← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 958–997 · переход к 963.

стр. 958

ورواه أبو قِلابة (١)، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجْرة، قال فيه: "فاحْلِقْ شَعرَكَ، واذْبَحْ شاةً، أو صُمْ ثلاثةَ أيام، أو تَصَدَّقْ بثلاثةِ آصُع تمرٍ بينَ ستَّةِ مساكين". وكذلك قال سُليمانُ بنُ قَرْم (٢)، عن عبدِ الرحمن بنِ الأصبهانيِّ، عن عبدِ الله بنِ مَعْقِل المُزَنيِّ، سمع كَعْبَ بنَ عُجْرةَ في هذا الحديث، قال: "أتَقْدِرُ على نُسُك؟ ". قال: لا. قال: "فصُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطعِمْ ستَّةَ مساكين؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاع من تمر". ورواه أبو عَوانة (٣)، عن عبدِ الرحمن بن الأصبهانيِّ، بإسنادِه مثلَه سواء. وكذلك روى أشعثُ (٤)، عن الشعبيِّ، عن عبدِ الله بنِ مَعْقِل، عن كَعْبِ بنِ عُجْرةَ: إطعامَ ثلاثةِ آصُع تمرٍ بينَ ستَّةِ مساكين. ورواه شعبةُ (٥)، عن عبدِ الرحمن بنِ الأصبهانيِّ، سمع عبدَ الله بنَ مَعْقِل، سمعَ كعبَ بنَ عُجرةَ في هذا الحديث، قال: "أو أطعِمْ ستّةَ مساكين؛ كلَّ مسكينٍ

стр. 959

نصفَ صاع من طعام". هكذا يقولُ شعبةُ في هذا الحديث بهذا الإسناد: "من طعام". لم يقل: "من تَمْر". قال أبو عُمر: من روَى هذا الحديثَ عن أبي قِلابة، عن كَعْبِ بنِ عُجْرة (١)، أو عن الشعبيِّ، عن كعبِ بنِ عُجْرة (٢)، فليسَ بشيء، والصحيحُ فيه: عن أبي قِلابة، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجْرة. وأمّا الشعبيُّ فاختُلِف فيه عليه؛ فرواه بعضهم عنه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن كعب بنِ عُجرة (٣). وبعضُهم عنه، عن عبدِ الله بنِ مَعْقِل، عن كعبِ بنِ عُجْرة (٤). وبعضُهم جعَله عن الشعبيِّ، عن كَعْبِ بنِ عُجْرة، ولم يسمَع الشعبيُّ من كعبِ بنِ عُجْرة، ولا سَمِعه أبو قِلابةَ من كعبِ بنِ عُجرة، والله أعلم. قال أبو عُمر: كلُّ مَن ذكَر النُّسُكَ في هذا الحديثِ مُفَسَّرًا، فإنَّما ذكَره بشاة، وهو أمرٌ لا خلافَ فيه بينَ العلماء. وأمّا الصومُ والإطعامُ فاختلَفوا فيه، فجمهورُ فقهاءِ المسلمينَ على أن الصومَ ثلاثةُ أيام. وهو محفوظٌ صحيحٌ في حديثِ كعبِ بنِ عُجْرة.

стр. 960

وجاء عن الحَسَن، وعِكْرِمة، ونافع، أنهم قالوا: الصومُ في فديةِ الأذَى عشَرةُ أيام، والإطعامُ عشَرةُ مساكين (١). ولم يقلْ بهذا أحدٌ من فقهاءِ الأمصارِ ولا أئمَّةِ أهل الحديث. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثني عمِّي إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّل، قال: حدَّثنا ابنُ عَوْن، عن مُجاهد، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى، قال: قال كعبُ بنُ عُجرة: فيَّ أُنزِلتْ هذه الآية، أتيْتُ النبيَّ ﷺ فقال: "ادْنُه". فدَنَوْتُ مرتينِ أو ثلاثًا، فقال: "أتُؤْذِيكَ هَوامُّك؟ ". قال ابنُ عَوْن: وأحسَبُه قال: نعم. قال: فأمَرني بصيام، أو صدقة، أو نُسُك مما تَيسَّر (٢). قال إسماعيل: وحدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، عن مجاهد، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجْرة، قال: أتى عليَّ رسولُ الله ﷺ زمنَ الحديبيةِ وأنا أُوقِدُ تحتَ بُرْمَة لي والقَمْلُ يَتناثَرُ على وجهي، فقال: "أتُؤْذِيكَ هوَامُّ رأسِك؟ ". قلت: نعم. قال: "احْلِقْ، وصُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطعِمْ ستّةَ مساكين، أو انسُكْ نَسِيكَةً". قال أيوب: لا أدري بأيِّها بدَأ (٣). وحدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، قال: سمعتُ مجاهدًا يُحدِّثُ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، عن كَعْبِ بنِ عُجْرة، قال: أتى عليَّ رسولُ الله ﷺ زمنَ الحديبية، فذكَره حرفًا بحرف (٤).

стр. 961

ورواه أبو الزُّبير، عن مجاهد؛ قال: حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابق، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمان، عن أبي الزُّبير، عن مُجاهد، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلى، عن كَعْبِ بنِ عُجْرةَ الأنصاريِّ، أنه حدَّثه، أنه كان أهَلَّ في ذي القَعْدَة، وأنَّه قَمِل رأسُه، فأتى عليه النبيُّ ﷺ وهو يُوقِدُ تحتَ قِدْر له، فقال له: "كأنَّك تُؤْذِيك هَوامُّ رأسِك؟ ". قال: أجل. قال: "احْلِقْ، وأهْدِ هَدْيًا". فقال: ما أجِدُ هدْيًا. قال: "فأطعِمْ ستَّةَ مساكين". فقال: ما أجدُ. فقال: "صُمْ ثلاثةَ أيام" (١). قال أبو عُمر: كأنَّ ظاهرَ هذا الحديثِ على الترتيب، وليس كذلك، ولو صحَّ هذا كان معْناه الاختيارَ أولًا فأولًا، وعامّةُ الآثارِ عن كَعْبِ بنِ عُجْرةَ ورَدَتْ بلفظِ التخيير، وهو نصُّ القرآن، وعليه مضى عملُ العلماءِ في كلِّ الأمصارِ وفتواهم، وبالله التوفيق. واختلَف الفقهاءُ في الإطعام في فديةِ الأذى؛ فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابُهم: الإطعامُ في ذلك مُدّانِ مُدّانِ بمُدِّ النبيّ ﷺ . وهو قولُ أبي ثور، وداود. ورُوِي عن الثوريِّ أنّه قال في الفدية: من البُرِّ نصفُ صاع، ومن التمرِ والشعيرِ والزبيبِ صاع. ورُوِي عن أبي حنيفةَ أيضًا مثلُه، جعل نصفَ صاع بُرٍّ عدْلَ صاع تمر. وهذا على أصلِه في ذلك، وهذا (٢) قولٌ يردُّه حديثُ النبيِّ ﷺ في كعبِ بنِ عُجْرةَ إذ قال: "ثلاثةُ آصُع من تمرٍ بينَ ستّةِ مساكينَ".

стр. 962

وقال أحمدُ بنُ حنبل مرَّةً كما قال مالكٌ والشافعيُّ، ومرةً قال: إن أطعَم بُرًّا فمُدٌّ لكُلِّ مسكين، وإن أطعَم تمرًا فنصفُ صاع (١). قال أبو عُمر: لم يختلفِ الفقهاءُ أن الإطعام إنَّما هو لستَّةِ مساكين، إلّا ما ذكَرنا عن الحَسَن، وعِكْرِمة، ونافع (٢)، وهو قولٌ لا يُعَّرُج عليه؛ لأنَّ السنّةَ الثابتةَ تدفَعُه. وقال مالكٌ ﵀: لا يُجزِئُه أن يُغَدِّيَ المساكينَ ويُعَشِّيَهم في كفار الأذَى حتى يُعطيَ كلَّ مسكينٍ مُدَّينِ مُدَّيْنِ بمُدِّ النبيِّ ﷺ . وبذلك قال الثوريُّ، والشافعيُّ، ومحمدُ بنُ الحَسَن. وقال أبو يوسف: يُجْزِئُه أنْ يُغَدِّيَهم ويُعَشِّيَهم. قال أبو عُمر: قال اللهُ : ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال ابنُ عبّاس (٣): المرضُ: أن يكونَ برأسِه قُروحٌ، والأذَى: القَمْلُ. وقال عطاء (٤): المرضُ: الصداعُ والقَمْلُ وغيرُه. وحديثُ كعبِ بنِ عُجْرةَ أوضحُ شيءٍ في هذا وأصَحُّه، وأوْلى ما عُوِّلَ عليه في هذا الباب، وهو الأصل. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ كامل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج بنِ رِشْدِين، قال: سمعتُ أحمدَ بنَ صالح - يعني المصريَّ - يقول: حديثُ كَعْبِ بنِ عُجْرةَ في الفِدْية سُنَّةٌ معمولٌ بها، لم يَرْوِها أحدٌ من الصحابةِ غيرُه، ولا رواها عن كعبِ بنِ عُجْرةَ إلّا رجلان؛ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى، وعبدُ الله بنُ مَعْقِل، وهذه سنَّةٌ أخذَها أهلُ المدينةِ وغيرُهم عن أهل الكوفة.

стр. 963

قال أحمد: قال ابنُ شهاب: سألتُ عنها علماءَنا كلَّهم حتى سعيدَ بنَ المسيّب، فلم يُثبِتُوا كم عدَدُ المساكين؟ وأجمَعوا أن الفِديةَ واجبةٌ على مَن حلَق رأسَه من عُذْرٍ وضرورة، وأنّه مُخَيَّرٌ فيما نَصَّ اللهُ ورسولُه عليه مما ذكَرنا على حسَبِ ما تقدَّم ذكرُه. واختلَفوا فيمَن حلَق رأسَه من غير ضرورةٍ عامدًا، أو تَطيَّب لغير ضرورةٍ عامدًا، أو لبِس لغير ضرورةٍ عامدًا؛ فقال مالكٌ: بئْسَما فعَل، وعليه الفديةُ، وهو مُخَيَّرٌ فيها؛ إن شاء صامَ ثلاثةَ أيام، وإن شاءَ ذبَح شاةً، وإن شاءَ أطْعَم ستَّةَ مساكين؛ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ من قوتِه، أيَّ ذلك شاء فعَل. وسواءٌ عندَه العمدُ في ذلك والخطأُ، لضرورةٍ وغيرِ ضرورة، وهو مُخَيَّرٌ في ذلك عندَه (١). وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابُهما، وأبو ثور: ليس بمُخَيَّرٍ إلّا في الضرورة؛ لأنَّ اللهَ يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأمّا إذا حلَق عامدًا، أو لبِس عامدًا (٢)، أو تطيَّبَ عامدًا لغير عُذْر، فليس بمُخَيَّر، وعليه دَمٌ لا غير (٣). واختلَفوا فيمَن حلَق أو لَبِس أو تطَيَّب ناسيًا، فقال مالكٌ ﵀: العامدُ والناسي في ذلك سواءٌ في وجوب الفدية. وهو قولُ أبي حنيفة، والثوريِّ، والليث. وللشافعيِّ في هذه المسألةِ قولان؛ أحدُهما، لا فديةَ عليه. والآخَرُ، عليه الفديةُ.

