← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8763–8802 · переход к 8768.

стр. 8763

أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "انْطلِقوا باسمِ الله وبالله، وعلى ملَّةِ رسولِ الله، لا تقتُلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا صغيرًا، ولا امرأةً، ولا تغُلُّوا، وضُمُّوا غنائمَكم، وأصلِحوا، وأحسِنوا إنَّ اللهَ يُحبُّ المحسنين". أخبَرنا قاسمُ بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ منصور، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا عفان، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زياد، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ عطيةُ بنُ الحارث، قال: حدَّثنا أبو الغَريفِ عبيدُ الله بنُ خليفة، عن صَفْوانَ بنِ عسّال، قال: بعَثني رسولُ الله ﷺ في سريّة فقال: "اغْزُوا باسم الله في سبيل الله، لا تَغُلُّوا، ولا تَغدِروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تَقتُلوا وليدًا" (٢). وذكَر باقي الحديثِ في المَسْح على الخُفَّين. قال أبو عُمر: أجمَع العلماءُ على القول بهذا الحديث، ولم يختلِفوا في شيء منه، فلا يجوزُ عندَهم الغُلولُ، ولا الغَدرُ، ولا المُثْلةُ، ولا قتْلُ الأطفالِ في دارِ الحرب، والغدرُ أن يُؤمَّنَ الحربيُّ ثم يُقتَل. وهذا لا يَحِلُّ بإجماع، قال ﷺ : "يُرفَعُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ عندَ اسْتِه يومَ القيامة، يقال: هذه غدْرةُ فلان"، رواه مالك، عن

стр. 8764

عبدِ الله بنِ دينار، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ ﷺ ، ولم يقل: "عندَ اسْتِه" (١). وقد كان عُمرُ ﵁ يقول: لا أُوتي بأحدٍ فعَل ذلك إلا قتَلتُه (٢). وهذا عندَ أهل الحجازِ تغليظٌ، إذ لا يُقتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ عندَهم، وهو الحقُّ؛ لثبوتِ الخبرِ به عن النبيِّ ﷺ (٣). وكذلك المُثلةُ لا تحِلُّ بإجماع. والمثلةُ معروفةٌ، نحو قطْع الأنفِ والأُذنِ وفَقْءِ العين، وشبهُ ذلك من تغيير خَلْقِ الله عبثًا، قال ﷺ : "أعفُّ الناسِ قِتلةً -أو قال: أحسنُ الناس قِتلةً- أهلُ الإيمان". وليس مَن وجَب قتلُه يجبُ بذلك قطعُ أعضائِه، إلا أن يُوجِبَه خصوصًا كتابٌ أو سُنّةٌ أو إجماعٌ، فقِفْ على هذا فإنه أصلٌ. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى وزيادُ بنُ أيوب، قالا: حدَّثنا هُشيمٌ، قال:

стр. 8765

أخبَرنا مغيرةُ، عن شباك (١)، عن إبراهيم، عن هُنَيِّ بنِ نُويْرة، عن عَلْقَمة، عن عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أعفُّ الناسِ قِتْلةً أهلُ الإيمان". وروَى سَمُرةُ بنُ جُنْدُبٍ (٢) وعِمْرانُ بنُ حُصَيْن (٣)، عن النبيِّ ﷺ ، أنه

стр. 8766

كان يَحُثُّ على الصّدَقَة، وينهى عن المُثْلَة (١). وقد مضى القولُ في الغُلُولِ وإثْمِه، وحُكْم الغالِّ في باب ثوْرِ بن زيد (٢)، ومضى القولُ في قتْلِ النِّساءِ والوِلْدانِ في باب نافع (٣) من هذا الكتاب، والحمدُ لله.

стр. 8767

حديثٌ خامسَ عشرَ منَ البلاغات مالكٌ (١)، أنه بلَغه أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كان يقول: بلَغني أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "للفَرسِ سَهمان، وللراجلِ سَهْمٌ". هكذا هو في "الموطأ" عندَ جميعِ رُواتِه (٢) عن مالك. وهذا يستنِدُ من حديثِ عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عن النبيِّ ﷺ . وقد رُوِي من حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ وحديثِ ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ . حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل (٤)، قال: حدَّثنا أبو مُعاوية، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عُمر، أنَّ رسولَ الله ﷺ أسْهَم لرجل ولفَرسِه ثلاثةَ أسْهُم؛ سهمٌ له، وسهمان لفَرسِه. ورواه أبو أُسامة (٥)، وعبدُ الله بنُ نُمير (٦)، عن عبيدِ الله بنِ عُمر، عن نافع،

стр. 8768

عن ابنِ عُمر، أنّ النبيَّ ﷺ جعَل للفرسِ سهمَيْن وللرجلِ سهمًا. وهذا كروايةِ أبي مُعاوية. ورواه ابنُ المبارك، عن عبيدِ الله بإسنادِه، فقال فيه: للفارسِ سَهْمان، وللرَّاجلِ سَهمٌ (١).

стр. 8769

وذكَر عليُّ بنُ المدينيِّ، عن يحيى القطّان، قال: سألتُ عبيدَ الله عن هذا الحديث، فقال: نافعٌ مرسلٌ. وأما حديثُ زيدِ بنِ ثابتٍ في قصةِ الزُّبير، فإنه انفرَد به الزَّنْبَرِيُّ (١)، عن مالك. وقد رُوِيَ من حديثِ هشام بنِ عُروة، عن يحيى بنِ عبّادِ بنِ عبدِ الله بنِ الزُّبير، عن أبيه (٢). واختلَف الفقهاءُ في هذا الباب؛ فقال مالك، وابنُ أبي ليلى، والثوريُّ، وأبو يوسف، ومحمد، والليثُ بنُ سَعْد، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ: للفارسِ ثلاثةُ أسْهُم؛ لفرسِه سهمان، وله سَهْمٌ، وللرّاجلِ سهمٌ. وحجَّتُهم حديثُ عُبيدِ الله بنِ عُمرَ المذكورُ (٣).

