← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8588–8627 · переход к 8593.

стр. 8588

حدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الهيثم أبو الأحْوَص، قال: حدَّثنا ابنُ عُفير، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ بلال، عن يَحيى بن سعيد، عن حُميدٍ الطّويل، عن أنس، قال: أكلْتُ لرسولِ الله ﷺ وَليْمةً ليس فيها خُبْزٌ ولا لَحْمٌ، قلت: فبأيِّ شيءٍ هو يا أبا حمزة؟ قال: تَمرٌ وسَوِيقٌ (٢). ورواهُ إسماعيلُ بنُ عيّاش، عن يحيى بنِ سعيد، عن أنس، وإسماعيلُ هذا ليس بالقويِّ (٣) - فيما رَوى عن أهلِ المدينة. حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد (٤)، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسمٌ (٥)، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى القَفْصيُّ الحافظُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عوف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المبارَكِ الصُّوريُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيّاش، عن يحيى بنِ سعيد، عن أنس، قال: أوْلَمَ رسولُ الله ﷺ على بعضِ أزواجِه على غيرِ خُبْزٍ ولا لحْمٍ إلا الحَيْسَ (٦). وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمٌ بنِ عيسى المُقرئ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حَبابةَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ البَغْويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد،

стр. 8589

قال (١): أخبرنا سلّامُ بنُ مِسْكين، عن عُمرَ بنِ مَعْدان وثابتٍ عن أنسِ بنِ مالك، قال: شهدتُ لرسولِ الله ﷺ وَليْمةً ما فيها خبزٌ ولا لَحْمٌ. قال البغوي: لا نعلمُ أحدًا قال في هذا الحديثِ مع عُمرَ بنِ مَعْدان: ثابت إلّا عليَّ بنَ الجَعْد. قال أبو عُمر: قد روى هذا الحديثَ عن أنسٍ: الزُّهريُّ، وحُميدٌ، وعَمْرُو بنُ أبي عَمْرٍو، ولا يُنكَرُ من حديثِ ثابت، ولثابتٍ عن أنسٍ حديثُ الوَليْمةِ على زينب (٢). وأما هذه الوَليمةُ، فهي الوَليمةُ على صفيّة، لأنه كان في سفَرٍ ولم يكُنْ هناكَ غيرُ ذلك، واللهُ أعلم. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على التأكيدِ في الإطعامِ للوَليمةِ بما يَسُرَ (٣) من قليلٍ وكثير، وليسَتِ الوَليمةُ اللَّحْمَ، إنّما الوَليمةُ طعامُ العُرْسِ لحمًا كان أو غيرَ لحْم. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالب، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا سُليمان بنُ المُغيرة،

стр. 8590

عن ثابت، عن أنس، أنّ رسولَ الله ﷺ أطْعَمَ على زينبَ حينَ تزوَّجَها خُبزًا ولَحْمًا، حتّى (١) امتدَّ النّهار (٢). وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمٌ، وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، أخبَرنا حُميدٌ الطويل، عن أنس، قال: أوْلَمَ رسولُ الله ﷺ على زينبَ فأشْبَعَ المسلمينَ خُبْزًا ولَحْمًا (٣). وقد مضى في بابِ حُميدٍ الطويل (٤) وبابِ ابنِ شهاب (٥)، عن الأعْرَج من أحكامِ طعامِ الوَليمةِ والإجابةِ إليها ما فيه كفايةٌ وشفاءٌ، فلا وجهَ لتكريرِ ذلك هاهنا. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٦)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٧): حدَّثنا حامدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا وائلُ بنُ داود،

стр. 8591

عن ابنِه (١) بَكْرِ بنِ وائل، عن الزُّهريِّ، عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ أوْلَمَ على صَفيّةَ بسَوِيقٍ وتَمْر. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدَّراوَرْديُّ، عن عَمْرِو بنِ أبي عَمْرو؛ أنّه سمِعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: لمّا افتتَحَ رسولُ الله ﷺ خيبر، واصْطفى صفيّةَ بنتَ حُيَيٍّ لنَفْسِه، خرجَ بها رسولُ الله ﷺ يُرْدِفُها وَراءَهُ يحْوِي عليها عَباءَتَه، ثم رأيتُ رسولَ الله ﷺ يضَعُ رِجْلَه حتّى تقومَ عليها وتركَبَ، فلمّا بلَغَ سدَّ الصَّهْباء، عرَّسَ بها فصنَعَ حَيْسًا في نِطَع، فأمرَني فدعَوْتُ مَنْ حوْلَه، فكانتْ تلكَ وَليْمَتَه (٣).

стр. 8592

حديثٌ ثامنٌ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أنه قال: بلَغني أنَّ رسولَ الله ﷺ كُفِّن في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليّة. وهذا حديثٌ مسندٌ من رواية هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ من حديثِ مالكٍ (٢) وغيرِه، وقد ذكَرناه في باب هشامِ بنِ عُروةَ من هذا الكتاب، والحمدُ لله. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحَسَنِ الصبّاحيُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرّحمن الطُّفاويُّ، عن هشامِ بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كُفِّن رسولُ الله ﷺ في ثلاثِ لفائفَ بيضٍ سَحُوليّة، ليس فيها قميصٌ ولا عِمامة. قالت: فلمّا قُبِض أبو بكر قال: كفِّنوني في هذا الثوب. لثوبٍ كان فيه رَدْغُ زعفرانٍ كان يُمَرَّضُ فيه، وأمَرهم أن يَغسِلُوه، وثوبينِ آخرَين، فقالوا: نُكفِّنُك في ثيابٍ جُدُد؟ قال: لا، الحيُّ أحوجُ إلى الجديدِ من الميِّت، إنما هو للمِهْلة (٣). يعني بالمِهْلةِ الصديد. وقد روَي هذا الحديثَ جماعة عن هشام بنِ عُروة، ورواه عن عائشةَ القاسمُ (٤) وعُروة، إلا أن في حديثِ عُروةَ زيادةَ قولها: ليس فيها قميصٌ ولا عِمامة. وقد مضَى القولُ في أكفانِ الموتى للرجالِ والنساءِ في بابِ هشامِ بنِ عُروة (٥)، والحمدُ لله.

