القوم الماء وهم عطاش فابعث اليهم الساعة. فقال «يا ابن الأكوع، ملكت فأسجح» ثم رجعنا وردفنى رسول الله ﷺ على ناقته حتى قدمنا المدينة. وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به ورواه البخاري عن أبى عاصم السهلي عن يزيد بن أبى عبيدة عن مولاه سلمة بنحوه
وقال الامام أحمد حدّثنا هاشم بن القاسم حدثنا عكرمة بن عمار حدثني اياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: قدمنا المدينة زمن الحديبيّة مع رسول الله ﷺ فخرجت أنا ورباح غلام النبي ﷺ بظهر رسول الله ﷺ وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله أريد أن أنديه مع الإبل فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل فقلت يا رباح اقعد على هذا الفرس فالحقه بطلحة وأخبر رسول الله ﷺ أنه قد أغير على سرحه. قال: وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات:
يا صباحاه! قال: ثم اتبعت القوم معى سيفي ونبلى فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلى فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت فلا يقبل إلى فارس إلا عقرت به فجعلت أرميهم وأنا أقول:
أنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع
قال: فالحق برجل منهم فارميه وهو على راحلته فيقع سهمي في الرجل حتى انتظم كتفه فقلت
خذها وانا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع
فإذا كنت في الشجر أحرقتهم بالنبل فإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرديتهم بالحجارة فما زال ذاك شأنى وشأنهم اتبعهم وارتجز حتى ما خلق الله شيئا من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري فاستنقذته من أيديهم ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله ﷺ حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم وهم في ثنيّة ضيقة ثم علوت الجبل فأنا فوقهم فقال عيينة ما هذا الّذي أرى؟ قالوا لقينا من هذا البرح ما فارقنا بسحر حتى الآن وأخذ كل شيء بأيدينا وجعله وراء ظهره. فقال عيينة لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم، ليقم اليه نفر منكم. فقام اليه نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل فلما أسمعتهم الصوت قلت أتعرفونني قالوا ومن أنت قلت أنا ابن الأكوع والّذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركنى ولا أطلبه فيفوتني. فقال رجال منهم ان أظن. قال فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت الى فوارس رسول الله ﷺ يخللون الشجر وإذا أولهم الاخرم الأسدي وعلى أثره ابو قتادة فارس رسول الله ﷺ وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندي فولى المشركون مدبرين وأنزل من الجبل
стр. 1192
فأخذ عنان فرسه، فقلت: يا أخرم ائذن القوم - يعنى احذرهم - فانى لا آمن أن يقتطعوك فاتئد حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة ان كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن ابن عيينة ويعطف عليه عبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر الاخرم بعبد الرحمن وطعنه عبد الرحمن فقتله فتحول عبد الرحمن على فرس الاخرم فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة وتحول أبو قتادة على فرس الاخرم. ثم انى خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي ﷺ شيئا ويعرضون قبل غيبوبة الشمس الى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد فأرادوا أن يشربوا منه فابصرونى أعدو وراءهم فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية ثنية ذي بئر وغربت الشمس وألحق رجلا فارميه فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع. قال فقال يا ثكل أم أكوع بكرة. فقلت نعم أي عدو نفسه. وكان الّذي رميته بكرة وأتبعته سهما آخر فعلق به سهمان ويخلفون فرسين فجئت بهما أسوقهما الى رسول الله ﷺ وهو على الماء الّذي أجليتهم عنه ذو قرد وإذا بنبي الله ﷺ في خمسمائة وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت فهو يشوى لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها فأتيت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله خلنى فأنتخب من أصحابك مائة فآخذ على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. فقال أكنت فاعلا ذلك يا سلمة؟ قال قلت نعم والّذي أكرمك. فضحك رسول الله ﷺ حتى رأيت نواجذه في ضوء النار ثم قال: انهم يقرون الآن بأرض غطفان. فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفانيّ فنحر لهم جزورا فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هرابا فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة، فأعطاني رسول الله ﷺ سهم الفارس والراجل جميعا ثم أردفنى وراءه على العضباء راجعين الى المدينة فلما كان بيننا وبينها قريب من ضحوة وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق جعل ينادى: هل من مسابق، ألا رجل يسابق الى المدينة؟ فأعاد ذلك مرارا وأنا وراء رسول الله ﷺ مردفى فقلت له: اما تكرم كريما ولا تهاب شريفا؟ قال: لا الا رسول الله ﷺ قال قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمى خلنى فلا سابق الرجل. قال: ان شئت. قلت أذهب إليك فطفر عن راحلته وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة ثم انى ربطت عليه شرفا أو شرفين يعنى استبقيت من نفسي ثم انى عدوت حتى ألحقه فاصك بين كتفيه بيدي قلت سبقتك والله أو كلمة نحوها قال فضحك وقال: ان أظن. حتى قدمنا المدينة. وهكذا رواه مسلم من طرق عن عكرمة بن عمار بنحوه وعنده نسبقته الى المدينة فلم نلبث إلا ثلاثا حتى خرجنا الى خيبر. ولأحمد هذا السياق. ذكر البخاري والبيهقي هذه الغزوة بعد الحديبيّة وقبل خيبر وهو أشبه مما ذكره ابن إسحاق والله أعلم فينبغي
стр. 1193
تأخيرها الى أوائل سنة سبع من الهجرة فان خيبر كانت في صفر منها وأما قصة المرأة التي نجت على ناقة النبي ﷺ ونذرت نحرها لنجاتها عليها فقد أوردها ابن إسحاق بروايته عن أبى الزبير عن الحسن البصري مرسلا. وقد جاء متصلا من وجوه أخر