стр. 964

وقال داود، وإسحاق: لا فديةَ عليه في شيءٍ من ذلك إن صنَعه ناسيًا. وأكثرُ العلماءِ يُوجِبون الفديةَ على المحرِم إذا حلَق شعرَ جسدِه، أو اطَّلَى، أو حلَقَ موضعَ المحاجم، وبعضُهم يجعلُ عليه في كلِّ شيء من ذلك دمًا، وقال داود: لا شيءَ عليه في حَلْقِ شعرِ جسدِه (١). واختلَفوا في موضِع الفِدْيَة المذكورة، فقال مالكٌ: يفعَلُ ذلك أين شاء، إن شاء بمكةَ وإن شاء ببلدِه. وذَبْحُ النسُكِ والإطعامُ والصيامُ عندَه سواءٌ، يَفعلُ ما شاء من ذلك أين شاء، وهو قولُ مُجاهد (٢)، والذبحُ هاهنا عندَ مالكٍ نُسُكٌ وليس بهَدْي، قال: والنسُكُ يكونُ حيثُ شاء، والهَدْيُ لا يكونُ إلّا بمكة. وحُجَّتُه في أن النسُكَ يكونُ بغير مكةَ حديثُه عن يحيى بنِ سعيد، عن يعقوبَ بنِ خالدٍ المخزوميِّ، عن أبي أسماءَ مولى عبدِ الله بنِ جعفر، أنَّه أخبره، أنَّه كان مع عبدِ الله بنِ جعفرٍ وخرَج معه من المدينة، فمرُّوا على حُسينِ بنِ عليٍّ وهو مريضٌ بالسُّقْيا، فأقام عليه عبدُ الله بنُ جعفرٍ حتى إذا خاف الفوتَ خرَج وبعَث إلى عليِّ بنِ أبي طالب وأسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ وهما بالمدينة، فقَدِما عليه، ثم إن حُسَيْنًا أشار إلى رأسِه، فأمَر عليُّ بنُ أبي طالب برأسِه فحُلِق، ثم نسَك عنه بالسُّقْيا، فنَحَر عنه بعيرًا. قال مالكٌ: قال يحيى بنُ سعيد: وكان حُسينٌ خرَج مع عثمانَ في سفرِه إلى مكة (٣). فهذا واضحٌ في أن الدَّمَ في فديةِ الأذَى جائزٌ بغير مكة، وجائزٌ عندَ مالكٍ في الهدْيِ إذا نُحِر في الحَرَم أن يُعْطاه غيرُ أهل الحَرَم؛ لأن البُغيَةَ فيه إطعامُ مساكينِ المسلمين، قال: ولما جاز الصومُ أنْ يُؤتَى به في غير الحَرَم، جاز إطعامُ غير أهل الحَرَم.

стр. 965

وقال أبو حنيفة، والشافعيُّ: الدَّمُ والإطعامُ لا يُجْزِئُ إلّا بمكّة، والصومُ حيثُ شاء، وهو قولُ طاوُس (١). قال الشافعيُّ: الصومُ مُخالفٌ للإطعام والذبح؛ لأن الصومَ لا منفعةَ فيه لأهل الحَرَم، وقد قال الله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. رِفْقًا بمساكينِ الحَرَم، جيرانِ بَيته، والله أعلم. وقد قال عطاء (٢): ما كان من دم فبمكة، وما كان من إطعام أو صيام فحيثُ شاء. وعن أبي حنيفةَ وأصحابه أيضًا مثلُ قولِ عطاء (٣)، وعن الحَسَن أن الدَّمَ بمكة (٤). ذكَر إسماعيلُ القاضي حديثَ عليٍّ حينَ حلَق رأسَ حسينٍ ابنِه بالسُّقْيا، ونسَك عنه في موضعِه، من حديثِ مالكٍ وغيره، عن يحيى بنِ سعيد، ثم قال: هذا أبيَنُ ما جاء في هذا الباب وأصحُّه، وفيه جوازُ الذبح في فديةِ الأذَى بغير مكة. قال أبو عُمر: الحُجَّةُ في ذلك قولُ الله : ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، ثم قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولم يقل: في موضع دونَ موضع؛ فالظاهرُ أنّه حيث ما فعلَ أجزأ. وقد سَمَّى رسولُ الله ﷺ ما يُذبحُ في فِدْية الأذَى نُسُكًا ولم يُسمِّه هَدْيًا، فلا يلزمنا أن نردَّهُ قياسًا على الهَدْي ولا أن نعتبرَهُ بالهدي مع ما جاءَ في ذلك عن عليٍّ ﵁ ومع استعمال ظاهر الحديث في ذلك، والله أعلم (٥).

стр. 966

حديثٌ ثانٍ لحُمَيْد بنِ قَيْس متصلٌ مالكٌ (١)، عن حُمَيْد بن قَيْس المكي، عن مُجاهد، أنه قال: كنتُ معَ عبدِ الله بنِ عُمر، فجاءه صائغٌ، فقال: يا أبا عبدِ الرحمن، إنِّي أصُوغُ الذَّهَبَ، ثم أبيعُ الشيءَ من ذلك بأكثرَ من وزنِه، فأستفضلُ في ذلك قدرَ عَمَلِ يدي، فنهاهُ عبدُ الله بنُ عُمرَ عن ذلك، فجعَل الصائغُ يُردِّدُ عليه المسألةَ وعبدُ الله ينهاه عن ذلك، حتى انتهى إلى باب المسجدِ أو إلى دابّةٍ يريدُ أن يركبَها، ثم قال عبدُ الله بنُ عمر: الدِّينارُ بالدِّينار، والدِّرهَمُ بالدِّرهَم، لا فَضْلَ بينهما، هذا عَهدُ نبيِّنا إلينا، وعَهدُنا إليكم. في هذا الحديث: النَّهيُ عن التَّفاضُل في الدَّنانير والدَّراهم إذا بيعَ شيءٌ منها بجنسِه. وقولُه فيه: الدِّينارُ بالدِّينار، والدِّرهمُ بالدِّرهم، إشارةٌ إلى جِنْسِ لأصل، لا إلى المَضْروب دونَ غيره؛ بدليل إرسالِ ابنِ عمرَ الحديثَ على سؤال الصائغ له عن الذَّهَب المصوغ، وبدليل قوله ﷺ :"الفضَّةُ بالفضَّة، والذَّهبُ بالذَّهب، مثلًا بمثل، وزنًا بوزن" (٢). ولا أعلمُ أحدًا من العلماء حرَّم التَّفاضلَ في المَضْروبِ العَينِ من الذَّهبِ والفضَّةِ المُدرهَمةِ دونَ التِّبرِ والمصُوغ منهما إلا شيءٌ جاء عن

стр. 967

معاويةَ بن أبي سفيانَ رُوِيَ عنه من وجوه، وقد أجمَعوا على خلافِه، فأغنى إجماعُهم على ذلك عن (١) الاستشهادِ فيه بغيره. وفي قصّة معاويةَ مع أبي الدَّرداءِ إذ باع معاويةُ السِّقايةَ بأكثرَ من وزنها (٢)، بيانُ أنَّ الرِّبا في المصُوغ وغير المصُوغ، والمضروب وغير المضروب. قال أبو عُمر: فالفضَّةُ السَّوداءُ والبيضاءُ، والذَّهبُ الأحمرُ والأصفرُ، كلُّ ذلك لا يجوزُ بيعُ بعضِه ببعضٍ إلا مثلًا بمثل، وزنًا بوزن، سواءً بسواء، على كلِّ حال، إلّا أن تكونَ إحدَى الفضَّتين أو إحدَى الذَّهبين فيه دخلٌ من غير جنسِه، فإن كانت كذلك لم يجزْ بيعُ بعضِها ببعضٍ البتَّة على حال، إلّا أن يحيطَ العلمُ أنَّ الدخلَ فيهما سواءٌ، نحوَ السِّكَّة الواحدة، لعدم المماثلة؛ لأنا إذا عدِمنا حقيقةَ المماثلةِ لم نأمنِ التَّفاضل، وقد ورَد الشَّرعُ بتحريم الازديادِ في ذلك، فوجَب المنعُ حتى تصحَّ المماثلة. وروَى مالكٌ (٣)، عن نافع، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تبيعوا الذَّهبَ بالذَّهب إلّا مثلًا بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعض، ولا تبيعوا الورِقَ بالورِقِ إلّا مثلًا بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز". وسيأتي القولُ في معنى هذا الحديثِ في باب نافع إن شاء الله. قال أبو عُمر: المماثلةُ في الموزوناتِ الوزنُ لا غير، وفي المكيلاتِ الكيل، ولو وُزِن المكيلُ رجوتُ أن يكونَ مماثلةً إن شاء الله. وقد رُوِيَ عن ابنِ عبّاس ﵁، وعن بعض أصحابه، في هذا البابِ شيءٌ لا يصحُّ عنه إن شاء الله؛

стр. 968

لأنه قد رُوِيَ عنه من وجوهٍ خلافُه، وهو الذي عليه علماءُ الأمصار، فلم أرَ وجهًا في ذلك للإكثار. أخبرنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكَين، قال: حدَّثنا عبدُ السلام، عن مُغيرة، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي نُعْم (١)، أنَّ أبا سعيدٍ لقي ابنَ عبّاس، فشهِد على رسولِ الله ﷺ أنّه قال: "الفضَّةُ بالفضَّة، والذَّهبُ بالذَّهب، مثلًا بمثل، فمن زاد فقد أربى". فقال ابنُ عبّاس: أتوبُ إلى الله فيما كنتُ أُفتي به. ورجَع عنه (٢). قال عليٌّ (٣): وحدَّثنا داودُ بنُ عمرو الضَّبِّيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مسلم، عن عمرِو بنِ دينار، عن ذَكوانَ أبي صالح، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "الدِّينارُ بالدِّينار، والدِّرهمُ بالدِّرهم، لا زيادة". وبلَغه قولُ ابنِ عبّاس، قال أبو سعيد: فقلتُ لابن عبّاس: ما هذا الحديثُ الذي تُحدِّثُ به، أشيءٌ سمعتَه من رسولِ الله ﷺ ، أو شيءٌ وجدتَه في كتاب الله؟ فقال ابنُ عبّاس: ما وجَدتُه في كتابِ الله، ولا سمِعتُه من رسولِ الله ﷺ ، ولأنتم أعلمُ برسول الله ﷺ منِّي؟ ولكنَّ أسامةَ بنَ زيدٍ حدَّثني، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الرِّبا في النَّسيئة" (٤).

