← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8553–8592 · переход к 8558.

стр. 8553

حديثٌ حادٍ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، قال: بلَغني أنَّ أسعدَ بنَ زُرارةَ اكتوَى في زمنِ رسولِ الله ﷺ من الذُّبَحَة (٢) فمات. وهذا قد رُويَ مُسندًا من حديثِ ابنِ شهاب، عن أنس، إلا أنَّه لم يروِه بهذا الإسنادِ عن ابنِ شهاب إلا مَعْمَرٌ وحدَه، وهو عندَ أهل العلم بالحديثِ خطأ، يقولون: إنه ممّا أخطَأ فيه مَعْمَرٌ بالبصرة. ويقولون: إنّ الصوابَ في ذلك حديثُ ابنِ شهاب، عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف، أنّ النبيَّ ﷺ كوَى أسعدَ بنَ زُرارة. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسعدة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، عن أنسِ بنِ مالك، أنّ رسولَ الله ﷺ كوَى أسعدَ بنَ زُرارةَ من الشوكة (٣).

стр. 8554

قال أبو عُمر: الشوكةُ الذُّبَحَة. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ الدَّيْبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليّ بنِ زيدٍ الصائغ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ يعقوبَ الطَّالْقانيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيع، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، عن أنس، أنّ النبيَّ ﷺ كوَى أسعدَ بنَ زُرارةَ من الشَّوْصة (١). هكذا قال، وإنما المعروفُ: من الشوكة: وهي الذُّبَحَةُ، وأما الشَّوْصةُ: فهي ذاتُ الجَنْب (٢)، وقد يُكتوَى منها أيضًا. أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عليِّ بنِ محمدِ بنِ غالبٍ التمّار. وأخبَرنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ حزم، قالا جميعًا: حدَّثنا أبو عُبيدِ الله محمدُ بنُ الربيع بنِ سُليمانَ الأزديُّ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ سعيدِ بنِ مُسلم، قال: حدَّثنا حَجّاجُ بنُ محمد، عن ابن جُرَيج، عن ابنِ شهاب، عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف، أنّ النبيَّ ﷺ عاد أبا أُمامةَ أسعدَ بنَ زُرارة، وكان رأسَ النقباءِ ليلةَ العقبة، أخَذته الشوكةُ بالمدينةِ قبلَ بدر، فقال النبيُّ ﷺ : "بئسَ الميتُ هذا ليهودَ؛ يقولون: ألا دفَع عنه؟ ولا أملِكُ له ولا لنفسي شيئًا". فأمَر به رسولُ الله ﷺ فكُوِيَ من الشوكة -طُوِّقَ عُنُقُه بالكَيِّ- فلم يلبَثْ أبو أُمامةَ إلا يسيرًا حتى مات (٣).

стр. 8555

حدَّثنا عبدُ الرّحمن (١)، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيدَ وابنُ سِمعان، عن ابنِ شهاب، عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف، أنّ رسولَ الله ﷺ عاد أسعدَ بنَ زُرارةَ وبه الشوكة، فلمّا دخَل عليه قال: "بئسَ الميتُ هذا ليهود؛ يقولون: لولا دفَع عنه؟ ولا أملِكُ له ولا لنفسي شيئًا". فأمَر به فكُوِيَ فمات (٢). قال ابنُ وَهْب: وأخبَرني عَمْرُو بنُ الحارث، أنَّ يحيى بنَ سعيدٍ حدَّثه، أنَّ أسعدَ بنَ زُرارةَ أخَذْته الذُّبَحَة، فكَواهُ رسولُ الله ﷺ ثم قال: "بئس الميِّتُ هذا ليهودَ". فذكَر مثلَه. واكتوَى عبدُ الله بنُ عُمرَ من اللَّقْوَة (٣)، وكوَى واقدًا ابنَه (٤)، واكتوَى عِمْرانُ بنُ حُصَيْن (٥).

стр. 8556

وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه نهَى عن الكَيِّ من حديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَيْن. حدَّثني عبدُ الرّحمن بن يحيى (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ الفَضْل أبو جعفرٍ الدَّيْبُليّ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ صَبِيح، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، قال: قرأ جريرٌ على أيوبَ كتابًا وأنا شاهدٌ، لأبي قِلابةَ فلم يُنكِرْه، أنَّ زيدَ بنَ ثابت كان يَرْقي من الأذن، وكان في ذلك الكتاب عن أنسِ بنِ مالك قال: كُوِيتُ من ذاتِ الجَنْب فشهِدَني أبو طَلْحةَ وأنسُ بنُ النَّضْر، وأبو طَلْحةَ كوَاني (٢). ورواه أبانٌ العطّارُ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن أنسِ بنِ مالك، أو قال: حدَّثني أبو قِلابة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: اكتوَيتُ من ذاتِ الجَنْبِ ورسولُ الله ﷺ حيٌّ، وشهِدني أبو طَلْحة، وأنسُ بنُ النَّضْر، وزيدُ بنُ ثابت، وأبو طَلْحةَ كوَاني. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رجاء، قال: حدَّثنا همّام، عن قتادة، عن الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال: نُهينا عن الكَيِّ (٣). قال إسماعيل (٤): وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحجّاج، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث،

стр. 8557

قال: حدَّثنا يونس، عن الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنّ النبيَّ ﷺ نهَى عن الكَيِّ (١). قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عِمْرانَ بنِ حُدَير، عن أبي مِجْلَز، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال: نهَى رسولُ الله ﷺ -عن الكَيِّ (٢). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا عفّان، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، قال: أخبَرنا ثابتٌ، عن مُطَرِّف، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، أنّ النبيَّ ﷺ نهَى عن الكَيِّ، فاكتوَينا، فلم نُفلِحْ، ولم نُنجِحْ (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الخليل، قال: حدَّثنا أبو النَّضْر، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ المُغيرة، عن سعيدٍ الجُريريِّ، عن مُطَرِّفِ بنِ الشِّخِّير، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ ينهَى عن الكَيِّ. قال: فما زال بي البلاءُ حتى اكتوَيتُ، فما أفلَحتُ، ولا أنجَحتُ. قال عِمْران: وكان يُسلَّمُ عليَّ، فلما اكتوَيتُ فقَدتُ ذلك. ثم راجَعه بعدَ ذلك السلام (٤).