وقال الامام احمد حدّثنا عفان حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن ابى قلابة عن ابى المهلب عن عمران بن حصين قال: كانت العضباء لرجل من بنى عقيل وكانت من سوابق الحاج فأخذت العضباء معه. قال فمر به رسول الله ﷺ وهو في وثاق ورسول الله ﷺ على حمار عليه قطيفة فقال يا محمد علام تأخذونى وتأخذون سابقة الحاج؟ فقال رسول الله ﷺ نأخذك بجريرة حلفائك ثقيف. قال أو كانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النبي ﷺ . وقال فيما قال مسلم فقال رسول الله ﷺ لو قتلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح قال ومضى رسول الله ﷺ فقال يا محمد انى جائع فأطعمني وانى ظمآن فاسقني فقال رسول الله ﷺ هذه حاجتك ثم فدى بالرجلين وحبس رسول الله ﷺ العضباء لرحله. قال ثم ان المشركين أغاروا على سرح المدينة فذهبوا به وكانت العضباء فيه وأسروا امرأة من المسلمين. قال وكانوا إذا نزلوا أراحوا ابله بأفنيتهم قال فقامت المرأة ذات ليلة بعد ما نوموا فجعلت كلما أتت على بعير رغا حتى أتت على العضباء فأتت على ناقة ذلول مجرسة فركبتها ثم وجهتها قبل المدينة قال ونذرت ان الله أنجاها عليها لتنحرنها فلما قدمت المدينة عرفت الناقة فقيل ناقة رسول الله ﷺ قال وأخبر رسول الله ﷺ بنذرها أو أتته فأخبرته فقال بئس ما جزيتيها أو بئس ما جزتها ان أنجاها الله عليها لتنحرنها. قال ثم قال رسول الله ﷺ لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم. ورواه مسلم عن أبى الربيع الزهراني عن حماد بن زيد قال ابن إسحاق وكان مما قيل من الاشعار في غزوة ذي قرد قول حسان بن ثابت ﵁:
لولا الّذي لاقت ومس نسورها … بجنوب ساية أمس في التقواد
للقينكم يحملن كل مدجج … حامي الحقيقة ماجد الأجداد
ولسر أولاد اللقيطة اننا … سلم غداة فوارس المقداد
كنا ثمانية وكانوا جحفلا … لجبا فشكوا بالرماح بداد
كنا من القوم الذين يلونهم … ويقدمون عنان كل جواد
كلا ورب الراقصات الى منى … يقطعن عرض مخارم الأطواد
حتى نبيل الخيل في عرصاتكم … ونئوب بالملكات والأولاد
رهوا بكل مقلص وطمرّة … في كل معترك عطفن وواد
стр. 1194
أفنى دوابرها ولاح متونها … يوم تقاد به ويوم طراد
فكذاك ان جيادنا ملبونة … والحرب مشعلة بريح غواد
وسيوفنا بيض الحدائد تجتلى … جنن الحديد وهامة المرتاد
أخذ الإله عليهم لحرامه … ولعزة الرحمن بالأسداد
كانوا بدار ناعمين فبدلوا … أيام ذي قرد وجوه عناد
قال ابن إسحاق فغضب سعد بن زيد أمير سرية الفوارس المتقدمين امام رسول الله ﷺ على حسان وحلف لا يكلمه أبدا وقال انطلق الى خيلى وفوارسى فجعلها للمقداد. فاعتذر اليه حسان بأنه وافق الروي اسم المقداد، ثم قال أبياتا يمدح بها سعد بن زيد:
إذا أردتم الاشدّ الجلدا … أو ذا غناء فعليكم سعدا
سعد بن زيد لا يهدّ هدّا
قال فلم تقع منه بموقع. وقال حسان بن ثابت في يوم ذي قرد:
أظنّ عيينة إذ زارها … بأن سوف يهدم فيها قصورا
فأكذبت ما كنت صدقته … وقلتم سنغنم أمرا كبيرا
فعفت المدينة إذ زرتها … وآنست للأسد فيها زئيرا
وولوا سراعا كشد النعام … ولم يكشفوا عن ملط حصيرا
أمير علينا رسول المليك … أحبب بذاك إلينا أميرا
رسول يصدق ما جاءه … ويتلو كتابا مضيئا منيرا
وقال كعب بن مالك في يوم ذي قرد يمدح الفرسان يومئذ من المسلمين:
أيحسب أولاد اللقيطة اننا … على الخيل لسنا مثلهم في الفوارس
وانا أناس لا نرى القتل سبة … ولا ننثنى عند الرماح المداعس
وانا لنقرى الضيف من قمع الذرى … ونضرب رأس الأبلج المتشاوس
نرد كماة المعلمين إذا انتحوا … بضرب يسلى نخوة المتقاعس
بكل فتى حامي الحقيقة ماجد … كريم كسرحان العضاة مخالس
يذودون عن أحسابهم وبلادهم … ببيض تقدّ الهام تحت القوانس
فسائل بنى بدر إذا ما لقيتهم … بما فعل الاخوان يوم التمارس
إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم … ولا تكتموا أخباركم في المجالس
وقولوا زللنا عن مخالب خادر … به وحر في الصدر ما لم يمارس
стр. 1195
غزوة بنى المصطلق من خزاعة
قال البخاري وهي غزوة المريسيع. قال محمد بن إسحاق وذلك في سنة ست. وقال موسى بن عقبة سنة أربع. وقال النعمان بن راشد عن الزهري كان حديث الافك في غزوة المريسيع هكذا رواه البخاري عن مغازي موسى بن عقبة انها كانت في سنة أربع. والّذي حكاه عنه وعن عروة انها كانت في شعبان سنة خمس. وقال الواقدي كانت لليلتين من شعبان سنة خمس في سبعمائة من أصحابه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار بعد ما أورد قصة ذي قرد فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعض جمادى الآخرة ورجب ثم غزا بنى المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست. قال ابن هشام واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاريّ ويقال نميلة بن عبد الله الليثي. قال ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ومحمد بن يحيى بن حبان كل قد حدثني بعض حديث بنى المصطلق قالوا: بلغ رسول الله ﷺ ان بنى المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبى ضرار أبو جويرية بنت الحارث التي تزوجها رسول الله ﷺ بعد هذا، فلما سمع بهم خرج اليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد الى الساحل فتزاحم الناس واقتتلوا فهزم الله بنى المصطلق وقتل من قتل منهم ونقل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه وقال الواقدي خرج رسول الله ﷺ لليلتين مضتا من شعبان سنة خمس من الهجرة في سبعمائة من أصحابه الى بنى المصطلق وكانوا حلفاء بنى مدلج فلما انتهى اليهم دفع راية المهاجرين الى أبى بكر الصديق ويقال الى عمار بن ياسر وراية الأنصار الى سعد بن عبادة، ثم أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس أن قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا فتراموا بالنبل، ثم أمر رسول الله ﷺ المسلمين فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت منهم رجل واحد وقتل منهم عشرة وأسر سائرهم ولم يقتل من المسلمين الا رجل واحد. وثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون قال كتبت الى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال فقال: قد أغار رسول الله ﷺ على بنى المصطلق وهم غارون في أنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم فأصاب يومئذ - أحسبه قال - جويرية بنت الحارث. وأخبرنى عبد الله بن عمر بذلك وكان بذلك الجيش. قال ابن إسحاق وقد أصيب رجل من المسلمين يقال له هشام بن صبابة أصابه رجل من الأنصار وهو يرى انه من العدو فقتله خطأ.
