← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 888–927 · переход к 893.

стр. 888

حديثٌ ثانٍ لحُميد الطَّويل، عن أنس مُسندٌ صحيحٌ مُتَّصل مالكٌ (١)، عن حُميد الطَّويلِ، عن أنَسِ بن مالكٍ، أنّ عبدَ الرحمنِ بن عَوفٍ جاءَ إلى رسولِ الله ﷺ وبه أثَرُ صُفْرَةٍ، فسألَه رسولُ الله ﷺ ، فأخبَرَه أنّه تَزَوَّجَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "كم سُقتَ إليها؟ " قال: زِنَةَ نَوَاةٍ من ذَهَبٍ. فقال له رسولُ الله ﷺ : "أوْلمْ ولو بشاةٍ". قال أبو عُمر: هكذا هذا الحديثُ في "المُوَطَّأ" عندَ جماعةِ رواتِه فيما عَلِمْتُ من مسندِ أنسِ بن مالكٍ (٢). وروَاه رَوْحُ بن عُبادةَ، عن مالِكٍ، عن حُمَيْدٍ، عن أنَسٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن عَوفٍ، أنّه جاءَ إلى رسولِ الله ﷺ (٣)، فجعَلَه من مسندِ عبدِ الرحمنِ بن عَوفٍ. وقد ذكَرنا عبدَ الرحمنِ بن عَوْفٍ بما يجبُ من ذِكْرِه، وما يَنْبِغِي ممّا يُحْتاجُ إليه من خَبَرِه، في كتابِنا في "الصَّحابَةِ" (٤)، وذكَرْنا هناك نساءَه وذريتَه. وقال الزُّبَيْرُ بن بكارٍ: المرأةُ التي قال رسولُ الله ﷺ فيها لعبدِ الرحمن بن عوفٍ حينَ تزوَّجها: "ماذا أصْدَقْتها؟ " فقال: زِنةَ نواةٍ من ذهبٍ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "أوْلمْ ولو بشاةٍ"، هي: ابْنَةُ أنَس بن رافِعِ ابن امْرِئ القَيْسِ بن زيدِ بن عَبْدِ الأشْهَلِ الأنصَارِيَّةُ، وَلَدَتْ له القاسِمَ وأبا عثمانَ. قال: واسمُ أبي عثمانَ عبدُ الله.

стр. 889

وأمّا قولُه: وبه أثَرُ صُفْرَةٍ. فيُرْوَى أنّ الصُّفْرَةَ كانت من الزَّعْفَرانِ، وإذا كان ذلك كذلك، فلا يجوزُ أنْ تكونَ إلّا في ثِيابِه، واللّهُ أعلمُ؛ لأنّ العلماءَ لم يَخْتَلِفُوا - فيما عَلِمْتُ - أنّه مَكْرُوهٌ للرَّجُلِ أنْ يُخَلِّقَ جَسَدَه بخَلُوقِ الزَّعْفَرَانِ. وقد اخْتَلَفُوا في لِبَاسِ الرَّجُلِ للثِّيابِ المُزَعْفَرَةِ؛ فأجازَها أهلُ المدينةِ، وإلى ذلك ذهَبَ مالِكٌ وأصحابُه. وكَرِهَ ذلك العراقيون، وإليه ذهَبَ الشافعيُّ. ولكلِّ واحدٍ منهم آثارٌ مَرْوِيَّةٌ بما ذهَبَ إليه عن السَّلَفِ، وآثارٌ مرفوعةٌ إلى النبيِّ ﷺ . فأمّا الروايةُ بأنّ الصُّفْرَةَ كانت على عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ زَعْفَرانًا، فحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بن سعيدٍ، عن حُمَيْدٍ الطويلِ، قال: سمِعتُ أَنَسَ بن مالكٍ يقولُ: قَدِمَ عبدُ الرحمنِ بن عوفٍ المدينةَ، فآخَى رسولُ الله ﷺ بيْنَه وبينَ سَعْدِ بن الرَّبيعِ، فأتَى السُّوقَ فرَبِحَ شيئًا من أَقِطٍ وسَمْنٍ، فرَآه النبيُّ ﷺ بعدَ أيّام وعليه وضَرُ صُفْرَةٍ، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَهْيَمْ؟ " (١) فقال عبدُ الرحمنِ: تزَوَّجْتُ امرأةً من الأنصارِ. قال: "فما سُقْتَ إليها؟ " قال: وَزْنَ نَواةٍ من ذَهَبٍ، فقال رسولُ الله ﷺ :"أوْلِمْ ولو بشاةٍ" (٢). وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَكْرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا مُوسَى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ، عن ثابِتٍ البُنانِي وحُمَيْدٍ الطَّوِيل، عن أنَسِ بن مالكٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ رأى عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ وعليه رَدْعُ (٤) زَعْفَرانٍ، فقال له النبيُّ ﷺ : "مَهْيَمْ؟ "، فقال: يا رسولَ الله،

стр. 890

تزَوَّجْتُ امرأةً. قال: "ما أصْدَقْتَها؟ " قال: وَزْنَ نَواةٍ من ذَهَبٍ. قال: "أوْلِمْ ولو بشاةٍ" (١). قال أبو عُمر: فقد بانَ في هذه الآثارِ من نَقْلِ الأئمَّةِ أنّ الصُّفْرَةَ التي رأى رسولُ الله ﷺ بعبدِ الرحمنِ كانت زَعْفَرانًا. والوَضَرُ معروفٌ في الثِّيابِ، والرَّدعُ: صَبغ الثِّيابِ بالزَّعْفَرانِ، قال الخليلُ (٢): الرَّدْعُ الفِعْلُ، والرَّادِعَةُ والمردَّعةُ: قَمِيصٌ قد لُمِّع بالزَّعْفَرانِ أو بالطِّيبِ في مواضِعَ وليس مصبوغًا كلُّه، إنّما هو مُبلَّقٌ كما تَرْدَعُ الجارِيَةُ جَيْبَها بالزعفرانِ بمِلءِ كفِّها. وقال الشاعرُ: * رَادِعَةً بالمسكِ أرْدانَها (٣) * وقال الأعْشَى (٤): ورادِعَةٍ بالمِسْكِ صَفْراءَ عندَنا ... لجَسِّ (٥) النَّدامَى في يَدِ الدِّرْعِ مَفْتَقُ يعْنِي: جارِيةً قد جعَلَتْ على ثِيابِها في مواضِعَ زَعْفَرانًا. وأمّا الرَّدغ - بالغَيْنِ المَنْقُوطَةِ - فإنّما هو من الطِّينِ والحَمْأةِ. وأمّا اختلافُ العلماءِ في لباسِ الثِّيابِ المصبوغةِ بالزعفرانِ، فقال مالكٌ: لا بأسَ بلباسِ الثَّوبِ المُزَعْفَرِ، وقد كنتُ ألْبَسُه.

стр. 891

وفي "الموطأ" (١): مالكٌ، عن نافِع، أنَّ ابن عمرَ كان يَلْبَسُ الثوبَ المصبوغَ بالمِشْقِ والمصبوغَ بالزعفرانِ. وتأوَّلَ مالكٌ وجماعةٌ معه حديثَه عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن عُبَيْدِ بن جُرَيْحٍ، عن ابن عمرَ، أنّ النبيَّ ﵇ كان يَصْبُغُ بالصُّفْرةِ (٢). أنّه كان يصبُغُ ثيابَه بصفرةِ الزَّعْفرانِ. وقد ذكَرْنا مَن خالَفَه في تأويلِه ذلك في بابِ سعيدِ بن أبي سعيدٍ. وقد حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلَمَةَ القعنبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن زَيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، أنّ ابن عمرَ كان يصْبُغُ ثِيابَه بالزَّعْفرانِ، فقيل له في ذلك، فقال: كان رسولُ الله ﷺ يصْبُغُ به، ورأيْتُه أحَبَّ الطَّيبِ إليه (٣). وذكَرَ ابنُ وَهْب، عن عمرَ بن محمدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يصْبُغُ ثِيابَه كلَّها بالزَّعفرانِ حتى العِمامةَ (٤). وذكرَ أيضًا، عن هشامِ بن سعدٍ، عن يَحْيَى بن عبدِ الله بن مالكِ الدَّارِ، قال: كان النبيُّ ﵇ يَبْعَثُ بقميصِه وردائِه إلى بعضِ أزواجِه فتُصْبَغُ له بالزَّعْفرانِ (٥). حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن القاسم بن شَعْبانَ، قال: حدَّثنا الحسينُ بن محمدِ بن الضحَّاكِ، قال: حدَّثنا أبو مَرْوانَ العُثْمانِيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْد بن إبراهيمَ، قال: سألْتُ ابن شهابٍ عن الخَلُوقِ، فقال:

стр. 892

قد كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يتَخَلَّقُون، ولا يَرَوْن بالخَلُوقِ بأسًا. قال ابنُ شَعْبانَ: هذا خاصٌّ عندَ أصْحابِنا في الثِّيابِ دونَ الجَسَدِ (١). قال أبو عُمر: هو كما قال ابن شَعْبانَ. وقد كَرِهَ التَّزَعْفُرَ للرِّجالِ في الجَسَدِ والثِّيابِ جماعَة من السَّلَفِ أهلِ العراقِ، وإليه ذهبَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأصحابُه؛ لآثارٍ رُوِيتْ في ذلك، أصَحُّها حَدِيثُ أَنَسِ بن مالِكٍ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتِيُّ ببغدادَ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن صُهَيْبِ، عن أنَسِ بن مالِكٍ، قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ أنْ يَتَزَعْفَرَ الرجلُ (٢). وروَاه حَمَّادُ بن زيدٍ، وابنُ عُلَيّةَ، عن عبدِ العزيزِ بن صُهَيْب، عن أنسٍ، مثلَه سواءً، إلّا أنّهما قالا: نَهى رسولُ الله ﷺ أنْ يَتَزَعْفَرَ الرجالُ. والمَعْنَى واحِدٌ. أخبَرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا محمد، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا مُسَدَّدٌ، أنَّ حَمَّادَ بن زَيْدٍ وإسماعيلَ بن إبراهيمَ حدَّثاهم، عن عبدِ العزيزِ بن صُهَيْبٍ، عن أنسٍ، قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ عن التَّزَعْفُرِ للرجالِ (٤). قال أبو عُمر: حمَلُوا هذا على الثِّيابِ وغيرِها، وأمَّا الجَسَدُ، فلا خِلافَ عَلِمْتُه فيه، واللّهُ أعلمُ.

