← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 923–962 · переход к 928.

стр. 923

وأمَّا حديثُ الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "أرَى رُؤْياكم قد تَوَاطَتْ على العَشْرِ الأواخر، فالتَمِسُوها في تِسْع، في كلٍّ وِتْر" (١). فيَحْتَمِلُ أن تكونَ أيضًا في ذلك العام، فلا يكونَ فيه خِلافٌ لِما ذهَب إليه عليٌّ وابنُ مسعود. على أنَّ حديثَ ابنِ عُمرَ اخْتُلِفَ في ألفاظِه؛ فلفظُ عبدِ الله بنِ دِينارٍ غيرُ لفظِ نافِع ولفظُ نافِع غيرُ لفظِ سالم، ومعناها مُتَقارِبٌ أنَّها في السبعِ الغَوَابِر (٢)، أو السبع الأواخِر، فاللهُ أعلم. وأمَّا حديثُ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ في سبعٍ وعشرين، فأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ ومُسَدَّدٌ، قالا: حدَّثنا حَمّادٌ، عن عاصِم، عن زِرٍّ، قال: قلتُ لأُبَيِّ بنِ كعب: أخبِرْني عن ليلةِ القدرِ يا أبا المنذر؛ فإنَّ صاحِبَنا سُئِل عنها فقال: مَن يَقُمِ الحولَ يُصِبْها. فقال: رَحِم اللهُ أبا عبدِ الرحمن، والله لقد عَلِم أنَّها في رمضانَ. زاد مُسَدَّدٌ: ولكنْ كَرِه أن يَتَّكِلوا. أو: أحَبَّ ألَّا يَتَّكِلوا. ثم اتَّفقا: والله إنَّها لفي رمضانَ ليلةَ سبعٍ وعشرين. لا يَسْتَثْني. قلتُ: يا أبا المنذر، أنَّى عَلِمْتَ ذلك؟ قال: بالآيةِ التي أخبَرنا رسولُ الله ﷺ ، قال: قلتُ لزِرٍّ: ما الآيةُ؟ قال: تَطْلُعُ الشمسُ صَبِيحَةَ تلك الليلةِ مثلَ الطَّسْتِ ليس لها شُعَاعٌ حتى تَرْتَفِعَ.

стр. 924

قال أبو عُمر: جاءَ في هذا الحديثِ كما تَرَى عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: مَن يَقُم الحولَ يصبْ ليلةَ القدر. والذي تأوَّلَه عليه أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ ﵁، عليه جمهورُ العلماء، وهو الذي لا يجوزُ عليه غيرُه؛ لأنّه قد جاء عنه بأقْوَى مِن هذا الإسنادِ أنَّه قال: تَحَرَّوْا ليلةَ القدرِ ليلةَ سبعَ عَشْرَةَ، وإحْدَى وعشرين، وثلاثٍ وعشرين (١). وأظنُّه أراد بما حكَى عنه زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ الاجْتِهادَ في العملِ سائرَ العامِ بقيامِ الليل، واللهُ أعلمُ. وقد ثبَت عن أربعةٍ مِن الصحابَةِ ﵃ أنَّها في كلِّ رَمَضان، ولا أعلمُ لهم مُخالِفًا. وذكَرَ الجُوزْجانِيُّ، عن أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، ومحمد، أنَّهم قالوا: ليلةُ القدرِ في السنةِ كلِّها. كأنهم ذهَبوا إلى قولِ ابنِ مسعود: مَن يَقُمِ الحَوْلَ يُصبْها. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثور، وأحمدُ: هي في العشرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ إن شاء الله. وروى سفيانُ وشعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جُبَير، عن ابنِ عمرَ، أنَّه سُئِلَ عن ليلةِ القدر، فقال: هي في كلِّ رَمَضان (٢). ورَواه موسى بنُ عُقْبَةَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ مرفوعًا (٣). وقد قال بعضُ رُواةِ أبي إسحاقَ في حديثِ ابنِ عمرَ هذا: هي في رَمَضانَ كلِّه.

стр. 925

وجاء عن أبي ذَرٍّ أنَّه سُئِل عن ليلةِ القدر: أرُفِعَتْ؟ فقال: بل هي في كلِّ رَمَضان. وبعضُهم يَرْوِيه عن أبي ذَرٍّ، عن النبيِّ ﷺ (١). وروَى ابنُ جُرَيْج، قال: أخبرني داودُ بنُ أبي عاصم، عن عبدِ الله بنِ يُحَنَّسَ، قال: قلتُ لأبي هريرةَ: زَعَموا أنَّ ليلةَ القدرِ قد رُفِعَتْ؟ قال: كَذَب مَن قال ذلك. قال: قلتُ: فهي في كلِّ رمضانَ أسْتَقبِلُه؟ قال: نعم (٢). وروَى داودُ بنُ الحُصَيْن، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس، أنَّه قال: ليلةُ القدرِ في كلِّ رمضانٍ يأْتي (٣). وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: أخبَرنا حجَّاجٌ، قال: أخبَرنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، قال: أخبَرنا ربيعةُ بنُ كُلْثُوم، قال: سألَ رجلٌ الحَسَن وأنا عندَه، فقال: يا أبا سعيد، أرأيْتَ ليلةَ القدر، أفي كلِّ رمضانٍ هي؟ قال: إي والذي لا إلهَ إلَّا هو، إنَّها لفي كلِّ رمضان، إنَّها لَليْلةٌ فيها يُفْرَقُ كلُّ أمْرٍ حكيم، فيها يَقْضِي اللهُ كلَّ خَلْقٍ وأجلٍ ورِزْقٍ وعَمَلٍ إلى مثلِها (٤).

стр. 926

أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زِياد، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا إسحاقُ الأزْرَقُ، قال: أخبَرنا عبدُ الملك، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: كان ناسٌ مِن المهاجِرِين وَجَدوا على عمرَ في إدْنائِه ابنَ عباسٍ دُونَهم. قال: وكان يَسْألُه، فقال عمرُ: أمَا إنِّي سأُرِيكم اليومَ منه شيئًا فتعرفُونَ فَضْلَه. فسألَهم عن هذه السُّورَة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢]. فقال بعضُهم: أمَرَ اللهُ نبيَّه إذا رأى الناسَ يدْخُلون في دينِ الله أفواجًا أن يحْمَدَه ويسْتَغْفِرَه. فقال عمرُ: يا ابنَ عباس، ألَا تَكَلَّمُ؟ فقال: أعْلَمَه متى يموتُ؛ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ فالموتُ آتيك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر]. قال: ثم سألهم عن ليلةِ القدرِ فأكْثَرُوا فيها، فقال بعضُهم: كنا نُرَاها في العَشْرِ الأوسَط، ثم بَلَغَنا أنَّها في العَشْرِ الأواخِر، فأكْثَرُوا فيها، فقال بعضُهم: ليلةُ إحْدَى وعشرين. وقال بعضهم: ليلةُ ثلاثٍ وعشرين، وقال بعضُهم: ليلةُ سبع وعشرين. فقال عمرُ: يا ابنَ عبّاس، ألَا تَكَلَّمُ؟ قال: اللهُ أعلمُ. قال: قد نعلَمُ أنَّ اللهَ يعلَمُ، وإنَّما نَسْألُك عن عِلْمِك. فقال ابنُ عباس: إنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحبُّ الوِتْرَ، خَلَق مِن خلقِه سبعَ سماواتٍ فاسْتَوَى عليهِنَّ، وخَلَق الأرضَ سبعًا، وجعَل عِدآلأيامِ سبعًا، ورَمْيَ الجِمَارِ سبعًا، وخَلَق الإنسانَ مِن سَبعْ، وجعَل رِزْقَه مِن سَبْع. فقال عمرُ: خلَق الإنسانَ مِن سَبعْ، وجعَل رِزْقَه مِن سَبْع، هذا أمرٌ ما فَهمْتُه. فقال: إنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ حتى بلَغ آخِرَ الآياتِ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، وقَرأ: ﴿أَنَّا

стр. 927

صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ [عبس: ٢٥ - ٣٢]. ثم قال: والأبُّ للأنعام (١). قَرأْتُ على سعيدِ بنِ نصر، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٢): حدَّثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ، عن عاصِمِ بنِ كُلَيْب، عن أبيه، قال: ذكَرْتُ هذا الحديثَ لابنِ عباسٍ - يَعني في ليلةِ القدرِ - فقال: وما أعْجَبَك؟ سألَ عمرُ بنُ الخطاب أصْحابَ رسولِ الله ﷺ ، وكان يسْألُني مع الأكابرِ منهم، وكان يقولُ: لا تَكَلَّمْ حتى يَتَكلَّموا. قال: لقد عَلِمْتُم أنَّ رسولَ الله ﷺ قال في ليلةِ القدرِ: "اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ وتْرًا" ففي أيِّ الوتْرِ؟ فأكثرَ القومُ في الوِتر، فقال: ما لَكَ لا تَتَكلَّمُ يا ابنَ عباس. قال: قلتُ: إن شِئْتَ تكَلَّمْتُ. قال: ما دَعَوْتُك إلَّا لتَتَكَلَّمَ. فقلتُ: رأيْتُ اللهَ أكْثَرَ مِن ذِكْرِ السَّبع؛ فذكَرَ السَّماواتِ سَبْعًا، والأرَضِينَ سَبْعًا، والطَّوافَ سَبْعًا، والجِمَارَ سَبْعًا - وذكَر ما شاء اللهُ مِن ذلك - وخلَق الإنسانَ مِن سَبْع، وجعَل رِزْقَه في سَبْع. قال: كلُّ ما ذكَرْتَ قد عَرَفْتُه، فما قولُك: خلَق الإنسانَ مِن سَبْعة، وجعَل