وذكر ابن إسحاق أن أخاه مقيس بن صبابه قدم من مكة مظهرا للإسلام فطلب دية أخيه هشام من رسول الله ﷺ لانه قتل خطأ فأعطاه ديته ثم مكث يسيرا ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ورجع
стр. 1196
مرتدا الى مكة وقال في ذلك:
شفى النفس ان قد بات بالقاع مسندا … يضرج ثوبيه دماء الاخادع
وكانت هموم النفس من قبل قتله … تلم فتحمينى وطاء المضاجع
حللت به وتري وأدركت ثؤرتى … وكنت الى الأوثان أول راجع
ثأرت به فهرا وحملت عقله … سراة بنى النجار أرباب فارع
قلت: ولهذا كان مقيس هذا من الأربعة الذين أهدر رسول الله ﷺ يوم الفتح دماءهم وان وجدوا معلقين بأستار الكعبة.
قال ابن إسحاق فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بنى غفار يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهنيّ حليف بنى عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهنيّ: يا معشر الأنصار وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين فغضب عبد الله بن أبىّ بن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد ابن أرقم غلام حدث فقال أوقد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما أعدّنا وجلابيب قريش هذه الا كما قال الأول «سمن كلبك يأكلك» أما والله ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا الى غير داركم. فسمع ذلك زيد ابن أرقم فمشى به الى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال من مر به عباد ابن بشر فليقتله. فقال رسول الله ﷺ : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه لا ولكن آذن بالرحيل. وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها فارتحل الناس وقد مشى عبد الله بن أبىّ بن سلول الى رسول الله ﷺ حين بلغه أن زيد بن أرقم بلّغه ما سمع منه فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به وكان في قومه شريفا عظيما فقال من حضر رسول الله ﷺ من الأنصار من أصحابه يا رسول الله عسى ان يكون الغلام أو هم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل حدبا على ابن أبىّ ودفعا عنه. فلما استقل رسول الله ﷺ وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلّم عليه وقال: يا رسول الله والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها. فقال له رسول الله ﷺ : أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ قال أي صاحب يا رسول الله؟ قال عبد الله بن أبىّ.
قال وما قال قال زعم أنه ان رجع الى المدينة أخرج الأعز منها الأذل قال فأنت والله يا رسول الله تخرجه ان شئت هو والله الذليل وأنت العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق فو الله لقد جاءنا الله بك وان قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه فإنه ليرى انك قد استلبته ملكا. ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم
стр. 1197
يلبثوا ان وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما. وانما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الّذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبىّ ثم راح رسول الله ﷺ بالناس وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع يقال له بقعاء فلما راح رسول الله ﷺ هبت على الناس ريح شديدة فآذتهم وتخوفوها فقال رسول الله ﷺ : لا تخوفوها فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار. فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بنى قينقاع وكان عظيما من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين مات ذلك اليوم. وهكذا ذكر موسى بن عقبة والواقدي. وروى مسلم من طريق الأعمش عن أبى سفيان عن جابر نحو هذه القصة الا أنه لم يسم الّذي مات من المنافقين قال هبت ريح شديدة والنبي ﷺ في بعض أسفاره فقال هذه لموت منافق فلما قدمنا المدينة إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين.
قال ابن إسحاق ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبىّ ومن كان على مثل أمره فأخذ رسول الله ﷺ بأذن زيد بن أرقم وقال هذا الّذي أو في لله باذنه. قلت وقد تكلمنا على تفسيرها بتمامها في كتابنا التفسير بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا وسردنا طرق هذا الحديث عن زيد بن أرقم ولله الحمد والمنة، فمن أراد الوقوف عليه أو أحب أن يكتبه هاهنا فليطلبه من هناك وبالله التوفيق.
قال ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد الله بن عبد الله بن أبىّ بن سلول أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله انه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبىّ فيما بلغك عنه فان كنت فاعلا فمر لي به فأنا أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبرّ بوالده منى وانى أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن انظر الى قاتل عبد الله بن أبىّ يمشى في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار. فقال رسول الله ﷺ بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا. وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم كيف ترى يا عمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي لارعدت له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. فقال عمر قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمرى.
وقد ذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما ان ابنه عبد الله ﵁ وقف لأبيه عبد الله بن أبىّ بن سلول عند مضيق المدينة فقال قف فو الله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله ﷺ في ذلك فلما جاء رسول الله ﷺ استأذنه في ذلك فأذن له فأرسله حتى دخل المدينة. قال ابن إسحاق وأصيب يومئذ من بنى المصطلق ناس وقتل على بن أبى طالب منهم رجلين مالكا وابنه. قال ابن هشام وكان شعار المسلمين: يا منصور أمت أمت قال ابن إسحاق وكان رسول الله ﷺ أصاب منهم سبيا كثيرا فقسمهم في المسلمين
وقال
стр. 1198
البخاري حدّثنا قتيبة بن سعيد أخبرنى إسماعيل بن جعفر عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز أنه قال دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدريّ فجلست اليه فسألته عن العزل فقال أبو سعيد خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بنى المصطلق فأصبنا سبيا من سبى العرب فاشتهينا النساء واشدت علينا العزوبة وأحببنا العزل وقلنا نعزل ورسول ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله فسألناه عن ذلك فقال: ما عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة الى يوم القيامة الا كائنة وهكذا رواه.