стр. 969

قال عليٌّ (١): وحدَّثنا عَتيقُ بنُ يعقوبَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثني عبدُ العزيز بنُ محمد، عن إبراهيمَ بنِ طَهمان، عن أبي الزُّبير المكِّي، قال: سمعتُ أبا أُسَيْدٍ السَّاعديَّ وابنُ عبّاسٍ يُفتي في الدِّينار بالدِّينارين، فأغلَظ له أبو أُسيد، فقال له ابنُ عبّاس: ما كنتُ أظنُّ أنَّ أحدًا يعرفُ قرابتي من رسولِ الله ﷺ يقولُ لي مثلَ هذا يا أبا أُسَيْد! فقال أبو أُسَيْد (٢): أشهَدُ لسمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "الدِّينارُ بالدِّينار، والدِّرهمُ بالدِّرهم، وصاعُ حنطةٍ بصاع حنطة، وصاعُ شعيرٍ بصاع شعير، وصاعُ ملح بصاع ملح، لا فضلَ بينَ شيء من ذلك". فقال عبدُ الله بنُ عبّاس: هذا شي ءٌ كنتُ أقولُه برأي، ولم أسمَعْ فيه شيئًا. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ عليٍّ الرَّبَعيُّ، عن أبي الجَوزاء، عن ابنِ عبّاس، أنّه رجَع عن الصَّرف، وقال: إنَّما كان ذلك رأيًا منِّي، وهذا أبو سعيدٍ يُحدِّثُ بهِ عن النبيِّ ﷺ (٣). وروَى ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني مَخْرَمةُ بنُ بُكَيْر، عن أبيه، قال: سمعتُ سليمانَ بنَ يسارٍ يزعُمُ أنّه سمع مالكَ بنَ أبي عامرٍ يحدِّثُ عن عثمانَ بن عفان، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تبيعوا الدِّينارَ بالدِّينارين، ولا الدِّرهمَ بالدِّرهمين" (٤).

стр. 970

قال أبو عُمر: لم أرَ ذكرَ ما رُوِيَ عن ابنِ عبّاس ومَن تابَعه في الصَّرف، ولم أعُدَّه خِلافًا؛ لما رُوِيَ عنه من رجوعِه عن ذلك. وفي رجوعِه إلى خبر أبي سعيدٍ المُفَسَّرِ وتركِه القولَ بخبر أسامةَ بنِ زيدٍ المُجْمَل، ضروبٌ من الفقهِ ليس هذا موضعَ ذكرِها، ومَن تدبَّرها ووُفِّق لفهمِها أدرَكها، وبالله التوفيق. وقد رُوِي عن كثير من أصحابِ مالك، وبعضُهم يرويه عن مالك، في التاجرِ يحفِزُه الخروجُ وبه حاجةٌ إلى دراهمَ مضروبةٍ أو دنانيرَ مضروبة، فيأتي دارَ الضَّربِ بفضَّتِه أو ذهبِه، فيقولُ للضَّرَّاب: خُذْ فضَّتي هذه أو ذهبي، وخُذْ قَدرَ عمل يدِك، وادفعْ إليَّ دنانيرَ مضروبةً في ذهبي، أو دراهمَ مضروبةً في فضَّتي هذه؛ لأنِّي محفوزٌ للخروج وأخافُ أن يفوتَني مَن أخرُجُ معه، أنَّ ذلك جائزٌ للضَّرورة، وأنَّه قد عمِل به بعضُ الناس. قال أبو عُمر: هذا مما يرسلُه العالمُ عن غير (١) تدبُّرٍ ولا رواية، وربَّما حكاه لمعنًى قاده إلى حكايتِه، فيتوهَّمُ السامعُ أنَّه مذهبُه، فيحمِلُه عنه. وهذا عَينُ الرِّبا، لأنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "من زادَ أو ازداد فقد أربى" (٢). وقال ابنُ عُمرَ للصائغ: لا. في مثل هذه المسألةِ سواء، ونهاه عنها، وقال: هذا عهدُ نبيِّنا إلينا، وعهدُنا إليكم. وهذا قد باع فضةً بفضةٍ أكثرَ منها، وأخَذ في المضروبِ زيادةً على غير المضروب، وهو الرِّبا المجتمَعُ عليه، لأنه لا يجوزُ مضروبُ الفضَّةِ ومصوغُها بتبرِها، ولا مضروبُ الذهبِ ومصوغُه بتِبرِه وعينِه إلّا وزنًا بوزنٍ عندَ جميع الفقهاء، وعلى ذلك تواتَرتِ السُّننُ عن النبيِّ ﷺ .

стр. 971

حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال (١): حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عليّ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عمر، قال: حدَّثنا همّامٌ، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن مسلم المكِّيّ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عبادةَ بنِ الصامت، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الذَّهبُ بالذَّهب؛ تِبرُه وعينُه، والفضَّةُ بالفضَّة؛ تِبرُها وعينُها - يعني وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، يدًا بيدٍ - من زاد أو ازداد فقد أربَى". مختصرٌ. قال أبو داود: ورواه سعيدُ بنُ أبي عَروبة، وهشام، عن قتادة، عن مسلم بن يسار. وقد ذكَرنا خبرَ عُبادةَ هذا بكثير من طرقِه في مواضعَ من هذا الكتاب. وقد ردَّ ابنُ وَهْبٍ هذه المسألةَ على مالك، وأنكَرها. وزعَم الأبْهَرِيُّ أنَّ ذلك من بابِ الرِّفقِ لطلبِ التِّجارة، ولئلّا تفوتَ السُّوقُ. قال: وليس الرِّبا إلّا على مَن أرادَ أن يُرْبي ممَّن يقصِدُ إلى ذلك ويبتغِيه. ونسي الأبهَرِيُّ أصلَه في قطع الذَّرائع، وقولَه فيمن باعَ ثوبًا بنسيئةٍ وهو لا نيَّة له في شرائِه، ثم يجدُه في السوق: إنّه لا يجوزُ له أن يبتاعَه منه بدونِ ما به باعَه منِه، وجعَل هذا ربًا (٣) وإن لم يقصدْ

стр. 972

إلى ذلك ولم يبتغِه. ومثلُ هذا كثيرٌ. ولو لم يكنِ الرِّبا إلّا على من قصَده ما حَرُم إلّا على الفقهاءِ خاصّة، وقد قال عمرُ: لا يَتَّجِرُ في سوقِنا إلّا من فَقُه، وإلّا أكَل الرِّبا. والأمرُ في هذا بيِّنٌ لمن رُزِق الإنصافَ وأُلهِم رُشدَه. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ الحُسَينيُّ، قال: حدَّثنا الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (١): حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنة، عن وردانَ الرُّوميِّ، أنّه سأل ابنَ عمر، فقال: إنِّي رجلٌ أصوغُ الحَلْيَ ثم أبيعُه، وأستفضِلُ فيه قدرَ أُجرتي أو عملِ يدي. فقال ابنُ عمر: الذَّهبُ بالذَّهبِ لا فضلَ بينهما، هذا عهدُ صاحبِنا إلينا، وعهدُنا إليكم. قال الشافعيُّ: يعني بقوله: صاحبِنا: عمرَ بنَ الخطّاب. قال: وقولُ حُميد، عن مُجاهد، عن ابنِ عمر: عهدُ نبيِّنا. خطأٌ. قال أبو عُمر: قولُ الشافعيِّ عندي غلطٌ على أصلِه؛ لأنَّ حديثَ ابنِ عُيَيْنة في قوله: "صاحبِنا" مجمَلٌ، يَحتمِلُ أن يكونَ أراد رسولَ الله ﷺ ، وهو الأظهَرُ فيه، ويحتمِلُ أن يكونَ أراد عُمرَ، فلمّا قال مُجاهد، عن ابنِ عمر: هذا عهدُ نبيِّنا. فسَّر ما أجمَل وردانُ الرُّوميُّ. وهذا أصلُ ما يَعتمِدُ عليه الشافعيُّ في الآثار، ولكنَّ الناسَ لا يسلَمُ منهم أحد من الغَلَط، وإنّما دخَلتِ الداخلةُ على الناسِ من قِبلِ التَّقليد؛ لأنَّهم إذا تكلَّم العالمُ عندَ من لا يُنْعِمُ النَّظرَ بشيءٍ كتَبه وجعَله دِينًا يرُدُّ به ما خالَفه دونَ أن يعرِفَ الوجهَ فيه، فيقعُ الخللُ، وبالله التوفيق.

стр. 973

حديثٌ ثالثٌ لحُمَيْد بن قَيْس مُرْسَل مالكٌ (١)، عن حُمَيدِ بنِ قَيْس، عن عطاءِ بنِ أبي رباح، أنَّ أعرابيًّا جاءَ إلى رسولِ الله ﷺ وهو بحُنَيْن، وعلى الأعرابيِّ قميصٌ، وبه أثرُ صُفْرَة، فقال: يا رسولَ الله، إني أهْلَلْتُ بعُمرةٍ فكيف تأمُرُني أن أصنَعَ؟ فقال لهُ رسولُ الله ﷺ : "انزِعْ قميصَكَ، واغسِلْ هذه الصُّفْرةَ عنكَ، وافعلْ في عُمرتِكَ ما تفعلُ في حَجِّكَ". هذا حديثٌ مُرْسَلٌ عندَ جميع رُواة "الموطأ" فيما عَلِمْتُ (٢)، ولكنَّه يتَّصِلُ من غير روايةِ مالكٍ من طُرُقٍ صحيحةٍ ثابتةٍ عن عطاءِ بنِ أبي رباح، وهو محفوظٌ من حديث يَعلَى بنِ أُميّة عن النبيِّ ﷺ . رواه عن عطاءِ بنِ أبي رباح جماعة؛ منهم: أبو الزُّبَير، وعمرُو بنُ دينار، وقتادة، وابنُ جُرَيْج، وقَيْسُ بنُ سعد، وهمّامُ بنُ يحيى، ومَطَرٌ الوَرّاق، وإبراهيمُ بنُ يزيد، وعبدُ الملك بنُ أبي سليمان، ومنصورُ بنُ المعتمر، وابنُ أبي ليلى، والليثُ بنُ سَعْد. وأحسَنُهم روايةً له عن عطاءٍ وأتقَنُهم: ابنُ جُرَيْج، وعمرُو بنُ دينار، وإبراهيمُ بنُ يزيد، وقيسُ بنُ سعد، وهمّامُ بنُ يحيى، فإنَّ هؤلاء كلَّهم رَوَوْه عن عطاء، عن صفوانَ بنِ يَعْلى بنِ أُميّة، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، وهو الصَّوابُ فيه (٣). وغيرُهم رواه عن عطاء، عن يَعْلى، وليس بشيء (٤).