стр. 893

أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَكْرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا زُهَيْرُ بن حَرْب، قال: أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الله الأسَديُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفر الرَّازيُّ، عن الرَّبيع بن أنس، عن جَدَّيْه (٢)، قالا: سَمِعْنا أبا موسى يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَقْبَلُ اللهُ صلاةَ رجل في جَسَدِه شيءٌ من خَلُوقٍ". وروَى يَحْيَى بن يَعْمَرَ، عن عَمّار بن ياسِرٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال له وقد رأى عليه خَلُوقَ زَعْفَرانٍ قد خَلَّقَه به أهْلُه فقال له: "اذْهَبْ فاغْسِلْ هذا عنكَ، فإنّ الملائكةَ لا تَحْضُرُ جَنازةَ الكافرِ، ولا المتَضَمِّخَ بِالزَّعْفَرَانِ، ولا الجُنُبَ". ورخَّصَ للجُنُبِ في أنْ يتَوَضَّأ إذا أرادَ النومَ (٣). ولم يَسْمَعْه يَحْيَى بنُ يَعْمَرَ من عَمَّار بن ياسرٍ، بينَهما رَجُلٌ (٤). وروَاه الحَسَنُ بن أبي الحَسَن، عن عَمَّار أيضًا - ولم يَسْمَعْ منه - أنّ رسولَ الله ﷺ ثلاثةٌ لا تقربُهم الملائكةُ: جيفةُ الكافرِ، والمتَضَمِّخُ بالخَلُوقِ، والجُنُبُ إلّا أن يتَوَضَّأ". ذكَرَ حديثَ عَمَّارٍ أبو داودَ (٥) وغيرُه.

стр. 894

وذكروا أيضًا حديثَ الوليدِ بن عُقْبَةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ كان يُؤْتَى بالصِّبيانِ، فيمْسَحُ رُؤُوسَهم، ويَدْعُو لهم بالبركةِ، قال: فجِيءَ بي إليه وأنا مُخَلَّقٌ، فلم يَمَسَّنِي من أجلِ الخَلُوقِ (١). وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ الله بن حَكِيم، عن يوسفَ بن صُهَيْب، عن ابن بُرَيْدَةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ثلاثةٌ لا تَقْرَبُهم الملائكةُ: المُتخَلِّقُ، والسَّكْرَانُ، والجُنُبُ" (٢). قال أبو عُمر: عبدُ الله بن حَكِيمٍ هو أبو بكرٍ الداهِرِيُّ، مَدَنِيٌّ، مُجْتَمَعٌ على ضَعْفِه (٣). حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البَرْتِيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا عَطَاءُ بن السَّائِبِ، قال: حدَّثني يَعْلَى بن مُرَّةَ - هكذا في كتابِ قاسِمٍ - وقد حدَّثنا عبدُ الوارِثِ في ذلك الكتابِ، قال: حدَّثنا قاسِمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا يَحْيَى بن أبي بُكيرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن عَطَاءِ بن السَّائبِ، قال: سمعتُ رجلًا من آلِ أبي عَقيلٍ يُكْنَى أبا حَفْصِ بن عَمْرٍو،

стр. 895

عن يَعْلَى بن مُرَّةَ أنّ رسولَ الله ﷺ رَآو مُتَخَلِّقًا فقال: "ألكَ امرأةٌ" " قال: قلتُ: لا. قال: "اذْهَبْ فاغْسِلْه عنك، ثم اغْسِلْه، ثم اغْسِلْه". قال: فذَهَبْتُ، فغَسَلتُه، ثم غسَلْتُه، ثم غسَلْتُه، ثم لم أعُدْ حتى السَّاعَةَ (١). قال أبو عُمر: هذا هو الصَّوابُ، وأمّا عَطاءُ بن السَّائبِ، فلم يَسْمَعْ من يَعْلَى بن مُرَّةَ. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكير (٢)، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا مَخْلَدُ بن خالِدٍ، قال: حدَّثنا روحٌ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي عَرُوبَةَ،

стр. 896

عن قتادةَ، عن الحَسَنِ، عن عِمْرانَ بن حُصيْنٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا أرْكَبُ الأُرْجُوَانَ، ولا ألْبَسُ المُعَصفَرَ، ولا ألْبَسُ القَمِيصَ المُكَفَّفَ بالحَرِيرِ". قال: وأوْمَأ الحسنُ إلى جَيْبِ قَمِيصِه. قال: وقال رسولُ الله ﷺ :"ألا وطِيبُ الرِّجالِ رِيحٌ لا لَوْنَ له، ألا وطِيبُ النساءِ لَوْنٌ لا رِيحَ له". قال سعيدٌ: أُرَاه قال: إنّما حمَلُوا قولَه في طِيبِ النساءِ على أنَّها إذا أرادَتْ أنْ تخْرُجَ، فأمّا إذا كانت عندَ زوجِها، فلْتَطيَّبْ بما شاءَتْ. قال أبو عُمر: احْتَجَّ بحديثِ عِمْرانَ بن حُصيْنٍ هذا مَن كَرِهَ الخَلُوقَ للرِّجَالِ؛ لأنَّ لوْنَه ظاهِرٌ. فهذا ما بَلَغَنا في الخَلُوقِ للرِّجَالِ من الآثارِ المَرْفُوعةِ. وقد ذكَرْنا مذاهِبَ الفقهاءِ في ذلك. وأمّا المُعَصفَرُ المُفَدَّمُ المُشْبَعُ وغيرُه، فسيَأْتي ذكرُه وما للعلماءِ فيه من الرِّوايَةِ والذاهِب، في بابِ نافِع من هذا الكتابِ إنْ شاءَ اللهُ، عندَ نَهْيِه ﷺ عن تَخَتُّمِ الذَّهَب، ولُبْسِ القَسِّيِّ (١)، ولُبْسِ المُعَصْفَرِ، وقراءةِ القرآنِ في الرُّكُوع. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنّ مَن فعَلَ ما يجوزُ له فِعْلُه دونَ أنْ يُشاوِرَ السُّلْطانَ، خليفةً كان أو غيرَه، فلا حرجَ، ولا تَثْرِيبَ عليه، ألَا تَرَى أنّ عبدَ الرحمنِ بن عوفٍ تزَوَّجَ ولم يُشاوِرْ رسولَ الله ﷺ ، ولا أعْلَمَه بذلكَ، ولم يكنْ من رسولِ الله ﷺ إليه إنكارٌ ولا عتابٌ؟ وكان على خُلُقٍ عظيمٍ من الحِلْمِ والتَّجاوُزِ ﷺ . وأمّا قولُه حينَ أخْبَرَه أنّه تزَوَّجَ: "كم سُقْتَ إليها؟ " قال: زِنَةَ نواةٍ من ذَهَبِ. فالنَّوَاةُ فيما قال أهلُ العلم: اسْمٌ لحَدِّ من الأوْزَانِ؛ وهو خَمْسَةُ دراهمَ، كما أَنّ الأُوقِيَّةَ أرْبَعُونَ درهمًا، والنَّشُّ عشرونَ درهمًا، ولا أعْلَمُ في شيءٍ من ذلك كلِّه

стр. 897

خِلافًا إلّا في النَّواةِ، فالأكْثَرُ أنّها خَمْسَةُ دراهمِ. وقال أحمدُ بن حَنْبَل: وَزْنُ النَّوَاةِ ثلاثةُ دراهمَ وثُلُثٌ. وقال إسحاقُ: بل وَزْنُها خمْسَةُ دَرَاهِمَ (١). وقد قيل: إنّ النَّوَاةَ المذكورةَ في هذا الحديثِ نَوَاةُ التَّمْرَةِ، وأرادَ وَزْنَها. وهذا عندِي لا وَجْهَ له؛ لأنّ وَزْنَها مَجْهُولٌ، وأجْمَعُوا أنّ الصداقَ لا يكونُ إلّا معلومًا؛ لأنه من بابِ المُعَاوَضاتِ. وقال بعضُ المالكيين: زِنَةُ النَّوَاةِ بالمدينةِ رُبُعُ دينارٍ، واحْتَجَّ بحديثٍ يُرْوَى عن الحَجَّاجِ بن أرْطاةَ، عن قتادةَ، عن أنَسٍ، أنّ عبدَ الرحمن بن عَوْفٍ تزَوَّجَ امرأةً من الأنصارِ، وأصْدَقَها زِنَةَ نواةٍ من ذَهَبٍ قُوِّمَتْ ثلاثَةَ دراهمَ وربعًا (٢). وهذا حديثٌ لا تقومُ به حُجَّةٌ لضَعْفِ إسنادِه. وأجْمَعَ العلماءُ على أنّه لا تَحْدِيدَ في أكْثَرِ الصداقِ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]. واخْتَلَفُوا في أقلِّ الصداقِ؛ فقال مالك: لا يكونُ الصَّداقُ أقَلَّ من ربعِ دينارٍ ذهبًا، أو ثلاثةِ دراهمَ كَيْلًا (٣). واعْتَلَّ بعضُ أصحابِنا لذلك بأنّها أقَلُّ ما بَلَغَه في الصداقِ، فلم يتَعَدَّه، وجعَلَه حدًّا إذا لم يكنْ فيه بُدٌ من الحَدِّ؛ لأنَّه لو تُرِكَ الناسُ وقليلَ الصداقِ كما تُرِكُوا وكثيرَه، لكان الفَلْسُ والدَّانِقُ ثَمَنًا للبُضْع، وهذا لا يَصلُحُ؛ لأنّه لا يُسَمَّى طَوْلًا ولا يُشْبِهُ الطَّوْلَ، قال اللهُ : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] ولو كان الطَّوْلُ فَلْسًا ونحوَه لكان كلُّ أحَدٍ مستطيعًا له، وفي الآيَةِ دليلٌ على مَنع استباحةِ الفُرُوجِ باليَسِيرِ، ثم جاءَ حديثُ عبدِ الرحمنِ بن عَوفٍ في وَزْنِ النَّوَاةِ، فجعَلَه حَدًّا لا يُتَجاوَزُ؛ لما يَعْضُدُه من القياسِ؛ لأنّ الفُروجَ لا تُسْتَباحُ بغيرِ بَدَلٍ، ولم يكنْ بُدٌّ من

стр. 898

الصَّداقِ المُقَدَّرِ، كالنَّفْسِ التي لا تُسْتَباحُ بغيرِ بَدَلٍ، فقُدِّرَتْ دِيَتُها، وكان أشْبَهُ الأشْياءِ بذلك قَطْعَ اليَدِ؛ لأنّ البُضْمعَ عُضْوٌ واليَدَ عُضْوٌ يُسْتَباحُ بمُقَدَّرٍ من المالِ؛ وذلك ربعُ دينارٍ، فرَدَّ مالِكٌ البُضْعَ قِياسًا على اليَدِ، وقال: لا يجوزُ صَداقٌ أقَلُّ من ربعِ دينارٍ؛ لأنّ اليَدَ لا تُقْطَعُ عندَه من السَّارِقِ في أقَلَّ من ربع دينار. قال أبو عُمر: قد تقَدَّمَه إلى هذا أبو حنيفةَ، فقاسَ الصَّداقَ على قَطْعِ اليَدِ، واليَدُ عندَه لا تُقْطَعُ إلّا في دينارٍ ذَهَبًا أو عَشَرَةِ دراهمَ كَيْلًا. ولا صَداقَ عندَه أقَلُّ من ذلك (١)، وعلى ذلك جماعَةُ أصحابِه، وأهلُ مذهبِه، وهو قولُ أكثرِ أهلِ بَلَدِه في قَطْع اليَدِ، لا في أقَلِّ الصَّداقِ. وقد قال الدَّرَاوَرْدِيُّ لمالكٍ ﵀، إذْ قال: لا صداقَ أقَلُّ من ربعِ دينارٍ: تعَرَّقْتَ فيها يا أبا عبدِ الله (٢). أي: سلَكْتَ فيها سبيلَ أهلِ العراقِ. وقال جمهورُ أهلِ العلمِ من أهلِ المدينةِ وغيرِهم: لا حَدَّ في قَليلِ الصداقِ كما لا حَدَّ في كثيره (٣). وممَّنْ قال ذلك؛ سعيدُ بن المسَيِّبِ، والقاسمُ بن محمدٍ، وسُليمانُ بن يَسَارٍ، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ، وربيعةُ، وأبو الزِّنَادِ، ويزيدُ بن قُسَيْطٍ، وابنُ أبي ذِئْب. وهؤلاءِ أئمَّةُ أهلِ المدينةِ. قال سعيدُ بن المسَيِّب: لو أصْدَقَها سَوْطًا حَلَّتْ (٤)، وأنْكَحَ ابْنَتَه من عبدِ الله بن وَداعَةَ بدرهَمين (٥). وقال رَبِيعَةُ (٦): يجوزُ النِّكاحُ بصداقِ دِرْهَم. وقال أبو الزِّنَادِ: ما ترَاضَى به الأهْلُون.

стр. 899

وقال يَحْيَى بن سعيدٍ: الثوبُ والسَّوْطُ والنَّعْلان صَداق إذا رَضِيَتْ به. وأجاز الصداقَ بقليلِ المالِ وكثيرِه من غيرِ حَدٍّ: الحسنُ البَصْريُّ، وعَمْرُو بن دينارٍ، وعُثمانُ البَتِّيُّ، وابنُ أبي لَيْلَى، وسفيانُ الثوْرِيُّ، واللَّيْثُ بن سعدٍ، والأوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ وأصْحابُه، والحسنُ بن حَيٍّ، وعُبَيْدُ الله بنُ الحَسَنِ، وجماعةُ أهْلِ الحديثِ؛ منهم: وكِيعٌ، وَيحْيَى بن سعيدٍ القَطَّانُ، وعبدُ الله بن وَهْبٍ صاحبُ مالكٍ، كانوا يُجِيزُون النِّكاحَ بدرهمٍ ونصفِ درهم. وكان ابن شُبْرُمَةَ لا يُجِيزُ أنْ يكونَ الصَّداقُ أقَلَّ من خَمْسَةِ دراهمَ، ولا تُقْطَعُ اليَدُ عندَه في أقَلَّ من ذلك (١). قال الشافعيُّ وأصحابُه: ما جازَ أن يكونَ أجرةً لشيءٍ أو ثَمَنًا له، جاز أن يكونَ صداقًا (٢)، قياسًا على الإجارَاتِ؛ لأنّها مَنافعُ طارئةٌ على أعْيانٍ باقيةٍ، وأشْبَهُ الأشياءِ بالإجاراتِ الاستمتاعُ بالبُضْع، قالوا: وهذا أوْلَى من قياسِه على قَطْع اليَد. قالوا: ولا مَعْنَى لمَن شَبَّهَ المهرَ اليسيرَ بمهرِ البَغِيِّ؛ لأنَّ مَهرَ البَغِيِّ لو كان قِنْطارًا لم يَجُزْ ولم يَحِلَّ؛ لأنّ الزِّنَى ليس على شُرُوطِ النِّكاحِ: بالشُّهُودِ والوَلِيِّ والصَّداقِ المعلُوم، وما يَجِبُ للزَّوْجاتِ من حقوقِ العصمةِ، وأحكامِ الزَوجيةِ، وأنْشَدَ بعضُهم لبعضِ الأعراب (٣): يقُولُون تَزْوِيجٌ وأشْهَدُ أنّه ... هو البيعُ إلّا أنّ مَن شاءَ يكذبُ وسنَزِيدُ هذا البابَ بيانًا في بابِ أبي حازِمٍ، عندَ قولِ رسولِ الله ﷺ : "التَمِسْ ولو خَاتَمًا من حديدٍ" إن شاءَ اللهُ. أخبَرنا أحمدُ بن قاسِم وأحمدُ بن سعيدٍ، قالا: حدَّثنا ابن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا

стр. 900

ابن وَضَّاحٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرٍ بن أبي شَيْبَةَ يقولُ (١): كان وَكِيعُ بن الجَرَّاحِ يَرَى التَّزوِيجَ بدرهم. قال ابن وَضَّاح: وكان ابن وَهْبٍ يَرَى التَّزْوِيجَ بدرهم. ورُويَ في هذا البابِ عن سعيدِ بن جُبيرٍ وإبراهيمَ اضْطِرابٌ؛ منهم مَن قال: أربعون درهمًا أقَلُّ الصَّداقِ، ومنهم مَن قال: خمسون درهمًا. وهذه الأقاويلُ لا دليلَ عليها من كتابٍ ولا سُنّةٍ ولا اتّفاقٍ، وما خَرَجَ من هذه الأصولِ ومعانِيها فليس بعلم، وبالله التوفيقُ. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنّ الوليمةَ من السُّنَّةِ؛ لقولِه ﷺ : "أوْلِمْ ولو بشاةٍ". وقد اخْتَلَف أهلُ العلمِ في وُجُوبِها؛ فذَهَب فقهاءُ الأمصارِ إلى أنّها سُنَّةٌ مسنونةٌ وليست بواجبةٍ (٢)؛ لقولِه: "أوْلِمْ ولو بشاةٍ". ولو كانت واجبةً لكانت مُقَدَّرَةً معلومًا مبلغُها، كسائرِ ما أوْصط اللهُ ورسولُه من الطَّعام في الكَفَّاراتِ وغيرِها. قالوا: فلمَّا لم يكنْ مُقَدَّرًا خرَجَ من حَدِّ الوُجُوبِ إلى حَدِّ النَّدْبِ، وأشْبَهَ الطَّعامَ لحادِثِ السُّرورِ، كطعامِ الخِتَانِ والقُدُومِ من السَّفَرِ، وما صُنِعَ شُكْرًا لله . وقال أهلُ الظاهرِ (٣): الوليمةُ واجبةٌ فَرْضًا؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ أمَرَ بها، وفَعَلَها، وأوْعَدَ مَن تخَلَّفَ عنها. وقد أوْضَحْنَا هذا المَعْنَى في باب ابن شِهَابٍ، عندَ قولِه ﷺ : "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوليمةِ؛ يُدْعَى لها الأغنياءُ، ويُتْرَكُ المساكينُ، ومَن لم يَأْتِ الدَّعْوَةَ فقد عَمىَ اللهَ ورسولَه" (٤)، والحمدُ لله (٥).

стр. 901

حديثٌ ثالثٌ لحُمَيْد عن أنس مُسنَدٌ صحيح مالك (١)، عن حُميدٍ الطَّويلِ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن رسولَ الله ﷺ نهَى عن بيعِ الثمارِ حتى تُزْهِيَ. فقيل (٢): يا رسولَ الله، وما تُزْهِي؟ قال: "حتى تَحْمَرَّ". وقال رسولُ الله ﷺ : "أرأيتَ إن مَنَع اللهُ الثمرةَ، ففيمَ يأخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟ ". هكذا روَى هذا الحديث جَماعةُ الرواةِ في "الموطأ"، لم يختَلفوا فيه فيما عَلِمتُ (٣). وقولُه في هذا الحديثَ: "حتى تَحْمَرَّ"، يدُلُّ على أنّ الثمارَ إذا بدَا فيها الاحمرارُ، وكانت ممّا تَطِيبُ إذا احْمَرَّتْ مثلَ ثمرِ النَّخلِ وشبهِها (٤)، حَلَّ بَيعُها، وقبلَ ذلك لا يجوزُ بَيعُها، إلّا على القطعِ في الحينِ، على اختلافٍ في ذلك نذكُرُه إن شاءَ اللهُ. واحمرارُ الثمرةِ في النخلِ هو: بُدُوُّ صلاحِها، وهو وقتٌ للأمنِ من العَاهاتِ عليها في الأغلَبِ.

стр. 902

وقولُه ﷺ : "أزْهَتْ"، و"احمَرَّت"، و"بَدَا صَلَاحُها" ألفاظٌ مختلفةٌ ورَدَت في الأحاديثِ الثابتةِ، معانيها كلُّها مُتَّفِقَةٌ، وذلك إذا بَدا طِيبُها ونُضْجُها، وكذلك سائرُ الثِّمارِ إذا بَدا صَلاحُ الجِنْسِ منها، وطاب ما يُؤْكَلُ منها الطِّيبَ المعهودَ (١) في التِّينِ والعِنَبِ وسائرِ الثِّمارِ، جاز بيعُها على التَّركِ في شَجَرِها حتى يَنْقَضِيَ أوانُها بطِيبِ جميعِها. ولا يجوزُ بيعُ شيءٍ من الثِّمارِ ولا الزَّرع قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه (٢) إلّا على القَطعِ. وقد اختلَف الفقهاءُ قديمًا وحديثًا في ذلك، وقد أرجَأْنَا القولَ فيه إلى بابِ نافعٍ، فهناك تَرَاه إن شاء اللهُ. وأمّا قولُه ﷺ "أرأيتَ إن مَنَع اللهُ الثمرةَ، ففيم يأخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟ ". فيزعُمُ قومٌ أنّه من قولِ أنسِ بن مالكٍ، وهذا باطلٌ بما رواه مالك وغيرُه (٣) من الحُفّاظِ في هذا الحديثِ؛ إذ جعَلوه مرفوعًا من قولِ النبيِّ (٤) ﷺ ، وقد روَى أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. وتنازَع العُلماءُ في تأويلِ هذا الحديثِ؛ فقال قومٌ: فيه دليلٌ على إبطالِ قولِ مَن قال بوضعِ الجوائح؛ لأنّ نهيَ رسولِ الله ﷺ عن بيع الثمرَةِ قبلَ بُدُوِّ صلاحِها، وقولُه مع ذلك: "أرأيتَ إن مَنَعَ اللهُ الثمرةَ؟ "، أي: إذا بعتُم الثمرةَ قبلَ بُدُوِّ طِيبِها (٥)، ومنَعَها اللهُ، كنتُم قد ركِبتُم الغَرَرَ، وأخذتُم مالَ المبتَاعِ بالباطلِ؛

стр. 903

لأنّ الأغلَبَ في الثِّمارِ أن تَلحَقَها الجوائحُ قبلَ ظهورِ الطِّيبِ فيها، فإذا طابَت، أو طابَ أوَّلُها، أُمِنت عليها العاهَةُ في الأغلبِ، وجاز بَيعُها؛ لأنّ الأغلبَ من أمرِها السلامةُ، فإن لَحِقَتْها جائحَةٌ حينئذٍ لم يكنْ لها حكمٌ، وكانت كالدارِ تُباعُ فتَنهَدِمُ بعدَ البيعِ قبلَ أن يَنتفِعَ المبتاعُ بشيءٍ منها، أو الحيوانِ يُباعُ فيموتُ بأثرِ قَبضِ مبُتاعِه له، أو سائرِ العُرُوضِ؛ لأنّ الأغلبَ من هذا كلِّه السلامةُ، فما خرَجَ من ذلك نادرًا لم يُلتفَتْ إليه، ولم يُعرَّجْ عليه، وكانتِ المصيبةُ من مُبتاعِه. وكذلك الثمرةُ إذا بِيعَت بعدَ بُدُوِّ صلاحِها، لم يُلتفَتْ إلى ما لَحِقَها من الجوائحِ؛ لأنّهم قد سَلِموا من عُظْمِ الغَرَرِ، ولا يكادُ شيءٌ من البُيُوعِ يَسلَمُ من قَليلِ الغَرَرِ، فكان معفُوًّا عنه. قالوا: فإذا بِيعَتِ الثمرةُ في وقتٍ يحلُّ بَيعُها، ثم لَحِقَتها جائحةٌ، كان ذلك كما لو جُدَّت (١) فتَلِفَتْ، كانت مُصيبتُها من المبتاع؛ واحتَجُّوا بحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، أنّ رسولَ الله ﷺ نهَى عن بَيعِ الثِّمارِ حتى يَبدُوَ صلاحُها. قيل له: وما بُدُوُّ صَلاحِها يا رسولَ الله؟ فقال: "إذا بَدَا صلاحُها ذهَبَت عاهتُها"، وبحديثِ مالكٍ، عن أبي الرِّجَالِ، عن أُمِّه عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، أنّ رسولَ الله ﷺ نهَى عن بيعِ الثِّمارِ حتى تَنْجُوَ من العَاهَةِ" (٢). وهذا معنَى قولِ ابن شِهَابٍ؛ ذكَرَ الليثُ بن سعدٍ، عن يُونُسَ، عن ابن شهابِ، قال: لو أنّ رجلًا ابتَاعَ ثمرًا قبلَ أن يَبدُوَ صَلاحُه، ثم أصابته عاهةٌ، كان مَا أصَابَه على ربِّه. أخبرني سالمُ بن عبدِ الله، عن ابن عمرَ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تَتَبايَعُوا الثَّمَرَ حتى يبدوَ صلاحُها، ولا تبيعوا الثمرَ بالتَّمْر" (٣).

стр. 904

وأخبَرنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: أخبَرنا الميمونُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن سلامةَ الطحاويُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن يحيى، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (١): أخبَرنا محمدُ بن إسماعيلَ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن عُثمانَ بن عبدِ الله بن سُراقةَ، عن عبدِ الله بن عمرَ، أنّ رسولَ الله ﷺ نهَى عن بَيعِ الثِّمارِ حتى تَذهبَ العَاهَةُ. قال عثمانُ بن سُراقَةَ: فسألتُ ابنَ عمرَ: متى ذلك؟ فقال: طُلُوعَ الثُّرَيَّا (٢). وروَى المعَلَّى بن أسدٍ، قال: حدَّثنا وُهيبٌ، عن عِسْل بن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا طَلَعَتِ الثُّرَيَّا صباحًا رُفِعَتِ العاهةُ عن أهلِ البلدِ" (٣). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالبٍ، قال: حدَّثنا حَرَمِيٌّ وعَفَّانُ، قالا: حدَّثنا وُهيبُ بن خالدٍ، عن

стр. 905

عِسْلِ بن سفيانَ، عن عَطَاءٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما طلَع النجمُ صباحًا قَطُّ وبقومٍ عاهَةٌ إلّا رُفِعَت عنهم أو خَفَّت" (١). قال أبو عُمر: هذا كلُّه على الأغلَبِ، وما وقَع نادرًا فليس بأصل يُبنَى عليه في شيءٍ، والنجمُ هو الثُّرَيَّا، لا خِلافَ ههنا في ذلك، وطُلُوعُها صباحًا: لاثْنَتيْ عشْرةَ ليلةً تَمْضِي من شهرِ أيَّار، وهو شهرُ مَايُه (٢). فنَهْيُ رسولِ الله ﷺ عن بيع الثِّمارِ حتى يبدُوَ صلاحُها معنَاه عندَهم: لأنّه من بُيوعِ الغَرَرِ؛ لا غيرُ، فإذا بدَا طرحُها ارتفَعَ الغَرَرُ في الأغلبِ عنها, كسائرِ البُيوع، وكانت المصيبةُ فيها من المبتاع إذا قبَضها، على أُصُولِهم في المبيعِ أنّه مَضمُونٌ على البائع حتى يَقْبضَه المبتاعُ، طَعامًا كان أو غيرَه. وهذا كلُّه قولُ الشافعيِّ وأصحابِه، والثوريِّ. وقولُ أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ، فيمَن ابتاع ثمرةً من نخلٍ أو زرعٍ أو سائرِ الفواكِهِ والثمراتِ، فقبَضَ ذلك بما يُقْبَضُ به مثلُه، فأصابَته جائحةٌ فأهلكَته كلَّه أو بعضَه، كان ثُلُثًا أو أقلَّ أو أكثرَ، فالمصيبةُ في ذلك كلِّه، قلَّ أو كَثُر، من مالِ المُشتَرِي. وقد كان الشافعيُّ، ﵀، في العراقِ يقولُ بوضعِ الجَوائحِ، ثم رجَع إلى هذا القولِ بمصرَ، وهو المشهورُ عند أصحابِه من مذهبِه، لحديثِ حُميدٍ الطويل، عن أنسِ بنِ مالكٍ المذكورِ في هذا البابِ؛ ولأن حديثَ سُليمانَ بن عتيقٍ عن جابرٍ لم يثْبُتْ عَندَه فيه أمرُ رسولِ الله ﷺ

стр. 906

بوَضْع الجوائح، قال الشافعيُّ (١): كان ابن عُيينةَ يُحدِّثُنا بحديثِ حُميدِ بن قيسٍ، عن سُليمانَ بن عَتيقٍ، عن جابرٍ، أنّ رسولَ الله ﷺ نهَى عن بيعِ السِّنينَ، ولا يذكُرُ فيه وضعَ الجائحةِ. قال: ثم حدَّثنا بذلك غيرَ مرَّةٍ كذلك، ثم زادَ فيه وضعَ الجوائح، فذكَرنا له ذلك، فقال: هو في الحديثِ، واضطَربَ لنا فيه. قال الشافعيُّ: ولم يَثبُتْ عندي أنّ رسولَ الله ﷺ أمَر بوضعِ الجَوَائح، ولو ثَبَت لم أعْدُه. قال: ولو كنتُ قائلًا بوضعِ الجَوائح لوضَعتُها في القليلِ والكثيرِ. قال: والأصلُ المُجْتَمَعُ عليه أنّ كلَّ مَن ابتاع ما يجوزُ بيعُه وقَبضُه، كانت المصيبةُ منه، ولم يَثْبُتْ عندَنا وضعُ الجوائح فيُخرِجَه من تلك الجُمْلَةِ. قال أبو عُمر: اختلفَ أصحابُ ابن عُيينةَ عنه في ذكرِ الجوائحِ في حديثِ سُليمان بن عَتيقٍ، عن جابرٍ؛ فبعضُهم ذكَر ذلك عنه فيه، وبعضُهم لم يذكُرْه، وممن ذكَره عنه في ذلك الحديثِ: أحمدُ بن حنبلٍ (٢)، ويحيى بن معينٍ، وعليُّ بن حَربٍ الطَّائيُّ، وغيرُهم (٣). وقالت طائفةٌ من أهلِ العلم: في قولِ رسولِ الله ﷺ : "أرأيتَ إن مَنَع اللهُ الثمرةَ، فبِمَ يأخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟ " دليلٌ واضحٌ على أنّ الثمرةَ إذا مُنِعَت لم يَسْتَحِقَّ البائعُ ثَمنًا؛ لأن المبتاعَ قد مُنِع ممّا ابتاعَه. قالوا: وهذا هو المفهُومُ من هذا الخِطابِ. قالوا: وحُكمُ رسولِ الله ﷺ بهذا في الثِّمارِ أصلٌ في نفسِه، مُخالفٌ لحُكْمِه في سائرِ السِّلَعِ يجِبُ التَّسْلِيمُ له. واحتجُّوا بحَديثِ أبي الزُّبيرِ عن جابرٍ في ذلك.

стр. 907

وهو ما حدَّثناه عبدُ الرحمنِ بن يحيى وخلَفُ بن أحمدَ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفِ بن عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عثمانَ الأعناقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن تَمِيمٍ القَفْصِيُّ، قال: حدَّثنا أنسُ بن عِيَاضٍ، قال: أخبَرني ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرني أبو الزبيرِ، أنّه سمِع جابرَ بن عبدِ الله يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "إن بِعْتَ من أخِيكَ ثمرًا (١)، فأصابته جائِحَةٌ، فلا يَحِلُّ لك أن تأخُذَ منه شيئًا، بِمَ تأخُذُ مالَ أخيكَ بغيرِ حَقٍّ؟ " (٢). قالوا: وهذا الحديثُ لم يُنْسَقْ على النهي عن بيعِ الثمارِ حتى يَبدُوَ صلاحُها، فيحتملَ من التأويلِ ما احتَملَه حديثُ أنس، بل ظاهرُه يدُلُّ في قولِه: "إن بِعْتَ من أخيكَ ثَمَرًا" أنّه البيعُ المباحُ بعدَ الإزهاءِ وبُدُوِّ الصَّلاحِ، لا يحتمِلُ ظاهِرُه غيرَ ذلك، وهو أوضَحُ وأبيَنُ من أن يُحتاجَ فيه إلى الإكثارِ. واحتَجُّوا أيضًا بحديثِ سُليمانَ بن عتيقٍ، عن جابرٍ؛ وهو ما حدَّثناه أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ بن عبدِ الرحمنِ الأمويُّ. وحدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل بن العباسِ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا أحمدُ بن الحَسَنِ بن عبدِ الجبارِ الصُّوفيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن معينٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن سليمانَ بن عَتيقٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله، أنّ رسولَ الله ﷺ أمَر بوضعِ الجَوائح، ونهَى عن بيع السِّنين (٣).

стр. 908

وحدَّثناه أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيَى بن عُمرَ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حرب، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن سُليمانَ بن عَتيقٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله، أنّ النبيَّ ﷺ نهَى عن بَيع السِّنينَ، وأمَر بوضعِ الجَوائح" (١). وممّن قال بوضعِ الجوائحِ هكذا مُجمَلًا: أكثرُ أهلِ المدينةِ؛ منهم: يحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ (٢)، ومالكُ بن أنسٍ وأصحابُه، وهو قولُ عمرَ بن عبدِ العزيزِ، وبوضعِ الجَوائحِ كان يقضِي ﵁ (٣). وبه قال أحمدُ بن حنبلٍ، وسائرُ أصحابِ الحديثِ، وأهلُ الظاهرِ. إلّا أنّ مالكًا وأصحابَه وجُمهورَ أهلِ المدينةِ يُراعُون الجائحةَ، ويعتَبِرُون فيها أن تبلُغَ ثُلُثَ الثمرةِ فصاعدًا، فإن بلَغَتِ الثُّلُثَ فصاعدًا حَكَمُوا بها على البائِع، وجعَلوا المصيبةَ منه، وما كان دُونَ الثُّلُثِ ألْغَوه، وكانت المصيبَة عندَهم فيه من المبتاعِ، وجعَلوا ما دون الثُّلُثِ تَبَعًا لا يُلتَفتُ إليه، وهو عندَهم في حكمِ التافِه اليسيرِ؛ إذ لا تَخْلُو ثَمَرَةٌ من أن يتَعَذَّرَ القليلُ من طِيبِها، وأن يَلْحَقَها في اليَسِيرِ منها فسادٌ، فلمّا لم يُرَاعِ الجميعُ ذلك التَّافِهَ الحقِيرَ، كان ما دونَ الثُّلُثِ عندَهم كذلك. وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (٤)، عن مَعْمرٍ، قال: كاد أهلُ المدينةِ ألّا يَسْتَقَيموا في الجائِحَةِ (٥)، يقولون: ما كان دونَ الثُّلُثِ فهو على المشْتَرِي إلى الثُّلُثِ، فإذا كان

стр. 909

فوقَ ذلك فهي جائحَةٌ. قال: وما رأيتُهم يجعَلون الجائحةَ إلّا في الثمارِ. قال: وذلك أنّي ذكَرْتُ لهم البَزَّ (١) يَحْتَرِقُ، والرَّقِيقَ يموتون، قال معمرٌ: وأخبَرني مَن سمِع الزهريَّ، قال: قلتُ له: ما الجائحةُ؟ قال: النذِّصفُ. وروَى حُسينُ بن عبدِ الله بن ضُميرَةَ، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ، قال: والجائحةُ (٢) الثلُثُ فصاعدًا يُطَّرَحُ عن صاحبِها، وما كان دُونَ ذلك فهو عليه، قال: والجائحَةُ الرِّيحُ، والمطرُ، والجَرَادُ، والحَرِيقُ (٣). والمراعاةُ عندَ مالكٍ وأصحابِه ثُلُثُ الثمرةِ لا ثُلُثُ الثمنِ، ولو كان ما بَقِي من الثَّمَرَةِ وفاءً لرأسِ مالِه وأضعافَ ذلك، وإذا كانت الجائحَةُ أقلَّ من ثُلُثِ الثمرةِ، فمُصِيبتُها عندَهم من المشتَري ولو لم يكنْ في ثَمَنِ ما بَقِيَ إلّا درهمٌ واحدٌ. وأمّا أحمدُ بن حنبلٍ وسائرُ من قال بوَضْعِ الجوائحِ من العلماءِ (٤)، فإنّهم وضَعوها عن المبتاعِ في القليلِ والكثيرِ، وقالوا: المصِيبةُ في كلِّ ما أصابتِ الجائحَةُ من الثِّمارِ على البائعِ، قليلًا كان ذلك أو كثيرًا. ولا معنَى عندَهم لتحديدِ الثلُثِ؛ لأنّ الخبرَ الواردَ بذلك ليس فيه ما يدلُّ على خُصوصِ شيءٍ دون شيءٍ، وهو حديثُ جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، من روايةِ أبي الزبيرِ وروايةِ سُلَيمانَ بن عَتيقٍ، وقد ذكَرنَاهما. قال أبو عُمر: كان بعضُ من لم يرَ وضعَ الجوائحِ يتَأوَّلُ حديثَ سُليمانَ بن عَتِيقٍ عن جابرٍ أنّه على النَّدْبِ، ويقولُ: هو كحَديثِ عَمْرةَ في الذي تبيَّن له النُّقصانُ فيما ابتَاعَه من ثمرِ الحائطِ حينَ قال رسولُ الله ﷺ : "تَألَّى ألّا يفعَلَ خيرًا" (٥)،

стр. 910

يعني: رَبَّ الحائطِ، وكان يتأوَّلُ في حديثِ أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، أنّه محمولٌ على بيعِ ما لم يُقْبَضْ، وما لم يُقبَضْ فمُصيبَتُه عندَهم من بائعِه. وكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك في وضعِ الخَراج، خَراجِ الأرضِ، يُريدُ كِراءَها، عمّن أصاب ثمرَه أو زَرْعَه آفَةٌ. وقال بعضُهم: معناه معنى حديثِ أنسٍ سواءً، إلّا أنّ أنسًا ساقَه على وجهِه، وفَهِمَه بتَمامِه. وهذه التَّأويلاتُ كلُّها خلافُ الظاهِرِ، والظاهرُ يُوجِبُ وضعَ الجوائحِ إن ثَبَت حديثُ سُليمانَ بن عَتِيقٍ، وأمّا الأُصُولُ فتشهدُ لتأويلِ الشافعيِّ، وبالله التوفيقُ. وأمّا جملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِه في الجوائح (١)، فذكَرَ ابنُ القاسمِ وغيرُه عن مالكٍ فيمَن ابتاع ثمرةً فأصابتْها جائحَةٌ، أنّها من ضَمانِ البائعِ إذا كانت الثُّلُثَ فصاعدًا، وإذا كانت أقلَّ من الثُّلُثِ لم تُوضَعْ عن المشترِي، وكانت المصيبةُ منه في النَّخلِ والعِنَبِ ونحوِهما. قال: وأما الوردُ، والياسَمِينُ، والرُّمَّانُ، والتُّفَّاحُ، والخَوْخُ، والأُتْرُجُّ، والموزُ، وكلُّ ما يُجنَى بطنًا بعدَ بطنٍ من المقاثي وما أشبَهها، إذا أصابَت شيئًا من ذلك الجائحَةُ، فإنّه يُنظَرُ إلى المَقثأةِ كم نَباتُها من أولِ ما يَشتَرِي إلى آخرِ ما تَنقَطِعُ ثمرتُها في المُتعارفِ، وينظرُ إلى قِيمتِها في كلِّ زمانٍ على قَدْرِ نَفَاقِه في الأسواق، ثم يمتَثلُ فيه أن يُقسَمَ الثَّمَنُ على ذلك. واختلَفَ أصحابُ مالكٍ في الحائطِ يكونُ فيه أنواعٌ من الثِّمارِ فيُجَاحُ منها نوع واحد، فكان أشهَبُ وأصبَغُ يقولان: لا يُنظرُ فيه إلى الثمرةِ، ولكن إلى القِيمَةِ، فإن كانتِ القيمةُ الثُّلُثَ فصاعدًا وُضِع عنه. قال ابن القاسِم: بل يُنظَرُ إلى الثمرةِ، على ما قدَّمنا عنهم.

стр. 911

وكان ابن القاسم أيضًا يَرَى السَّرَقَ جائِحَةً، وخالَفَه أصحابُه والناسُ. وقال ابنُ عبدِ الحَكَمِ، عن مالكٍ: من اشتَرَى حوائطَ في صَفَقاتٍ مُختلفةٍ، فأُصيب منها ثُلُثُ حائطٍ، فإنها تُوضَعُ عنه، ولو اشتَرَاها في صَفَقَةٍ واحدةٍ، فلا وضِعيةَ له إلّا أن يكونَ ما أصابَتِ الجائحِةُ ثُلُثَ ثَمَرِ جميعِ الحوائطِ. وقال مالكٌ في البُقولِ كلِّها، والبَصَلِ، والجَرَزِ، والكُرَّاثِ، والفُجْل، وما أشْبَهَ ذلك: إذا اشتَرَاه رجلٌ فأصابَته جائحَةٌ، فإنّه يُوضَعُ عن المشتَرِي كلّ شيءٍ أصابَتْه به الجائحَةُ، قلَّ أو كَثُرَ. قال: وكلُّ ما يَبِس فصار تَمرًا أو زَبِيبًا وأمكَنَ قِطَافُه، فلا جائِحَةَ فيه. قال: والجَرَادُ، والنَّارُ، والبَرْدُ، والمَطَرُ، والطَّيرُ الغالِبُ، والعَفَنُ، وماءُ السماءِ المُترَادِفُ المفسِدُ، والسَّمُومُ، وانقطاعُ ماءِ العُيُونِ، كلُّها من الجَوَائِح، إلّا الماءَ فيما يُسقَى، فإنّه يُوضعُ قليلُ ذلك وكثيرُه؛ لأنّ الماءَ من سببِ ما يُباعُ، ولا جائِحَةَ في الثَّمَرِ إذا يَبِسَ. قال ابنُ عبدِ الحَكَمِ، عن مالكٍ: لا جائِحَةَ في ثَمَرٍ عندَ جَدَادِه، ولا في زَرْعٍ عندَ حَصادِه. قال: ومن اشتَرَى زَرعًا قد استُحصِدَ، فتَلِف، فالمصيبَةُ من المشتَرِي وإن كان لم يَحصُدْه. حدَّثني أحمدُ بن سعيدِ بن بِشْرٍ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن أبي دُلَيمٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: سمِعتُ سُحنُونَ قال في الذي يشتَري الكَرمَ وقد طاب، فيُؤَخِّرُ قِطافَه إلى آخِرِ السَّنَةِ ليكونَ أكثرَ لثَمَنِه، فتُصيبُه جائحَةٌ: إنّه لا جائحَةَ فيه، ولا يُوضعُ عن المشتَرِي فيه شيءٌ، قال: وكذلك الثَّمَرُ إذا طاب كلُّه، وترَكَه للغَلاءِ في ثَمَنِه. قال: وليس التِّينُ كذلك؛ لأنّه يَطِيبُ شيئًا بعدَ شيءٍ، وما طاب شيئًا بعدَ شيءٍ وُضِع عنه.

стр. 912

قال أبو عُمر: أجاز مالكٌ، ﵀ وأصحابُه بيعَ المَقَاثِي إذا بَدَا صَلاحُ أوَّلِها، وبيعَ البَاذِنْجانِ، واليَاسَمِينِ، والمَوْزِ، وما أشبَهَ ذلك، استِدلالًا بإجازَةِ رسولِ الله ﷺ بيعَ الثِّمارِ حينَ يَبدُو صَلاحُها، ومعنَاه عندَ الجميع: أن يَطِيبَ أولُها، أو يبدُوَ صَلاحُ بعضِها، وإذا جاز ذلك عندَ الجميعِ في الثِّمارِ، كانت المقاثِي وما أشبَهَها ممّا يُخلَقُ شيئًا بعدَ شيءٍ، وَيخرُجُ بطنًا بعدَ بطنٍ كذلك، قِياسًا ونَظَرًا؛ لأنّه لما كان ما لم يَبدُ صلاحُه من الحائطِ ومن ثَمَرِ الشَّجرِ تَتَعًا لِمَا بَدَا صَلاحُه في البيعِ من ذلك، كان كذلك بَيعُ ما لم يُخلَقْ من المقاثِي وما أشبَهَها تَتَعًا لِمَا خُلِقَ وطاب، وقياسًا أيضًا على بيعِ مَنافعِ الدَّارِ وهي غيرُ مَخْلُوقَةٍ، ولأنّ الضرورةَ تُؤَدِّي إلى إجازَته. وقولُ المُزنيِّ في ذلك كقولِ مالكٍ وأصحابِه سواءً. وأمّا العِرَاقِيُّونَ، والشافعيُّ وأصحابُه، وأحمدُ بن حنبلٍ، وداودُ بن عليٍّ، فإنَّهم لا يُجِيزُونَ بيعَ المقاثِي، ولا بيعَ شيءٍ مما يخرُجُ بطنًا بعدَ بطنٍ بوَجْهٍ من الوُجُوهِ، والبيعُ عندَ جميعِهم في ذلك مفسوخٌ إلّا أن يقعَ البيعُ فيما ظهَر وأحاطَ المبتاعُ برُؤْيَتِه، وطابَ بعضُه (١). وحُجَّتُهم في ذلك نهيُ رسولِ الله ﷺ عن بيعِ ما لم يُخلَقْ، ونهيُه عن بيع ما ليس عندَك، ولأنّها أعيانٌ مقصودةٌ بالشِّراءِ ليست مَرئيّةً ولا مُستقرَّةً في ذمَّةٍ، فأشْبَهَتْ بيعَ السِّنِينَ المَنْهِيَّ عنه، وبالله التوفيقُ.

стр. 913

حديثٌ رابعٌ لحُميد الطَّويل، عن أنس مالكٌ (١)، عن حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: خرَجَ علينا رسولُ الله ﷺ فقال: "إنِّي أُرِيتُ هذه الليلةَ في رَمَضانَ، فتَلاحَى رَجُلان، فرُفِعَتْ، فالْتمِسُوها في التّاسعةِ، والسّابعةِ، والخامسةِ". هكذا روَى مالكٌ هذا الحديثَ، لا خِلافَ عنه في إسْنادِه ومَتْنِه (٢)، وفيه عن أنسٍ: خرَج علينا رسولُ الله ﷺ . وإنّما الحديثُ لأنسٍ، عن عُبادَةَ بن الصامِتِ. حدَّثنا سعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا عبدُ الوَهَّابِ، عن حُمَيدٍ (٤)، عن أنسٍ، عن عُبادَةَ، قال: خرَج علينا رسولُ الله ﷺ وهو يُرِيدُ أن يُخْبِرَ بليلةِ القدرِ، فتَلاحَى رجلان، فقال: "إنِّي خَرَجْتُ [وأنا أُرِيدُ] (٥) أن أُخْبِرَكم بليلةِ القدرِ، فتَلاحَى فُلانٌ وفُلانٌ، ولَعَلَّ ذلك أن يكونَ خَيْرًا، فالْتَمِسُوها في التاسعةِ والسابعةِ والخامسةِ" (٦). قال أبو عُمر: في حديثِ مالكٍ: "فرُفِعَتْ"، وليس في هذا: "فرُفِعَتْ". وهي لَفْظَةٌ محفوظَةٌ عندَ الحُفَّاظِ في حديثِ حُمَيْدٍ هذا، واللهُ أعلمُ، بمعنى ما أرادَ رسولُ الله ﷺ بقولِه ذلك. والأظْهَرُ من مَعانيه أنّه رُفِع عِلْمُ تلك الليلةِ عنه،

стр. 914

فأُنْسِيَها بعدَ أن كان عَلِمها، ولم تُرْفَعْ رَفْعًا لا تعودُ بعدَه؛ لأنّ في حديثِ أبي ذَرٍّ أنّها في كلِّ رمضانٍ، وأنّها إلى يومِ القِيامةِ. ويدُلُّ على ذلك من هذا الحديثِ قولُه: "فالْتَمِسُوها". إلّا أنّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ معنى قولِه: "الْتَمِسُوها": في سائرِ الأعْوام، أو في العام المقْبِلِ؛ فإنّها رُفِعَتْ في هذا العامِ. ويَحْتمِلُ أن تكونَ رُفِعَتْ في تلك الليلةِ من ذلك الشَّهْرِ، ثم تَعودَ فيه في غيرِها. وفي ذلك دليلٌ على أنّها ليس لها ليلةٌ مُعَيَّنَةٌ لا تَعْدُوها، واللهُ أعلمُ. وكان سببَ رَفْع عِلْمِها عنه ما كان من التَّلاحِي بينَ الرجلَيْن، واللهُ أعلمُ. وأمّا المُلاحاةُ فهي: التَّشاجُرُ ورَفْعُ الأصواتِ، والمراجَعَةُ بالقولِ الذي لا يَصْلُحُ على حالِ الغَضَبِ، وذلك شُؤْمٌ، واللهُ أعلمُ. وقد نهَى رسولُ الله ﷺ عنها وعن المِراءِ أشَدَّ النَّهْي (١). ورُويَ عنه ﷺ أنّه قال: "نَهاني رَبِّي عن مُلَاحاةِ الرجالِ" (٢). وقيل: المُلاحاةُ: السَّبُّ، يُقالُ: تلاحَيَا: إذا اسْتَبَّا، ولَحَانَي: أسْمَعني ما أكْرَهُ من قَبِيح الكلام، وأُنْشِد [من الطويل]: أَلا أيُّها اللاحِي بأن أحْضُرَ الوَغَى ... وأنْ أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هل أنتَ مُخْلِدِي (٣)

стр. 915

وقد يُنشَدُ هذا البيتُ على غيرِ هذا: * ألا أيُّهذا اللَّائِمي أحضُرَ الوَغَى (١) * ومن شُؤْمِ المُلاحَاةِ أنّهم حُرِمُوا بركَةَ ليلةِ القدرِ في تلك الليلةِ، وهذا مما سبَقَ في عِلْمِ الله، ولم يُحْرَمُوها في ذلك العامِ؛ لأنّ قولَه ﷺ : "التَمِسُوهَا في التاسعةِ والسابعةِ والخامسةِ" يَدُلُّ على ذلك. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ النبيُّ ﷺ منَعَهم الإخْبارَ بها في ذلك الوَقْتِ تأْدِيبًا لهم في المُلاحَاةِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ اشْتَغَل بالُه بتَشاجُرِهما فنُسِّيَها. وقد رُوي نحوُ ذلك مَنْصُوصًا من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حَمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيْع، عن الجُرَيْرِيِّ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: اعْتَكَف رسولُ الله ﷺ العَشْرَ الأواسط (٢) من رمضانَ وهو يَلْتَمِسُ ليلةَ القدرِ قبلَ أن تُبانَ له، فلمّا انْقَضَيْن أمَر بالبِناءِ - يعني: فرُفِع - فأُبِينَتْ له أنّها في العَشْرِ الأواخِرِ من رمضانَ، فأعاد البِناءَ واعتكَف العَشْرَ الأواخِرَ من رمضانَ، فخرَج إلى الناسِ، فقال: "يا أيّها الناسُ، إنّي أُبِينَتْ لي ليلةُ القدرِ، فخرَجْتُ أُخْبِرُكم بها، فجاء رَجُلان يَخْتَصِمان ومعهما الشيطانُ، فنُسِّيتُها، فالتَمِسُوها في العَشْرِ الأواخرِ من رمضانَ، والتَمِسُوها في التاسعةِ، والتَمِسُوها في السابعةِ، والتَمِسُوها في الخامسةِ" (٣).

стр. 916

وذكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١)، قال: أخبَرنا ابنُ جُريج، قال: أخبَرني يونُسُ بن يوسُفَ، أنّه سمِع سعيدَ بن المسَيِّبِ يقولُ: كان رسولُ الله ﷺ في نَفَرٍ من أصحابِه، فقال: "ألا أُخْبِرُكم بليلةِ القدرِ؟ "، قالوا: بلى يا رسولَ الله. فسكَت ساعَةً، فقال: "لقد قُلْتُ لكم ما قُلْتُ آنِفًا وأنا أعلَمُها، أو إنّي لأعْلَمُها، ثم أُنْسِيتُها". فذكَر الحديثَ، وفيه: فاسْتَقامَ مَلأُ القومِ على أنّها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين. وأمّا قولُه: "التَمِسُوها في التاسعةِ والسابعةِ والخامسةِ". فقد اخْتَلَف العلماءُ في ذلك، فقال قومٌ: هي تاسعةٌ تَبْقَى؛ يَعْنُونَ ليلةَ إحْدَى وعِشْرِين، وسابعةٌ تَبْقَى؛ ليلةَ ثلاثٍ وعِشْرِين، وخامِسَةٌ تَبْقَى؛ ليلةَ خمسٍ وعِشْرِين. وممّن قال ذلك مالكٌ ﵀، وروَى سعيدُ بن داودَ بن أبي زَنْبرٍ، عن مالكٍ، أنّه سُئِل: ما وَجْهُ تَفْسِيرِ قولِ النبيِّ ﷺ : "التَمِسُوها في التاسعةِ والسابعةِ والخامسةِ"؟ فقال: أرَى، واللهُ أعلمُ، أنّه أراد بالتاسعةِ ليلةَ إحْدَى وعشرين، والسابعةِ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، وبالخامسةِ ليلةَ خمسٍ وعشرين. وقال ابن القاسمِ: رجَع مالكٌ عن ذلك، وقال: هو حديثٌ مَشْرِقِيٌّ لا أعلَمُه. وما حَكاه ابن القاسمِ فليس بشيءٍ، وقد قال مالكٌ وغيرُه من العلماءِ ما وصَفْتُ لك، واسْتَدَلُّوا على ذلك بأنّه قد رُوِيَ مَنْصوصًا مثلُ قولِهم هذا، وبتَقْدِيمِ رسولِ الله ﷺ التاسعةَ على السابعةِ، والسابعةَ على الخامسةِ. وأمّا الحديثُ في ذلك، فحدَّثناه عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا أبو داودَ (٢)، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا وُهَيْبٌ، قال: حدَّثنا أَيوبُ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال:

стр. 917

"التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخرِ من رمضانَ؛ في تاسعةٍ تَبْقَى، وفي سابعةٍ تَبْقَى، وفي خامسةٍ تَبْقَى". وإلى هذا ذهَب أيوبُ، ﵀، ذكَر ذلك عنه مَعْمَرٌ. وروَى أبو نَضْرةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخِرِ من رمضانَ، والتَمِسُوها في التاسعةِ والسابعةِ والخامسةِ". قال: قلتُ: يا أبا سعيدٍ، إنّكم أعلمُ بالعَدَدِ مِنّا. قال: أجلْ. قلتُ: ما التاسعةُ والسابعةُ والخامسةُ؟ قال: إذا مَضَتْ إحدى وعشرون، فالتي تليها التاسعةُ، وإذا مَضَتْ ثلاثٌ وعشرون، فالتي تليها السابعةُ، وإذا مضت خمسٌ وعشرون، فالتي تليها الخامسةُ. ذكره أبو داودَ (١)، عن ابن المثنى، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدٍ، عن أبي نضرةَ. هكذا جاء في هذا الباب مراعاةُ التي تَلِيها، وذلك الأُولَى من التِّسْعِ البَواقي، والأُولَى من السَّبع البَواقي، والأُولَى من الخمسِ البَواقي. وهذا يدُلُّ على اعْتِبارِه كمالَ العَدَدِ ثلاثين يومًا، وهو الأصْلُ والأغْلَبُ، وما خالَفَه فإنّما يُعْرَفُ بنُزولِه لا بأصْلِه. وروَى معمر، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، إنّي رأيْتُ في النومِ ليلةَ القدرِ كأنها ليلةُ سابعةٍ، فقال النبيُّ ﷺ : "أرَى رُؤْيَاكم قد تواطأت (٢) أنّها في ليلةِ سابعةٍ، فمَن كان

стр. 918

مُتَحَرِّيَها منكم فلْيَتَحَرَّها في ليلةِ سابعةٍ". قال معمرٌ: فكان أيُّوبُ يَغْتَسِلُ في ليلةِ ثلاثٍ وعشرين ويَمَسُّ طِيبًا (١). وقولُه: "فمن كان منكم مُتَحَرِّيَها" دليلٌ على أن قِيامَ ليلةِ القدرِ فضيلةٌ لا فريضةٌ، وبالله التوفيقُ. وقال آخرون: إنّما أرادَ رسولُ الله ﷺ بقولِه هذا التاسعةَ من العشرِ الأواخِرِ، والسابعةَ منه، والخامسةَ منه. يعْنُون ليلةَ تسعٍ وعشرين، وليلةَ سبعٍ وعشرين، وليلةَ خمسٍ وعشرين. واحْتَجُّوا بقولِه ﷺ في حديثِ عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عمرَ: "التَمِسُوها في السبعِ الأواخِرِ" (٢). قالوا: فيَدْخُلُ في ذلك ليلةُ تسعٍ وعشرين، فغيرُ نكيرٍ أن تكونَ تلك التاسعةَ المذكورَةَ في الحديثِ. وكذلك تكونُ السابعةُ ليلةَ سبعٍ وعشرين، والخامسةُ ليلةَ خَمْسٍ وعشرين. قالوا: وليس في تقديمِه لها في لفظِه وعَطْفِه ببعضِها على بعضٍ بالواوِ ما يدُلُّ على تقديم ولا تأخير. قال أبو عُمر: كلُّ ما قالُوه من ذلك يَحْتَمِلُ، إلّا أنّ قولَه ﷺ : "تاسعةٍ تَبْقَى، وسابعةٍ تَبْقَى، وخامسةٍ تَبْقَى" يقضِي للقولِ الأوَّلِ، وقال ﷺ : "التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخرِ، والتَمِسُوها في كلِّ وتْرٍ" (٣). وهذا أعّمُّ من ذلك؛ لِما فيه من الزِّيادَةِ في الليالي التي تكونُ وتْرًا. وفيه دليلٌ على انْتِقالِها، واللهُ أعلمُ، وأنّها

стр. 919

ليسَتْ في ليلةٍ واحدَةٍ مُعَيَّنَةٍ في كلِّ شَهْرِ رمضانَ، فرُبّما كانت ليلةَ إحْدَى وعشرين، ورُبّما كانت ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، ورُبّما كانت ليلةَ خمسٍ وعشرين، ورُبّما كانت ليلةَ سبعٍ وعشرين، ورُبّما كانت ليلةَ تسعٍ وعشرين. وقولُه: "في كلِّ وتْرٍ" يقْتَضِي ذلك. وذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١)، عن مَعْمرٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، قال: ليلةُ القدرِ تَنْتَقِلُ في العشرِ الأواخِرِ في كلِّ وتْرٍ. قال أبو عُمر: في ليلةِ إحْدَى وعشرين حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ (٢)، وفي ليلةِ ثلاثٍ وعشرِين حديثُ عبدِ الله بن أُنَيْس الجُهَنيِّ (٣)، وفي ليلةِ سبع وعشرين حديثُ أُبَيِّ بن كَعْبٍ (٤)، وحديثُ معاويةَ بن أبي سفيان (٥). وهي كلُّها صِحَاحٌ. فأمّا حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ فمِن روايةِ مالكٍ في "الموطّأ"، فأغْنَى عن ذكرِه ههُنا؛ لأنّه سيَأْتي في موضعِه من كتابِنا في بابِ يزيدَ بن الهادِي، وهو محفوظٌ مشهورٌ، رَوَاه عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ جماعَةٌ. وأمّا حديثُ عبدِ الله بن أُنَيْسٍ الجُهَنِيِّ فهو مشهورٌ، وأكثرُ ما يأْتي مُنْقَطِعًا، وقد وصَلَه جماعَةٌ من وُجُوهٍ كثيرةٍ قد ذكَرْناها في بابِ أبي النَّضْرِ سالِم من كتابِنا هذا، والحمدُ لله. وروَى عَبَّادُ بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن ضَمْرَةَ بن عبدِ الله بن أُنَيْسٍ،

стр. 920

عن أبيه، أنّه أتَى رسولَ الله ﷺ فقال: أرْسَلَني إليك رَهْطٌ من بني سَلِمةَ يسْألُونك عن ليلةِ القدرِ، فقال: "كم الليلةُ؟ "، قال: اثْنتان وعشرون. قال: "هي الليلةُ". ثم رجَع فقال: "أو القابِلَةُ"، يريدُ: ليلةَ ثلاثٍ وعشرين (١). ففي هذا الحديث دليلٌ على جوازِ كونِها ليلةَ اثنتين وعشرين، وإذا كان هذا كذلك، جاز أن تكونَ في غيرِ وِتْرٍ، وممّن ذهَب إلى هذا الحسنُ البصريُّ ﵀. ذكر مَعْمَر عمن سَمِعَ الحَسَن يقول: نظرتُ الشمسَ عشرينَ سنة فرأيتُها تطلُعُ صباحَ أربع وعشرين من رَمضان ليس لها شُعاع (٢). ورَوى ابنُ لَهِيعة، عن يزيدَ بن أبي حَبِيب، عن أبي الخَيْر، عن الصُّنابِحي، عن بلال، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ليلةُ القَدْر ليلةُ أربع وعشرين" (٣). وهذا عندنا على ذلك للعام، وممكنٌ أن تكونَ في مثلِه بعدُ. إلّا أنَّ أكثرَ الأحاديث أنها

стр. 921

في الوِتْر من العَشْر الأواخر، وأكثرُ ما جاء أيضًا في حديث عبد الله بن أُنَيْس أنها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين بلا شَكّ، وسترى ذلك في باب أبي النَّضْر إن شاء الله (١). ورَوَى محمدُ بنُ إبراهيم بن الحارث التَّيْمي، عن ابن عبد الله بن أُنَيْس، عن أبيه، أنه قال: يا رسول الله، إنَّ لي باديةً أكونُ فيها وأنا أُصلي فيها بحمد الله، فمُرْني بليلةٍ أنزلُها إلى هذا المسجد، فقال: "انزِلْ ليلةَ ثلاث وعشرين". وكان محمد بن إبراهيم يجتهد ليلة ثلاث وعشرين (٢). وفي ليلة ثلاث وعشرين حديثُ ابن عبّاس، يأتي في باب أبي النَّضْر (٣). وفي ليلة ثلاث وعشرين قصة زُهْرة بن مَعْبَد، تأتي في باب أبي النَّضر إن شاء الله (٤). وروَى جعفرُ بنُ محمد، عن أبيه، أنَّ عليَّ بن أبي طالب كان يتحرَّى ليلةَ القدر: ليلة تسعَ عشْرةَ، وإحدى وعشرين، وثلاثٍ وعِشرين (٥). والثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: قال عبدُ الله بن مَسْعود: تَحَرَّوْا ليلةَ القَدْر ليلَة سَبْعَ عشْرةَ صَبيحةَ بَدْر، أو إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين. فهذا عليٌّ وابنُ مسعودٍ ﵄ قد جاز عندَهما أن تكونَ في غيرِ العَشْر الأواخِر، في الوِتْرِ مِن العَشْر الأوسط. ورُوِي عن ابنِ مسعودٍ قولُه هذا

стр. 922

مرفوعًا؛ رَوَاه زيدُ بنُ أبي أُنيسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسود، عن أبيه (١)، قال: قال لنا رسولُ الله ﷺ : "اطْلُبُوها ليلةَ سبعَ عشْرةَ، وليلةَ إحْدَى وعشرينَ، وليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ". ثم سكَتَ (٢). وهذا الحديثُ يَرُدُّ عن ابنِ مسعودٍ ما حدَّثناه سعيدُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال: حدَّثنا أبو الأحْوَص، عن أبي يَعْفُور، عن أبي الصَّلْت، عن أبي عَقْرَبٍ الأسدِيِّ، قال: أتيْنا عبدَ الله بنَ مسعودٍ في دارِه، فوَجَدْناه فوقَ البيت. قال: فسَمِعْناه يقولُ قبلَ أن يَنْزِلَ: صدَق اللهُ ورسولُه. فلمَّا نزَل قلنا له: يا أبا عبدِ الرحمن، سَمِعْناك تقولُ: صدَق اللهُ ورسولُه. قال: فقال: نَعَم، ليلةُ القدرِ في النصفِ مِن السَّبْع الأواخِر، وذلك أنَّ الشمسَ تَطْلُعُ يومَئذٍ بَيْضاءَ لا شُعاعَ لها. فنَظَرْتُ إلى الشمسِ فرَأيْتُها كما حُدِّثتُ فكبَّرْتُ (٣). قال أبو عُمر: أبو الصَّلْتِ في هذا الإسنادِ مَجْهُولٌ، وإسنادُ الأسودِ بنِ يزيدَ أثْبَتُ مِن هذا، واللهُ أعلمُ. وأبو عَقْرَبٍ الأسَدِيُّ اسمُه خُوَيْلِدُ بنُ خالد، له صُحبةٌ، وهو والِدُ نوفلِ بنِ أبي عَقْرَب. فإن صَحَّ هذا الخبرُ فمَعناه: ليلةَ خمسٍ وعشرينَ، واللهُ أعلمُ.

стр. 923

وأمَّا حديثُ الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "أرَى رُؤْياكم قد تَوَاطَتْ على العَشْرِ الأواخر، فالتَمِسُوها في تِسْع، في كلٍّ وِتْر" (١). فيَحْتَمِلُ أن تكونَ أيضًا في ذلك العام، فلا يكونَ فيه خِلافٌ لِما ذهَب إليه عليٌّ وابنُ مسعود. على أنَّ حديثَ ابنِ عُمرَ اخْتُلِفَ في ألفاظِه؛ فلفظُ عبدِ الله بنِ دِينارٍ غيرُ لفظِ نافِع ولفظُ نافِع غيرُ لفظِ سالم، ومعناها مُتَقارِبٌ أنَّها في السبعِ الغَوَابِر (٢)، أو السبع الأواخِر، فاللهُ أعلم. وأمَّا حديثُ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ في سبعٍ وعشرين، فأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ ومُسَدَّدٌ، قالا: حدَّثنا حَمّادٌ، عن عاصِم، عن زِرٍّ، قال: قلتُ لأُبَيِّ بنِ كعب: أخبِرْني عن ليلةِ القدرِ يا أبا المنذر؛ فإنَّ صاحِبَنا سُئِل عنها فقال: مَن يَقُمِ الحولَ يُصِبْها. فقال: رَحِم اللهُ أبا عبدِ الرحمن، والله لقد عَلِم أنَّها في رمضانَ. زاد مُسَدَّدٌ: ولكنْ كَرِه أن يَتَّكِلوا. أو: أحَبَّ ألَّا يَتَّكِلوا. ثم اتَّفقا: والله إنَّها لفي رمضانَ ليلةَ سبعٍ وعشرين. لا يَسْتَثْني. قلتُ: يا أبا المنذر، أنَّى عَلِمْتَ ذلك؟ قال: بالآيةِ التي أخبَرنا رسولُ الله ﷺ ، قال: قلتُ لزِرٍّ: ما الآيةُ؟ قال: تَطْلُعُ الشمسُ صَبِيحَةَ تلك الليلةِ مثلَ الطَّسْتِ ليس لها شُعَاعٌ حتى تَرْتَفِعَ.

стр. 924

قال أبو عُمر: جاءَ في هذا الحديثِ كما تَرَى عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: مَن يَقُم الحولَ يصبْ ليلةَ القدر. والذي تأوَّلَه عليه أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ ﵁، عليه جمهورُ العلماء، وهو الذي لا يجوزُ عليه غيرُه؛ لأنّه قد جاء عنه بأقْوَى مِن هذا الإسنادِ أنَّه قال: تَحَرَّوْا ليلةَ القدرِ ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ، وإحْدَى وعشرين، وثلاثٍ وعشرين (١). وأظنُّه أراد بما حكَى عنه زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ الاجْتِهادَ في العملِ سائرَ العامِ بقيامِ الليل، واللهُ أعلمُ. وقد ثبَت عن أربعةٍ مِن الصحابَةِ ﵃ أنَّها في كلِّ رَمَضان، ولا أعلمُ لهم مُخالِفًا. وذكَرَ الجُوزْجانِيُّ، عن أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، ومحمد، أنَّهم قالوا: ليلةُ القدرِ في السنةِ كلِّها. كأنهم ذهَبوا إلى قولِ ابنِ مسعود: مَن يَقُمِ الحَوْلَ يُصبْها. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثور، وأحمدُ: هي في العشرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ إن شاء الله. وروى سفيانُ وشعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جُبَير، عن ابنِ عمرَ، أنَّه سُئِلَ عن ليلةِ القدر، فقال: هي في كلِّ رَمَضان (٢). ورَواه موسى بنُ عُقْبَةَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ مرفوعًا (٣). وقد قال بعضُ رُواةِ أبي إسحاقَ في حديثِ ابنِ عمرَ هذا: هي في رَمَضانَ كلِّه.

стр. 925

وجاء عن أبي ذَرٍّ أنَّه سُئِل عن ليلةِ القدر: أرُفِعَتْ؟ فقال: بل هي في كلِّ رَمَضان. وبعضُهم يَرْوِيه عن أبي ذَرٍّ، عن النبيِّ ﷺ (١). وروَى ابنُ جُرَيْج، قال: أخبرني داودُ بنُ أبي عاصم، عن عبدِ الله بنِ يُحَنَّسَ، قال: قلتُ لأبي هريرةَ: زَعَموا أنَّ ليلةَ القدرِ قد رُفِعَتْ؟ قال: كَذَب مَن قال ذلك. قال: قلتُ: فهي في كلِّ رمضانَ أسْتَقبِلُه؟ قال: نعم (٢). وروَى داودُ بنُ الحُصَيْن، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس، أنَّه قال: ليلةُ القدرِ في كلِّ رمضانٍ يأْتي (٣). وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: أخبَرنا حجَّاجٌ، قال: أخبَرنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، قال: أخبَرنا ربيعةُ بنُ كُلْثُوم، قال: سألَ رجلٌ الحَسَن وأنا عندَه، فقال: يا أبا سعيد، أرأيْتَ ليلةَ القدر، أفي كلِّ رمضانٍ هي؟ قال: إي والذي لا إلهَ إلَّا هو، إنَّها لفي كلِّ رمضان، إنَّها لَليْلةٌ فيها يُفْرَقُ كلُّ أمْرٍ حكيم، فيها يَقْضِي اللهُ كلَّ خَلْقٍ وأجلٍ ورِزْقٍ وعَمَلٍ إلى مثلِها (٤).

стр. 926

أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زِياد، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا إسحاقُ الأزْرَقُ، قال: أخبَرنا عبدُ الملك، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: كان ناسٌ مِن المهاجِرِين وَجَدوا على عمرَ في إدْنائِه ابنَ عباسٍ دُونَهم. قال: وكان يَسْألُه، فقال عمرُ: أمَا إنِّي سأُرِيكم اليومَ منه شيئًا فتعرفُونَ فَضْلَه. فسألَهم عن هذه السُّورَة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢]. فقال بعضُهم: أمَرَ اللهُ نبيَّه إذا رأى الناسَ يدْخُلون في دينِ الله أفواجًا أن يحْمَدَه ويسْتَغْفِرَه. فقال عمرُ: يا ابنَ عباس، ألَا تَكَلَّمُ؟ فقال: أعْلَمَه متى يموتُ؛ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ فالموتُ آتيك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر]. قال: ثم سألهم عن ليلةِ القدرِ فأكْثَرُوا فيها، فقال بعضُهم: كنا نُرَاها في العَشْرِ الأوسَط، ثم بَلَغَنا أنَّها في العَشْرِ الأواخِر، فأكْثَرُوا فيها، فقال بعضُهم: ليلةُ إحْدَى وعشرين. وقال بعضهم: ليلةُ ثلاثٍ وعشرين، وقال بعضُهم: ليلةُ سبع وعشرين. فقال عمرُ: يا ابنَ عبّاس، ألَا تَكَلَّمُ؟ قال: اللهُ أعلمُ. قال: قد نعلَمُ أنَّ اللهَ يعلَمُ، وإنَّما نَسْألُك عن عِلْمِك. فقال ابنُ عباس: إنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحبُّ الوِتْرَ، خَلَق مِن خلقِه سبعَ سماواتٍ فاسْتَوَى عليهِنَّ، وخَلَق الأرضَ سبعًا، وجعَل عِدآلأيامِ سبعًا، ورَمْيَ الجِمَارِ سبعًا، وخَلَق الإنسانَ مِن سَبعْ، وجعَل رِزْقَه مِن سَبْع. فقال عمرُ: خلَق الإنسانَ مِن سَبعْ، وجعَل رِزْقَه مِن سَبْع، هذا أمرٌ ما فَهمْتُه. فقال: إنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ حتى بلَغ آخِرَ الآياتِ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، وقَرأ: ﴿أَنَّا

стр. 927

صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ [عبس: ٢٥ - ٣٢]. ثم قال: والأبُّ للأنعام (١). قَرأْتُ على سعيدِ بنِ نصر، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ، عن عاصِمِ بنِ كُلَيْب، عن أبيه، قال: ذكَرْتُ هذا الحديثَ لابنِ عباسٍ - يَعني في ليلةِ القدرِ - فقال: وما أعْجَبَك؟ سألَ عمرُ بنُ الخطاب أصْحابَ رسولِ الله ﷺ ، وكان يسْألُني مع الأكابرِ منهم، وكان يقولُ: لا تَكَلَّمْ حتى يَتَكلَّموا. قال: لقد عَلِمْتُم أنَّ رسولَ الله ﷺ قال في ليلةِ القدرِ: "اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ وتْرًا" ففي أيِّ الوتْرِ؟ فأكثرَ القومُ في الوِتر، فقال: ما لَكَ لا تَتَكلَّمُ يا ابنَ عباس. قال: قلتُ: إن شِئْتَ تكَلَّمْتُ. قال: ما دَعَوْتُك إلَّا لتَتَكَلَّمَ. فقلتُ: رأيْتُ اللهَ أكْثَرَ مِن ذِكْرِ السَّبع؛ فذكَرَ السَّماواتِ سَبْعًا، والأرَضِينَ سَبْعًا، والطَّوافَ سَبْعًا، والجِمَارَ سَبْعًا - وذكَر ما شاء اللهُ مِن ذلك - وخلَق الإنسانَ مِن سَبْع، وجعَل رِزْقَه في سَبْع. قال: كلُّ ما ذكَرْتَ قد عَرَفْتُه، فما قولُك: خلَق الإنسانَ مِن سَبْعة، وجعَل
следующие страницы →