стр. 8770

وقال أبو حنيفة (١): للفارسِ سَهمان، وللراجلِ سهمٌ. وحُجَّتُه حديثُ مجُمِّع بنِ جارية، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قسَم يومَ خيبرَ لثلاثِ مئةِ (٢) فارس، فأعطَى الفارسَ سهمَيْن، وأعطَى الرَّاجلَ سهمًا (٣). ومن حجَّتِه أيضًا روايةُ ابنِ المباركِ لحديثِ عُبيدِ الله بنِ عُمر. ولا حجَّةَ في ذلك؛ لأنَّ الأكثرَ من أصحابِ عُبيدِ الله

стр. 8771

خالَفوه (١)، وكذلك لا حُجَّةَ في حديثِ مُجمِّع؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ روَى خلافَه فيما قسَمه رسولُ الله ﷺ بخيبر. حدَّثنا سعيدٌ (٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ فُضيل، عن حَجّاج، عن أبي صالح، عن ابن عباسٍ قال: قسَم رسولُ الله ﷺ يومَ خيبر؛ للفارسِ ثلاثةُ أسْهُم، وللراجلِ سَهمٌ. واختلَفوا فيمن غَزا بأفراس؛ فقال مالكٌ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ، وأصحابهم: لا يُسهَمُ إلا لفرسٍ واحد (٤). وقال أبو يوسف، ومحمدٌ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ: يُسهَمُ لفَرسَيْن (٥). واختارَه محمدُ بنُ الجَهْم المالكيُّ، وقال: هو قولُ أهلِ الثُّغور، وعليه جمهورُ التابعين وأهلُ الأمصار؛ فذكَره عن الحسنِ البصريِّ، ومكحولٍ الشاميِّ، ويحيى بنِ سعيدٍ

стр. 8772

الأنصاريِّ المدنيِّ (١)، وقال: أنا بريءٌ من قولِ مالكٍ في أنه لا يُسهَمُ إلا لفَرسٍ واحدٍ. قال: والفرَسُ الواحدُ لا تؤمَنُ عليه الحوادثُ، وصاحِبُه كالراجلِ هذه حُجّتُه؛ قال: ولم يُجاهِدْ مالكٌ ولا شاهَدَ الثُّغورَ؛ هذا كلُّه قولُ ابنِ الجَهْم. قال أبو عُمر: القياسُ ألّا يُسهَمَ إلا لفرسٍ واحد، ولو أسهَمَ لفَرسَين لأسْهَمَ لثلاثةٍ وأكثَر، وهم لا يقولونَ بهذا، والفرسُ آلةٌ، والآلاتُ لا يُسهَمُ لها، ولولا الأثرُ في الفَرَس، ما أُسْهِمَ له، ولا أعلمُ أحدًا قال يُسهَمُ لأكثرِ من فرَسَينِ إلا ما ذكَرهُ ابنُ جُرَيجٍ عن سُليمانَ بن موسى، قال: إذا أدْرَبَ الرجُلُ (٢) بأفراسٍ قُسِمَ لكلِّ فرسٍ سهْمانِ. ذكَرهُ محمدُ بنُ بكرٍ (٣) وعبدُ الرزاق (٤)، عن ابنِ جُرَيج (٥).

стр. 8773

حديثٌ سادسَ عشرَ منَ البلاغات مالكٌ (١)، أنَّه سَمِعَ غيرَ واحدٍ من عُلمائهم يقول: لم يَكُن في الفِطْرِ والأضحَى نداءٌ ولا إقامةٌ منذ زمانِ رسولِ الله ﷺ إلى اليوم. قال أبو عُمر: لم يكن عندَ مالك في هذا الباب حديثٌ مسندٌ، وفيه أحاديثُ صِحاحٌ مسندةٌ ثابتةٌ عن النبيِّ ﷺ . وهو أمرٌ لا خلافَ فيه بينَ العلماء، ولا تنازَع بينَ الفقهاء، أنه لا أذانَ ولا إقامةَ في العيدين، ولا في شيء من الصَّلوات المسنُوناتِ والنوافل؛ وإنَّما الأذانُ للمكتوباتِ لا غير. وعلى هذا مضَى عَمَلُ الخلفاء؛ أبي بكر، وعُمرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ، وجماعة الصحابة، وعلماءِ التابعين، وفقهاءِ الأمصار، وأظنُّ ذلك، واللهُ أعلمُ؛ لئلّا يُشبَّهَ فرضٌ بنافلة، ولا أذانَ لصلاةٍ على جنازة، ولا لصلاةِ كسوف، ولا لصلاةِ استسقاء، ولا في العيدَين؛ لمفارَقةِ الصَّلواتِ المفروضات، واللهُ أعلم. هذا قولُ مالكٍ في أهل المدينة، والليثِ بنِ سَعْدٍ في أهل مصر، والأوزاعيِّ في أهل الشام، والشافعيِّ في أهل الحجازِ والعراقِ من أتباعِه من النُّظّارِ والمحدِّثين. وهو قولُ أبي حنيفةَ والثوريِّ وسائرِ الكُوفيِّين. وبه قال أحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ، وأبو ثور، وداودُ، والطبريُّ (٢)، وكان بنو أميةَ يؤذَّنُ لهم في العيدَين، وقد مضَى القولُ في أول مَن فَعَلَ ذلك في باب ابنِ شِهاب من هذا الكتاب (٣).

стр. 8774

فأمّا الرواياتُ عن النبيِّ ﷺ في هذا الباب: فحدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ محمدٍ البغداديُّ المُفيد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا عمِّي عليُّ بنُ أحمد، وأبي محمد بن أحمد، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ صبِيح المَوصليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ خِراشِ بنِ حَوْشب، قال: حدَّثنا واسطُ بنُ الحارث، عن عطاءِ بنِ أبي رباح، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ يومَ عيدٍ ركعَتين بغيرِ أذانٍ ولا إقامة، وبدأ بالصلاةِ قبلَ الخُطبة (١). وقد ذكَرنا لحديثِ جابرٍ هذا طرُقًا شتّى في بابِ ابنِ شهاب، عن أبي عُبيدٍ مولى ابنِ أزهرَ من كتابِنا هذا (٢)، فلا معنَى لإعادتها ها هُنا. وحدَّثنا أحمدُ بنُ عُمرَ بنِ عبدِ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ سَيف، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ مَعْبَد، قال: حدَّثنا أبو الأحْوَص، عن سِمَاكِ بنِ حَرْب، عن جابرِ بنِ سَمُرة، قال: صلَّيتُ مع رسولِ الله ﷺ غيرَ مرّةٍ ولا مرَّتين العيدَ بغيرِ أذانٍ ولا إقامة (٣).

