← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8518–8557 · переход к 8523.

стр. 8518

مرَّتين. وقد رُوِيَ ذلك من وجوهٍ صحاح في أذانِ أبي محذورة، وفي أذانِ عبدِ الله بنِ زيد، والعملُ عندَهم بالمدينةِ على ذلك في آلِ سَعْدِ القَرَظِ إلى زمانهم. واتفَق مالكٌ والشافعيُّ على الترجيع في الأذان، وذلك أنَّه إذا قال: أشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهَدُ أن محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله. رجَّع فمدَّ صوتَه فقال: أشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله. مرَّتين، أشهَدُ أن محمدًا رسولُ الله. مرَّتين، ولا خلافَ بين مالكٍ والشافعيِّ في الأذانِ إلا في التكبير في أوله على ما وصَفْنا، وكذلك لا خلافَ بينهما في الإقامةِ إلا في قوله: قد قامتِ الصلاة. فإن ذلك عندَ الشافعيِّ يقالُ مرَّتين، وعندَ مالكٍ مرَّة، وأكثرُ الآثارِ على ما قال الشافعيُ في ذلك، وعليه أكثرُ الناس في قوله: قد قامتِ الصلاةُ. مرَّتين، ومذهبُ اللَّيثِ (١) في هذا الباب كلِّه كمذهب مالكٍ سواء. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثوريُّ والحَسَنُ بنُ حيٍّ (٢): الأذانُ والإقامةُ جميعًا مثْنَى مثْنَى، ويقولُ في أول أذانِه وإقامتِه: اللهُ أكبرُ. أربعَ مرّات. قالوا كلُّهم: ولا ترجيعَ في الأذان، وإنما يقول: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله. مرَّتين، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله. مرَّتين، ثم لا يُرجِّعُ ولا يمُدُّ صوتَه. وحُجَّتُهم حديثُ عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى المذكور، وفيه: فأذَّنَ مثْنَى، وأقام مثنَى. ولم يختلِفْ فقهاءُ الحجازِ والعراق في أنّ آخرَ الأذان: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ. مرَّتين، لا إلهَ إلا الله. مرَّةً واحدةً. واختلَفوا في التَّثويب لصلاةِ الصُّبح، وهو قولُ المؤذِّنِ في صلاةِ الصُّبح: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم. فقال مالكٌ والثوريُّ والليث (٣): يقول المؤذِّنُ في صلاةِ

стр. 8519

الصُّبح بعدَ قوله: حيَّ على الفلاح. مرَّتين: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم. مرَّتين. وهو قولُ الشافعيِّ بالعراق، وقال بمصر: لا يقولُ ذلك (١). وقال أبو حنيفة وأصحابُه: لا يقول: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم. في نفسِ الأذان، ويقولُه بعدَ الفراغ من الأذانِ إن شاء. وقد رُوِيَ عنهم أن ذلك جائزٌ في نفسِ الأذان، وعليه الناسُ في صلاةِ الفَجْر، وقد مضى في باب أبي الزِّناد (٢) في هذا ما فيه كفاية. قال أبو عُمر: رُوِيَ عن النبيِّ من حديثِ أبي محذورةَ أنَّه أمَره أن يقولَ في الأذانِ للصُّبح: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم. ورُوِيَ عنه أيضًا ذلك من حديثِ عبدِ الله بنِ زيد، ورُوِيَ عن أنس أنَّه قال: من السُّنّة أن يقولَ في الفَجْر: الصَّلاةُ خير من النَّوم (٣). ورُوِيَ عن ابنِ عُمرَ أنَّه كان يقوله (٤)، وهو قولُ الحَسَن، وابنِ سيرين، وابنِ المسيِّب، والزُّهري، وعامّةِ أهلِ المدينة، والثوريِّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور (٥).

стр. 8520

وأما اختلافُهم في الإقامة؛ فذهب مالكٌ والشافعيُّ (١) إلى أن الإقامةَ مُفردةٌ مرةً مرةً إلا قوله: اللهُ أكبر. في أولها فإنه مرَّتين، وفي اَخرِها كذلك مرَّتين مرَّتين. وقال الشافعيُّ (٢): وقد قامتِ الصلاةُ. مرَّتين، وفي آخرها: اللهُ أكبر. مرَّتين. وقال أبو حنيفةَ والثوريُّ: الإقامةُ والأذانُ سواءٌ مثْنَى مثْنَى (٣). وقال أبو بكر (٤) الأثرم: سمِعتُ أبا عبدِ الله يُسأل: إلى أيِّ أذانٍ تذهَبُ؟ فقال: إلى أذانِ بلال. رواه محمدُ بنُ إسحاق، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ زيد، عن أبيه. ثم وصَفَه أبو عبدِ الله؛ فكبَّرَ أربعًا، وتشهَّدَ مرَّتين مرَّتين ولم يُرجِّعْ. قال أبو عبد الله: والإقامة: اللهُ أكبرُ مرَّتين، وسائرُها مرَّتين مرَّتين، إلا قوله: قد قامتِ الصلاةُ. فإنها مرَّتين. قال: وسمِعتُ أبا عبدِ الله يقول: مَن أقام مثْنَى مثْنَى لم أُعنِّفْه، وليس به بأسٌ. قيل لأبي عبد الله: حديثُ أبي مَحْذورةَ صحيح؟ قال: أمّا أنا فلا أدفعُه. قيل له: أفليسَ حديثُ أبي محذورةَ بعدَ حديثِ عبدِ الله بنِ زيد؛ لأنَّ حديثَ أبي محذورةَ بعدَ فتح مكة؟ فقال: أليسَ قد رجَع النبيُّ ﷺ إلى المدينة، فأقرَّ بلالًا على أذانِ عبدِ الله بنِ زيد (٥)؟ قال أبو عُمر: بكلِّ ما قالوا قد رُويتِ الآثارُ عن النبيِّ ﷺ ، ولكنِّي كرِهتُ

