← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8728–8767 · переход к 8733.

стр. 8728

داود، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن أبي موسى الأشعريِّ، قال: قال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلَّم-: "إذا استأذَن المستأذِنُ ثلاثًا فلم يُؤذَنْ له فليَرجِعْ" (١). قال أبو عُمر: قد سمِع أبو سعيدٍ الخُدريُّ هذا الحديثَ من النبيِّ -صلي الله عليه وسلَّم-، وقد بانَ ذلك في غيرِ ما إسناد، وقد ذكَرنا بعضَ طُرُقها في باب ربيعة (٢)؛ فكان أبو سعيدٍ مرّةً يَرويه عن أبي موسى، عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلَّم-، ومرّةً عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلَّم-، وإنما هي حكايةٌ عن قصّةِ أبي موسى، فإذا قال: عن أبي موسى. فإنه يريدُ بذلك على حَسَبِ ما ذكَره موسى بنُ هارونَ في حديثِ عُمَيرِ بنِ سَلَمة، عن البهزيِّ في الحمارِ الوحشيِّ. وقد ذكَرنا ذلك في باب يحيى بنِ سعيدٍ من كتابنا هذا، والحمدُ لله. وقد ذكَرنا معاني هذا الباب في بابِ ربيعة (٣). وظاهرُ هذا الحديثِ يُوجِبُ ألّا يستأذِنَ الإنسانُ أكثرَ من ثلاث، فإن أُذِن له وإلّا رجَع. وهو قولُ أكثرِ العلماء، وإلى هذا ذهَب ابنُ نافع. وقال غيرُه: إن لم يسمَعْ فلا بأسَ أن يزيدَ؛ والاستئذانُ أن يقول: السلامُ عليكُم، آدْخُلُ. وقال بعضُهم: المرّةُ الأولى منَ الاستئذانِ استئذانٌ، والمرّةُ الثانيةُ مشورةٌ، هل يُؤذَنُ له في الدُّخُولِ أم لا، والثالثةُ علامةً للرُّجوع، ولا يزيدُ على الثلاث.

стр. 8729

حديثٌ ثامنٌ عمّن يَثِقُ به مالكٌ (١)، عن الثقةِ عندَه، عن بُكيرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشجِّ، عن عبدِ الرّحمنِ بنِ الحُبابِ الأنصاريِّ السَّلَميِّ، عن أبي قتادةَ الأنصاريِّ، أنَّ رسولَ الله -صلي الله عليه وسلَّم- نهَى أن يُنبَذَ التَّمْرُ والزَّبِيبُ جميعًا، والزَّهْوُ والرُّطَبُ جميعًا. هكذا روَى هذا الحديثَ عامةُ رواةِ "الموطأ" كما رواه يحيى. وممّن رواه هكذا؛ ابنُ عبدِ الحكم، والقَعْنَبيُّ، وعبدُ الله بنُ يوسف، وابنُ بُكير، وأبو المُصعب، وجماعتُهم (٢). ورواه الوليدُ بنُ مُسلم، عن مالك، عن ابنِ لَهيعة، عن بُكيرِ بنِ الأشجِّ: حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ القاضي، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ هاشم بنِ بِشْرٍ الحرّانيُّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ عُتبة، حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسلم، عن مالكِ بنِ أنس، عن عبدِ الله بنِ لَهيعةَ، عن بُكيرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشجِّ، عن عبدِ الرّحمنِ بنِ الحُبابِ السَّلَميِّ، عن أبي قتادةَ الأنصاريِّ، أنَّ رسولَ الله -صلي الله عليه وسلَّم- نهَى أن يُشرَبَ التَّمرُ والزَّبيبُ جميعًا، والزَّهْوُ والرُّطَبُ جميعًا (٣).

стр. 8730

قال أبو عُمر: رُوِيَ عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلَّم- هذا الحديثُ ومعناه من طُرقٍ شتَّى من حديثِ جماعةٍ من أصحابه؛ منهم ابنُ عُمر (١)، وابنُ عباس، وجابرٌ، وعائشةُ (٢)، وأبو هُريرة (٣)، ومَعقِلُ بنُ يسار (٤)، وأبو سعيد (٥)، وأنسٌ، وقد ذكَرنا كثيرًا منها فيما سلَف من كتابِنا هذا في بابِ زيدِ بنِ أسلم، وذكَرنا هناك اختلافَ العلماءِ في معنَى هذا الحديث، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك ها هُنا، ونذكُرُ ها هُنا حديثَ أبي قتادةَ خاصّةً على شرطِنا، وبالله عونُنا وهو حسبُنا. حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرّحمن (٦)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبان، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ حَمّاد، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا

стр. 8731

ابنُ وَهْب، قال (١): أخبَرني عَمْرُو بنُ الحارث، أنَّ بُكيرَ بنَ عبدِ الله بنِ الأشجِّ حدَّثه، أنَّ عبدَ الرّحمنِ بنَ الحارثِ السَّلَميَّ أخبَره، عن أبي قتادةَ الأنصاريِّ، أنَّ رسولَ الله -صلي الله عليه وسلَّم- نهَى أن يُنبَذَ التَّمرُ والزَّبيبُ جميعًا. وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرّحمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمنِ بنُ أحمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله بن ميمونٍ الفخاريُّ (٣)، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن يحيى، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي قتادة، قال: حدَّثني أبي، أنه سمِع النبيَّ -صلي الله عليه وسلم- يقول: "لا تجمَعوا بينَ

стр. 8732

الزَّهْوِ والرُّطَب، والتَّمرِ (١) والزَّبيب، وانتَبِذوا كلَّ واحدٍ منهما على حِدَة" (٢). أخبَرنا إسماعيل (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ شعبان، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عُثمان، قال: حدَّثنا حاتمُ بنُ قُتيبة، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حُجْر، قال: حدَّثنا داودُ بنُ الزِّبرِقان، قال: حدَّثنا هشامٌ الدَّستُوائيُّ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن عبدِ الله بنِ أبي قتادة، عن أبيه، أنّ رسولَ الله -صلي الله عليه وسلَّم- قال: "لا تَنْبُذُوا الزَّهْوَ والرُّطَبَ جميعًا، ولا تَنْبُذُوا الزَّبيبَ والتَّمرَ جميعًا، وانتبِذُوا كلَّ واحدٍ منهما على حِدَة" (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرّحمن وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا عَفّان، قال: حدَّثنا أبانٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثير، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي قَتادة، عن أبيه، أنَّ نبيَّ الله ﷺ نهَى عن خليطِ البُسْرِ والتَّمر، وعن خَلِيطِ الزَّبيبِ والتَّمْر، وعن خليطِ الزَّهْوِ والرُّطَب، وقال: "انتَبِذُوا كلَّ واحدٍ على حِدَة". قال: وحدَّثني أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرّحمن، عن أبي قَتادة، عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلَّم- بهذا الحديث (٥).