стр. 8593

حديثٌ تاسعٌ وستُّونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، قال: كان رسولُ الله ﷺ جالسًا وقبرٌ يُحفَرُ بالمدينة، فاطَّلَع رجلٌ في القبر فقال: بئسَ مضْجَعُ المؤمن. فقال رسولُ الله ﷺ : "بئسَ ما قلتَ". فقال الرجل: إنِّي لم أُرِدْ هذا، إنما أردتُ القتلَ في سبيلِ الله. فقال رسولُ الله ﷺ : "لا مِثْلَ للقتلِ في سبيلِ الله، ما على الأرضِ بقعةٌ هي أحَبُّ إلىَّ أن يكونَ قَبري بها منها". ثلاثَ مرّات. وهذا الحديثُ لا أحفَظُه مسنَدًا، ولكن معناه موجودٌ من روايةِ مالكٍ وغيرِه، وفضائلُ الجهادِ كثيرةٌ جدًّا، وأمّا تمنِّي رسولِ الله ﷺ للقتلِ في سبيلِ الله، فمحفوظٌ من روايةِ الثقات. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢): أخبَرنا عَمْرُو بنُ عُثمانَ بنِ سعيد، قال: حدَّثنا أبي، عن شُعيب، عن الزُّهريِّ، قال: أخبَرني سعيدُ بنُ المسيِّب، عن أبي هُريرة، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "والذي نفسي بيدِه، لولا أنَّ رجالًا من المؤمنين لا تطِيبُ أنفسُهم بأن تخلَّفوا عنِّي، ولا أجِدُ ما أحمِلُهم عليه، ما تخلَّفتُ عن سَريّةٍ تَغْزو في سبيلِ الله، والذي نفسي بيدِه، لوَدِدْتُ أنّي أُقتَلُ في سبيلِ الله ثم أُحيا فأُقتَلُ، ثم أُحيا فأُقتَلُ، ثم أُحيا فأُقتَلُ". قال (٣): وأخبَرني عَمْرُو بنُ عُثمان، قال: حدَّثنا بقيّةُ، عن بَحير، عن خالدِ بنِ

стр. 8594

مَعْدان، عن جُبيرِ بنِ نُفير، عن ابنِ أبي عَميرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لأن أُقتَلَ في سبيلِ الله أحَبُّ إليَّ من أن يكونَ لي أهلُ الوَبَرِ والمدَر". قال (١): وأخبَرنا يوسفُ بنُ سعيد، قال: سمِعتُ حجّاجَ بنَ محمد، قال:

стр. 8595

أخبَرنا ابنُ جُريج، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ يَخامِرَ، أن معاذَ بنَ جَبَل حدَّثهم، أنَّه سمِع النبيَّ ﷺ يقول: "مَن قاتلَ في سبيلِ الله من رجلٍ مسلم فَواقَ ناقةٍ (١) وجَبتْ له الجنة، ومَن سأل الله القتلَ من عندِ نفسِه صادقًا ثم مات أو قُتِل فله أجرُ شهيد، ومَن جُرِح جُرْحًا في سبيل الله، أو نُكِبَ نَكْبةً، فإنها تجيءُ يومَ القيامةِ كأغْزَرِ ما كانت؛ لونُها كالزَّعْفَران، ورِيحُها كالمِسْك، ومَنْ جُرحَ جُرْحًا في سبيل الله، فعَلَيهِ طابعُ الشُّهداء.

стр. 8596

حديثٌ مُوفي سَبعينَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، قال: لما كان يومُ أُحُدٍ قال رسولُ الله ﷺ : "مَن يأتيني بخبرِ سَعْدِ بنِ الربيع الأنصاريّ؟ ". فقال رجل: أنا يا رسولَ الله. فذهبَ الرجلُ يطوفُ بينَ القتلى، فقال له سَعْدُ بنُ الربيع: ما شأنُك؟ فقال الرجل: بعَثني رسولُ الله ﷺ لآتيَه بخَبَركَ. قال: فاذهَبْ إليه فأقرِئْه منِّي السلام، وأخبرْه أنِّي قد طُعِنْتُ اثنتَيْ عَشْرةَ طعنة، وأنِّي قد أُنْفِذَتْ مَقاتلي، وأخبِرْ قومَكَ أنه لا عُذْرَ لهم عندَ الله إن قُتِلَ رسولُ الله ﷺ وواحدٌ منهم حيٌّ. هذا الحديثُ لا أحفَظُه ولا أعرِفُه إلا عندَ أهلِ السَّيَر، فهو عندَهم مشهورٌ معروفٌ. ذكَر ابنُ إسحاق (٢)، قال: لمّا انصرَف أبو سُفيانَ ومَن معَه من أُحُدٍ ووجَّهوا إلى مكةَ فزع الناسُ إلى قتلاهم، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَن رجلٌ يَنظُرُ لي ما فعَل سَعْدُ بنُ الربيع، أفي الأحياءِ هو أم في الأموات؟ ". فقال رجلٌ من الأنصار: أنا أنظُرُ لك يا رسولَ الله ما فعَل. فنظَر، فوجَده جريحًا في القتلى وبه رَمَقٌ. قال: فقلتُ له: إنَّ رسولَ الله ﷺ أمرَني أن أنظُرَ أفي الأحياءِ أنتَ أم في الأموات؟ قال: أنا في الأموات. فأبلِغْ رسولَ الله ﷺ عنِّي السلام، وقلْ له: إنّ سَعْدَ بنَ الربيع يقول لك: جزاكَ اللهُ عنّا خيرَ ما جزَى نبيًّا عن أُمَّته، وأبلِغْ قومَكَ عنِّي السلام، وقل لهم: إنّ سَعْدَ بنَ الربيع يقول لكم: لا عُذْرَ لكم عندَ الله إن خُلِصَ إلى نبيِّكم ومنكم عينٌ تَطْرِفُ. قال: ثم لم أبرَحْ حتى مات. قال: فجِئتُ إلى رسولِ الله ﷺ فأخبَرتُه خبرَه.

стр. 8597

قال ابنُ إسحاق: حدَّثني بخبرِه هذا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الرّحمن بنِ أبي صَعْصَعَةَ المازنيُّ أحدُ بني النجار. وقال ابنُ هشام (١): حدَّثني أبو بكر الزُّبيريُّ أنّ رجلًا دخَل على أبي بكرٍ الصدِّيق وبنتٌ لسَعْدِ بنِ الربيع، جاريةٌ صغيرةٌ، على صدرِه يَرْشُفُها ويُقبِّلُها، فقال رجل: مَن هذه؟ قال: هذه بنتُ رجلٍ خيرٍ منِّي؛ سَعْدِ بنِ الرّبيع، كان من النُّقباءِ يومَ العَقَبة، وشَهِد بدرًا، واستُشهِد يومَ أُحُد. قال أبو عُمر: تَخَلَّفَ سَعْدُ بنُ الربيع ﵀ ابنتين اثنتين، وبهما عُرِفت السُّنةُ والمرادُ من كتاب الله في ميراثِ الابنتَين؛ لأنّ القرآنَ إنما نطَق بقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]. فأخبَر بميراثِ الواحدةِ وميراثِ ما فوقَ الاثنين، ولم يذكُرْ الاثنتَين، فلمّا أعطَى رسولُ الله ﷺ ابنتَيْ سَعْدِ بنِ الربيع الثُّلُثَين، عُلِم أنَّ مرادَ الله أنّ ميراثَ الاثنتَينِ من البناتِ كميراثِ ما فَوْقَهُنَّ من العددِ لا كميراثِ الواحدة، فكأنه قال : فإن كُنَّ نساءً؛ فوق اثنتين فما فوقَهما، فلهنَّ الثلُثان. وقد قيل: إن ذلك أُخِذ قياسًا واعتبارًا بالأُختين. وهذا والحمدُ لله إجماعٌ وإن اختُلِف في السبب، وقد قيل: إن قوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾. معناه: اثنتين، كما قال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]. يريدُ الأعناق (٢).