стр. 928

رِزْقَه في سبعة؟ قال: خلَق الإنسانَ مِن سُلالةٍ مِن طين، قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٣ - ١٤]. ثم قرَأتُ: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٢٥ - ٣١]، والأبُّ: ما تُنْبِتُه الأرضُ ممَّا لا يأْكُلُ الناسُ، وما أُرَاها إلَّا ليلةَ ثلاثٍ وعشرين لسبع يَبْقَيْنَ. فقال عمرُ: أعْيَيْتُموني أن تَأْتُوا بمثلِ ما جاء به هذا الغُلامُ الذي لم تَجْتَمِعْ شؤونُ رأسِه. أخبَرني عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد. وحدَّثنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد؛ قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن عاصِم بن أبي النَّجُود، عن زِرِّ بنِ حُبَيْش، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: مَن قام ليلةَ سبعٍ وعشرين فقد أصاب ليلةَ القدر (١). قال (٢): وأخبَرنا معمرٌ، عن عاصِمِ بنِ أبي النَّجُود، عن زِرِّ بنِ حُبَيْش، قال: قلتُ لأُبَيِّ بنِ كعب: يا أبا المنذر، أخبِرْني عن ليلةِ القدرِ؛ فإنَّ ابنَ أُمِّ عبدٍ يقولُ: مَن يَقُمِ الحولَ يُصِبْها؟ فقال: يَرْحَمُ اللهُ أبا عبدِ الرحمن. وذكَر الحديثَ نحوَ ما تقدَّمَ مِن حديثِ حَمَّادٍ عن عاصِمٍ سَواءً إلى آخرِه. قال (٣): وأخبَرنا مَعْمرٌ، عن قَتادةَ وعاصم، أنَّهما سَمِعا عكرمةَ يقولُ: قال ابنُ عباس: دَعا عمرُ أصحابَ محمدٍ ﷺ فسألهم عن ليلةِ القدر، فاجْتَمعوا أنَّها

стр. 929

في العَشْرِ الأواخِر. قال ابنُ عباس: فقلتُ لعمرَ: إنِّي لأعلمُ، أو إنِّي لأظُنُّ، أيُّ ليلةٍ هي. قال عمرُ: وأيُّ ليلةٍ هي؟ فقلتُ: سابعةٌ تَمْضِي، أو سابعةٌ تَبْقَى مِن العَشْرِ الأواخِر. فقال عمرُ: مِن أين عَلِمْتَ ذلك؟ قال ابنُ عباس: فقُلْتُ: خلَق اللهُ سَبْعَ سماوات، وسَبع أرَضِين، وسَبْعةَ أيَّام، وإنَّ الدَّهرَ يدُورُ على سَبْع، وخَلَق الإنسانَ مِن سَبعْ، ويأْكُلُ مِن سَبْع، ويَسْجُدُ على سَبعْ، والطوافُ بالبيتِ سَبعٌ، ورَمْيُ الجِمارِ سَبْعٌ، لأشياءَ ذكَرَها. قال: فقال عمرُ: لقد فَطِنْتَ لأمْرٍ ما فَطِنَّا له. وكان قتادةُ يزيدُ على ابنِ عباسٍ في قولِه: يأْكُلُ مِن سَبعْ. قال: هو قولُ الله ﵎: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ الآيةَ [عبس: ٢٧ - ٢٨]. قال أبو عُمر: قولُه في هذا الحديثِ: دعا عمرُ أصحابَ محمدٍ ﷺ فسألهم عن ليلةِ القدر فاجتَمَعوا أنَّها في العَشْرِ الأواخِر، أوْلَى ما قيل به في هذا البابِ وأصَحُّه؛ لأنَّ ما أجْمَعوا عليه سَكَنَ القلبُ إليه، وكذلك النَّفْسُ أمْيَلُ إلى أنَّها في الأغلبِ ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ، أو ليلةُ سبع وعشرين، على ما قال ابنُ عباسٍ في هذا الحديثِ أنَّها سابعةٌ تَمْضِي، أو سابعةٌ تَبْقَى. وأكثرُ الآثارِ الثابتةِ الصَّحاحِ تَدُلُّ على ذلك، واللهُ أعلمُ. وفيها دليلٌ على أنَّها في كلِّ رَمَضان، واللهُ أعلمُ. وفي كلِّ ما أوْرَدْنا مِن الآثارِ في هذا البابِ ما يَدُلُّ على أنَّها لا عَلامَةَ لها في نفسِها تُعْرَفُ بها مَعْرِفَةً حقيقيَّةً كما تقولُ العامَّةُ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا وكيع، عن سفيانَ،

стр. 930

عن الأوزاعيِّ، عن مَرْثَدِ بنِ أبي مَرْثَد، عن أبيه، قال: كنتُ مع أبي ذَرٍّ عندَ الجمْرَةِ الوُسْطَى، فسَألْتُه عن ليلةِ القدر، فقال: كان أسْألَ الناسِ عنها رسولَ الله ﷺ أنا، قلتُ: يا رسولَ الله، ليلةُ القدرِ كانت تكونُ على عهدِ الأنبياء، فإذا ذَهَبوا رُفِعَت؟ قال: "لا، ولكنَّها تكونُ إلى يومِ القيامة". قلتُ: يا رسولَ الله، فأخْبِرْنا بها. قال: "لو أُذِن لي فيها لأخْبَرْتُكم، ولكن التَمِسوها في إحْدَى السَّبْعَين، ثم لا تَسْألْنِي عنها بعد مُقامِك ومُقامي". ثم أخَذ في حديث، فلمَّا انبَسَطَ قلتُ: يا رسولَ الله، أقْسَمْتُ عليك إلَّا حدَّثْتَني بها. فغَضِب عليَّ غَضْبَةً لم يَغْضَبْ عليَّ قبلَها مثلَها ولا بعدَها مثلَها. هكذا قال الأوْزاعيُّ: عن مَرْثَدِ بنِ أبي مَرْثَد. وهو خَطَأٌ، وإنَّما هو مالِكُ بنُ مَرْثَد، عن أبيه. ولم يُقِمِ الأوْزاعيُّ إسنادَ هذا الحديث، ولا ساقَه سياقةَ أهْلِ الحِفْظِ له. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمَّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن عكرمةَ بنِ عَمَّار، قال: حدَّثني أبو زُمَيْلٍ سِماكٌ الحَنَفِيُّ، قال: حدَّثني مالِكُ بنُ مَرْثَد، قال: حدَّثني أبي مَرْثَدٌ، قال: سألتُ أبا ذَرٍّ، قلتُ: كنتَ سألْتَ رسولَ الله ﷺ عن ليلةِ القدرِ؟ فقال: أنا كنتُ أسْألَ الناسِ عنها. قال: فقلتُ: يا نبيَّ الله، أخبِرْني عن ليلةِ القدرِ؛ أفي رمضانَ هي أم في غيرِ رمضانَ؟ قال: "بل هي في رمضانَ". قلتُ: أتكونُ مع الأنبياءِ إذا كانوا، فإذا قُبِضُوا رُفِعَتْ؟ قال: "بل هي إلى يومِ القيامةِ". قلتُ: في أيِّ رمضانَ؟ قال: "التَمِسُوها في العشرِ الأُوَل، والعَشْرِ الأواخِر، لا تَسَلْني عن شيءٍ بعدَها". ثم حدَّثَ رسولُ الله ﷺ وحدَّثَ، ثم اهْتَبَلْتُ غَفْلَتَه، فقلتُ: يا رسولَ الله، أخْبِرْني في أيِّ العَشْرَيْنِ هي؟ قال: "التَمِسوها في الأواخِر، لا تَسَلْني عن شيءٍ بعدَها". ثم حدَّثَ رسولُ الله ﷺ وحدَّثَ، ثم اهْتَبَلْتُ غَفْلَتَه،

стр. 931

فقلتُ: يا رسولَ الله، أقْسَمْتُ عليك بحَقِّي عليك لَما أخْبَرْتَني في أيِّ العَشْرِ هي؟ فغَضِبَ غَضَبًا ما رأيتُه غضِب مثلَه (١). قال يحيى: قال عكرمةُ كلمةً لم أحْفَظْها. ثم قال: "التَمِسوهَا في السَّبْعِ البَواقِي، لا تَسَلْني عن شيءٍ بعدَها" (٢). ففي حديثِ أبي ذَرٍّ هذا ما يَدُلُّ على أنَّها في رمضانَ كلِّه، وأنَّها أحْرَى أنْ تكونَ في العَشْر، وفي السَّبْعِ البَواقِي، وجائزٌ أن تكونَ في العَشْرِ الأوَل، وقد قال اللهُ : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يُدْفَعُ أن تكونَ في رمضانَ كلِّه، واللهُ أعلم. لكنَّها في الوتْرِ مِن العَشْرِ أو السَّبْع (٣) البَواقي تكونُ أكثرَ على ما تدُلُّ عليه الآثار. وجُمْلَةُ القولِ في ليلةِ القدرِ أنَّها ليلةٌ عَظِيمٌ شَأْنُها وبرَكَتُها، وجَلِيلٌ قَدْرُها، هي خَيْرٌ مِن ألفِ شهر، تُدْرِكُ فيها هذه الأُمَّةُ ما فاتَهم مِن طُولِ أعْمارِ مَن سَلَف قبلَهم مِن الأُمَمِ في العَمَل، والمحرومُ مَن حُرِمَ خيرَها. نسْألُ اللهَ برَحْمَتِه أن يُوَفِّقَنا لها، وألا يَحْرِمَنا خَيْرَها، آمين. وقال سعيدُ بنُ المسَيِّب ﵀: مَن شَهِد العشاءَ ليلةَ القَدْرِ في جماعَةٍ فقد أخَذَ بَحَظِّه منها (٤)، فسبحانَ المتَفَضِّلِ على عِبادِه بما شاء، لا شريكَ له المانِّ المُفْضِل.

стр. 932

حديثٌ خامسٌ لحُمَيْد الطَّويل عن أنس متصلٌ صحيحٌ مالكٌ (١)، عن حُميدٍ الطويل، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ رسولَ الله ﷺ حينَ خرَج إلى خيبرَ آتَاها ليلًا، وكانَ إذا أتَى قَوْمًا بليلٍ لم يُغِرْ حتى يُصْبحَ، فلما أصْبَحَ خرَجت يهودُ بمَسَاحِيهم ومَكَاتِلِهم، فلما رأوه قالوا: محمدٌ والله، محمدٌ والخَمِيسُ. فقال رسولُ الله ﷺ : "اللهُ أكبرُ، خَرِبَت خَيْبرُ، إنَّا إذا نزَلْنا بساحةِ قوم، فساءَ صباحُ المُنْذَرِين". في هذا الحديث إباحةُ المَشْي بالليل، فإذا كان ذلك كذلك، جازَ الاستخدامُ بالمماليكِ والأحرارِ إذا اشتُرِط ذلك عليهم وكانت ضرورةً. وفيه: إتعابُ الدوابِّ بالليلِ عندَ الحاجةِ إلى ذلك ما لم يكنْ سَرْمدًا؛ لأنَّ العِلْمَ محيطٌ أنَّهم لم يخْلوا مِن مملوكٍ يخدُمُهم، وأجيرٍ ونحوِ ذلك. وفيه: أن الغارةَ على العدوِّ إنَّما ينبغِي أن تكونَ في وجهِ الصَّباحِ؛ لِما في ذلك من التَّبيينِ (٢) والنجاحِ في البُكور. وفيه: أن مَن بَلَغتْه الدعوةُ مِن الكُفارِ لم يَلْزَمْ دُعاؤُه، وجازتِ الغارةُ عليه، وطلبُ غفلتِه وغِرَّتِه. وقد اختلَف العلماءُ في دعاءِ العدوِّ قبلَ القتالِ إذا كانوا قد بَلَغَتْهم الدعوةُ؛ فكان مالكٌ ﵀ يقولُ: الدعوةُ أصوبُ، بلَغَهم ذلك أو لم يَبْلُغْهم، إلَّا أن يُعْجِلوا المسلمين أن يَدْعوَهم. وقال عنه ابنُ القاسم: لا يُبَيَّتُوا حتى يُدْعَوا (٣).

стр. 933

وذكَر الربيعُ، عن الشافعيِّ، في كتابِ "البُوَيْطيِّ" مثلَ ذلك: لا يُقاتَلُ العدوُّ حتى يُدْعَوا، إلَّا أن يُعْجَلُوا عن ذلك، فإن لم يفعَلْ فقد بلَغَتهم الدعوةُ. وحكَى المُزَنِيُّ، عن الشافعيِّ: مَن لم تبلُغْهم الدعوةُ لم يُقاتَلُوا حتى تَبْلُغَهم الدعوةُ؛ يُدْعَون إلى الإيمان. قال: وإن قُتِل منهم أحدٌ قبلَ ذلك، فعلى قاتلِه الديَةُ. وقال المزنيُّ عنه أيضا في موضع آخرَ: من بلَغَتْهم الدعوةُ فلا بأسَ أن يُغارَ عليهم بلا دعوةٍ (١). وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إن دَعَوْهم قبلَ القتالِ فحسنٌ، ولا بأسَ أن يُغِيروا عليهم (٢). وقال الحسنُ بنُ صالحِ بنِ حيٍّ: يُعجِبُني كلَّما حدَث إمامٌ بعدَ إمامٍ أحْدَثَ دعوةً لأهلِ الشركِ (٣). قال أبو عُمر: هذا قولٌ حسنٌ، والدعاءُ قبلَ القتالِ على كلِّ حالٍ حسنٌ؛ لأن رسولَ الله ﷺ كان يأمُرُ سَراياه بذلك، وكان يدعُو كلَّ مَن يُقاتِلُه مع اشتهارِ كلمتِه ودينِه في جزيرةِ العرب، وعلمِهم بمنابذتِه إيَّاهم، ومحاربتِه لمَن خالَفَه، وما أظُنُّه أغار على خيبرَ وعلي بني المصطَلِقِ إلَّا بإثرِ دعوتِه لهم في فورِ ذلك أو قريبٍ منه مع يأسِه عن إجابتِهم إيَّاه، وكذلك كان تَبييتُه وتبييتُ جيوشِه لمَن بيَّتوا مِن المشركين على هذا الوجه، واللهُ أعلم. وفي التبييتِ حديثُ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ (٤)، وحديثُ سلمةَ بنِ الأكوع، قال: أمَّر علينا رسولُ الله ﷺ أبا بكر، فغزَونا ناسًا فبَيَّتْناهم وقتَلناهم. قال:

стр. 934

وكان شعارُنا في تلك الليلة: أَمِتْ أَمِتْ. قال سلمةُ: فقتَلتُ بيدِي تلك الليلةَ سبعةَ أبياتٍ مِن المشركين (١). قال أبو عُمر: هذا، واللهُ أعلمُ، ومثلُه لقومٍ أظهَروا العنادَ والأذَى للمسلمين، ويُئِسَ مِن إنابتِهم وخيرِهم، واللهُ أعلمُ. أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمد، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عمرَ، قال: أخبَرنا عليُّ بنُ حَرْبٍ الطائيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن أبيه، عن ابنِ عباس، قال: ما قاتَل رسولُ الله ﷺ قومًا حتى يدْعُوَهم (٢). وهذا يحتمِلُ ممَّن لم تبلُغْهم الدعوةُ، ويحتمِلُ مِن كلِّ كافرٍ محارب. حدَّثني سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ،

стр. 935

عن عَلْقمةَ بنِ مرَثد، عن سُليمانَ بنِ بُريد، عن أبيه، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا بعَث أميرًا على سريةٍ أو جيشٍ أوصاهُ في خاصّةِ نفسِه بتقوَى الله ومَن معه مِن المُسلمين خَيْرًا، ثم قال: "اغزُوا باسمِ الله، وفي سَبِيلِ الله، تُقاتِلُون مَن كَفَر بالله، اغزُوا ولا تَغُلُّوا، ولا تغْدِروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقْتُلُوا وليدًا، وإذا لَقِيتَ عدُوَّك مِن المُشركين فادْعُهم إلى إحدَى ثلاثِ خصالٍ - أو خلالٍ - فأيُّها أجابُوك إليها فأقبَلْ منهم وكُفَّ عنهم؛ ادعُهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبَلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعُهم إلى التحوُّلِ مِن دارِهم إلى دارِ المهاجرين، وأعلِمْهم أنَّهم إن فعَلوا فإنَّ لهم ما للمُهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإنْ أبَوا واختارُوا دارَهم، فأعلِمْهم أنَّهم كأعرابِ المُسلمين؛ يجرِي عليهم حُكمُ الله كما يَجْرِي على المُؤمنين، ولا يكونُ لهم في الفَيءِ والغنيمةِ نَصيبٌ إلَّا أن يُجاهِدُوا مع المُسلمين، فإن أبَوا فادْعُهم إلى إعطاءِ الجزية، فإن أجابوا فاقبَلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإنْ أبَوا فاستعنْ بالله وقاتِلْهم". قال أبو عُمر: هذا مِن أحسنِ حديثٍ يُروَى في معناه، إلَّا أنَّ فيه التحوُّلَ عن الدار، وذلك مَنْسوخٌ، نَسَخه رسولُ الله ﷺ بقولِه: "لا هجرةَ بعدَ الفتحِ" (١).

стр. 936

وإنَّما كان هذا منه ﷺ قبلَ فتحِ مكةَ، فلمَّا فتَح اللهُ عليه مكةَ قال لهم: قد انقطعتِ الهجرةُ، ولكن جهادٌ ونيةٌ إلى يومِ القيامة. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمِ بنِ عيسى المقرئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ حَبابةَ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البغويُّ، قال: حدَّثنا خلفُ بنُ هشامٍ البزَّارُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم، عن أبيه، عن سهلِ بنِ سعد، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال يومَ خيبرَ: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايةَ رجلًا يفتَحُ اللهُ على يدَيه". فذكَر أن الناسَ طَمِعوا في ذلك، فلمَّا كان من الغدِ قال: "أين عليٌّ؟ "، فأتاه وهو أرمَدُ، فتفَل في عينِه فذهَب ما كان به كأنَّه لم يكنْ به شيءٌ، فأعطاه الرايةَ، فقال: أُقاتِلُهم حتى يكونوا مثلَنا. فقال: "على رِسْلِك، انْفُذْ حتى تنزلَ بساحتِهم، فإذا نزَلْتَ بساحتِهم فادْعُهم إلى الإسلام، وأخبِرْهم بما يجِبُ عليهم منه مِن الحقِّ - أو مِن حقِّ الله - فوالله لأنْ يهدِيَ اللهُ بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك مِن حُمُرِ النَّعَم" (١). قال أبو عُمر: هذا حديثٌ ثابتٌ في خيبرَ أنَّهم لم يُقاتِلْهم حينَئذٍ حتى دعاهم، وهو شيءٌ قَصَّرَ عنه أنسٌ في حديثِه، وذكَرَه سهلُ بنُ سعد، وقد رُوِي عن أنسٍ أن رسولَ الله ﷺ أمَر عليًّا ألَّا يُقاتِلَ قومًا حتى يدعُوَهم. رَواه ابنُ عيينةَ، عن عُمرَ بنِ ذَرٍّ، عن ابنِ أخِي أنسِ بنِ مالك، عن عمِّه (٢). وخالَف أبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ ابنَ عيينةَ في إسنادِ هذا الحديث، وابنُ عيينةَ أحفظُ إن شاءَ الله (٣).

стр. 937

قال أبو عُمر: فلهذه الآثارِ قُلْنا: إنَّ الدُّعاءَ أحسنُ وأصوبُ. فإن أغار عليهم ولم يَدْعُهم ولم يُشْعِرْهم وكانوا قد بلَغَتْهم الدعوةُ، فمباحٌ جائزٌ؛ لِما روَاه نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ أغار علي بني المُصْطَلِقِ وهم غَارُّونَ وأنعامُهم على الماء، فقتَل مُقاتِلتَهم، وسبَى ذُرِّيتَهم، وكانت فيهم جُويرِيَةُ. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التمَّارُ بالبصرة، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا سعيدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيّةَ، قال: أخبَرنا ابنُ عَون، قال: كتبتُ إلى نافعٍ أسألُه عن دُعاءِ المُشركينَ عندَ القتال، فكتَب إليَّ أنَّ ذلك كان في أوَّلِ الإسلام، وقد أغار نبيُّ الله ﷺ على بني المُصْطَلقِ وهم غَارُّونَ، وأنْعامُهم تُسْقَى على الماء، فقتَلَ مُقاتلتَهم، وسَبَى سَبْيَهم، وأصاب يؤمَئذٍ جُويرِيةَ بنتَ الحارث، حدَّثني بذلك عبدُ الله وكان في ذلك الجيش. قال أبو داودَ: هذا حديثٌ نبيلٌ، روَاه ابنُ عَوْن، عن نافع، لم يَشرَكْه فيه أحدٌ. وروَى صالحُ بنُ أبي الأخضر، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، أن أُسامةَ بنَ زيدٍ حدَّثه، أن رسولَ الله ﷺ عَهِد إليه فقال: "أغِرْ على أُبْنَى صباحًا وحَرِّقْ"؛ حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير،

стр. 938

قال (١): حدَّثنا ابنُ الأصْبهانيِّ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ وعيسى بنُ يونسَ، عن صالحِ بن أبي الأخضر، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن أسامةَ، عن النبيِّ ﷺ . فذكره سواءً. وحدَّثناه عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا هَنّادُ بنُ السَّريِّ، عن ابنِ المبارك، عن صالح بإسنادِه مثلَه. قال أبو داود (٣): وحدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرٍو الغَزِّيُّ (٤)، قال: سمعتُ أبا مُسْهِرٍ يقول وقيل له: أُبْنَى. فقال: نحنُ أعلمُ، هي يُبْنَى فِلَسطين. قال أبو عُمر: قد روى هذا الحديثَ عن صالح بن أبي الأخضرِ وكيعٌ وعيسى بنُ يونس، فقالا فيه: يُبْنَى. كما قال أبو مُسْهِر؛ حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال (٥): حدَّثنا وكيعٌ، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن أسامةَ بنِ زيد، أنَّ النبيَّ ﷺ بعَثه إلى قريةٍ يقالُ لها: يُبْنَى. فقال: "ائْتِها صباحًا، ثم حرِّقْ" (٦).

стр. 939

وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ كعب، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يونس، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ قال: حدَّثني أسامةُ بنُ زيد، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أغِرْ على يُبْنَى صَباحًا وحرِّقْ" (١). وروَى حمادُ بنُ سَلَمة، عن ثابت، عن أنس، قال: كان رسولُ الله ﷺ يُغِيرُ على العدوِّ عندَ صلاةِ الصبح ويستمِعُ؛ فإن سَمِع أذانًا أمسَك، وإلّا أغار (٢). فهذا كلُّه دليلٌ على أنه ربَّما لم يَدْعُ، وذلك فيمَن بلَغته الدعوةُ، فأمّا مَن لم تبلُغْه الدعوةُ لبُعْدِ دارِه، فلا بُدَّ من دعائِه، قال اللهُ : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وهذا الحديثُ مما رواه يحيى القطّانُ عن حماد بنِ سَلَمة؛ حدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى المقرئ، قال: حدَّثنا ابنُ حَبابة، قال: حدَّثنا

стр. 940

البغويُّ، قال: حدَّثنا زُهيرُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطّان، عن حمادِ بنِ سَلَمة، عن ثابت، عن أنس. الحديثَ بتمامِه (١). وهذا يرُدُّ قولَ مَن قال: إن القَطّانَ لا يُحدِّثُ عن حَمّادِ بنِ سَلَمة (٢). وحدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا أبو الحَسَنِ عليُّ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ نُصيرِ بنِ لُؤلُؤ البغداديُّ بمدينةِ السلام، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، فذكره (٣). وروَى عصامٌ (٤) المزَنيُّ، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَ حديثِ حمّاد، عن ثابت، عن أنس في ذلك (٥). وأمّا قولُه في حديثِ مالك، عن حُميد، عن أنس: بمساحِيهم ومَكاتِلِهم. فإنه يعني المحافِرَ والقِفافَ، كانوا يخرُجون لأعمالهم. وأمّا قولُه: محمدٌ والخَمِيسُ. فالخميسُ: العَسْكرُ والجيش، قال حُميدُ بنُ ثَوْرٍ الهلاليُّ (٦) فيما ذكَرَ بعضُ أهلِ الخبر، ولا يَصِحُّ له. حتى إذا رُفِعَ اللِّواءُ رأيْتَهُ ... تحتَ اللِّواءِ على الخميسِ زَعِيمَا

стр. 941

ويُروَى هذا البيتُ لليلى الأخْيَليّة (١)، وهو صحيحٌ لها، وهذه القصيدةُ مُذهَّبَتُها فيها قولها [من الكامل]: ومُخَرَّقٌ عنه القَمِيصُ تَخالُهُ ... عندَ اللِّقاءِ (٢) مِن الحياءِ سَقِيمَا حتى إذا رُفِعَ اللِّواءُ رأيْتَهُ ... تحتَ اللِّواءِ (٣) على الخَميسِ زَعِيمَا والزعيمُ في هذا الموضع الرئيسُ، ومنه قولُ الشاعر: ولكنَّ الزعامةَ للغلامِ يعني: الرياسة. والزعيمُ في غير هذا: الكفيلُ والضامنُ، من قولِ الله : ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. وقال أبو الحَسَن بنُ لَنْكَك في مقصورتِه: فزارهمُ منّا خميسٌ جَحْفَلٌ ... تَعَثَّرُ منه الخيلُ عَثْرًا بالقَنَا ولبكْرِ بن حمّادٍ في قصيدةٍ له يَرثي بها حَبيبَ بنَ أوْسٍ الطّائيَّ، يُخاطِبُ أخاه سَهْمَ بنَ أوْس: أنَسِيتَ يومَ الجِسْرِ خُلَّةَ وُدِّهِ ... والدَّهْرُ غَضٌّ بالسُّرورِ المُقْبِلِ أيامَ سارَ أبو سعيدٍ واليًا ... نحوَ الجزيرَةِ في خَميسٍ جَحْفَلِ وأمّا قولُه: "إذا نزَلْنا بساحةِ قوم". فالساحةُ والسحسحةُ: عَرْصَةُ الدار. أخبرني خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال:

стр. 942

حدَّثنا سليمانُ بنُ المغيرة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحةَ، قال: كنتُ رديفَ النبيِّ ﷺ ، فلو قلت: إنَّ رُكبَتِي تَمَسُّ رُكبَتَه. صدَقْتُ - يعني: عامَ خيبرَ - قال: فسكَت عنهم حتى إذا كان عندَ السَّحَرِ وذهَب ذو الضَّرْع إلى ضَرْعِه، وذو الزرع إلى زرعِه، أغار عليهم، وقال: "إنَّا إذا نزَلنا بساحةِ قوم، فساء صباحُ المنذَرِين" (١). قال أبو عُمر: قد كان دَعاهم، وذلك موجودٌ في حديثِ سهل بن سعدٍ في قصَّةِ عليّ (٢)، ولا يُشَكُّ في بلوغ دعوتِه خيبرَ؛ لقُرْبِ الديارِ من الديار. وفي هذا الحديثِ إباحةُ الاستشهادِ بالقرآن فيما يَحسُنُ ويَجْمُلُ، وبالله التوفيق (٣).

стр. 943

حديث سادس لحُميد الطَّويل عن أنس متصلٌ صحيحٌ مالكٌ (١)، عن حُميدٍ الطَّويل، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّهُ قال: احتَجَم رسولُ الله ﷺ ؛ حَجَمَه أبو طَيْبَة، فأمَر له رسولُ الله ﷺ بصاعٍ من تَمْر، وأمَرَ أهلَه أن يُخَفِّفوا عنه من خَراجِه. هذا يدُلُّ على أنَّ كسبَ الحَجّام طيَّبٌ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ لا يُوكِلُ إلّا ما يَحِلُّ أكلُه، ولا يَجعَلُ ثَمنًا ولا عِوَضًا ولا جُعْلًا لشيءٍ من الباطل. واختلَفَ العلماءُ في هذا المعنى؛ فقال قوم: حديثُ أنسٍ هذا وما جاءَ في معناه من إعطاءِ رسولِ الله ﷺ الحَجّامَ أجْرَه، ناسخٌ لما حرَّمَه من ثَمَنِ الدَّم، وناسِخٌ لما كَرِهَه (٢) من أكلِ إجارةِ الحَجّام. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم المُقرِئ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ حَبابَةَ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال (٣): حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال (٤): أخبرنا شعبةُ، عن عَوْنِ بنِ أبي جُحيفة، عن أبيه، أنّه اشترَى غُلامًا حَجّامًا، فكسَرَ مَحاجِمَة، أو أمَرَ بها فكُسِرَت، وقال: إن رسولَ الله ﷺ نهى عن ثَمَنِ الدَّم (٥).

стр. 944

وهذا حديثٌ صحيحٌ، وظاهِرُه عندي على غيرِ ما تأوَّلَه أبو جُحيفة، بدليلِ ما في حديث أنسٍ هذا؛ لأنَّ نهيَه ﷺ عن ثَمَنِ الدَّم ليس من أُجرةِ الحَجّام في شيء، وإنّما هو كَنهيِه عن ثَمَنِ الكَلْب، وثَمَنِ الخَمْرِ والخِنْزير، وثَمَنِ الميتة، ونحوِ ذلك. ولما لم يكنْ نَهيُه عن ثَمَنِ الكَلْبِ تحريمًا لصيدِه، كذلك ليس تحريمُ ثَمَنِ الدَّم تحريمًا لأُجرِة الحَجّام؛ لأنه إنّما أخذَ أُجرةَ تعَبِه وعملِه، وكلُّ ما يُنتفَعُ به فجائزٌ بيعُه والإجارَةُ عليه، وقد قال ﷺ : "من السُّنةِ قَصُّ الشَّارِب" (١). وقال: "أحفُوا الشَّواربَ، وأعفُوا اللِّحَى" (٢). وأمَرَ بحَلْقِ الرأسِ في الحجِّ (٣)، فكيفَ تَحرُمُ الإجارَةُ فيما إباحَه اللهُ ورسولُه قولًا وعملًا؟ فلا سبيلَ إلى تسليم ما تأوَّله أبو جُحيفةَ وإن كانت له صُحبةٌ؛ لأنَّ الأُصولَ الصِّحاحَ تَردُّه، ولو كان على ما تأوَّله أبو جُحَيفة، كان مَنْسوخًا بما ذكَرنا، وباللّه توفيقُنا. وقال آخرون: كسبُ الحَجّام كسبٌ فيه دَناءةٌ، وليسَ بمُحرَّم. واحتجُّوا بحديثِ ابنِ مُحيِّصة (٤)، أنَّ النبيَّ ﷺ لم يُرخِّصْ له في أكلِه، وأمَرَه أن يَعلِفَه

стр. 945

نواضِحَه ويُطعِمَه رَقيقَه. وكذلك روَى رِفاعَةُ بنُ رافع (١)، قال: نَهانا رسولُ الله ﷺ عن كَسبِ الحَجّام، وأمَرَنا أن نُطْعِمَه نواضِحَنا. فهذا يدُلُّ على أنَّه نَزَّهَهم عن أكلِه، ولو كان حرامًا لم يَأمُرْهم أن يُطعِموه رَقيقَهم، لأنَّهم مُتعبَّدُونَ فيهم كما تُعُبِّدُوا في أنفسِهم. هذا قولُ الشّافعيِّ وأتباعِه. وأظُنُّ الكراهةَ منهم في ذلك من أجل أنَّه ليس يَخرُجُ مَخْرَجَ الإجارَة، لأنَّه غيرُ مُقدَّرٍ ولا معلوم؛ وإنَّما هو عمل يُعطَى عليه عامِلُه ما تَطِيبُ به نَفسُ المعمولِ له، وربَّما لم تَطِبْ نفسُ العامل بذلك، فكأنَّه شيءٌ قد نُسِخَ، يُشْبهُ الإجارَةَ والبُيوعَ والجُعْلَ المُقدَّرَ المعلوم. وهكذا دخولُ الحَمّام عندَ بعضهم. وقد بلَغَني أنَّ طائفةً من الشَّافعيِّينَ كَرِهُوا دخولَ الحَمّام إلا بشيءٍ معروفٍ وإناءٍ معلوم، وشيءٍ محدودٍ يُوقَفُ عليه؛ من تناوُلِ الماءِ وغيره. وهذا شديدٌّ جدًّا، وفي تواترِ العمل بالأمصار في دخول الحَمّام وأجرةِ الحَجّام، ما يَرُدُّ قولهم، وحديثُ أنسٍ هذا شاهِدٌ على تجويزِ أُجرةِ الحَجّام بغير سَوْمٍ ولا شيءٍ معلوم قبلَ العمل؛ لأنّه لم يُذكَرْ ذلك فيه، ولو ذُكِرَ لنُقِلَ، وحسبُك بهذا حُجّة. وإذا صَحَّ هذا كان أصلًا في نفسِه وفيما كان مثلَه، ولم يَجُزْ لأحدٍ رَدُّه، واللهُ أعلم.

стр. 946

أخبرنا سعيدُ بنُ سيِّدٍ وعبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عليّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: سمِعتُ أبا جعفرٍ السَّبَنيَّ (١) يقول: لم يكنْ نَهيُ النبيِّ ﷺ عن كسبِ الحَجّام لتحريم، إنَّما كان على التَّنزُّه، وكانت قريشٌ تَكرَهُ أن تأكُلَ من كسبِ غِلمانِها في الحِجامَة، وكان الرجلُ في أول الإسلام يأخُذُ من شَعَرِ أخيه ولحيتِه، ولا يأخُذُ منه على ذلك شيئًا. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا أبانُ، عن يحيى، عن إبراهيمَ بن عبدِ الله بنِ قارظ، عن السّائِبِ بنِ يَزِيد، عن رافع بنِ خَديج، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "كسبُ الحَجّام خبيثٌ، وثمنُ الكلبِ خبيثٌ، ومَهرُ البَغيّ خبيثٌ". وهذا الحديثُ لا يخلُو أن يكونَ منسوخًا منه كسبُ الحَجّام بحديثِ أنسٍ وابنِ عبّاسٍ والإجماع على ذلك، أو يكونَ على جهةِ التَّنزهِ كما ذكَرنا، وليس في عطفِ ثمنِ الكلبِ ومَهرِ البَغيِّ عليه، ما يُتعَلَّقُ به في تحريم كسبِ الحَجّام؛ لأنَّه قد يُعْطَفُ الشيءُ على الشيءِ وحُكمُه مختلِفٌ، وقد بَينّا ذلك في غيرِ هذا الموضع، والحمدُ لله.