стр. 8775

وقد تقدَّم من آثارِ هذا البابِ والقولِ فيه ما يُغني ويَشفي في بابِ ابنِ شهاب، عن أبي عُبيدٍ من هذا الكتاب، والحمدُ لله، ومضَى هناك القَوْلُ في تقديم الصَّلاةِ على الخُطبة، وهذا أيضًا اتفاقٌ من الآثارِ وإجماعٌ من علماءِ الأمصار؛ وذلك، واللهُ أعلم، لمفارقةِ الجُمُعة التي هي فَرْضٌ وخطبتُها قبلَها، فلمّا كانت هذه سُنّة غيرَ فريضة، ونافلةً غيرَ مكتوبة، كانت الصلاةُ فيها قبلَ الخطبة.

стр. 8776

حديثٌ سابعَ عشرَ منَ البلاغات مالكٌ (١)، أنه بلغَهُ عن أهلِ العِلْم أنّهم كانوا يقولون: الشهداءُ في سبيل الله لا يُغسّلُونَ ولا يُصلّى عليهم، ويُدْفَنُونَ في الثِّيابِ التي قُتِلُوا فيها. قال مالكٌ: وتلكَ السُّنةُ فيمَنْ قُتِلَ في المُعتَركِ فلمْ يدرَكْ حتّى ماتَ. قال: وأمّا من حُمِلَ منهم فعاشَ ما شاءَ الله بَعدَ ذلك، فإنّه يُغسّلُ ويُصلّى عليه كما عُمِلَ بعُمرَ بنِ الخطاب ﵁. وذكَرَ مالكٌ (٢) عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنّ عُمرَ بنَ الخطّابِ ﵁، غُسِّلَ وكُفِّنَ وصُلّيَ عليه، وكان شهيدًا ﵀. قال أبو عُمر: فيما حكاهُ مالكٌ عن أهلِ العلم في هذا الباب في الشُّهداء المقتُولينَ في المُعتَركِ أنّهم لا يُغسَّلُونَ، ولا يُصلّى عليهم، حديثُ جابرٍ انفَردَ به اللّيث، عن الزُّهريِّ، عن عبد الرّحمن بنِ كَعْبِ بنِ مالك، أنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله أخبَره، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يجمعُ بينَ الرَّجُلينِ من قَتْلى أُحدٍ في ثوْبٍ واحدٍ، ويقول: "أيُّهما أكثَرُ قُرآنًا؟ " فإذا أشارُوا إلى أحدِهما قدَّمَه في اللّحْد، وقال: "أنا الشّهيدُ على هؤلاءِ يومَ القيامة"، وأمرَ بدَفْنِهم بدمائِهم ولم يُصلِّ عليهم ولم يُغسَّلُوا - ذكره أبو داودَ (٣) عن قُتيبةُ ويزيدَ بنِ خالدٍ جميعًا عن اللّيث.

стр. 8777

وكذلك رواهُ ابنُ وَهْب، عن اللّيث (١). وفي هذا الباب أيضًا حديثُ شُعبة، عن عبدِ ربِّه بنِ سعيد، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ جابر، عن النبيِّ ﷺ . وفيه عن الزُّهريِّ، عن أنس، رواه أُسامةُ بنُ زيدٍ عنه؛ ذكَرهُ ابنُ وَهْب، عن أُسامةَ بنِ زيد، عن الزُّهريِّ، عن أنس، أنّ شهداءَ أُحدٍ لم يُغسَّلُوا، ودُفِنُوا بدمائهم، ولم يُصَلَّ عليهم (٢). ورواهُ ابنُ عباس أيضًا، ذكَرهُ أبو داود (٣)، قال: أخبَرنا زيادُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عاصم، عن عطاءِ بنِ السائب، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عبّاس، قال: أمرَ رسولُ الله ﷺ بقَتْلى أُحدٍ أن يُنزَعَ عنهم الحديدُ والجلودُ، وأن يُدفَنُوا بدمائهم وثيابِهم.

стр. 8778

ورواهُ ابنُ وَهْب، عن عبدِ الله بنِ السَّمْح؛ أنه أخبَرهُ عن عبّادِ بنِ كثير (١)، عن عطاء بن السّائب (٢)، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عبّاس، قال: قال النبيُّ ﷺ يومَ أُحد: "انزِعُوا عنهمُ الحديدَ، وادْفِنُوهُم في ثيابهم". واختلفَ الفقهاءُ في غُسل الشُّهداءِ والصلاةِ عليهم: فذهبَ مالكٌ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ، والثوريُّ، والليثُ بنُ سَعْد (٣): إلى أنّهم لا يُغسّلُون، وحُجّتُهم: حديثُ جابرٍ وسائرُ ما ذكَرْنا عن النبيِّ ﷺ مثلَ الأحاديثِ في هذا الباب، وبذلك قال أحمدُ بنُ حنبل (٤)، والأوزاعيُّ، وإسحاقُ، وداودُ، وجماعةُ فقهاءِ الأمصار، وأهلُ الحديثِ، وابنُ عُليّة. وقال سعيدُ بنُ المسيِّب، والحسنُ البصريُّ (٥): يُغسَّلُ الشُّهداءُ، قال أحدُهما: إنّما لم يُغسّلْ شُهداءُ أُحدٍ لكَثْرَتِهم وللشُّغْل عن ذلك، ولم يقُلْ بقَوْلِ سعيدٍ والحسَنِ هذا أحدٌ من فُقهاءِ الأمصارِ إلا عُبيدُ الله بنُ الحسنَ العَنْبريُّ البَصْريُّ (٦).