стр. 8598

حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرّحمن وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عيسى -يعني ابنَ الطبّاع- قال: حدَّثنا عَمْرُو بنُ ثابت، عن عبدِ الله بنِ محمد بنِ عَقِيل، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: إنَّ امرأةً من الأنصارِ أتتِ النبيَّ ﷺ بابنتَيْ سَعْدِ بنِ الربيع، فقالت: يا رسولَ الله، سَعْدُ بنُ الربيع قُتِلَ يومَ أُحدٍ شهيدًا، فأخَذ عمُّهما كلَّ شيءٍ من تَرِكَتِه، فلم يَدَعْ لهما من مالِ أبيهما قليلًا ولا كثيرًا، والله ما لهما مالٌ، ولا يُنكَحان إلا ولهما مال. فقال رسولُ الله ﷺ : "سيقضي اللهُ في ذلك ما شاء". فنزلت السورة: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ الآية. فدعا رسولُ الله ﷺ عمَّهما فقال: "أعطِ هاتينِ الجاريتَينِ الثُّلُثينِ ممّا ترَك أبوهُما، وأعطِ أُمَّهُما الثُّمُن، وما بقيَ فهو لك" (١). قال أبو يعقوب: هذا القولُ الذي ليس فيه اختلاف. أبو يعقوبَ هذا هو إسحاقُ بنُ الطبّاع.

стр. 8599

حديثٌ حادٍ وسبعونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أنّ رسولَ الله ﷺ رغَّب في الجهادِ وذكَر الجنّة (٢) ورجلٌ من الأنصار يأكُلُ تَمَراتٍ في يدِه، فقال: إنّي لَحريصٌ على الدُّنيا إن جلَستُ حتّى أفرُغَ منهُنّ. فرمَى ما في يدِه، وحمل بسيفه، فقاتَل حتّى قُتِلَ. هذا الحديثُ محفوظٌ مسندٌ صحيحٌ من حديثِ جابر: أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣): أخبَرنا محمدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمْرو، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: قال رجلٌ يومَ أُحُد: أرأيتَ إن قُتِلتُ في سبيلِ الله، فأين أنا؟ قال: "في الجنّة". فألقَى تَمَراتٍ كُنَّ في يدِه، ثم قاتَل حتى قُتِلَ. حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى (٤)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ حزم، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ محمدِ بنِ داود، مأمونٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شَيبانَ بالرملة، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن عَمْرو، سمِع جابرًا يقول: قال رجل لرسولِ الله ﷺ

стр. 8600

يومَ أُحُد: يا رسولَ الله، إنْ قُتِلتُ فأينَ أنا؟ قال: "في الجنّة". فألقَى تَمَراتٍ كُنَّ في يدِه، ثم قاتَل حتى قُتِلَ (١). أخبَرنا أحمدُ بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ العباسِ الطُّوسيُّ أبو عبدِ الله صاحبُ الزُّبير بنِ بكّار، قال: حدَّثنا أبو يحيى محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يزيدَ المقرئ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن عَمْرو بنِ دينار، عن جابر، قال: قال رجلٌ يومَ أُحُد: يا رسولَ الله، إن قُتِلتُ فأين أنا؟ قال: "في الجنّة". فألقَى تَمَراتٍ كُنَّ في يدِه، وقاتَل حتى قُتِلَ (٣). وقد رُوِيَ عن أنس، عن النبيِّ ﷺ مثلُه (٤). وذكر ابنُ إسحاق، قال (٥): خرَج رسولُ الله ﷺ إلى الناس -يعني يومَ بدر- فحرَّضَهم على القتال، ونفَل كلَّ امرئ ما أصاب، وقال: "والذي نفْسي بيدِه،

стр. 8601

لا يُقاتلُهم اليومَ رجلٌ فيُقتَلَ صابرًا مُحتسِبًا مُقبِلًا غيرَ مُدبر إلا أدخَله اللهُ الجنّة". فقال عُمَيرُ بنُ الحُمام أخو بني سَلِمةَ وفي يدِهِ تَمَراتٌ يأكلُها: بَخٍ بَخٍ، أما بيني وبينَ أن أدخُلَ الجنّة إلا أن يقتُلَني هؤلاء؟ قال: ثم قذَف التمَراتِ من يدِهِ وأخَذ سيفَه (١)، وقاتَل القومَ حتى قُتِل وهو يقول: ركْضًا إلى الله بغيرِ زادِ ... إلّا التُّقَى وعملَ المَعادِ والصبرَ في الله على الجهادِ ... وكلُّ زادٍ عُرضةُ النفادِ غيرَ التُّقَى والبِرِّ والرشادِ (٢)

стр. 8602

حديثٌ ثانٍ وسبعُونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد؛ أنّ رسولَ الله ﷺ رُئيَ يمسَحُ وجْهَ فرَسِه برِدائِه، فسُئلَ عن ذلك، فقال: "إنّي عُوتِبْتُ اللّيلةَ في الخَيْل". هكذا هذا الحديثُ في الموطّأ عند جماعةِ رُواته (٢) -فيما علِمْتُ، وقد رُوِيَ عن مالكٍ مُسندًا عن يحيى بن سعيد، عن أنس؛ ولا يَصِحُّ. حدَّثنا خلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أحمد، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الحُسينُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا النّضْرُ بنُ سلَمة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عَمْرو الفِهْريُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، سمِعتُه يقول: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يُحدِّثُ عن أنس؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يمسَحُ وَجْهَ فرَسِه بردائِه، فسُئلَ عن ذلك وقيل: يا نبيَّ الله، رأيناكَ فعلْتَ شيئًا لم تكُنْ تفعَلُه؟! فقال: "إنّي عُوتِبْتُ اللّيلةَ في الخيل" (٣).

стр. 8603

وفي هذا الحديث فضلُ الخيل وفضلُ اتخاذِها، وقد مضَى القولُ في ارتباطِها عُدَّةً في سبيل الله، وفي حبسِها رياءً ونواءً لأهل الإسلام، في باب زيدِ بنِ أسلم (١)، وقد جاءت في الخيل آثار كثيرة. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ من الوحي ما لا يُتلَى، وأنَّ المرءَ يُؤجَرُ في الإحسانِ إلى العَجْماء. وروَى سُفيانُ بنُ عُيينةَ هذا الحديث، عن يحيى بنِ سعيد، عن مُسلم بنِ يسار، أنَّ رسولَ الله ﷺ رُئيَ صباحًا وهو يمسَحُ وجْهَ فرسِه بردائِه، وقال: "إنّ جبريلَ عاتَبني الليلةَ في الخيل" (٢). أخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشر، قال: أخبَرنا مسلمةُ بنُ قاسمِ بنِ إبراهيم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الحسنِ الأصبهانيُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ حبيب، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطيالسيُّ، قال (٣): حدَّثنا جريرُ بنُ حازم، قال: حدَّثنا الزبيرُ بنُ