стр. 8521

ذكرَها خشيةَ الإملالِ والإطالة؛ ولشُهرتها في كُتبِ المصنِّفين كسِلتُ عن إيرادِها مع طُولها، وقد جئتُ بمعانيها ومذاهب الفقهاءِ فيها، وبالله التوفيق. وذهب أحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُوْيَة، والطَّبَريُّ، وداودُ إلى إجار القولِ بكل ما رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ في ذلك، وحملوا ذلك على الإباحةِ والتخيير؛ قالوا: كلّ ذلك جائزٌ؛ لأنه قد ثبَت جميعُ ذلك عن النبيِّ ﷺ ، وعمل به أصحابُه بعدَه، فمَن شاء قال: اللهُ أكبرُ. في أول أذانِه مرَّتين، ومَن شاء أربعًا، ومَن شاء رجَّع في أذانِه، ومَن شاء لم يُرجِّعْ، ومَن شاء ثنَّى الإقامة، ومَن شاء أفرَدها إلا قولَه: قد قامتِ الصلاةُ، واللهُ أكبرُ، في أولها وآخرِها؛ فإن ذلك مرَّتين مرَّتين على كلِّ حال. واختلَف الفقهاءُ في المؤذِّنِ يؤذِّنُ فيقيمُ غيرُه؛ فذهَب مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابهما إلى أنَّه لا بأسَ بذلك؛ لحديث محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ زيد، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَره، إذ رأى النداءَ في النوم، أن يُلقيَه على بلال، فأذَّن بلال، ثم أمَر عبدَ الله بنَ زيدٍ فأقام. رواه أبو العُميس، عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عبد الله بن زيد، عن أبيه، عن جدِّه (١). وقال الثوريُّ، واللَّيثُ، والشافعيُّ (٢): مَن أذَّن فهو يُقيم؛ لحديثِ عبدِ الرحمن بنِ زيادَ بنِ أنعُم، عن زيادَ بنِ نُعيم، عن زيادِ بنِ الحارث الصُّدائيّ، قال: أتيتُ

стр. 8522

رسولَ الله ﷺ ، فلمّا كان أولُ الصُّبح أمَرني فأذَّنتُ، ثم قام إلى الصلاة، فجاء بلالٌ ليُقيم، فقال رسولُ الله ﷺ : "إن أخا صُداءٍ أذَّن، ومَن أذَّن فهو يُقيم" (١). قال أبو عُمر: عبدُ الرحمن بنُ زيادٍ هو الإفريقيُّ، وأكثرُهم يُضَعِّفونه، وليس يَروي هذا الحديثَ غيرُه، والحديثُ الأولُ أحسنُ إسنادًا إن شاء الله (٢)، والنظرُ يدُلُّ عليه؛ لأنَّ الأذانَ ليس مضمَّنًا بالإقامةِ لأنه غيرُها، وإن صحَّ حديثُ الإفريقي -فإن من أهل العلم مَن يُوثِّقُه ويُثني عليه- فالقولُ به أولى؛ لأنه نصٌّ في موضع الخلاف، وهو متأخِّرٌ عن قصةِ عبدِ الله بنِ زيدٍ مع بلال، والآخِرُ فالآخِرُ من أمرِ رسولِ الله ﷺ أوْلى أن يُتَّبع، ومع هذا فإنّي أستحِبُّ إذا كان المؤذِّنُ واحدًا راتبًا أن يتولَّى الإقامة، فإنْ أقامَها غيرُه فالصلاةُ ماضيةٌ بإجماع. والحمدُ لله. قال أبو عُمر: قد مَضَى في الإقامةِ من البيانِ ما فيه غِنًى وتبيانٌ في باب أبي الزِّناد (٣) وغيرِه والحمدُ لله، وذكرنا هاهُنا من الأذانِ ما في معنى حديثِنا؛ لأنه في بَدْءِ الأذان، وترَكْنا حديثَ أبي مَحْذورة؛ لأنه ليس في ابتداءِ الأذان، وفيه من الاختلافِ في صفتِه وكيفيتِه كالذي من ذلك في حديثِ عبدِ الله بن زَيْدٍ على ما ذكَرنا، والأحاديثُ في ذلك كلِّه حِسانٌ، وبالله التوفيقُ.

стр. 8523

حديثٌ سادسٌ وخمسونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يَحيى بنِ سعيدٍ أنَّه بلَغَه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما على أحدِكُم لو اتّخذَ ثوبَينِ لجُمعَتِه سِوَى ثوبَيْ مهْنَتِه". هكذا رواه أكثرُ رُواةِ الموطّأ عن مالك (٢)، وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ عن يَحْيى بنِ سعيد، وربيعة بنُ أبي عبدِ الرَّحمن؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما على أحدِكُم أن يتَّخِذَ ثوبَينِ لجُمعَتِه سِوَى ثوبَيْ مَهْنَتِه". المَهْنَةُ الخِدْمةُ -بفَتْح الميم، قال الأصمعيُّ: ولا يُقال بالكَسْر، وأجازَ الكسائيُّ فيها الكَسْرَ مثل الخِدْمَةِ والجِلْسَةِ والرِّكْبَة (٣). ومعنى قوله: "ثَوبَيْ مَهْنَتِه" أي ثوبَيْ بذْلَتِه، يقال منه: امْتَهَنَني القومُ، أي: ابتذَلُوني. وهذا الحديثُ يتَّصِلُ من وُجُوهٍ حِسانٍ عن النبيِّ ﷺ من حديث عائشةَ وغيرِها: حدَّثني إسماعيلُ بنُ عبد الرحمن القُرشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العبّاسِ الحَلَبيُّ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الرَّحمن بنُ عُبيد الله ابنِ أخي الإمام، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجَوْهَريُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأمويُّ، عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريّ، عن عَمْرة، عن عائشةَ، قالت: إنَّ الناسَ كانوا عُمّالَ أنفُسِهم، وكانت ثيابُهم الأنمارُ، قالت: فكانوا يرُوحُونَ بهَيْئَتِهم كما هي، قالت:

стр. 8524

فقال رسولُ الله ﷺ : "لو اغتَسلْتُم، وما على أحدِكُم أن يتّخِذَ ليوم الجُمعةِ ثوبَينِ سِوَى ثوبَيْ مَهْنَتِه" (١). حدَّثني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمانَ بنِ السّكَن، قال: حدَّثنا يَحيى بنُ محمدِ بنِ صاعِد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خُزيمةَ البَصْريُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا حاتمُ بنُ عُبيدِ الله أبو عُبيدة، قال: حدَّثنا مهديُّ بنُ ميْمُون، عن هشامِ بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "ما على أحدِكُم أن يكونَ له ثوْبانِ سِوى ثوبَيْ مَهْنَتِه؛ لجُمعَتِه أو لعِيْدِه" (٢). وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السّكَن، قال: حدَّثنا ابنُ أبي داود، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ النّهْشَليُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ الصّلْت، قال:

стр. 8525

حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد، عن أبيه، عن جدِّه عليِّ بن الحُسين، عن ابن عبّاس، قال: كان رسولُ الله ﷺ يلْبَسُ في العِيْدَينِ بُرْدَ حِبَرة (١). وحدَّثني سعيدُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قالا: حدَّثنا مُسدَّدُ بنُ مُسَرْهَد، قال: حدَّثنا حفصُ بن غِياث، عن الحَجّاج، عن محمّد بن عليٍّ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَعْتَمُّ ويلْبَسُ بُرْدَهُ الأحمر في العِيْدَينِ والجُمُعة (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ سَلَمة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ صالح الورّاقُ الرازيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ القُدُّوس بنُ عبدِ الكبير، قال: حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الله الخُزاعيُّ، قال: حدَّثني عَنْبَسةُ بنُ عبد الرّحمن عن عبدِ الله بنِ الأسوَد، أو ابنِ أبي الأسْوَد، عن أنس قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا استَجدَّ ثوبًا لَبِسَه يومَ الجُمُعة (٣).

стр. 8526

قال أبو عُمر: هو عبدُ الله بنُ أبي الأسود بصريٌّ، يروي عن أنس، يروى عنه عَنْبَسةُ بنُ عبد الرحمن القرشيُّ، وعبدُ القدُّوس بنُ عبدِ الكبيرِ أيضًا بصريٌّ معروفٌ، روَى عنه يوسفُ بنُ موسى القطّان وغيرُه، وأمّا محمدُ بنُ عبدِ الله الخُزاعيُّ، فلا أعرفُه. أخبرنا يعيشُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سلّامٍ البغداديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حدَّثني أبي، قال: سمِعتُ يحيى بنُ أيوبَ يُحدِّثُ عن يزيدَ بنِ أبي حبيب، عن موسى بنِ سَعْد، عن يوسفَ بنِ عبدِ الله بنِ سلّام، عن عبدِ الله بنِ سلام، قال: قال نبيُّ الله ﷺ : "لا يضُرُّ أحدُكُم أن يتّخِذَ ثوبَيْنِ للجُمُعةِ سِوَى ثوبَيْ مَهْنَتِه" (١). قال أبو عُمر: قولُه: "ثوبَيْن" يريد قميصًا ورِداءً، أو جُبّةً ورِداءً. وحدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، وأحمدُ بنُ فَتْح، قالا: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ الحَسَنِ العطّارُ البَصْريُّ بالبَصْرة، قال: حدَّثنا هُدْبةُ بنُ

стр. 8527

خالد، حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمير، عن أبي الأحْوَص، عن أبيه، أنَّه أتى رسولَ الله ﷺ فرآه رسولُ الله ﷺ أشْعَثَ أغْبَرَ في هيئةِ أعرابيّ، فقال: "ما لكَ مِنَ المال؟ " قال: من كلِّ المالِ قد آتاني اللهُ، قال: "فإنّ اللهَ إذا أنعَمَ على عبدٍ نِعْمةً أحبَّ أن يَرى أثرَها عليه" (١). قال أبو عُمر: أبو الأحْوَص: عوفُ بنُ مالك، لأبيه صُحبة ورواية، وقد ذكَرناه في الصحابة (٢). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا شيخ لنا عن عبدِ الحميد بنِ جعفر، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن يوسفَ بنِ عبدِ الله بنِ سلّام، عن أبيه، قال: خطَبَنا رسولُ الله ﷺ يومَ جمُعةٍ فقال: "وما على أحدِكُم لو اشْتَرى ثوبَينِ لجُمْعَتِه سِوى ثَوبَيْ مَهْنَتِه" (٣). في هذا الحديث اتِّخاذُ الثِّيابِ واكْتِسابها والتجمُّلُ بها في الجُمعةِ وكذلكَ الأعياد؛ واللّه الموفِّقُ للصّواب.

стр. 8528

حديثٌ سابعٌ وخمسونَ ليَحْيى بن سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أن عائشةَ زوجَ النبيّ ﷺ قالت: إن كان رسولُ ال ﷺ لَيُخفِّفُ ركعَتَي الفَجْر، حتّى إنّي لأقول: أقرأ فيهما بـ"أمِّ القرآن" أم لا؟ هكذا هذا الحديثُ عندَ جماعةِ الرُّواة لـ "الموطأ" (٢)، وقد رواه ابنُ عُيينةَ وغيرُه، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن عَمْرة، عن عائشة. قرأتُ على أحمدَ بنِ عبدِ الله (٣)، أنَّ الميمونَ بنَ حمزةَ حدَّثهم بمصر، قال: حدَّثنا الطحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٤): حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيد، قال: أخبَرني محمدُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: سمِعتُ عَمْرةَ تُحدِّث عن عائشة قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُخفِّفُ الرَّكْعتين قبلَ الفَجْر حتى إنِّي لأقولُ: هل قرأ فيهما بأمِّ القُرآن؟

стр. 8529

وهكذا رواه أبو أُسامة، ويزيدُ بنُ هارون (١)، وزهيرُ بنُ مُعاوية (٢)، وغيرُهم (٣)، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن عَمْرة، عن عائشة. وهو حديثٌ ثابتٌ صحيح. وقد رُوِيَ عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حزم (٤). وفيه نظر. وقد رواه هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، ذكَره البزارُ عن محمدِ بنِ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ داود، وعبدُ الوهّاب الثقفيُّ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة. فذكَره (٥).

стр. 8530

وفيه من الفقه دليلٌ على أن قراءةَ أمِّ القرآن لا بدَّ منها في كلِّ صلاةِ نافلةٍ وغيرِها، وأنها تُجزئ مما سواها، وفي قول رسولِ الله ﷺ : "لا صلاةَ لمن لم يقرَأ فيها بفاتحةِ الكتاب، وكلُّ صلاةٍ لا يُقرَأ فيها بأُمِّ القرآن فهي خِداجٌ" (١). ما يُغني عن الاستدلالِ بما ذكَرنا، والحمدُ لله. وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان يقرأُ في ركعتي الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ هو من حديث عائشةَ وحديثِ ابنِ عُمرَ وحديثِ أبي هُريرةَ وحديثِ ابنِ مسعود، وكلُّها صِحاحٌ ثابتة، لكنَّ المعنى فيها أنَّ ذلك كان مع أمِّ القرآن؛ بدليل ما ذكَرنا من قوله ﷺ : "لا صلاةَ لمن لم يقرَأ فيها بفاتحةِ الكتاب" و: "هي خِداجٌ". ولا حُجَّةَ في ذلك لمن ذهَب إلى أنَّ أُمَّ القرآنِ وغيرَها سواءٌ؛ لأنَّ حديثَه في: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مُرتَّبٌ على ما ذكَرنا، وهذا بيِّنٌ لمن أُلهِمَ رُشْدَه. أخبرنا سعيدُ بنُ سيد (٢) وعبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف وخلفُ بنُ سعيد، قالوا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عليّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد (٣)، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا عَوْنُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زياد، قال: حدَّثنا سُفيان، عن هشام بنِ حَسّان، عن ابنِ سيرين، عن عائشةَ،