стр. 8733

وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ بشرٍ العَبْديُّ، عن حجّاجِ بنِ أبي عُثمان، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن عبدِ الله بن أبي قَتادة، عن أبي قَتادة، عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلَّم-. فذكَره. وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرّحمن (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبان، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا جُبارةُ بنُ المُغَلِّسِ الحِمّانيُّ، قال: حدَّثنا قيسُ بنُ الربيع (٣)، عن عائذِ بنِ نصيب، عن عبدِ الله بنِ أبي قتادة، عن أبيه، قال: نهَى رسولُ الله -صلي الله عليه وسلَّم- أن يُخلَطَ التَّمرُ والزَّبيبُ جميعًا، وقال: "يُنبَذُ هذا على حِدَة، وهذا على حِدَة" (٤). وقد ذكَرنا أحكامَ الخليطَينِ وما للعلماءِ في ذلك من المذاهب، في بابِ زيدِ بنِ أسلم (٥)، والحمدُ لله.

стр. 8734

حديثٌ تاسعٌ من بلاغاتِ مالك مالكٌ (١)، أنَّه بلَغه عن جدِّه مالكِ بنِ أبي عامر، أنَّ عُثمانَ بنَ عفان قال: قال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلَّم-: "لا تَبيعُوا الدينارَ بالدينارَين، ولا الدِّرْهَمَ بالدِّرهمَين". هكذا هذا الحديث في "الموطّأ" عندَ جماعةِ رواتِه (٢) فيما علِمتُ، ورواه ابنُ أبي حازم، عن مالك، عن مولًى لهم، عن مالكِ بنِ أبي عامر. وابنُ أبي حازم من كبارِ أصحابِ مالك. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ عبدِ الرّحمن بنِ عبدِ الله، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داودَ بنِ موسى، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم، عن مالكِ بنِ أنس، عن مولًى لهم، عن مالكِ بنِ أبي عامر، عن عُثمانَ بنِ عفان، أنّ النبيَّ -صلي الله عليه وسلم- قال: "لا تَبيعوا الدينارَ بالدينارَين، ولا الدِّرْهَمَ بالدرهمَين" (٣). يقال: اسمُ هذا المولى كَيسانُ. ولا يَصِحُّ. وهذا الحديثُ يرويه بُكيرُ بنُ الأشجِّ، عن سُليمانَ بنِ يسار، عن مالكِ بنِ أبي عامر، عن عُثمانَ ﵁ مُسندًا. وقد رُوِيَ من حديثِ أبي سُهيلِ بنِ مالك، عن أبيه، عن عُثمانَ مسنَدًا (٤).

стр. 8735

أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسفَ وسعيدُ بنُ سيِّد (١)، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدِ بنِ يزيد، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ محمدٍ الكِشْوَرِيُّ إملاءً بصنعاء، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ خالدٍ الرَّمْليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: حدَّثني مَخْرمةُ بنُ بُكير، عن أبيه، قال: سمِعتُ سُليمانَ بنَ يسار، أنه سمِع مالكَ بنَ أبي عامر يحدِّثُ، عن عُثمانَ بنِ عفان، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تَبيعوا الدِّينارَ بالدِّينارَين، ولا الدِّرْهَمَ بالدِّرْهَمين" (٢). قال أحمدُ بنُ خالد: قال لنا الكِشْوَريُّ: يزيدُ بنُ خالدٍ كتَبتُ عنه بمكة، وكان يحدِّثُ عن الليث، وكان أثبتَ الناسِ فيه. قال أحمد: في هذا الحديثِ رحلةٌ. أخبَرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو بنُ عبدِ الخالق، قال (٣): حدَّثنا عَمْرُو بنُ مالك، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: حدَّثنا مَخْرمةُ بنُ بُكير، عن أبيه، قال: أخبَرني سُليمانُ بنُ يسار، أن مالكَ بنَ أبي عامرٍ حدَّثه، عن عُثمان، عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلَّم- قال: "لا تبيعُوا الدِّينارَ بالدِّينارَين، ولا الدِّرْهَمَ بالدِّرْهمَين". قال أحمدُ بنُ عَمْرٍو البزّار (٤): وهذا الحديثُ قد رواه أبو سُهيلِ بنُ مالك،

стр. 8736

عن أبيه: عن عُثمان؛ رواه عاصمُ بنُ عبدِ العزيزِ الأشجعيُّ، وعاصمٌ ليس بالقويّ (١)، ولا يُروى هذا الحديثُ عن عُثمانَ إلّا من حديثِ مالكِ بنِ أبي عامر. قال أبو عُمر: حديثُ أبي سُهيل في هذا عن أبيه حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّاب بنُ محمدِ بنِ سَهْلِ بنِ منصورٍ النَّصيبيُّ، قال: حدَّثنا أبو يعلى أحمدُ بنُ عليِّ بنِ المثنّى، قال (٢): حدَّثنا أبو موسى إسحاقُ بنُ موسى الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ عبدِ العزيزِ الأشجعيُّ، عن أبي سُهيلِ بنِ مالك، عن أبيه، عن عُثمانَ بنِ عفان، قال: قال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلَّم-: "لا تَبايَعوا الدِّرْهَمَ بالدِّرْهمَين، ولا الدِّينارَ بالدِّينارَين". وقد مضَى القولُ في معنى هذا الحديث في مواضعَ من كتابِنا هذا (٣)، والحمدُ لله.

стр. 8737

حديثٌ عاشرٌ منَ البلاغات مالكٌ (١)، أنه بلَغه أن سعيدَ بنَ المسيِّب، قال: يقال: لا يخرُجُ من المسجد أحدٌ بعدَ النداءِ إلا أحدٌ يريدُ الرّجوعَ إليه، إلا منافقٌ. وهذا لا يُقالُ مثلُه من جهةِ الرأي، ولا يكونُ إلا توقيفًا، وقد رُوِيَ معناهُ مسنَدًا عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلَّم-؛ فلذلك أدخَلناهُ. حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم بنِ سَهْل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ بنِ مِهْران، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الجَعْدِ ببغدادَ وعبدُ الله بنُ الصَّقْر الهلاليُّ، قالا: حدَّثنا سُريجُ بنُ يونس، قال: حدَّثنا عُمرُ بنُ عبدِ الرّحمن، عن محمدِ بنِ جُحادة، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، أنه رأى رجلًا يخرجُ من المسجدِ حينَ أذَّن المؤذِّنُ، أو حينَ أخَذ في أذانِه، فقال: أمّا هذا فقد عصَى أبا القاسم ﷺ (٢). أخبَرنا إسماعيل بنُ عبدِ الرّحمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ المبارك، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا شَريك، عن أشعثَ بنِ أبي الشعثاء، عن أبيه، قال:

стр. 8738

كنا مع أبي هُريرة، فأذَّن المؤذِّنُ، فخرَج رجلٌ بعدَ الأذان، فقال أبو هُريرة: أمّا هذا فقد عصَى رسولَ الله ﷺ ؛ أمَرنا رسولُ الله ﷺ ألّا نخرُجَ من المسجدِ حتى نُصلِّي. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر (١)، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا أبو الأحوص، عن إبراهيمَ بنِ المهاجر، عن أبي الشعثاء، قال: كنّا قُعودًا في المسجدِ مع أبي هُريرة، فأذَّن المؤذِّنُ، فقام رجلٌ من المسجدِ يمشي، فأتبعَه أبو هُريرةَ بصرَه حتى خرَج من المسجد، فقال أبو هُريرة: أمّا هذا فقد عصىَ أبا القاسم ﷺ (٣). حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرّحمن القرشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباس الحلبيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ الغضائريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي عُمرَ العَدَنيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن عُمرَ بنِ سعيدِ بنِ مسروق، عن أشعثَ بنِ أبي الشعثاء، عن أبيه، قال: سمِعتُ أبا هُريرة، ورأى رجلًا يجتازُ في المسجدِ ويخرُجُ بعدَ الأذانِ فقال: أمّا هذا فقد عصَى أبا القاسم ﷺ (٤).

стр. 8739

قال أبو عُمر: أجمعُوا على القولِ بهذا الحديثِ لمَن لم يُصلِّ وكان على طهارة، وكذلك إذا كان قد صلّى وحدَهُ إلّا لِمَا يُعادُ منَ الصّلواتِ على ما ذكَرْنا من مذاهبِ العُلماءِ في ذلكَ عندَ ذِكْر حديثِ زيدِ بنِ أسلم، عن بُسْرِ بنِ مِحْجَن، فإذا كان ما ذكَرْنا، فلا يحِلُّ له الخُروجُ منَ المسجدِ بإجماعٍ إلّا أن يخرُجَ للوُضوءِ وينْويَ الرُّجوعَ. واختَلفوا فيمَنْ صلّى في جماعةٍ ثم أذّنَ المؤذِّنُ وهو في المسجدِ لتلكَ الصلاةِ على ما قدّمْنا ذِكْرُه عنهم في باب زيدِ بنِ أسلم (١)، والحمدُ لله. وقد كرِهَ جماعةُ من العلماءِ خُروجَ الرّجُلِ من المسجد بعدَ الأذانِ إلّا للوُضوء لتلكَ الصلاةِ بنيّة الرُّجوع إليها، وسواءٌ صلّى وحدَهُ أو في جماعةٍ أو جماعات. وكذلك كرِهُوا قعودَهُ في المسجدِ والناسُ يُصلُّون؛ لئلّا يتشبَّه بمَنْ ليس على دِينِ الإسلام، وسواءٌ صلّى أو لم يُصلِّ. والذي عليه مذهبُ مالكٍ أنه لا بأس بخروجِه من المسجدِ إذا كان قد صلَّى تلك الصلاةَ في جماعة، وعلى ذلك أكثرُ القائلين بقوله، إلا أنهم يكرَهون قعودَه مع المصلِّين بلا صلاة، ويستحبُّون له الخروجَ والبعدَ عنهم، على ما قد أوضَحناه في باب زيدِ بنِ أسلم، فلا وجهَ لإعادتِه ها هنا. قال مالكٌ: دخَل أعرابيٌّ المسجدَ وأذَّن المؤذِّن، فقام يَحُلُّ عقالَ ناقتِه ليخرُج، فنهاه سعيدُ بنُ المسيِّب فلم ينتَهِ، فما سارت به غيرَ يسيرٍ حتى وقَصَت به، فأُصيب في جسدِه، فقال سعيد: قد بلَغَنا أنه مَن خرَج بينَ الأذانِ والإقامةِ لغيرِ الوضوءِ فإنه سيُصابُ.

стр. 8740

حديثٌ حاديَ عشرَ منَ البلاغات مالكٌ (١)، أنه بلَغه أنّ سعيدَ بنَ المسيِّب كان يقول: يُكرَهُ النومُ قبلَ العشاءِ والحديثُ بعدَها. وهذا وإن لم يكنْ فيه ذكرُ النبيِّ ﷺ ، وكان على ذكرِ مَن لم يُسَمِّ فاعلُه، فإنه مرويٌّ عن النبيِّ ﷺ مشهورٌ محفوظٌ عندَ أهلِ الحديثِ من حديثِ أبي بَرْزَة الأسلميِّ وغيره. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم (٢)، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا هوْذةُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن أبي المنهالِ قال: انطلقتُ إلى أبي بَرزة الأسلميِّ. في حديثٍ ذكَرهُ فيه طُول، قال: وقلت له: حدِّثنا كيفَ كان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي المكتوبةَ؟ فذكَرَ الحديثَ. قال: وكان يَستحبُّ أن تُؤخَّرَ العشاءُ التي تدعُونها العَتَمة، وكان يكرَهُ النومَ قبلَها والحديثَ بعدَها. وذكَر تمامَ الحديث (٣). وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد (٤)، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم (٥)، قال:

стр. 8741

حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (١): أخبَرنا محمدُ بنُ بشّار، قالا جميعًا: أخبَرنا يحيى بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عوفٌ، قال: حدَّثني أبو المنهالِ سيّارُ بنُ سلامة، عن أبي بَرْزة قال: كان رسولُ الله ﷺ ينهَى عن النوم قبلَها والحديثِ بعدَها؛ يعني العشاءَ الآخرة. وهذا لفظُ حديثِ عبدِ الوارث، وحديثُ محمدِ بنِ إبراهيمَ أتمُّ. ورُوِيَ من حديثِ عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مرَرْتُ ليلةَ أُسرِيَ بي، فإذا بقوم تُضرَبُ رؤوسُهم بالصَّخْر، فقلت: يا جبريل، مَن هؤلاء؟ فقال: يا محمدُ، من أُمَّتِك. قلت: وما حالُهم؟ قال: كانوا ينامُونَ عن العشاءِ الآخِرَة". وهذا الحديثُ وإن كان إسنادُه عن عليٍّ ضعيفًا، فإنَّ في حديثِ أبي بَرْزَة ما يُقوِّيه، ولكنَّ معناه عندي -لو صحَّ- يُوَضِّحُ أنهم كانوا ينامون عنها ولا يُصلُّونها، والله أعلم. وعلى هذا حمَل الطَّحَاويُّ قولَه ﷺ فيمَن نام ليلَه كلَّه حتّى أصبح: "ذلك رجل بالَ الشيطانُ في أُذُنِه" (٢). قال: هذا، واللهُ أعلم، على أنَّه نامَ عن صلاةِ العشاءِ فلم يُصلِّها حتى انقضَى الليلُ كلُّه (٣).