قال ابن إسحاق: وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت:
لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بنى المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس ابن شماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله ﷺ لتستعينه في كتابتها قالت: فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت. فدخلت عليه فقالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار سيد قومه وقد أصابنى من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت ابن قيس بن شماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتى. قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت وما هو يا رسول الله قال أقضى عنك كتابك وأتزوجك. قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت. قالت: وخرج الخبر الى الناس أن رسول الله ﷺ قد تزوج جويرية بنت الحارث فقال الناس أصهار رسول الله ﷺ فأرسلوا ما بأيديهم قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بنى المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها. ثم ذكر ابن إسحاق قصة الافك بتمامها في هذه الغزوة وكذلك البخاري وغير واحد من أهل العلم وقد حررت طرق ذلك كله في تفسير سورة النور فليلحق بكماله الى هاهنا وبالله المستعان وقال الواقدي حدّثنا حرام عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت جويرية بنت الحارث رأيت قبل قدوم النبي ﷺ بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري فكرهت أن أخبر به أحدا من الناس حتى قدم رسول الله ﷺ فلما سبينا رجوت الرؤيا قالت: فأعتقنى رسول الله ﷺ وتزوجني والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم وما شعرت الا بجارية من بنات عمى تخبرني الخبر فحمدت الله تعالى. قال الواقدي: ويقال ان رسول الله ﷺ جعل صداقها عتق أربعين من بنى المصطلق. وذكر موسى بن عقبة عن بنى المصطلق أن أباها طلبها وافتداها ثم خطبها منه رسول الله ﷺ فزوجه إياها
стр. 1199
قصة الافك
وهذا سياق محمد بن إسحاق حديث الافك: قال ابن إسحاق حدّثنى الزهري عن علقمة بن وقاص وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعبد الله بن عبيد الله بن عتبة قال الزهري: وكل قد حدثني بهذا الحديث وبعض القوم كان أوعى له من بعض وقد جمعت كل الّذي حدثني القوم.
قال ابن إسحاق: وحدّثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة وعبد الله بن أبى بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة عن نفسها حين قال فيها أهل الافك ما قالوا، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه وكل كان عنها ثقة فكلهم حدث عنها بما سمع قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه فلما كان غزوة بنى المصطلق أقرع بين نسائه، كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهنّ معه فخرج بى رسول الله ﷺ . قالت: وكان النساء إذ ذاك يأكلن العلق لم يهجهن اللحم فيثقلن وكنت إذا رحل لي بعيري جلست في هودجي ثم يأتى القوم الذين كانوا يرحلون لي فيحملوننى ويأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به. قالت: فلما فرغ رسول الله ﷺ من سفره ذلك وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل ثم أذّن مؤذن في الناس بالرحيل فارتحل الناس وخرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي فيه جزع ظفار فلما فرغت انسلّ من عنقي ولا أدرى فلما رجعت الى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده وقد أخذ الناس في الرحيل فرجعت الى مكاني الّذي ذهبت اليه فالتمسته حتى وجدته وجاء القوم خلافي الذين كانوا يرحلون لي البعير وقد كانوا فرغوا من رحلته فأخذوا الهودج وهم يظنون أنى فيه كما كنت أصنع فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أنى فيه ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به فرجعت الى العسكر وما فيه داع ولا مجيب قد انطلق الناس. قالت فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني وعرفت أن لو افتقدت لرجع الناس الى. قالت فو الله انى لمضطجعة إذ مرّ بين صفوان بن المعطل السلمي وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجاته فلم يبت مع الناس فرأى سوادي فأقبل حتى وقف على وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب فلما رآني قال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ظعينة رسول الله ﷺ ؟ وأنا متلففة في ثيابي. قال ما خلفك يرحمك الله؟ قالت فما كلمته. ثم قرب الىّ البعير فقال اركبي واستأخر عنى. قالت فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعا يطلب الناس فو الله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بى فقال أهل الافك ما قالوا وارتج العسكر ووالله ما أعلم بشيء من ذلك ثم قدمنا المدينة فلم ألبث أن اشتكيت شكوى
стр. 1200
شديدة لا يبلغني من ذلك شيء. وقد انتهى الحديث الى رسول الله ﷺ وإلى أبويّ لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا إلا أنى قد أنكرت من رسول الله ﷺ بعض لطفه بى كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بى فلم يفعل ذلك بى في شكواي ذلك فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل عليّ وعندي أمى (١) تمرّضنى قال كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك قالت حتى وجدت في نفسي فقلت يا رسول الله حين رأيت ما رأيت من جفائه لي: لو أذنت لي فانتقلت الى أمي فمرضتنى قال لا عليك قالت فانقلبت الى أمى ولا علم لي بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة وكنّا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم نعافها ونكرهها انما كنا نخرج في فسح المدينة وانما كانت النساء يخرجن في كل ليلة في حوائجهن فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعى أم مسطح ابنة ابى رهم بن المطلب قالت فو الله إنها لتمشي معى إذ عثرت في مرطها فقالت تعس مسطح (ومسطح لقب واسمه عوف) قالت فقلت بئس لعمرو الله ما قلت لرجل من المهاجرين وقد شهد بدرا قالت أو ما بلغك الخبر يا بنت أبى بكر قالت قلت وما الخبر فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الافك قلت أو قد كان هذا قالت نعم والله لقد كان قالت فو الله ما قدرت على أن أقضى حاجتي ورجعت فو الله ما زلت أبكى حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي قالت وقلت لأمي يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا قالت أي بنية خففى عليك الشأن فو الله لقلّ ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها قالت وقد قام رسول الله ﷺ فخطبهم ولا أعلم بذلك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس ما بال رجال يؤذوننى في أهلي ويقولون عليهم غير الحق والله ما علمت عليهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه الا خيرا، ولا يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معى، قالت وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبىّ بن سلول في رجال من الخزرج مع الّذي قال مسطح وحمنة بنت جحش وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله ﷺ ولم تكن امرأة من نسائه تناصينى في المنزلة عنده غيرها فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا وأما حمنة فاشاعت من ذلك ما أشاعت تضارنى لأختها فشقيت بذلك فلما قال رسول الله ﷺ تلك المقالة قال أسيد بن حضير يا رسول الله ان يكونوا من الأوس نكفيكهم وان يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا أمرك فو الله انهم لأهل أن تضرب أعناقهم قالت فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا فقال كذبت لعمر الله ما تضرب أعناقهم أما والله ما قلت هذه المقالة الا انك قد عرفت انهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد بن حضير كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت وتساور الناس حتى كاد
стр. 1201
يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر، ونزل رسول الله ﷺ فدخل عليّ فدعا عليّ بن أبى طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما فأما أسامة فأثنى خيرا وقاله ثم قال يا رسول الله أهلك وما نعلم منهم الا خيرا وهذا الكذب والباطل. وأما على فإنه قال يا رسول الله ان النساء لكثير وانك لقادر على أن تستخلف وسل الجارية فإنها ستصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة يسألها قالت فقام اليها عليّ فضربها ضربا شديدا ويقول: أصدقى رسول الله ﷺ . قالت فتقول والله ما أعلم الاخيرا وما كنت أعيب على عائشة شيئا الا انى كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتى الشاة فتأكله. قالت ثم دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكى وهي تبكى فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا عائشة انه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقى الله وان كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي الى الله فان الله يقبل التوبة عن عباده. قالت فو الله ان هو الا أن قال لي ذلك فقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا وانتظرت أبويّ أن يجيبا عنى رسول الله ﷺ فلم يتكلما. قالت وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل الله فىّ قرآنا يقرأ به ويصلى به، ولكنى كنت أرجو أن يرى النبي ﷺ في نومه شيئا يكذّب الله به عنى لما يعلم من براءتي ويخبر خبرا وأما قرآنا ينزل فىّ فو الله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك قالت فلما لم أر أبويّ يتكلمان قلت لهما ألا تجيبان رسول الله ﷺ ؟ فقالا والله ما ندري بما نجيبه. قالت والله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبى بكر في تلك الأيام قالت فلما استعجما عليّ استعبرت فبكيت ثم قلت والله لا أتوب الى الله مما ذكرت أبدا والله انى لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم انى منه بريئة لأقولن ما لم يكن ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني قالت ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره فقلت ولكن سأقول كما قال أبو يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ قالت فو الله ما برح رسول الله ﷺ مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه فسجى بثوبه ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فزعت وما باليت قد عرفت انى بريئة وان الله غير ظالمي وأما أبواي فو الّذي نفس عائشة بيده ما سرّى عن رسول الله ﷺ حتّى ظننت لتحرجن أنفسهما فرقا من أن يأتى من الله تحقيق ما قال الناس. قالت ثم سرّى عن رسول الله ﷺ فجلس وانه ليتحدر من وجهه مثل الجمان في يوم شات فجعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: أبشرى يا عائشة قد أنزل الله براءتك. قالت قلت الحمد لله. ثم خرج الى الناس فحطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله من القرآن في ذلك ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدّهم
стр. 1202
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين عن الزهري. وهذا السياق فيه فوائد جمة. وذكر حد القذف لحسان ومن معه رواه أبو داود في سننه. قال ابن إسحاق وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه:
لقد ذاق حسان الّذي كان أهله … وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم … وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا
وآذوا رسول الله فيها فجللوا … مخازي تبقى عمموها وفضحوا
وصبت عليهم محصدات كأنها … شآبيب قطر في ذرا المزن تسفح
وقد ذكر ابن إسحاق أن حسان بن ثابت قال شعرا يهجو فيه صفوان بن المعطل وجماعة من قريش ممن تخاصم على الماء من أصحاب جهجهاه كما تقدم أوله هي:
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا … وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
قد ثكلت أمه من كنت صاحبه … أو كان منتشبا في برثن الأسد
ما لقتيلى الّذي أعدو فآخذه … من دية فيه يعطاها ولا قود
ما البحر حين تهب الريح شامية … فيغطئلّ ويرمى العبر بالزبد
يوما بأغلب منى حين تبصرني … ملغيظ أفرى كفرى العارض البرد
أما قريش فانى لا أسالمها … حتى ينيبوا من الغيات للرشد
ويتركوا اللات والعزى بمعزلة … ويسجدوا كلهم للواحد الصمد
ويشهدوا أن ما قال الرسول لهم … حق فيوفوا بحق الله والوكد
قال: فاعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف وهو يقول:
تلق ذباب السيف عنى فاننى … غلام إذا هوجيت لست بشاعر
وذكر أن ثابت بن قيس بن شماس أخذ صفوان حين ضرب حسان فشده وثاقا فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟ فقال: ضرب حسان بالسيف. فقال عبد الله هل علم رسول الله ﷺ بشيء من ذلك؟ قال لا. فاطلقه ثم أتوا كلهم رسول الله ﷺ فقال ابن المعطل: يا رسول الله آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته. فقال رسول الله ﷺ : يا حسان أتشوهت على قومي إذ هداهم الله. ثم قال: أحسن يا حسان فيما أصابك. فقال: هي لك يا رسول الله. فعوضه منها بيرحاء التي تصدق بها أبو طلحة وجارية قبطية يقال لها سيرين جاءه منها ابنه عبد الرحمن. قال:
وكانت عائشة تقول سئل عن ابن المعطل فوجد رجلا حصورا ما يأتى النساء. ثم قتل بعد ذلك شهيدا ﵁. قال ابن إسحاق: ثم قال حسان ابن ثابت يعتذر من الّذي كان قال في شأن عائشة:
стр. 1203
حصان رزان ما تزنّ بريبة … وتصبح غرني من لحوم الغوافل
عقيلة حىّ من لؤيّ بن غالب … كرام المساعي مجدهم غير زائل
وان الّذي قد قيل ليس بلائط … بك الدهر بل قيل امرئ بى ماحل
فان كنت قد قلت الّذي قد زعمتم … فلا رفعت سوطي الىّ أناملى
فكيف وودى ما حييت ونصرتي … لآل رسول الله زين المحافل
وان لهم عزا ترى الناس دونه … قصارا وطال العز كل التطاول
ولتكتب هاهنا الآيات من سورة النور وهي من قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اِكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ - الى - ﴿مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وما أوردناه هنالك من الأحاديث والطرق والآثار عن السلف والخلف وبالله التوفيق
غزوة الحديبيّة
وقد كانت في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف. وممن نص على ذلك الزهري ونافع مولى ابن عمر وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق بن يسار وغيرهم. وهو الّذي رواه ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة انها كانت في ذي القعدة سنة ست. وقال يعقوب بن سفيان حدّثنا إسماعيل ابن الخليل على على بن مسهر أخبرنى هشام بن عروة عن أبيه قال خرج رسول الله ﷺ الى الحديبيّة في رمضان وكانت الحديبيّة في شوال. وهذا غريب جدا عن عروة. وقد روى البخاري ومسلم جميعا عن هدبة عن همّام عن قتادة أن أنس بن مالك أخبره ان رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر في ذي القعدة الا العمرة التي مع حجته عمرة من الحديبيّة في ذي القعدة وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة ومن الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنائم حنين وعمرة مع حجته. وهذا لفظ البخاري. وقال ابن إسحاق ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة رمضان وشوال وخرج في ذي القعدة معتمرا لا يريد حربا قال ابن هشام واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي. قال ابن إسحاق واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الاعراب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت فأبطأ عليه كثير من الاعراب وخرج رسول الله ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب وساق معه الهدى وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم الناس انه انما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له. قال ابن إسحاق وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم انهما حدثاه قالا خرج رسول الله ﷺ عام الحديبيّة يريد زيارة البيت لا يريد قتالا وساق معه الهدى سبعين بدنة وكان الناس سبعمائة رجل وكانت كل بدنة عن عشرة نفر وكان جابر بن عبد الله
стр. 1204
فيما بلغني يقول كنا أصحاب الحديبيّة أربع عشرة مائة.