стр. 8558

قال أبو عُمر: حديثُ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ عن النبيِّ ﷺ أنه نهَى عن الكَيِّ، يُعارِضُه حديثُ أنسِ بنِ مالك، عن النبيِّ ﷺ أنه كوَى أسعدَ بنَ زُرارة، وأنَّ أنسَ بنَ مالكٍ اكتوَى في زمنِ رسولِ الله ﷺ فلم ينهَه عن ذلك، وحديثُ جابر أنَّ رسولَ الله ﷺ -كوَى سَعْدَ بنَ معاذ. ويحتمِلُ أن يكونَ حديثُ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ على الأفضل في إخلاصِ اليقينِ والتوكُّل. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيل محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا عَمْرُو بنُ مَرْزوق، قال: أخبرنا عِمْرانُ، عن قتادة، عن أنس، قال: كوَاني أبو طَلْحةَ ورسولُ الله ﷺ بينَ أظهُرِنا، فما نُهيتُ عنه (١). وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُفيان، قال: حدَّثني أبو الزُّبير، عن جابر، أنَّ النبيَّ ﷺ كوَى سَعْدَ بنَ معاذٍ مرَّتين (٢).

стр. 8559

ورواه اللَّيثُ، عن أبي الزُّبير، عن جابر (١). وروَى ابنُ أبي ليلى، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنَّ أُبيَّ بنَ كَعْبٍ رُمِيَ في أكْحَلِه يومَ قريظة، فبَعث إليه النبيُّ ﷺ فكَواهُ (٢). وروَى الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جابر مثلَه في أُبيّ (٣). وهو عندَ أهل العلم بالحديثِ والسِّيَر خطأ، وإنما هو سَعْدُ بنُ معاذ، كما روَى الثوريُّ وغيرُه، عن أبي الزُّبير، عن جابر. ومما يُعارَضُ به أيضًا حديثُ عِمْرانَ بنِ حُصَيْن في الكَيِّ، حديثُ ابنِ عباس، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إن كان الشفاءُ ففي ثلاث، أو الشفاءُ في ثلاث؛ شرطةِ مِحْجَم، أو شَرْبةِ عسل، أو كَيَّةِ نار". أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد بنِ يوسف، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز البَغويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنيع، قال: حدَّثنا مَروانُ بنُ شُجاعٌ الخُصَيفيُّ، عن سالم الأفطس، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباس، قال: "الشفاءُ في ثلاث؛ في شَرْبةِ عسل، أو شرطةِ مِحْجَم، أو كَيَّةِ نار". ورفَع الحديث (٤).

стр. 8560

وروى زُهيرُ بنُ مُعاوية، عن عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إن كان في شيءٍ مما تتداوَوْن به شفاءٌ، ففي شرطةِ مِحْجَم، أو شَرْبةِ عسل، أو حبّاتٍ سُود، أو لَذْعةِ نار، وما أُحِبُّ أن أكتوِيَ" (١). قال أبو عُمر: الكيُّ بابٌ من أبوابِ التداوي والمعالجة، ومعلومٌ أن طلبَ العافيةِ بالعلاج والدُّعاءِ مباحٌ بما قدَّمنا من الأصول في غير موضع من هذا الكتاب، وحَسْبُك بما أورَدنا من ذلك في باب زيدِ بنِ أسلم (٢)، فلا يَجبُ أن يُمْتَنَع من التداوي بالكَيِّ وغيرِه إلا بدليل لا مُعارِضَ له، وقد عارَض النهيَ عن الكيِّ من الإباحةِ ما هو أقوى، وعليه جمهورُ العلماء، ما أعلَمُ بينهم خلافًا، أنهم لا يَرَون بأسًا بالكيِّ عندَ الحاجةِ إليه. قال أبو عُمر: فمَن ترَك الكيَّ ثقةً بالله، وتوكُّلًا عليه، كان أفضلَ؛ لأنَّ هذه منزلةُ يقينٍ صَحِيح، وتلك منزلةُ رُخْصةٍ وإباحة. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبة. وأخبرنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ

стр. 8561

سلام، قال: حدَّثنا زهيرُ بنُ حَرْب، قال (١): حدَّثنا جريرٌ، جميعًا عن منصور، قال شُعبة: قال: سمِعتُ مجاهدًا، وقال جرير، عن مُجاهد، قال: حدَّثنا العَقّارُ بنُ المغير بنِ شُعبةَ عن أبيه حديثًا فلم أحفَظْه، فسألتُ حَسّانَ بنَ أبي وَجْزةَ فأخبَرني، قال: حدَّثني العقّارُ، عن أبيه، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما توكَّلَ -وقال شُعبة: لم يتوكَّلْ- مَنِ استرقَى أو اكتْوَى". قال أبو عُمر: معناه، واللهُ أعلم: ما توكَّل حقَّ التوكُّل مَن استرقَى أو اكتوَى؛ لأنَّ مَن ترَك ذلك توكُّلًا على الله، وعلمًا بأن ما أصابه لم يكنْ ليُخطِئَه، وأن أيامَ الصحةِ لا سَقَمَ فيها، كان أفضلَ منزلة، وأعلى درجة، وأكملَ يقينٍ وتوكل، واللهُ أعلم. وقد قيل: إن الذي نُهيَ عنه من الكيِّ هو ما يكونُ منه قبلَ نزولِ البلاء، حفظًا للصحة، وأمّا بعدَ نزولِ ما يُحتاجُ فيه إلى الكَيِّ فلا. وحدَّثثا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، قال: أخبَرنا عاصمٌ، عن زِرٍّ، عن عبدِ الله، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "عُرِضَت عليَّ الأممُ في الموسم، فرأيتُ أُمَّتي، فأعجبَتْني كثرتُهم وهيئتُهم، قد مَلَؤوا السهلَ والجبل"، قال: يا محمدُ إنَّ مع هؤلاءِ سبعينَ ألفًا يدْخلُونَ الجنّةَ بغيرِ حساب، الذينَ لا يسْتَرقونَ ولا يكْتَوونَ ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم يتوكَّلُون. فقام عُكّاشةُ بنُ مِحْصَن فقال: "يا نبيَّ الله، ادعُ اللهَ أن