стр. 8779

وليس ما ذكَروا من الشُّغْلِ عن غُسْلِ شُهداءِ أُحدٍ عِلّة، لأنَّ كلّ واحدٍ منهم كان له وليٌّ يَشتَغِلُ به ويقومُ بأمْرِه. والعِلّةُ -والله أعلمُ- في ترْكِ غُسْلِهم ما جاء في الحديثِ المرفوع في دمائهم أنّها تأتي يومَ القيامةِ كريح المسْكِ؛ رواهُ الزُّهريُّ عن عبدِ الله بنِ ثعلبة، أنّ النبيَّ ﷺ قال لقتْلى أُحدٍ: "زَمِّلُوهم بجِراحِهم، فإنّه ليسَ من كَلْم يُكْلَمُه المؤمنُ في سبيل الله إلا أُتيَ يومَ القيامةِ لوْنُه لوْنُ الدّم، ورِيحُه ريحُ المِسْك" (١). ورُويَ مثل هذا من وجوه (٢). فبانَ أنَّ العلّةَ ليستِ الشُّغْلَ كما قال مَنْ قال ذلك، وليس لهذه المسألةِ مَدْخَلٌ في القياس والنّظَر، وإنّما هي مسألةُ اتِّباعٍ للأثَرِ الذي نقلتْهُ الكافّةُ في قَتْلى أُحُد: أنّهم لم يُغسَّلُوا، ولثُبوتِ أخبارِ الآحادِ العُدولِ بذلك عن النبيِّ ﷺ . وقد احتجَّ بعضُ المتأخِّرينَ ممّنْ ذهبَ مذهبَ الحسنِ وسعيدٍ في هذه المسألةِ بقولِه ﷺ في شُهداء أُحدٍ: "أنا شهيدٌ على هؤلاءِ يومَ القيامة" (٣) وقال: هذا يدلُّ على خُصُوصِهم، وأنّهم لا يُشرِكُهم في ذلك غيرُهم. قال: ويلزمُ مَنْ قال في المُحْرِم الذي وقَصَتْهُ ناقتُه، فقال فيه رسولُ الله ﷺ :

стр. 8780

"لا تُخمِّروا رأسَه ولا تُقرِّبُوه طِيبًا، فإنّه يُبعَثُ ملَبِّيًا" (١)، أنَّ ذلك خُصوصٌ لذكر بَعْثِه مُلبِّيًا، ولا يُقال ذلك في غيرِه أن يقولَ مثلَ ذلك في الشُّهداءِ بأُحد؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ لشُهداءِ أُحدٍ: "أنا شهيدٌ على هؤلاء"، وخصَّهُم بتَرْكِ الغُسْل. قال أبو عُمر: القولُ بهذا خلافٌ على الجُمهور، وهو يُشبِهُ الشُّذوذَ، والقولُ بتَرْكِ غُسْلِهم أوْلى، لثُبوتِ ذلك عن النبيِّ ﷺ في قَتْلى أُحدٍ وغيرِهم. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عُمر، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ مهديٍّ، عن إبراهيمَ بنِ طَهْمان، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: رُمِيَ رجلٌ بسَهْمٍ في صَدْرِه أو في حَلْقِه فماتَ، فأُدْرِجَ في ثيابِه كما هو، قال: ونحنُ معَ رسولِ الله ﷺ . وأمّا الصلاةُ عليهم، فإنّ العلماءَ اختلفُوا في ذلك، واختَلفَتْ فيه الآثار: فذهبَ مالكٌ، والليثُ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وداود (٣): إلى أنْ لا يُصلّى عليهِم

стр. 8781

لحديثِ الليث، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ كَعْبِ بنِ مالك، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ بذلك في قَتْلى أُحدٍ - على ما تقدم ذكرُه. وقال فقهاءُ الكوفة، والبَصْرة، والشام (١): يصلّى عليهم، وروَوْا آثارًا كثيرةً أكثَرُها مراسيل: أنَّ النبيَّ ﷺ صلّى على حمزة، وعلى سائرِ شُهداءِ أُحد (٢). وأجمع العلماء على أن الشهيد إذا حُمِلَ حيًّا ولم يمُتْ في المُعتَرك، وعاشَ أقلَّ شيءٍ (٣) فإنّه يُصلّى عليه كما صُنِعَ بعُمرَ ﵁. واختَلفُوا في غُسْلِ مَنْ قُتِلَ مظلومًا كقتيل الخوارِج وقُطّاع السّبيل

стр. 8782

واللُّصوص، وما أشبَهَ ذلك ممّن قُتِلَ مظلومًا؛ فقال مالكٌ (١): لا يُغسّلُ إلّا من قتَلَهُ الكُفّارُ وماتَ في المُعْتَرك هذا وحْدَه؛ وأما مَنْ قُتِلَ في فِتْنةٍ أو نائرة، أو قتَلهُ اللُّصوصُ، أو البُغاةُ، أو قُتِلَ قوَدًا، أو قَتلَ نفْسَه، وكلُّ مقتُولٍ غيرُ المقتُولِ في المُعتَركِ قتيلُ الكُفّار، فإنّه يُغسَّلُ ويُصلّى عليه. وقال أبو حنيفة، والثوريُّ (٢): كلُّ مَنْ قُتِلَ مظلُومًا لم يُغسّلْ، ولكنّه يُصلّى عليه وعلى كلِّ شهيد، وهو قولُ سائرِ أهلِ العراق. ورَوَوْا من طُرقٍ كثيرةٍ صِحاح عن زيد بنِ صُوحانَ أنه قال: لا تَنزِعُوا عنِّي ثوْبًا ولا تَغْسِلُوا عنّي دماءً، وادْفِنُوني في ثيابي. وقد رُوِيَ عنه: إلا الخُفّين. وقُتِلَ زيدُ بنُ صُوحانَ يومَ الجَمَل، وثبتَ عن عمّارِ بنِ ياسر؛ أنّه قال مثلَ قولِ زيدِ بنِ صُوحانَ. وقُتل عمّارٌ بصِفِّينَ سنةَ سبعٍ وثلاثين، وصلّى عليه عليٌّ، ولم يُغسِّلْه (٣). وروى هشامُ بنُ حَسّان، عن محمدِ بنِ سِيْرين في خبَرِ حُجْرِ بنِ عديِّ بنِ الأدْبَر؛ أنه قال: لا تُطْلِقُوا عنِّي حديدًا، ولا تغْسِلُوا عنِّي دمًا، وادْفِنُوني في ثِيابي، فإنِّي لاقٍ مُعاويةَ بالجادّة، وإنِّي مُخاصِمٌ (٤).