стр. 8531

قالت: صلَّى رسولُ الله ﷺ الركعتين قبلَ صلاةِ الفجر فقرَأ فيهما (١): ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. قال أحمدُ بنُ خالد: بهذا آخُذُ. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بنُ أحمد، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داود، قال: حدَّثنا الأثرمُ، قال: حدَّثنا قَبيصةُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن هشام بنِ حَسّان، عن ابنِ سيرين، عن عائشة قالت: كان رسولُ الله ﷺ يقرأُ في الرَّكْعتين قبلَ الفَجْرِ بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣). فيُسِرُّ القراءةَ فيهما. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٤)، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٥): حدَّثنا عبدُ الله بنُ إدريس، عن هشام، عن ابنِ سيرين، عن عائشة، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقرأُ في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. يُسِرُّ فيهما القراءة. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٦)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال:

стр. 8532

حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو الأحْوَص، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن مُجاهد، عن ابنِ عُمرَ، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ أكثرَ من عشرينَ مرّةً يقرأ في الرَّكْعتين بعدَ المغرب والرَّكْعتين قبلَ الفَجْر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١). حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ الخَصيب القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ نَصْرِ بنِ منصور أبو جعفرٍ الصائغ. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٣). وحدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الرحمن وسعيدُ بنُ نَصْر، قالا: حدَّثنا ابنُ أبي دُليم، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ

стр. 8533

الحَسَن بنِ عبدِ الجبّار الصوفيّ، قالوا كلُّهم: حدَّثنا يحيى بنُ مَعِين، قال: حدَّثنا مروانُ بنُ مُعاوية، قال: أخبرنا يزيدُ بنُ كَيسان، عن أبي حازم، عن أبي هُريرة، أنَّ النبيَّ ﷺ قرأ في رَكْعتي الفَجْر وقال بعضُهم كان يقرأُ في رَكْعتي الفَجْر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و: ﴿قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدٌ﴾. وحدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بنُ أبي مَسَرَّة، قال: حدَّثنا بَدَلُ بنُ المُحبَّر، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ الوليدِ بنِ مَعدانَ الضُّبَعيُّ، عن عاصم بنِ بَهْدَلة، عن زِرِّ وأبي وائل، عن عبدِ الله، قال: ما أُحصِي ما سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأُ في رَكْعتي المغرب ورَكْعتى الفَجْر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و: ﴿قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢). قال أبو عُمر: إنما قراءتُه لهاتين السُّورتين في رَكْعتي الفَجْر كقراءتِه فيهما الآيةَ من "البقرة"، والآية من "آل عمران"، وذلك كلُّه مع "أمِّ القرآن". واللّهُ أعلم.

стр. 8534

وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ يونس، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بنُ حكيم، قال: أخبرني سعيدُ بنُ يسار، عن عبدِ الله بنِ عباس، أن كثيرًا ما كان يقرأُ رسولُ الله ﷺ في رَكْعتي الفَجْر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ هذه الآية [البقرة: ١٣٦]. قال: هذه في الرَّكْعة الأولى، وفي الرَّكْعة الآخرة: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]. وذكَره أبو بكرِ بنُ أبي شيبة (٣)، عن أبي خالد الأحمر، عن عُثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار، عن ابن عباس، وقال فيه ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾. والتي في "آل عمران": ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]. حدَّثنا عبدُ الوارث (٤)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحَسَنِ الحربيُّ، قال: حدَّثنا أبو الوليد، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن حَفْصة، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُخفِّفُهما؛ يعني الرَّكْعتين قبلَ الفَجْر (٥).

стр. 8535

قال أبو عُمر: في مُراعاةِ العلماءِ من الصحابةِ والسلفِ الصالح، واهتبالِهم (١) برَكْعتي الفَجْر وتخفيفِهما وما يُقرَأُ فيهما، مع مواظبةِ رسولِ الله ﷺ عليهما، وحضِّه أمَّتَه عليهما وإباحتِه إعادتَهما بعدَ وقتهما -دليلٌ على أنهما من مؤكَّدات السُّنن، وعلى ما ذكَرتُ لك جمهورُ الفقهاء، إلا أنَّ من أصحابنا مَن يأبى أن تكونَ سُنّةً وقال: هما من الرغائبِ وليستا بسُنّة. وهذا لا وجهَ له فيُشتغَلَ به. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا حفصُ بنُ غِياث، عن ابنِ جُريج، عن عطاء، عن عُبيد بنِ عُمير، عن عائشة، قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُسرعُ إلى شيءٍ من النوافل إسراعَه إلى رَكْعتي الفَجْر، ولا إلى غَنِيمة. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبَرني عطاءٌ، عن عُبيدِ بنِ عُمير، عن عائشة، قالت: إنَّ رسولَ الله ﷺ لم يكنْ على شيءٍ من النوافل أشدَّ معاهدةً منه على الرَّكْعتين قبلَ الصُّبح (٤).

стр. 8536

قال أبو عُمر: هذا يدُلُّ على أنهما أوكَدُ من الوَتر؛ لأنَّ الوترَ من صلاةِ الليل، فإنما هو وَترُ صلاةِ الليل، وصلاةُ الليل نافلةٌ بإجماع المسلمين، وقال اللهُ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. فلمّا كان رسولُ الله ﷺ أشدَّ تعاهُدًا ومواظبةً وإسراعًا إلى رَكْعتَي الفجرِ منه إلى سائرِ النوافل -دَلَّ على تأكيدِها، وإنما تُعرَفُ مؤكَّداتُ السُّنَن بمواظبةِ رسولِ الله ﷺ عليها، لأنَّ أفعالَه كلَّها سُنَن، صلواتُ الله وسلامُه عليه، ولكنَّ بعضَها أوكَدُ من بعض، ولا يُوقَفُ على ذلك إلا بما واظبَ عليه، ونَدَبَ إليه منها، وبالله التوفيق. وممن قال: إنَّ رَكْعتَي الفَجْر سُنّة مؤكَّدة: مالكٌ فيما روَى عنه أشهَبُ، وعليُّ بنُ زياد. وهو قولهما، وقولُ الشافعيّ، وأحمدَ بنِ حنبل، وإسحاق، وداود، وجماعةِ أهلِ الفقهِ والأثر، فيما علِمتُ، لا يختلفون في ذلك (١). واستدلَّ بعضُهم على تأكيدِها بقضاءِ رسولِ الله ﷺ لها حينَ نام عن صلاةِ الفَجْر (٢)، ولم يَقضِ شيئًا من السُّنَن غيرَها بعدَ انقضاءِ وقتِها. حدَّثنا عبدُ الوارث (٣)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن قتادة، عن زُرارةَ بنِ أوفَى، عن سَعْدِ بنِ هشام، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "رَكْعتا الفَجْر خَيرٌ من الدُّنيا وما فيها" (٤).

стр. 8537

وأما أقاويلُ الفقهاءِ في القراءةِ في رَكْعتي الفجر؛ فقال مالك (١): أمّا أنا فلا أزيدُ فيهما على "أُمِّ القرآن" في كلِّ رَكْعة؛ لحديثِ عائشةَ المذكور في هذا الباب. رواه ابنُ القاسم عنه. وقال ابنُ وَهْب عنه: لا يقرأُ فيهما إلا بـ: "أُمِّ القرآن". وقال الشافعيُّ: يُخفِّفُ فيهما، ولا بأسَ أن يقرأ مع "أُمِّ القرآن" سورةً قصيرة (٢). وروَى ابنُ القاسم عن مالك أيضًا مثلَه (٣). وقال الثوريُّ (٤): يُخفِّفُ (٥)، فإن فاتَه شيءٌ من حزبِه بالليل فلا بأسَ أن يقرَأه فيهما ويُطوِّلَ. وقال أبو حنيفة (٦): ربما قرأتُ في رَكْعتَي الفَجْر حزبي من القرآن. وهو مذهبُ أصحابه. قال أبو عُمر: السُّنةُ تشهَدُ لقولِ مالكٍ والشافعيِّ في هذا الباب، واللهُ الموفِّقُ للصواب.

стр. 8538

حديثٌ ثامنٌ وخمسونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ قالت: رأيتُ ثلاثةَ أقمارٍ سقَطْنَ في حَجْري، فقصَصتُ رُؤيايَ على أبي بكرٍ الصدِّيق. قالت: فلمّا توفِّي رسولُ الله ﷺ ودُفِن في بيتها، قال لها أبو بكر: هذا أحَدُ أقمارِك، وهو خيرُها. هكذا هذا الحديث في "الموطأ" عندَ يحيى، والقَعْنَبيِّ، وابنِ وَهْب، وأكثرِ رُواتِه (٢). ورواه قتيبةُ بنُ سعيد، عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن عائشة، أنها قالت: رأيتُ ثلاثةَ أقمارٍ سقَطْنَ في حَجْري. وساقَه سواء. ذكَره أبو داود، عن قُتيبة (٣). قال أبو داود: وحدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ السَّرْح، قال: حدَّثني أنسُ بنُ عياض، عن يحيى بنِ سعيد، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيِّب يقول: قالت عائشة:

стр. 8539

لقد رأيتُ ثلاثةَ أقمارٍ سقَطْنَ في حَجْري. فقال أبو بكر: خيرًا رأيتِ. قال (١): وسمِعتُ النالسَ يتحدَّثون أنَّ رسولَ الله ﷺ لما قُبِض ودُفِن في بيتها قال لها أبو بكر: هذا أحدُ أقمارِك، وهو خيرُها. ورواه محمدُ بنُ سيرين، عن عائشة. وما أظُنُّه سمعَه منها، ومراسيلُ ابنِ سيرينَ عندَهم صِحاحٌ كمراسيل سعيدِ بنِ المسيِّب. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بنُ محمدٍ الكوفيّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عُثمان، قال: حدَّثنا مخَلَدُ بنُ حُسين، عن هشام بنِ حَسّان، عن ابنِ سيرين قال: رأتْ عائشةُ كأن في حَجْرِها ثلاثةَ أقمار. قال: فقصَّت ذلك على أبي بكر، فقال: إن صدَقتْ رؤياكِ يُدفَنُ في بيتِك خيرُ أهلِ الأرض ثلاثةٌ. قال: فلمّا قُبِض النَّبيُّ ﷺ ودُفِن في بيتها، قال: يا عائشة، هذا أحدُ أقمارِك (٢). وكان أبو بكرٍ الصديقُ ﵁ أبصرَ الناسِ بتأويلِ الرُّؤيا. وفي هذا الحديث دليلٌ على اشتغالِ أنفُسِ السَّلفِ بالرُّؤيا وتأويلِها.

стр. 8540

والأقمارُ، واللهُ أعلم، النبيُّ ﷺ وأبو بكر وعُمر، دُفِنوا في بيتها. وذلك تأويلُ سقوطِ الأقمار في حَجْرِها. وفيه دليلٌ على أنَّ القمرَ قد يكونُ في التأويل المَلِكَ الأعظمَ كالشمس سواء، واللهُ أعلم. وفيه ردٌّ لقول مَن قال: إنَّ القمرَ مَلِكٌ أعجميٌّ، والشمسَ عربيٌّ في التأويل. وأما روايةُ مَن روى: "سقَطْنَ في حَجْري" ففيها أن التأويلَ قد يخرُجُ على اشتقاقِ اللفظِ وقُربِ المعنى؛ لأنَّ قولها: "سقَطن في حَجْري" تأوَّله أبو بكر ﵁ على الدَّفنِ في حُجرتها وبيتها (١)، فكأن الحُجْرةَ أخَذها من الحَجْر، والبيتُ والحُجْرةُ سواء؛ لأنَّ أصلَ الكلمةِ الضمُّ، فكأنه عَبَرها على اللفظ، واللهُ أعلم. والسقوطُ هاهنا الدفنُ. وعلمُ تأويل الرُّؤيا من علوم الأنبياءِ وأهلِ الإيمان، وحسبُكَ بما أخبَر اللهُ من ذلك عن يوسفَ ﵇ ولما جاء في الآثارِ الصِّحاح فيها عن النبيِّ ﷺ ، وأجمَع أئمةُ الهدى من الصحابةِ والتابعينَ ومَن بعدَهم من علماءِ المسلمينَ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ على الإيمانِ بها، وعلى أنها حكمةٌ بالغةٌ، ونعمةٌ يمُنُّ اللهُ بها على مَن يشاء، وهي المُبشِّراتُ الباقيةُ بعدَ النبيِّ ﷺ (٢).

стр. 8541

حديثٌ تاسعٌ وخمسونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أنَّه بلَغه، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يدعُو فيقول: "اللهمَّ فالِقَ الإصباح، وجاعلَ الليلِ سكَنًا، والشَّمسَ والقَمَرِ حُسْبانًا، اقضِ عنِّي الدَّينَ، وأغنِني من الفقر، وأمتِعْني بسَمْعي وبصَرِي وقُوَّتي في سبيلِك". لم تختلفِ الرُّواةُ عن مالك في إسنادِ هذا الحديث ولا في متنِه (٢). وقد رواه أبو خالدٍ الأحمر، عن يحيى بنِ سعيد، عن مُسلمِ بنِ يسار، قال: كان من دعاءِ رسولِ الله ﷺ : "اللهمَّ فالقَ الإصباح، وجاعلَ الليل سَكَنًا، والشَّمسِ والقمرِ حُسْبانًا، اقضِ عنِّي الدَّينَ، وأغنِني من الفَقْر، وأمتِعْني بسَمْعي وبصرِي وقُوَّتي في سبيلِك". ذكَره ابنُ أبي شيبة (٣)، عن أبي خالد. وأما معنى هذا الحديث، فيتَّصِلُ من وجوهٍ بألفاظٍ مخالفة. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بنُ أبي عُبيدة،

стр. 8542

قال: حدَّثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: أتت فاطمةُ النبيَّ ﷺ تسألُه خادمًا، فقال لها: "ما عندي ما أُعطيك". فرجَعتْ، فأتاها بعدَ ذلك فقال لها: "الذي سألتِ أحبُّ إليك، أو ما هو خيرٌ منه؟ ". قال لها عليٌّ: قولي: ما هو خيرٌ منه. فقال: "قولي: اللَّهمَّ ربَّ السماواتِ السبع، وربَّ العرشِ العظيم، ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، مُنزِلَ التوراةِ والإنجيل والقرآن العظيم، أنتَ الأولُ فليسَ قبلَكَ شيءٌ، وأنتَ الآخرُ فليسَ بعدَكَ شيءٌ، وأنتَ الظاهرُ فليسَ فوقَكَ شيءٌ، وأنت الباطنُ فليسَ دونَكَ شيءٌ، اقضِ عنّا الدَّينَ، وأغنِنا من الفَقْر". حدَّثنا خلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الورد، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوب بنِ بادي وعَمْرُو بنُ أحمد (١) وأحمدُ بنُ حَمّاد (٢) وعُبيدُ بنُ محمدِ بنِ موسى، رجالٌ قالوا: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: أخبرنا سعيدُ بنُ عبدِ الرحمن الجُمَحيُّ، قال: حدَّثني سُهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُريرة، قال: كان رسولُ الله ﷺ يقول: "اللَّهمَّ ربَّ السماواتِ وربَّ الأرض، وربَّنا وربَّ كلِّ شيء، وفالقَ الحَبِّ والنَّوى، مُنزِلَ التوراةِ والإنجيلِ والقُرآنِ العظيم، أعوذُ بك من شرِّ كلِّ شيءٍ أنتَ آخذٌ بناصيته، أنتَ الأولُ فليسَ قبلكَ شيءٌ، وأنتَ الآخِرُ فليسَ بعدَكَ شيءٌ، وأنتَ الظاهرُ فليسَ فوقكَ شيءٌ، وأنتَ الباطنُ فليسَ دونكَ شيءٌ، اقضِ عنّا المَغْرمَ، وأغنِنا من الفَقْر" (٣). حدَّثنا قاسمُ بنُ محمد (٤)، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ

стр. 8543

عَمْرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا مُعلَّى بنُ أسد، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا الحَسَنُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سلَمة، جميعًا عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا أوَى إلى فراشِه قال: "اللَّهمَّ ربَّ السماواتِ السبع، وربَّ الأرَضين، ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، فالقَ الحَبِّ والنَّوى، مُنزِلَ التوارةِ والإنجيل والقُرآن، أعوذُ بك من شرِّ كلِّ ذي شَرٍّ أنتَ آخِذٌ بناصيتِه، أنتَ الأولُ فليسَ قبلكَ شيءٌ، وأنتَ الآخِرُ فليسَ بعدكَ شيءٌ، وأنتَ الظاهرُ فليسَ فوقَكَ شيءٌ، وأنتَ الباطنُ فليسَ دونَكَ شيءٌ، اقضِ عنّا الدَّين، وأغنِنا من الفَقْر". وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا وَهْبُ بنُ بقيّة، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن سُهيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان يقول إذا أوَى إلى فراشه؛ فذكَر مثلَه حرفًا بحرف، إلا أنَّه قال: "اقضِ عنِّي الدَّينَ، وأغنِني من الفقر".

стр. 8544

وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمٌ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا الفَضْلُ بنُ دُكين، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عامر، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه كان يقول: "اللَّهمَّ إني أسألُك بأنك أنت الأولُ فلا شيءَ قبلكَ، والآخرُ فلا شيءَ بعدكَ، والظاهرُ فلا شيءَ فوقكَ، والباطنُ فلا شيءَ دونكَ، أن تقضيَ عنّا الدَّينَ وأن تُغنيَنا من الفَقْر". حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤): أخبرنا محمدُ بنُ قُدامة، قال: حدَّثنا جرير، عن مُطَرِّف، عن الشعبيِّ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ من آخرِ ما يقولُ حينَ ينام، وهو واضعٌ يدَه على خدِّه الأيمن، وهو يَرَى أنَّه ميِّتٌ في ليلتِه تلك: "اللهمَّ ربَّ السماواتِ السبع، وربَّ العرشِ العظيم، ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، منزِلَ التوراةِ والإنجيل والفُرقان، فالقَ الحَبِّ والنَّوى، أعوذُ بكَ من شَرِّ كلِّ شيءٍ أنت آخِذٌ بناصيتِه، اللهمَّ أنت الأولُ فليسَ قبلكَ شيءٌ، وأنت الآخرُ فليسَ بعدَك شيءٌ، وأنت الظاهرُ فليسَ فوقكَ شيءٌ، وأنتَ الباطنُ فليسَ دونكَ شيءٌ، اقضِ عنِّي الدَّينَ، وأغنِني من الفَقْر".

стр. 8545

قال أبو عُمر: أمّا استعاذةُ رسولِ الله ﷺ من الفقرِ فمحفوظةٌ من وُجوه، وكذلك دعاؤُه أيضًا في الغِنى محفوظٌ من وُجوه. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ الدَّيْبُليُّ، قال: حدَّثنا عامرُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الرَّحمن القِرْمِطيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زُنْبور، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ أبي حازم، عن سُهيل بنِ أبي صالح، عن موسى بن عُقبة، عن عاصم بنِ أبي عُبيد، عن أمِّ سَلَمةَ زوج النبيِّ ﷺ ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَدْعو بهؤلاء الكلمات: "اللَّهمَّ أنتَ الأولُ لا شيءَ قبلكَ، وأنت الآخرُ لا شيءَ بعدكَ، أعوذُ بك من شرِّ كلِّ دابّةٍ ناصيتُها بيدِكَ، وأعوذُ بك من الإثم والكَسَل، ومن عَذَابِ القَبْرِ وعذابِ النار، ومن فتنة الغِنى، وفتنةِ الفَقْر، وأعوذُ بك من المأثم والمَغْرم". وذكَر حديثًا طويلًا في الدُّعاء (١). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليِّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢): أخبَرنا أبو عاصم، قال: حدَّثنا حَبّانَ بنُ هلال. وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣):

стр. 8546

أخبرنا أحمدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارث، قالا: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة، عن سعيدِ بنِ يسار، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقول: "اللَّهمَّ إني أعوذُ بكَ من الفَقْر، وأعوذُ بكَ من القِلَّةِ والذِّلَّة، وأعوذُ بك أن أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ". قال أبو عُمر: يروي الأوزاعيُّ هذا الحديثَ عن إسحاق، عن جعفرِ بنِ عياض، عن أبي هُريرة (١). أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢): أخبَرنا محمودُ بنُ خالد، قال: أخبَرنا الوليدُ بنُ مُسلم وعُمرُ بنُ عبدِ الواحد، عن أبي عَمْرٍ و الأوزاعيّ، قال: حدَّثني إسحاقُ بنُ

стр. 8547

عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة، قال: حدَّثني جعفرُ بنُ عياض، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "تعَوَّذُوا بالله من الفقرِ والقِلَّةِ والذِّلَّة، وأن نَظلِمَ أو نُظلَمَ". وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بن حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّار (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني إسحاقُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة، قال: أخبرني جعفرُ بنُ عياض، قال: أخبَرني أبو هُريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "تَعوَّذوا بالله من الفقرِ والقِلَّةِ والذِّلَّة، وأن تَظلِمَ أو تُظلَمَ". وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا عُمرُ بنُ سَعْد، عن سُفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبدِ الله، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقول: "اللَّهمَّ إني أسألُك الهُدى والتّقى والعِفَّةَ والغِنى". قال (٤): وحدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، أنَّ محمدَ بنَ يحيى بنِ حَبّانَ أخبَره، أنَّ عمَّه أبا صِرْمةَ كان يُحدِّثُ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقول: "اللَّهمَّ إني أسألُك غِنايَ وغِنى مواليَّ".

стр. 8548

قال (١): وحدَّثنا محمدُ بنُ فُضيل، عن العلاء، عن أبي داودَ الأوْديِّ، عن بُريدة، قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "ألا أُعلِّمكَ كلماتٍ مَنْ أرادَ اللهُ به خيرًا علَّمهُنّ إيّاهُ، ثم لم يُنْسِه إياهُنّ أبدًا؟ " قال: اللَّهُمَّ إنّي ضعيفٌ فقَوِّني، وخُذْ إلى الخيرِ ناصِيَتي، واجعَلِ الإسلامَ مُنتَهى رِضائي، اللَّهمَّ إنّي ضعيفٌ فقَوِّني، وذليلٌ فأعِزَّني، وفقيرٌ فارْزُقْني". قال أبو عُمر: الدُّعاءُ المرويُّ عن رسولِ الله ﷺ كثير جدًّا لا يقومُ به كتابٌ، وإنّما ذكَرْنا منه هاهنا ما في معنى حديثنا، وبالله توفيقُنا.

стр. 8549

حديثٌ مُوفي ستِّينَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أنَّ رَجُلًا جاءَه الموتُ في زَمَنِ رسولِ الله ﷺ ، فقال رجلٌ: هنيئًا له، ماتَ ولم يُبتلَ بمرض. فقال رسولُ الله ﷺ : "وَيْحكَ! وما يُدريكَ لو أن اللهَ ابتَلاهُ بمرضٍ يُكفِّرُ به عنه من سيِّئاتِه؟ ". قال أبو عُمر: لا أعلَمُ هذا الخبرَ بهذا اللفظِ يَستندُ عن النبيِّ ﷺ من وجهٍ محفوظ، والأحاديثُ المسندَةُ في تكفيرِ المَرَضِ للذُّنوبِ والخطايا والسيئاتِ كثيرةٌ جدًّا، ونحن نذكرُ منها بعضَ ما حضَرَنا ذِكرُه دونَ تطويل إن شاء الله. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَلَمة، عن

стр. 8550

محمدِ بنِ إسحاق، قال: حدَّثني رجلٌ من أهل الشام يقال له: أبو منظور، عن عمِّه، قال: حدَّثني عمِّي، عن عامرٍ الرامي أخي الخُضْر، أنَّه سمِع رسولَ الله ﷺ في حديثٍ ذكَره يقول: "إن المؤمنَ إذا أصابه السَّقَمُ ثم أعفاهُ الله منه، كان كفّارةً لِمَا مضَى من ذُنوبِه، وموعظةً له فيما يَستقبِلُ، وإنّ المنافقَ إذا مرضَ ثم أُعفيَ، كان كالبعيرِ عقَله أهلُه ثم أرسَلُوه، فلم يَدرِ لِمَ عقَلُوه ولا لِمَ أرسَلُوه". وذكَر تمامَ الحديث. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمدٍ الفَرْويُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمر، عن ابنِ شهاب، عن عُروة، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما من مُصيبةٍ تُصيبُ المؤمنَ إلا أُجِرَ فيها، حتى الشوكةِ تُصيبُه" (١). وهذا الحديثُ رواه مالك (٢)، عن يزيدَ بنِ خُصَيْفة، عن عُروة، عن عائشة (٣). ورواه يزيدُ بنُ الهادِ، عن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْم، عن عَمْرة، عن عائشة. رواه عن ابنِ الهادِ: اللَّيثُ، والدَّراورديُّ، وابنُ أبي حازم. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٤)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا زكريا بنُ يحيى

стр. 8551

أبو يحيى الناقدُ ببغداد، حدَّثنا أبو مُسلم عبدُ الرحمن بنُ يونس المُستَملي، حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي فُدَيك، أخبَرنا ابنُ أبي ذئب، عن الزُّهريِّ، عن عُروة، عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا اشتكَى المؤمنُ أخلَصه اللهُ، كما يُخلِصُ الكِيرُ الخَبَثَ" (١). حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُضَرُ بنُ محمدٍ الأسديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ عَمْرٍو الخُزاعيُّ (٢)، قال: قرَأنا على مَعْقِلِ بنِ عُبيدِ الله، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنه سمِع النبيَّ ﷺ يقول: "لا يمرضُ مؤمنٌ ولا مؤمنةٌ، ولا مُسلمٌ ولا مُسلمةٌ، إلّا حطّ اللهُ به خطيئتَه" (٣).

стр. 8552

أخبرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم، عن نافعِ بنِ يزيد، قال: حدَّثني جعفرُ بنُ ربيعة، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ السائب؛ أنّ عبدَ الحميدِ بنَ عبدِ الرّحمن بنِ أزْهَرَ حدّثَه عن أبيه عبدِ الرّحمن بن أزْهَرَ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّما مَثَلُ العبْدِ المؤمنِ حينَ يُصيبُه الوعَكُ أو الحُمّى، كمَثَلِ حديدةٍ تدخُلُ في النارِ فيذْهَبُ خبَثُها ويبْقى طيبها" (١). حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمٌ (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: هذا الكتابُ أعطاني نافعُ بنُ يزيد، وأنا أشكُّ في أن أكونَ عَرَضْتُه عليه وأظنُّني عرَضْتُه، قال: قال نافعُ بنُ يزيد: حدَّثني جعفرُ بنُ ربيعة، فذكَرَه بإسنادِه سواءً إلى آخره. والآثارُ في هذا كثيرةٌ، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ، والحمدُ لله.

стр. 8553

حديثٌ حادٍ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، قال: بلَغني أنَّ أسعدَ بنَ زُرارةَ اكتوَى في زمنِ رسولِ الله ﷺ من الذُّبَحَة (٢) فمات. وهذا قد رُويَ مُسندًا من حديثِ ابنِ شهاب، عن أنس، إلا أنَّه لم يروِه بهذا الإسنادِ عن ابنِ شهاب إلا مَعْمَرٌ وحدَه، وهو عندَ أهل العلم بالحديثِ خطأ، يقولون: إنه ممّا أخطَأ فيه مَعْمَرٌ بالبصرة. ويقولون: إنّ الصوابَ في ذلك حديثُ ابنِ شهاب، عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف، أنّ النبيَّ ﷺ كوَى أسعدَ بنَ زُرارة. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسعدة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، عن أنسِ بنِ مالك، أنّ رسولَ الله ﷺ كوَى أسعدَ بنَ زُرارةَ من الشوكة (٣).

стр. 8554

قال أبو عُمر: الشوكةُ الذُّبَحَة. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ الدَّيْبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليّ بنِ زيدٍ الصائغ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ يعقوبَ الطَّالْقانيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيع، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، عن أنس، أنّ النبيَّ ﷺ كوَى أسعدَ بنَ زُرارةَ من الشَّوْصة (١). هكذا قال، وإنما المعروفُ: من الشوكة: وهي الذُّبَحَةُ، وأما الشَّوْصةُ: فهي ذاتُ الجَنْب (٢)، وقد يُكتوَى منها أيضًا. أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عليِّ بنِ محمدِ بنِ غالبٍ التمّار. وأخبَرنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ حزم، قالا جميعًا: حدَّثنا أبو عُبيدِ الله محمدُ بنُ الربيع بنِ سُليمانَ الأزديُّ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ سعيدِ بنِ مُسلم، قال: حدَّثنا حَجّاجُ بنُ محمد، عن ابن جُرَيج، عن ابنِ شهاب، عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف، أنّ النبيَّ ﷺ عاد أبا أُمامةَ أسعدَ بنَ زُرارة، وكان رأسَ النقباءِ ليلةَ العقبة، أخَذته الشوكةُ بالمدينةِ قبلَ بدر، فقال النبيُّ ﷺ : "بئسَ الميتُ هذا ليهودَ؛ يقولون: ألا دفَع عنه؟ ولا أملِكُ له ولا لنفسي شيئًا". فأمَر به رسولُ الله ﷺ فكُوِيَ من الشوكة -طُوِّقَ عُنُقُه بالكَيِّ- فلم يلبَثْ أبو أُمامةَ إلا يسيرًا حتى مات (٣).

стр. 8555

حدَّثنا عبدُ الرّحمن (١)، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيدَ وابنُ سِمعان، عن ابنِ شهاب، عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف، أنّ رسولَ الله ﷺ عاد أسعدَ بنَ زُرارةَ وبه الشوكة، فلمّا دخَل عليه قال: "بئسَ الميتُ هذا ليهود؛ يقولون: لولا دفَع عنه؟ ولا أملِكُ له ولا لنفسي شيئًا". فأمَر به فكُوِيَ فمات (٢). قال ابنُ وَهْب: وأخبَرني عَمْرُو بنُ الحارث، أنَّ يحيى بنَ سعيدٍ حدَّثه، أنَّ أسعدَ بنَ زُرارةَ أخَذْته الذُّبَحَة، فكَواهُ رسولُ الله ﷺ ثم قال: "بئس الميِّتُ هذا ليهودَ". فذكَر مثلَه. واكتوَى عبدُ الله بنُ عُمرَ من اللَّقْوَة (٣)، وكوَى واقدًا ابنَه (٤)، واكتوَى عِمْرانُ بنُ حُصَيْن (٥).

стр. 8556

وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه نهَى عن الكَيِّ من حديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَيْن. حدَّثني عبدُ الرّحمن بن يحيى (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ الفَضْل أبو جعفرٍ الدَّيْبُليّ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ صَبِيح، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، قال: قرأ جريرٌ على أيوبَ كتابًا وأنا شاهدٌ، لأبي قِلابةَ فلم يُنكِرْه، أنَّ زيدَ بنَ ثابت كان يَرْقي من الأذن، وكان في ذلك الكتاب عن أنسِ بنِ مالك قال: كُوِيتُ من ذاتِ الجَنْب فشهِدَني أبو طَلْحةَ وأنسُ بنُ النَّضْر، وأبو طَلْحةَ كوَاني (٢). ورواه أبانٌ العطّارُ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن أنسِ بنِ مالك، أو قال: حدَّثني أبو قِلابة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: اكتوَيتُ من ذاتِ الجَنْبِ ورسولُ الله ﷺ حيٌّ، وشهِدني أبو طَلْحة، وأنسُ بنُ النَّضْر، وزيدُ بنُ ثابت، وأبو طَلْحةَ كوَاني. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رجاء، قال: حدَّثنا همّام، عن قتادة، عن الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال: نُهينا عن الكَيِّ (٣). قال إسماعيل (٤): وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحجّاج، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث،

стр. 8557

قال: حدَّثنا يونس، عن الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنّ النبيَّ ﷺ نهَى عن الكَيِّ (١). قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عِمْرانَ بنِ حُدَير، عن أبي مِجْلَز، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال: نهَى رسولُ الله ﷺ -عن الكَيِّ (٢). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا عفّان، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، قال: أخبَرنا ثابتٌ، عن مُطَرِّف، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنّ النبيَّ ﷺ نهَى عن الكَيِّ، فاكتوَينا، فلم نُفلِحْ، ولم نُنجِحْ (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الخليل، قال: حدَّثنا أبو النَّضْر، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ المُغيرة، عن سعيدٍ الجُريريِّ، عن مُطَرِّفِ بنِ الشِّخِّير، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ ينهَى عن الكَيِّ. قال: فما زال بي البلاءُ حتى اكتوَيتُ، فما أفلَحتُ، ولا أنجَحتُ. قال عِمْران: وكان يُسلَّمُ عليَّ، فلما اكتوَيتُ فقَدتُ ذلك. ثم راجَعه بعدَ ذلك السلام (٤).
следующие страницы →