стр. 8604

الخِرِّيتِ الأزديُّ، قال: حدَّثني نُعيمُ بنُ أبي هندٍ الأشجعيُّ، قال: رُئيَ النبيُّ ﷺ يمسَحُ خَدَّ فرسِه، فقيل له في ذلك، فقال: "إنّ جبريلَ عاتَبني في الفرس". هكذا رواه أبو داودَ الطيالسيُّ، عن جريرِ بنِ حازم، عن الزبيرِ بنِ الخِرِّيت، عن نُعيم بنِ بن أبي هندٍ مرسَلًا. ورواه مُسلمُ بنُ إبراهيم، عن سعيدِ بنِ زيد، عن الزبيرِ بنِ خِرِّيت، عن نُعيم بنِ أبي هند، عن عُروةَ البارقيِّ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه مُسنَدًا (١). أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ النَّسَويُّ، قال (٢): أخبَرني الحسنُ بنُ إسماعيلَ بنِ سُليمانَ بنِ مُجالد، قال: أخبَرني عيسى بنُ يونس، عن عبدِ الرّحمن بنِ يزيدَ بنِ جابر، قال:

стр. 8605

حدَّثني أبو سلّام الدِّمشقيُّ، عن خالدِ بنِ يزيدَ الجُهَنيِّ، عن عُقبةَ بنِ عامر، قال: قال رسولُ الله ﷺ في حديثٍ ذكَره: "وليس اللهوُ إلا في ثلاثة: تأديبُ الرجل فرسَه، ومُلاعبتُه امرأتَه، ورميُه بقوسِه ونَبْلِه، ومَن ترَك الرميَ بعدَما علِمه رغبةً عنه، فإنما هي نعمةٌ كفَرها". أو قال: "كفَر بها". وأخبَرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ رافع، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ البزّارُ هشامُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ الأنصاريُّ، عن عَقيلِ بنِ شَبيب، عن أبي وَهْب -وكانت له صحبة- قال: قال رسولُ الله ﷺ : "تَسَمَّوا بأسماءِ الأنبياء، وأحبُّ الأسماءِ إلى الله عبدُ الله وعبدُ الرّحمن، وارتبِطُوا الخيل، وامسَحُوا بنواصيها وأكفالِها، وقلِّدُوها، ولا تُقلِّدوها الأوتار، وعليكم بكلِّ كُمَيْتٍ أغرَّ مُحَجَّل، أو أشقرَ أغرَّ مُحجَّل، أو أدهمَ أغرَّ مُحجَّل". أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢): أخبَرني أحمدُ بنُ حفص، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ طَهمان، عن سعيدِ بنِ أبي عَروبة، عن قتادة، عن أنس، قال: لم يكنْ شيءٌ أحبَّ إلى رسولِ الله ﷺ بعدَ النساءِ من الخيل. قال أبو عُمر: رواه أبو هلال الراسبيُّ محمدُ بنُ سُليم، عن قتادة، عن مَعقِلِ بنِ يسار، وليس بشيء:

стр. 8606

حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الورد، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مَسلمةَ بنِ قَعْنَب، قال: حدَّثنا أبو هلال، يعني محمدَ بنَ سُلَيم الراسبيَّ، عن قتادة، عن مَعقِلِ بنِ يسارٍ قال: لم يكنْ شيءٌ أعجبَ إلى رسولِ الله ﷺ من الخيل. ثم قال: اللَّهمَّ غَفْرًا، بل النساء (١). أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢): أخبَرنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا يونس، عن عَمْرِو بنِ سعيد، عن أبي زُرعةَ بنِ عَمْرو بنِ جرير، عن جرير، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَفتِلُ ناصيةَ فرسِه بينَ إصْبَعيه وهو يقول: "الخيلُ معقودٌ في نواصِيها الخيْرُ إلى يومِ القيامة؛ الأجْرُ والغَنِيمةُ".

стр. 8607

حديثٌ ثالثٌ وسبعُونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بنِ سعيد، أنه قال: أمَر رسولُ الله ﷺ السعْدَيْنِ أن يبيعَا آنيةً (٢) من ذهَبٍ أو فضة، فباعا كلَّ ثلاثةٍ بأربعةٍ عينًا، أو كلَّ أربعةٍ بثلاثةٍ عينًا، فقال رسولُ الله ﷺ : "أربَيتُما فرُدَّا". وهذا الحديثُ لا أعلَمُه يستنِدُ بهذا اللفظِ في ذِكْرِ السعدَيْن، وقد رواه الليثُ بنُ سَعْدٍ وعَمْرُو بنُ الحارث، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبدِ الله بنِ أبي سَلَمة (٣). ولم يذكُرْ مالكٌ عبدَ الله بنَ أبي سلمة، وعنه رواه يحيى بنُ سعيد. ذكر ابنُ وَهْب قال: أخبَرني الليثُ بنُ سَعْدٍ وعَمْرُو بنُ الحارث، عن يحيى بنِ سعيد، أنه حدَّثهما، أن عبدَ الله بنَ أبي سَلَمةَ حدَّثه، أنه بلَغه أنّ رسولَ الله ﷺ عامَ خيبرَ جعَل السعدَيْن على المغانم، فجعَلا يبيعانِ كلَّ أربعةِ مثاقيلَ بثلاثةٍ عينًا، فقال رسولُ الله ﷺ : "أرْبيتُما فرُدَّا". وأحدُ السعدَيْن سَعْدُ بنُ مالك (٤). هكذا جاء في هذا الإسنادِ في آخرِ الحديثِ أنَّ أحدَ السعدَيْن سَعْدُ بنُ مالك، ولا أعلمُ في الصحابةِ سَعْدَ بنَ مالكٍ إلا سَعْدَ بنَ أبي وقاص وأبا سعيدٍ الخدريَّ. فأمّا سَعْدُ بنُ أبي وقاص فهو سَعْدُ بنُ مالكٍ بنِ وُهيبِ بنِ عبدِ منافِ بنِ زُهرةَ أبو إسحاق.

стр. 8608

وأما أبو سعيدٍ الخدريُّ فهو سَعْدُ بنُ مالكِ بنِ سِنانٍ الأنصاريُّ من بني خُدرة، ويبعُدُ عندي أن يكونَ أحدُ السعدَيْن أبا سعيدٍ الخدريَّ؛ لصِغَرِ سنِّه، والأظهرُ الأغلبُ أنه سَعْدُ بنُ أبي وقّاص. وأما الآخرُ فلم يختلِفوا أنه سَعْدُ بنُ عُبادةَ بنِ دُلَيم الأنصاريُّ الخزرجيُّ (١)، فعلى هذا أحدُ السعدَيْن مهاجريٌّ والآخَرُ أنصاريٌّ. وقد قيل: إن السعدَيْن المذكورين في هذا الخبر هما سَعْدُ بنُ معاذٍ وسعدُ بنُ عُبادة. وزعَم قائلُ ذلك أنهما السَّعدانِ المعروفان في ذلك الزمان، واحتجَّ بالخبرِ المأثور أن قريشًا سمِعوا صائحًا يَصيحُ ليلًا على أبي قُبَيْس: فإن يُسلِمِ السعدانِ يُصبِحْ محمدٌ ... بمكةَ لا يَخشَى خِلافَ المُخالفِ قال: فظنَّت قريشٌ أنهما سَعْدُ بنُ زيدِ مناةَ بنِ تميم، وسعدُ هُذَيم من قُضاعة، فلما كان الليلةُ الثانيةُ سمِعوا صوتًا على أبي قُبيس: أيا سَعْدُ سَعْدَ الأوسِ كنْ أنت ناصرًا ... ويا سَعْدُ سَعْدَ الخَزْرَجيْن الغطارفِ (٢) أجيبا إلى داعي الهُدى وتَمَنَّيا ... على الله في الفردوسِ مُنْيَةَ عارفِ فإنَّ ثوابَ الله للطالبِ الهُدى ... جِنانٌ من الفردوسِ ذاتُ رفارفِ قال: فقالوا: هذان والله سَعْدُ بنُ مُعاذٍ وسعدُ بنُ عُبادة (٣).

