّ من واحدٍ أو أكثرُ، ولو قال: عشَرةٌ. وهم ستون، عَتَق سدُسُهم، أخرَج السهمُ أكثرَ من عشَرةٍ أو أقلَّ. وهذا كلُّه مذهبُ مالك. قال أبو عُمر: لم يختلِفْ مالكٌ وأصحابُه في الذي يُوصي بعتقِ عبيدِه في مرضِه ولا مالَ له غيرُهم، أنه يُقرَعُ بينَهم، فيُعتَقُ ثلثُهم بالسهم، وكذلك لم يختلِفْ قولُ مالكٍ وجمهورُ أصحابِه أن هذا حكمُ الذي يُعتِقُ عبيدَه في مرضِه عتقًا بَتْلًا (٢)، ولا مالَ له غيرُهم. وقال أشهبُ وأصبغُ (٣): إنما القرعةُ في الوصية، وأما في البَتْل، فهم كالمدَبَّرِين. قال أبو عُمر: حُكمُ المدبَّرِين عندَهم إذا دبَّرَهم سيدُهم في كلمةٍ واحدة، أنه لا يُبدَّأُ بعضُهم على بعض، ولا يُقرَعُ بينَهم، ويُفضُّ الثلثُ (٤) على جميعِهم بالقيمة، فيُعتَقُ من كلِّ واحدٍ حصتُه من الثُّلُث، وإن لم يَدَعْ مالًا غيرَهم، عتَق

стр. 8469

ثلثُ كلِّ واحد، وإن دبَّر في مرضِه واحدًا بعد واحد، بُدِئ الأول فالأول، كما لو دبَّرهم في الصحة، أو في مرضٍ ثم صحَّ (١). قال أبو عُمر: قولُ أشهبَ وأصبغَ هذا خلافُ السُّنة؛ لأنَّ الحديثَ إنما ورَد في رجلٍ أعتَق في مرضِه ستةَ مملُوكينَ لا مالَ له غيرُهم، وهو أيضًا مخالفٌ لقولِ أهلِ الحجاز، ومخالفٌ لقولِ أهلِ العراق. وذكَر ابنُ حبيب، عن ابنِ القاسم، وابنِ كِنَانة، وابن الماجشُون، ومُطَرِّفٍ، قالوا: إذا أعتَق الرجلُ في مرضِه عبيدًا له عتقًا بَتْلًا، أو أوصَى لهم بالعَتاقة كلِّهم أو بعضِهم، سمّاهم أو يسمِّهم، إلا أنَّ الثلثَ لا يحمِلُهم، أنَّ السَّهْمَ يَجري فيهم، كان له مالٌ سواهم أو لم يكن. قال ابنُ حبيب: وقال ابنُ نافع: إن كان له مالٌ سواهم لم يُسهَمْ بينَهم، وأُعتِق من كلِّ واحدٍ ما ينوبُه، وإن لم يكنْ له مالٌ سواهم، أو كان له مالٌ تافهٌ، فإنه يُقرَعُ بينَهم. وقال الشافعيُّ (٢): وإذا أعتَق الرجلُ في مرضِه عبيدًا له عتقَ بتات؛ انتُظِر بهم، فإن صحَّ عتَقوا من رأسِ مالِه، وإن مات ولا مالَ له غيرُهم، أُقرع بينَهم فأُعتِق ثلثُهم. قال الشافعيُّ (٣): والحجةُ في أنَّ العتقَ البتاتَ في المرض وصيةٌ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أقرَع بينَ ستةِ مملوكين أعتَقهم الرجلُ في مرضِه، وأنزَل عتقَهم وصيةً، فأعتَق ثلثَهم.

