← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8483–8522 · переход к 8488.

стр. 8483

وقد ذكَرنا حُكمَ الدِّياتِ في العمْدِ وشبهِه وفي الخطأ، وما يُغلَّظُ منها وما لا يُغَلَّظُ، وكيف الحكمُ فيها، ممهَّدًا مبسوطًا في بابِ عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ من هذا الكتاب (١)، والحمدُ لله. ولم يُدخِلْ مالكٌ هذا الحديثَ في باب الدِّيات، وإنما أدخَلَه في باب ميراثِ العَقل؛ فإن كان قتلُ قتادةَ المُدلِجيِّ ابنَه خطأ، بأن يكونَ أراد غيرَه وأصابه، فالدِّيةُ في ذلك على عاقلتِه، وإن كان أراده فليس الحذفُ بالسيفِ من شأنِ القتلِ به، ولا خلافَ بينَ العلماءِ أن مَن قصَد إلى غيرِه بحديدةٍ يَقتُلُ مثلُها أنه عمدٌ صحيح فيه القوَدُ، إلا أن يكونَ القاتلُ أبًا فإنهم اختلَفوا فيه، وقد حكَم مالكٌ في حذفِ الرجلِ ابنَه بالسيفِ بغيرِ حكم الأجنبيِّ في ذلك؛ لأنَّ ذلك من الأجنبيِّ عندَه عمدٌ يجبُ فيه القوَدُ، لأنه لا يَعرِفُ شبهَ العمدِ ويُنكِرُه. وقد ذكَرنا وجهَ العمدِ والخطأ، ووجهَ شبهِ العمدِ في القتل، في كتاب "الأجوبة عن المسائل المستغرَبة" (٢)، وجرَى من ذلك ذكر كافٍ في بابِ ابنِ شهاب عن سعيدِ بنِ المسيِّب. وأما قولُ عُمرَ في هذا الحديثِ لسُراقةَ بنِ جُعْشُم: اعْدُدْ على ماءِ قُدَيدٍ عشرين ومئةَ بعير. فإنه أراد أن يأخُذَ منها ثلاثين حِقَّةً وثلاثين جَذَعةً وأربعين خَلِفَةً حوامل، يَختارُ ذلك في المئةِ والعشرين. وهذا بيِّن في الحديث، وهكذا التَّغليظُ على الأب في دِيةِ الإبل. وأما تغليظُها في الذَّهبِ أو الوَرِقِ على أهلِها، فإنه يُنظَرُ إلى قيمةِ أسنانِ الدِّيةِ غيرِ مغلَّظةٍ فتُعْرَفُ، ثم يُنظَرُ إلى قيمةِ أسنانٍ التغليظ، ثم يُحكَمُ بزيادةِ ما بينَهما؛ فإن كان قيمةُ الأسنانِ في الخطأ سِتَّ مئةٍ، وقيمةُ المغلظةِ ثمانِ مئةٍ، فبينَ

стр. 8484

القيمتَين مئتانِ، وذلك ثُلُثُ دِيةِ الخطأ، فيُزادُ على أهلِ الوَرِقِ أو الذهبِ ثُلُثُ الدِّيةِ أو أقلُّ أو أكثرُ، على حَسِبِ ما بينَ القيمتَين. وتكونُ الدِّيةُ المغلَّظةُ على الأبِ في مالِه. هذا مذهبُ مالكٍ وأصحابِه وعامةِ العلماء. ومعنى قولِ عُمرَ عندَهم لسُراقةَ المدلجيِّ: "اعْدُدْ على ماءِ قُدَيدٍ كذا وكذا" قال له ذلك؛ لأنه كان المخاطَبَ بذلك لوَجاهَتِه في قومِه ومعرفةِ عُمرَ به؛ لأنه أحدُ الصحابة، وكان سيدَ بني مُدْلِج، فاستغنَى عُمرُ بمخاطبتِه عن مخاطبةِ الأب؛ لأنه كان الذي قدِم عليه بخبرِ قَتلِ قتادةَ المُدلجيِّ لابنِه، فلذلك توجَّه الخبرُ إليه، لا أنَّ ذلك على (١) عاقلةِ قتادة. هذا قولُ مَن جعَل الدِّيةَ في قتلِ الأبِ ابنَه في مالِ الأب، ومَن جعَلها على عاقِلَتِه يَجعَلُ الخطابَ لسُراقةَ؛ لأنه وَجْهُ قومِه الذين يَعقِلُون عنه، وهو يجمَعُها فيهم. وذكَر ابنُ وَهْب (٢) في "موطئِه"، وقد تقدَّم إسنادُه، قال: أخبَرني حفصُ بنُ مَيْسرة، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ حَرملةَ الأسلميَّ حدَّثه، قال: حدَّثني غيرُ واحد، أنَّ عَديًّا الجُذاميَّ كان له امرأتان فاقْتتَلتا، فرَمَت إحداهما الأخرى فماتت منها، فذكَر ذلك لرسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "اعقِلْها ولا تَرِثْها". ومذهبُ مالكٍ أن الدِّيةَ تُغلَّظُ على الأبِ في قتلِ ابنِه، ولا تغلَّظُ عندَه على أحدٍ الدِّيةُ إلا على الأبِ أو الجدِّ في قتلِ ابنِه أو ابنِ ابنِه، والأمُّ في هذا مثلُ الأب، وتُغلَّظُ عندَه الدِّيةُ في الإبلِ وفي الذهبِ والوَرِق، وتُغلَّظُ في النفسِ وفي الأعضاء، وقد ذكَرنا مذهبَه ومذهبَ غيرِه في الدياتِ المغلظاتِ فيما سلَف من هذا الكتاب (٣)، والحمدُ لله، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهنا.

стр. 8485

والحجَّةُ لمذهبِ مالكٍ في قتلِ الأبِ بابنِه ظاهرُ قولِ الله : ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]. و ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. ولم يَخصَّ أبًا من غيرِه، وقوله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) [البقرة: ١٧٩]. وحجةُ مَن لم يَرَ قَتْله بابنِه الآثارُ المَرْفوعةُ عن النبي ﷺ في ذلك. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح المقرئ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ محمدُ بنُ جعفرِ بنِ أحمدَ بنِ عُمرَ (٢) الناقدُ، يُعرَفُ بابنِ الكوفيِّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جابر، عن يعقوبَ بنِ عطاء، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يُقادُ والدٌ بولدٍ" (٣). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٤)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٥):

стр. 8486

حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن الحجاج بنُ أرطاة، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن عُمرَ بنِ الخطاب، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يُقتَلُ الوالدُ بالولدِ". ورواه ابنُ لَهيعة، عن عَمْرِو بنِ شُعَيب، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، قال عُمر: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ . فذكَره مثلَه (١) سواءً (٢). وقد رُوِيَ هذا الخبرُ عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن سُراقة، عن النبيِّ ﷺ : حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ بنِ صالح الحَلَبيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجبارِ الصُّوفيُّ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بنُ خارجة، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عياش، عن المثنّى بنِ الصبّاح، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن سُراقةَ بنِ مالك، عن النبيِّ ﷺ أنه كان لا يُقيدُ الأبَ من ابنِه، ولا يُقيدُ الابنَ من أبيه (٣).

стр. 8487

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهْم. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ بنِ مِهْران، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قالا جميعًا: حدَّثنا عبدُ الوهّاب بنُ عطاءٍ الخفّافُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مُسلم، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن طاووس، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تُقامُ الحدودُ في المساجد، ولا يُقادُ بالولدِ الوالدُ" (١). وليس في حديثِ خلفِ بنِ القاسم عن طاووس سَقْطٌ، إن شاء الله، من الإسناد. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ بنِ مِهْرانَ السّرّاجُ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا خلّادُ بنُ يحيى المقرئ، عن قيسِ بنِ مسلم، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن طاووس، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تُقامُ الحدودُ في المساجد، ولا يُقادُ بالولدِ الوالدُ" (٢).