стр. 8609

قال أبو عُمر: هذا غلطٌ، لا يجوزُ أن يكونَ سَعْدُ بنُ معاذٍ أحدَ السعدَيْنِ المذكورَينِ في هذا الباب؛ لأنَّ سَعْدَ بنَ مُعاذٍ تُوفِّي بعدَ الخَندقِ بيسير، من سهْم أصابَه يومَ الخندق، ولم يُدرِكْ خيبر، والقولُ الأولُ أوْلى وأصحُّ، وقد وجَدنا ذلك منصوصًا. ذكَر يعقوبُ بنُ شيبةَ وسعدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ (١) الحكم، قالا: حدَّثنا قُدامةُ بنُ محمدِ بنِ قُدامةَ بنِ خَشْرَم الأشجعيُّ، عن أبيه، قال: حدَّثني مَخْرمةُ بنُ بُكير، عن أبيه، قال: سمِعتُ أبا كثيرٍ جُلاح مولى عبدِ الرّحمن أو عبدِ العزيزِ بنِ مَروانَ يقول: سمِعتُ حَنَشًا السَّبئي، عن فَضالةَ يقول: كنّا يومَ حُنين، فجعَل رسولُ الله ﷺ على الغنائم سَعْدَ بنَ أبي وقّاص وسعدَ بنَ عُبادة، فأرادوا أن يَبيعوا الدينارَين بالثلاثة، والثلاثةَ بالخمسة، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا، إلا مِثْلًا بمِثْل" (٢). وهذا إسنادٌ صحيحٌ متصلٌ حسنٌ، وأبو كثير هذا يقالُ فيه: مولى عُمرَ بنِ عبدِ العزيز بنِ مروان. ويقال: مولى عبدِ الرّحمن بنِ مروان. مصريٌّ تابعيٌّ ثقةٌ، روَى عنه عَمْرُو بنُ الحارث، وبُكيرُ بنُ الأشَجِّ، وعُبيدُ الله بنُ أبي جعفر، وسائرُ

стр. 8610

الإسنادِ أشهرُ من أن يُحتاجَ إلى القولِ فيه، فصحَّ أنَّ السعدَيْن سَعْدُ بنُ أبي وَقّاص وسعدُ بنُ عُبادة، وارتفَع الشكُّ في ذلك، والحمدُ لله. وأمّا عبدُ الله بنُ أبي سلمةَ الذي روَى عنه يحيى بنُ سعيدٍ هذا الحديث، فقيل: إنه عبدُ الله بنُ أبي سَلَمةَ الهُذلىُّ. يَروي عن ابنِ عُمرَ وغيره، وزعَم البخاريُّ (١) أنه عبدُ الله بنُ أبي سلمةَ والدُ عبدِ العزيزِ بنِ أبي سلمةَ الماجِشون، فاللهُ أعلم. وأما المعنى الذي ورَد في هذا الحديثِ من تحريم الازديادِ في الذهبِ بالذهب، فمعنًى مجتمَعٌ عليه عندَ الفقهاءِ لا خلافَ فيه، إلا ما ذكَرنا عن ابنِ عباس مما لا وجهَ له من ردِّ السُّنَّة له (٢)، والآثارُ في هذا الباب كثيرةٌ، وقد ذكَرنا كثيرًا منها في مواضعَ من كتابنا هذا، والحمدُ لله. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بنُ سَعْد، عن ابنِ أبي جعفر، عن الجُلاح أبي كثير، قال: حدَّثني حَنَشٌ الصنعانيُّ، عن فَضالةَ بنِ عُبيدٍ قال: كنّا مع رسولِ الله ﷺ يومَ خيبرَ نُبايعُ اليهودَ الأُوقيّة من الذهبِ بالدينار -وقال غيرُ قتيبة: بالدينارين والثلاثة- فقال النبيُّ ﷺ : "لا تَبيعُوا الذهبَ بالذهبِ إلا وزنًا بوزن".

стр. 8611

وذكر ابنُ وَهْبٍ قال: أخبَرني ابنُ لَهِيعة، عن عامرِ بنِ يحيى وخالدِ بنِ أبي عِمْران، عن حَنَشٍ السبئي، عن فَضالةَ بنِ عُبيدٍ، قال: كنّا معَ رسولِ الله ﷺ يومَ خيبرَ نُبايعُ اليهودَ أُوقيّة الذهب بالدينارينِ والثلاثة، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا تَبيعُوا الذهبَ بالذهبِ إلا وزنًا بوزن" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسة، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى وأبو بكرِ بنُ أبي شيبة (٤) وأحمدُ بنُ مَنيع ومحمدُ بنُ العلاء، قالوا: أخبَرنا عبدُ الله بنُ المبارك، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ أبي عِمْران، عن حَنَش، عن فَضالةَ قال: أُتيَ رسولُ الله ﷺ يومَ حُنين -وبعضُهم قال: عامَ خيبرَ- بقِلادةٍ من ذَهَبٍ فيها خَرَزٌ مُعلَّقة- وقال بعضُهم: بقلادةٍ فيها خرزٌ وذَهَبٌ- ابتاعها رجلٌ بتسعةِ دنانيرَ أو بسبعةِ دنانير، فقال النبيُّ ﷺ : "لا، حتى تمُيِّزَ ما بينَهما". قال: إنما أردتُ الحجارة. قال: "لا، حتى تُميِّزَ ما بينَهما".