стр. 8562

يجْعلَني منهم، قال: "اللَّهُمَّ اجعَلْهُ منهم" ثم قامَ آخر فقال: ادْعُ اللهَ أن يجعَلَني منهم، قال: "سَبقَكَ بها عُكّاشةُ" (١). قال أبو عُمر: ثبت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: إنّ الله يُحبُّ أن تُؤتى رُخَصُة كما يُحِبُّ أن تُجتَنبَ عزائمُه، أو تُؤتى عزائمُه" (٢). وكان رسولُ الله ﷺ إذا خير بين أمرَين اختارَ أيسَرَهُما (٣)، وقد أذِنَ رسولُ الله ﷺ في الرُّقى ورَقَى نَفْسَه وغيرَه، وقال في الطِّيَرة: "وما منّا إلّا مَنْ ولكنّ اللهَ يُذْهِبُه بالتوكّل" (٤)، وقد مضى في هذه الأبواب كلِّها منَ البيان في كتابنا هذا ما يَشْفي ويَكْفي لمَنْ وقف عليه وتدبَّرَهُ، وبالله العوْنُ والتَّوفيق.

стр. 8563

حديثٌ ثانٍ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيد مالكٌ (١)، عن يَحيى بن سعيد؛ أنَّه قال: جاءت امرأةٌ إلى رسولِ الله ﷺ فقالت: يا رسولَ الله، دارٌ سكنّاها والعدَدُ كثير، والمالُ وافرٌ، فقلَّ العدَدُ، وذهب المالُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "دَعُوها ذمِيْمة". قال أبو عُمر: قوله: "ذَمِيمة"؛ أي: مَذْمومة، يقول: دَعُوها وأنتم له ذامُّون كارِهون، لِما وقَع بنفوسِكُم من شُؤمِها. والذّميم: القبيحُ الوجه. وهذا حديثٌ محفوظٌ من وجوه: منها: حديثُ أنس، يرويه عِكْرمةُ بنُ عمّار، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة، عن أنس (٢). ومنها حديثُ ابنِ عُمر، إلا أنَّه لم يَرْوه إلّا صالحُ بنُ أبي الأخضر، عن الزُّهريِّ، وليس بالقويِّ في الزُّهريِّ، وثقاتُ أصحابِ الزهريِّ يَرْوونه عن الزُّهريِّ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارث بنِ نوفل، عن عبدِ الله بنِ شدّاد، عن النبيِّ ﷺ وهو مرسل (٣).

стр. 8564

حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: أخبَرنا ابنُ أبي عُمر، قال: حدَّثنا سُفيان، عن الزُّهريِّ، عن عبدِ الله بن عبد الله بنِ الحارث بنِ نوفل، عن عبدِ الله بنِ شدّاد، أنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ الله، إنا سكَنّا هذه الدارَ ونحن ذوو وَفْرٍ فهلَكْنا، وذوو نَشَب (١) فافتقَرْنا، وذاتُ بيننا حسَنٌ فاختلَفْنا. فقال رسولُ الله ﷺ : "دَعُوها ذميمة". قالت: وكيف نَدَعُها يا رسولَ الله؟ قال: "تَبيعونها أو تَهَبُونَها" (٢). وذكَره عبدُ الرزاق (٣)، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ (٤) بنِ نوفل، عن عبدِ الله بنِ شدّاد بنِ الهادِ، أنَّ امرأةً من الأنصار قالت: يا رسولَ الله، سكَنّا دارَنا ونحن كثيرٌ فهلَكْنا، وحَسَنٌ ذاتُ بيننا فساءتِ أخلاقُنا، وكثيرةٌ أموالُنا فافتقَرْنا. قال: "أفلا تَنتقِلُون منها ذميمةً؟ ". قالت: وكيف نصنَعُ بها يا رسولَ الله؟ قال: "تَبيعُونَها أو تَهَبُونَها". أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمّدِ بنِ يوسفَ الأزديُّ، قال: حدَّثنا سَهْلُ بنُ إبراهيم -وأجازَهُ لنا سَهْلُ بنُ إبراهيم- قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصّائغ، قال: حدَّثنا أبو حذيفة، قال: حدَّثنا عِكْرِمةُ بنُ عَمّار، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة، عن أنس، قال: جاء رجلٌ من الأنصارِ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، إنّا كنّا في دارٍ كثيرٌ فيها عددُنا، كثيرةٌ فيها أموالُنا،

стр. 8565

ثم تحوَّلْنا إلى دارٍ أُخرى قلَّ فيها عددُنا، وقلَّت فيها أموالُنا. فقال رسولُ الله ﷺ : "ذَرُوها ذميمةً" (١). قال أبو عُمر: هذا عندي، والله أعلمُ، قاله لقوم خَشِيَ عليهم التزامَ الطِّيرِة، فأجابَهُم بهذا مُنْكِرًا لقولِهم؛ لِمَا رأى من تشاؤُمِهم وتطيُّرِهم بدارِهم، وثبوتِ ذلك في أنفسِهم، فخافَ عليهم ما قيل في الطِّيرَة: إنها تلزَمُ مَن تطيَّرَ. وعساهُم ممّن سمِع قولَه ﷺ : "لا طِيرَةَ" (٢)، وقولَه: "ليس منّا مَن تَطيَّرَ" (٣).

стр. 8566

وقولَه: "وإذا تطيَّرتُم فامضُوا، وعلىْ الله فتوكَّلُوا" (١)، وقولَه: "ما منّا إلّا مَنْ يعني يتطيَّر" (٢) ولكن الله يُذهِبُه بالتّوكُّل، وقولَه: "مَنْ ردّتْهُ الطِّيرَةُ عن مَسِيره، فقد قارَفَ (٣) الشِّرك" (٤). فلمّا اشتُهِرَ هذا من سُنّتِه ﷺ ثم أتتْهُ هذه المرأةُ فذَكَرتْ عن دارِها ما ذَكَرتْ، أو أتى معَها غيرُها فذكَرُوا نحوَ ذلك؛ أجابَهم دأنْ يتركوها ذَميمةً، لأنّه كان بالمؤمنينَ رؤوفًا رحيمًا. والأصل في الطِّير والشُّؤْم ما ذكَرْنا في بابِ ابنِ شهاب، عن سالم وحمزةَ ابنَي عبدِ الله بنِ عُمرَ (٥)، وبالله التَّوفيق. وسنذكُر هذه الآثارَ ومثلَها في باب قوله: "لا طِيَرةَ ولا غُولَ ولا هامَةَ" من هذا الكتابِ في أوّلِ بلاغاتِ مالكٍ عن رجالٍ سمّاهُم، إن شاء الله.

стр. 8567

حديثٌ ثالثٌ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: للِقْحةٍ تُحلَبُ: "مَن يَحلِبُ هذه؟ ". فقام رجل، فقال له (٢) رسولُ الله ﷺ : "ما اسمُكَ؟ ". فقال الرجل: مُرَّةُ. فقال له رسولُ الله ﷺ : "اجلِسْ". ثم قال: "مَن يحلِبُ هذه؟ ". فقام رجلٌ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "ما اسمُك؟ ". فقال: حربٌ. فقال له رسولُ الله ﷺ : "اجلِسْ". ثم قال: "مَن يَحلِبُ هذه؟ ". فقام رجلٌ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "ما اسمُك؟ ". فقال: يَعيشُ. فقال له رسولُ الله ﷺ : "احلُبْ". وهذا عندي، واللهُ أعلم، ليس من بابِ الطِّيِرة؛ لأنه محُالٌ أن ينهَي عن شيءٍ ويفعلَه، وإنما هو من باب طلَبِ الفألِ الحَسَن، وقد كان أخبَرهم عن شرِّ الأسماءِ أنه حربٌ ومُرَّةُ، فأكَّد ذلك حتى لا يتسمَّى بها أحدٌ، واللهُ أعلم. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ عبد الرّحمن (٣)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عُثمانَ بنِ صالح، قال: حدَّثنا النَّضْرُ بنُ عبدِ الجبار، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعة، عن جعفرِ بنِ ربيعة، عن ربيعةَ بنِ يزيد، عن عبدِ الله بنِ عامر اليَحْصُبيّ، عن مُعاويةَ بنِ أبي سُفيان، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "خَيْرُ الأسماءِ عبدُ الله، وعبدُ الرّحمن، وحارثٌ، وهَمّامٌ؛ حارثٌ يحرُثُ لدُنْياه، وهمّامٌ يهُمُّ بالخير، وشرُّ الأسماءِ حربٌ ومُرّةُ" (٤).

стр. 8568

وهذا ممّا قلنا من باب الفأل؛ لأنه ﷺ كان يُعجِبُه الاسمُ الحسنُ، والفألُ الحَسَنُ، وكان يكرَهُ الاسمَ القبيح؛ لأنه كان يتفاءلُ بالحَسَنِ من الأسماء (١). أخبرنا عبدُ الرّحمن بنُ يحيى (٢) قراءةً منِّي عليه، أن عليَّ بنَ محمدِ بنِ مسرورٍ الدّبّاغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داود (٣)، قال: حدَّثنا سُحْنُون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني ابنُ لَهيعة، عن الحارثِ بنِ يزيد، عن عبدِ الرحمن بن جُبير، عن يَعيشَ الغِفاريّ، قال: دعا النبيُّ ﷺ يومًا بناقة، فقال: "مَن يَحلِبُها؟ ". فقام رجلٌ فقال: "ما اسمُك؟ ". قال: مُرّةُ. قال: "اقعُدْ". ثم قام آخر فقال: "ما اسمُك؟ ". قال: جَمْرة. قال: "اقعُدْ". ثم قام رجلٌ فقال: "ما اسمُك؟ ". قال: يَعيشُ. قال: "احلُبْها" (٤).

стр. 8569

وروى حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن حُميد، عن بَكْرِ بنِ عبدِ الله المُزَنيِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا توجَّه لحاجةٍ يُحبُّ أن يسمَع: يا نَجيحُ، يا راشدُ، يا مُبارك (١). أخبرنا عبدُ الله (٢)، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ القاسم الدِّمَشقيُّ، قال: حدَّثنا أبو أُميّة (٣)، قال: حدَّثنا

стр. 8570

الأصمعيُّ، عن ابنِ عَوْن، عن ابنِ سيرين، قال: كانوا يَستحِبُّون الفألَ ويكرهون الطِّيَرة. قال: فقلتُ لابن عَوْن: يا أبا عَوْن، ما الفألُ؟ قال: أن تكونَ باغيًا فتسمَع: يا واجدُ. أو تكونَ مريضًا فتسمَع: يا سالمُ. وقد رُوِيَ من حديثِ بُريدَة أنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يتطَيَّرُ من شيء، ولكن كان إذا سأل عن اسم الرجل فكان حَسَنًا رُئيَ البشاشةُ في وَجْهِه، وإن كان سيِّئًا رُئيَ ذلك فيه، وإذا سأل عن اسم الأرضِ فكان حسنًا رُئيَ ذلك فيه. حدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٢): حدَّثنا حسينُ بنُ حُرَيث، قال: حدَّثنا أوسُ بنُ عبدِ الله بنِ بُريدة، عن الحُسينِ بنِ واقد، عن عبدِ الله بنِ بُريدة، عن أبيه، قال: كان النبيُّ ﷺ لا يتَطيَّر، ولكن كان يتفاءل. فركِبَ بُريدةُ في سبعينَ راكبًا من أهل بيتِه من بني أسلَم، فتلقَّى النبيَّ ﷺ ليلًا، فقال له نبيُّ الله ﷺ : "مَن أنت؟ ". قال: أنا بُريدة. فالتفَت إلى أبي بكر فقال: "يا أبا بكر، بردَ أمرُنا وصلَح". ثم قال: "ممّن؟ ". قال: مِن أسلَمَ. قال لأبي بكر: "سَلِمْنا". قال: ثم قال: "ممّن؟ ". قال: مِنْ بني سَهْم، قال: "خرجَ سهْمُكَ".

стр. 8571

قال أحمدُ بنُ زهير: قال لنا أبو عمّار: سمِعتُ أوْسًا يُحدِّث بهذا الحديثِ بعدَ ذلكَ عن أخيه سَهْلِ بنِ عبدِ الله، عن أبيه عبد الله بنِ بُريدة، عن بُريدة فأعَدْتُ ثلاثًا: مَنْ حدّثكَ؟ قال: سَهْلٌ أخي. حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن هشام بن أبي عبد الله، وشُعبةُ، عن قَتادة، عن أنس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا عَدْوى ولا طِيَرة، وأحبُّ الفأْلَ" قيل: وما الفألُ؟ قال: "الكلمةُ الحسَنةُ" (١) (٢).

стр. 8572

حديثٌ رابعٌ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد؛ أنه قال: إنّ الرّجلَ ليُصلِّي الصّلاةَ وما فاتَتْهُ ولَما فاتَهُ من وقْتِها أعظَمُ، أو أفضلُ (٢) من أهلِه ومالِه. وهذا موقوفٌ في الموطّأ، ويستَحيلُ أن يكونَ مثلَهُ رأيًا، فكيف وقد رُوِيَ مرفوعًا بإسنادٍ ليس بالقويِّ. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمٌ بنِ عيسى القرئ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حبابةَ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز البغويُّ، قالْ حدَّثني جدِّي، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ الوليد، عن ابنِ أبي ذئب، عن المَقبُريِّ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنّ أحدَكم ليُصلِّي الصلاةَ وما فاتَهُ من وقتِها أشدُّ عليه من أهلِه ومالِه" (٣). وهذا يدلّ على أنّ أولَ الوقتِ أفضلُ. وكان مالكٌ فيما حكَي ابنُ القاسم عنه لا يُعجِبُه قولُ يحيى بنِ سعيد هذا (٤). قال أبو عُمر: أظنُّ ذلك واللهُ أعلمُ من أجل قوله ﷺ : "ما بين هذين وقتٌ" (٥).

стр. 8573

فجعَل أولَ الوقتِ وآخرَه وقتًا، ولم يقل: إنّ أولَه أفضلُ. والذي يَصحُّ عندي من تركِ مالكٍ الإعجابَ بهذا الحديث؛ لأنَّ فيه: "وما فاتَه من وقتِها أفضلُ من أهلِه ومالِه". أو: "أشدُّ عليه من ذَهابِ أهلِه ومالِه". وهذا اللفظُ قد ثبَت عن النبيِّ ﷺ أنه قال فيمن فاتتْه صلاةُ العصر فوتًا عندَ أهلِ العلم كليًّا حتى يخرجَ وقتُها كلُّه، ولا يُدرِكَ منها رَكْعةً قبلَ الغروب، وهذا المعنى يُعارضُ ظاهرَ قولِه في هذا الحديث: "وما فاتَتْه، ولما فاتَه من وقتِها". لأنَّ قوله: "فاتَه وقتُها". غيرُ قوله: "فاتَه من وقتِها". فكأنَّ مالكًا ﵀ لم يرَ أنّ بينَ (١) أول الوقتِ ووَسَطِه وآخرِه من الفَضْلِ ما يُشبهُ مُصيبةَ مَن فاتَه ذلك بمصيبةِ مَن ذهِب أهلُه ومالُه؛ لأنَّ ذلك إنما ورَد في ذَهابِ الوقتِ كلِّه. هذا عندي معنَى قول مالك، واللهُ أعلم (٢)؛ لأنَّ في هذا الحديثِ أنَّ فواتَ بعضِ الوقتِ كفواتِ الوقتِ كلِّه، وهذا لا يقولُه أحدٌ من العلماء، لا مَن فضَّلَ أولَ الوقتِ على آخرِه ولا مَن سوّى بينهما؛ لأنَّ فَوتَ بعض الوقتِ مباح، وفوتَ الوقتِ كلِّه لا يجوز، وفاعلُه عاصٍ لله إذا تعمَّد ذلك، وليسَ كذلك مَن صلّى في وَسَطِ الوَقْتِ وآخرِه، وإن كان مَن صَلّى في أولِ الوقتِ أفضلَ منه، وتَدبَّرْ هذا تجدْه كذلك إن شاء الله. قال أبو عُمر: مَن فضَّلَ أولَ الوقتِ فله دَلائلُ وحُجَجٌ قد ذكَرناها في مواضعَ من هذا الكتاب، والحمدُ لله، وهذا الحديثُ من أحسنِها، والوجهُ فيه أنه

стр. 8574

غيرُ معارضٍ لحديثِ ابنِ عُمر (١)؛ لأنَّ الإشارةَ في حديثِ هذا الباب إلى تفضيلِ أولِ الوقتِ وتعظيم عملِ الصلاةِ والبِدارِ إليها فيه، والتحقيرِ للدّنيا. يقول: إنّ مَن ترَك الصلاةَ إلى آخرِ وقتِها وهو قادرٌ على فعلِها، فقد ترَك من الفضلِ وعظيم الأجر ما هو أعظمُ وأفضلُ من أهلِه ومالِه؛ لأنَّ قليلَ الثواب في الآخرةِ فوقَ ما يُؤتَى المرءُ في الدنيا من الأهلِ والمال، ولموضعُ سَوْطٍ في الجنةِ خيرٌ من الدّنيا وما فيها (٢). ويدلُّك على ما ذكَرنا حديثُ العلاء، عن أنس مرفوعًا: "تلك صلاةُ المنافقين" (٣). يعيبُ تاركَ العصرِ إلى اصفرارِ الشمسِ من غيرِ عذر. وحكمُ صلاةِ الصبحِ وصلاةِ العشاءِ كحكم صلاةِ المحصرِ عندَ العلماء؛ لأنها لا تَشتركُ مع غيرِها بعدَها، فحديثُ هذا الباب ورَد في تفضيل الصلاةِ لأولِ وقتِها، على ما ذكَرنا، لا أنّ فاعلَ ذلك كمَن وُتِرَ أهلَه ومالَه، واللهُ أعلم. وقد مَضَى القولُ في معنَى قولِه ﵇: "مَن فاتَتْهُ صلاةُ العَصْرِ فكأنّما وَتِر أهلَه ومالَه". في باب نافع من كتابنا هذا (٤). والحمدُ لله. قرأتُ على عبدِ الوارث بنِ سُفيان، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا

стр. 8575

عُثمانُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ مِغْوَل، عن الوليدِ بنِ العَيْزار، عن أبي عَمْرٍو الشيبانيِّ، عن عبدِ الله، قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ : أيُّ العَمَلِ أفضلُ؟ قال: "الصَّلاةُ في أولِ وقتِها" (١). قال: وحدَّثنا عُثمانُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا المَسعوديُّ، عن عبدِ الملك بنِ عُمَير، عن ابن أبي حَثْمَة (٢)، عن الشِّفاء، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أفضلُ العملِ الصلاةُ على أولِ وقتِها" (٣). قال وحدَّثنا عُثمانُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عُمر، عن القاسم بنِ غَنّام، عن بعضِ أمهاتِه، عن أمِّ فَرْوة، أنها سألت رسولَ الله ﷺ : أيُّ العملِ أفضلُ؟ فقال: "الصلاةُ في أولِ وقتِها" (٤).