стр. 8470

قال (١): ولو أعتَق في مرضِه عبيدًا له عتقَ بتات، وله مدبَّرون وعبيدٌ أوصَى بعتقِهم بعدَ موتِه، بُدِئ بالذين بتَّ عتقَهم؛ لأنهم يَعتِقُون عليه إن صحَّ، وليس له الرجوعُ فيهم بحال. قال الشافعيُّ (٢): والقرعةُ أن تُكتبَ رقاعٌ ثم تُكتبَ أسماءُ العبيد، ثم تُبندقَ بنادقُ من طين، ويُجعلَ كلُّ رقعةٍ في بندقة، ويجزَّأ الرقيقُ أثلاثًا، ثم يُؤمرَ رجلٌ لم يحضُرِ الرقاعَ فيُخرِجَ رقعة على كلِّ جزءٍ بعينِه، وإن لم يَسْتَووا في القيمة، عُدِّلوا، وضُمَّ قليلُ الثمنِ إلى كثيرِ الثمن، وجُعِلوا ثلاثةَ أجزاء، قلُّوا أو كَثروا، إلا أن يكونوا عبدَين، فإن وقَع العِتْقُ على جزءٍ فيه عدَّةُ رقيق أقلَّ من الثّلث، أُعيدت القرعةُ بينَ السَّهمين الباقيين، فأيُّهم وقَع عليه، عتَق منه باقي الثلث. وقولُ أحمدَ بنِ حنبل (٣) في هذا كلِّه كقولِ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه (٤) فيمَن أعتَق عبيدًا له في مرضِه، ولا مالَ له غيرُهم: إنه يَعتِقُ من كلِّ واحدٍ منهم ثلثُه، ويسعَى في ثلُثَي قيمتِه للورثَة. وقال أبو حنيفة (٥): حُكْمُه ما دامَ يسعَى حكمُ المكاتَب. وقال أبو يوسفَ ومحمد (٦): هم أحرارٌ، وثلثا قيمتِهم دَينٌ عليهم، يسعَوْن في ذلك حتى يُؤدُّوه إلى الورثة.

стр. 8471

قال أبو عُمر: وإنما حمَل الكوفيِّينَ على ذلك أصلُهم في أخبارِ الآحاد؛ لأنهم لا يَقبَلُون منها ما عارَضَه شيءٌ من معاني السُّنن المجتمَع عليها، وقالوا: من السُّنّةِ المتَّفقِ عليها فيمن بتَل عِتْقَ عبيدِه في مرضِه، وله مالٌ يَحمِلُهم ثلثُه، أنهم يَعتِقون كلُّهم، والقياسُ على هذا إذا لم يكنْ له مالٌ غيرُهم أن يَعتِقَ من كلِّ واحدٍ ثلثٌ، فليس منهم أحدٌ أوْلى من صاحبِه. قال أبو عُمر: ردَّ الكوفيُّون هذه السُّنة ولم يقولوا بها، ورأوا القُرعَةَ في ذلك من القِمارِ والخطَرِ، حتى لقد حَكَى مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيل، عن حَمّادِ بنِ زيد، عن محمدِ بنِ ذكْوان، أنه سَمِع حَمّادَ بنَ أبي سُليمانَ وذُكِرَ له الحديثُ الذي جاء في القُرْعَةِ بينَ الأعبُد، فقال: هذا قولُ الشيخ، يعني إبليس، فقال له محمدُ بنُ ذَكْوان: "وُضِع القلمُ عن ثلاثةٍ" (١)؛ أحدُهم المجنونُ حتى يُفيق؛ أي: أنك مجنون، وكان حَمّادٌ يُصْرَعُ في بعضِ الأوقاتِ ثم يُفيق. فقال له حَمّادُ: ما دعاك إلى هذا؟ فقال له محمدُ بنُ ذكْوان: وأنت ما دعاك إلى هذا؟ (٢). قال أبو عمر (٣): في قولِ الكوفيِّينَ في هذا الباب ضروبٌ من الخطأ والاضطراب، مع خلافِ السُّنة في ذلك، وقد ردَّ عليهم في ذلك جماعة من المالِكيِّينَ والشافعيِّينَ وغيرهم، منهم إسماعيلُ وغيرُه. وحُكمُهم بالسِّعايةِ فيه ظلمٌ؛ لأنهم أحالُوهم على سعايةٍ لا يُدْرَى ما يَحصُلُ منها، وظلم للورثة؛ إذ أجازوا عليهم في الثلُثِ عِتْقَ الجميع بما لا يُدْرَى أيضًا أيَحصُلُ أم لا، وظلمٌ للعبيد؛ لأنهم أُلزِموا مالًا من غيرِ جناية. وبينَ الشافعيِّ ومالكٍ في هذا الباب من فُروعِه تنازعٌ ليس هذا موضعَ ذكرِه، لتشعُّبِ القولِ فيه.

стр. 8472

قال أبو عُمر: أما القولُ في هذا الباب بالقُرعة، فقد احتجَّ فيه الشافعيُّ وغيرُه (١) بقولِ الله : ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ الآية [آل عمران: ٤٤]. وبقوله : ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤١]. وكفَى بحديثِ النبيِّ ﷺ في الذي أعتَق ستةَ مملوكِينَ له عندَ موتِه لا مالَ له غيرُهم، فأقرَع رسولُ الله ﷺ بينَهم فأعتَق ثلُثَهم، وبأنه كان يُقرعُ بينَ نسائِه أيتُهن يَخرُجُ بها إذا أراد سفَرًا (٢)؛ لاستوائِهنَّ في الخُروج، وبإجماعِ العلماءِ على أن دُورًا لو كانت بينَ قوم، قُسِّمَتْ بينَهم وأُقْرع بينَهم في ذلك، وهذا طريقُ الشركةِ في الأملاكِ التي تقعُ فيها القسمةُ بالقُرعةِ على قَدْرِ القيمة؛ لأنَّ حقَّ المريضِ الثلثُ، وحقَّ الورثةِ الثُّلُثان، فصار بمنزلةِ شريكَيْن لأحدِهما سهمٌ، وللآخرِ سهْمان، كما لو أن الميتَ وَهْبَ العبيدَ كلَّهم لقوم ثم مات، لقُسِّموا بينَ القوم وبينَ الورثةِ بالقُرْعةِ هكذا، وإنما نفَر أبو حنيفةَ ومَن قال بقولِه من هذا القول؛ لأنهم جعَلُوا هذا بمنزلةِ مَن أعتَق ثلُثَ كلِّ عبدٍ من عبيدِه، فلم يَجُزْ أن يُعتَقَ بالقرعةِ بعضُهم، فغلِطُوا هاهنا في التشبيه، واللهُ المستعان. أخبرنا فائقٌ مولى أحمدَ بنِ سعيد، عنه، عن عبدِ اللك بنِ بحرِ بنِ شاذان، عن محمدِ بنِ إسماعيلَ الصائغ، عن الحسنِ بنِ عليٍّ الحُلوانيِّ، قال: حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم، قال: أخبرنا سَليمٌ (٣)، قال: حدَّثنا ابنُ عون، قال: قال لي محمدٌ: جاءني

стр. 8473

خالدٌ فقال: أرأيتَ الذين قالوا في القُرْعة: إنه أقرَع بينَهم؟ فقلتُ له: إن نقصًا برأيك أن ترَى أن رأيك أفضلُ من رأي رسولِ الله ﷺ والصحابة. ولولا أنه كان في بيتي لأسمَعتُه غيرَ ذلك. قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ أيضًا من الفقه: إبطالُ السِّعاية، وردٌّ لقولِ العراقيِّينَ في ذلك؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لم يَجعَلْ على أولئك العبيدِ سِعايةً (١). وفيه دليلٌ على أن أفعالَ المريضِ كلَّها؛ من عتق، وهِبَة، وعطية، ووصية، لا يَجوزُ منها أكثرُ من الثُّلُث، وأن ما بتَلَه في مرضِه حُكْمُه حكمُ الوصية. وعلى ذلك جماعةُ فقهاءِ الأمصار. وخالَفهم في ذلك أهلُ الظاهرِ وطائفةٌ من أهلِ النظَر (٢)، والحُجّةُ عليهم بيِّنةٌ بهذا الحديث. وفيه أيضًا دليل على أنّ الوصيّةَ جائزةٌ لغيرِ الوالدَينِ والأقربين؛ لأنَّ العبيدَ عِتْقُهم في المرضِ وصيّةٌ لهم. ومعلومٌ أنهم لم يكونوا بوالِدَينِ لمالِكهمُ المُعتِقِ لهم، ولا بأقربينَ له. وقد مضى ذِكْرُ الوصايا ممهّدًا في باب نافع (٣) من هذا الكتاب، والحمدُ لله.