стр. 8488

قال أبو عُمر: استفاض عند أهلِ العلم قولُه ﷺ : "لا يقادُ بالولدِ الوالدُ". وقولُه: "لا وصيةَ لوارثٍ" (١). استفاضةً هي أقوى من الإسناد، والحمدُ لله. وأما منعُ القاتلِ عمدًا من الميراث، فإنها عقوبةُ لاستعجالِه إياه من غيرِ وجهِه، والمخطئُ عند مالكٍ ليس كذلك، لأنه لم يقصِدْ إلى القتل، وقد قال الله : ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. فجعَل ذلك كلَّه كفّارةً، ومَن كُفِّر عنه قالوا: فلا عقوبةَ عليه، واللهُ أعلم. فلهذا لم يُمنَعْ عند مالكٍ وجماعةٍ معه الميراث، إلّا أنه لا يرِثُ من الدَّيةِ عندَهم؛ لأنها محمولةٌ عنه، ويستحيلُ أن تُحمَلَ عنه إليه. وفي هذا الحديثِ أيضًا أنَّ القاتلَ لا يرِثُ ولا يَحجُبُ، ألا ترى أنَّ عُمرَ ردَّ إلى ابنِ قتادةَ المُدلِجيِّ ديةَ أخيه، ولم يعطِ الأبَ منها شيئًا، وقال لأخي المقتول: خُذْها، فإني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ليس لقاتلٍ شيءٌ". وأجمع العلماءُ على أنَّ القاتلَ عَمْدًا لا يرِثُ شيئًا من مالِ المقتول، ولا من دِيَته (٢)، رُوِيَ عن عُمرَ وعليٍّ أنَّ القاتلَ عَمْدًا لا خطأ لا يَرِثُ من المالِ ولا من الدِّيةِ شيئًا (٣)، ولا مخالفَ لهما من الصحابة. واختلَفوا في قاتلِ الخطأ؛ فقالت طائفة من أهل العلم: يرثُ قاتلُ الخطأ من المال، ولا يرثُ من الدِّية. وإلى هذا ذهَب مالك (٤). وقال آخرون: لا يرثُ قاتلُ الخطأ من المالِ ولا من الدِّية، كما لا يرِثُ قاتلُ العمد، لأنَّ الحديثَ عامٌّ في كلِّ قاتل. وإلى هذا ذهَب الشافعيُّ، وأبو حنيفة (٥). ومعنى هذا عند جماعةٍ من أهلِ النظرِ عقوبةً؛ لئلا يُتطرَّقَ إلى الميراثِ بالقتل.

стр. 8489

حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عياش، عن ابنِ جُريج، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسولُ لله ﷺ : "ليس للقاتلِ من الميراثِ شيءٌ" (٢). وروَى أبو خالدٍ الأحمرُ، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، أن قتادةَ -رجلًا من بني مُدْلج- قتَل ابنَه، فأخَذ عُمرُ منه مئة من الإبل، وقال: أين أخو المقتول؟ سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ليس لقاتل ميراث" (٣). أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا الخيّاشُ محمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أبو غسانَ مالكُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا يحيى بنُ سعيد، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، أنَّ عُمرَ قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ليس لقاتلٍ شيءٌ" (٤).

стр. 8490

قال يزيدُ بنُ هارون: وأخبَرنا ابنُ أبي ذِئْب، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ النبيَّ ﷺ قضَى ألّا يرِثَ قاتلٌ عَمْدًا من الدِّيةِ شيئًا (١). رواه إسحاقُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي فَرْوة، عن الزُّهريِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هُريرة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "القاتلُ لا يَرِثُ" (٢). وروَى أحمدُ بنُ حنبل، قال (٣): حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثني أبي، عن ابنِ إسحاق، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي نَجيح وعَمْرُو بنُ شُعيب، كلاهما حدَّثني عن مُجاهد، أنَّ عُمرَ بنَ الخطاب قال: سمِعتُ رسولُ الله ﷺ يقول: "ليس لقاتلٍ ميراث (٤) ". قال أحمدُ: وحدَّثنا عبدُ الرزاق (٥)، عن مَعْمر، عن رجلٍ سمِع عِكْرمة،

стр. 8491

عن ابنِ عباس قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من قتَل قتيلًا فإنه لا يَرِثُه، قال: وإن لم يكنْ له وارِثٌ غيرُه، وإن كان والدَه أو ولدَه، وليس لقاتلٍ ميراثٌ". روَى عبدُ الواحدِ بنُ زياد، عن الحجّاج، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رَجُلًا قتَل ابنَه فغرَّمه عُمرُ الديةَ مئةً من الإبل، ولم يورِّثْه من الدِّيةِ ولا من سائرِ ميراثِه شيئًا، وقال: لولا أني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يُقتَلُ والدٌ بولدٍ". لقتَلتُكَ (١). وروَى أبو بكر بنُ عَيّاش، عن مَطَرِّف، عن الشَّعْبيِّ، قال: قال عُمرُ: لا يرِثُ قاتلُ خطأ ولا عَمْد (٢). وروَى وَكيعٌ، عن الحسنِ بنِ صالح، عن ليث، عن أبي عَمْرٍو العبديِّ، عن عليٍّ، قال: لا يرِثُ القاتلُ من المالِ ولا من الدِّيةِ شيئًا (٣). وروَى ابنُ سيرين، عن عَبِيدة، قال: لم يُورِّثْ قاتلٌ بعد صاحبِ البقرة (٤).

стр. 8492

والشعبيُّ، عن عليٍّ، وعبدِ الله، وزيد، قالوا: لا يَرِثُ قاتلٌ عمدًا ولا خطأ شيئًا (١). وابن أبي ليلى، عن عليٍّ مثلَه. ومجاهدٌ، عن عُمرَ مثلَه (٢). وبهذا قال مجاهدٌ، وطاووسٌ، وجابرُ بنُ زيد، وشريحٌ، وابراهيمُ، وعُروةُ، والحكمُ بنُ عُتَيبة، وسُفيانُ الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والشافعيُّ، وزُفَرُ، وشَريكٌ، والحسنُ بنُ صالح، ووَكيعٌ، ويحيى بنُ آدم، كلُّ هؤلاء يقول: لا يرِثُ قاتلٌ عمْدًا ولا خطأً منَ المالِ ولا من الدِّيةِ شيئًا (٣). وقال سعيدُ بنُ المسيِّبِ وعطاءٌ والحسنُ والزُّهريُّ ومكحولٌ ومالكُ بنُ أنسٍ وابنُ أبي ذئبٍ والأوزاعيُّ وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ وأبو ثوْرٍ وداودُ: لا يرِثُ قاتلُ العمْدِ شيئًا، ويُوَرَّثُ قاتلُ الخطأ منَ المالِ ولا يرِثُ منَ الدِّيةِ شيئًا. وقالت طائفةٌ من البصريِّين: يرِثُ من مالِه ودِيتَه (٤) جميعًا. ورُوِيَ عن مجاهد: أنّ قاتِلَ الخطأ يرِثُ من المالِ دونَ الدِّية (٥).