стр. 947

حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله المِهْرانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الوليدِ القرشيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّاب بنُ عبدِ المجيد، قال: حدَّثنا خالدٌ الحَذّاء، عن محمدِ بنِ سيرين، عن ابنِ عبّاس، أنَّ رسولَ الله ﷺ احتجَم وأعطى الحَجّام أجْرَه. قال ابنُ عبّاس: ولو كان به بأسٌ لم يُعْطِه (١). هكذا قال خالدٌ الحَذّاء: عن محمدِ بنِ سيرين، عن ابنِ عبّاس. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدَّثنا خالدٌ الحَذّاء، عن عِكْرِمة، عن ابنِ عبّاس، قال: احتجَم رسولُ الله ﷺ وأعطَى الحَجّامَ أجرَه، ولو عَلِمَه خبيثًا لم يُعطِه. وفي هذا الحديثِ إباحةُ الحِجامة، وفي معناها إباحَةُ التَّداوي كلِّه بما يُؤلِمُ وبما لا يُؤلِمُ، إذا كان يُرْجَى نفعُه. وقد بَينّا ما للعلماءِ في إباحةِ التَّداوِي والرُّقَى من الاختلافِ والتنازع، وما في ذلك من الآثار، في باب زيدِ بن أسلم، والحمدُ لله.

стр. 948

حديثٌ سابعٌ لحُمَيْد الطويل، عن أنسَ هو موقوفٌ في "الموطَّأ" وأسنَدَتْه طائفةٌ عن مالك ليسوا في الحفظِ هناك مالكٌ (١)، عن حُميدٍ الطويل، عن أنسِ بنِ مالك، قال: قُمْتُ وراءَ أبي بكر، وعُمرَ، وعُثمانَ، فكُلُّهم كان لا يَقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذا افتتَحَ الصَّلاة. هكذا هو في "الموطأ" عندَ جماعةِ رُواتِه فيما عَلِمْتُ مَوقوفًا (٢). ورَوَتْه طائفةٌ عن مالكٍ فرفَعتْه؛ ذكَرتْ فيه النبيَّ ﵇، وليس ذلك بمحفوظٍ فيه عن مالك. وممن رواه مرفوعًا عن مالكٍ: الوليدُ بنُ مسلم. حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمان، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وزير، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن حُميد، عن أنس، قال: صلَّيتُ خلفَ رسولِ الله ﷺ ، وأبي بكر، وعُمرَ، وعثمان، فكُلُّهم كان لا يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذا افتتَحَ الصَّلاة. وذكَره أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ أبي داودَ سليمانَ بنِ الأشْعَث، فقال: حدَّثنا محمدُ بنُ الوزير الدمشقيُّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن مالكِ بنِ أنس، عن حُميد، عن أنس، قال: صلَّيْتُ خلفَ النبيِّ ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يَفتَتِحونَ القراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لا يذكُرون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣). ورُوِيَ عن أبي قُرِّةَ موسى بنِ طارق، عن مالكٍ أيضًا مرفوعًا.

стр. 949

حدَّثنا محمدٌ (١)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر (٢)، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدِ بن يحيى (٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الأزْهَر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا أبو قُرَّةَ، عن مالك، عن حُميد، عن أنس، قال: صلَّيتُ خلفَ رسولِ الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمرَ، فلم يكونوا يَجْهَرون بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وهذا خطأٌ كلُّه خلافُ ما في "الموطّأ". ورواه إسماعيلُ بنُ موسى السُّدِّيُّ، عن مالكٍ مرفوعًا أيضًا، إلّا أنه اختُلِفَ عنه في لفظِه. حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ إبراهيمَ بنِ مُشْكانَ المَرْوَزِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمودٍ المَرْوَزِيُّ (٤)، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى السُّدِّيُّ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن حُميد، عن أنس، أنَّ النبيَّ ﷺ ، وأبا بكر، وعمرَ، وعثمانَ كانوا يَفتتِحون القِراءَة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الشّافعيُّ من كتابه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ اللَّيْثِ الجَوْهريُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى،

стр. 950

قال: حدَّثنا مالكٌ، عن حُميد، عن أنس، أنَّ النبيَّ ﷺ ، وأبا بكر، وعمرَ، وعثمان كانوا لا يَسْتَفْتِحون بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ورفَعه - أيضًا - ابنُ أخي ابنِ وَهْب، عن ابنِ وَهْب، عن مالك. حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ صالح المُقرِئ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي داودَ السِّجِسْتانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن بنِ وَهْب، قال: حدَّثنا عَمِّي عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمرَ، ومالكُ بنُ أنس، وسفيانُ بنُ عُيَيْنة، عن حُميد، عن أنس، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان لا يَجهَرُ في القراءة بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١). فهذا ما بلَغنا من الاختلافِ على مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ولفظِه، وهو في "الموطأ" موقوفٌ ليس فيه ذِكرُ النبيِّ ﷺ . وقد روَى هذا الحديثَ عن أنس: قتادةُ (٢) وثابت البُنانيُّ (٣) وغيرُهما كلُّهم أسندَه وذكَر فيه النبيَّ ﷺ ، إلّا أنَّهم اختُلِفَ عليهم في لَفْظِه اختِلافًا كثيرًا مضطرِبًا مُتدافِعًا (٤)؛ منهم مَن يقول فيه: كانوا لا يَقرَؤون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ومنهم مَن يقول: كانوا لا يَجْهَرون بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وقد قال بعضُهم فيه: كانوا يَجْهَرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وقال بعضهم: كانوا يَقرَؤون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾،

стр. 951

ومنهم مَن قال: كانوا لا يَترُكون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ومنهم مَن قال: كانوا يَفتَتِحون القراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهذا اضطرابٌ لا تقومُ معه حُجَّةٌ لأحدٍ من الفقهاء. وقد رُوِيَ عن أنسٍ أنّه سُئِلَ عن هذا الحديث، فقال: كَبِرْنا ونَسِينا. وقد أوضَحنا ما للعلماءِ في قراءة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، في "فاتحة الكتاب " وغيرها بوجوهِ اعتِلالِهم وآثارِهم، وما نَزَعُوا به في ذلك، في كتاب جَمَعْتُه في ذلك؛ وهو كتاب "الإنصاف فيما بينَ علماءِ المسلمينَ في قراءة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ في فاتحة الكتابِ من الاختلاف". ومضى في ذلك أيضًا ما يَكْفي ويَشْفي في هذا الكتابِ عندَ قوله ﷺ في حديثِ مالك، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمن: "قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبينَ عَبْدِي نَصْفَين؛ فنصفُها لي، ونصفُها لعبدِي، ولعبدِي ما سأل؛ اقرؤوا يقولُ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الحديثَ بتمامِه إلى آخر السورة (١). وهو أقطعُ حديثٍ في تَرْك: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ والله أعلم - لأنَّ غيرَه من الأحاديثِ قد تأوَّلُوا فيها فأكْثَروا التَّشْعِيبَ والمُنازعة، وبالله التوفيق. قال أبو عُمر: الاختلافُ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ على أوجه: أحدُها: هل هي من القرآن في غير سورة "النمل"؟ والآخر: هل هي آيةٌ من "فاتحة الكتاب"، أو هي آية من أوّلِ كلِّ سورةٍ من القرآن؟ والثالث: هل تَصِحُّ الصلاةُ دونَ أن يُقرَأ بها مع "فاتحة الكتاب"؟ والرابع: هل تُقرَأ في النوافل دون الفرائض؟ ونَختصرُ القولَ في القراءة بها هاهنا؛ لأنا قد استَوْعَبْنا القولَ في ذلك كلِّه ومهَّدناه في كتاب "الإنصافِ فيما بينَ العلماءِ من الاختلاف" في ذلك.

стр. 952

قال مالأ: لا تُقرَأُ في المكتوبةِ سِرًّا ولا جَهْرًا، وفي النافلةِ إن شاء فعَل، وإن شاء ترَك. وهو قولُ الطَّبريّ. وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفة، وابنُ أبي ليلى، وأحمدُ بنُ حَنْبل: تُقرَأُ مع "أُمِّ القُرآن" في كلِّ ركعة. إلّا أنَّ ابنَ أبي ليلى قال: إن شاء جهَر بها، وإن شاء أخْفاها. وقال سائرُهم: يُخْفِيها. وقال الشافعيُّ: هي آيةٌ من "فاتحةِ الكتاب" يُخفِيها إذا أخفَى، ويَجْهَرُ بها إذا جهَر. واختلَف قولُه؛ هل هي آيَة في أوَّل كلِّ سورةٍ أم لا؟ على قولين؛ أحدُهما: هي، وهو قولُ ابنِ المبارك. والثاني: لا، إلّا في "فاتحة الكتاب". وقد أشبَعْنا هذا البابَ وبَسَطْناه بحُجَّةِ كلِّ فِرقَةٍ في كتاب "الإنصاف". وفي بابِ العلاءِ من هذا الكتاب، والحمدُ لله. ومما هو موقوفٌ في "الموطّأ" وقد أسنَده عن مالكٍ مَن لا يُوثَقُ بحفظِه أيضًا، ما أخبرناه محمدٌ (١)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ أحمدَ بنِ حامدٍ المُعدَّل، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مَيمون، قال: قُرِئَ على محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الحَكَم: أخْبَركم ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنس وعبدُ الله بنُ عمرَ ويحيى بنُ أيوب، عن حُميد، عن أنس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ثلاثٌ للثَّيِّب، وسَبْع للبكر". لم يُسنِدْه غيرُ ابنِ وَهْبٍ إن صَحَّ عنه، وهو في "الموطّأ" عندَ جميعهم موقوفٌ. وقد ذكَرْنا معنى هذا الحديثِ مُجَوَّدًا مَبسُوطًا مُمَهَّدًا بما فيه للعلماءِ من المذاهبِ في بابِ عبدِ الله بن أبي بكر (٢)، والحمدُ لله (٣).