стр. 8474

حديثٌ تاسعٌ وأربعونَ ليَحيى بن سعيدٍ يحيى بنُ سعيدٍ عن عبدِ الله بنِ المُغيرة مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبدِ الله بنِ المغيرةِ بنِ أبي بُرْدَةَ الكِنانيِّ، أنه بلَغه أنَّ رسولَ الله ﷺ أتى الناسَ في قبائلِهم يَدعُو لهم، وأنه ترَك قبيلةً من القبائل. قال: وإن القبيلةَ وجَدُوا في بَرْدَعةِ رجلٍ منهم عِقْدَ جَزْع (٢) غُلُولًا فأتاهم رسولُ الله ﷺ فكبَّر عليهم كما يُكبِّرُ على الميت. هذا الحديث لا أعلَمُه في حفظي أنه رُوِيَ مُسندًا بوجهٍ من الوُجوه، واللهُ أعلم. وأما تَرْكُه الدُّعاءَ للقوم الذين وجَد عندَ بعضِهم الغُلُول، فعلى وجهِ العقوبةِ والتشديدِ والإعلام بعظيم ما جَنَوْه، وقد مضَى القولُ في عقوبةِ الغالِّ، وما للعلماءِ في ذلك من المذاهبِ في باب ثورِ بنِ زَيْدٍ من هذا الكتاب (٣). وهذا الحديثُ عندي لا يُوجبُ حُكْمًا؛ لأنه منقطِع عمَّن لا يُعرَفُ بكبيرِ علم، وليس مثلُ هذا مما يُحتَجُّ به؛ لأنَّ عبدَ الله بنَ المغير هذا مجهولٌ؛ قومٌ يقولون فيه: عبدُ الله بنُ المغيرةِ بنِ أبي بُردة، وقومٌ يقولون: المغيرةُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي بُردة (٤).

стр. 8475

وأما تكبيرُه عليهم فاللهُ أعلمُ به. وجملةُ القولِ أن هذا حديثٌ لا يُحتَجُّ بمثلِه، فلا وجهَ للاشتغالِ بتخريجِ معانيه (١). وروَى مالكٌ (٢) عن يحيى بنِ سعيد؛ أنه بلَغَه عن عبد الله بن عبّاس؛ أنه قال: ما ظهَرَ الغُلولُ في قوم قطُّ إلّا ألقِيَ في قلوبهم الرُّعبُ، ولا فَشا الزِّنى في قوم قطُّ إلّا كثُرَ فيهم الموتُ، ولا نقَصَ قومٌ المِكْيال، والميزانَ إلّا قُطِعَ عنهمُ الرِّزْق، ولا حكمَ قومٌ بغير الحقِّ إلا فَشا فيهمُ الدّمُ، ولا ختَر قومٌ بالعهدِ إلّا سُلِّطَ عليهمُ العدوُّ. قال أبو عُمر: وهذا حديثٌ قد رويناه مُتّصلًا عن ابن عبّاس ومثلُه -والله أعلمُ- لا يكون رأيًا أبدًا. حدَّثنا محمدُ (٣) بنُ إبراهيمَ ومحمدُ بنُ عبدِ الله بن حكَم، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفضلُ بنُ الحُبابِ الجُمَحيُّ القاضي بالبصرة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثير وأبو الوليد جميعًا، عن شُعبةَ، قال: أخبَرني الحكمُ، عن الحَسَنِ بنِ مُسلم، عن ابنِ عبّاس قال: ما ظهَرَ البَغْيُ في قوم قطُّ إلّا ظهَرَ فيهم المَوتان، ولا ظهَرَ البَخْسُ في الميزانِ في قوم إلا ابتُلُوا بالسَّنَةِ، ولا ظهَرَ نقْضُ العَهْدِ في قوم إلا أدِيْلَ منهم عدوُّهُم (٤).

стр. 8476

حديثٌ موفي خمسينَ ليَحيى بنِ سعيدٍ يحيى بنُ سعيدٍ عن عَمْرِو بن شُعيبٍ حديثان مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا استسقَى قال: "اللهُمَّ اسْقِ عبادَكَ وبهيمَتكَ، وانشُرْ رحمتَكَ، وأحْيِ بلدَكَ الميِّتَ". هكذا رواه مالكٌ، عن يحيى، عن عَمْرِو بنِ شُعيب مُرْسلًا (٢)، وتابعه جماعةٌ على إرسالِه؛ منهم المعتمرُ بنُ سُليمانَ وعبدُ العزيز بنُ مسلم القَسْمَليُّ، فرَوَوْه عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيبٍ مرسلًا (٣). ورواه جماعةٌ عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه مسندًا؛ منهم حفصُ بنُ غِياث، والثوريُّ، وعبدُ الرَّحيم بنُ سُليمان (٤)، وسلّامٌ أبو المنذر. فأما حديثُ الثوريِّ، فذكَره أبو داود، قال (٥): حدَّثنا سَهْلُ بنُ صالح،

стр. 8477

قال: حدَّثنا عليُّ بنُ قادم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا استسقَى يقول. فذكَر مثلَ لفظ حديثِ مالكٍ سواء. وذكَر العُقَيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى العسكريُّ، قال: حدَّثنا سَهْلُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غياث، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا استسقَى قال: "اللهمَّ اسْقِ عبادَكَ، وأحْيِ بلدَكَ الميِّتَ، وانشُرْ رحمتَكَ" (١). وأحسنُ شيءٍ رُوِي في الدُّعاءِ في الاستسقاءِ مرفوعًا ما أخبَرناه عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا ابنُ

стр. 8478

أبي خلف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد، قال: حدَّثنا مِسْعَر، عن يزيدَ الفقير (١)، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: أتى النبيَّ ﷺ بواكي، فقال: "اللهمَّ اسقِنا غيثًا مُغيثًا، مَريئًا مَريعًا (٢)، نافعًا غيرَ ضارّ، عاجلًا غيرَ آجِل". قال: فأطبقَتْ عليهم السماءُ. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الهيثم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الربيع، قال: حدَّثنا ابنُ إدريس، قال: حدَّثنا حُصَيْنٌ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابت، عن ابنِ عباس، قال: جاء أعرابيّ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، لقد جئتُك من عندِ قوم ما يَتزوَّدُ لهم راع، ولا يَخطِرُ لهم فحلٌ (٣). فصعِد المنبرَ فحمِد اللهَ ثم قال: "اللهمَّ اسقِنا غيثًا مُغيثًا، مَريعًا مَريئًا، طَبَقًا غَدَقًا، عاجلًا غيرَ رائث " (٤). ثم نزَل، فما يأتيه أحدٌ من وجهٍ من الوجُوهِ إلا قال: قد أُحْيينا (٥).

стр. 8479

وذكَر ابنُ أبي شيبة (١)، عن وَكيع، عن عيسى بنِ حفص، عن عطاءِ بنِ أبي مَروان، عن أبيه، قال: خرَجْنا مع عُمرَ بنِ الخطاب نَستسقي، فما زاد على الاستغفار. وعن وَكيع (٢)، عن سُفيان، عن مُطَرِّف، عن الشَّعبيِّ، أنَّ عُمرَ خرَج يَستسقي، فصعِد المنبرَ فقال: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، واستغفِرُوا ربَّكم إنه كان غفّارًا. ثم نزَل فقيل: يا أميرَ المؤمنين، لو استسقيتَ. فقالى: لقد طلَبتُ بمَجادِيح (٣) السماءِ التي يُستنزَلُ بها القَطرُ. ورَوَيْنا من وجوهٍ عن عُمرَ ﵀ أنه خرَج يَستسقي، وخرَجَ معه بالعباس، فقال: اللهمَّ إنا نتقرَّبُ إليك بعمِّ نبيِّك ونستشفعُ به، فاحفَظْ فيه نبيَّك كما حفِظتَ الغُلامين لصلاح أبيهما، وأتيناك مستغفِرينَ مستشفِعِينَ، ثم أقبَل على الناس فقال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْهَارًا﴾. ثم قال العباسُ، وعيناه تنْضَحان، فطال عمرَ (٤)، ثم قال: اللهمَّ أنتَ الراعي، لا تُهملِ الضالّة، ولا تَدَعِ الكسيرَ بدارِ مَضيعةٍ (٥)؛

стр. 8480

فقد ضرَع الصغيرُ، ورقَّ الكبيرُ، وارتفعتِ الشكوَى، وأنتَ تعلَمُ السرَّ وأخفَى؛ اللهمَّ فأغِثْهُم بغياثِك من قبل أن يَقنَطُوا فيهلِكُوا، فإنه لا ييأسُ من رَوْحِكَ إلا القومُ الكافرون. فنشأت طُرَيْرةٌ (١) من سَحَاب، فقال الناسُ، تَرَوْن، تَرَوْن؟! ثم تلاءَمتْ واستتمَّتْ وهبَّتْ فيها ريحٌ، ثم هرَّتْ ودرَّتْ، فوالله ما برِحُوا حتى اعتلَقوا الحِذاءَ وقلَّصوا المآزرَ، وطفِق الناسُ بالعباسِ يَمسَحُون أركانَه ويقولون: هنيئًا لك ساقيَ الحرمين (٢). وقد ذكَرنا كثيرًا من معاني هذا الباب في بابِ شَرِيكِ بنِ أبي نَمِرٍ (٣) من هذا الكتاب.

стр. 8481

حديثٌ حادٍ وخمسونَ ليَحيى بنِ سعيد مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، أنَّ رَجُلًا من بني مُدْلِج يقالُ له: قَتَادةُ حذَفَ ابنَه بالسّيفِ فأصابَ ساقَه، فنُزِيَ في جُرْحِه فمات، فقدِمَ سُراقةُ بنُ جُعْشُم على عُمرَ بنِ الخطابِ فذكرَ ذلك له، فقال له عُمرُ: اعْدُدْ على ماءِ قُدَيدٍ عشرينَ ومئة بعيرٍ حتى أقدَمَ عليك. فلمّا قدِمَ عليه عُمرُ، أخَذ من تلك الإبلِ ثلاثينَ حِقَّةً وثلاثينَ جَذَعةً وأربعين خَلِفَةً، ثم قال: أين أخُو المقْتُولِ؟ قال: ها أنا ذا. قال: خُذْها، فإنّ رسولَ الله ﷺ قال: "ليس لقاتلٍ شيءٌ". لم يُختلَفْ على مالكٍ في هذا الحديثِ وإرسالِه (٢). وقد رواه حَمّادُ بنُ سَلَمة (٣)، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، أنَّ عُمرَ بنَ الخطاب قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ليس لقاتلٍ شيءٌ". مختصرًا، وهذا منقطِعٌ كروايةِ مالكٍ سواءً. وقد رُوِيَ مسندًا من حديثِ عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ . وكذلك رُوِيَ قولُه ﷺ : "لا يُقادُ والدٌ بولدٍ". من حديثِ عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه (٤). ومن حديثِ عُمرَ بنِ الخطابِ أيضًا (٥)، ومن حديثِ ابنِ عباس (٦). وهو حديث مشهورٌ عندَ أهلِ الحجازِ والعراق، مُستفِيضٌ عندَهم،

стр. 8482

يُسْتَغْنَى بشُهْرَتِه وقَبُولِه والعملِ به عن الإسنادِ فيه، حتى يكادَ أن يكونَ الإسنادُ في مثلِه لشهرتِه تكلُّفًا. أما قوله: "حذَفَ ابنَه بالسيف" فمعناه: رماه فقطَعهُ، والحذفُ الرَّميُ والقطعُ بالسيفِ أو العصا، ومَن رواه بالخاءِ المنقوطةِ فقد صحَّف؛ لأنَّ الخذفَ -بالخاء- إنما هو الرَّميُ بالحَصَى أو النَّوَى. وحديثُ هذا الباب ليس فيه تصريحٌ بطرح القَوَدِ بينَ الأب وابنِه إذا قتَله، ولكنه فيه دليلٌ على ذلك؛ لأنَّ عُمرَ إنما أمَر فيه بالدِّيةِ المغلَّظةِ لطَرْحِ القَوَد، وهذا ما لا إشكالَ فيه إن شاء الله. وقد اختلَف الفقهاءُ في ذلك بعضَ الاختلاف؛ فرُوِيَ عن مالكٍ أنه قال: يُقتَلُ الوالدُ بولدِه إذا قتلَه عَمدًا. وهو قولُ عثمانَ البَتِّيِّ. ودفَع مَن ذهَب هذا المذهبَ ما رُوِيَ من الأثرِ في ذلك؛ لأنها كلَّها معلولةُ الأسانيد، والمشهورُ من مذهبِ مالكٍ عندَ أصحابِه أنَّ الرجلَ إذا ذبَحَ ولدَه أو عَمِل به عَمَلًا لا يُشَكُّ في أنه عمَد إلى قَتْلِه دونَ أدب، فإنه يُقادُ به، وإن حذَفه بسيفٍ أو عصًا لم يُقتَلْ به (١). وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفة، والأوزاعيُّ: لا يُقادُ والدٌ بولدِه على حال، وكذلك الجدُّ لا يُقادُ بابنِ ابنِه. وقال الحَسَنُ بنُ حيٍّ: يُقادُ الجدُّ بابنِ الابن، ولا يُقادُ الأبُ بابنِه. وكان يُجيزُ شهادةَ الجدِّ لابنِ ابنِه، ولا يُجيزُ شهادةَ الأبِ لابنِه (٢). وفي هذا الحديث أيضًا تغليظُ الدِّلة على الأبِ في قتلِه ابنَه؛ لأنَّ عُمرَ غلَّظها على قتادةَ المُدْلِجيِّ في قتلِه ابنَه، وقد يَحتمِلُ أن يكونَ قَتلَه عمدًا، ويَحتمِلُ أن يكونَ شِبهَ عمدٍ على مذهبِ مَن أثبَت شِبهَ العَمد.

стр. 8483

وقد ذكَرنا حُكمَ الدِّياتِ في العمْدِ وشبهِه وفي الخطأ، وما يُغلَّظُ منها وما لا يُغَلَّظُ، وكيف الحكمُ فيها، ممهَّدًا مبسوطًا في بابِ عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ من هذا الكتاب (١)، والحمدُ لله. ولم يُدخِلْ مالكٌ هذا الحديثَ في باب الدِّيات، وإنما أدخَلَه في باب ميراثِ العَقل؛ فإن كان قتلُ قتادةَ المُدلِجيِّ ابنَه خطأ، بأن يكونَ أراد غيرَه وأصابه، فالدِّيةُ في ذلك على عاقلتِه، وإن كان أراده فليس الحذفُ بالسيفِ من شأنِ القتلِ به، ولا خلافَ بينَ العلماءِ أن مَن قصَد إلى غيرِه بحديدةٍ يَقتُلُ مثلُها أنه عمدٌ صحيح فيه القوَدُ، إلا أن يكونَ القاتلُ أبًا فإنهم اختلَفوا فيه، وقد حكَم مالكٌ في حذفِ الرجلِ ابنَه بالسيفِ بغيرِ حكم الأجنبيِّ في ذلك؛ لأنَّ ذلك من الأجنبيِّ عندَه عمدٌ يجبُ فيه القوَدُ، لأنه لا يَعرِفُ شبهَ العمدِ ويُنكِرُه. وقد ذكَرنا وجهَ العمدِ والخطأ، ووجهَ شبهِ العمدِ في القتل، في كتاب "الأجوبة عن المسائل المستغرَبة" (٢)، وجرَى من ذلك ذكر كافٍ في بابِ ابنِ شهاب عن سعيدِ بنِ المسيِّب. وأما قولُ عُمرَ في هذا الحديثِ لسُراقةَ بنِ جُعْشُم: اعْدُدْ على ماءِ قُدَيدٍ عشرين ومئةَ بعير. فإنه أراد أن يأخُذَ منها ثلاثين حِقَّةً وثلاثين جَذَعةً وأربعين خَلِفَةً حوامل، يَختارُ ذلك في المئةِ والعشرين. وهذا بيِّن في الحديث، وهكذا التَّغليظُ على الأب في دِيةِ الإبل. وأما تغليظُها في الذَّهبِ أو الوَرِقِ على أهلِها، فإنه يُنظَرُ إلى قيمةِ أسنانِ الدِّيةِ غيرِ مغلَّظةٍ فتُعْرَفُ، ثم يُنظَرُ إلى قيمةِ أسنانٍ التغليظ، ثم يُحكَمُ بزيادةِ ما بينَهما؛ فإن كان قيمةُ الأسنانِ في الخطأ سِتَّ مئةٍ، وقيمةُ المغلظةِ ثمانِ مئةٍ، فبينَ

стр. 8484

القيمتَين مئتانِ، وذلك ثُلُثُ دِيةِ الخطأ، فيُزادُ على أهلِ الوَرِقِ أو الذهبِ ثُلُثُ الدِّيةِ أو أقلُّ أو أكثرُ، على حَسِبِ ما بينَ القيمتَين. وتكونُ الدِّيةُ المغلَّظةُ على الأبِ في مالِه. هذا مذهبُ مالكٍ وأصحابِه وعامةِ العلماء. ومعنى قولِ عُمرَ عندَهم لسُراقةَ المدلجيِّ: "اعْدُدْ على ماءِ قُدَيدٍ كذا وكذا" قال له ذلك؛ لأنه كان المخاطَبَ بذلك لوَجاهَتِه في قومِه ومعرفةِ عُمرَ به؛ لأنه أحدُ الصحابة، وكان سيدَ بني مُدْلِج، فاستغنَى عُمرُ بمخاطبتِه عن مخاطبةِ الأب؛ لأنه كان الذي قدِم عليه بخبرِ قَتلِ قتادةَ المُدلجيِّ لابنِه، فلذلك توجَّه الخبرُ إليه، لا أنَّ ذلك على (١) عاقلةِ قتادة. هذا قولُ مَن جعَل الدِّيةَ في قتلِ الأبِ ابنَه في مالِ الأب، ومَن جعَلها على عاقِلَتِه يَجعَلُ الخطابَ لسُراقةَ؛ لأنه وَجْهُ قومِه الذين يَعقِلُون عنه، وهو يجمَعُها فيهم. وذكَر ابنُ وَهْب (٢) في "موطئِه"، وقد تقدَّم إسنادُه، قال: أخبَرني حفصُ بنُ مَيْسرة، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ حَرملةَ الأسلميَّ حدَّثه، قال: حدَّثني غيرُ واحد، أنَّ عَديًّا الجُذاميَّ كان له امرأتان فاقْتتَلتا، فرَمَت إحداهما الأخرى فماتت منها، فذكَر ذلك لرسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "اعقِلْها ولا تَرِثْها". ومذهبُ مالكٍ أن الدِّيةَ تُغلَّظُ على الأبِ في قتلِ ابنِه، ولا تغلَّظُ عندَه على أحدٍ الدِّيةُ إلا على الأبِ أو الجدِّ في قتلِ ابنِه أو ابنِ ابنِه، والأمُّ في هذا مثلُ الأب، وتُغلَّظُ عندَه الدِّيةُ في الإبلِ وفي الذهبِ والوَرِق، وتُغلَّظُ في النفسِ وفي الأعضاء، وقد ذكَرنا مذهبَه ومذهبَ غيرِه في الدياتِ المغلظاتِ فيما سلَف من هذا الكتاب (٣)، والحمدُ لله، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهنا.

стр. 8485

والحجَّةُ لمذهبِ مالكٍ في قتلِ الأبِ بابنِه ظاهرُ قولِ الله : ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]. و ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. ولم يَخصَّ أبًا من غيرِه، وقوله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) [البقرة: ١٧٩]. وحجةُ مَن لم يَرَ قَتْله بابنِه الآثارُ المَرْفوعةُ عن النبي ﷺ في ذلك. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح المقرئ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ محمدُ بنُ جعفرِ بنِ أحمدَ بنِ عُمرَ (٢) الناقدُ، يُعرَفُ بابنِ الكوفيِّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جابر، عن يعقوبَ بنِ عطاء، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يُقادُ والدٌ بولدٍ" (٣). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٤)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٥):

стр. 8486

حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن الحجاج بنُ أرطاة، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن عُمرَ بنِ الخطاب، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يُقتَلُ الوالدُ بالولدِ". ورواه ابنُ لَهيعة، عن عَمْرِو بنِ شُعَيب، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، قال عُمر: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ . فذكَره مثلَه (١) سواءً (٢). وقد رُوِيَ هذا الخبرُ عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن سُراقة، عن النبيِّ ﷺ : حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ بنِ صالح الحَلَبيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجبارِ الصُّوفيُّ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بنُ خارجة، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عياش، عن المثنّى بنِ الصبّاح، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن سُراقةَ بنِ مالك، عن النبيِّ ﷺ أنه كان لا يُقيدُ الأبَ من ابنِه، ولا يُقيدُ الابنَ من أبيه (٣).

стр. 8487

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهْم. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ بنِ مِهْران، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قالا جميعًا: حدَّثنا عبدُ الوهّاب بنُ عطاءٍ الخفّافُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مُسلم، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن طاووس، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تُقامُ الحدودُ في المساجد، ولا يُقادُ بالولدِ الوالدُ" (١). وليس في حديثِ خلفِ بنِ القاسم عن طاووس سَقْطٌ، إن شاء الله، من الإسناد. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ بنِ مِهْرانَ السّرّاجُ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا خلّادُ بنُ يحيى المقرئ، عن قيسِ بنِ مسلم، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن طاووس، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تُقامُ الحدودُ في المساجد، ولا يُقادُ بالولدِ الوالدُ" (٢).
следующие страницы →