стр. 8493

حديثٌ ثانٍ وخمسونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، عن ابنِ شهاب، أنَّ رسولَ الله ﷺ قامَ من الليل، فنظَر في أُفقِ السماءِ فقال: "ماذا فتَح اللهُ الليلةَ من الخزائن؟ وماذا وقَع من الفِتن؟ كمْ مِن كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ (٢) يومَ القيامة؟ أيقِظُوا صواحبَ الحُجَر". هكذا يَرْوي هذا الحديثَ مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيد، عن ابنِ شهاب، مرسلًا (٣). ورواه غيرُ مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن ابنِ شهاب، عن امرأةٍ من قريش. حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاخ (٤)، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال (٥): حدَّثنا عبدُ الله بنُ نمير، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ شهاب، عن امرأةٍ من قريش، أن النبيَّ ﷺ خرَج ذاتَ ليلة، فنظَر إلى أُفُقِ السماءِ فقال: "ماذا فتَح اللهُ من الخزائن؟ وما وقَع من الفتن؟ رُبَّ كاسيةٍ في الدُّنيا عاريةٍ يومَ القيامة، أيقِظُوا صَواحبَ الحُجَر". قال أبو عُمر: لم يُقِمْه يحيى بنُ سعيد، وإنما يَرويه ابنُ شهابٍ عن هندٍ بنتِ الحارث، عن أمِّ سَلَمة.

стр. 8494

أخبرناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن ﵀، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدانَ بنِ مالكٍ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال (١): حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال (٢): حدَّثنا معمر، عن الزُّهريِّ، عن هندٍ بنتِ الحارث، عن أمِّ سَلَمة، قالت: استيقَظ رسولُ الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ وهو يقول: "لا إلهَ إلا الله، ما فتَح اللهُ من الخزائن؟ لا إلهَ إلا الله، ما أنزَل اللهُ الليلةَ من الفِتنة؟ مَن يوقظُ صواحبَ الحُجَر؟ يا رُبَّ كاسياتٍ في الدنيا عارياتٍ في الآخرة". وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الترمذيُّ، قال: حدَّثني الحميديُّ، قال (٣): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عَمْرُو بنُ دينار، عن يحيى بنِ سعيد، عن الزُّهريِّ، عن أمِّ سَلَمة، قال سُفيان: وحدَّثنا معمر، عن الزُّهريِّ، عن هندٍ بنتِ الحارث، عن أمِّ سَلَمة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال ذاتَ ليلةٍ: "يا سبحانَ الله! ماذا نزَل من الفتن؟ وما فُتِح من الخزائن؟ فأيقِظُوا صواحباتِ الحُجَر، فرُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ (٤) يومَ القيامة". في هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام نُبوَّته ﷺ بخبرِه عن الغيب، وذلك أنه أخبَر بما كان بعدَه من الفتن، فكان كما قال ﷺ ، فتن كمواقع القَطْر، وكالليلِ المظلم.

стр. 8495

وكذلك قوله: "ماذا فتَح اللهُ الليلةَ من الخزائن؟ " يريدُ -واللهُ أعلم- من أرزاقِ العبادِ من خزائنِ الله التي لا تنفَدُ، يريدُ ما يفتَحُ اللهُ على هذه الأُمّةِ من ديارِ الكُفرِ والاتساع في المال، واللهُ أعلم. وهذا أيضًا من الغيبِ الذي لا يعلمُه إلا هو ومثلُه من الأنبياءِ والرسلِ صلواتُ الله عليهم. وأما قوله: "أيقظُوا صواحبَ الحُجَر". فـ "صواحبُ" جمع صاحبة، و"الحُجَرُ" هاهنا البيوتُ، أراد أزواجَه أن يُوقَظنَ للصلاةِ في تلك الليلة، رجاءَ برَكتِها، ولئلّا يكنّ من الغافلين فيها، وقد يجوزُ أن تكونَ ليلةَ القدر، ففيها يُفرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم، قيل: ما يكونُ في كلِّ عام. ويجوزُ أن تكونَ ليلةً غيرَها قضَى اللهُ فيها بقضائِه وأعلَمه رسولَه ﷺ ، وقد يجوزُ أن تكونَ لتلك الليلةِ أخوات مثلُها. وهذه أمورٌ لا يعلمُها إلا مَن أطلَعه اللهُ عليها ممّن ارتضى من رُسلِه صلواتُ الله عليهم. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أن لباسَ الخفيفِ الذي يَصِفُ ولا يستُرُ من الثيابِ لا يجوزُ للنساء، وكذلك ما وصَف العورةَ ولم يستُرْها من الرجال. وأما قولُه: "عاريةٍ يومَ القيامة" فيحتمِلُ أن يكونَ أراد ما يُحشَرُ الناسُ عليه يومَ القيامة، ويحتمِلُ أن يكون: عاريةٍ من الحسنات، واللهُ أعلم.

стр. 8496

حديثٌ ثالثٌ وخمسونَ ليَحْيى بن سعيدٍ أول مراسيل يحيى عن نفسه مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أن أبا قتادةَ الأنصاريّ قال لرسولِ الله ﷺ : إن لي جُمّةً، أفأُرجِّلُها؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "نعم وأكرِمْها". فكان أبو قتادةَ رُبَّما دهَنها في اليوم مرَّتين؛ لما قال رسولُ الله ﷺ : "وأكرِمْها". لا أعلمُ بينَ رُواة "الموطأ" اختلافًا في إسنادِ هذا الحديث، وهو عندَ جميعِهم هكذا مرسَل منقطع (٢). وقد رُوِيَ عن يحيى بن سعيد، عن محمدِ بنِ المُنكدر، عن أبي قَتادة. وهذا لا يَدفَعُ أن يكونَ مُسندًا، ولا يُنكَرُ سماعُ ابنِ المُنكدر من أبي قَتادة (٣). واللهُ أعلم.

стр. 8497

أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ ومحمدُ بنُ إبراهيم، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو بنِ عبدِ الخالق البزار، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بنُ ثابت، قال: حدَّثنا عُمرُ بنُ عليٍّ المقدَّميُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد الأنصاريُّ، عن محمّدِ بنِ المُنكدر، عن أبي قَتادة، قال: كانت لي جُمّة، وكنتُ أدهُنُها كلِّ يوم مرةً، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "أكرِمْ جُمَّتَك وأحسِنْ إليها". فكنتُ أدهُنُها كلَّ يوم مرَّتين. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الهيثم، قال: حدَّثنا ابنُ يُونس، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ إلياس، عن هشام بنِ عُروةَ ومُسلم بنِ يسار، عن عُروة، عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "أكرِموا الشَّعَرَ" (٢).

стр. 8498

حدَّثنا عبدُ الرحمن (١)، قال: حدَّثنا عليّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني مُسلمُ بنُ خالد، عن إسماعيلَ بنِ أُميّة: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يكرَهُ أن يَرى الشَّعَثَ (٢). قال ابنُ وَهْب: وأخبَرني ابنُ أبي الزِّناد، عن سُهيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن كان له، شَعَرٌ فليُكرِمْه" (٣). وقد رُوِيَ في هذا الباب حديثان، ظاهرُهما معارضٌ لهذا المعنى، وليس كذلك إن شاء الله.

стр. 8499

أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ، عن عبدِ الله بنِ مُغفل، قال: نهَى رسولُ الله ﷺ عن الترجُّل إلا غبًّا (١). أخبرنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد الصّائغ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، عن كَهْمَسِ بن الحَسَن، عن ابنِ بُريدة، عن رجل من أصحابِ النبيِّ ﷺ قال: كان رسولُ الله ﷺ ينهانا عن الإرفاه. قلنا لابن بُريدة: وما الإرفاهُ؟ قال: الترجُّلُ كلَّ يوم (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارث (٣)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا جعفرٌ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا عبّادٌ، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن عبدِ الله بنِ أبي أُمامة، عن ابنِ كَعْب بنِ مالك، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "البَذاذةُ من الإيمان، البَذاذةُ من الإيمان" (٤).