стр. 953

بابُ حُمَيْدٍ الأعرَج المكيّ (١) وهو حُمَيْد بن قَيْس مولى بني فزَارة، ومَن نَسَبَهُ إلى ولاء بني فزَارة، قال: هو مولى آل مَنْظور بن سَيّار. وقيل: مولى عَفْراء بنت سَيّار بن مَنْظور. وقال مُصْعَبٌ الزُّبيري: مولى أُمِّ هاشم بنت سَيّار بن مَنْظور الفَزَاري امرأةِ عبد الله بن الزُّبير، فنُسِبَ إلى آل الزُّبير، ويقال: مولى بني أسَد، وآلُ الزُّبير أسَديُّون أسَدَ قُريش. وحُميد بن قَيْس مكي ثقة صاحبُ قُرآن، يُكْنَى أبا صَفْوان، وقيل: أبا عبد الرَّحمن، وإليه يُسنِد كثير من أهل مكةَ قراءتهم، وإلى عبد الله بن كَثِير وابن مُحَيْصِن. وأخوه عُمر بن قَيْس هو المعروف بسَنْدَل، مكيٌّ ضعيفٌ عندَهم (٢). حدَّثني عبدُ الوارث بن سُفيان، قال: حدَّئنا قاسمُ بنُ أصْبَغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثثا ابنُ أبي أُوَيس، قال: حدَّثني أبي، عن حُميد بن قيس المكي مولى بني أسد بن عبد العُزى، قال أحمدُ بن زهير: وسمعتُ يحيى بن مَعِين يقول: حُميد بن قيس المكي ثقة (٣). قال أبو عُمر: لمالك عنه ستة أحاديث مرفوعة في "الموطأ"؛ منها حديثان مُتَّصلان مُسْندان، ومنها حديث ظاهرُه موقوف، ومنها ثلاثة مُنْقَطِعات؛ أحدها شَرِكَهُ فيه ثَوْر بن زَيْد، وقد تقدم ذكره في باب ثور بن زيد، وتأتي الخمسة في بابه هذا إن شاء الله.

стр. 954

حديثٌ أوّلُ لحُمَيْد بن قَيْس مالكٌ (١)، عن حُمَيْدِ بنِ قَيْس، عن مُجاهدٍ أبي الحجّاج، عن ابن أبي ليلى، عن كَعْب بن عُجْرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال له: "لعلَّك آذاكَ هوامُّكَ؟ "، قال: فقلتُ: نعم يا رسولَ الله. فقال رسولُ الله ﷺ : "احلِقْ رأسَكَ، وصُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطعِمْ ستةَ مساكين، أو انسُكْ بشاةٍ". هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ عن مالكٍ بهذا الإسنادِ مُتصلًا، وتابَعه القَعْنَبيُّ (٢)، والشافعيُّ (٣)، وابنُ عبدِ الحكم، وعَتِيقُ بنُ يعقوبَ الزُّبيريُّ، وابنُ بُكيْر (٤)، وأبو مُصعب (٥)، وأكثرُ الرواة (٦)، وهو الصَّواب. ورواه ابنُ وَهْب (٧)، وابنُ القاسم، وابنُ عُفير، عن مالك، عن حُميدِ بنِ قَيْس، عن مُجاهد، عن كعبِ بنِ عُجْرَة، لم يذكُروا ابنَ أبي ليلى (٨).

стр. 955

وكذلك اختلَف الرواةُ عن مالكٍ في حديثه عن عبد الكريم الجَزَريِّ في حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرةَ هذا. وسنَذكرُ ذلك في بابِه من كتابِنا هذا، إنْ شاء الله. والحديثُ لمُجاهدٍ عن ابنِ أبي ليلى صحيح لا شكَّ فيه عندَ أهل العلم بالحديث، رواه ابنُ أبي نَجيح (١)، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجرة. وكذلك رواه أبو بِشْر (٢)، وأيوبُ (٣)، وابنُ عون (٤)، وغيرُهم (٥)، عن مُجاهد، عن ابنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجرة. وهو الصحيحُ من روايةِ حميدِ بنِ قَيْس وعبدِ الكريم الجَزَريِّ (٦)، عن مُجاهد، عن ابنِ أبي ليلى، عن كَعْبِ بن عُجْرة. وابنُ أبي ليلى هذا هو عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى، من كبار تابعي الكوفة،

стр. 956

وهو والدُ محمدِ بن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى فقيهِ الكوفةِ وقاضيها، ولأبيه أبي ليلى صُحبة، وقد ذكَرناه في كتابِنا من كتاب "الصحابة" (١) بما يُغني عن ذكرِه هاهنا. قال أبو عُمر: لم يذكُرْ حُميدُ بنُ قَيْس في هذا الحديثِ كم الإطعام، وقد رواه جمماعةٌ عن مُجاهدٍ كذلك لم يذكُروه، وذكَرَه جماعةٌ عن مُجاهد؛ منهم عبدُ الكريم الجَزَريُّ، من روايةِ مالك، وذكَره من غير روايةِ مالكٍ من حديثِ مُجاهدٍ وغيره جماعةٌ. ومَن ذكَره حجَّةٌ على مَن لم يذكُرْه. ولم يَذكُرْ حُميدٌ أيضًا في هذا الحديثِ العلَّةَ التي أوجَبتْ ذلك القولَ من رسولِ الله ﷺ لكَعْبِ بنِ عُجْرة، ولا الموضعَ الذي قال له ذلك فيه. وكان ذلك القولُ منه لكعبٍ وهو مُحرِمٌ زمنَ الحديبية؛ ذكَر ذلك جماعةٌ من حديثِ مُجاهدٍ وغيره. وروَى مالكٌ، عن عبدِ الكريم بن مالكٍ الجَزَريِّ، عن مُجاهد، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، عن كَعْب بن عُجْرة، أنه كان مع رسول الله ﷺ وهو مُحْرم، فآذاه القَمْلُ في رأسِه، فأمَره رسولُ الله أن يَحْلِقَ رأسَه، وقال: "صُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطْعِمْ ستةَ مساكين؛ مُذَيْنِ مُدَّين، أو انْسُكْ بشاة، أيَّ ذلك فعلتَ أجزَأ عنك" (٢). أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (٣)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال:

стр. 957

حدَّثنا أبي، عن ابنِ إسحاق، قال: حدَّثنا أبانُ - يعني ابنَ صالح - عن الحكم بن عُتَيْبة، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجرةَ الأنصاريِّ، قال: أصابني هوامُّ في رأسي وأنا مع رسولِ الله ﷺ عامَ الحديبيةِ حتى تخوَّفتُ على بصري. قال: فأنزل اللهُ : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، فدَعاني رسولُ الله ﷺ فقال: "احلِقْ رأسَك، وصُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطعِمْ ستّة مساكينَ فَرَقًا من زَبِيب، أو انسُكْ شاةً". فحلَقْتُ رأسي ثم نسَكْتُ. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ عُمرَ، قال: حدَّثنا شعبة، عن أبي بِشْر، عن مُجاهد، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، عن كَعْبِ بنِ عُجْرة، قال: مِلْتُ إلى رسولِ الله ﷺ والقملُ تَتناثَرُ على وجهي، فقال: "يا كعبُ، ما كنتُ أُرَى أن الجَهدَ بَلَغ بك ما أرَى". فأمرَني أن أحْلِقَ رأسي، وأنْسُكَ نَسِيكةً، أو أُطعِمَ ستّةَ مساكينَ، أو أصومَ ثلاثةَ أيام (١). وفي رواية ابنِ أبي نَجيح (٢)، عن مُجاهد، عن ابنِ أبي ليلى، عن كَعْبِ بنِ عُجْرة، قال: "صُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطعِمْ فَرَقًا بينَ ستَّةِ مساكينَ". ورواهُ أبو قِلابةَ: "أو اذْبَحْ شاةً"، من حديث مَعْمر، وسَيفِ بن سُليمان، وورقاءَ، وابنِ عُيَيْنة، عن ابنِ أبي نَجيح. وكذلك رواه مَعمَرٌ، عن أيوبَ، عن مُجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجْرة، قال فيه: أو تُطْعِمَ فَرَقًا بينَ ستّةِ مساكين (٣).