قال الزهري وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر (١) بن سفيان الكعبي فقال يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جنود النمور وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا الى كراع الغميم. قال فقال رسول الله ﷺ يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فان هم أصابونى كان ذلك الّذي أرادوا وان أظهرنى الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وان لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش فو الله لا أزال أجاهد على هذا الّذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ثم قال من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله ابن أبى بكر ان رجلا من أسلم قال أنا يا رسول الله فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين فأفضوا الى أرض سهلة عند منقطع الوادي قال رسول الله قولوا نستغفر الله ونتوب اليه فقالوا ذلك فقال والله انها للحطّة التي عرضت على بنى إسرائيل فلم يقولوها. قال ابن شهاب فأمر رسول الله ﷺ الناس فقال اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض في طريق يخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبيّة من أسفل مكة. قال فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين الى قريش. وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته فقال الناس خلأت فقال ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة لا تدعوني قريش اليوم الى خطة يسألونى فيها صلة الرحم الا أعطيتهم إياها. ثم قال للناس انزلوا. قيل له يا رسول الله ما بالوادي ماء ينزل عليه. فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم ان الّذي نزل في القليب بسهم رسول الله ﷺ ناجية بن جندب (٢) سائق بدن رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق وقد زعم بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الّذي نزلت بسهم رسول الله ﷺ فالله أعلم أي ذلك كان. ثم استدل ابن إسحاق للأول ان جارية من الأنصار جاءت البئر وناجية أسفله يميح فقالت:
يا أيها المائح دلوي دونكا … انى رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجدونكا
стр. 1205
فأجابها فقال:
قد علمت جارية يمانية … انى أنا المائح واسمى ناجية
وطعنة ذات رشاش واهيه … طعنتها عند صدور العادية
قال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله ﷺ أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الّذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا وانما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته. ثم قال لهم نحو ما قال لبشر بن سفيان فرجعوا الى قريش فقالوا: يا معشر قريش انكم تعجلون على محمد، وان محمدا لم يأت لقتال انما جاء زائرا لهذا البيت. فاتهموهم وجبهوهم وقالوا وإن جاء ولا يريد قتالا فو الله لا يدخلها علينا عنوة ولا تحدث بذلك عنا العرب. قال الزهري:
وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة.
قال:
ثم بعثوا اليه مكرز بن حفص بن الاخيف أخا بنى عامر بن لؤيّ فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا قال هذا رجل غادر فلما انتهى الى رسول الله ﷺ وكلمه قال له رسول الله ﷺ نحوا مما قال لبديل وأصحابه فرجع الى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ ثم بعثوا بحليس بن علقمة أو ابن زبان وكان يومئذ سيد الأحابيش وهو أحد بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ان هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه. فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع الى قريش ولم يصل الى رسول الله ﷺ إعظاما لما رأى فقال لهم ذلك. قال فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر أن الحليس غضب عند ذلك وقال يا معشر قريش والله ما على هذا حالفنا كم ولا على هذا عاهدناكم، أيصد عن بيت الله من جاءه معظما له؟ والّذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لانفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد قالوا: مه كف عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. قال الزهري في حديثه: ثم بعثوا الى رسول الله ﷺ عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش انى قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه الى محمد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ وقد عرفتم أنكم والد وانى ولد وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعنى من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي. قالوا:
صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه ثم قال يا محمد أجمعت أوشاب الناس ثم جئت بهم الى بيضتك لتفضها بهم انها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وايم الله لكأنّي بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا. قال وأبو بكر الصديق ﵁ خلف رسول الله ﷺ فقال: امصص بظر اللات
стр. 1206
أنحن ننكشف عنه؟ قال من هذا يا محمد؟ قال هذا ابن أبى قحافة. قال اما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ولكن هذه بهذه قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه والمغيرة ابن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد، قال: فجعل يقرع يده إذ يتناول لحية رسول الله ﷺ ويقول اكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ قبل أن لا تصل إليك قال فيقول عروة ويحك ما أفظك وأغلظك. قال: فتبسم رسول الله ﷺ فقال له عروة من هذا يا محمد؟ قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال أي غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس. قال الزهري فكلمه رسول الله ﷺ الله بنحو مما كلم به أصحابه وأخبره أنه لم يأت يريد حربا فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه فرجع الى قريش فقال: يا معشر قريش انى قد جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه وانى والله ما رأيت ملكا في قومه قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم. قال ابن إسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه الى قريش بمكة وحمله على بعير له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به جمل رسول الله ﷺ وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله ﷺ .
قال ابن إسحاق وحدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين أمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا فأتى بهم رسول الله ﷺ فعفا عنهم وخلى سبيلهم وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه الى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال يا رسول الله انى أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من بنى عدي أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكنى أدلك على رجل أعز بها منى عثمان ابن عفان فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فبعثه الى أبى سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته فخرج عثمان الى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به فقالوا لعثمان حين بلغ رسالة رسول الله ﷺ إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. قال ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ . واحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل.
قال ابن إسحاق فحدثني عبد الله بن أبى بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل:
لا نبرح حتى نناجز القوم. ودعا رسول الله ﷺ الى البيعة وكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة
стр. 1207
وكان الناس يقولون بايعهم رسول الله ﷺ على الموت وكان جابر بن عبد الله يقول ان رسول الله ﷺ لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر فبايع رسول الله ﷺ الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بنى سلمة وكان جابر بن عبد الله يقول والله لكأنّي انظر اليه لاصقا بأبط ناقته قد ضبأ اليها يستتر من الناس. ثم أتى رسول الله ﷺ أن الّذي ذكر من أمر عثمان باطل. قال ابن هشام وذكر وكيع عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي أن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي. قال ابن هشام وحدثني من أثق به عمن حدثه باسناد له عن ابن أبى مليكة عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بايع لعثمان فضرب بإحدى يديه على الأخرى. وهذا الحديث الّذي ذكره ابن هشام بهذا الاسناد ضعيف لكنه ثابت في الصحيحين.