стр. 8612

حديثٌ رابعٌ وسبعُونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، قال: بلَغني أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ قال لرسولِ الله ﷺ : إنّي أُرَوَّعُ في مَنامي. فقال له رسوُل الله ﷺ : "قل: أعوذُ بكلماتِ الله التامّةِ من غضَبِه وعِقابِه وشرِّ عبادِه، ومن همَزاتِ الشياطينِ وأن يحضُرون". وهذا حديثٌ مشهورٌ مسندًا وغيرَ مسنَد. أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بن عُمرَ بنِ عليِّ بنِ حَرْب، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حَرْب الطائيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن أيوبَ بنِ موسى، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، أنَّ خالدَ بنَ الوليد كان يُرَوَّعُ، أو يُؤرَّقُ، من الليل، فذكَر ذلك للنبيِّ ﷺ ، فأمَره أن يتعوَّذَ بكلماتِ الله التامّة من غضَبِ الله وعقابِه، من شرِّ عبادِه، ومن همَزاتِ الشياطينِ وأن يَحضُرون (٢). وأخبَرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ مَنْصور، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ الوَهْبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال:

стр. 8613

كان الوليدُ بنُ الوليدِ بنِ المغيرةِ يُرَوَّعُ في نومِه. قال: فذكَر ذلك لرسولِ الله ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : "إذا اضْطَجَعتَ للنوم فقل: باسم الله، أعوذ بكلماتِ الله التامِّةِ من غضبِه وعقابِه وشرِّ عبادِه، وشرِّ همزاتِ الشياطينِ وأن يَحضُرون". فقالها فذهَب عنه ذلك، فكان عبدُ الله بنُ عَمْرٍو يُعلِّمُها مَن بلَغ من بَنيه، ومَن كان منهم صغيرًا لا يُقيمُها كتَبها وعلَّقها عليه (١). هكذا قال ابنُ إسحاقَ في هذا الحديث: الوليدُ بنُ الوليد. وهو أخو خالدِ بن الوليد، وكان من فُضلاءِ الصحابة، أسلَم قبلَ أخيه، وقُتِل شهيدًا في حياةِ رسولِ الله ﷺ في بعض السَّرايا. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن عَمْرو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُعلِّمُهم من الفَزَع كلمات: "أعوذُ بكلماتِ الله التامَّاتِ من غَضَبِه وشرِّ عبادِه، ومن همزاتِ الشياطينِ وأن يَحضُرون". وكان عبدُ الله بنُ عَمْرو يُعلِّمُهن مَن عقَل من بَنيه، ومَن لم يَعقِلْ كتَبها فعَلَّقها عليه.

стр. 8614

وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ كلامَ الله غيرُ مَخْلوق؛ لأنه لا يُستعاذُ بمَخْلُوقٍ وليس في هذا الحديثِ ما يحتاجُ إلى تفسير إلا قوله: "وأن يَحضُرون". فإن أهلَ المعاني قالوا: معناه: وأن يُصيبوني بسُوء. وكذلك قال أهلُ التفسير في قولِ الله : ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨]: يُصيبوني بسُوء. قال: ومثلُ هذا قولُ رسول الله ﷺ : "إن هذه الحُشوشَ محُتضَرَةٌ" (١)؛ أي: يُصابُ الناسُ فيها. ومن هذا أيضا قولُ الله : ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨]؛ أي: يُصيبُ منه صاحبُه.

стр. 8615

حديثٌ خامسٌ وسبعُونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أنَّهُ قال: أُسِريَ برسولِ الله ﷺ فرأى عِفْريتًا من الجنِّ يطلُبُه بشُعلةٍ من نار، كلّما التفَت رسولُ الله ﷺ رآه، فقال جبريل: أفلا أُعلِّمُكَ كلماتٍ تقولُهُنَّ، إذا قُلتَهُنَّ طَفِئت شُعلتُه وخَرَّ لفِيه؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "بلى". فقال جبريل: قل (٢): أعوذُ بوجهِ الله الكريم، وبكلماتِ الله التامّاتِ التي لا يُجاوِزُهُنَّ بَرٌّ ولا فاجرٌ، من شرِّ ما ينزلُ من السماء، وشرِّ ما يَعرُجُ فيها، ومن شرِّ ما ذرَأ في الأرض، وشرِّ ما يخرجُ منها، ومن فتنِ الليلِ والنهار، ومن طوارقِ الليل، إلا طارقٌ (٣) يطرُقُ بخير يا رحمنُ. وهذا الحديثُ قد رواه قومٌ عن يحيى بنِ سعيدٍ مُسندًا. أخبَرناه عبدُ الله بنُ محمد بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤): أخبَرنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عبدِ الله النيسابوريُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، قال: أخبَرني محمدُ بنُ عبد الرّحمن بنِ سَعْدِ بنِ زُرارة، عن عيّاش الشاميّ، عن عبدِ الله بنِ مسعود، قال: قال رسولُ الله ﷺ ليلةَ الجنِّ وهو مع جبريلَ ﵇ وأنا معه، فجعَل النبيُّ ﷺ يقرأ، وجعَل العِفريتُ يدنو ويزدادُ قُربًا، فقال جبريل: ألا أُعلِّمُكَ كلماتٍ تقولُهنَّ فيُكَبَّ العِفريتُ لوجهِه وتُطفَأ

стр. 8616

شعلتُه؟ قل: أعوذُ بوجهِ الله الكريم، وكلماتِه التامّاتِ التي لا يُجاوِزُهنَّ بَرٌّ ولا فاجر، من شرِّ ما يَنزِلُ من السماء، وما يعرُجُ فيها، ومن شرِّ ما ذرَأ في الأرض، وما يخرُجُ منها، ومن فِتَنِ الليل والنهار، ومن شرِّ طوارقِ الليل والنهار، إلا طارقٌ يطرُقُ بخير يا رحمن. فكُبَّ العِفريتُ لوجهِه، وانطَفَأتْ شعلتُه. قال أبو عُمر: محمدُ بنُ جعفر هذا هو ابنُ أبي كثير أخو إسماعيلَ بنِ جعفر، وهما ثقتان، وقد روَى جعفرُ بنُ سُليمان، عن أبي التّيّاح، قال: قلت لعبدِ الرّحمن بنِ خَنْبَش، أو قيل لعبدِ الرّحمنِ بنِ خَنْبَش -وكان شيخًا كبيرًا-: حدِّثنا عن رسولِ الله ﷺ كيف صنَع حينَ كادتْه الجنُّ؟ (١) قال: تحدَّرَت عليه الشياطينُ من الأوديةِ والشِّعابِ يريدُونه، وكان فيهم شيطانٌ معه شُعلةٌ من نارٍ يريدُ أن يحرِقَ بها النبيَّ ﷺ ، فلمّا رآهم فزعَ منهم، فقال له جبريل: قل. قال: "ما أقول؟ ". قال: قل: أعوذُ بكلماتِ الله التامّاتِ التي لا يُجاوِزُهنَّ بَرٌّ ولا فاجرٌ، من شرِّ ما خلَق وذرَأ وبرَأ، ومن شرِّ ما ينزلُ من السماء، ومن شرِّ ما يعرُجُ فيها، ومن شرِّ فِتَنِ الليلِ والنهار، ومن شرِّ كلِّ طارقٍ إلا طارقٍ يطرُقُ بخيرٍ يا رحمن. ذكَره العُقيليُّ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ سُفيان، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عُمرَ القواريريُّ، حدَّثنا جعفرُ بنُ سُليمان، حدَّثنا أبو التَّيّاح، قال: سأل رجلٌ عبدَ الرّحمنِ بنَ خَنْبَش -وكان رجلًا كبيرًا- فقال: كيف صنَع رسولُ الله ﷺ حينَ كادَتْه الجنُّ؟ فذكَره (٢).