стр. 8576

وروَى الليثُ بنُ سَعْد، عن عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن القاسمِ بنِ غنّام، عن جَدّتِه الدُّنيا، عن جَدتِه القُصوَى أمِّ فَرْوة، وكانت من المُبايعات، أنّ النبيَّ ﷺ سُئل: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ فقال: "الصلاةُ لأولِ وقتِها" (١). وهذه الآثارُ قد عارضَها من صحيح الآثارِ ما هو مذكورٌ في موضعِه من هذا الكتاب إن شاء الله (٢).

стр. 8577

حديثٌ خامسٌ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، أنَّه قال: بلَغني أنَّ أولَ ما يُنظرُ فيه من عَمَل العَبْدِ الصَّلاةُ، فإن قُبِلت منه نُظرَ فيما بَقِيَ من عَمَلِه، وإن لم تُقبلْ منه لم يُنظَرْ في شيءٍ من عَمَلِه. وهذا لا يكونُ رأيًا ولا اجتهادًا، وإنما هو توقيفٌ، وقد رُوِيَ مُسندًا عن النبيِّ ﷺ من وُجُوه صِحاح. حدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الخَضرِ بنِ عبدِ الله (٢)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا عُمرُ بنُ موسى الساميُّ، حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن داودَ بنِ أبي هند، عن زُرارةَ بنِ أوفَى، عن تميم الداريّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أولُ ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامةِ صلاتُه" (٣).

стр. 8578

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، عن سُفيانَ بنِ حُسين، عن عليِّ بنِ زيد، عن أنسِ بنِ حكيم الضَّبِّيّ، قال: قال لي أبو هُريرة: إذا أتيتَ أهلَ مصرِكَ فأخبِرْهم أنِّي سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أولُ ما يُحاسَبُ به العبدُ المسلمُ الصلاةُ المكتوبة، فإن أتمَّها، وإلا قيل: انظُروا هل له من تطوُّع؟ فإن كان له تطوُّع أُكمِلتِ الفريضةُ من تطوُّعِه، ثم يُفعلُ بسائرِ الأعمالِ المفروضةِ مثلُ ذلك". حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد بن أحمد (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ بنِ العباس، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عليٍّ الأنطاكيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعيدِ بنِ غالب. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود،

стр. 8579

قال (١): حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، قالا: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عليّة، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ الحَسَن، عن أنسِ بنِ حكيم الضَّبِّيّ، أنه أتى المدينةَ فلقيَ أبا هُريرةَ فقال له: يا فتى، ألَا أحدِّثُكَ حديثًا لعلّ اللهَ أن ينفعَك به؟ قلت: بلى. قال: إنَّ أولَ ما يُحاسَبُ به الناسُ يومَ القيامةِ من أعمالِهم الصَّلاةُ، فيقولُ ربُّنا ﵎ لملائكتِه وهو أعلم: انظُروا في صلاةِ عبدي؛ أتمَّها أم نقَصَها؟ فإن كانت تامّةً، كُتِبت له تامّةً، وإن كان انتقَص منها شيئًا، قال: انظُروا هل لعبدي من تطوُّع؟ فإن كان له تطوُّع، قال: أكمِلُوا لعبدي فريضتَه من تطوُّعِه. ثم تؤخَذُ الأعمالُ على ذلك. قال يونُس: وأحسَبُه عن النبيِّ ﷺ . قال أبو داود (٢): وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن داودَ بنِ أبي هند، عن زُرارةَ بنِ أوفى، عن تميم الدَّاريّ، عن النبيِّ ﷺ بهذا المعنى. قال: "ثم الزكاةُ مثلُ ذلك، ثم تؤخَذُ الأعمالُ على حَسَبِ ذلك". قال أبو عُمر: أما إكمالُ الفريضةِ من التطوع، فإنما يكونُ ذلك، واللهُ أعلم، فيمَن سَهَا عن فريضةٍ فلم يأتِ بها أو لم يُحسِنْ رُكوعَها ولم يدرِ قَدْرَ ذلك، وأمّا مَن تعمَّد تركَها، أو نسِيَ ثم ذكَرها فلم يأتِ بها عامدًا، واشتغَل بالتطوُّع عن أداءِ فَرضِه وهو ذاكرٌ له، فلا تُكمَلُ له فريضتُه تلك من تطوُّعِه، واللهُ أعلم.

стр. 8580

وقد رُوِيَ من حديثِ الشاميين في هذا البابِ حديثٌ هو عندي مُنكرٌ واللهُ أعلم؛ يَرويه محمدُ بنُ حِميَر، عن عَمْرِو بنِ قيسٍ السَّكُونيّ، عن عائذِ (١) بنِ قُرط، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ صلَّى صلاةً لم يُكمِلْ فيها رُكُوعَه وسُجودَه وخُشوعَه، زيدَ فيها من سُبُحاتِه حتى تَتِمَّ" (٢). وهذا لا يُحفَظُ عن النبيِّ ﷺ إلّا من هذا الوجه،

стр. 8581

وليس بالقويِّ، وإن صحَّ كان معناه أنه خرَج من صلاتِه وقد أتمَّها عندَ نفسِه، وليست في الحكم بتامّة، واللهُ أعلم. هذا على أنه قد كان يلزَمُه أن يتعلَّم، فإن عُذِّب عُذِّب على تركِ التعلُّم، وإن عُفِىَ عنه، فاللّهُ أهلُ العفوِ وأهلُ المغفرة. وأما قولُه في حديث يحيى بن سعيد: "فإن قُبِلت منه نُظِر فيما بقيَ من عملِه " فمعنى القبولِ واللهُ أعلم: أن تُوجدَ تامّةً على ما يلزَمُه منها لُزومَ فرض، فإذا وُجِدتْ كذلك قُبِلت ونُظِر في سائرِ عملِه. وآثارُ هذا البابِ تعضُدُ هذا التأويلَ إن شاء الله، ولا يصِحُّ غيرُه على الأصولِ الصِّحاح، واللهُ أعلم. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (١): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا أبانُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا قتادة، عن الحَسَن، عن أنسِ بنِ حكيم، عن أبي هُريرة، أنّ النبيَّ ﷺ قال: "أولُ ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامة يُحاسَبُ بصلاتِه، فإن صلَحت فقد أفلحَ وأنجَح، وإن فسَدت فقد خاب وخسِر".

стр. 8582

حديثٌ سادسٌ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، أنه قال: بلَغني أن المرءَ (٢) ليدرِكُ بحُسنِ خُلُقِه درجةَ القائم بالليل، الظامئ بالهواجر. وهذا لا يجوزُ أن يكونَ رأيًا، ولا يكونُ مثلُه إلا توقيفًا، وقد رُوِيَ مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ مُسنَدًا من وُجوهٍ حِسان، من حديثِ يحيى بنِ سعيدٍ هذا وغيرِه. حدَّثناه خلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشِيق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا عَمْرُو بنُ عُثمانَ الحِمْصيُّ، قال: حدَّثنا اليمانُ بنُ عَدِيّ، عن زُهير، عن يحيى بنِ سعيد، عن القاسم، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ قال: "إن الرجلَ ليُدرِكُ بحُسنِ الخُلُقِ درجةَ الساهرِ بالليل، الظامئ بالهواجر" (٣). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا سَهْلُ بنُ إبراهيمَ بنِ سَهْل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بنُ الهيثم الجَزَريُّ البَلَديُّ الزُّهريُّ أبو إسحاق، قال: حدَّثنا أبو اليمان، قال: حدَّثنا عُفيرُ بنُ مَعدانَ

стр. 8583

الحِمصيُّ، عن سُلَيم بنِ عامر، عن أبي أُمامة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنّ الرجلَ لَيُدركُ بحُسن خُلُقِه أجرَ الساهرِ بالليل، الظامئ بالهواجر" (١). أخبَرنا عبدُ الرّحمن بنُ يحيى (٢)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سُليمان، قال: حدَّثنا سُحنونُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال (٣): أخبَرني بنُ لَهيعة، عن الحارثِ بنِ يزيد، عن ابنِ حُجَيْرة، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ عَمْرو، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ المُسلمَ المسدَّدَ ليُدرِكُ درجةَ الصوّام القوّام بآياتِ الله بحُسْنِ خُلُقِه وكرَم ضريبتِه". أخبَرنا أحمدُ بنُ محمد (٤)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن، قال: حدَّثنا سُفيانُ،

стр. 8584

عن حَبيب، عن ميمونِ بنِ أبي شَبيب، عن أبي ذَرّ، قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "اتَّقِ اللهَ حيثُ كُنتَ، وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ" (١). حدَّثنا خلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح المقرئ، حدَّثنا محمدُ بنُ محمود، حدَّثنا جعفرُ بنُ هشام، حدَّثنا العباسُ بنُ بكّار، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ التميميُّ، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّ اللهَ ليُدخِلُ العبدَ المسلمَ بطَلاقةِ وجهِه، وحُسْنِ بشرِه، وحُسْنِ خُلُقِه، الجنةَ، حتى ينالَ الدرجاتِ العُلا مع الصائم القائم المخبِت" (٢).

стр. 8585

وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: أخبَرنا يوسفُ بنُ أحمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَمْرٍو العُقَيْليُّ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله بنِ جعفرِ بنِ نَجيح المدينيُّ، قال: حدَّثنا فُضيلُ بنُ سُليمانَ النُّمَيريُّ، عن صالحِ بنِ خَوّات بنِ صالحِ بنِ خَوّاتِ بنِ جُبير، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنّ المرءَ لَيُدرِكُ بحُسنِ خُلُقِه درجاتِ القائم بالليل، المُظْمِئ بالهواجر" (٢). حدَّثنا عبدُ الرّحمن (٣)، قال: حدَّثنا عليّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحْنون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال (٤): أخبَرني يعقوبُ بنُ عبدِ الرّحمن، عن

стр. 8586

عَمْرٍو مولى المُطَّلب، عن المُطَّلب، عن عائشةَ زوج النبيِّ ﷺ ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إن المؤمنَ لَيُدرِكُ بحُسنِ خُلُقِه درجةَ الصائم القائم". وحدَّثنا سَلَمةُ بنُ سعيدِ بنِ سَلَمة، قال: حدَّثني عليُّ بنُ عُمرَ بنِ أحمدَ بنِ مهديّ الحافظُ البغداديُّ بمصر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ الحُسين، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ الحَسَنِ أبو عُبيدِ الله (١)، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن أبي العطُوف، عن عبد الملك بن عُمير، عن المنذر بن جَرِير، عن أبيه، قال: سمِعتُ كَعْبَ الأحبارِ يقول: إنّ في كتابِ الله المُنزَّل: إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا حسّنَ خَلْقَهُ وخُلُقَهُ.

стр. 8587

حديث سابعٌ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد؛ أنَّه قال: بَلَغني أنّ رسولَ الله ﷺ كان يُولمُ بالوَليمةِ ما فيها خُبزٌ ولا لَحْمٌ. هذا الحديثُ في الموطّأ عند جماعَتِهم (٢) لم يُجاوِزُوا به يَحيى بنَ سعيد، ولم يَختلفِ الرُّواةُ عن مالكٍ فيه. وأمّا حديثُ أحمدَ بنِ المبارَك، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ أنّ النبيَّ ﷺ أوْلَمَ على بعضِ نسائِه بسَويقٍ وتَمْر، فباطِلٌ عن مالك (٣)، ويصِحُّ عنِ الزُّهريِّ من غير روايةِ مالك (٤). ويستندُ من وُجوهٍ من حديثِ يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، إلا أنّه لا يصِحُّ سماعُه ليَحْيى من أنس. ورواهُ سُليمانُ بنُ بلال، عن يَحيى بنِ سعيد، عن حُميد، عن أنس، قال: شهدتُ لرسولِ الله ﷺ وَلِيمةً ليس فيها خُبْزٌ ولا لَحْمٌ، ذكَرهُ ابنُ وَهْب وسعيدُ بنُ عُفير، عن سُليمانَ بنِ بلالٍ بهذا الإسناد، وزادَ ابنُ وَهْبٍ في هذا الحديث: قيلَ: فبأيِّ شيءٍ يا أبا حمزة؟ قال: بسَوِيق (٥).