стр. 8500

وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد الصّائغ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حفص -هو ابنُ عائشة- قال: أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، قال: أخبرنا محمدُ بنُ إسحاق، عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف، عن عبدِ الله بنِ كَعْب، عن أبي أُمامةَ الباهلي، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ألَا تسمعون؟ ألَا تسمعون؟ ألَا تسمعون؟ ثلاثًا -ألا إنَّ البَذاذةَ من الإيمان". قال أبو سَلَمة: والبَذاذةُ الهيئةُ الرَّثَّةُ (١). قال أبو عُمر: اختُلِف في إسنادِ قوله: "البَذاذةُ من الإيمان". اختلافًا يسقُطُ معه الاحتجاجُ به، ولا يَصحُّ من جهةِ الإسناد. وقد روَى الثوريُّ، عن عاصم بنِ كُلَيب، عن أبيه، عن وائلِ بنِ حُجْر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال له في حديثٍ ذكَره: "لِمَ أخَذتَ من شَعَرِكَ؟ ". فقال له كلامًا معناه: ظَننتُ أنك تكرَهُه. قال: "لا، وهذا أحسنُ" (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٣): حدَّثنا أبو سُفيانَ السَّرُوجيُّ عبدُ الرحيم بنُ مُطَرِّف ابنُ عمِّ وَكيع بنِ الجراح،

стр. 8501

قال: حدَّثنا عَمْرُو بنُ محمدٍ العَنقَزِيُّ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن شِمْرِ بنِ عطية، عن خُرَيم بنِ فاتك، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أيُّ رجل أنت لولا خَلّتان فيك". قلتُ: يا رسولَ الله، وما هما؟ قال: "تُسبِلُ إزارَك وتُرخِي شَعرَكَ". قال: قلت: لا جَرَم. فجَزَّ خُريم شعَرَه، ورفَع إزارَه. قال أبو عُمر: وقد مَضَى شيءٌ من معنى هذا الباب في باب زيدِ بنِ أسْلَم (١)، عن عطاءِ بنِ يسارٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لرجُلٍ رآه ثائرَ الرأس واللِّحْية، ورآهُ قد رجّلَ شعْرَهُ "أليسَ هذا خيرًا من أنْ يأتي أحدُكُم ثائرَ الرأسِ كأنّه شيطانٌ؟ ". حدَّثنا عبدُ الرحمن (٢)، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سَحْنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني هشامُ بنُ سَعْد، عن زيدِ بنِ أسلم، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "نِعْمَ الجَمالُ الشعْرُ الحَسَنُ، يكسُوهُ اللهُ الرّجلَ المسلِمَ" (٣).

стр. 8502

حديثٌ رابعٌ وخمسونَ ليَحْيى بن سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى ينِ سعيد، أنَّه قال: دخَل أعرابيّ المسجدَ، فكشَفَ عن فَرْجِه ليَبُول، فصاحَ الناسُ به حتّى علا الصوتُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "اتركُوه". فترَكُوه، فبالَ، ثم أمَر رسولُ الله ﷺ بذَنُوبٍ من ماءٍ فصُبَّ على ذلك المكان. الذَّنوبُ: الدَّلوُ الكبيرةُ هاهُنا، وقد يكونُ الذَّنوبُ: الحَظُّ والنصيب، من قوله تعالى: ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]. هذا حديثٌ مرسلٌ في "الموطأ" عندَ جماعةِ الرواة (٢). وقد رُويَ مسندًا متّصلًا عن يحيى بنِ سعيد، عن أنس من وجوهٍ صِحاح، وهو محفوظٌ ثابتٌ من حديثِ أنس، ومن حديثِ أبي هُريرة (٣)، عن النبيِّ ﷺ ، فنذكُرُ هاهُنا حديثَ أنسٍ خاصّة؛ لأنه عنه رواه يحيى بنُ سعيد. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن -قراءةً منّي عليه- أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيد، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالك يقول: دخَل أعرابيّ المسجدَ ورسولُ الله ﷺ فيه، فأتى النبيَّ ﷺ فقضى حاجتَه، فلمّا قامَ بالَ في ناحيةِ المسجدِ فصاحَ به الناسُ، فكفَّهم رسولُ الله ﷺ حتى فرَغَ من بَوْلِه، ثم دعا بدَلْوٍ من ماءٍ فصبَّه على بَوْلِ الأعرابيّ (٤).

стр. 8503

وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (١)، قال: حدَّثنا نُعيمُ بنُ حَمّاد. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣): أخبَرنا سُويدُ بنُ نصر، قالا جميعًا: أخبَرنا عبدُ الله بنُ المبارك، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيد الأنصاريُّ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالك يقول: جاء أعرابيٌّ إلى المسجدِ فبال، فصاحَ به الناسُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "اترُكُوه". فترَكُوه حتى بالَ، ثم أمَر بدَلْوٍ فصُبَّ عليه. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٥): أخبرنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عَبِيدة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس قال: بال أعرابيٌّ في المسجد، فأمَر النبيُّ ﷺ بدَلوٍ من ماءٍ فصُبَّ عليه. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى، عن يحيى بنِ سعيدِ الأنصاريِّ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالك يقول: إن أعرابيًّا بالَ في المسجدِ فذهَب أصحابُ رسولِ الله ﷺ يَمنعُونَه، فقال: "دعُوه". ثم أمَر بماءٍ فصُبَّ عليه (٦).

стр. 8504

ورواه ثابتٌ البُنانيُّ، وإسحاقُ بنُ أبي طَلْحة، عن أنس، مثلَه. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (١): أخبرنا قُتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن ثابت، عن أنس، أنَّ أعرابيًّا بال في المسجد، فقام إليه بعضُ القوم، فقال رسولُ الله ﷺ : "دعُوه، لا تُزْرِمُوه". فلمّا فرَغَ دعا بدَلو فصَبَّه عليه. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف (٢)، قال: حدَّثنا البُخاريُّ، قال (٣): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورّاق، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داود، قال: حدَّثنا أبو بكر الأثرم، قال: حدَّثنا مُسلمُ بنُ إبراهيم، قالا جميعًا: حدَّثنا همّامٌ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ أعرابيًّا آتَى المسجدَ فبال فيه، فسكَت عنه النبيُّ ﷺ ثم دعا بماءٍ فصبَّه عليه. ورواه أبو هُريرةَ عن النبيِّ ﷺ من حديثِ الزُّهريّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هُريرة، وعن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن أبي هُريرة (٤).

стр. 8505

وهذا الحديثُ أصحُّ حديث يُروَى عن النبيِّ ﷺ في الماء، وهو ينفي التحديدَ في مقدارِ الماءِ الذي تلحقُه النجاسة، ويقضي أنَّ الماءَ طاهرٌ مطهَّر لكلِّ ما غلَب عليه، وأنَّ كلَّ ما مازَجه من النَّجاساتِ وخالَطه من الأقْذارِ لا يُفسِدُه إلّا أن يظهرَ ذلك فيه أويغلِبَ عليه، فإن كان الماءُ غالبًا مستهلكًا للنَّجاساتِ فهو مطهِّر لها وهي غيرُ مؤثِّرةٍ فيه، وسواءٌ في ذلك قليلُ الماءِ وكثيرُه. هذا ما يُوجبُه هذا الحديثُ وإليه ذهَب جماعةٌ من أهل المدينة، منهم سعيدُ بنُ المسيِّب، وابنُ شهاب، وربيعةُ، وهو مذهبُ المدنيين من أصحاب مالكٍ ومَن قال بقولهم من البغداديين، وهو مذهبُ فقهاءِ البصرة، وإليه ذهَب داودُ بنُ عليّ، وهو أصحُّ مذهب في الماء من جهةِ الأثرِ ومن جهةِ النظر؛ لأنَّ اللهَ قد سمَّى الماءَ المُطلقَ طَهُورًا، يريدُ طاهرًا مطهِّرًا فاعلًا في غيرِه، وقد بيَّنّا وجهَ ذلك في اللغة في باب إسحاق (١). وقال ﷺ : "الماءُ لا يُنجِّسُه شيءٌ" (٢)؛ يعني: إلا ما غلَب عليه فغيَّرَه؛ يريدُ في طعم، أو لون (٣)، أو ريح. وقد أوضَحنا هذا المعنى وذكَرنا فيه اختلافَ العلماء، وبيَّنا موضعَ الاختيارِ عندَنا في ذلك مُمهَّدًا مبسوطًا في باب إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ من هذا الكتاب، فلا معنَى لتكرير ذلك هاهُنا، والحمدُ لله. وهذا الحديثُ ينقُضُ على أصحابِ الشافعيِّ ما أصَّلُوه في الفَرْق بينَ وُرودِ النجاسةِ على الماءِ وبينَ وُرودِه عليها؛ لأنهم يقولون: إن وُرودَ الماءِ في الأرض على النجاسة، أو في مُستنقع مثل الإناءِ وشِبْهِه، أنَّه لا يُطهِّرُه حتى يكونَ الماءُ قُلَّتين. وقد علِمنا أنَّ الذَّنوبَ الذي صبَّه رسولُ الله ﷺ على بَوْلِ الأعرابيِّ لم يَعتبرْ فيه