стр. 8617

وحدَّثنا بحديثِ عبدِ الرّحمن بنِ خَنْبَش أبو عبدِ الله محمدُ بنُ إبراهيمَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ يحيى حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرٍو البَزّار، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ سُليمانَ الضُّبَعيُّ، عن أبي التَّيَّاح، قال: سأل رجل عبدَ الرّحمنِ بنَ خَنْبَش -وكان شيخًا كبيرًا قد أدرَك النبيَّ-: كيفَ صنَع النبيُّ ﷺ حيثُ كادَتْه الشياطين؟ قال: تحدَّرت عليه الشياطينُ من الجبالِ والأودية، يُريدون رسولَ الله ﷺ ، وفيهم شيطانٌ معه شُعلةُ نار، يريدُ أن يحرِقَه بها، فلمّا رآهم وجِل، وجاء جبريلُ ﵇ فقال: يا محمدُ، قل. قال: "وما أقولُ؟ ". قال: قل: أعوذُ بكلماتِ الله التّامّاتِ اللّائي لا يُجاوِزُهُنَّ بَرٌّ ولا فاجِرٌ، من شَرِّ ما خلَقَ وذرأَ وبرأَ، ومن شرِّ ما ينزِلُ منَ السّماء ومن شرِّ ما يعرُجُ فيها، ومن شرِّ ما ذرأَ في الأرض وبرأ، ومن شرِّ ما يخرُجُ منها، ومن شرِّ فِتنِ الليلِ والنهار، ومن شرِّ كلِّ طارقٍ إلا طارق يطرُقُ بخيرٍ، يا رحمن، فطفئتْ شُعلةُ نارِ الشيطان، وهزَمَهُم الله. قال أبو بكر البزّار: وهذا الحديثُ لا يُعلم رواهُ عن النبيِّ ﷺ إلا عبدُ الرّحمن بنُ خَنْبَش، وليس له والله أعلم عن النبيِّ ﷺ غيرُه.

стр. 8618

حديثٌ سادسٌ وسبعُونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أنه سمِع محمدَ بنَ المنكدرِ يقول: أحبَّ اللهُ عبدًا سَمْحًا إن باعَ، سَمْحًا إن ابتاعَ، سَمْحًا إن قضَى، سَمْحًا إن اقتَضَى. لم يُختلفْ على مالكٍ في هذا الحديث أنه موقوفٌ على ابنِ المنكدر (٢)، وكذلك رواه أكثرُ أصحاب ابن المنكدر (٣). ورواه محمدُ بنُ مُطَرِّفٍ أبو غَسّانَ المدنيُّ، عن ابنِ المنكدر، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ (٤). ورُوِيَ عن عثمانَ موقوفًا عليه ومرفوعًا عنه أيضًا عن النبيِّ ﷺ (٥).

стр. 8619

ورُوِيَ عن أبي هُريرةَ عن النبيِّ ﷺ (١).

стр. 8620

حديثٌ سابعٌ وسبعُونَ ليَحْيى بنِ سعيدٍ مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيد، أنه قال: بلَغني أن أبا ذرٍّ كان يقول: مَسْحُ الحَصْباءِ مَسْحةً واحدةً، وترْكها خيرٌ من حُمْرِ النَّعَم. قال أبو عُمر: يُريدُ الحُمْرَ من الإبل، وليس عندَهم في ألوانِ الإبلِ أحسنُ من الحُمْر. وقال أهلُ العربية: هي هاهنا حُمْرٌ بتسكينِ الميم لا غير. وحديثُ أبي ذرٍّ في مَسْحِ الحَصْباءِ مرفوعٌ صحيحٌ محفوظٌ. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (٢)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن أبي الأحوص؛ شيخ من أهل المدينة، أنه سَمِع أبا ذرٍّ يَرويه عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا قامَ أحدُكم إلى الصَّلاةِ فإنَّ الرحمةَ تُواجِهُه، فلا يمسَحِ الحَصىَ" (٣).

стр. 8621

قال أبو داود (١): وحدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن مُعَيقيب، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: لا تمسح الحَصَى -يعني الأرض- وأنت تُصلِّي، وإن كنتَ لا بدَّ فاعلًا فواحدة؛ تسويةَ الحَصَى". وأخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ (٢) وعبدُ العزيز بنُ عبدِ الرّحمن، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٣): أخبَرنا قُتيبة (٤) وأبو عمّار الحسينُ بنُ حُرَيث، واللفظُ له، عن سُفيان، عن الزُّهريِّ، عن أبي الأحوص، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا قام أحدُكم إلى الصلاةِ فلا يمسَحِ الحَصَى؛ فإنَّ الرحمةَ تُواجِهُه". قال (٥): وأخبَرنا سُويدُ بنُ نصر، عن عبدِ الله بنِ المبارك، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بنِ أبي كثير، قال: حدَّثني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرّحمن، قال: حدَّثني مُعَيْقِيب، أنّ النبيَّ ﷺ قال: "إن كنت فاعلًا فمرَّة".

стр. 8622

وذكَر عبدُ الرزاق (١)، قال: أخبَرنا ابنُ جُريج ومَعْمَر، عن ابنِ شهاب، أن أبا الأحْوَص حدَّثه، أنه سمِع أبا ذرٍّ يقول: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا قام أحدُكم في الصلاةِ فإنَّ الرحمةَ تواجِهُه، فلا تمسَحوا الحَصَى". اللفظُ لابنِ جُريج. ومعمرٌ (٢)، عن الزُّهريِّ، عن أبى الأحْوَص، عن أبي ذرٍّ، عن النبىِّ ﷺ مثلَه. قال ابنُ جُرَيج (٣): فقلت لعطاء: أرأيتَ إن مَسَح الحَصَى؟ قال: لا يُعِدْ، ولا يسجُدْ. قال أبو عُمر: السُّنةُ في الصلاةِ ألّا يُعمِلَ جوارحَه في غيرِها، ومَسْحُ الحَصْباءِ ليسَ من الصلاة، فلا ينبغي أن يَمْسَحَ ولا يعبَثَ بشيءٍ من جسَدِه ولا يأخُذَ شيئًا ولا يضَعَه، فإن فعَل لم تَنتقِضْ بذلك صلاتُه، ولا سهْوَ عليه. وروينا عن أبي ذرٍّ من طُرق، أنه كان يقول: رُخِّص في مَسْحِ الحَصَى مرّةً واحدةً، وتركُها خيرٌ من مئةِ ناقةٍ سوداءِ الحَدَقة (٤). وذكر عبدُ الرزاق (٥)، عن الثوريِّ، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى، عن