стр. 958

ورواه أبو قِلابة (١)، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجْرة، قال فيه: "فاحْلِقْ شَعرَكَ، واذْبَحْ شاةً، أو صُمْ ثلاثةَ أيام، أو تَصَدَّقْ بثلاثةِ آصُع تمرٍ بينَ ستَّةِ مساكين". وكذلك قال سُليمانُ بنُ قَرْم (٢)، عن عبدِ الرحمن بنِ الأصبهانيِّ، عن عبدِ الله بنِ مَعْقِل المُزَنيِّ، سمع كَعْبَ بنَ عُجْرةَ في هذا الحديث، قال: "أتَقْدِرُ على نُسُك؟ ". قال: لا. قال: "فصُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطعِمْ ستَّةَ مساكين؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاع من تمر". ورواه أبو عَوانة (٣)، عن عبدِ الرحمن بن الأصبهانيِّ، بإسنادِه مثلَه سواء. وكذلك روى أشعثُ (٤)، عن الشعبيِّ، عن عبدِ الله بنِ مَعْقِل، عن كَعْبِ بنِ عُجْرةَ: إطعامَ ثلاثةِ آصُع تمرٍ بينَ ستَّةِ مساكين. ورواه شعبةُ (٥)، عن عبدِ الرحمن بنِ الأصبهانيِّ، سمع عبدَ الله بنَ مَعْقِل، سمعَ كعبَ بنَ عُجرةَ في هذا الحديث، قال: "أو أطعِمْ ستّةَ مساكين؛ كلَّ مسكينٍ

стр. 959

نصفَ صاع من طعام". هكذا يقولُ شعبةُ في هذا الحديث بهذا الإسناد: "من طعام". لم يقل: "من تَمْر". قال أبو عُمر: من روَى هذا الحديثَ عن أبي قِلابة، عن كَعْبِ بنِ عُجْرة (١)، أو عن الشعبيِّ، عن كعبِ بنِ عُجْرة (٢)، فليسَ بشيء، والصحيحُ فيه: عن أبي قِلابة، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجْرة. وأمّا الشعبيُّ فاختُلِف فيه عليه؛ فرواه بعضهم عنه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن كعب بنِ عُجرة (٣). وبعضُهم عنه، عن عبدِ الله بنِ مَعْقِل، عن كعبِ بنِ عُجْرة (٤). وبعضُهم جعَله عن الشعبيِّ، عن كَعْبِ بنِ عُجْرة، ولم يسمَع الشعبيُّ من كعبِ بنِ عُجْرة، ولا سَمِعه أبو قِلابةَ من كعبِ بنِ عُجرة، والله أعلم. قال أبو عُمر: كلُّ مَن ذكَر النُّسُكَ في هذا الحديثِ مُفَسَّرًا، فإنَّما ذكَره بشاة، وهو أمرٌ لا خلافَ فيه بينَ العلماء. وأمّا الصومُ والإطعامُ فاختلَفوا فيه، فجمهورُ فقهاءِ المسلمينَ على أن الصومَ ثلاثةُ أيام. وهو محفوظٌ صحيحٌ في حديثِ كعبِ بنِ عُجْرة.

стр. 960

وجاء عن الحَسَن، وعِكْرِمة، ونافع، أنهم قالوا: الصومُ في فديةِ الأذَى عشَرةُ أيام، والإطعامُ عشَرةُ مساكين (١). ولم يقلْ بهذا أحدٌ من فقهاءِ الأمصارِ ولا أئمَّةِ أهل الحديث. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثني عمِّي إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّل، قال: حدَّثنا ابنُ عَوْن، عن مُجاهد، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى، قال: قال كعبُ بنُ عُجرة: فيَّ أُنزِلتْ هذه الآية، أتيْتُ النبيَّ ﷺ فقال: "ادْنُه". فدَنَوْتُ مرتينِ أو ثلاثًا، فقال: "أتُؤْذِيكَ هَوامُّك؟ ". قال ابنُ عَوْن: وأحسَبُه قال: نعم. قال: فأمَرني بصيام، أو صدقة، أو نُسُك مما تَيسَّر (٢). قال إسماعيل: وحدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، عن مجاهد، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجْرة، قال: أتى عليَّ رسولُ الله ﷺ زمنَ الحديبيةِ وأنا أُوقِدُ تحتَ بُرْمَة لي والقَمْلُ يَتناثَرُ على وجهي، فقال: "أتُؤْذِيكَ هوَامُّ رأسِك؟ ". قلت: نعم. قال: "احْلِقْ، وصُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطعِمْ ستّةَ مساكين، أو انسُكْ نَسِيكَةً". قال أيوب: لا أدري بأيِّها بدَأ (٣). وحدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، قال: سمعتُ مجاهدًا يُحدِّثُ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، عن كَعْبِ بنِ عُجْرة، قال: أتى عليَّ رسولُ الله ﷺ زمنَ الحديبية، فذكَره حرفًا بحرف (٤).

стр. 961

ورواه أبو الزُّبير، عن مجاهد؛ قال: حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابق، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمان، عن أبي الزُّبير، عن مُجاهد، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، عن كَعْبِ بنِ عُجْرةَ الأنصاريِّ، أنه حدَّثه، أنه كان أهَلَّ في ذي القَعْدَة، وأنَّه قَمِل رأسُه، فأتى عليه النبيُّ ﷺ وهو يُوقِدُ تحتَ قِدْر له، فقال له: "كأنَّك تُؤْذِيك هَوامُّ رأسِك؟ ". قال: أجل. قال: "احْلِقْ، وأهْدِ هَدْيًا". فقال: ما أجِدُ هدْيًا. قال: "فأطعِمْ ستَّةَ مساكين". فقال: ما أجدُ. فقال: "صُمْ ثلاثةَ أيام" (١). قال أبو عُمر: كأنَّ ظاهرَ هذا الحديثِ على الترتيب، وليس كذلك، ولو صحَّ هذا كان معْناه الاختيارَ أولًا فأولًا، وعامّةُ الآثارِ عن كَعْبِ بنِ عُجْرةَ ورَدَتْ بلفظِ التخيير، وهو نصُّ القرآن، وعليه مضى عملُ العلماءِ في كلِّ الأمصارِ وفتواهم، وبالله التوفيق. واختلَف الفقهاءُ في الإطعام في فديةِ الأذى؛ فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابُهم: الإطعامُ في ذلك مُدّانِ مُدّانِ بمُدِّ النبيّ ﷺ . وهو قولُ أبي ثور، وداود. ورُوِي عن الثوريِّ أنّه قال في الفدية: من البُرِّ نصفُ صاع، ومن التمرِ والشعيرِ والزبيبِ صاع. ورُوِي عن أبي حنيفةَ أيضًا مثلُه، جعل نصفَ صاع بُرٍّ عدْلَ صاع تمر. وهذا على أصلِه في ذلك، وهذا (٢) قولٌ يردُّه حديثُ النبيِّ ﷺ في كعبِ بنِ عُجْرةَ إذ قال: "ثلاثةُ آصُع من تمرٍ بينَ ستّةِ مساكينَ".

стр. 962

وقال أحمدُ بنُ حنبل مرَّةً كما قال مالكٌ والشافعيُّ، ومرةً قال: إن أطعَم بُرًّا فمُدٌّ لكُلِّ مسكين، وإن أطعَم تمرًا فنصفُ صاع (١). قال أبو عُمر: لم يختلفِ الفقهاءُ أن الإطعام إنَّما هو لستَّةِ مساكين، إلّا ما ذكَرنا عن الحَسَن، وعِكْرِمة، ونافع (٢)، وهو قولٌ لا يُعَّرُج عليه؛ لأنَّ السنّةَ الثابتةَ تدفَعُه. وقال مالكٌ ﵀: لا يُجزِئُه أن يُغَدِّيَ المساكينَ ويُعَشِّيَهم في كفار الأذَى حتى يُعطيَ كلَّ مسكينٍ مُدَّينِ مُدَّيْنِ بمُدِّ النبيِّ ﷺ . وبذلك قال الثوريُّ، والشافعيُّ، ومحمدُ بنُ الحَسَن. وقال أبو يوسف: يُجْزِئُه أنْ يُغَدِّيَهم ويُعَشِّيَهم. قال أبو عُمر: قال اللهُ : ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال ابنُ عبّاس (٣): المرضُ: أن يكونَ برأسِه قُروحٌ، والأذَى: القَمْلُ. وقال عطاء (٤): المرضُ: الصداعُ والقَمْلُ وغيرُه. وحديثُ كعبِ بنِ عُجْرةَ أوضحُ شيءٍ في هذا وأصَحُّه، وأوْلى ما عُوِّلَ عليه في هذا الباب، وهو الأصل. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ كامل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج بنِ رِشْدِين، قال: سمعتُ أحمدَ بنَ صالح - يعني المصريَّ - يقول: حديثُ كَعْبِ بنِ عُجْرةَ في الفِدْية سُنَّةٌ معمولٌ بها، لم يَرْوِها أحدٌ من الصحابةِ غيرُه، ولا رواها عن كعبِ بنِ عُجْرةَ إلّا رجلان؛ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى، وعبدُ الله بنُ مَعْقِل، وهذه سنَّةٌ أخذَها أهلُ المدينةِ وغيرُهم عن أهل الكوفة.
следующие страницы →