стр. 8506

قُلَّتين، ولو كان في الماءِ مقدار يُراعَى لاعتُبِر ذلك في الصبِّ على بولِ الأعرابيّ، ومعلوم أن ذلك الذَّنوبَ ليس بمقدارِ القُلَّتينِ الذي جعَله الشافعيُّ (١) حدًّا، واللّهُ أعلم. ومن أصحابِ الشافعيِّ مَن فرَّق بين وُرودِ الماءِ على النجاساتِ وبينَ ورودِها عليه، فاعتبَر مقدارَ القُلَّتينِ في وُرودِ النجاسةِ على الماء، ولم يَعتبرْ ذلك في ورودِ الماء عليها بحديثِ أبي هُريرةَ عن النبيِّ ﷺ في غَسلِ اليدِ لمن استيقَظ من نومِه قبلَ أن يُدخِلَها في الإناء (٢)، وقد أوضَحنا هذا المعنى في باب أبي الزِّناد، والحمدُ لله. وأما الحديثُ الذي ذهَب إليه الشافعيُّ في هذا الباب -حديثُ القُلَّتين (٣) - فإنه حديث يدورُ على محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبير، وهو شيخٌ ليس بحجَّةٍ فيما انفرَد به، رواه عنه محمدُ بنُ إسحاق، والوليدُ بنُ كثير، فبعضُهم يقولُ فيه: عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبير، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُمر، عن أبيه. وبعضُهم يقولُ فيه: عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبير، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُمرَ، عن أبيه. وقد رواه حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عاصم بنِ المنذر، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُمر، عن أبيه، وكلُّهم يرفعُه، وعاصمُ بنُ المنذر عندَهم ليِّن ليس بحجَّة. قال إسماعيلُ بنُ إسحاق: هذان شيخان -يعني محمدَ بنَ جعفرِ بنِ الزُّبير، وعاصمَ بنَ المنذر- لا يَحتمِلان التفرُّدَ بمثل هذا الحكم الجليل، ولا يكونان حجَّةً فيه.

стр. 8507

قال: ومقدارُ القُلَّتين غيرُ معلوم. قال: ومَن ذهَب إلى أنها قِلالُ هَجَرَ فمُحالٌ أن يسُنَّ رسولُ الله ﷺ لأهلِ المدينةِ سُنةً على قِلالِ هَجَرَ مع اختلافِهما. وأكثرَ من القول في ذلك. قال أبو عُمر: إذا لم يصحَّ حديثُ القُلَّتينِ في التحديدِ المفرِّقِ بينَ قليلِ الماءِ الذي تَلحقُه النجاسة، وبينَ الكثيرِ منه الذي لا تَلحقُه، إلا بأن يَغلِبَ عليه في ريحٍ أو لونٍ أو طعم، فلا وجهَ للفرقِ بينَ اليسيرِ من الماءِ والكثيرِ منه من جهةِ النظرِ إذا لم يَصِحَّ فيه أثر، وما رواه أهلُ المغرب عن مالكٍ في ذلك، فعلى وجهِ التَّنزُّهِ والاستحباب، واللهُ الموفّقُ للصواب، وما مضى في هذا المعنى في باب إسحاقَ وأبي الزِّناد كافٍ إن شاءَ الله (١).

стр. 8508

حديثٌ خامسٌ وخمسونَ ليَحْيى بن سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، قال: كان رسولُ الله ﷺ قد أرادَ أن يتّخِذَ خَشَبتَينِ يُضرَبُ بهما ليَجتمِعَ الناسُ للصَّلاة، فأُرِيَ عبدُ الله بنُ زيدٍ الأنصاريُّ، ثمَّ من بني الحارث بنِ الخزرج، خَشَبتَين في النوم، فقال: إن هاتَينِ لنحوٌ ممّا يريدُ رسولُ الله ﷺ . فقيل: ألا تُؤذِّنونَ للصلاة؟ فأتى رسولَ الله حينَ استيقَظ، فذكَر له ذلك، فأمَر رسولُ الله بالأذان. قال أبو عُمر: رَوَى عن النبيِّ في قصةِ عبدِ الله بن زيدٍ هذه في بدءِ الأذانِ جماعة من الصحابةِ بألفاظٍ مختلفةٍ ومعانٍ متقاربة، وكلُّها يتفِقُ على أن عبدَ الله بنَ زيدٍ أُرِيَ النداءَ في النوم، وأنَّ رسولَ الله أمَر به عندَ ذلك، وكان ذلك أولَ أمرِ الأذان، والأسانيدُ في ذلك متواترةٌ حِسانٌ ثابتة، ونحن نذكُرُ في هذا الباب أحسنَها إن شاء الله. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا عبّادُ بنُ موسى وزيادُ بنُ أيوب -وحديثُ عبّادٍ أتمُّ- قالا: حدَّثنا هُشَيم، عن أبي بِشْر -قال زياد: أخبرَنا أبو بِشْر- عن أبي عُميرِ بنِ أنس، عن عُمومةٍ له من الأنصار، قالوا: اهتمَّ النبيُّ ﷺ للصلاة؛ كيفَ يجمَعُ الناسَ لها؟

стр. 8509

فقيل له: انصِبْ رايةً عندَ حُضورِ الصلاة، فإذا رأوْها آذَن بعضُهم بعضًا. فلم يُعجِبْهُ ذلك. قال: فذُكِر له القُنع -يعني الشَّبُّور (١)، وقال زياد: شَبُّورَ اليهود- فلم يُعجِبْه ذلك. قال: "هو من أمرِ اليهود". فذُكِر له الناقوس، فقال: "هو من أمرِ النصارى". فانصرَف عبدُ الله بنُ زيدٍ وهو مُهتمّ بهَمِّ النبيِّ ﷺ ، فأُرِيَ الأذانَ في منامِه، قال: فغَدا على رسولِ الله فأخبَره فقال: يا رسولَ الله، إني ليسَ بنائم ولا يقظانَ إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان. قال: وكان عُمرُ بنُ الخطابِ قد رآه قبلَ ذلك فكتَمه عشرينَ يومًا، ثم أخبَر النبيَّ ﷺ ، فقال: "ما منَعك أن تُخبِرَنا؟ ". فقال: سبَقني عبدُ الله بنُ زيدٍ فاسحْيَيتُ. فقال رسولُ الله ﷺ : "يا بلالُ، قُمْ فانظُرْ ما يأمُرُكَ به عبدُ الله بنُ زيدٍ فافعَلْه". قال: فأذَّن بلالٌ. قال أبو بِشْر: وأخبَرني أبو عُميرٍ أنَّ الأنصارَ تزعُمُ أنَّ عبدَ الله بنَ زيدٍ لولا أنَّه كان يومئذٍ مريضًا، لجعَله النبيُّ مؤذنًا. أخبرنا (٢) عبدُ الوارث بنُ سُفيان قراءةً منّي عليه، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا مطَّلبُ بنُ شعيب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبَرني سعيدُ بن المسيِّب عن النِّداءِ أن أولَ شيءٍ أُرِيَه في النوم رجل من الأنصار من بني الحارثِ بنِ الخزرج يقالُ له: عبدُ الله بنُ زيد. فقال عبدُ الله بنُ زيد: بينا أنا نائمٌ إذا رجلٌ يمشي وفي يدِه ناقوس، فقلت: يا عبدَ الله، أتبيعُ هذا الناقوس؟ فقال: ما تريدُ إليه؟ قال: فقلت: أريدُ أن أتخِذَه للنداءِ بالصلاة. قال: ألا أخبرُك بخيرٍ من ذلك؟ قال: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ،

стр. 8510

أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامتِ الصلاةُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا الله (١). قال ابنُ المسيِّب: فاستيقظ عبدُ الله بنُ زيد، فجمَع عليه ثيابَه، ثم أقبل حتى أتى رسولَ الله ﷺ بالذي رأى من ذلك. قال الليث: وحدَّثني يونسُ عن ابن شهاب، قال: قال سعيدُ بنُ المسيِّب: ورأى عُمرُ مثلَ ذلك فأقبَل بالذي رأى من ذلك، وكان أولُهما سبَق بالرؤيا إلى رسولِ الله ﷺ عبدَ الله بنَ زيد، فوجَد عُمرُ رسولَ الله ﷺ قد أمَر بالتأذين، فأمَر رسولُ الله ﷺ بلالًا فأذَّن بالأذان الأوّل، ثم بالإقامة. وذكَر البخاريُّ (٢) حديثَ خالدٍ الحذّاء، عن أبي قِلابة، عن أنس بن مالك، قال: لما كثُر الناسُ ذكَروا أن يعلَموا وقتَ الصلاةِ بشيءٍ يَعرفونَه، فذكَروا أن يُورُوا نارًا، أو يَضرِبوا ناقوسًا، فأُمِر بلالٌ أن يشفَعَ الأذانَ وأن يُوتِرَ الإقامة. وأخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرِ بنِ حَرْب، قال (٣): حدَّثني أبي، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سَعْد،

стр. 8511

قال: حدَّثني أبي، عن ابنِ إسحاق، قال: فذكَر محمدُ بنُ مُسلم الزُّهريُّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن عبدِ الله بنِ زيدِ بنِ عبدِ ربِّه، قال: لما أجمَع رسولُ الله ﷺ أن يَضرِبَ الناقوسَ يجمَعُ الناسَ للصلاة، وهو له كارهٌ لوافقةِ النصارى، طاف بي طائفٌ من الليل وأنا نائمٌ؛ رجلٌ عليه ثوبان أخضران، في يدِه ناقوسٌ يحمِلُه. قال: فقلت: يا عبدَ الله، تبيعُ الناقوس؟ قال: وما تصنَعُ به؟ قال: قلت: ندعُو به للصلاة. قال: أفلا أدُلُّك على خيرٍ من ذلك؟ قال: قلتُ: بلى. قال: تقول: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا الله. ثم استأخَر غيرَ بعيد، ثم قال: تقول إذا أُقيمتِ الصلاة: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا الله. قال: فلمّا أصبَحتُ أتيتُ رسولَ الله ﷺ فأخبَرتُه، فقال رسولُ الله ﷺ : "إن هذه الرُّؤيا حقٌّ إن شاءَ الله".

стр. 8512

قال: ثم أمَر بالتأذين، فكان بلالٌ مولى أبي بكر يُؤذِّنُ بذلك، ويدعُو رسولَ الله ﷺ إلى الصلاة. قال: فجاءَه ذاتَ غداةٍ إلى صلاةِ الفجرِ فقيل له: إنّ رسولَ الله ﷺ نائم. قال: فصرَخ بلالٌ بأعلى صوته: الصلاةُ خيرٌ من النوم. قال سعيدُ بنُ المسيِّب: فدخَلتْ هذه الكلمةُ في التأذين بصلاةِ الفجر. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسي، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سَعْد، قال: حدَّثني أبي، عن محمدِ بنِ إسحاق، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيميُّ، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ زيدِ بنِ عبد ربِّه، قال: حدَّثني أبي عبد الله بنُ زيد، قال: لمّا أمَر رسولُ الله ﷺ بالناقوس يُعمَلُ ليُضرَبَ به للناس

стр. 8513

لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائمٌ رجلٌ يحملُ ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبدَ الله، أتبيعُ الناقوس؟ فقال: يا عبد الله وما تصنَعُ به؟ فقلت: ندعُو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدُلُّك على ما هو خيرٌ من ذلك؟ فقلتُ له: بلى. قال: تقول: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا الله. ثم استأخَر عني غيرَ بعيد، ثم قال: تقول إذا أُقيمتِ الصلاة: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامتِ الصلاة، قد قامتِ الصلاة، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا الله. فلمّا أصبحْتُ أتيتُ رسولَ الله ﷺ فأخبرتُه بما رأيتُ، فقال: "إنها لَرُؤيا حقٍّ إن شاءَ الله، فقُمْ مع بلالٍ فألقِ عليه ما رأيتَ فليُؤذِّن به؛ فإنه أندَى صوتًا منك". قال: فقمتُ مع بلال، فجعَلتُ أُلقِيه عليه ويُؤذِّنُ به، قال: فسمِع عُمرُ بنُ الخطاب وهو في بيته، فخرَج يجُرُّ رداءَه، يقول: والذي بعَثك بالحقِّ يا رسولَ الله، لقد رأيتُ مثلَ ما أُرِيَ. فقال رسولُ الله ﷺ : "فللّهِ الحمدُ". قال أبو داود (١): وهكذا رواه سعيدُ بنُ المسيِّب، عن عبدِ الله بنِ زيد: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ. أربعَ مرّاتٍ كما قال فيه ابنُ إسحاقَ عن الزُّهريِّ. وقال فيه مَعْمَر ويونسُ عن الزُّهريِّ: اللهُ أكبر. مرَّتين. قال أبو عُمر: روايةُ مَعْمَر ويونسَ لهذا الحديث، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ كأنها مرسلَة، لم يذكُرَا فيها سماعًا لسعيدٍ من عبدِ الله بنِ زيد، وهي محمولة عندَنا على الاتصال.

стр. 8514

وروَى أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوب، عن إبراهيمَ بنِ سَعْد، عن ابنِ إسحاق، قال: حدَّثني هذا الحديثَ محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارث، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ زيدِ بنِ عبدِ ربِّه، عن أبيه عبدِ الله بن زيدٍ الذي أُرِيَ هذه الرؤيا، فذكَر فيه: اللهُ أكبر. مرَّتين، ثم ساق مثلَ حديثِ أبي داود سواء. حدَّثناه عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير (٢) وعُبيدُ بنُ عبد الواحد، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد بنِ أيوب، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد، عن ابن إسحاق. فذكَره. وذكَر عبدُ الرزاق (٣)، عن إبراهيمَ بنِ محمد، عن أبي جابرٍ البياضيِّ، عن سعيد، عن عبدِ الله بنِ زيدٍ أخي بني الحارثِ بنِ الخزرج، أنَّه بينما هو نائم، إذ رأى رجلًا معَه خَشَبتان، قال: فقلتُ له في المنامْ إنَّ النبيَّ ﷺ يريدُ أن يشتريَ هذين العمودَينِ يجعلُهما ناقوسًا يضرِبُ به للصَّلاة. قال: فالتفَت إليَّ صاحبُ العمودَين برأسِه فقال: أما أدُلُّكم على ما هو خيرٌ من هذا، فبلِّغْه رسولَ ﷺ ، وأْمُرْه بالتأذين. فاستيقَظ عبدُ الله بنُ زيد. قال: ورأى عُمرُ مثلَ ما رأى عبدُ الله بنُ زيد، فسبَقه عبدُ الله بنُ زيدٍ إلى النبيِّ ﷺ فأخبرَه بذلك، فقال له النبيُّ ﷺ : "قُمْ فأذِّنْ". فقال: يا رسولَ الله، إني فظيعُ الصوت. فقال له: "فعلِّمْ بلالًا ما رأيتَ". فعلَّمَه، فكان بلالٌ يُؤذِّن. قال أبو عُمر: لا أحفظُ ذكرَ الخشبتَين إلا في مُرسَلِ يحيى بن سعيدٍ وحديثِ أبي جابر البياضيّ، وهو متروكُ الحديثِ وكذلك إبراهيمُ بنُ محمد، فهذه الآثارُ كلُّها روايةُ أهل المدينةِ في بَدْءِ الأذان.