стр. 8783

وللشافعيِّ في ذلك قولان، أحدُهما: يُغسَّلُ جميعُ الموتى إلّا من قتلَهُ أهلُ الحرب (١)، والآخَرُ: لا يُغسَّل قتِيلُ البُغاة (٢). وقولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ في هذا الباب كلِّه كقولِ مالكٍ سواءٌ (٣). وروَى شُعبةُ، والثّوريُّ، ومِسْعَرٌ -بمعنًى واحد- عن قيسِ بنِ مُسلم، عن طارقِ بنِ شهاب؛ أنَّ سَعْدَ بنَ عُبيدٍ القارئ -وهو أبو زيد- قال يومُ القادسية: إنّي مُستَشْهِدٌ غدًا، فلا تَغْسِلُوا عنّي دمًا، ولا تنْزِعُوا عنّي ثوبًا (٤). وسُئلَ مكحولٌ عن الشّهيد: أيُصَلّى عليه؟ قال: نعم، ويُنزَعُ عنه كلُّ خُفٍّ ومنْطَقَة (٥) وخاتَم وجِلْدٍ إلّا الفَرْوَ، فإنّه من ثيابِه، ولا يُنزَعُ عنه شيءٌ من ثيابه؛ ولا يُزادُ عليه ثوبٌ إلّا أن تُضَمَّ عليه ثيابُه بثوبٍ يلُفُّونَه به؛ قال مكْحول: فإن لم يُقتَلْ قعْصًا (٦) ولم يُجْهَزْ عليه، وباتَ وطعِمَ ثم مات، نُزِعَتْ عنه ثيابُه وطُهِّرَ. وهو قولُ فقهاء الشام: الأوزاعيِّ، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيز، وجماعَتِهم. قال أبو عُمر: غُسْلُ الموتى قد ثبتَ بالإجماع، ونقْلِ الكافّة، فواجبٌ غُسْلُ كلِّ ميّتٍ إلّا مَنْ أخرجَه إجماعٌ أو سُنّةٌ ثابتةٌ، وهذا قولُ مالك، واللهُ الموفِّق للصّواب.

стр. 8784

حديثٌ ثامنَ عشرَ منَ البلاغات مالكٌ (١)، أنَّه بلَغه أنَّ عبدَ الرّحمنِ بنَ أبي بكر دخَل على عائشةَ يومَ مات سَعْدُ بنُ أبي وقاص، فدعا بوَضُوء، فقالت له عائشة: يا عبدَ الرّحمن، أسْبغِ الوُضوءَ، فإنّي سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار". هذا الحديثُ يرويه سالمٌ الدَّوسيُّ، وهو سالمُ بنُ عبدِ الله مولَى دوس، ويقال: مولى النّصْرِيِّين. ويقال: مولى مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحدَثانِ النّصْريّ. وهو سالمٌ سَبَلانٌ، فاختُلف عليه فيه. وقيل: بل الاختلافُ على يحيى بنِ أبي كثير في حديثِه عن عائشة. وهو حديثٌ مدنيٌّ حسنٌ، رُوِيَ عن النبيِّ من وُجُوهٍ شتّى. فأما حديثُ عائشة، فحدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ شاذانَ الجوهريُّ، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذئب، عن عِمْرانَ بنِ بشير، عن سالم سَبَلان، قال: خرَجنا مع عائشةَ رحِمها اللهُ إلى مكة، وكانت تخرُجُ معها بأبي يحيى التيميِّ يُصلِّي بها. قال: فأدركَها عبدُ الرّحمنِ بنُ أبي بكر، فأساءَ عندَها الوُضوء، فقالت عائشة: يا عبدَ الرّحمن، أسبغِ الوُضوءَ، فإني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٢).

стр. 8785

وروَى هذا الحديثَ يحيى بنُ أبي كثير، عن سالم الدَّوْسيِّ، فاختُلِف فيه على يحيى؛ فرواه عِكْرِمةُ بنُ عمار، عن يحيى بنِ أبي كثير، قال: حدَّثني أبو سَلَمة، قال: حدَّثني سالمٌ مولى المَهريِّ، قال: سمِعتُ عائشةَ تُنادي عبدَ الرّحمن: أسبغ الوُضوءَ، فإني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (١). وذكَره مُسلمٌ (٢) من روايةِ عِكْرِمةَ أيضًا، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن سالم مولَى المَهريِّ قال: خرَجتُ أنا وعبدُ الرّحمن بنُ أبي بكر في جِنازةِ سَعْدِ بنِ أبي وقاص، فمرَرنا على بابِ حُجْرةِ عائشة، فذكَر الحديثَ. ورواه أيوبُ بنُ عُتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن مُعَيْقِيب، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٣). وهذا خطأٌ والله أعلم، والصوابُ في هذا الحديثِ عن يحيى بنِ أبي كثير

стр. 8786

ما رواه عنه الأوزاعيُّ (١)، وحَرْبُ بنُ شداد (٢)، وحسينٌ المعلِّمُ (٣)، وشيبانُ (٤)، فإنهم اتفقُوا فيه، فروَوه عن يحيى، عن سالم، عن عائشة، لا ذِكرَ فيه لأبي سَلَمة، وليس حديثُ عِكْرِمةَ بنِ عمار مما يُدفعُ؛ لأنه قد يجوزُ أن يكونَ يحيى بنُ أبي كثير سمِعه من أبي سَلَمة، عن سالم، عن عائشة، ثم سمِعه من سالم، فحدَّث به عنه عن عائشة. فإن قال قائل: إنَّ المَقْبُريَّ رواه عن أبي سَلَمة، عن عائشة. قيل له: يَحتمِلُ أن يكونَ أبو سَلَمةَ أرسَله عن عائشة، وهو قد سمِعَه من سالم عنها. فإن قيل: إن ابنَ عَجْلانَ يقول فيه: عن المَقبُريِّ، عن أبي سَلَمة، أنه سمِع عائشةَ تقول: يا عبدَ الرّحمن، أسبغِ الوضوءَ، فإني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار". قيل له: لم يقلْ ذلك عن ابنِ عَجْلانَ مَن يُوثَقُ بحِفْظه. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٥): حدَّثنا سُفيانُ، عن محمدِ بنِ

стр. 8787

عَجْلان، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، عن أبي سَلَمة بنِ عبدِ الرّحمن، قال: توضَّأ عبدُ الرّحمنِ بنُ أبي بكرٍ عندَ عائشة، فقالت له: يا عبدَ الرّحمن، أسبغ الوضوءَ، فإني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقاب من النار". فهذه الروايةُ عن ابنِ عَجْلانَ تدلُّ -واللهُ أعلم- على أنه لم يَسمَعْه أبو سَلَمةَ من عائشة. وأما روايةُ أيوبَ بنِ عتبة، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن مُعيقيب، فخطأٌ لا شكَّ فيه واللهُ أعلم، وأيوبُ بنُ عتبةَ ضعيفٌ جدًّا. والصوابُ فيه ما رواه الأوزاعيُّ ومَن تابَعه، وروايةُ عِكْرِمةَ بنِ عَمّارٍ غيرُ مدفوعةٍ في هذا، واللهُ أعلم. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية (١)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عَمّار، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بنُ حبيب، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي كثير، عن سالم الدَّوْسيّ، قال دخَلتُ مع عبدِ الرّحمنِ بنِ أبي بكرٍ على عائشة، فدعا بوَضوء، فقالت: يا عبدَ الرّحمن، أسبغِ الوُضوءَ، فإن سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٢). حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يزيدَ المعلِّمُ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرتيُّ، قال: حدَّثنا