стр. 8742

واختلَف العلماءُ في هذا الباب؛ فقال مالك: أكرَهُ النومَ قبلَ صلاةِ العشاءِ الآخرة، وأكرَهُ الحديثَ بعدَها. وذكَر أنه بلَغه عن سعيدِ بنِ المسيِّب ما ذكَرنا في هذا الباب عنه، وذكَر أيضًا في "الموطأ" (١) أنه بلَغه أن عائشةَ زوجَ النبيَّ ﷺ كانت تُرسلُ إلى بعض أهلِها بعدَ العَتمةِ فتقول: ألا تُريحون الكُتّابَ؟ ومذهبُ الشافعيِّ في هذا الباب كمذهبِ مالكٍ سواء (٢). وروى محمدُ بنُ الحسن (٣)، عن أبي حنيفة، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الملك، عن مجاهدٍ قال: لَأنْ أُصلِّيَها وحدي أحَبُّ إليَّ من أن أنامَ قبلَها ثم أصلِّيها في جماعة. قال محمد: وبه نأخذُ؛ نكرَهُ النومَ قبلَ صلاةِ العشاء. ولم يَحكِ عن أحدٍ من أصحابه خلافًا. وقال الثوريُّ: ما يُعجِبُني النومُ قبلَها (٤). وقال الليث: قولُ عُمرَ بنِ الخطاب فيمن رقَد بعدَ المغرب: فلا أرقَدَ اللهُ عينَه، إنما ذلك قبلَ ثُلثِ الليل الأول (٥).

стр. 8743

وحدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبيدِ بنِ آدم، قال: حدَّثنا ثابتُ بنُ نعيم، قال: حدَّثنا آدم (٢)، قال: حدَّثنا شُعبة، قال: سألتُ الحكمَ عن النوم قبلَ صلاةِ العشاءِ في رمضان، فقال: كانوا ينامون قبلَ صلاةِ العشاء (٣). وروَى سُفيانُ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود: أنه كان يقرأُ القرآنَ في شهرِ رمضانَ في ليلتين، وينامُ ما بينَ المغربِ والعشاء (٤). ورُوِيَ عن ابن عُمر: أنه كان يرقُدُ قبلَ صلاةِ العشاء، ويُوكِّلُ مَن يُوقِظُه (٥). ورُوِيَ أنه ما كانت نومةٌ أحبَّ إلى عليٍّ ﵁ من نومةٍ بعدَ العَشاءِ قبلَ العِشاء (٦). قال الطحاويُّ (٧): يحتمِلُ أن تكونَ الكراهيةُ عن النوم بعدَ دخولِ وقتِ العِشاءِ قبلَ العَشاء، والإباحةُ قبلَ دخولِ وقتِها.

стр. 8744

حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم (١)، قال: حدَّثنا أبو طالبٍ محمدُ بنُ زكريا بنِ أعيَنَ ببيتِ المقدس، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مُعاويةَ القيسرانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ الفريابيُّ، قال: حدَّثنا مِسْعَرُ بنُ كِدام، عن منصور، عن خَيْثَمة، عن ابنِ مَسْعود، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا سمَرَ بعدَ العشاءِ إلّا لمُصلٍّ أو مُسافر" (٢).

стр. 8745

حديثٌ ثانيَ عشرَ منَ البلاغات مالكٌ (١)، أنه بَلَغه عن عامرِ بنِ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاص، عن أبيه، أنه قال: كان رَجُلان أخَوان، فهلَك أحدُهما قبلَ أن يهلِكَ صاحبُه بأربعين ليلة، فذُكِرتْ فضيلةُ الأول عندَ رسولِ الله ﷺ ، فقال: "ألم يكنِ الآخَرُ مُسلمًا؟ ". قالوا: بلى يا رسولَ الله، وكان لا بأسَ به. فقال رسولُ الله ﷺ : "وما يُدْرِيكُم ما بلَغتْ به صلاتُه؟ إنما مثَلُ الصلاةِ كمثلِ نَهَرٍ عَذْبٍ غَمْرٍ ببابِ أحدِكُم، يَقتحِمُ فيه كلَّ يوم خمسَ مرات، فما تَرَونَ ذلك يُبقي من دَرِنِه؟ فإنكم لا تدْرُونَ ما بلَغتْ به صلاتُه". النهرُ الغمْرُ: الكثيرُ الماء، والدَّرَنُ: الوسَخُ. ويدُلُّ هذا الحديثُ -واللهُ أعلمُ- على أن العذْبَ مِن المياهِ أشدُّ إنقاءً للدَّرنِ من غير العَذْب، كما أنَّ الكثيرَ أنقَى من اليَسِير، وهذا مثَلٌ ضرَبه رسولُ الله ﷺ للصلاةِ يُخبرُ بأنها تُكفِّرُ ما قبلَها من الذُّنوب إذا اجتُنبتِ الكبائر، وقد مضَى هذا المعنى مجُوَّدًا في بابِ زيدِ بنِ أسلم (٢)، والحمدُ لله. والروايةُ الصحيحةُ: "يُبقي"؛ بالباءِ لا بالنون. قال أبو عُمر: أما قصةُ الأخوين فليست تُحفظُ من حديثِ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاص إلا في مرسلِ مالك هذا، وقد أنكَره أبو بكرٍ البزارُ وقطَع بأنه لا يوجَدُ من حديثِ سَعْدٍ البتّة، وما كان ينبغي له أن يُنكِرَه؛ لأنَّ مراسيلَ مالكٍ أصولُها صِحاحٌ كلُّها، وجائزٌ أن يرويَ ذلك الحديثَ سعْدٌ وغيرُه، وقد رواه ابنُ وَهْبٍ عن مَخْرمةَ بنِ بُكير، عن أبيه، عن عامرِ بنِ سَعْد، عن أبيه مثلَ حديثِ مالكٍ سواء (٣).

стр. 8746

وأظنُّ مالكًا أخَذه من كتب بُكيرِ بنِ الأشجِّ وأخبرَه به عنه مَخرمةُ ابنُه، أو ابنُ وَهْب؛ والله أعلم، فإن هذا حديثٌ انفرَد به ابنُ وَهْب، لم يَروِه أحدٌ غيرُه فيما قال جماعةٌ من العلماءِ بالحديث. قال أبو عُمر: تُحفظُ قصّةُ الأخوَينِ من حديثِ طَلْحةَ بنِ عُبيدِ الله (١)، ومن حديثِ أبي هُريرة (٢)، ومِن حديثِ عُبيدِ بنِ خالد (٣)، ومن حديثِ سَعْدٍ هذا من روايةِ مالكٍ هذه، ومُرسَلُ حديثِ مالكٍ هذا أقوى من مُسندِ بعض حديثِ هؤلاء. وأمّا آخرُ هذا الحديثِ قولُه: "مثَلُ الصلواتِ الخمسِ كمثَلِ نهَرٍ عذْبٍ غَمْر". فهو محفوظٌ من حديثِ أبي هُريرة (٤)، وحديثِ جابر (٥)، وحديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ (٦)، من طُرقٍ صِحاح ثابتة.

стр. 8747

ويُروَى: "مثَلُ الصلواتِ الخمس" أيضًا من حديثِ عامرِ بنِ سَعْد، عن أبانِ بنِ عُثمان، عن عُثمان، عن النبيِّ ﷺ (١). وزعَم أبو بكرٍ البزّارُ أنَّ حديثَ مالكٍ هذا كلَّه خطأٌ في قصّةِ الأخوَين، وقصةُ: "مثَلُ الصَّلواتِ الخمس"؛ قال البزارُ: ولم يروِ أحدٌ عن سَعْد، عن النبيِّ ﷺ قولَه: "مثلُ الصَّلواتِ الخمس"، ولا أعلمُه من حديثِ سَعْد، واللهُ أعلم. قال أبو عُمر: قد رواه ابنُ وَهْبٍ كما وصَفنا عن مَخْرمة، عن أبيه؛ حدَّثناه عبدُ الرّحمن بنُ مروان (٢)، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عليِّ بنِ داود، قال: حدَّثنا عباسُ بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني مَخْرمةُ بنُ بُكير، عن أبيه، عن عامرِ بنِ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاص، قال: سمِعتُ سَعْدًا وأناسًا من أصحابِ رسولِ الله ﷺ يقولون: كان رجلان على عهدِ رسولِ الله ﷺ أخوان، وكان أحدُهما أفضلَ من الآخر، فتُوفِّي الذي هو أفضلُهما، ثم عُمِّر الآخرُ بعدَه أربعينَ ليلةً ثم توفِّي، فذُكِر لرسولِ الله ﷺ فضيلةُ الأول على الآخَر، فقال: "أوَ لم يَكُنْ يصلِّي؟ ". فقالوا: بَلَى، وكان لا بأسَ به يا رسولَ الله، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما يُدريكم ما بلَغت به صلاتُه؟ ". ثم قال عندَ ذلك: "إنما الصلاةُ كمثَلِ نَهَرٍ غَمْرٍ عذبٍ ببابِ رجل، يقتحِمُ فيه كلَّ يوم خمسَ مرات، فماذا ترَون ذلك يُبقي من دَرِنِه؟ إنكم لا تدرون ما بلَغت به صلاتُه" (٤). تفرَّد به ابنُ وَهْب.

стр. 8748

فأمّا حديثُ طَلْحةَ في قصةِ الأخوَيْن، فحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمدان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (١): حدَّثنا قُتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ مُضرَ، عن ابنِ الهادِ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال:

стр. 8749

أخبَرنا ابنُ لهيعةَ ويحيى بنُ أيوب، قالا: حدَّثنا ابنُ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرّحمن، عن طَلْحةَ بنِ عُبيدِ الله، أنَّ رجُلَينِ من بَليٍّ (١) قدِما على رسولِ الله ﷺ فكان إسلامُهما جميعًا، وكان أحدُهما أشدَّ اجتهادًا من الآخَر، فغزا المجتهدُ منهُما فاستُشهِد، ثم مات الآخَرُ بعدَه بسنة. قال طَلْحة: بينما أنا عندَ باب الجنّة، إذ أُتيَ بهما، فخرَج خارجٌ من الجنّة، فأذِنَ للذي تُوفِّي؛ الآخِرِ منهُما، ثم خرَج فأذِنَ للذي استُشهِد، ثم رجَع إليَّ فقال: ارجِعْ، فإنك لم يأنِ لك بعد. فأصبَح طَلْحةُ يحدِّثُ الناسَ، فعَجِبُوا لذلك، فبلَغ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "مِن أيِّ ذلك تعجَبُون؟ ". قالوا: يا رسولَ الله، هذا كان أشدَّ الرّجُلَين اجتهادًا ثم استُشهِد في سبيلِ الله، ودخَل هذا الجنّةِ قبلَه! قال: "أليسَ هذا قد مكَث بعدَه سنةً؟ ". قالوا: بلى. قال: "وأدرَك رمضانَ وصامَه؟ ". قالوا: بلَى. قال: "وصلَّى كذا وكذا من سجدةٍ في السّنة؟ ". قالوا: بلى. قال رسولُ الله ﷺ : "بينَهما أبعدُ ما بينَ السماءِ والأرض". سُئل يحيى بنُ معين (٢) عن حديثِ أبي سَلَمة، عن طَلْحةَ بنِ عبيدِ الله، فقال: مرسل، لم يَسمَعْ من طَلْحةَ بنِ عُبيدِ الله. قال أبو عُمر: هو عندَ أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، عن طَلْحة، وسنذكرُه ها هُنا إن شاء اللهُ بعدَ هذا. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمدان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد،

стр. 8750

قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن أبي سَلَمة، قال: نزَل رَجُلان من أهل اليمن على طَلْحةَ بنِ عُبيدِ الله، فقُتل أحدُهما مع رسولِ الله ﷺ ، ثم مكَث الآخَرُ بعدَه سنة، ثم مات على فراشِه، فرأى طَلْحةُ بنُ عُبيدِ الله أنَّ الذي مات على فراشِه دخَل الجنةَ قبلَ الآخرِ بحين، فذكَر ذلك طَلْحةُ لرسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "كم مكَث بعدَه؟ ". قال: حَوْلًا. قال رسولُ الله ﷺ : "صلّى ألفًا وثمانِ مئةِ صلاةٍ وصامَ رمضانَ". وقد روَى هذه القصةَ إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ طَلْحةَ عن جدِّه في ثلاثةِ إخوةٍ بنحوِ هذا المعنى. أخبرناه قاسمُ بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ مَنْصور، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجرَ الجُرجانيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ مَنْصور، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ موسى بنِ عُبيدِ الله بنِ إسحاقَ بنِ طَلْحة، عن أبيه، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ طَلْحة، عن جدِّه طَلْحةَ بنِ عُبيدِ الله، قال: نزَل عليَّ ثلاثةُ إخوةٍ من بليٍّ (٢)، وهم من بني عُذْرة، فغزا رجلٌ منهم في بعض مغازِي النبيِّ ﷺ فقُتل، وغزا الآخرُ بعدَه في بعضِ مغازِي النبيِّ ﷺ فمات، وبقيَ الآخرُ فمات بعدَهما، فأُريتُ في منامي كأنهم أُحضِروا بابَ الجنّة، فبُدئ بالذي مات فأُدخِل الجنة، ثم ثُنِّيَ بالذي مات في الغزو فأُدخِل الجنة، ثم ثُلِّث بالذي قُتِل في سبيل الله فأُدخِل الجنة، ثم ذهَبتُ لأدخُلَ فحُجِبتُ، فأصبَحتُ مذعورًا، فأتَيتُ رسولَ الله ﷺ فأخبَرتُه، فقال: "وما أذْعَرك يا أبا محمد؟ إنَّ الذي ماتَ على فراشِه أدرَك من فَضْلِ العَمَلِ ما بُدئَ به، وإنَّ الذي ماتَ في سبيلِ الله أدرَكَ

стр. 8751

من فَضْلِ العَمَل بعدَ صاحبِه ما ثُنِّيَ به، وإنَّ الذي قُتِل في سبيلِ الله فأُدخِلَ الجنةَ بقتلِه في سبيل الله، وأنتَ فلمْ يحضُرْك أجلُكَ فتدخُلَها". ولم يسمعْه إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ طَلْحةَ من جدِّه؛ بينَهما عبدُ الله بنُ شداد. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمدان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (١): حدَّثنا وَكيعٌ، قال: حدَّثنا طَلْحةُ بنُ يحيى، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ طَلْحة، عن عبدِ الله بنِ شداد، أنَّ نفرًا من بني عُذرةَ ثلاثةً أتَوا النبيَّ ﷺ فأسلَموا، قال: فقال النبيُّ ﷺ : "من يَكْفِنيهم؟ ". قال طَلْحة: أنا. قال: فكانوا عندَ طَلْحة، فبعَث النبيُّ ﷺ بعْثًا، فخرَج فيه أحدُهم فاستُشهِد. قال: ثم بعَث بعثًا، فخرَج فيه آخرُ فاستُشهِد. قال: ثم مات الثالثُ على فراشِه. قال طَلْحة: فرأيتُ هؤلاء الثلاثةَ الذين كانوا عندي في الجنّة، فرأيتُ الميتَ على فراشِه أمامَهم، ورأيتُ الذي استُشهِد أخيرًا يليه، ورأيتُ الذي استُشهِد أوَّلَهم آخِرَهم. قال: فدخَلني من ذلك، فأتَيتُ النبيَّ ﷺ فذكَرتُ ذلك له، فقال رسولُ الله ﷺ : "وما أنكَرتَ من ذلك؟ ليس أحدٌ أفضلَ عندَ الله من مؤمنٍ يُعمَّرُ في الإسلام لتسبيحِه وتكبيرِه وتهليلِه". وأما روايةُ أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، عن طَلْحةَ لهذا الحديث، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال:

стр. 8752

حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (١): حدَّثنا محمدُ بنُ بِشْر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَمْرو، حدَّثنا أبو سَلَمة، عن أبي هُريرة، قال: جاء رَجُلان من بَليٍّ من قُضاعة، فأسلما مع رسولِ الله ﷺ ، فاستُشهِد أحدُهما، وأُخِّر الآخرُ بعدَ سنة. قال طَلْحةُ بنُ عُبيدِ الله: فرأيتُ كأنّي أُدخِلتُ الجنّة، فرأيتُ المؤخَّرَ منهما دخَل قبلَ الشهيد، فعجِبتُ من ذلك، فأصبَحتُ فذكَرتُ ذلك لرسولِ الله ﷺ فقال: "أليسَ صامَ بعدَه رَمَضان، وصَلَّى بعدَه كذا وكذا رَكْعة؟ ". صلاةَ السَّنة. وروَى هذا المعنى عُبيدُ بنُ خالد -رجلٌ من الصحابة- عن النبيِّ ﷺ : حدَّثنا قاسمُ بنُ محمدٍ (٢) قراءةً منِّي عليه، أنَّ خالدَ بنَ سَعْدٍ حدَّثهم، قال:

стр. 8753

حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عَمْرِو بنِ مُرّة، عن عَمْرِو بنِ ميمون، عن عبدِ الله بنِ رُبَيِّعَة، عن عُبيدِ بنِ خالد، أنّ النبيَّ ﷺ آخَى بينَ رَجُلين، فقُتل أحدُهما في سبيل الله، ثم تُوفِّي الآخَرُ بعدَه فصلَّوا عليه، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما قلتُم عليه؟ ". قالوا: دعَوْنا اللهَ أن يغفرَ له ويرحمَه ويُلحِقَه بصاحبِه. فقال رسولُ الله ﷺ : "فأينَ صلاتُه بعدَ صلاتِه، وصيامُه بعدَ صيامِه، وعملُه بعدَ عملِه؟ لَمَا بينَهما أبعدُ مما بينَ السماءِ والأرض" (١). أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، قال: أخبَرنا شُعبةُ، عن عَمْرو بنِ مرّة، قال: سمِعتُ عَمْرَو بنَ ميمون، عن عبدِ الله بنِ رُبَيِّعَة، عن عُبيدِ بنِ خالدٍ السُّلَميِّ، قال: آخَى رسولُ الله ﷺ بينَ رجلين، فقُتل أحدُهما، ومات الآخرُ بعدَه بجُمُعة ونحوِها،

стр. 8754

فصلَّينا عليه، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما قلتُم له؟ ". قالوا: دعَونا له وقلنا: اللَّهمَّ اغفِرْ له وألحقْه بصاحبه. فقال رسولُ الله ﷺ : "فأينَ صلاتُه بعدَ صلاتِه، أو صومُه بعدَ صومِه -شكَّ شُعبةُ في صومِه- وعملُه بعدَ عملِه؟ إنَّ بينَهما كما بينَ السماءِ والأرض". قال أبو عُمر: يُفسِّرُ هذا المعنى ويُوضِّحُه قولُه ﷺ : "خيرُ الناس مَن طال عمُرُه وحسُن عملُه" (١). وأخبَرنا عبدُ الله (٢)، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ عَون، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ألا أُخبِرُكم بخيارِكم؟ ". قالوا: بلى. قال: "أطولُكم أعمارًا، وأحسنُكم أعمالًا" (٣).

стр. 8755

وأما قوله ﷺ : "مثلُ الصلواتِ الخمس"؛ فحدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ عبدِ الخالقِ البزّارُ، قال (٣): حدَّثنا العباسُ بنُ جعفر ومحمدُ بنُ عبدِ الرحيم وإبراهيمُ بنُ زياد، قالوا: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سَعْد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله ابنُ أخي الزهريِّ، عن عمِّه ابنِ شهاب، عن صالح بنِ عبدِ الله بنِ أبي فروة، أنَّ عامرَ بنَ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاص، أخبَره عن أبانِ بنِ عُثمان، عن عُثمان، أنه أخبَره أنه سمِع رسولَ الله ﷺ يقول: "أرأيتَ لو أن لأحدِكم نهرًا جاريًا ما بينَ منزلِه ومُعتمَلِه ويغتمِسُ فيه كلَّ يوم خمسَ مرات؛ هل كان يُبقي من دَرَنِه شيئًا؟ ". قالوا: لا. قال: "فكذلك الصلواتُ الخمسُ".

стр. 8756

قال البزارُ: وهذا الحديثُ لا نعلَمُه يُروَى عن عُثمان، عن النبيِّ ﷺ إلّا من هذا الوجهِ عن عُثمان، وقد رُوِيَ عن غيرِ عُثمانَ عن النبيِّ ﷺ ، وهذا الحديثُ أرفعُ حديثٍ في هذا الباب عن النبيِّ ﷺ . قال أبو عُمر: وقد حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم (١)، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الفضل البغداديُّ -يُعرفُ بابنِ المارستانيِّ- قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباس بنِ الفضل بنِ يونسَ الموصليُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ أبي (٢) المثنّى، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سَعْدِ بنِ إبراهيم، قال: حدَّثنا ابنُ أخي ابنِ شهاب محمدُ بنُ عبدِ الله، عن عمِّه محمدِ بنِ مُسلم، قال: أخبَرني صالحُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي فَرْوة، أنَّ عامرَ بنَ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاص حدَّثه أنه سمِع أبانَ بنَ عُثمانَ يقول: قال عُثمان: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أرأيتَ لو كان بفناءِ أحدِكم نهرٌ يجري يغتسِلُ منه كلَّ يوم خمسَ مرات، ماذا كان مُبقِيًا من دَرَنِه؟ ". قالوا: لا شيء. قال: "فكذلك الصلواتُ الخمسُ، يُذهِبنَ الذنوبَ كما يُذهِبُ الماءُ الدَّرنَ". وأما حديثُ غيرِ عُثمانَ في هذا؛ فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابة (٣)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حَمّاد، عن أبي عَوَانة، عن الأعْمَش، عن أبي سُفيان، عن جابر، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مثَلُ الصلواتِ الخمسِ مثلُ رجل ببابِه نهرٌ جارٍ يغتسلُ فيه كلَّ يوم خمسَ مرات، فماذا يَبقَى من درَنِه؟ " (٤).

стр. 8757

حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر (١)، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ عبيد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "مثَلُ الصلواتِ الخمسِ كمثلِ نهرٍ جارٍ على بابِ أحدِكم يغتسلُ منه كلَّ يوم خمسَ مرات". قال أبو عُمر: اختُلِف على الأعمشِ في هذا الحديث؛ فمن أهلِ العلم مَن لا يحتجُّ بحديثِه هذا مِن أجل أبي سُفيان؛ طَلْحةَ بنِ نافع، فهو ضعيفٌ، ومن

стр. 8758

أهلِ العلم مَن يجعَلُهما إسنادين، وأصحُّ إسنادٍ في هذا إن شاء اللهُ ما حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمانَ بنِ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف (١)، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٢): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا ابنُ أبي حازم، عن يزيدَ -يعني ابنَ عبدِ الله بنِ الهادِ- عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، أنَّه سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقول: "لو أنَّ نهرًا ببابِ أحدِكم يغتسلُ فيه كلَّ يوم خمسًا، ما تقولُ ذلك يُبقي من دَرَنِه؟ ". قال: لا يُبقي من دَرَنِه شيئًا. قال: "فكذلك الصَّلَواتُ الخمسُ يمحُو اللهُ بها الخطايا". وبلَغني أنَّ أبا زُرعةَ الرازيَّ قال: خطَر ببالي تقصيرُ الناس وتقصيري في الأعمالِ من النوافل والحجِّ والصيام والجهاد، فكبُرَ ذلك في قلبي، فرأيتُ ليلةً فيما يرَى النائمُ كأن آتيًا أتاني فضرَب بيدِه بينَ كتِفَيَّ، وقال: قد أكثَرتَ في العبادة، وأيُّ عبادةٍ أفضلُ من الصَّلَواتِ الخمس في جماعة (٣)! قال أبو عُمر: لا مدخلَ للقولِ في هذا الباب، إذِ المعنى فيه واضحٌ لا اختلافَ فيه، والحمدُ لله.

стр. 8759

حديثٌ ثالثَ عشرَ منَ البلاغات مالكٌ (١)، أنَّه بلغَهُ عن عليِّ بنِ حُسين، أنه كان يقول: كان رسولُ الله ﷺ إذا أرادَ أنْ يسيرَ يومَه، جمعَ بينَ الظُّهْرِ والعصْرِ، وإذا أراد أن يسيرَ ليلَهُ، جمعَ بينَ المغرِبِ والعِشاء. قد تقدّمتِ الآثارُ المُسندَةُ في هذا الباب عندَ ذِكْرِ حديثِ داودَ بنِ الحُصَين، عنِ الأعرج (٢)، وتقدّمَ القولُ في معنى ذلك في باب أبي الزُّبير (٣)، والحمدُ لله.

стр. 8760

حديثٌ رابعَ عشَرَ منَ البلاغات مالكٌ (١)، أنَّه بَلَغه أنَّ عُمرَ بنِ عبدِ العزيز كتَب إلى عامل من عُمّاله: إنّه بلَغنا أنّ رسولَ الله ﷺ كان إذا بعَث سريّةً يقول لهم: "اغْزوا باسم الله، في سبيل الله، تُقاتلون مَن كفَر بالله؛ لا تغُلُّوا، ولا تَغدِرُوا، ولا تُمثِّلُوا، ولا تقتُلوا وليدًا". وقل ذلك لجُيوشِكَ وسَراياكَ إن شاءَ الله. وهذا الحديثُ يتصلُ معناه عن النبيِّ ﷺ من وُجوهٍ صِحاح؛ من حديثِ بُريدةَ الأسلميِّ (٢)، وأنسِ بنِ مالك (٣)، وصفوانَ بنِ عسّال (٤)، وأبي موسى الأشعريِّ (٥)،

стр. 8761

والنعمانِ بنِ مقرِّن (١)، وابنِ عباس (٢)، وجريرِ بنِ عبدِ الله (٣).

стр. 8762

حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قالا: حدَّثنا أبو صالح محبوبُ بنُ موسى الأنطاكيُّ الفرّاءُ، قال: أخبَرنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن سُفيان، عن عَلْقَمةَ بنِ مَرْثَد، عن سُليمانَ بنِ بُريدة، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، أنه كان إذا أمَّر أميرًا على جيشٍ أو سريّةٍ أوصاهُ في خاصّةِ نفسِه ومَن معه من المُسلمين خيرًا، ثم قال: "اغْزُوا باسمِ الله، وفي سبيلِ الله، وقاتِلوا مَن كفَر بالله، اغْزُوا ولا تَعتَدوا، ولا تَغدِروا، ولا تَغُلُّوا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتُلوا وليدًا". وليس في حديثِ عبدِ الوارث: "ولا تعتَدوا". أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (٣)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا عُثمانُ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ وعبيدُ الله بنُ موسى، عن حسنِ بنِ صالح، عن خالدِ بنِ الفِزْر، قال: حدَّثني أنسُ بنُ مالك،

стр. 8763

أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "انْطلِقوا باسمِ الله وبالله، وعلى ملَّةِ رسولِ الله، لا تقتُلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا صغيرًا، ولا امرأةً، ولا تغُلُّوا، وضُمُّوا غنائمَكم، وأصلِحوا، وأحسِنوا إنَّ اللهَ يُحبُّ المحسنين". أخبَرنا قاسمُ بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ منصور، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا عفان، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زياد، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ عطيةُ بنُ الحارث، قال: حدَّثنا أبو الغَريفِ عبيدُ الله بنُ خليفة، عن صَفْوانَ بنِ عسّال، قال: بعَثني رسولُ الله ﷺ في سريّة فقال: "اغْزُوا باسم الله في سبيل الله، لا تَغُلُّوا، ولا تَغدِروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تَقتُلوا وليدًا" (٢). وذكَر باقي الحديثِ في المَسْح على الخُفَّين. قال أبو عُمر: أجمَع العلماءُ على القول بهذا الحديث، ولم يختلِفوا في شيء منه، فلا يجوزُ عندَهم الغُلولُ، ولا الغَدرُ، ولا المُثْلةُ، ولا قتْلُ الأطفالِ في دارِ الحرب، والغدرُ أن يُؤمَّنَ الحربيُّ ثم يُقتَل. وهذا لا يَحِلُّ بإجماع، قال ﷺ : "يُرفَعُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ عندَ اسْتِه يومَ القيامة، يقال: هذه غدْرةُ فلان"، رواه مالك، عن

стр. 8764

عبدِ الله بنِ دينار، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ ﷺ ، ولم يقل: "عندَ اسْتِه" (١). وقد كان عُمرُ ﵁ يقول: لا أُوتي بأحدٍ فعَل ذلك إلا قتَلتُه (٢). وهذا عندَ أهل الحجازِ تغليظٌ، إذ لا يُقتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ عندَهم، وهو الحقُّ؛ لثبوتِ الخبرِ به عن النبيِّ ﷺ (٣). وكذلك المُثلةُ لا تحِلُّ بإجماع. والمثلةُ معروفةٌ، نحو قطْع الأنفِ والأُذنِ وفَقْءِ العين، وشبهُ ذلك من تغيير خَلْقِ الله عبثًا، قال ﷺ : "أعفُّ الناسِ قِتلةً -أو قال: أحسنُ الناس قِتلةً- أهلُ الإيمان". وليس مَن وجَب قتلُه يجبُ بذلك قطعُ أعضائِه، إلا أن يُوجِبَه خصوصًا كتابٌ أو سُنّةٌ أو إجماعٌ، فقِفْ على هذا فإنه أصلٌ. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى وزيادُ بنُ أيوب، قالا: حدَّثنا هُشيمٌ، قال:

стр. 8765

أخبَرنا مغيرةُ، عن شباك (١)، عن إبراهيم، عن هُنَيِّ بنِ نُويْرة، عن عَلْقَمة، عن عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أعفُّ الناسِ قِتْلةً أهلُ الإيمان". وروَى سَمُرةُ بنُ جُنْدُبٍ (٢) وعِمْرانُ بنُ حُصَيْن (٣)، عن النبيِّ ﷺ ، أنه

стр. 8766

كان يَحُثُّ على الصّدَقَة، وينهى عن المُثْلَة (١). وقد مضى القولُ في الغُلُولِ وإثْمِه، وحُكْم الغالِّ في باب ثوْرِ بن زيد (٢)، ومضى القولُ في قتْلِ النِّساءِ والوِلْدانِ في باب نافع (٣) من هذا الكتاب، والحمدُ لله.

стр. 8767

حديثٌ خامسَ عشرَ منَ البلاغات مالكٌ (١)، أنه بلَغه أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كان يقول: بلَغني أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "للفَرسِ سَهمان، وللراجلِ سَهْمٌ". هكذا هو في "الموطأ" عندَ جميعِ رُواتِه (٢) عن مالك. وهذا يستنِدُ من حديثِ عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النبيِّ ﷺ . وقد رُوِي من حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ وحديثِ ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ . حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل (٤)، قال: حدَّثنا أبو مُعاوية، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عُمر، أنَّ رسولَ الله ﷺ أسْهَم لرجل ولفَرسِه ثلاثةَ أسْهُم؛ سهمٌ له، وسهمان لفَرسِه. ورواه أبو أُسامة (٥)، وعبدُ الله بنُ نُمير (٦)، عن عبيدِ الله بنِ عُمر، عن نافع،
следующие страницы →