стр. 974

حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ (١). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر - واللفظُ لحديثه - قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة (٢)، قالا: حدَّثنا أبو نعيم الفضلُ بنُ دُكَيْن، قال: حدَّثنا همامٌ، قال: حدَّثنا عطاءٌ، قال: حدَّثنا صَفوانُ بنُ يَعْلى بنِ أُميّة، عن أبيه، أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ وهو بالجِعِرّانَة وعليه جُبَّة، وعليه أثرُ الخَلُوق. أو قال: صُفْرَة. فقال: كيف تأمُرُني أن أصنَعَ في عُمْرَتي؟ قال: فأُنزِلَ على النبيِّ ﷺ ، فاستَتَر بثَوْب. قال: وكان يَعْلى يقول: وَدِدْتُ أنِّي قد رأيتُ النبيَّ ﷺ وقد أنزِل عليه الوحيُ. فقال عمر: يا يَعْلى، أيسُرُّك أن تَنظُرَ إلى رسولِ الله ﷺ وقد أنزِل عليه الوحيُ (٣)؟ قال: قلت: نعم. فرفَع طرَفَ الثوب، فنظَرْتُ إليه، فإذا له غَطِيطٌ. قال: وأحسَبُه قال: كغَطِيطِ البَكْر. قال: فلمّا سُرِّي عنه قال: "أين السّائلُ عن العُمْرَة؟ اخْلَعْ عنك الجُبَّة، واغْسِلْ عنك أثرَ الخَلُوق - أو قال: أثرَ الصُّفْرَة - واصْنَعْ في عُمْرَتِك كما تصنعُ في حَجِّك". قال: وأتاه رجلٌ آخرُ قد عَضَّ يدَ رجل فانتَزَع يدَه، فسَقَطَتْ ثَنيَّتُه التي عَضَّ بها، فأبطَلَه النبيُّ ﷺ . حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ عبدِ الرَّزّاق التَّمّار، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بنُ كثير،

стр. 975

قال: حدَّثنا هَمّام، قال: سمِعتُ عطاء، قال: أخبرنا صفوانُ بنُ يَعْلى بنِ أُميّة، عن أبيه، أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ وهو بالجِعِرّانَة. فذكَرَه سواء. وذكَر عبدُ الرَّزّاق، قال (١): أخبرنا إبراهيمُ بنُ يزيد (٢)، أنّه سمعَ عطاءً يقول: أخبَرني صفوانُ بنُ يَعْلى بنِ أُميّة، أنَّ يَعْلى قال لعمر: وَدِدْتُ أنِّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ حينَ يُوحَى إليه. فلمّا كان بالجِعِرّانةِ أتاه أعرابيٌّ وعليه جُبّةٌ وهو مُتَضَمِّخٌ بخَلُوق، وقد أحْرَمَ بعُمْرَة، فقال: أفْتني يا رسولَ الله. وأُوحي إلى النبيِّ ﷺ . فذكَر مثلَ حديثِ هَمّام بنِ يحيى في هذه القصةِ إلى آخرِها، ولم يَذكُرْ قصَّةَ العاضِّ يدَ الرجل. أخبَرني أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْب بن عليّ، قال (٣): أخبرني محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيم (٤)، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرير، قال: حدَّثني أبي، قال: سمِعتُ قَيْسَ بنَ سعدٍ يُحدِّث، عن عطاء، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلى، عن أبيه، قال: أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ وهو بالجِعِرّانَة، وعليه جُبَّة، وهو مُصَفِّرٌ لحيَتَه ورأسَه، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي أحْرَمْتُ بعمرةٌ وأنا كما تَرى. قال: "انزعْ عنك الجُبَّة، واغْسِلْ عنكَ الصُّفْرَة، وما كنتَ صانِعًا في حَجِّك فاصْنَعْه في عمرتِك". حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ قراءةً مني عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبَغَ حدثهم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابق، قال: حدَّثنا

стр. 976

إبراهيمُ بنُ طَهْمان، عن أبي الزُّبير، عن عطاء، عن صَفْوانَ بنِ أُميّة، أنَّه قال: جاء رجل إلى رسولِ الله ﷺ مُتَضَمِّخًا بالخَلُوقِ وعليه مُقَطَّعات، فقال: كيف تأمُرُني يا رسولَ الله في عُمْرتي؟ قال: فأنزَل الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال: فقال رسولُ الله ﷺ :"أين السائلُ عن العُمْرَة؟ ". فقال له: "ألْقِ عنك ثيابَك، واغْتَسِلْ، واستَنْقِ ما اسْتَطَعْتَ، وما كُنتَ صانعَهُ في حَجِّك فاصْنَعْه في عُمْرَتِك" (١). هكذا جاء في هذا الحديث: صَفْوانُ بنُ أُميّة نَسَبَه إلى جَدِّه، وهو صَفْوانُ بنُ يَعْلى بنِ أُميّة، رجل تَمِيميٌّ، وليس بصَفْوانَ بنِ أُميّة الجُمَحيِّ، وقد نَسَبْناهما في كتاب "الصّحابة" (٢)، والحمدُ لله. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٣): حدَّثنا سفيانُ - يعني ابنَ عُيَيْنة - قال: حدَّثنا عَمرُو بنُ دينار، عن عطاءِ بنِ أبي رباح، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلى بنِ أُميّة، عن أبيه، قال: كنتُ عندَ النبيِّ ﷺ بالجِعِرّانَة، فأتاه رجلٌ عليه مُقَطَّعَة - يعني جُبّة - وهو مُتَضَمِّخ بالخَلُوق، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي أحرَمْتُ بالعُمرةِ

стр. 977

وعليَّ هذه. فقال النبيُّ ﷺ : "ما كُنتَ تَصنَعُ في حَجِّك؟ " قال: كنتُ أنزِعُ هذه المقَطَّعَة، وأغسلُ هذا الخَلُوق. فقال النبيُّ ﷺ : "ما كُنتَ صانعًا في حَجِّك فاصْنَعْه في عُمْرَتِك". حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مروان، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ يحيى القاضي القُلْزُميُّ بالقُلْزُم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عليِّ بنِ الجارود، قال (١): حدَّثنا عليُّ بنُ خَشْرَم، قال: حدَّثثا عيسى بن يونُسَ، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، أنَّ صَفْوانَ بنَ يَعْلى بنِ أُميّة أخبرَه، أنَّ يَعْلى بنَ أُميّة كان يقولُ لعمرَ بنِ الخطاب: ليتني أرى رسولَ الله ﷺ حينَ يُنزَلُ عليه. فبينا هو معَ رسولِ الله ﷺ في ناسٍ من أصحابه، فيهم عمرُ بنُ الخطاب، إذ جاءه رجلٌ عليه جُبّةٌ وهو مُتَضمِّخٌ بطِيب، فقال: يا رسولَ الله، كيف تَرى في رجل أحْرَم بعمرةٍ في جُبّةٍ معه بعدَما تَضَمَّخَ بطِيب؟ فسَكَت ساعَة، فجاءَه الوَحْيُ، فأشار عمرُ إلى يَعْلى بيدِه أن تعالَ. فجاءَه فأدخَلَ رأسَه، فإذا النبيُّ ﷺ مُحْمَرُّ الوَجْهِ يَغِطُّ كذلك ساعة، ثم سُرِّيَ عنه فقال: "أين السّائِلُ عن العُمْرَة؟ ". فالتُمِس الرجلُ فأُتي به، فقال النبيُّ ﷺ :"أمّا الطِّيبُ الذي بك، فاغْسِلْه ثلاثَ مرّات، وأمّا الجُبَّةُ، فانزِعْها، ثم اصْنَعْ في عُمْرَتِك كما تَصْنَعُ في حَجِّك". قال ابنُ جُرَيْج: كان عطاءٌ يأخذُ في الطِّيبِ بهذا الحديث، فكان يَكْرَهُ الطِّيبَ عندَ الإحرام ويقول: إن كان به شي ءٌ منه فلْيَغْسِلْه، وكان يأخُذُ بشأنِ صاحبِ الجُبَّة، وكان شأنُ صاحبِ الجُبّةِ قبلَ حَجَّةِ الوَداع. قال ابنُ جُرَيْج: والآخِرُ فالآخِرُ من أمرِ رسولِ الله ﷺ أحَقُّ.