стр. 8788

أبو مَعْمَر، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قالا: حدَّثنا حُسينٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثير، قال: حدَّثني سالمٌ -زاد عبدُ الوارث: ابنُ عبدِ الله (٢)، ثم اتفقا: الدَّوْسيُّ- قال: دخَلتُ أنا وعبدُ الرّحمنِ بنُ أبي بكرٍ على عائشة، فدعا بوَضوء، قالت: يا عبدَ الرّحمن، أسبغِ الوُضوء، فإنّي سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٣). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابق، قال: حدَّثنا شيبانُ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن سالم مولَى دوس، أنه سمِع عائشةَ تقولُ لعبدِ الرّحمن، فذكَر مثلَه (٥). وقد روَى هذا الحديثَ حيوةُ بنُ شريح، قال: أخبَرنا أبو الأسود، أنّ أبا عبدِ الله مولَى شدادِ بنِ الهادِ حدَّثه، أنه دخَل على عائشةَ وعندَها عبدُ الرحمن بنُ أبي بكر، فذكَر الحديث (٦).

стр. 8789

وقد روَى هذا الحديثَ عن النبيِّ ﷺ أبو هُريرة، من حديثِ سهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُريرة (١). ومن حديثِ شُعبة، عن محمدِ بنِ زياد، عن أبي هُريرة: حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حَبابة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز البَغَويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال (٢): أخبَرنا شُعبةُ، عن محمدِ بنِ زياد، قال: سمِعتُ أبا هُريرة، وكان يمرُّ بنا والناسُ يتطهَّرون من المطهرة، فيقول: أسبِغُوا الوضوء، فإن أبا القاسم ﷺ قال: "ويلٌ للعقِبِ (٣) من النار". ورواه جابرٌ؛ من حديثِ أبي إسحاق، عن عبدِ الله بنِ خليفةَ وعبدِ الله (٤) بنِ مَرثد -أو ابنِ أبي مَرثد- وسعيدِ بنِ أبي كرب، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ . إلّا أنه اختُلِف فيه عن أبي إسحاق، فطائفةٌ ترويه عنه، عن عبدِ الله بنِ خليفة، وطائفةٌ عن عبدِ الله بنِ أبي مَرثد، وطائفةٌ عن سعيدِ بنِ أبي كَرب، وكلُّهم ليس بالمشهور (٥).

стр. 8790

ورواه عبدُ الله بنُ الحارثِ بنِ جَزْءٍ الزُّبَيْديُّ من حديثِ الليثِ وابنِ لهيعة، عن حيوةَ بنِ شريح، عن عقبةَ بنِ مُسلم، سمع عبدَ الله بنَ الحارث صاحب النبيِّ ﷺ يقول: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقابِ وبُطونِ الأقدام من النار". حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ يحيى (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّف (٢)، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمان وسعيدُ بنُ خُمَير، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيم (٣)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكير، عن الليث. فذكَره (٤).

стр. 8791

وحدَّثنا عبدُ الوارث وأحمدُ بنُ قاسم (١)، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال (٢): حدَّثنا الحسنُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ لهيعة، قال: حدَّثني حيوةُ بنُ شريح، عن عقبةَ بنِ مسلم، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ الحارثِ صاحبَ النبيِّ ﷺ يقول: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقابِ وبطونِ الأقدام من النار". ورواه ابنُ أبي مريم، عن نافعِ بنِ يزيد والليث، فلم يَذكُرْ فيه: "وبُطونَ الأقدام". حدَّثناه خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: أخبَرنا نافعُ بنُ يزيدَ والليثُ بنُ سَعْد، قالا: حدَّثنا حيوةُ بنُ شُرَيح، عن عقبةَ بنِ مسلم، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ جَزء، قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٣).

стр. 8792

ورواه عبدُ الله بنُ عَمْرٍو من حديثِ مَنْصور، عن هلالِ بنِ يِسَاف، عن أبي يحيى، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو. رواه الثوريُّ وغيرُه، عن مَنْصور (١). ورُوِيَ أيضًا من حديثِ أبي بشر، عن يوسفَ بنِ ماهَكَ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن النبيِّ ﷺ (٢). ورُوِيَ من حديثِ جابر، وأبي ذرٍّ (٣) وأبي أُمامة (٤)، عن النبيِّ ﷺ . وفيها ضعفٌ.

стр. 8793

حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عُبيدِ بنِ آدم، قال: حدَّثنا أبو مَعْنٍ ثابتُ بنُ نعيم، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياس، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن سعيدِ بنِ أبي كَرِب، عن جابرِ بنِ عبدِ الله قال: رأى رسولُ الله ﷺ في قدم رجلٍ نحوَ الدرهم لم يَغسِلْه، فقال: "ويلٌ للأعقابِ من النار" (٢). اختُلف فيه على أبي إسحاق. وأصحُّ حديثٍ في هذا الباب من جهةِ الإسنادِ حديثُ أبي هُريرة، وحديثُ عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ جزءٍ الزُّبيديِّ، وحديثُ عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص، ثم حديثُ عائشة، فهو مدنيٌّ حسنٌ. أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤): أخبَرنا عَمْرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن، قال:

стр. 8794

حدَّثنا سُفيانُ، عن منصور، عن هلالِ بنِ يِساف، عن أبي يحيى، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، قال: رأى رسولُ الله ﷺ قومًا يتَوَضّؤونَ، فرأى أعقابَهم تلُوحُ، فقال: "ويلٌ للأعقابِ من النار، أسبِغُوا الوضوءَ". وحدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن أبي بشر، عن يوسفَ بنِ ماهَكَ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو قال: تخلَّف رسولُ الله ﷺ في سَفرَةٍ سافَرناها، فأدرَكَنا وقد أرهَقَتنا الصلاةُ (٢) صلاةُ العصر، ونحن نتوضَأُ، فجعَلنا نَمسَحُ على أرجلِنا، فنادَى بأعلَى صوتِه: "ويلٌ للأعقابِ من النار". مرتين أو ثلاثًا (٣). قال أبو عُمر: في هذا الحديث من الفقهِ إيجابُ غَسلِ الرِّجلَين، وفي ذلك تفسيرٌ لقولِ الله : ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وبيانُ أنه أراد الغَسلَ لا المسحَ، وإن كانت قد قُرِئَتْ: (وأرْجُلِكم). بالجرِّ (٤)، فذلك