стр. 8588

حدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الهيثم أبو الأحْوَص، قال: حدَّثنا ابنُ عُفير، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ بلال، عن يَحيى بن سعيد، عن حُميدٍ الطّويل، عن أنس، قال: أكلْتُ لرسولِ الله ﷺ وَليْمةً ليس فيها خُبْزٌ ولا لَحْمٌ، قلت: فبأيِّ شيءٍ هو يا أبا حمزة؟ قال: تَمرٌ وسَوِيقٌ (٢). ورواهُ إسماعيلُ بنُ عيّاش، عن يحيى بنِ سعيد، عن أنس، وإسماعيلُ هذا ليس بالقويِّ (٣) - فيما رَوى عن أهلِ المدينة. حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد (٤)، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسمٌ (٥)، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى القَفْصيُّ الحافظُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عوف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المبارَكِ الصُّوريُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيّاش، عن يحيى بنِ سعيد، عن أنس، قال: أوْلَمَ رسولُ الله ﷺ على بعضِ أزواجِه على غيرِ خُبْزٍ ولا لحْمٍ إلا الحَيْسَ (٦). وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمٌ بنِ عيسى المُقرئ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حَبابةَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ البَغْويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد،

стр. 8589

قال (١): أخبرنا سلّامُ بنُ مِسْكين، عن عُمرَ بنِ مَعْدان وثابتٍ عن أنسِ بنِ مالك، قال: شهدتُ لرسولِ الله ﷺ وَليْمةً ما فيها خبزٌ ولا لَحْمٌ. قال البغوي: لا نعلمُ أحدًا قال في هذا الحديثِ مع عُمرَ بنِ مَعْدان: ثابت إلّا عليَّ بنَ الجَعْد. قال أبو عُمر: قد روى هذا الحديثَ عن أنسٍ: الزُّهريُّ، وحُميدٌ، وعَمْرُو بنُ أبي عَمْرٍو، ولا يُنكَرُ من حديثِ ثابت، ولثابتٍ عن أنسٍ حديثُ الوَليْمةِ على زينب (٢). وأما هذه الوَليمةُ، فهي الوَليمةُ على صفيّة، لأنه كان في سفَرٍ ولم يكُنْ هناكَ غيرُ ذلك، واللهُ أعلم. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على التأكيدِ في الإطعامِ للوَليمةِ بما يَسُرَ (٣) من قليلٍ وكثير، وليسَتِ الوَليمةُ اللَّحْمَ، إنّما الوَليمةُ طعامُ العُرْسِ لحمًا كان أو غيرَ لحْم. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالب، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا سُليمان بنُ المُغيرة،

стр. 8590

عن ثابت، عن أنس، أنّ رسولَ الله ﷺ أطْعَمَ على زينبَ حينَ تزوَّجَها خُبزًا ولَحْمًا، حتّى (١) امتدَّ النّهار (٢). وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمٌ، وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، أخبَرنا حُميدٌ الطويل، عن أنس، قال: أوْلَمَ رسولُ الله ﷺ على زينبَ فأشْبَعَ المسلمينَ خُبْزًا ولَحْمًا (٣). وقد مضى في بابِ حُميدٍ الطويل (٤) وبابِ ابنِ شهاب (٥)، عن الأعْرَج من أحكامِ طعامِ الوَليمةِ والإجابةِ إليها ما فيه كفايةٌ وشفاءٌ، فلا وجهَ لتكريرِ ذلك هاهنا. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٦)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٧): حدَّثنا حامدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا وائلُ بنُ داود،

стр. 8591

عن ابنِه (١) بَكْرِ بنِ وائل، عن الزُّهريِّ، عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ أوْلَمَ على صَفيّةَ بسَوِيقٍ وتَمْر. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدَّراوَرْديُّ، عن عَمْرِو بنِ أبي عَمْرو؛ أنّه سمِعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: لمّا افتتَحَ رسولُ الله ﷺ خيبر، واصْطفى صفيّةَ بنتَ حُيَيٍّ لنَفْسِه، خرجَ بها رسولُ الله ﷺ يُرْدِفُها وَراءَهُ يحْوِي عليها عَباءَتَه، ثم رأيتُ رسولَ الله ﷺ يضَعُ رِجْلَه حتّى تقومَ عليها وتركَبَ، فلمّا بلَغَ سدَّ الصَّهْباء، عرَّسَ بها فصنَعَ حَيْسًا في نِطَع، فأمرَني فدعَوْتُ مَنْ حوْلَه، فكانتْ تلكَ وَليْمَتَه (٣).

стр. 8592

حديثٌ ثامنٌ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أنه قال: بلَغني أنَّ رسولَ الله ﷺ كُفِّن في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليّة. وهذا حديثٌ مسندٌ من رواية هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ من حديثِ مالكٍ (٢) وغيرِه، وقد ذكَرناه في باب هشامِ بنِ عُروةَ من هذا الكتاب، والحمدُ لله. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحَسَنِ الصبّاحيُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرّحمن الطُّفاويُّ، عن هشامِ بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كُفِّن رسولُ الله ﷺ في ثلاثِ لفائفَ بيضٍ سَحُوليّة، ليس فيها قميصٌ ولا عِمامة. قالت: فلمّا قُبِض أبو بكر قال: كفِّنوني في هذا الثوب. لثوبٍ كان فيه رَدْغُ زعفرانٍ كان يُمَرَّضُ فيه، وأمَرهم أن يَغسِلُوه، وثوبينِ آخرَين، فقالوا: نُكفِّنُك في ثيابٍ جُدُد؟ قال: لا، الحيُّ أحوجُ إلى الجديدِ من الميِّت، إنما هو للمِهْلة (٣). يعني بالمِهْلةِ الصديد. وقد روَي هذا الحديثَ جماعة عن هشام بنِ عُروة، ورواه عن عائشةَ القاسمُ (٤) وعُروة، إلا أن في حديثِ عُروةَ زيادةَ قولها: ليس فيها قميصٌ ولا عِمامة. وقد مضَى القولُ في أكفانِ الموتى للرجالِ والنساءِ في بابِ هشامِ بنِ عُروة (٥)، والحمدُ لله.
следующие страницы →