стр. 978

وأخبرنا عبدُ الرحمن بنُ مروان، قال: أخبرنا الحَسَنُ (١) بنُ يحيى، قال: أخبرنا ابنُ الجارود، قال (٢): حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ الهيثم، قال: حدَّثنا ابنُ جُرَيْج، قال: كان عطاءٌ يأخذُ بشأنِ صاحبِ الجُبَّةِ، وكان شأنُ صاحبِ الجُبَّةِ قبلَ حَجَّةِ الوَداع. قال: والآخِرُ فالآخِرُ من أمرِ رسولِ الله ﷺ أحقُّ. قال ابنُ جُرَيْج: وكان من (٣) شأنِ صاحبِ الجُبَّةِ أنَّ عطاءً أخبَرني أنَّ صفوانَ بنَ يَعْلى بنِ أُميَّةَ أخبرَه، أنَّ يَعْلى كان يقولُ لعمر: ليتني أرَى نبيَّ الله ﷺ حينَ ينزلُ عليه. فلمّا كان النبيُّ ﷺ بالجِعِرّانَةِ وعلى النبيِّ ﷺ ثوب قد ظُلِّلَ به، ومعه فيه ناسٌ من أصحابه، إذ جاءَه رجلٌ عليه جُبَّةٌ مُتَضَمِّخٌ بطِيب، فذكرَ الحديثَ بتمامِه. قال أبو عُمر: روَى هذا الحديثَ عن ابنِ جُرَيْج جماعة؛ منهم: يحيى بنُ سعيدٍ القطّان؛ وقال فيه نُوحُ بنُ حبيب، عن القطّان، عن ابنِ جُرَيْج بإسنادِه كما ذكَرْنا: "وأمّا الجُبَّةُ فاخْلَعْها، وأمّا الطِّيبُ فاغْسِلْه، ثم أحْدِثْ إحْرامًا"؛ ذكَرَه أحمدُ بنُ شُعَيْب النَّسويُّ (٤)، عن نُوح بنِ حَبيب، وقال: لا أعلمُ أحدًا قال في هذا الحديث: "ثم أحْدِثْ إحْرامًا" غيرَ نُوح بنِ حبيب. قال: ولا أحْسَبُه محفوظًا، واللهُ أعلم. قال أبو عُمر: أمّا قولُه في حديث مالك: "إنَّ أعرابيًّا جاء إلى رسولِ الله ﷺ وهو بحُنَيْن"، فالمرادُ مُنصَرَفَه (٥) من غَزو حُنين. والموضعُ الذي لَقيَ فيه الأعرابيُّ

стр. 979

رسولَ الله ﷺ هو الجِعِرّانَةُ، وهو بطريقِ حُنَيْنٍ بقُربِ ذلك معروف، وفيه قَسَمَ رسولُ الله ﷺ غَنائمَ حُنَيْن. والآثارُ المذكورةُ كلُّها تدُلُّك على ما ذكَرْناه، ولا تَنازُعَ في ذلك إن شاء الله. وأمّا قولُه: "وعلى الأعرابيّ قميصٌ". فالقميصُ المذكورُ في حديثِ مالكٍ هو الجُبَّةُ المذكورةُ في حديثِ غيره، ولا خِلافَ بينَ العلماءِ أنَّ المخِيطَ كلَّه من الثِّيابِ لا يجوزُ لِباسُه للمُحرم؛ لنَهْي رسولِ الله ﷺ المُحْرِمَ عن لِباسِ القُمُصِ والسَّراوِيلات، وسيأتي ذِكْرُ هذا المعنى في حديثِ نافع إن شاء الله. وأما قولُه: "وبه أثَرُ صُفْرَة"، فقد بانَ بما ذكَرْنا من الآثارِ أنَّها كانت صُفْرَةَ خَلُوق، وهو طِيبٌ معمولٌ مِن الزَّعفران، وقد نَهى رسولُ الله ﷺ المحرمَ عن لباسِ ثوبٍ مَسَّه وَرْسٌ أو زَعْفَرانٌ (١). وأجمع العلماءُ على أنَّ الطِّيبَ كلَّه مُحَرَّمٌ على الحاجِّ والمعتمرِ بعدَ إحْرامِه، وكذلك لباسُ الثِّياب. واختَلَفوا في جَوازِ الطِّيبِ للمحرم قبلَ الإحرام بما يَبقَى عليه بعدَ الإحرام، فأجاز ذلك قوم، وكَرِهه آخرون. واحْتَجَّ بهذا الحديثِ كلُّ مَن كَرِه الطِّيبَ عندَ الإحرام، وقالوا: لا يجوزُ لأحدٍ إذا أراد الإحرامَ أن يَتطَيَّبَ قبلَ أن يُحْرِمَ ثم يُحْرِمَ؛ لأنه كما لا يجوزُ للمحرِم بإجماع أن يَمَسَّ طِيبًا بعدَ أن يُحْرِم، فكذلك لا يجوزُ له أن يتَطيَّبَ ثم يُحْرِم؛ لأنَّ بقاءَ الطِّيبِ عليه كابتدائِه له بعدَ إحرامِه سواء، لا فرقَ بينهما. واحتَجُّوا بأنَّ عمرَ بنَ الخطاب، وعثمانَ بنَ عفّان، وعبدَ الله بنَ عمر، وعثمانَ بنَ أبي العاص، كَرِهوا أن يُوجَدَ من المحرم شيءٌ من رِيح الطِّيب، ولم يُرَخِّصُوا لأحَدٍ أن يتَطيَّبَ عندَ إحْرامِه ثم يُحْرِم.

стр. 980

وممن قال بهذا من العلماء؛ عطاءُ بنُ أبي رباح، وسالمُ بنُ عبدِ الله على اختلافٍ عنه، ومالكُ بنُ أنس وأصحابُه، ومحمدُ بنُ الحَسَن، رواه ابنُ سَماعَةَ عنه. وهو اختيارُ أبي جعفرٍ الطَّحاويّ. ومن حُجَّةِ مَن قال بهذا القول من طريقِ النَّظَر، أنَّ الإحرامَ يَمنَعُ من لُبْسِ القُمُصِ والسَّراوِيلاتِ والخِفافِ والعَمائم، ويَمنَعُ من الطِّيب، ومن قَتْلِ الصيدِ وإمساكِه، فلمّا أجْمَعوا أنَّ الرجلَ إذا لَبِس قميصًا أو سَراوِيلَ قبلَ أن يُحْرِمَ، ثم أحْرَم وهو عليه، أنه يُؤْمَرُ بنَزْعِه، وإن لم يَنْزِعْه وتَرَكه كان كمَن لَبِسَه بعدَ إحْرامِه لُبْسًا مُستَقْبَلًا، ويجبُ عليه في ذلك ما يجبُ عليه لو اسْتَأنفَ لُبْسَه بعدَ إحْرامِه. وكذلك لو اصْطادَ صَيْدًا في الحِلِّ وهو حَلالى، فأمْسَكه في يَدِه، ثم أحْرَم وهو في يَدِه، أُمِرَ بتَخْلِيَته، وإن لم يُخَلِّه كان إمْساكُه له بعدَ أن أحْرَمَ كابتدائِه الصَّيْدَ وإمْساكِه في إحْرامِه. قالوا: فلمّا كان ما ذكَرْنا، وكان الطِّيبُ مُحَرَّمًا على المحرم بعدَ إحْرامِه كحُرْمَةِ هذه الأشياء، كان ثُبوتُ الطِّيبِ عليه بعدَ إحْرامِه، وإن كان قد تَطَيَّبَ به قبلَ إحْرامِه، كتَطيُّبِه بعدَ إحْرامِه. لا يجوزُ في القياسِ والنَّظَرِ عندَهم غيرُ هذا. واعْتَلُّوا في دَفْع ظاهرِ حَديثِ عائشةَ بما رواه إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ المنتَشِر، عن أبيه، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن الطِّيبِ عندَ الإحرام، فقال: لأن أُطْلَى بالقَطِرانِ أحَبُّ إليَّ من أن أُصْبحَ مُحْرِمًا تَنْضَخُ منِّي رِيحُ الطِّيب. قال: فدَخَلْتُ على عائشةَ فأخْبَرتُها بقول ابنِ عمر، فقالت: طَيَّبْتُ رسولَ الله ﷺ فطاف على نسائِه، ثم أصْبَح مُحْرِمًا (١). قالوا: فقد بان بهذا في حديثِ عائشةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ

стр. 981

طاف على نسائِه بعدَ التَّطَيُّب، وإذا طاف عَليهنَّ اغتَسَل لا مَحالة، فكان بينَ إحْرامِه وتَطَيُّبِه غُسْلٌ. قالوا: فكأنّ عائشةَ إنَّما أرادَتْ بهذا الحديثِ الاحْتجاجَ على مَن كَرِه أن يُوجدَ من المحرم بعدَ إحْرامِه ريحُ الطِّيب، كما كَرِه ذلك ابنُ عمر. وأمّا بَقاءُ نَفْسِ الطِّيب على المحرم فلا. قال أبو عُمر: هذا ما احْتَجَّ به مَن كَرِه الطِّيبَ للمحرم من طريقِ الآثارِ ومن طريقِ النَّظَر. وقال جماعة من أهل العِلْم: لا بأسَ أن يتَطيَّبَ المحرمُ عندَ إحرامِه قبلَ أن يُحْرِمَ بما شاء من الطِّيب، مما يَبقى عليه بعدَ إحرامِه ومما لا يَبقَى. وممن قال بهذا من العلماء: أبو حنيفة، وأبو يوسف، والثَّوريُّ، والشافعيُّ وأصحابُه، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُوية، وأبو ثَوْر، وجماعة. وجاء ذلك أيضًا عن جماعةٍ من الصحابة؛ منهم: سعدُ بنُ أبي وَقّاص، وابنُ عبّاس، وأبو سعيدٍ الخُدريُّ، وعائشةُ، وأمُّ حبيبة، وعبدُ الله بنُ الزُّبير، ومعاوية. فثبتَ الخلافُ في هذه المسألةِ بين الصَّحابةِ ومَن بعدَهم. وكان عُروةُ بنُ الزُّبير، وإبراهيمُ النخعيُّ، وسعيدُ بنُ جبير، والحَسَنُ البَصْريُّ، وخارِجَةُ بنُ زيد، لا يَرَوْنَ بالطِّيبِ كلِّه عندَ الإحْرام بأسًا. والحُجَّةُ لمن ذهبَ هذا المذهبَ حديثُ عائشةَ قالت: طيَّبْتُ رسولَ الله ﷺ لحُرْمِه قبلَ أن يُحْرِمَ، ولحِلِّه قبلَ أن يطوفَ بالبيت. هذا لفظُ القاسم بنِ محمد، عن عائشة (١)، ومثلُه روايةُ عطاء، عن عائشةَ في ذلك (٢).