стр. 8795

معطوفٌ على اللفظِ دونَ المعنى، والمعنى فيه الغَسلُ على التقديم والتأخير، فكأنه قال : إذا قُمتُم إلى الصلاة، فاغسِلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وأرجلَكم إلى الكعبين، وامسَحُوا برؤوسِكم. والقراءتان بالنصبِ والجرِّ صحيحتان مستفيضتان، والمسحُ ضدُّ الغَسلِ ومخالفٌ له، وغيرُ جائزٍ أن تُبطَلَ إحدى القراءتَينِ بالأُخرى ما وُجد إلى تخريج الجمع بينَهما سبيلٌ، وقد وجَدنا العربَ تخفِضُ بالجوار، كما قال امرؤُ القيس: كبيرُ أناسٍ في بِجَادٍ مُزمَّلِ (١) فخفَض بالجوار، وإنما المزمَّلُ الرجلُ، وإعرابُه ها هُنا الرفعُ. وكما قال زهير: لعِب الزمانُ بها وغيَّرها ... بَعدِي سَوافِي المُورِ والقَطْرِ (٢) قال أبو حاتم: كان الوجهُ "القطرُ" بالرفع، ولكن جرَّه على جوارِ المُور، كما قالت العرب: هذا جُحْرُ ضبٍّ خرِبٍ. فجرَّتْه، وإنا هو رفعٌ، وخفضُه بالمجاورة (٣).

стр. 8796

ومن هذا قراءةُ أبي عَمْرو: "يُرسَلُ عليكما شُوَاظٌ من نارٍ ونُحاسٍ". بالجرِّ (١)؛ لأنَّ النُّحاسَ الدخانُ. فعلى ما ذكَرنا تكونُ معنى القراءةِ بالجرِّ النصبَ، ويكونُ الخفضُ على اللفظِ للمجاورة، والمعنى الغَسلُ. وقد يُرادُ بلفظِ المسحِ الغَسلُ عندَ العرب، من قولهم: تمسَّحتُ للصلاة. والمرادُ الغَسلُ. ويَشدُّ هذا التأويلَ كلَّه قولُ النبيِّ ﷺ : "ويلٌ للأعقابِ مِن النار". وعلى هذا القولِ والتأويلِ جمهورُ علماءِ المسلمين، وجماعةُ فقهاءِ الأمصارِ بالحجازِ والعراقِ والشام من أهل الحديثِ والرأي، وإنما رُوِيَ مسحُ الرِّجلَين عن بعضِ الصحابةِ وبعضِ التابعين، وتعلَّق به الطبريُّ (٢)، وذلك

стр. 8797

غيرُ صحيح في نظرٍ ولا أثر، والدليلُ على وجوبِ غَسلِ الرجلين قولُه ﷺ : "ويلٌ للأعقابِ مِن النار". فخوَّفَنا بذكْرِ النارِ من مخالفةِ مرادِ الله ، ومعلومٌ أنه لا يُعذَّبُ بالنارِ إلا على ترْكِ الواجب، ألا ترَى إلى ما في حديثِ عبدِ الله بنِ عَمْرو (١): فرأى أعقابَنا تلوحُ فقال: "ويلٌ للأعقابِ من النار". وأوضحُ من هذا ما في حديثِ عبدِ الله بنِ الحارث: "ويلٌ للأعقابِ وبطونِ الأقدام من النار" (٢). ومعلومٌ أن المسحَ ليس شأنُه الاستيعاب، ولا خلافَ بينَ القائلين بالمسح على الرِّجلينِ أن ذلك على ظُهورِهما لا على بطُونِهما، فتبيَّن بهذا الحديثِ بُطلانُ قولِ مَن قال بمسْحِ القدَمين، إذ لا مدخَلَ لمسحِ بطُونِهما عندَهم، وأن ذلك إنما يُدرَكُ بالغسلِ لا بالمسح. ودليلٌ آخرُ من الإجماع، وذلك أنهم أجمَعُوا على أن مَن غَسَل قدَميهِ فقد أدَّى الواجبَ الذي عليه.

стр. 8798

واختلَفوا فيمَن مسَح قدَميه، فاليقينُ ما أجمَعُوا عليه دونَ ما اختلَفوا فيه، وقد اتفَقوا أن الفرائضَ إنما يَصحُّ أداؤُها باليقين، وإذا جاز عندَ مَن قال بالمسح على القدَمينِ أن يكونَ مَن غَسَل قدَميهِ قد أدَّى الفرضَ عندَه، فالقولُ في هذا الحالِ بالاتفاقِ هو اليقين، مع قوله ﷺ : "ويلٌ للأعقابِ من النار". وقد قيل: إن مَن قرَأ: (وأرجلِكم). بالخفضِ أراد به المسحَ على الخُفَّين. مع ما رُوِيَ في ذلك من الآثار، والله أعلم. وذكر أشهبُ عن مالكٍ أنه سُئِل عن قولِ الله : ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. في آية الوضوء: أبالنصبِ أم بالخفض؟ فقال: هو الغَسلُ ولا يُجزِئُ المسحُ (١). قال أبو عُمر: مَن قرَأ بالنصبِ فصَل بينَ المسْحِ والغَسلِ بالإعراب، فكأنه قال: اغسِلُوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وأرجلَكم إلى الكَعبين. وكأنّ ذلك أشبهُ بفعلِ النبيِّ ﷺ وبأمْرِه. فأما فِعْلُه، فما نقَل الجمهورُ كافّةً عن كافّةٍ عنه ﷺ أنه كان يَغسِلُ رجلَيهِ في وُضوئِه مرةً واثنتين وثلاثًا حتى يُنقِيَهُما. وأما أمرُه، فقوله ﷺ : "ويلٌ للأعقابِ من النار". وقد جاء عنه ﷺ : "ويلٌ للأعقابِ وبطُونِ الأقدام من النار". و"ويلٌ للعراقيبِ من النار". ولو لم يكنِ الغَسلُ واجبًا ما خوَّف مَن لم يغسِلْ عقبَيْه وعُرقُوبيه بالنار؛ لأنَّ المسحَ ليس من شأنِه الاستيعاب، ولا يُبلَغُ به العراقيبُ ولا الأعقاب. قال أبو عُمر: العُرقوبُ: هو مجَمَعُ مَفصلِ الساقِ والقدَم، والكعبُ: هو الناتئُ في أصلِ الساق، يدُلُّك على ذلك حديثُ النعمانِ بنِ بشيرٍ قال: أقبَل