стр. 8515

وأما روايةُ أهل العراق في ذلك، فحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٢)، قالا: حدَّثنا عَمْرُو بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا شُعبةُ -بمعنًى واحدٍ واللفظُ لأبي داود- عن عَمْرو بنِ مُرَّة، قال: سمِعتُ ابنَ أبي ليلى، قال: أُحيلَتِ الصلاةُ ثلاثةَ أحوال؛ فحدَّثنا أصحابُنا أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لقد أعجَبَني أن تكونَ صلاةُ المسلمين -أو قال: المؤمنين-

стр. 8516

واحدة، حتى لقد هَممتُ أن أبُثَّ رجالًا في الدُّورِ فيُؤذِنون الناسَ لحين الصلاة، وحتى هممتُ أن آمُرَ رجالًا أن يقوموا على الآكام فينادون الناسَ لحين الصلاة". حتى نقَسُوا أو كادوا أن ينقسوا، فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسولَ الله، إني لمّا رجَعتُ البارحةَ ورأيتُ من اهتمامك، رأيتُ رجلًا قائمًا على جدارِ المسجد، عليه ثوبانِ أخضران، فأذَّن، ثم قعَد قَعدةً، ثم قام فقال مثلَها، غيرَ أنَّه قال: قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، ولولا أن تقولوا، لقلت: إنّي كنتُ يقظانًا غيرَ نائم. فقال رسولُ الله ﷺ : "لقد أراكَ الله خيرًا". فقال عُمر: أمَا إنّي رأيتُ مثلَ الذي رأى، غيرَ أنّي لّما سبِقتُ استحيَيْتُ. فقال رسولُ الله ﷺ : "مُرُوا بلالًا فليُؤذِّنْ". وحدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ مُعاويةَ وأبو بكر بنُ أبي شيبة (٢)، قالا: حدَّثنا وَكيعٌ، قال: حدَّثنا الأعْمَشُ، عن عَمْرِو بنِ مُرَّة، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، قال: حدَّثنا أصحابُ محمدٍ ﷺ ، أنَّ عبدَ الله بنَ زيدٍ رأى الأذانَ في المنام، فأتى النبيَّ فأخبرَه، فقال: "علِّمْه بلالًا". قال: فقام بلالٌ فأذَّنَ مثْنَى مثْنَى، وأقامَ مثْنَى، وقعَد قَعدةً. قال أبو عمر (٣): في حديثِ هذا البابِ لمالكٍ وغيرِه من سائرِ ما أورَدنا فيه منَ الآثار أوضحُ الدلائل على فضل الرؤيا، وأنها من الوحي والنبوَّة، وحَسْبُك بذلك فضْلًا لها وشرفًا، ولو لم تكنْ وحيًا من الله ما جعَلها شريعةً ومنهاجًا لدينِه. قال أبو عُمر: اختلَفتِ الآثارُ في صفةِ الأذان، وإن كانت متفقةً في أن أصلَ أمرِه كان عن رُؤيا عبدِ الله بنِ زيد، وقد رواهُ عُمرُ بنُ الخطاب أيضًا.

стр. 8517

وكذلك اختلَفتِ الآثارُ عن أبي مَحْذُورةَ إذ علَّمه رسولُ الله ﷺ الأذانَ بمكةَ عامَ حُنين مرجِعَه من غزاةِ حُنين، فرُوِيَ عنه فيه: اللهُ أكبرُ؛ في أوله أربعَ مرّات (١)، ورُوِيَ فيه ذلك مرَّتين، ورُوِيَ تثنيةُ الإقامة (٢)، ورُوِيَ فيه إفرادُها إلا قوله: قد قامتِ الصلاةُ. واختلَف الفقهاءُ في كيفيةِ الأذانِ والإقامة؛ فذهَب مالكٌ والشافعيُّ إلى أن الأذانَ مثْنَى مثْنَى، والإقامةَ مرَّةً مرَّةً، إلا أن الشافعيَّ (٣) يقول في أول الأذان: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ. أربعَ مرات، وزعَم أن ذلك محفوظٌ من روايةِ الثقاتِ الحُفّاظِ في حديثِ عبدِ الله بنِ زيدٍ وحديثِ أبي محذورة، وهي زيادةٌ يجبُ قَبولُها، والعملُ عندَهم بمكةَ في آلِ أبي محذورةَ بذلك إلى زمانِه. وذهَب مالكٌ وأصحابُه (٤) إلى أن التكبيرَ في أول الأذان: اللهُ اكبرُ اللهُ أكبرُ.

стр. 8518

مرَّتين. وقد رُوِيَ ذلك من وجوهٍ صحاح في أذانِ أبي محذورة، وفي أذانِ عبدِ الله بنِ زيد، والعملُ عندَهم بالمدينةِ على ذلك في آلِ سَعْدِ القَرَظِ إلى زمانهم. واتفَق مالكٌ والشافعيُّ على الترجيع في الأذان، وذلك أنَّه إذا قال: أشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهَدُ أن محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله. رجَّع فمدَّ صوتَه فقال: أشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله. مرَّتين، أشهَدُ أن محمدًا رسولُ الله. مرَّتين، ولا خلافَ بين مالكٍ والشافعيِّ في الأذانِ إلا في التكبير في أوله على ما وصَفْنا، وكذلك لا خلافَ بينهما في الإقامةِ إلا في قوله: قد قامتِ الصلاة. فإن ذلك عندَ الشافعيِّ يقالُ مرَّتين، وعندَ مالكٍ مرَّة، وأكثرُ الآثارِ على ما قال الشافعيُ في ذلك، وعليه أكثرُ الناس في قوله: قد قامتِ الصلاةُ. مرَّتين، ومذهبُ اللَّيثِ (١) في هذا الباب كلِّه كمذهب مالكٍ سواء. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثوريُّ والحَسَنُ بنُ حيٍّ (٢): الأذانُ والإقامةُ جميعًا مثْنَى مثْنَى، ويقولُ في أول أذانِه وإقامتِه: اللهُ أكبرُ. أربعَ مرّات. قالوا كلُّهم: ولا ترجيعَ في الأذان، وإنما يقول: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله. مرَّتين، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله. مرَّتين، ثم لا يُرجِّعُ ولا يمُدُّ صوتَه. وحُجَّتُهم حديثُ عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى المذكور، وفيه: فأذَّنَ مثْنَى، وأقام مثنَى. ولم يختلِفْ فقهاءُ الحجازِ والعراق في أنّ آخرَ الأذان: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ. مرَّتين، لا إلهَ إلا الله. مرَّةً واحدةً. واختلَفوا في التَّثويب لصلاةِ الصُّبح، وهو قولُ المؤذِّنِ في صلاةِ الصُّبح: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم. فقال مالكٌ والثوريُّ والليث (٣): يقول المؤذِّنُ في صلاةِ

стр. 8519

الصُّبح بعدَ قوله: حيَّ على الفلاح. مرَّتين: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم. مرَّتين. وهو قولُ الشافعيِّ بالعراق، وقال بمصر: لا يقولُ ذلك (١). وقال أبو حنيفة وأصحابُه: لا يقول: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم. في نفسِ الأذان، ويقولُه بعدَ الفراغ من الأذانِ إن شاء. وقد رُوِيَ عنهم أن ذلك جائزٌ في نفسِ الأذان، وعليه الناسُ في صلاةِ الفَجْر، وقد مضى في باب أبي الزِّناد (٢) في هذا ما فيه كفاية. قال أبو عُمر: رُوِيَ عن النبيِّ من حديثِ أبي محذورةَ أنَّه أمَره أن يقولَ في الأذانِ للصُّبح: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم. ورُوِيَ عنه أيضًا ذلك من حديثِ عبدِ الله بنِ زيد، ورُوِيَ عن أنس أنَّه قال: من السُّنّة أن يقولَ في الفَجْر: الصَّلاةُ خير من النَّوم (٣). ورُوِيَ عن ابنِ عُمرَ أنَّه كان يقوله (٤)، وهو قولُ الحَسَن، وابنِ سيرين، وابنِ المسيِّب، والزُّهري، وعامّةِ أهلِ المدينة، والثوريِّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور (٥).

стр. 8520

وأما اختلافُهم في الإقامة؛ فذهب مالكٌ والشافعيُّ (١) إلى أن الإقامةَ مُفردةٌ مرةً مرةً إلا قوله: اللهُ أكبر. في أولها فإنه مرَّتين، وفي اَخرِها كذلك مرَّتين مرَّتين. وقال الشافعيُّ (٢): وقد قامتِ الصلاةُ. مرَّتين، وفي آخرها: اللهُ أكبر. مرَّتين. وقال أبو حنيفةَ والثوريُّ: الإقامةُ والأذانُ سواءٌ مثْنَى مثْنَى (٣). وقال أبو بكر (٤) الأثرم: سمِعتُ أبا عبدِ الله يُسأل: إلى أيِّ أذانٍ تذهَبُ؟ فقال: إلى أذانِ بلال. رواه محمدُ بنُ إسحاق، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ زيد، عن أبيه. ثم وصَفَه أبو عبدِ الله؛ فكبَّرَ أربعًا، وتشهَّدَ مرَّتين مرَّتين ولم يُرجِّعْ. قال أبو عبد الله: والإقامة: اللهُ أكبرُ مرَّتين، وسائرُها مرَّتين مرَّتين، إلا قوله: قد قامتِ الصلاةُ. فإنها مرَّتين. قال: وسمِعتُ أبا عبدِ الله يقول: مَن أقام مثْنَى مثْنَى لم أُعنِّفْه، وليس به بأسٌ. قيل لأبي عبد الله: حديثُ أبي مَحْذورةَ صحيح؟ قال: أمّا أنا فلا أدفعُه. قيل له: أفليسَ حديثُ أبي محذورةَ بعدَ حديثِ عبدِ الله بنِ زيد؛ لأنَّ حديثَ أبي محذورةَ بعدَ فتح مكة؟ فقال: أليسَ قد رجَع النبيُّ ﷺ إلى المدينة، فأقرَّ بلالًا على أذانِ عبدِ الله بنِ زيد (٥)؟ قال أبو عُمر: بكلِّ ما قالوا قد رُويتِ الآثارُ عن النبيِّ ﷺ ، ولكنِّي كرِهتُ

стр. 8521

ذكرَها خشيةَ الإملالِ والإطالة؛ ولشُهرتها في كُتبِ المصنِّفين كسِلتُ عن إيرادِها مع طُولها، وقد جئتُ بمعانيها ومذاهب الفقهاءِ فيها، وبالله التوفيق. وذهب أحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُوْيَة، والطَّبَريُّ، وداودُ إلى إجار القولِ بكل ما رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ في ذلك، وحملوا ذلك على الإباحةِ والتخيير؛ قالوا: كلّ ذلك جائزٌ؛ لأنه قد ثبَت جميعُ ذلك عن النبيِّ ﷺ ، وعمل به أصحابُه بعدَه، فمَن شاء قال: اللهُ أكبرُ. في أول أذانِه مرَّتين، ومَن شاء أربعًا، ومَن شاء رجَّع في أذانِه، ومَن شاء لم يُرجِّعْ، ومَن شاء ثنَّى الإقامة، ومَن شاء أفرَدها إلا قولَه: قد قامتِ الصلاةُ، واللهُ أكبرُ، في أولها وآخرِها؛ فإن ذلك مرَّتين مرَّتين على كلِّ حال. واختلَف الفقهاءُ في المؤذِّنِ يؤذِّنُ فيقيمُ غيرُه؛ فذهَب مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابهما إلى أنَّه لا بأسَ بذلك؛ لحديث محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ زيد، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَره، إذ رأى النداءَ في النوم، أن يُلقيَه على بلال، فأذَّن بلال، ثم أمَر عبدَ الله بنَ زيدٍ فأقام. رواه أبو العُميس، عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عبد الله بن زيد، عن أبيه، عن جدِّه (١). وقال الثوريُّ، واللَّيثُ، والشافعيُّ (٢): مَن أذَّن فهو يُقيم؛ لحديثِ عبدِ الرحمن بنِ زيادَ بنِ أنعُم، عن زيادَ بنِ نُعيم، عن زيادِ بنِ الحارث الصُّدائيّ، قال: أتيتُ

стр. 8522

رسولَ الله ﷺ ، فلمّا كان أولُ الصُّبح أمَرني فأذَّنتُ، ثم قام إلى الصلاة، فجاء بلالٌ ليُقيم، فقال رسولُ الله ﷺ : "إن أخا صُداءٍ أذَّن، ومَن أذَّن فهو يُقيم" (١). قال أبو عُمر: عبدُ الرحمن بنُ زيادٍ هو الإفريقيُّ، وأكثرُهم يُضَعِّفونه، وليس يَروي هذا الحديثَ غيرُه، والحديثُ الأولُ أحسنُ إسنادًا إن شاء الله (٢)، والنظرُ يدُلُّ عليه؛ لأنَّ الأذانَ ليس مضمَّنًا بالإقامةِ لأنه غيرُها، وإن صحَّ حديثُ الإفريقي -فإن من أهل العلم مَن يُوثِّقُه ويُثني عليه- فالقولُ به أولى؛ لأنه نصٌّ في موضع الخلاف، وهو متأخِّرٌ عن قصةِ عبدِ الله بنِ زيدٍ مع بلال، والآخِرُ فالآخِرُ من أمرِ رسولِ الله ﷺ أوْلى أن يُتَّبع، ومع هذا فإنّي أستحِبُّ إذا كان المؤذِّنُ واحدًا راتبًا أن يتولَّى الإقامة، فإنْ أقامَها غيرُه فالصلاةُ ماضيةٌ بإجماع. والحمدُ لله. قال أبو عُمر: قد مَضَى في الإقامةِ من البيانِ ما فيه غِنًى وتبيانٌ في باب أبي الزِّناد (٣) وغيرِه والحمدُ لله، وذكرنا هاهُنا من الأذانِ ما في معنى حديثِنا؛ لأنه في بَدْءِ الأذان، وترَكْنا حديثَ أبي مَحْذورة؛ لأنه ليس في ابتداءِ الأذان، وفيه من الاختلافِ في صفتِه وكيفيتِه كالذي من ذلك في حديثِ عبدِ الله بن زَيْدٍ على ما ذكَرنا، والأحاديثُ في ذلك كلِّه حِسانٌ، وبالله التوفيقُ.
следующие страницы →