стр. 982

وقال الأسودُ، عن عائشة: إنَّها كانت تُطيِّبُ النبيَّ ﷺ بأطْيَبِ ما تجدُ من الطِّيب. قالت: حتى إنِّي لأرَى وَبيصَ الطِّيبِ في رَأسِه ولِحْيَتِه (١). وروى موسى بنُ عُقْبة، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن عائشة، قالت: كنتُ أُطيِّبُ رسولَ الله ﷺ بالغاليةِ الجيِّدةِ عندَ إحْرامِه. رواه أبو زيدِ بنُ أبي الغَمْر، عن يعقوبَ بنِ عبدِ الرحمن الزُّهريّ، عن موسى بنِ عُقْبَة (٢). وروَى هشامُ بنُ عُرْوَة، عن أخيه عثمانَ بنِ عروة، عن أبيه عروةَ بنِ الزُّبير، عن عائشة، قالت: طمبتُ رسولَ الله ﷺ عندَ إحْرامِه بأطْيبِ ما أجِدُ. وربَّما قالت: بأطْيبِ الطِّيبِ لحُرْمِه وحِلِّه (٣). وقالوا: لا معنى لحديثِ ابنِ المنتَشِر؛ لأنه ليس ممَّن يُعارَضُ به هؤلاء الأئمَّة، ولو كان مما يُحتَجُّ به ما كان في لَفْظِه حُجَّةٌ؛ لأنّ قولَه: طافَ على نسائِه يَحتَمِلُ أن يكونَ طَوافُه لغير جِماع، وجائزٌ أن يكونَ طوافُه عليهنَّ ليُعَلِّمهنَّ كيف يُحْرِمْنَ، أو لغير ذلك. والدليلُ على ذلك ما رواه إبراهيمُ، عن الأسود،

стр. 983

عن عائشة قالت: كان يُرَى وَبيصُ الطِّيبِ في مَفارِقِ رسولِ الله ﷺ بعدَ ثلاثٍ وهو مُحْرِم (١). قالوا: والصحيحُ في حديثِ ابنِ المنتَشِرِ ما رواه شعبة، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ المنتَشِر، عن أبيه، أنّه سأل ابنَ عمرَ عن الطِّيبِ عندَ الإحرام، فقال: لأنْ أتَطيَّبَ بقَطِرانٍ أحَبُّ إليَّ من أن أفعل. قال: فذكَرْتُه لعائشة، فقالت: يَرْحَمُ اللهُ أبا عبدِ الرحمن، قد كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله ﷺ ، فيطوفُ على نسائِه، ثم يُصْبحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا (٢). قالوا: والنَّضْخُ في كلام العَربِ: اللَّطْخُ والجَرْيُ والظُّهورُ، قال الله : ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]. قال النابِغَة: مِن كلِّ بَهْكَنَةٍ (٣) نَضْخُ العَبِيرِ بها ... لا الفُحْشُ يُعْرَفُ مِن فيها ولا الزُّورُ يريد: لطْخَ العَبيرِ بها. قالوا: ولا معنَى لحديثِ الأعرابيِّ في هذا لمَعان: منها: أنّه يَحتمِلُ أن يكونَ الأعرابيُّ تَطيَّبَ بعدَما أحْرَم. ومنها: أنّه كان عامَ حُنَيْن، وتَطيُّبُ رسولِ الله ﷺ عندَ إحْرامِه في حَجَّةِ الوَداع، فلو كان ما تَطيَّبَ به الأعرابيُّ يومئذٍ مُباحًا للرِّجال في حالِ الإحلال، مُحَظَّرًا عليهم في الإحرام، كان ذلك مَنْسوخًا بفِعْلِه عامَ حَجَّةِ الوَداع ﷺ . قالوا: وقد صَحَّ وعُلِم أنَّ الطِّيبَ الذي كان على الأعرابيِّ يومئذٍ كان خَلُوقًا، والخَلُوقُ لا يجوزُ للرِّجالِ في حالِ الحلِّ ولا في حالِ الإحْرام. واحْتَجُّوا فيما ذهَبوا إليه من هذا الحديثِ (٤) بحديثِ عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيْب،

стр. 984

عن أنس، أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى أن يَتزَعْفَرَ الرجلُ؛ رواه حمادُ بنُ زيد (١)، وشعبةُ (٢)، وإسماعيلُ ابنُ عُلية (٣)، وهُشَيْمٌ (٤)، كلُّهم عن عبدِ العزيز بن صُهَيْب (٥). واحْتَجُّوا أيضًا في ذلك بما رواه أبو جعفرٍ الرَّازيُّ، عن الرَّبيع بنِ أنس، عن جَدَّيْه، قالا: سَمِعنا أبا موسى الأشعريَّ يقول: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تُقْبَلُ صلاةُ رجلٍ في جَسَدِه شيءٌ من خَلُوق" (٦).

стр. 985

وبما رواه يوسفُ بنُ صُهَيْب، عن ابنِ (١) بُرَيْدَة، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ثلاثة لا تَقْرَبُهم الملائكة؛ المُتَخَلِّقُ، والسَّكْرانُ، والجُنُبُ" (٢). وبحديثِ الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصيْن، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ألا وطِيبُ الرِّجالِ رِيح لا لَوْن، وطِيبُ النِّساءِ لَوْنٌ لا رِيحٌ" (٣). وروَى حميدٌ، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ مثلَه أو نحوَه (٤). قال أبو عُمر: أمّا مالكٌ ﵀ فلم يرَ بلُبْسِ الثِّيابِ المزَعْفَرةِ بأسا للرِّجالِ والنساء. ذكَرَ ابنُ القاسم، عن مالك، قال: رأيتُ محمدَ بنَ المنكدرِ يَلبَسُ المصبوغ بالزَّعْفران، والثوبَ الموَرَّد، ورأيتُ ابنَ هُرْمُزَ يَلبَسُ الثوبَ بالزَّعْفران (٥). والحُجَّةُ لهؤلاء في ذلك حديثُ مالك، عن سعيدٍ المقبُرِيِّ، عن عبيدِ بنِ جُرَيْج، أنّه قال لابن عمر: ورأيْتُك تَصْبُغُ بالصُّفْرَةِ - يعني: ثيابَك - فقال ابنُ عمر: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَصْبُغُ بها. وسيأتي هذا الحديثُ وما للعلماءِ في ذلك من القول في بابِ سعيدِ بنِ أبي سعيد، إن شاء الله.

стр. 986

وقد ذكَرْنا الاختلافَ في لباسِ الثِّيابِ المزعْفَرَةِ للرِّجال فيما تَقدَّمَ من كتابِنا هذا، في باب حُمَيْدٍ الطَّويل، وسيأتي منه ذِكْرٌ صالحٌ في بابِ سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ إن شاءَ الله. قالوا: وما رُوِيَ عن عُمرَ ﵀ في كراهِيَتِه للطِّيبِ على المُحْرِم، فيَحتَمِلُ أن يكونَ لئلّا يراه جاهِلٌ فيَظُنَّ أنّه تَطيَّبَ بعدَ الإحْرام، فيَسْتَجِيزَ بذلك الطِّيبَ بعدَ الإحْرام، وكان عمرُ كثيرَ الاحتياطِ في مثل هذا، ألا تَرى أنّه نَهى طلحةَ بنَ عبيدِ الله عن لُبْسِ الثوبِ المَصْبوغ بالمدَرِ خَوْفًا أن يَراه جاهلٌ فيَسْتَجِيزَ بذلك لُبسَ الثِّيابِ المصَبَّغة (١). قالوا: وفي لفظِ عمرَ لمعاوية: "عزَمتُ عليك لَتَرْجِعَنَّ إلى أُمِّ حَبيبةَ فلتغسِلنَّه عنك" (٢)، دليلٌ على أنه لم يكن ذلك عندَه محرَّمًا؛ لأنَّ مَن أتى ما لا يَحِلُّ ليس يُقالُ له: عَزَمْتُ عليك لَتَترُكَنَّ ما لا يَحِلُّ لك. لا سيَّما في عُمرَ ومعاوية، فقد كان عمرُ يَضرِبُ بالدِّرر على أقلَّ من هذا أجَلَّ من معاويةَ وأسَنَّ. قالوا: ولو صَحَّ عن عُمرَ ما ذهَب إليه من كراهيةِ الطيبِ عندَ الإحرام لم تكنْ فيه حُجَّةٌ؛ لوُجودِ الاختلافِ بينَ الصحابةِ في ذلك، والمصيرُ إلى السُّنَّةِ فيه. روَى سفيانُ بنُ عُيَيْنة، عن عَمْرو بنِ دينار، عن سالم بنِ عبدِ الله، أنّه ذكَر قولَ عمرَ في الطِّيب، ثم قال: قالت عائشة: أنا طيَّبتُ رسولَ الله ﷺ لإحْرامِه (٣). قال سالمٌ: وسُنّةُ رسولِ الله أحَقُّ أن تُتَّبَع. وروَى الثوريُّ، عن منصور، عن سعيدِ بنِ جبير، قال: كان ابنُ عُمرَ لا يَدَّهِنُ إلّا بالزَّيْتِ حين يُريدُ أن يُحْرِم. قال منصور: فذكَرْتُ ذلك لإبراهيم،

стр. 987

فقال: ما تَصنَعُ بهذا؟ حدَّثني الأسود، عن عائشة، أنّها قالت: كان يُرى وَبيصُ الطِّيبِ في مَفارقِ رسولِ الله ﷺ وهو مُحْرِم (١). وروَى مالكٌ (٢)، عن يحيى بنِ سعيد، وعبدِ الله بنِ أبي بكر، وربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرحمن؛ أنَّ الوليدَ بنَ عبدِ الملك سأل سالمَ بنَ عبدِ الله وخارِجَةَ بنَ زيدِ بنِ ثابتٍ بعدَ أن رَمى الجَمْرَةَ وحَلَق رأسَه وقبلَ أن يُفيضَ عن الطِّيب، فنَهاه سالمٌ، وأرخَص له خارِجَةُ بنُ زيد. قال إسماعيلُ بنُ إسحاق: جاء عن عائشةَ بالإسنادِ الصحيح أنّها قالت: كنتُ أُطيِّبُ رسولَ الله لحُرمِه قبلَ أن يُحْرِمَ، ولحِلِّه قبلَ أن يَطُوفَ بالبيت (٣). وقد كانت عائشةُ تُفْتي بذلك بعدَ النبيِّ ﷺ . حدَّثثا إبراهيمُ بنُ الحَجّاج، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ المختار، عن موسى بنِ عُقبَة، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُمر، أنَّ أباه كان يَكرَهُ الطِّيبَ (٤) عندَ الإحْرام، وكان يعلَمُ أنَّ عائشةَ كانت (٥) تُفتي بأنّه لا بأسَ بالطِّيب عندَ الإحرام (٦). قال إسماعيل: وجاء عن عمرَ بالأسانيدِ الصِّحاح أنّه كَرِه الطِّيبَ عندَ الإحْرام، وبعدَ رَمْي الجَمْرَةِ قبلَ الطَّوافِ بالبيت، وأمرَ معاويةَ أن تَغسِلَ أمُّ حبيبةَ عنه الطِّيب (٧)، وقال في خُطْبَته بعرفة: إذا رَميْتُم الجَمْرَةَ ونَحَرْتُم، فقد حَلَّ لكم ما حُرِّمَ عليكُم إلّا النساءَ والطِّيبَ، لا يَمَسَّنَّ أحَد طِيبًا ولا نساءً حتى

стр. 988

يطوفَ بالبيت (١). وهذا بمَحْضَرِ جماعَة الصحابة، فما رَدَّ قولَه ذلك عليه أحَدٌ، ولا أنكَرَه منكِرٌ. وجاء عن عثمانَ في ذلك مثلُ مذهبِ عمر (٢). وعن ابنِ عمرَ مثلُ ذلك. ولا يقعُ في القَلب أنَّهم جَهِلوا ما روَتْ عائشة، ولا أنّهم يقْصِدون خِلافَ رسولِ الله ﷺ ، ولكنّهَ يُمكنُ أن يكونَ عَلِموا نَسخَ ذلك، وإذا كان ذلك ممكِنًا فالاحتياطُ التَّوقُّفُ، فمَن اتَّقى ذلك فقدِ احتاطَ لنفسِه. قال: وأمّا التابعون فاختلَفوا في ذلك أيضًا؛ فذهَب جماعةٌ منهم إلى ما رُوِيَ عن عائشة، وجماعةٌ إلى ما رُوِيَ عن عُمر. وقال أبو ثابت: قلتُ لابن القاسم (٣): هل كان مالكٌ يَكرَهُ أن يَتَطيَّبَ إذا رَمَى جَمْرَةَ العَقبةِ قبلَ أن يُفيضَ؟ قال: نعم. قلت: فإن فعَل، أترَى عليه الفِدْيَة؟ قال: لا أرَى عليه شيئًا؛ لِمَا جاء فيه. وقال مالك: لا بأسَ أن يدَّهِنَ المحرمُ قبلَ أن يُحْرِمَ وقبلَ أن يُفيضَ بالزَّيتِ والبانِ غيرِ المُطَيِّبِ مما لا ريحَ له. قال أبو عُمر: لا معنى لمَن قاس الطِّيبَ على الثِّيابِ والصَّيد؛ لأنَّ السنةَ قد فرَّقَتْ بينَ ذلك، فأجازَتِ التَّطيُّبَ عندَ الإحْرام بما يُرى بعدَ الإحْرام في المفارِقِ والشَّعَرِ ويُوجدُ ريحُه من المحرم، وحَظرَتْ على المحرم أن يُحْرِمَ وعليه شيءٌ من المخيط، أو بيَدِه شيءٌ من الصَّيْد. ومَن جعلَ الطِّيبَ قياسًا على الثِّياب والصَّيْد، فقد جمع بينَ ما فَرَّقَ رسولُ الله ﷺ وأكثرُ المسلمين بينه. وقد شَبَّهَ بعضُ الفقهاءِ الطِّيبَ قبلَ الإحْرام بالواطئ قبلَ الفَجْرِ يُصبحُ جُنُبًا بعدَ الفَجْر، ولم يكن له أن يُنشئ (٤) الجنابةَ بعدَ الفَجْر. وهو قياسٌ صحيحٌ

стр. 989

إن شاء الله، ولكنَّ الكارِهَ للمُحْرِم أن يَشُمَّ الطِّيبَ بعدَ إحْرامِه إذا أجاز التَّطيُّبَ قبلَ الإحْرام، مُنِاقِضٌ تارِكٌ للقِياس؛ لأنَّ الاستِمْتاعَ من رائحَةِ الطِّيبِ لمَن تَطيَّبَ قبلَ إحْرامِه أكثرُ من شَمِّه من غيره، واللهُ أعلمُ، وهم لا يُجيزُونَ مَسَّ الطِّيبِ اليابسِ ولا حَمْلَه في الخِرَقِ إذا ظهَرَ ريحُه. وهذا كلُّه دليلٌ على صحَّةِ قولِ مَن كَرِه الطِّيبَ للمُحْرِم، وهو الاحْتياط، وبالله التوفيق. واختلَفَ الفقهاءُ فيمَن تَطيَّبَ بعدَ إحْرامِه جاهِلًا أو ناسِيًا؛ فكان مالكٌ يرَى الفِدْيَة على كلِّ مَن قَصَد إلى التَّطيُّبِ بعدَ إحْرامِه، عامِدًا أو ناسِيًا أو جاهِلًا، إذا تعلَّقَ بيَدِه أو ببَدَنِه شي ءٌ منه (١). والطِّيبُ: المِسْكُ، والكافورُ، والزَّعْفَرانُ، والوَرْسُ، وكلُّ ما كان مَعروفًا عندَ الناسِ بأنّه طِيبٌ لطِيبِ رائِحتِه. وأمّا شَمُّ الرَّياحِين، والمرورُ في سُوقِ الطِّيب - وإن كان ذلك مَكروهًا عندَه - فإنّه لا شيءَ على مَن وصَل إليه رائحَتُه إذا لم يَعْلَقْ بيَدَيْه أو بدَنِه منه شيء. وقال الشافعيُّ (٢): إن تَطيَّبَ جاهِلًا أو ناسِيًا فلا شيءَ عليه، وإن تَطيَّبَ عامِدًا فعليه الفِدْيَة. قال: والفَرقُ في التَّطييبِ بينَ الجاهل والعامد أنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ الأعرابيَّ وقد أحْرَمَ وعليه خَلُوقٌ بنزع الجُبَّةِ وغَسْلِ الصُّفْرَة، ولم يأمُرْه بفِدْيَة، ولو كانت عليه فِدْيَة لأمرَه بها كما أمرَه بنَزْع الجُبَّة. لم يختلفْ قولُ الشافعيِّ في الجاهل، واختلَف قولُه في الناسي يلبَسُ أو يتَطيَّبُ ناسِيًا؛ فمغ أوْجَبَ عليه الفِدْيَة، ومرَّةً لم يَرَ عليه فِدْيَة. وفي هذا الحديثِ ردٌّ على مَن زَعَم من العلماءِ أنَّ الرجلَ إذا أحْرَم وعليه قميصٌ كان عليه أن يَشُقَّه. وقالوا: لا يَنبَغي أن يَنْزِعَه كما يَنْزعُ الحلالُ قَميصَه؛ لأنّه إذا فعَل ذلك غطَّى رأسَه، وذلك لا يجوزُ له، فلذلك أُمِر بشَقِّه. وممّن قال

стр. 990

بهذا من العلماء: الحَسَنُ، والشعبيُّ، والنَّخَعيُّ، وأبو قِلابةَ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ على اختلافٍ عنه. ذكرَ سعيدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحَسَن. قال هُشَيْم: وأخبرنا مُغيرَة، عن إبراهيمَ والشعبيّ، أنّهم قالوا: إذا أحْرَم الرجلُ وعليه قَمِيصُه فليَخْرِقْه حتى يَخرُجَ منه (١). وروَى شُعبةُ، عن المُغيرة وحَمّاد، عن إبراهيم، قال: إذا أحرَمَ الرجلُ وعليه قَميصٌّ فلْيَخْرِقْه. قال أحدهما: يَشُقُّه. وقال الآخر: يَخْلَعُه من قِبَلِ رِجْلَيْه (٢). وذكَرَ الطَّحاويُّ (٣)، قال: حدَّثنا روحُ بنُ الفَرَج، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عَدِيٍّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن سالم، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: يَخْرِقُه ولا يَنْزِعُه. هكذا قال، وهو عندِي خَطأ؛ لأنَّ الثوريَّ روَى عن سالم الأفطس، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: يَنْزعُ ثيابَه ولا يَخْرِقُها. وهو الصَّحيحُ إن شاءَ الله عن سعيدِ بنِ جُبير. ذكرَه عبدُ الرَّزّاق وغيرُه، عن الثوريّ (٤). وذكَر عبدُ الرَّزّاق (٥)، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قِلابة، قال: إن أحْرَمَ في قميصٍ شَقَّه. قال أبو عُمر: احتجَّ مَن ذهَب إلى هذا المذهب بما رواه عبدُ الرحمن بنُ عطاءِ بنِ أبي لَبِيبَة، أنّه سمع ابنَيْ جابرٍ يُحَدِّثان عن أبيهما، قال: بَيْنا النبيُّ ﷺ جالِسٌ مع أصحابه، شَقَّ قَميصَه حتى خرَجَ منه، فقيل له: فقال: "واعَدْتُهم ويُقَلِّدُون هَدْي اليومَ

стр. 991

فنَسِيتُ". ذكَرَه عبدُ الرَّزّاق (١)، عن داودَ بنِ قَيْس، عن عبدِ الرحمن بنِ عطاء. ورواه أسدُ بنُ موسى، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عطاءِ بنِ أبي لَبِيبة، عن عبدِ الملكِ بنِ جابرٌ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: كنتُ عند النبيِّ ﷺ جالسًا، فقَدَّ قَمِيصَه من جيبِه حتى أخرَجه من رِجْلَيْه، فنظَر القومُ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: "إنِّي أمَرْتُ ببُدْني التي بَعَثْتُ بها أن تُقَلَّدَ اليومَ وتُشْعَرَ على كذا وكذا، فلَبِسْتُ قميصي ونسِيتُ، فلم أكُنْ لأُخْرجَ قميصي من رأسي". وكان بَعَث ببُدْنِه وأقام بالمدينة (٢). وقال جمهورُ فقهاءِ الأمصار: ليس على مَن نَسي فأحْرَم وعليه قميصُه أن يَخْرِقَه ولا يَشُقَّه. وممن قال ذلك: مالكٌ وأصحابُه، والشافعيُّ ومَن سَلَك سَبيلَه، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمدٌ، والثوريُّ، وسائرُ فقهاءِ الأمصار، وأصحابُ الآثار (٣).

стр. 992

وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ عطاء، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلى بنِ أُميّة، عن أبيه، في قصةِ الأعرابيِّ الذي أحْرَمَ وعليه جُبّةٌ، فأمَره رسولُ الله ﷺ أن يَنْزعَها، وهو الحديثُ المذكورُ في هذا الباب، ولا خِلافَ بينَ أهل العِلْم بالحديثِ أنّه حديثٌ ثابتٌ صحيح. وحديثُ جابرٍ الذي يَرْوِيه عبدُ الرحمن بنُ عطاءِ بنِ أبي لَبِيبةَ عندَهم حديثٌ ضعيفٌ لا يُحْتَجُّ به، وهو عندَهم أيضًا مع ضَعْفِه مَرْدُودٌ بالثابتِ عن عائشةَ أنّها قالت: كنتُ أفتِلُ قلائِدَ هَدْي رسولِ الله ﷺ ثم يُقَلِّدُه ويَبعَثُ به، فلا يحرُمُ عليه شيءٌ أحَلَّه اللهُ له حتى يَنحَرَ الهَدْيَ (١). وإن كان جماعةٌ من العلماء قالوا: إذا أشْعَر هَدْيَه أو قَلَّدَه فقد أحْرَمَ. وقال آخرون: إذا كان يريدُ بذلك الإحْرام. وسنذكُرُ هذا المعنى مجوَّدًا في باب عبدِ الله بن أبي بكر إن شاء الله. ذكَر عبدُ الرَّزّاق (٢)، عن معمرٌ، عن قتادة، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلى بنِ أُميّة، عن أبيه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لرجل أحْرَم في قَميص: "انْزعْ عنك القَمِيصَ، واغْسِلْ عنك الطِّيبَ". حَسِبْتُه قال: ثلاثَ مرّات. قال قتادة: فقلتُ لعطاء: إنَّ ناسًا يقولون: إذا أحْرَم في قَمِيصِه فلْيَشُقَّه. قال: لا، لِيَنْزِعْه، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَساد. وروَى سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن عطاء بإسنادِه مثلَه سواء. وذكَر عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوس، عن أبيه، قال: مَن أحْرَم في قميصٍ فلْيَنْزِعْه ولا يَشُقَّه (٣). قال أبو عُمر: ليس نَزْعُ القميصِ بمنزِلَةِ اللِّباسِ في أثرٍ ولا نَظَر، فأمّا الأثرُ فقد ذكَرْناه في قصّةِ الأعرابيّ، وأمّا النَّظَرُ، فإنَّ المحرمَ لو حملَ على رأسِه شيئًا لم

стр. 993

يُعَدَّ ذلك مَعَدَّ لِباسِ القَلَنسُوة. وكذلك مَن تردَّى بإزارٍ وجَلَّلَ به بدَنَه، لم يُحْكَمْ له بحُكْم لِباسِ المخيط. وفي هذا دَليلٌ على أنَّه إنّما نُهِيَ عن إلباسِ الرَّأسِ القَلَنْسُوَةَ في حال الإحْرام اللِّباسَ المعهود، وعن لباسِ الرجل القَميصَ اللَّباسَ المعهود، وعُلِمَ أنَّ النَّهيَ إنَّما وَقَعَ في ذلك وقُصِدَ به إلى مَن قَصَدَ وتَعَمَّدَ فِعْلَ ما نُهِيَ عنه من اللِّباسِ في حال إحْرامِه اللِّباسَ المعهودَ في حال إحْلالِه، فخَرجَ بما ذكَرْنا ما أصابَ الرأسَ من القميصِ المَنْزوع. هذا ما يُوجبُه النَّظرُ إن شاء الله. وأما قوله: "وافْعَلْ في عُمْرَتِك ما تَفعَلُ في حَجِّك". فكلامٌ خرجَ على لفظِ العُموم والمُرادُ به الخُصوص. وقد تبَيَّنَ ذلك في سِياقَةِ ابنِ عُيَيْنة له عن عَمْرو بنِ دينار، حيث قال: فقال له النبيُّ ﷺ : "ما كنتَ تَصنَعُ في حَجِّك؟ " قال: كنتُ أنزعُ هذه - يعني الجُبّة - وأغْسِلُ هذا الخَلُوق. فقال النبيُّ ﷺ : "ما كُنتَ صانِعًا في حَجِّك، فاصْنَعْه في عُمْرَتِك". أي: من هذا الذي ذكَرْتَ من نَزْع القَميص، وغَسْل الطِّيب. فخرَج كلامُه ﷺ في حديثِ مالك وما كان مثلَه على جواب السائل فيما قصَدَه بالسُّؤال عنه. وهذا إجماعٌ من العلماء، أنَّه لا يَصْنَعُ المعتَمِرُ عَملَ الحجِّ كلَّه، وإنَّما عليه أن يُتِمَّ عَملَ عُمْرَتِه، وذلك: الطَّوافُ، والسَّعْيُ، والحِلاقُ، والسُّننُ كلّها. والإجماعُ يَدُلُّك على أنَّ قولَه في هذا الحديث: "وافْعَلْ في عُمْرَتِك ما تَفْعَلُ في حَجِّك" كلامٌ ليس على ظاهرِه، وأنّه لَفظُ عُموم أُرِيدَ به الخُصُوص على ما وَصَفْنا من الاقتِصارِ به على جوابِ السَّائل في مُرادِه، وبالله التوفيق (١).

стр. 994

حديثٌ رابعٌ لحُمَيْد بن قيس مُنْقَطع مالكٌ (١)، عن حُمَيْد بنِ قَيْس المكِّيّ، أنَّه قال: دُخِل على رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم - بابنَي جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضِنَتِهما: "ما لي أراهما ضارِعَين؟ ". فقالت حاضنتُهما: يا رسولَ الله، إنّه تُسرعُ إليهما العينُ، ولم يَمْنعْنا أن نَسترقيَ لهما إلا أنّا لا نَدْري ما يُوافقُك من ذلك. فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "استَرْقوا لهما؛ فإنّه لو سبَق شيءٌ القدرَ لسبَقتْه العيِنُ". هكذا جاء هذا الحديثُ في "الموطّأ" عندَ جميع الرُّواة فيما علِمتُ (٢). وذكَره ابنُ وَهْب في "جامعه" فقال: حدَّثني مالكُ بنُ أنس، عن حُمَيْد بنِ قيس، عن عِكْرِمةَ بنِ خالد، قال: دُخِل على رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -. فذكَر مثلَه سواء. وهو معَ هذا كلِّه مُنْقطعٌ، ولكنّه محفوظٌ لأسماءَ بنتِ عُمَيْس الخَثْعَميّة، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - من وجوهٍ ثابتةٍ متّصلةٍ صِحَاح (٣). وهي أمُّهما، وقد يجوزُ، واللهُ أعلم، أن تكونَ مع ذلك حاضنتَهما المذكورةَ في حديثِ مالك هذا (٤). وكانت أسماءُ بنتُ عميسٍ رحمها اللهُ تحت جعفرِ بنِ أبي طالب، وهاجَرتْ معه إلى الحبشة، وولَدت له هناك عبدَ الله بنَ جعفر، ومحمدَ بنَ جعفر، وعونَ بنَ جعفر، وهلَك عنها جعفرُ بنُ أبي طالب ﵁، قُتِل يومَ مؤتةَ بمؤتةَ من أرض الرُّوم، فخلَف عليها بعدَه أبو بكرٍ الصِّدِّيق، فولَدت له محمدَ بنَ أبي بكر بالبَيْداء،

стр. 995

أو بذي الحُليفة، على ما رُوِيَ من اختلافِ ألفاظِ ذلك الحديث، عامَ حَجَّة الوداع، فأمَرها رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - أن تغتسِلَ، ثم لتُهِلَّ (١). ثم توفِّي أبو بكرٍ ﵁، فخلَف عليها بعدَه عليُّ بنُ أبي طالب، فولَدت له يحيى بنَ عليّ، وقد ذكَرنا خبرَها مُستوعَبًا في كتاب النِّساءِ من كتابِنا في "الصحابة" (٢). وجائزٌ أن تكونَ حاضنتُهما غيرَها، وقد رُوِيتْ قصةُ أسماءَ بنتِ عميسٍ في ابنَي جعفرِ بنِ أبي طالب والاستِرْقاءِ لهما من حديثها، ومن حديثِ جابرِ بنِ عبد الله (٣). وقولُه في الحديث: "ما لي أراهما ضارِعَين؟ ". يقول: ما لي أراهُما ضعيفَينِ ضئيلَينِ ناحِلَين؟ وللضَّرَع في اللغة وجوهٌ؛ منها الضعفُ، قال صاحبُ "العين" (٤): الضَّرَعُ: الصغيرُ الضعيفُ. قال: والضَّرَعُ والضَّراعةُ (٥) أيضًا: التَّذلُّلُ، يقال: قد ضَرَع يَضْرَعُ، وأضرَعتْه الحاجة.

стр. 996

وأما الحاضنُ فهو الذي يضمُّ الشيءَ إلى نفسِه ويستُرُه ويكنُفُه، وأصلُه من الحِضنِ والمحتضن، وهو ما دونَ الإبطِ إلى الكِشْح (١)، تقولُ العرب: الحمامةُ تحضنُ بيضَها. حدَّثني أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عَمْرو - يعني ابنَ دينار - قال: أخبرني عُروةُ بنُ عامر، عن عُبيدِ بنِ رِفاعة، عن أسماءَ بنتِ عُميس، أنها قالت: يا رسولَ الله، إنَّ ابنَي جعفرٍ تُصيبُهما العينُ، أفأَسْتَرْقي لهما؟ قال: "نعم، لو كان شيءٌ سابِقَ القدرِ لسبَقَتْهُ العينُ".

стр. 997

قال أبو عُمر: عُروة بن عامر رَوَى عن ابن عَبّاس وعُبيد بن رِفاعة، روى عنه عَمْرو بن دينار وحبيب بن أبي ثابت والقاسم بن أبي بزة، وله أخ يسمى عبيد الله بن عامر روى عن ابن عمر، وروى عنه ابن أبي نَجِيح، ولهما أخ ثالث أصغر منهما اسمه عبد الرحمن بن عامر روى عنه سُفيان بن عُيَيْنة، وهم مكيّون ثقات. أخبرني أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى المُقرئ، قال: حدَّثنا ابنُ حَبابةَ (١) ببغداد، قال: حدَّثنا البَغَويُّ (٢)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجعد، قال: حدَّثنا زهيرُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن عبدِ الله بنِ أبي نَجِيح، عن ابنِ باباه (٣)، عن أسماءَ بنتِ عُميس، أنها قالت: يا رسولَ الله. فذكَر مثلَه سواء (٤). وحدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عليِّ بنِ غالبٍ التّمّار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الرَّبيع بنِ سُليمان، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ سعيدِ بنِ مُسلم، قال: حدَّثنا حجّاج، عن ابن جُرَيْج، قال: أخبرنى عطاءٌ (٥)، عن أسماءَ بنتِ عُمَيس، أنَّ النبيَّ ﷺ نظَر إلى بنيها بني جعفر، فقال: "ما لي أرَى أجسامَهم ضارعةً؟ ". قالت: يا نبيَّ الله، إنَّ العينَ تُسرعُ إليهم (٦)، أفأرقِيهم؟ قال: "وبماذا؟ ". فعرَضَت عليه كلامًا ليسَ به بأسٌ، فقال: "ارقِيهم به" (٧).
следующие страницы →