стр. 8799

رسولُ الله ﷺ بوجهِه فقال: "أقيمُوا صُفوفَكُم". قال: فرأيتُ الرجلَ يُلزِقُ كعبَه بكَعْبِ صاحبِه (١). والعَقِبُ: هو مُؤخِّرُ الرجلِ تحتَ العُرقُوب. وقد ذكَرنا اختلافَ العلماءِ في الكَعْبين، وأوضَحنا المذاهبَ عن العربِ وأهلِ العلم في العُرقُوبِ والكعْبِ في بابِ عَمْرِو بنِ يحيى (٢)، والحمدُ لله. وقال ابنُ وَهْبٍ عن مالك: ليس على أحدٍ تخليلُ أصابعِ رجليه في الوضوءِ ولا في الغُسل، ولا خيرَ في الجفَاءِ والغلوِّ (٣). قال ابنُ وَهْب: تخليلُ أصابع رِجْلَيه في الوضوءِ مرغَّبٌ فيه، ولا بُدَّ من ذلك في أصابعِ اليدين، وأما أصابعُ رِجْليهِ فإن لم يُخلِّلْها فلا بُدَّ من إيصالِ الماءِ إليها (٤). وقال ابنُ القاسم عن مالك: مَن لم يُخلِّلْ أصابعَ رجليه فلا شيءَ عليه. وقال محمدُ بنُ خالد، عن ابنِ القاسم، عن مالك (٥) فيمَن توضَّأ على نهَرٍ

стр. 8800

فحرَّك رجليه: إنه لا يُجزِئُه حتى يَغسِلَهما بيديه. قال ابنُ القاسم: وإن قدَر على غَسلِ إحداهما بالأُخرى أجزأه. قال أبو عُمر: يلزمُ مَن قال: إن الغَسلَ لا يكونُ إلا بمرورِ اليدين. أن يقول: إنه لا يُجزِئُه إنْ غسَل إحداهما بالأخرى. وَيلزَمُه أن يقولَ بتخليلِ أصابعِ اليَدَينِ والرِّجلينِ؛ لأنَّ الأمرَ بغَسلِهما واحدٌ. وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه كان إذا توضَّأ يَدلُكُ أصابعَ رجليه بخنصرِه (١). وهذا عندَنا على الكمال. وقد مضَى في صفةِ الغُسلِ من الجنابةِ في بابِ هشام بنِ عُروة (٢) من هذا الكتاب ما يُستدلُّ به على معنى هذا الباب، ومضَى في باب عَمْرِو بنِ يحيى (٣) من هذا الكتاب أيضًا القولُ في غَسلِ المرفقين مع اليدين، والكعبين مع الرجلين، فلا معنى لإعادةِ ذلك ها هُنا. وقد كان مالكٌ ﵀ في آخرِ عمُرِه يَدلُكُ أصابعَ رجليه بأصابع يديه؛ لحديثٍ حدَّثه ابنُ وَهْب.

стр. 8801

ذكَر أبو بشرٍ الدُّولابيُّ قال: حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وَهْب، قال: حدَّثني عمِّي عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: سُئِل مالكٌ عن تخليل أصابع الرِّجلين في الوضوءِ فقال: ليس ذلك على الناس. فأمهَلْتُه حتى خفَّ الناسُ عنه، ثم قلت له: يا أبا عبدِ الله، سمِعتُك تُفتي في مسألةٍ عندَنا فيها سُنّة. قال: وما هي؟ قلت: حدَّثنا ابنُ لَهيعة والليثُ بنُ سَعْد، عن يزيدَ بنِ عَمْرٍو المعافريِّ، عن أبي عبدِ الرّحمنِ الحُبُليِّ، عن المُستَورِدِ بنِ شداد القرشيِّ، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يتوضَّأُ فيُخَلِّلُ بخِنصِرِه ما بينَ أصابع رجليه. قال: فقال لي مالك: إنَّ هذا لحسنٌ، وما سمِعتُ به قطُّ إلا الساعة. قال ابنُ وَهْب: ثم سمِعتُه بعد ذلك يُسألُ عن تخليلِ الأصابع في الوضوءِ فيَأمُرُ به (١). وروَى غيرُه عن ابنِ وَهْب: فرأيتُه يعملُ به. ولم يقل: يأمرُ به.

стр. 8802

حديثٌ تاسعَ عشرَ منَ البلاغات مالكٌ (١)، أنَّه بَلَغَهُ عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها قالت: استأذَنَ رجلٌ على رسولِ الله ﷺ وأنا معَه في البيت، فقال رسولُ الله ﷺ : "بئسَ ابن العَشِيرة"، ثم أذِنَ له. قالت عائشةُ: فلم أنشَبْ أن سمِعتُ ضحِكَ رسولِ الله ﷺ معه، فلما خرَج الرجلُ قلت: يا رسول الله، قلتَ فيه ما قلت، ثم لم تنشَبْ أن ضحِكتَ معه! فقال رسولُ الله ﷺ : "إن من شرِّ الناسِ مَن اتَّقاه الناسُ لشرِّه". وهذا الحديثُ عندَ طائفةٍ من رواة "الموطأ" عن مالك: عن يحيى بن سعيد، أنه بلَغه عن عائشة. ولم يذكُرْ يحيى وجماعةٌ معه (٢) يحيى بنَ سعيدٍ في هذا الحديث. وقد رُوِيَ عن عائشةَ من وجوهٍ صِحاح من حديثِ عبدِ الله بنِ نِيار، عن عُروة، عن عائشة (٣). ومن حديثِ مجاهد، عن عائشة (٤). ومن حديثِ ابن المُنكَدر، عن عُروة، عن عائشة. وهو حديثٌ مجتمَعٌ على صحتِه، وأصحُّ أسانيدِه: محمدُ بنُ المنكدر، عن عُروة، عن عائشة. حدَّثناه خَلَفُ بنُ القاسم (٥)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ
следующие страницы →