стр. 8623

عبدِ الرّحمن بنِ أبي ليلى، عن أبي ذرٍّ، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عن كلِّ شيء، حتى سألته عن مَسْحِ الحصَى، فقال: "واحدةً أو دع". وعن مَعْمَر، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابنُ عُمرَ يُسوِّي الحَصَى قبل أن يُكَبِّر (١). ومالكٌ (٢)، عن عمِّه أبي سُهيلِ بنِ مالك، عن أبيه، عن عثمانَ نحوَ ذلك. ومن هذا المعنى مَسْحُ الجبهةِ والوَجْهِ من التُّراب في الصلاة، فكلُّهم أيضًا يكرَهُه، وهو عندَهم مع ذلك خفيف، ويستحِبُّون ألَّا يمسَحَ وجهَه من التُّراب حتى يفرُغ، فإن فعلَ قبلَ أن يفرُغَ فلا حَرَج، ولا يُحبُّونه، وذلك واللهُ أعلمُ لما في تعْفِير الوَجْهِ بالأرض لله في السُّجودِ منَ التذَلُّل والخُضوع؛ فلهذا استَحبوا منه ما كان في هذا المعنى ما لم يكُنْ تَشويهًا بالوَجْه وإسرافًا. أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبد العزيز البَغْويُّ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ عَمْرو الضَّبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُسلم الطائفيُّ، عن عَمْرو بنِ دينار، عن أبي نَضْرَة، عن أبي ذرٍّ، قال: إذا أقيمَتِ الصّلاةُ، فامشُوا إليها على هَيْنَتِكُم، وصلُّوا ما أدْركْتُم، فإذا سلّمَ الإمامُ فاقْضُوا ما بقيَ، ولا تمسَحُوا التُرابَ عن الأرضِ إلّا مرَّةً ولأن أصْبِرَ عليها أحَبُّ إليَّ من مئةِ ناقةٍ سوداءَ الحَدَقة. وقال ابنُ جُريج: قلت لعطاء: أكانوا يُشَدِّدُونَ في المسْحِ للحَصى لمَوْضع الجَبين ما لا يُشَدِّدُونَ في مَسْحِ الوَجْهِ من التُّراب؟ قال: أجَلْ (٣). وصلّى الله على محمّد. [آخر المجلد الخامس عشر من هذه الطبعة المحققة، نسأل الله أن يعين على إتمامه].

стр. 8624

مالكٌ عن ابن حِماسٍ (١) حديثان واختُلِفَ في اسْمِه؛ فقيل: يونسُ بنُ يوسُفَ بنِ حِماس. وقيل: يوسفُ بنُ يونس. واضطربَ في اسْمِه رُواةُ "الموطّأ" اضطرابًا كثيرًا، وأظُنُّ ذلكَ من مالك. وكان ابنُ حِماسٍ هذا رجُلًا صالحًا فاضلًا مُجابَ الدَّعوة. أخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ محمد (٢)، قال (٣):

стр. 8625

حدَّثنا الحسينُ بنُ عليٍّ (١)، قال: حدَّثنا أُسامةُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ أبي بكرٍ الزُّهريُّ، قال: سمِعتُ مالكَ بنَ أنسٍ يقول: كان يونسُ بنُ يوسفَ أو يوسفُ بنُ يونس -شكَّ عبدُ الرّحمن- من عُبّادِ الناس، فراحَ إلى المسجدِ ذاتَ يومٍ فلَقيته امرأةٌ، فوقَعَ في نفْسِه منها، فقال: اللَّهمَّ إنّكَ خلَقْتَ لي بصَري نِعْمةً، وقد خَشِيتُ أن يكونَ عليَّ نِقْمةً فاقْبِضْهُ إليكَ. فكان يروحُ إلى المسجدِ يقودُه ابنُ أخٍ له، فإذا اسْتقبلَ الأُسطُوانةَ اشتغلَ الصبيُّ يلْعبُ معَ الصِّبيان، فإن نابَتْه حاجةٌ حَصَبَهُ وأقبلَ إليه، فبَينما هو يُصلّي ذاتَ يومٍ ضَحْوةً، إذ حسَّ في بطنِه شيئًا فحصَبَ ابنَ أخيه، فاشتغلَ مع الصِّبيانِ يلعَبُ ولم يأتِه، فلمّا خافَ على نفسِه قال: اللهُمَّ إنّكَ خلَقْتَ لي بصَري نِعْمةً، وخشيتُ أن يكونَ عليَّ نِقْمةً، وسألتُكَ فقبضْتَهُ، اللَّهمَّ إنّي قد خَشِيتُ الفضِيحة. قال: فانْصَرفَ إلى منزِلِه وهو يُبصِرُ. قال مالكٌ: فرأيتُه أعمى، ورأيتُه بصيرًا.

стр. 8626

حديث أوّل لابن حِمَاس مالكٌ (١)، عن ابنِ حِماس، عن عمِّه (٢)، عن أبي هُريرة، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لَتُتْرَكَنَّ المدينةُ على أحسَنِ ما كانت، حتى يدخُلَ الكلْبُ أو الذئبُ فيُغَذّى على بعضِ سواري المسجد، أو على المِنْبر". فقالوا: يا رسولَ الله، فلِمَن تكونُ الثمارُ ذلك الزمان؟ قال: "للعَوافي: الطير والسِّباع". هكذا قال يحيى في هذا الحديث: عن مالك، عن ابنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة. لم يُسَمِّ ابنَ حِماسٍ بشيء. وقال أبو المُصْعَب (٣): مالكٌ، عن يونسَ بنِ يوسفَ بنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة. وكذلك قال مَعْنُ بنُ عيسى (٤)، وعبدُ الله بنُ يوسفَ التِّنِّيسي (٥): يونسُ بنُ يوسف. وقال ابنُ القاسم (٦): حدَّثني مالك، عن يوسفَ بنِ يونسَ بنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة. وكذلك قال ابنُ بُكير (٧)، وسعيدُ بنُ أبي مريم (٨)، ومُطَرِّف (٩)، وابنُ

стр. 8627

نافع (١)، وعبدُ الله بنُ وَهْب (٢)، وسعيدُ بنُ عُفير، ومحمدُ بنُ المبارك، وسُليمانُ بنُ بُرْد، ومصعبُ الزُّبيريُّ، كلُّهم قال: يوسفُ بنُ يونس. وقال فيه زيدُ بنُ الحُباب: عن مالك، عن يوسفَ بنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة. وقد قيل عن عبدِ الله بنِ يوسفَ مثلُ ذلك أيضًا (٣). وقد رُوِيَ عن سعيدِ بنِ أبي مريمَ في هذا الحديث: يونسُ بنُ يوسف: حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفر وعبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ إسحاق، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابر، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن يونسَ بنِ يوسفَ بنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لَتُتْرَكنَّ المدينةُ على أحسنِ ما كانت، حتى يدخُلَ الكلبُ فيُغذِّي على بعضِ سَوَاري المسجد -أو على المِنْبر". قالوا: يا رسولَ الله، فلمَن تكونُ الثمارُ ذلك الزمان؟ قال: "للعَوافي: الطير والسِّباع" (٤). وقال القَعْنَبيُ في هذا الحديث: مالكٌ، أنه بلَغه عن أبي هُريرة. لم يذكُرِ اسمَ أحد، وجعَل الحديثَ بلاغًا عن أبي هُريرة (٥). وهذا الاضطرابُ يدلُّ على أن ذلك جاء من قبل مالك، واللهُ أعلم. وروايةُ يحيى في ذلك حَسَنة؛ لأنه سَلِم من التَّخْليط في الاسم، وأظُنُّ أنَّ مالكًا لمّا اضطَرَب
следующие страницы →