قال ابن إسحاق: قال الزهري ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بنى عامر بن لؤيّ الى رسول الله ﷺ وقالوا آت محمدا وصالحه ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا فو الله لا تتحدث العرب أنه دخلها عنوة أبدا. فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلما انتهى سهل الى رسول الله ﷺ تكلم فأطال الكلام وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر فأتى أبا بكر فقال يا أبا بكر أليس برسول الله؟ قال بلى. قال أولسنا بالمسلمين؟ قال بلى قال أو ليسوا بالمشركين؟ قال بلى. قال فعلام نعطي الدنية في ديننا قال ابو بكر يا عمر الزم غرزه فانى اشهد انه رسول الله قال عمر وانا اشهد انه رسول الله. ثم أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله ألست برسول الله قال بلى قال أو لسنا بالمسلمين قال بلى قال أو ليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديننا قال انا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني. وكان عمر ﵁ يقول ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الّذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الّذي تكلمته يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرا. قال ثم دعا رسول الله ﷺ على بن ابى طالب ﵁ فقال أكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال فقال سهيل لا اعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهمّ قال فقال رسول الله ﷺ اكتب باسمك اللهمّ فكتبها ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. قال فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك. ولكن أكتب اسمك واسم أبيك. قال فقال رسول الله ﷺ : اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على انه من أتى محمدا من قريش بغير اذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه وإن بيننا عيبة مكفوفة وانه لا إسلال ولا أغلال وانه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا نحن في عقد محمد وعهده
стр. 1208
وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وانك ترجع عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وانه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها. قال: فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يوسف في الحديد قد انفلت الى رسول الله ﷺ ، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ قد خرجوا وهم لا يشكّون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله ﷺ في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، فلما رأى سهيل أبا جندل قام اليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه وقال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت فجعل ينتره بتلبيبه ويجرّه يعنى يردّه الى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أردّ الى المشركين يفتنوننى في ديني! فزاد ذلك الناس الى ما بهم. فقال رسول الله ﷺ «يا أبا جندل اصبروا احتسب، فان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا. انّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وانّا لا نغدر بهم» قال: فوثب عمر ابن الخطاب مع أبى جندل يمشى الى جنبه ويقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون وانما دم أحدهم دم كلب. قال: ويدنى قائم السيف منه. قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه. قال: فضنّ الرجل بأبيه ونفذت القضية. فلما فرغ رسول الله ﷺ من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن سهيل بن عمرو وسعد بن أبى وقاص ومحمود بن مسلمة ومكرز بن حفص وهو يومئذ مشرك وعلى بن أبى طالب، وكتب وكان هو كاتب الصحيفة وكان رسول الله ﷺ مضطربا في الحل (١) وكان يصلى في الحرم، فلما فرغ من الصلح قام الى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه، وكان الّذي حلقه في ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي، فلما رأى الناس أن رسول الله ﷺ قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون.
قال ابن إسحاق: وحدّثنى عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبيّة وقصّر آخرون، فقال رسول الله ﷺ «يرحم الله المحلقين» قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «يرحم الله المحلّقين» قالوا: والمقصّرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله المحلقين» قالوا والمقصرين يا رسول الله! قال «والمقصرين» قالوا: يا رسول الله فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟ قال: لم يشكوا. وقال عبد الله بن أبى نحيح: حدّثنى مجاهد عن ابن عباس أن رسول
стр. 1209
الله ﷺ أهدى عام الحديبيّة في هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ بذلك المشركين هذا سياق محمد بن إسحاق ﵀ لهذه القصة، وفي سياق البخاري كما سيأتي مخالفة في بعض الأماكن لهذا السياق كما ستراها ان شاء الله وبه الثقة. ولنوردها بتمامها ونذكر في الأحاديث الصحاح والحسان ما فيه ...... ان شاء الله تعالى وعليه التكلان وهو المستعان
قال البخاري: حدّثنا خالد بن مخلد حدّثنا سليمان بن بلال حدّثنا صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله عن زيد بن خالد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبيّة فأصابنا مطر ذات ليلة فصلى بنا رسول الله ﷺ الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم. فقال: قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بى وكافر بى، فأما من قال مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله فهو مؤمن بى كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنجم كذا فهو مؤمن بالكوكب كافر بى. وهكذا رواه في غير موضع من صحيحه، ومسلم من طرق عن الزهري، وقد روى عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبى هريرة وقال البخاري حدّثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء قال:
تعدّون الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبيّة، كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة والحديبيّة بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثمّ مضمض ودعا ثم صبّه فيها فتركناها غير بعيد ثم انها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا. انفرد به البخاري وقال ابن إسحاق في قوله تعالى ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾: صلح الحديبيّة. قال الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، انما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كلّم بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلّم أحد في الإسلام يعقل شيئا الا دخل فيه ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: والدليل على ما قاله الزهري أن رسول الله ﷺ خرج الى الحديبيّة في ألف وأربع مائة رجل في قول جابر، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف
وقال البخاري: حدّثنا يوسف بن عيسى حدثنا ابن فضيل حدثنا حصين عن سالم عن جابر قال: عطش الناس يوم الحديبيّة ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقال رسول الله ﷺ : ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا ما نشرب الا ما في ركوتك. فوضع النبي ﷺ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون.
стр. 1210
قال: فشربنا وتوضأنا. فقلنا لجابركم كنتم يومئذ؟ قال لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن حصين عن سالم بن أبى الجعد عن جابر به وقال البخاري: حدّثنا الصلت بن محمد حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة قلت لسعيد بن المسيب بلغني أن جابر بن عبد الله كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة. فقال لي سعيد:
حدثني جابر كانوا خمس عشرة مائة الذين بايعوا النبي ﷺ يوم الحديبيّة. تابعه أبو داود حدثنا قرّة عن قتادة. تفرد به البخاري ثم
قال البخاري حدّثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو سمعت جابرا قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبيّة «أنتم خير أهل الأرض» وكنا ألفا وأربعمائة ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. وقد روى البخاري أيضا ومسلم من طرق عن سفيان بن عيينة به. وهكذا
رواه الليث بن سعد عن أبى الزبير عن جابر قال: إن عبدا لحاطب جاء يشكوه فقال يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ «كذبت لا يدخلها، شهد بدرا والحديبيّة» رواه مسلم.
وعند مسلم أيضا من طرق ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول أخبرتنى أم ميسر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة «لا يدخل أحد النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها» فقالت حفصة: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ فقال رسول الله ﷺ قد قال تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ قال البخاري: وقال عبيد الله بن معاذ حدثنا أبى حدثنا شعبة عن عمرو بن مرّة حدثني عبد الله ابن أبى أو في قال: كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين. تابعه محمد بن بشار حدثنا أبو داود حدثنا شعبة. هكذا رواه البخاري معلقا عن عبد الله. وقد رواه مسلم عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به. وعن محمد بن المثنى عن أبى داود عن إسحاق بن إبراهيم عن النضر بن شميل كلاهما عن شعبة به ثم قال البخاري: حدّثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن مروان والمسور بن مخرمة قالا: خرج النبي ﷺ عام الحديبيّة في بضع عشرة مائة من أصحابه فلما كان بذي الحليفة قلّد الهدى وأشعر وأحرم منها. تفرد به البخاري وسيأتي هذا السياق بتمامه والمقصود أن هذه الروايات كلها مخالفة لما ذهب اليه ابن إسحاق من أن أصحاب الحديبيّة كانوا سبع مائة، وهو والله أعلم انما قال ذلك تفقها من تلقاء نفسه من حيث ان البدن كنّ سبعين بدنة وكل منها عن عشرة على اختياره فيكون المهلون سبع مائة، ولا يلزم أن يهدى كلهم ولا أن يحرم كلهم أيضا، فقد ثبت أن رسول الله ﷺ بعث طائفة منهم فيهم أبو قتادة ولم يحرم أبو قتادة
стр. 1211
حتى قتل ذلك الحمار الوحشي فأكل منه هو وأصحابه وحملوا منه الى رسول الله ﷺ في أثناء الطريق فقال: هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار اليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من الحمار. وقد قال البخاري: حدّثنا شعبة بن الربيع حدثنا على بن المبارك عن يحيى عن عبد الله ابن أبى قتادة أن أباه حدثه قال: انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبيّة فأحرم أصحابى ولم أحرم وقال البخاري حدّثنا محمد بن رافع حدثنا شبابة بن سوّار الفزاري حدثنا شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لقد رأيت الشجرة ثم أتيتها بعد فلم أعرفها. حدثنا موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا طارق عن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه كان فيمن بايع تحت الشجرة فرجعنا اليها العام المقبل فعميت علينا. وقال البخاري أيضا حدثنا محمود حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون، فقلت ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبي ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبى انه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما كان من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. ثم قال سعيد: إن أصحاب محمد لم يعلموها، وعلمتموها أنتم! فأنتم أعلم؟ ورواه البخاري ومسلم من حديث الثوري وأبى عوانة وشبابة عن طارق. وقال البخاري حدّثنا سعيد حدثني أخى عن سليمان عن عمرو بن يحيى عن عبّاد بن تميم قال: لما كان يوم الحرة والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة، فقال ابن زيد: على ما يبايع ابن حنظلة الناس؟ قيل له على الموت، فقال: لا أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله ﷺ ، وكان شهد معه الحديبيّة.
وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن عمرو بن يحيى به. وقال البخاري: حدثنا قتيبة ابن سعيد حدثنا حاتم عن يزيد بن أبى عبيد قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبيّة؟ قال: على الموت. ورواه مسلم من حديث يزيد بن أبى عبيد. وفي صحيح مسلم عن سلمة أنه بايع ثلاث مرات في أوائل الناس ووسطهم وأواخرهم. وفي الصحيح عن معقل بن يسار أنه كان آخذا بأغصان الشجرة عن وجه رسول الله ﷺ وهو يبايع الناس، وكان أول من بايع رسول الله ﷺ يومئذ أبو سنان وهو وهب بن محصن أخو عكاشة بن محصن وقيل سنان بن أبى سنان وقال البخاري: حدّثنى شجاع بن الوليد سمع النّضر بن محمد حدثنا صخر بن الربيع عن نافع قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبيّة أرسل عبد الله الى فرس له عند رجل من الأنصار أن يأتى به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدرى بذلك، فبايعه عبد الله، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول
стр. 1212
الله ﷺ ، وهي التي تحدّث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. وقال هشام بن عمّار حدثنا الوليد ابن مسلم حدثنا عمر بن محمد العمرى أخبرنى نافع عن ابن عمر أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبيّة تفرقوا في ظلال الشجرة فإذا الناس محدقون بالنبيّ ﷺ فقال يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ فوجدهم يبايعون فبايع ثم رجع الى عمر فخرج فبايع. تفرد به البخاري من هذين الوجهين
ذكر سياق البخاري لعمرة الحديبيّة
قال في كتاب المغازي: حدّثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان سمعت الزهري حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه، قالا خرج النبي ﷺ عام الحديبيّة في بضع عشرة مائة من أصحابه فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدى وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينا له من خزاعة، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال: إن قريشا قد جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ومانعوك، فقال: أشيروا أيها الناس عليّ أترون أن أميل الى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فان يأتونا كان الله قد قطع عينا من المشركين وإلا تركنا لهم محروبين. قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا نريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه. قال امضوا على اسم الله. هكذا رواه هاهنا ووقف ولم يزد شيئا على هذا
وقال في كتاب الشهادات (١): حدّثنى عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر أخبرنى الزهري أخبرنى عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدّق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبيّة حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين، فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت. فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء، فقال رسول الله ﷺ : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والّذي نفسي بيده لا يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبيّة على ثمد قليل الماء يتبرّضه تبرضا فلم يلبّثه الناس
стр. 1213
حتى نزحوه، وشكى الى رسول الله ﷺ العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن وقاء الخراعى في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة - فقال: إني تركت كعب ابن لؤيّ وعامر بن لؤيّ نزلوا اعداد مياه الحديبيّة معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت. فقال النبي ﷺ انا لم نجيء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين وان قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فان شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فان أظهر فان شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا والا فقد جموا، وان هم أبوا فو الّذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن أمر الله. قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا فقال: انا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فان شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأى منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال رسول الله ