← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8623–8662 · переход к 8628.

стр. 8623

عبدِ الرّحمن بنِ أبي ليلى، عن أبي ذرٍّ، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عن كلِّ شيء، حتى سألته عن مَسْحِ الحصَى، فقال: "واحدةً أو دع". وعن مَعْمَر، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابنُ عُمرَ يُسوِّي الحَصَى قبل أن يُكَبِّر (١). ومالكٌ (٢)، عن عمِّه أبي سُهيلِ بنِ مالك، عن أبيه، عن عثمانَ نحوَ ذلك. ومن هذا المعنى مَسْحُ الجبهةِ والوَجْهِ من التُّراب في الصلاة، فكلُّهم أيضًا يكرَهُه، وهو عندَهم مع ذلك خفيف، ويستحِبُّون ألَّا يمسَحَ وجهَه من التُّراب حتى يفرُغ، فإن فعلَ قبلَ أن يفرُغَ فلا حَرَج، ولا يُحبُّونه، وذلك واللهُ أعلمُ لما في تعْفِير الوَجْهِ بالأرض لله في السُّجودِ منَ التذَلُّل والخُضوع؛ فلهذا استَحبوا منه ما كان في هذا المعنى ما لم يكُنْ تَشويهًا بالوَجْه وإسرافًا. أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبد العزيز البَغْويُّ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ عَمْرو الضَّبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُسلم الطائفيُّ، عن عَمْرو بنِ دينار، عن أبي نَضْرَة، عن أبي ذرٍّ، قال: إذا أقيمَتِ الصّلاةُ، فامشُوا إليها على هَيْنَتِكُم، وصلُّوا ما أدْركْتُم، فإذا سلّمَ الإمامُ فاقْضُوا ما بقيَ، ولا تمسَحُوا التُرابَ عن الأرضِ إلّا مرَّةً ولأن أصْبِرَ عليها أحَبُّ إليَّ من مئةِ ناقةٍ سوداءَ الحَدَقة. وقال ابنُ جُريج: قلت لعطاء: أكانوا يُشَدِّدُونَ في المسْحِ للحَصى لمَوْضع الجَبين ما لا يُشَدِّدُونَ في مَسْحِ الوَجْهِ من التُّراب؟ قال: أجَلْ (٣). وصلّى الله على محمّد. [آخر المجلد الخامس عشر من هذه الطبعة المحققة، نسأل الله أن يعين على إتمامه].

стр. 8624

مالكٌ عن ابن حِماسٍ (١) حديثان واختُلِفَ في اسْمِه؛ فقيل: يونسُ بنُ يوسُفَ بنِ حِماس. وقيل: يوسفُ بنُ يونس. واضطربَ في اسْمِه رُواةُ "الموطّأ" اضطرابًا كثيرًا، وأظُنُّ ذلكَ من مالك. وكان ابنُ حِماسٍ هذا رجُلًا صالحًا فاضلًا مُجابَ الدَّعوة. أخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ محمد (٢)، قال (٣):

стр. 8625

حدَّثنا الحسينُ بنُ عليٍّ (١)، قال: حدَّثنا أُسامةُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ أبي بكرٍ الزُّهريُّ، قال: سمِعتُ مالكَ بنَ أنسٍ يقول: كان يونسُ بنُ يوسفَ أو يوسفُ بنُ يونس -شكَّ عبدُ الرّحمن- من عُبّادِ الناس، فراحَ إلى المسجدِ ذاتَ يومٍ فلَقيته امرأةٌ، فوقَعَ في نفْسِه منها، فقال: اللَّهمَّ إنّكَ خلَقْتَ لي بصَري نِعْمةً، وقد خَشِيتُ أن يكونَ عليَّ نِقْمةً فاقْبِضْهُ إليكَ. فكان يروحُ إلى المسجدِ يقودُه ابنُ أخٍ له، فإذا اسْتقبلَ الأُسطُوانةَ اشتغلَ الصبيُّ يلْعبُ معَ الصِّبيان، فإن نابَتْه حاجةٌ حَصَبَهُ وأقبلَ إليه، فبَينما هو يُصلّي ذاتَ يومٍ ضَحْوةً، إذ حسَّ في بطنِه شيئًا فحصَبَ ابنَ أخيه، فاشتغلَ مع الصِّبيانِ يلعَبُ ولم يأتِه، فلمّا خافَ على نفسِه قال: اللهُمَّ إنّكَ خلَقْتَ لي بصَري نِعْمةً، وخشيتُ أن يكونَ عليَّ نِقْمةً، وسألتُكَ فقبضْتَهُ، اللَّهمَّ إنّي قد خَشِيتُ الفضِيحة. قال: فانْصَرفَ إلى منزِلِه وهو يُبصِرُ. قال مالكٌ: فرأيتُه أعمى، ورأيتُه بصيرًا.

стр. 8626

حديث أوّل لابن حِمَاس مالكٌ (١)، عن ابنِ حِماس، عن عمِّه (٢)، عن أبي هُريرة، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لَتُتْرَكَنَّ المدينةُ على أحسَنِ ما كانت، حتى يدخُلَ الكلْبُ أو الذئبُ فيُغَذّى على بعضِ سواري المسجد، أو على المِنْبر". فقالوا: يا رسولَ الله، فلِمَن تكونُ الثمارُ ذلك الزمان؟ قال: "للعَوافي: الطير والسِّباع". هكذا قال يحيى في هذا الحديث: عن مالك، عن ابنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة. لم يُسَمِّ ابنَ حِماسٍ بشيء. وقال أبو المُصْعَب (٣): مالكٌ، عن يونسَ بنِ يوسفَ بنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة. وكذلك قال مَعْنُ بنُ عيسى (٤)، وعبدُ الله بنُ يوسفَ التِّنِّيسي (٥): يونسُ بنُ يوسف. وقال ابنُ القاسم (٦): حدَّثني مالك، عن يوسفَ بنِ يونسَ بنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة. وكذلك قال ابنُ بُكير (٧)، وسعيدُ بنُ أبي مريم (٨)، ومُطَرِّف (٩)، وابنُ

стр. 8627

نافع (١)، وعبدُ الله بنُ وَهْب (٢)، وسعيدُ بنُ عُفير، ومحمدُ بنُ المبارك، وسُليمانُ بنُ بُرْد، ومصعبُ الزُّبيريُّ، كلُّهم قال: يوسفُ بنُ يونس. وقال فيه زيدُ بنُ الحُباب: عن مالك، عن يوسفَ بنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة. وقد قيل عن عبدِ الله بنِ يوسفَ مثلُ ذلك أيضًا (٣). وقد رُوِيَ عن سعيدِ بنِ أبي مريمَ في هذا الحديث: يونسُ بنُ يوسف: حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفر وعبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ إسحاق، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابر، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن يونسَ بنِ يوسفَ بنِ حِماس، عن عمِّه، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لَتُتْرَكنَّ المدينةُ على أحسنِ ما كانت، حتى يدخُلَ الكلبُ فيُغذِّي على بعضِ سَوَاري المسجد -أو على المِنْبر". قالوا: يا رسولَ الله، فلمَن تكونُ الثمارُ ذلك الزمان؟ قال: "للعَوافي: الطير والسِّباع" (٤). وقال القَعْنَبيُ في هذا الحديث: مالكٌ، أنه بلَغه عن أبي هُريرة. لم يذكُرِ اسمَ أحد، وجعَل الحديثَ بلاغًا عن أبي هُريرة (٥). وهذا الاضطرابُ يدلُّ على أن ذلك جاء من قبل مالك، واللهُ أعلم. وروايةُ يحيى في ذلك حَسَنة؛ لأنه سَلِم من التَّخْليط في الاسم، وأظُنُّ أنَّ مالكًا لمّا اضطَرَب

стр. 8628

حِفْظُه في اسم هذا الرجل رجَع إلى إسقاطِ اسمِه، وقال: عن ابنِ حِماس. ويحيى من آخرِ مَن عَرَض عليه "الموطأ"، وشهِد وفاتَه، ويقال: إنَّ القَعْنَبيَّ شهِد وفاتَه أيضًا، ولذلك انصرَف إلى العراق. وفي قوله ﷺ : "لَتُتْرَكَنَّ المدينةُ على أحسنِ ما كانت". دليلٌ على علمِه من الغيب بما كان يُنبَّأُ به وُيطلَعُ عليه من الوحي، وفي ذلك عَلَمٌ واضحٌ من أعلام نبوَّتِه ﷺ . وأما قوله: "فيُغَذِّيَ على بعض سواري المسجد". فمعناه أن الذئبَ يَبولُ على بعضِ سواري المسجدِ أو على المنبر -شكَّ المحدِّثُ- وذلك لخلاءِ المدينةِ من أهلِها ذلك الزمان، وخُروج الناسِ عنها وتغيُّرِ الإسلام فيها، حتى لا يكونَ بها مَن يَهتبِلُ بالمسجدِ فيصونُه ويحرُسُه (١)، يقال من هذا الفعل: غذَّت المرأةُ ولدَها -بالتشديد-: إذا أبالتْهُ، أي: حمَلتْه على البولِ وجعَلتْه يبولُ، وغذَت ولدَها -بالتخفيف-: إذا أطعَمتْه وربَّتْه، من الغِذاء. وأما قولُه في هذا الحديث: "للعَوافي: الطيرِ والسِّباع". فالطيرُ والسِّباعُ تفسيرٌ للعوافي، وهو تفسيرٌ صحيحٌ عندَ أهلِ الفقهِ وأهلِ اللغةِ أيضًا، ومما يعْضُدُ هذا

стр. 8629

التفسيرَ أيضًا حديثُ أمِّ سلَمةَ عن النبيِّ ﷺ : "ما من مسلم يُحيي أرضًا فتشرَبُ منها كَبِدٌ حَرَّى (١)، أو تُصيبُ منها عافيةٌ، إلا كتَب اللهُ له بها أجرًا" (٢). والعافيةُ واحدةُ العوافي، والعافي هاهنا: الطالبُ لما يأخُذُ ويأكُلُ، قال الأعشى (٣): يطوفُ العُفاةُ بأبوابِه ... كطَوْفِ النصارى ببيتِ الوَثَنْ وقال أعرابيٌّ يمدَحُ خالدَ بنَ بَرْمَك: أخالدُ إني لم أزُرْكَ لحاجةٍ ... ولكنني عافٍ وأنت جَوَادُ (٤) ولهذه اللفظة معانٍ في اللغة نحتلفة. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جريرِ بنِ

стр. 8630

حازم، قال: حدَّثني أبي، قال: سمِعتُ الأعْمَشَ يُحدِّثُ، عن عَمْرو بنِ مُرّة، عن عبدِ الله بنِ الحارث، عن حبيبِ بنِ حِماز، عن أبي ذرٍّ، قال: أقبَلْنا معَ رسولِ الله ﷺ فنزَلنا ذا الحُلَيفة، فتعجَّل رجالٌ إلى المدينةِ فباتوا بها، فلمّا أصبَح سأل عنهم، فقيل: تعجَّلوا إلى المدينةِ وإلى النِّساء. فقال: "تعجَّلُوا إلى المدينة! أمَا إنهم سيترُكونها وهي أحسنُ ما كانت" (١). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أبانٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي هُريرة، أنّ النبيَّ ﷺ قال: "لَيَترُكَنَّ المدينةَ أهلُها خيرَ ما كانت نصفين؛ رُطبًا، وزَهْوًا". قال: ومَن يُخرِجُهم منها يا أبا هُريرة؟ قال: أُمراءُ السُّوء (٢). قال إسماعيلُ القاضي: هكذا حدَّثنا به مسلم مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ .

стр. 8631

حديث آخر لابنِ حِماسٍ مالكٌ (١)، عن يونسَ بنِ يوسف، عن عطاءِ بنِ يسار، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ (٢)، أنَّه وجَد غِلمانًا قد ألْجَؤُوا (٣) ثعلئا إلى زاوية، فطرَدهم عنه. قال مالك: لا أعلمُ إلا أنه قال: أفي حَرَم رسولِ الله ﷺ يُصنَعُ هذا؟ قال التِّنِّيسيُّ (٤) في هذا الحديث عن مالك فيه: أفي حَرَم الله؟ وقال مَعْنٌ وغيرُه عن مالك فيه: أفي حَرَم رسولِ الله ﷺ ؟ كما قال يحيى. وقد تقدَّم القولُ في تحريم المدينةِ وحدودِ حَرَمِها في الصيدِ وغيرِه في بابِ ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب من هذا الكتاب (٥)، وفي باب عَمْرو بنِ أبي عَمْرو (٦) أيضًا. ولم يختلفِ الرواةُ (٧) فيما علِمتُ عن مالك في اسم شيخِه في هذا الحديث،

стр. 8632

وكلُّهم قال فيه: يونسُ بنُ يوسف. وقد قيل: إنه غيرُ ابنِ حِماسٍ، وليس بشيء، وهو ابنُ حِماسٍ، وهذا يقضي لروايةِ معْنٍ وأبي مصعبٍ بالصواب، والله أعلم. ولمالكٍ عن يونسَ بنِ يوسفَ هذا حديثٌ آخرُ في الموطّأ (١) في كتاب البُيوع عن سعيدِ بنِ المسيِّب: أنّ عُمرَ مرّ بحاطبٍ وهو يبيعُ زبيبًا في السُّوق.

стр. 8633

مالكٌ عن أبي عَرفةَ يعقوبَ بنِ زيدٍ بن طلحةَ حديثٌ واحدٌ وهو يعقوبُ بنُ زيدِ بنِ طلْحةَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي مُليكة (١)، وابنُ أبي مُلَيكة هو: عبدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ أبي مُليكةَ بنِ عبدِ الله بنِ جُدْعانَ القرشيُّ التيميُّ، واسم أبي مُليكةَ زهيرٌ. وكان يعقوبُ بنُ زيدٍ قاضيًا ثقةً مأمونًا. روَى عن أبيه زيدِ بنِ طلحة، وروى هو وأبوهُ عن سعيدٍ المَقْبُريِّ. روَى عن يعقوبَ بنِ زيدٍ مالكُ بنُ أنس، وهشامُ بنُ سَعْد، وابنُ عُيينة، وموسى بنُ عُبيدة، ومحمدُ بنُ جعفرِ بنِ أبي كثير. وسمعَ أبوهُ زيدُ (٢) بنُ طلحةَ من ابنِ عبّاس. روَى عنه الثوريُّ، وعبدُ الرّحمن بنُ إسحاق، وابنُه يعقوبُ، وأبو علْقمةَ الفَرْويُّ، ولم يرْوِ عنه مالكٌ. قال ابنُ معين (٣): زيدُ بنُ طلحةَ ثقةٌ (٤). وقال ابنُ المدينيّ (٥): هو شيخٌ معروفٌ.

стр. 8634

وقال أبو زرعة: ليس به بأسٌ، وليس بحُجّةٍ وأبوهُ مثلُه (١). مالكٌ (٢)، عن يعقوبَ بنِ زيدِ بنِ طَلْحة، عن أبيه زيدِ بنِ طَلْحة، عن عبدِ الله بنِ أبي مُلَيكة؛ أنّه أخبَره أنّ امرأةً جاءت إلى رسولِ الله ﷺ فأخبَرتْهُ أنّها زَنتْ وهيَ حاملٌ، فقال لها رسوُل الله ﷺ : "اذْهَبي حتّى تضَعِي"؛ فلمّا وضعته جاءَتْهُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "اذْهَبي حتّى تُرْضِعيه"، فلما أرضَعتْهُ جاءَتْهُ، فقال: "اذْهَبي فاستَوْدِعيه" قال: فاسْتَوْدَعتْهُ، ثم جاءتْ، فأمرَ بها فرُجِمَتْ. هكذا قال يحيى فيما رأيْنا من روايةِ شُيوخِنا في هذا الحديث، عن مالك، عن يعقوبَ بنِ زيدِ بنِ طَلْحة، عن أبيه زيدِ بنِ طَلْحة، عن عبدِ الله بنِ أبي مُليكة. فجعَل الحديثَ لعبدِ الله بنِ أبي مُليكةَ مُرسَلًا عنه. وقال القَعْنبيُّ وابنُ القاسم (٣) وابنُ بُكَير: عن مالك، عن يعقوبَ بنِ زيدِ بنِ طَلْحة، عن أبيه زيدِ بنِ طَلْحةَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي مُليكة. وقال أبو مصعب (٤) كما قال يحيى: زيدُ بنُ طَلْحة، عن عبدِ الله بنِ أبي مليكة. فجعَلوا الحديثَ لزيدِ بنِ طَلْحةَ مرسلًا عنه، وهذا هو الصوابُ إن شاء الله، وقد جوَّده ابنُ وَهْب، فرفَع الإشكالَ فيه؛ لأنه لم ينسِبْ زيدَ بنَ طَلْحة، وجعَل الحديثَ له.

стр. 8635

قال ابنُ وَهْب (١): أخبَرني مالك، عن يعقوبَ بنِ زيدِ بنِ طَلْحةَ التيميِّ، عن أبيه، أن امرأةً أتت رسولَ الله ﷺ ، فقالت: إنها زنَتْ، وهي حُبْلَى. فقال لها رسولُ الله ﷺ : "اذهَبي حتى تَضعي". فذهَبت، فلمّا وضَعتْ جاءتْهُ، فقال لها رسول الله ﷺ : "اذهَبي حتى تُرضِعيه". فلمّا أرضَعتْه جاءتهُ، فقال: "اذهَبي حتى تسْتَودعيه". فلمّا استودَعتْه جاءتْهُ فأقامَ عليها الحدَّ. هكذا قال: وأقام عليها الحدَّ. والحدُّ الرجْمُ، على ما ذكرَ يحيى وغيرُه في هذا الحديث. قال ابنُ وَهْب: وأخبَرني ابنُ لَهيعة، عن محمدِ بنِ عبدِ الرّحمن، عن عاصم بنِ عُمرَ بنِ قَتادةَ بنِ النُّعمان، عن محمودِ بنِ لبيدٍ الأنصاريِّ، عن رسولِ الله ﷺ مثلَه. قال ابنُ وَهْب: وسمِعتُ شِمْرَ بنَ نُميرٍ يُحدِّثُ، عن حُسينِ بنِ عبدِ الله، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليِّ بن أبي طالب، عن رسولِ الله ﷺ بذلك، إلا أنّ فيه أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن يكفُلُه؟ ". فقال رجلٌ من الأنصار: أنا أكفُلُه. فقال: "اذهَبُوا بها فارْجُموها". قال علي: فعُيِّر رجلٌ من أهلِها بها، فجاء إلى النبيِّ ﷺ فأخبَره، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما بالُ تلك؟ لقد تابَتْ توبةً لو تابَها عَريفٌ (٢)، أو صاحبُ عُشُور (٣)، لقُبِلتْ منه". قال أبو عُمر: حُسينُ بنُ عبدِ الله هذا هو حُسينُ بنُ عبدِ الله بنِ ضُمَيرة، متروكُ الحديث، ومرسلُ حديثِ مالكٍ خيرٌ عندَهم من مُسندِ حُسين هذا، وليس

стр. 8636

في واحدٍ منهما ما يَحتجُّ به أهلُ الحديث، لأنَّ مرسلَ مالكٍ ليس من مراسيلِ الأئمة، وفيه عِلَلٌ يطولُ ذكرُها، إلّا أنه يَستنِدُ معناه من وجوهٍ صِحاح، من حديثِ عِمْرانَ بنِ حُصيْن، وبُريدةَ الأسلميِّ (١). ورُوِيَ مُرسَلًا من وُجوهٍ كثيرة، وهو مشهورٌ عندَ أهلِ العلم معروفٌ، أعني رجْمَ رسولِ الله ﷺ لهذه المرأةِ الحُبْلَى بعدَ وضْعِها. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا هشامٌ (٤) الدَّستوائيُّ وأبانٌ العطّارُ، المعنى واحدٌ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قِلابة، عن أبي المُهلَّب، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال في حديثِ أبان: إن امرأةً من جُهَينةَ أتتِ النبيَّ ﷺ فقالت: إنَّها زنَت، وهي حُبْلَى. فدعا وَلِيًّا لها، فقال له رسولُ الله ﷺ : "أحسِنْ إليها، فإذا وضَعتْ فجِئْني بها". فلمّا أن وضَعتْ جاءَهُ بها، فأمَر بها النبيُّ ﷺ فشُكَّت عليها ثيابُها، ثم أمَر بها فرُجِمَتْ، ثم أمَرهم أن يُصلُّوا عليها، فقال عُمر: يا رسولَ الله، أنُصَلِّي عليها وقد زنَتْ؟ فقال: "والذي نَفْسي بيَدِه، لقد تابَتْ توبةً لو قُسِمَتْ بينَ سبعينَ من أهلِ المدينةِ لوَسِعَتْهم، وهل وجَدتَ أكثرَ من أن جادَتْ بنَفْسِها؟ ". لم يَقُلْ عن أبان: فشُكَّت عليها ثيابُها.

стр. 8637

قال أبو داود (١): وحدَّثنا محمدُ بنُ الوزير الدِّمَشقيُّ، قال: حدَّثنا الوليدُ، عن الأوزاعيِّ، قال: فشُكَّت عليها ثيابُها، يعني: شُدَّتْ. وهكذا رواه مَعْمَرٌ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قِلابة، عن أبي المُهلَّب، عن عِمْرانَ بنِ حُصيْن، عن النبيِّ ﷺ (٢). وخالَفهم الأوزاعيُّ، فرواه عن يحيى، عن أبي قِلابة، عن أبي المهاجر، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن. إن صحَّ عن الأوزاعيِّ. حدَّثنا أحمدُ بنُ عُمر (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي كثير، عن أبي قِلابة، عن أبي المُهاجر، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن، قال: أتَتْ رسولَ الله ﷺ امرأةٌ من جُهينة، فقالت: يا رسولَ الله، إني أصَبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ. فدعا رسولُ الله ﷺ وَليَّها فقال: أحسِنْ إليها حتى تضَعَ ما في بطنِها، فإذا وضَعتْ فأْتِني بها". فوضعت، فأتى بها رسولَ الله ﷺ ، فأمَر بها فشُكَّت عليها ثيابُها، ثم أمَر بها فرُجِمَتْ، ثم صلَّى عليها، فقال عُمرُ بنُ الخطاب: تُصلِّي عليها وقد زنَت؟ فقال رسولُ الله ﷺ :

стр. 8638

"لقد تابَتْ توبةً لو قُسِمَتْ بينَ سبعينَ من أهلِ المدينةِ لوَسِعَتْهم، وهل وجَدَت أفضلَ من أن جادتْ بنفسِها؟ " (١). هكذا قال الأوزاعيُّ: عن يحيى، عن أبي قِلابة، عن أبي المهاجر. إن صحَّ عنه. والصوابُ ما قاله هشام (٢)، عن يحيى، عن أبي قِلابة، عن أبي المهلَّب. وهشامٌ عندَهم أحفظُ من الأوزاعيِّ، وقد تابعَه أبانٌ ومَعْمَرٌ. وأما قولُ الأوزاعيِّ في هذا الحديث: ثم صلَّى عليها. فهو وَهمٌ، إلا أن يكونَ أضاف الصلاةَ إليه لأنه أمَر بها ﷺ ، فقد يُضافُ الفعلُ إلى الآمرِ به كما يُضافُ إلى فاعلِه، يقال: فلانٌ بَنَى دارًا، أو غرَس غرسًا. ولم يصنَعْ ذلك بنَفْسِه، وهذا من قوله : ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ [الزخرف: ٥١]. وقد اختلَف العلماءُ في صلاةِ الإمام على مَن قتَله، أو أمَر بقتْلِه، في قصاصٍ أو حدٍّ أو رَجْم؛ فذهَب مالكٌ (٣) وأصحابُه إلى أن مَن قُتِل في قِصاصٍ أو حدٍّ أو رجْم، لم يُصلِّ عليه الإمامُ، وصلَّى عليه غيرُه، وكذلك قُطّاعُ الطريق. وقال الكوفيون وغيرُهم (٤): لا فرقَ بينَ صلاةِ الإمام وصلاةِ غيرِه، إلا

стр. 8639

أنهم قالوا فيمَن قتَل نفسَه: لا يُصلِّي عليه الإمامُ وحدَه عقوبةً له؛ لأنه مطالَبٌ بنفسِه، كما صنَع رسولُ الله ﷺ بالذي مات بخيبر، فقال فيه رسولُ الله ﷺ لأصحابه: "صَلّوا على صاحبِكم". فنظَروا في متاعِه فوجَدوا خَرَزًا من خَرَز يهودَ لا يُساوي دِرهمين (١). قالوا: فترَك الصلاةَ عليه لمكان ما كان به مطالَبًا من الغُلُول، وأمَر غيرَه بالصلاةِ عليه. قالوا: فكذلك الذي يقتُلُ نفسَه؛ لأنه مُطالَبٌ بها، لا يقدِرُ أحدٌ من أهلِ الدُّنيا على تخليصِه منها، وعلى هذا حمل أهلُ العلم حديثَ سِمَاكِ بنِ حَرْب، عن جابرِ بنِ سَمُرة، أنَّ رجلًا قتَل نفسَه بمِشْقَصٍ (٢) فلم يُصَلِّ عليه النبيُّ ﷺ (٣). حملوه على أنه صلَّى عليه غيرُه، واللهُ أعلم. وذهَبوا إلى أن كلَّ مَن كان من أهل القِبْلةِ لا تُترَكُ الصلاةُ عليه، وعلى هذا جماعةُ العلماءِ إلّا أبا حنيفةَ وأصحابَه، فإنهم خالّفوا في البُغاةِ وحدَهم فقالوا: لا يُصلَّى عليهم؛ لأنَّ علينا منابذتَهم واجتنابَهم في حياتِهم قالوا: وبعدَ الموت أحْرى؛ لوُقوع اليأسِ من توبتِهم. قال أبو عُمر: ليس هذا بشيء، والذي عليه جماعةُ العلماءِ وجمهورُ الفقهاءِ من الحجازيِّينَ والعراقيِّين، أنه يُصلَّى على مَن قال: لا إلهَ إلّا اللهُ. مُذنِبينَ وغيرَ مُذنِبين، مُصِرِّين، وقاتلي أنفُسِهم، وكلِّ مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ. إلا أن مالكًا (٤) خالَف في الصلاةِ على أهل البِدَع، فكرِهَها للأئمّة، ولم يمنَعْ منها العامّة، وخالَف

стр. 8640

أبو حنيفةَ في الصلاةِ على البُغاة، وسائرُ العلماءِ غيرَ مالكٍ يُصلُّون على أهلِ الأهواءِ والبِدَع والكبائرِ والخوارج وغيرِهم. وأما حديثُ بُريدةَ الأسلميِّ في هذا الباب، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُمير، قال: حدَّثنا بَشيرُ بنُ المهاجر، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ بُريدة، عن أبيه، قال: جاءت الغامديةُ فقالت: يا رسولَ الله، إنّي قد زنَيتُ، وأنا أُريدُ أن تُطهِّرَني. وأنه ردَّها، فلمّا كان الغدُ قالت: يا نبيَّ الله، لِمَ ترُدُّني، فلعلَّكَ تُريدُ أن ترُدَّني كما ردَدْتَ ماعزًا؟ فوالله إنّي لحُبْلَى. قال: "أمّا الآنَ، فاذهَبي حتى تَلِدي". فلمّا ولَدتْ أتَتْه بالصبيِّ في خِرقة، قالت: هذا قد ولَدتُه. قال: "اذهَبي فأرْضعيه حتى تَفطِميه". فأرضَعتْه، فلمّا فطَمتْه أتتْه بالصبيِّ وفي يدِه كِسْرةُ خُبز، فقالت: يا نبيَّ الله، قد فطَمتُه، وقد أكَل الطعام. فدفَع الغلامَ إلى رجُلٍ من المسلمين، ثم أمَر بها فحُفِرَ لها إلى صدْرِها، وأمَر الناسَ أن يَرْمُوا، وأقبل خالدُ بنُ الوليدِ فرمَى رأسَها، وانتضَح الدمُ على وجهِ خالد، فسَبَّها خالدٌ، فسمِع النبيُّ ﷺ سبَّه إيّاها، فقال: "مَهْلًا يا خالدُ، فوَالذي نَفْسي بيدِه، لقد تابَتْ توبةً لو تابَها صاحبُ مَكْسٍ (٣) لغُفِر له". ثم أمَر بها فصُلِّي عليها ودُفِنت.

стр. 8641

وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى الرازيُّ، قال: حدَّثنا عيسى، يعني ابنَ يونس، عن بَشيرِ بنِ المُهاجر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ بُريدة، عن أبيه، أنَّ امرأةً -يعني من غامد- أتَتِ النبيَّ ﷺ فقالت: إني قد فَجَرتُ. فقال: "ارْجِعي". فرجَعتْ، فلمّا كان من الغدِ أتَتْه فقالت: لعلَّكَ تُريدُ أن ترُدَّني كما رَدَدْتَ ماعزَ بنَ مالك، فوالله إنّي لحُبْلَى. قال: "ارْجِعي حتى تلِدي". فرجَعتْ، فلمّا ولَدتْ أتَتْه بالصبيِّ، فقالت: هذا قد ولَدتُه. قال: "ارْجِعي فأرْضِعيهِ حتّى تَفطِميهِ". فجاءتْ به وقد فطَمتْهُ وفي يدِه شيءٌ يأكُلُه، فأمَر بالصبيِّ فدُفِع إلى رجلٍ من المسلمين، وأمَر بها فحُفِرَ لها، وأمَر بها فرُجِمتْ، وأمَر بها فصُلِّيَ عليها ودُفِنَتْ، وقال: "لقد تابَتْ توبةُ لو تابها صاحبُ مَكْسٍ لغُفِر له". قال أبو عُمر: في حديثِ بُريدةَ هذا أنّ رسولَ الله ﷺ أمَر بالصبيِّ بعدَ أن فُطِم إذْ رجَم أُمَّه، فدُفِع إلى رجلٍ من المسلمين يكفُلُه. ورُوِيَ من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالب، وحديثِ أبي بَكرة، في قصةِ هذه المرأة، أنّ رسولَ الله ﷺ كفَل ولدَها، وفي حديثِ عليّ: قال رسولُ الله ﷺ : "أنا أكفُلُه" (٣). ولا يَصِحُّ حديثُ عليٍّ هذا؛ لأنه من روايةِ حُسينِ بنِ ضُمَيرةَ لا غير. وكذلك حديثُ أبي بكرةَ لا يصِحُّ؛ لأنه عن رجلٍ مجهول، وأحسنُ إسنادٍ لهذا الحديثِ حديثُ بريدةَ وحديثُ عِمْران، وبالله التوفيق، وهو المستعانُ.

стр. 8642

وقد تقدَّم حكمُ الإحْصانِ المُوجِبِ للرّجْم، وكثيرٌ من أحكام الرَّجْم، في بابِ ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله، من هذا الكتاب (١)، وتقدَّم أيضًا في باب مرسَلِ ابنِ شهاب (٢)، وفي باب نافع، عن ابنِ عُمر (٣)، أُصولٌ من أحكام الرَّجْم، وفي بابِ يحيى بنِ سعيدٍ من كتابنا هذا (٤) ما فيه كفايةٌ إن شاء الله. قال أبو عُمر: اختلَف الفقهاءُ في انتظارِ المرأةِ التي قد وجَبَ عليها الرجمُ إلى أن تَفطِمَ وَلَدَها، فقال مالك: لا تُحَدُّ حتى تضَعَ، إذا كانت ممن تُجْلَدُ، وإن كان رجمًا رُجِمَتْ بعدَ الوضع. وقد رُوِيَ عنه أنها لا تُرجَمُ حتى تَجدَ مَن يكفُلُ ولدَها. والمشهورُ من مذهبِه أنه إن وُجِد للصبيِّ مَن يُرضِعُه رُجِمتْ، وإن لم يُوجَدْ للصبيِّ مَن يُرضِعُه لم تُرجَمْ حتى تَفطِمَ الصبيَّ، فإذا فطَمتِ الصبيَّ رُجِمتْ (٥). وقال أبو حنيفة (٦): لا تُحَدُّ حتّى تضَع، فإن كان جَلْدًا فحتّى تَعالَّ (٧) منَ النِّفاس، وإن كان رَجْمًا رُجِمَت بعد الوَضْع.

стр. 8643

وقال الشافعيُّ (١): أمّا الجلدُ فيقامُ عليها إذا ولَدت وأفاقت من نفاسِها، وأما الرَّجْمُ فلا يقامُ عليها حتى تَفطِمَ ولدَها ويوجدَ مَنْ يكفلُه. قال أبو عُمر: ليس في حديث عِمْران بن حُصَيْن انتظار الفطام، وذلك محفوظ صحيح في حديث بُريدة الأسلمي، وفي مُرسل مالك المذكور في هذا الباب، وفي حديث أبي بَكْرة، وحديث علي، وحديث أبي المَلِيح الهُذلي، عن النبيِّ ﷺ ؛- كلهم ذكروا أنّ النبيَّ ﷺ لم يرجمها حتى فطمته. وحديث أبي المَلِيح يرويه عبد الله بن مِهْران الأَسَدي، عن عبد الملك بن عُمير، عن أبي المَلِيح، عن النبيِّ ﷺ وعبد الله بن مِهْران مجهول، وغيره يرويه عن عبد الملك بن عُمير مرسلًا. وروي عن عليّ بن أبي طالب من ثلاثة وجوه: من حديث أبي عبد الرّحمن السُّلمي (٢)، وأبي جميلة مَيْسرة الطُّهَوي (٣)، وعاصم بن ضَمْرة (٤)، كلهم عن علي: أنَّ أمة لرسول الله ﷺ وبعضهم يقول لبعض نساء النبي ﷺ زَنَت، فلما وَلَدت، أمرني رسولُ الله ﷺ أن أجلدَها بعدما تَعَلَّت من نفاسها فجلدتها؛ وقد ثبت من حديث بريدة مراعاة الفطام، وهي زيادة يجب قبولها. حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد بن بشر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دليم، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا عبد العزيز بن عِمْران بن مِقْلاص، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب،

стр. 8644

قال: حدَّثني مُعاوية بن صالح، عن علي بن أبي طَلْحة، قال: كان ابن عباس يقول في ولد الزنا: لو كان شَرّ الثلاثة، لم يتأن بأُمه أن تُرجم حتى تَضَعه (١). وحدَّثنا خلف بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفر ابن المُنادِي، قال: حدَّثنا العبّاسُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبَرنا سُفيان، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة في وَلَد الزِّنا، قالت: ما عليه من ذَنْب أبويه شيء، ثم قرأت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (٢). واختلفوا في المَرْجومة: هل يُحْفَر لها، فقال مالك: لا يُحفر للمرجوم. قال ابن القاسم: والمَرْجومة مثله (٣). وقال أبو حنيفة (٤): لا يُحفر للمَرْجوم، وإن حُفِرَ للمَرْجومة فحسن. قال أبو عُمر: ليسَ في حديث عِمْران بن حُصَيْن في قصة الجُهَنيّة أنه حُفِرَ لها، ولكن في حديث بُرَيْدة أنَّ رسولَ الله ﷺ أمرَ بها فحُفِرَ لها. وروي عن عليّ أنَّه حفر لشراحة الهَمْدانية، واستدل أصحابنا بأن المَرْجوم لا يحفر له بحديث مالك، عن نافع، عن ابن عُمر في اليهوديين اللذين رجمهما رسول الله ﷺ فرأيتُ الرجل يحنِي على المرأة، وفي ذلك دليل على أنهما لم يحفر لهما، والله أعلم. وقد ذكرنا ما يجب من القول في ذلك في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله.

стр. 8645

باب الكُنى فيمَن لا يُوقَفُ على اسمِه من شُيوخ مالك ﵀ مالكٌ عن أبي بكرِ بنِ عمرَ العُمَريِّ حديثٌ واحدٌ مالكٌ (١)، عن أبي بكرِ بنِ عَمْرو بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ الله بنِ عُمرَ بن الخطاب، عن سعيدِ بنِ يسار، قال: كنتُ أسيرُ مع عبدِ الله بنِ عُمرَ بطريقِ مكة. قال سعيد: فلمّا خشِيتُ الصُّبحَ نزَلتُ فأوتَرتُ ثم أدركْتُه، فقال لي عبدُ الله بنُ عُمر: أين كنتَ؟ فقلت: خشِيتُ الصُّبحَ فنزلتُ فأوتَرتُ. فقال عبدُ الله: أليس لك في رسولِ الله أسوةٌ؟ فقلت: بلى والله. قال: فإنّ رسولَ الله ﷺ يُوترُ على البعير. وقَع عندَ أكثرِ شُيوخِنا في هذا الإسناد: أبو بكرِ بنُ عَمْرو، وكان أحمدُ بنُ خالدٍ (٢) يقول: إن يحيى رواه: أبو بكرِ بنُ عَمْرو، وهو خطأ، إنما هو أبو بكرِ بنُ عُمر، كذلك رواه جماعةُ أصحاب مالك (٣).

стр. 8646

قال أبو عُمر: هو كما قال أحمدُ بنُ خالد: أبو بكرِ بنُ عُمر. وهو معروفُ النَّسَب، مشهورٌ عندَ أهل العلم، وحديثُه هذا حديثٌ ثابتٌ صحيح، وفيه بيانُ أن الوترَ نافلةٌ لا فَرِيضة، وردٌّ لقول مَن أوجَبَ الوترَ فَرْضًا؛ لأنَّ السُّنةَ المُجْتَمعَ عليها أنَّ المسافرَ وغيرَ المسافر لا يُصلِّي الفريضةَ على دابتِه أبدًا وهو آمِنٌ قادرٌ على الصلاةِ بالأرض، ولا يجوزُ له ذلك، وسنَّ رسولُ الله ﷺ للمسافرِ أن يُصلِّيَ على دابَّتِه النَّوافل، وقد تقدَّم في هذا الكتاب بيانُ ذلك في مواضعَ منه. حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمونِ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ مُطَرِّفٍ العَسْقلانيُّ بعَسْقلان، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرّحمن بنِ غزوان، قال: سمِعتُ أبي، قال: سألتُ مالكًا عن الرَّجلِ يُصَلِّي على دابَّتِه، فقال: أخبَرني أبو بكرِ بنُ عُمرَ بنِ عبدِ الرّحمن بنِ عبدِ الله بنِ عُمر، عن سعيدِ بنِ يسار، عن ابنِ عُمرَ قال: أوتَر رسولُ الله ﷺ وهو راكبٌ (١). وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمودِ بنِ خُلَيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ مهديّ، قال: حدَّثنا مالك، عن أبي بكرِ بنِ عُمر، عن سعيدِ بنِ يسار، عن ابنِ عُمر، قال: أوتَر رسولُ الله ﷺ على البعير.

стр. 8647

قال أبو عُمر: لما أوتَر رسولُ الله ﷺ على البَعِير عَلِمْنا أنَّ الوترَ حُكْمُه حكمُ النافلةِ لا حُكمُ الفَريضةِ، إذْ لا خِلافَ بينَ المسلمين ينقُلُ كافَّتُهم عن كافَّتِهم عن نَبيِّهم ﷺ أنَّ الفريضةَ لا يُصلِّيها على الدَّابةِ أحدٌ وهو آمنٌ قادرٌ على أن يُصلِّيَها بالأرض، وإنما تُصلَّي الفريضةُ على الدَّابةِ في شدَّةِ الخوف؛ لقول الله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وقالت طائفةٌ من أهل العلم: إنما تُصلَّى في شِدَّةِ الطِّينِ والماءِ والوحَلِ على الدابةِ لعدم الاستطاعةِ على صلاتِها في الماء، واللهُ لا يُكلَّفُ نفسًا إلا وُسْعَها. فلمّا ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه كان يُوتِرُ على البعيرِ بانَ بذلك أنَّ الوترَ نافلةٌ لا فَرِيضة. ومما يدُلُّ على ذلك أيضًا قوله ﷺ : "خمسُ صلواتٍ كتَبهنَّ اللهُ على العباد". وقال الأعرابيُّ النَّجْديُّ: هل عليَّ غيرُها؟ قال: "لا، إلّا أن تَطوَّعَ" (١). وقال الله : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ولو كانت الصلواتُ سِتًّا لم يكنْ فيها وُسْطى. وقد تقدَّم ذكرُ الحالةِ التي يجوزُ فيها التنفُّلُ على الدابةِ وما للعلماءِ في ذلك من التَّنازُع والاعتلال في باب عبدِ الله بنِ دينار (٢)، وباب عَمْرِو بنِ يحيى (٣) من هذا الكتاب، والحمدُ لله.

стр. 8648

وقد روَى هذا الحديثَ محمدُ بنُ داودَ بنِ أبي ناجيةَ الإسكندرانيُّ، عن ابنِ وَهْب، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن أنس، قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ يُصلِّي على دابته حيثُ توجَّهَتْ به. وكذلك رواه محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ قَحْطَبة، عن الحُنَينيِّ، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن أنس (١). وهذا الإسنادُ خطأ عندَ أهلِ العلم بالحديث، ولا يصِحُّ فيه إلا ما في "الموطأ" (٢): مالك، عن أبي بكرِ بنِ عُمر، عن أبي الحُباب، عن ابنِ عُمر.

стр. 8649

مالكٌ عن أبي بكرِ بنِ نافع حديثان وهو أبو بكرِ بنُ نافع (١)، مولى عبدِ الله بنِ عُمر، وقد تقدَّمَ ذِكْرُ أبيه نافع في موضِعِه من هذا الكتاب بما يُغني عن ذِكْره ها هنا. ولنافع هذا بنونٌ ثلاثة: أبو بكرِ بنُ نافع، وهو أوثَقُهم وأجَلُّهم، وعُمرُ بنُ نافع، وعبدُ الله بنُ نافع، وتوفِّي أبو بكرِ بنُ نافع سنةَ ثلاثٍ وسبعينَ ومئة، ولا يُوقَفُ على اسْمِه.

стр. 8650

حديثٌ أول لأبي بكرِ بنِ نافع مالكٌ (١)، عن أبي بكرِ بنِ نافع، عن أبيه نافع، عن عبدِ الله بنِ عُمر: أنّ رسولَ الله ﷺ أمَر بإحفاءِ الشَّواربِ وإعفاءِ اللِّحَى. هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ عن مالك، عن أبي بكرِ بنِ نافع، عن أبيه، عن ابنِ عُمر. وكذلك رواه جماعةُ الرُّواة عنه (٢)، إلا أن بعضَ رُواةِ ابنِ بُكيرٍ رواه عن ابنِ بُكير (٣)، عن مالك، عن نافع، عن ابنِ عُمر. وكذلك بعضُ رُواةِ ابنِ وَهْبٍ أيضًا رواه عن ابنِ وَهْب، عن مالك، عن نافع، عن ابنِ عُمر. وهذا لا يصِحُّ عندَ أهلِ العلم بحديثِ مالك، وإنما هذا الحديثُ لمالك، عن أبي بكرِ بنِ نافع، عن أبيه، عن ابنِ عُمر. هذا هو الصحيحُ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث، كما رواه يحيى وسائرُ الرُّواةِ عن مالك. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد (٤)، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الهَمْدانيُّ،

стр. 8651

قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني مالكٌ وعبدُ الله، عن نافع، عن ابنِ عُمر، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أحْفُوا الشوارب، وأعْفُوا اللِّحَى" (١). وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا معنُ بنُ عيسى ورَوْحُ بنُ عُبادة وعبدُ الله بنُ نافع، قالوا: حدَّثنا مالك، عن أبي بكرِ بنِ نافع، عن أبيه، عن ابنِ عُمر، أنَّ النبيَّ ﷺ أمَر بإحفاءِ الشواربِ وإعفاءِ اللِّحَى (٢). وحدَّثنا سعيدٌ (٣)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال: حدَّثنا عَبدةُ، عن عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن نافع، عن ابنِ عُمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "انهَكوا الشَّواربَ، وأعفوا اللِّحى". وأما قوله: "أمَر بإحفاءِ الشَّوارب" (٤) فقال أهلُ اللغة؛ أبو عُبيدٍ والأخفشُ وجماعة: الإحفاءُ: الاستئصالُ، والإعفاءُ تركُ الشَّعَرِ لا يَحلِقُه. وإلى هذا ذهَبت

стр. 8652

طائفةٌ من علماءِ المسلمين وفقهائِهم من أصحابِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وغيرِهم (١). ورُوِي عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، وأبي أُسَيدٍ الساعديِّ، ورافع بنِ خَديج، وسَهْلِ (٢) بنِ سَعْد، وعبدِ الله بنِ عُمر، وجابرِ بنِ عبدِ الله، وأبي هُريرة، أنهم كانوا يُحفُون شواربَهم (٣). وكان عبدُ الله بنُ عُمرَ يَحلِقُه حتى يبدوَ الجِلْد (٤). وكان أحمدُ بنُ حنبل يُحفي شاربَه إحفاءً شديدًا ويَحلِقُه حتى يبدوَ جِلْدُه، ويقول: السُّنةُ الإحفاءُ كما قال رسولُ الله ﷺ . حكَى ذلك عنه الأثرمُ (٥) وغيرُه. ولم يختلِفْ قولُ مالكٍ وأصحابه أنَّ الذي يُحفَى من الشاربِ هو الإطار، وهو طرَفُ الشَّفَةِ العُليا، وأصلُ الإطارِ جوانبُ الفَمِ المُحدِقةُ به مع طرفِ الشّاربِ المُحدِقِ بالفم، وكلُّ شيءٍ يُطيفُ بشيءٍ ويُحدِقُ به فهو إطارُه. وحجَّةُ مَن ذهَب هذا المذهبَ قولُ رسولِ الله ﷺ : "خمسٌ من الفطرة". فذكَر منهن قصَّ الشّارب، فقوله: "قصُّ الشّارب". يُفسِّرُ قولَه: إحفاءُ الشَّوارب (٦)، واللهُ أعلم.

стр. 8653

وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى المدائنيُّ، قال: حدَّثنا شُعيبُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ صُهيب، عن حَبيبِ بنِ يسار، عن زيدِ بنِ أرقم، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن لم يأخُذْ من شاربِه فليس منا" (١). وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد (٢)، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عوف (٣)، قال: حدَّثنا جُنادةُ بنُ مَرْوانَ الأزديُّ، عن حَريزِ بنِ عثمان، عن عبدِ الله بنِ بُسْرٍ، قال: كان شاربُ رسولِ الله ﷺ بحيالِ شَفَتِه (٤). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ (٥)، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا

стр. 8654

مِسْعرٌ، عن جامع بنِ شدّاد أبي صخرة، عن المغيرةِ بنِ عبدِ الله الثقفيِّ، عن المغيرةِ بنِ شُعبة، قال: ضِفْتُ النبيَّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ فأمَر لي بجَنْبٍ فشُوِي، وأخَذ من شاربي على سِواك. وأما قولُه: "وإعفاءِ اللِّحَى"، فقال أبو عُبيد (١): يعني: تُوفَّرُ وتُكَثَّرُ، يقال منه: عَفَا الشَّعَرُ: إذا كثُر، فهو عاف، وقد عفوتُه وأعفيتُه، لغتان، قال الله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]؛ يعني: كثُروا، وهذه اللفظةُ مُتصرِّفةٌ، يقالُ في غيرِ هذا: عفا الشيء: إذا درَس وامَّحَى. قال لَبيدٌ (٢): عفَتِ الديارُ مَحَلُّها فمُقامُها هذا كلُّه قولُ أبي عُبيد. وقال ابنُ الأنباريّ (٣): يقال: عفا الشيءُ يعْفُو عفْوًا: إذا كثُر، وقد عفَوتُه أعْفُوه، وأعفَيتُه أُعفِيْه إعفاءً: إذا كثَّرتُه، وعفا القوم: إذا كثُروا، وعفَوا: إذا قلُّوا، وهو من الأضداد، والعافي: الطالبُ، والعافي عن الجُرم، قال اللهُ : ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢].

стр. 8655

قال أبو عُمر: أما اللغة في: "أُعْفُوا". فمُحتمِلةٌ للشيءِ وضدِّه كما قال أهلُ اللغة. واختلَف أهلُ العلم في الأخذِ من اللِّحية؛ فكرِهَ ذلك قومٌ وأجازَهُ آخرون. وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد (١)، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أصبغُ (٢)، عن ابنِ القاسم، قال: سمِعتُ مالكًا يقول: لا بأسَ أن يؤخَذَ ما تطايَر من اللحيةِ وشذَّ. قال: فقيل لمالك: فإذا طالت جدًّا، فإن من اللِّحى ما تطولُ؟ قال: أرى أن يؤخَذَ منها وتُقصَّرَ. وقد روَى سُفيانُ، عن ابنِ عَجْلان، عن نافع، عن ابنِ عُمر: أنه كان يُعفي لحيتَه إلا في حجٍّ أو عُمرة (٣). وذكَر الساجيُّ (٤)، قال: حدَّثنا بُندارٌ وابنُ المثنّى، قالا: حدَّثنا عبدُ الوهاب، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عُمر، عن نافع، عن ابنِ عُمر: أنه كان إذا قصَّر من لحيتِه في حجٍّ أو عُمْرة، كان يَقبِضُ عليها ويأخُذُ من طرَفِها ما خرَج من القبضة (٥).

стр. 8656

قال أبو عُمر: هذا ابنُ عُمرَ روَى: "أعفُوا اللِّحى". وفهِمَ المعنى، فكان يفعَلُ ما وصَفْنا. وقال به جماعةٌ من العلماءِ في الحجِّ وغيرِ الحجِّ. وروَى ابنُ وَهْب، قال (١): أخبَرني أبو صَخْر، عن محمدِ بنِ كَعْب في قوله: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]. قال: رمْيُ الجِمار، وذبْحُ الذبيحة، وحَلْقُ الرأس، والأخذُ من الشاربِ واللِّحيةِ والأظفار، والطوافُ بالبيتِ وبالصفا والمروة. وكان قتادةُ يكرَهُ أن يأخُذَ من لحيتِه إلا في حجٍّ أو عُمْرة، وكان يأخُذُ من عارضَيْه. وكان الحسنُ يأخُذُ من طولِ لحيتِه (٢). وكان ابنُ سيرينَ لا يَرى بذلك بأسًا (٣). وروَى الثوريُّ، عن منصور، عن عطاء، أنه كان يُعفي لحيتَه إلا في حجٍّ أو عُمْرة. قال منصور: فذكَرتُ ذلك لإبراهيم، فقال: كانوا يأخُذون من جوانبِ اللِّحية (٤) (٥).

стр. 8657

حديثٌ ثانٍ لأبي بكرِ بنِ نافع مالكٌ (١)، عن أبي بكرِ بنِ نافع، عن أبيه نافع مولى ابنِ عُمر، عن صَفِيةَ بنتِ أبي عُبيد، أنها أخبَرتْه عن أُمِّ سَلَمةَ زوج النبيِّ ﷺ ، أنَّها قالت حينَ ذُكِر الإزار: فالمرأةُ يا رسولَ الله؟ قال: "تُرْخِيه شِبْرًا". قالت أُمُّ سَلَمة: إذنْ ينكشِفُ عنها. قال: "فذِراعًا لا تزيدُ عليه". هكذا رواه مالك، عن أبي بكرِ بنِ نافع، عن أبيه، عن صَفِيّة، عن أمِّ سَلَمة (٢). وغيرُه يَرويه عن نافع، عن سُليمانَ بنِ يسار، عن أمِّ سَلَمة؛ ورواه ابنُ عَجْلان، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن أمِّ سَلَمة. فأما حديثُ ابنِ عَجْلان، فحدَّثناه عبدُ الرّحمنِ بنُ مَرْوان، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليِّ بنِ داود، قال: حدَّثنا عافيةُ بنُ محمدِ بنِ عُثمانَ الإمام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ رُمْح، قال: حدَّثنا ابنُ لَهِيعة، عن محمدِ بنِ عَجْلان، أنَّه سمِع نافعًا يُخبِرُ، عن عبدِ الله بنِ عُمر، أنَّ أمَّ سَلَمةَ زوجَ النبيِّ ﷺ كلَّمت رسولَ الله ﷺ في ذُيول النساءِ حينَ نهى عن جرِّ الثوب، فقال رسولُ الله ﷺ : "تُرْخِيه شِبرًا". فقالت: إذن تنكشِفُ. فقال رسولُ الله ﷺ : "فذراعًا لا تَزيدُ عليه" (٣).

стр. 8658

وهذا الإسنادُ عندي خطأ. ورواه محمدُ بنُ إسحاق، عن نافع، عن صَفِيّة، عن أمِّ سَلَمةَ بمثلِ إسنادِ مالك. حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، عن محمدِ بنِ إسحاق. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال (١): حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ويعلَى بنُ عُبيد، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن نافع، عن صَفِيةَ بنتِ أبي عُبيد، عن أُمِّ سَلَمةَ زوجِ النبيِّ ﷺ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "ذَيلُ النِّساءِ شِبرٌ". قلت: يا رسولَ الله، إذا تخرُجُ أقدامُهن. قال: "فذِراعٌ لا يَزدْنَ عليه". وهذا هو الصوابُ عندَنا في هذا الإسنادِ كما قال مالك، واللهُ أعلم. وقد مضَى في حديثِ العلاءِ قولُه ﷺ : "إزْرَةُ المؤمنِ إلى أنصافِ ساقَيْه، لا جُناحَ عليه فيما بينَه وبينَ الكَعْبين، ما أسفلَ من ذلك ففي النار" (٢). ومضى القولُ في معنى هذا الحديثِ هناك، والحمدُ لله.

стр. 8659

وحديثُ هذا الباب يُفسِّرُ معنى حديثِ أمِّ سَلَمةَ حينَ قالت لها المرأة: إنِّي أُطيلُ ذَيلي وأمشي في المكانِ القذِر (١)؛ ففي هذا الحديثِ بيانُ طولِ ذيولِ النساء، وأن ذلك لا يزيدُ على شبرٍ أو ذراعٍ في أقصى ذلك، فقِفْ عليه، فهو أصلُ هذا الباب، وفي ذلك دليلٌ على أن ظهرَ قدم المرأةِ عورةٌ لا يجوزُ كشْفُه في الصلاة، خلافَ قولِ أبي حنيفة. وقد ذكَرنا ما من الرجُلِ عورةٌ، وما من المرأةِ عورةٌ، في بابِ ابنِ شهاب، عن سعيد، من هذا الكتاب (٢). وجَرُّ ذيلِ الحُرَّةِ معروفٌ في السُّنة، مشهورٌ عندَ الأُمة، ألا تَرى إلى قولِ عبدِ الرّحمنِ بنِ حسّانَ بنِ ثابتٍ في أبياتٍ له (٣): كُتِب القتلُ والقتالُ علينا ... وعلى المُحْصناتِ جرُّ الذُّيولِ

стр. 8660

مالك عن أبي ليلى الأنصاريِّ حديثٌ واحدٌ قال أبو عُمر: اختُلفَ في اسم أبي ليلى (١) هذا، فقيل: اسمُه عبدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة. وقيل: عبدُ الرّحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الرّحمن بنِ سهْل. وقيل: داودُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ سهْل. وقال فيه ابنُ إسحاق: أبو ليلى عبدُ الله بنُ سَهْلِ بنِ عبدِ الرّحمن بنِ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة. مالكٌ (٢)، عن أبي ليلى بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الرّحمن بنِ سَهْل، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة، أنَّه أخبَره رجالٌ من كُبراءِ قومِه، أنَّ عبدَ الله بنَ سَهْلِ (٣) ومُحيِّصَةَ خرَجا إلى خيبرَ من جَهْدٍ أصابهم، فأتى مُحَيِّصةُ فأخبَر أنَّ عبدَ الله بنَ سَهْل قد قُتِل وطُرِح في فَقيرِ بئرٍ أو عَيْن، فأتى يهودَ فقال: أنتُم والله قتَلْتُموهُ. فقالوا: والله ما قتَلْناهُ. فأقبَل حتى قدِمَ على قومِه، فذكَر لهم ذلك، ثم أقبَل هو وأخوهُ حُوَيِّصَةُ -وهو أكبرُ منه- وعبدُ الرّحمن، فذهَب مُحيِّصةُ ليتكلَّم -وهو الذي كان بخيبرَ- فقال له (٤) رسولُ الله ﷺ : "كبِّرْ كبِّرْ". يُريدُ السِّنَّ. فتكلَّم حُوَيِّصةُ، ثم تكلَّم مُحَيِّصةُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "إمّا أن يَدُوا صاحبَكم، وإمّا أن يُؤذَنوا بحرب". فكتَب إليهم رسوُل الله ﷺ في ذلك، فكتَبوا: إنّا والله ما قتَلْناهُ. فقال رسولُ الله ﷺ لحُوَيِّصةَ ومُحَيِّصة وعبدِ الرّحمن: "أتَحلِفُونَ وتَستَحِقُّونَ دمَ صاحِبِكُم؟ " فقالوا: لا. قال: "فتَحلِفُ لكُم يهودُ؟ ". قالوا: ليسُوا بمُسلِمين.

стр. 8661

فوَدَاه رسولُ الله ﷺ من عندِه، فبعَث إليهم بمئةِ ناقةٍ حتّى أُدخِلَتْ عليهمُ الدار. قال سَهْل: لقد ركَضَتْني منها ناقةٌ حمراء. هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث: عن أبي ليلى بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ سَهْل، عن سَهْل، أنَّه أخبَره رجالٌ من كُبراءِ قومِه. وتابَعه على ذلك ابنُ وَهْبٍ (١) وابنُ بُكَير (٢)، وليس في روايتِهم ما يدُلُّ على سماع أبي ليلى من سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة. وقال ابنُ القاسم (٣) وابنُ نافع والشافعيُّ (٤) وأبو المُصعب (٥) ومُطَرِّفٌ (٦)، عن مالكٍ فيه: أنه أخبَره هو ورجالٌ من كُبراءِ قومِه. وقال القَعْنَبيُّ (٧) وبِشرُ بنُ عُمرَ الزَّهْرانيُّ (٨) فيه، عن مالك، عن أبي ليلى، أنه أخبَره، عن رجالٍ من كُبراءِ قومِه. وذلك كلُّه وإن اختلَف لفظُه، يدُلُّ على سماع أبي ليلى من سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة.

стр. 8662

فأما (١) روايةُ يحيى ومن تابَعه ففي معنَى روايةِ القَعْنبيِّ، وأما روايةُ ابنِ القاسم ومن تابَعَه، فمخالفةٌ؛ لأنّ الرجالَ يكونون مُخبِرينَ لأبي ليلى مع سَهْل، وفي روايةِ يحيى أنّ الرجالَ حدَّث عنهم سَهْلٌ هذا الحديث. ورواية التِّنِّيسيِّ لهذا الحديثِ نحوُ روايةِ ابنِ القاسم والشافعيّ: حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عُمرُ بنُ محمدِ بنِ القاسم ومحمدُ بنُ أحمدَ بنِ كامل ومحمدُ بنُ أحمدَ بنِ المِسْوَر، قالوا: حدَّثنا بكرُ بنُ سَهْل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: حدَّثنا مالكٌ، قال: حدَّثنا أبو ليلى عبدُ الله بنُ عبدِ الرّحمن بنِ سَهْل، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة، أنَّه أخبَره هو ورجالٌ من كُبراءِ قومِه، أنَّ عبدَ الله بنَ سَهْلٍ ومُحَيِّصةَ خرَجا إلى خيبر، فذكَر الحديثَ بتمامِه (٢). فلا معنى لإنكارِ مَن أنكَر سماعَ أبي ليلى من سَهْلِ بنِ أبي حَثْمة، وقولِه مع ذلك: إنه مجهولٌ لم يروِ عنه غيرُ مالكِ بنِ أنس. وليس كما قال، وليس بمجهول (٣)، وقد روَى عنه محمدُ بنُ إسحاق ومالكٌ، وحديثُه هذا متصلٌ إن شاء الله، صحيحٌ، وسماعُ أبي ليلى من سَهْل صحيحٌ، ولأبي ليلى روايةٌ عن عائشةَ وجابر.
следующие страницы →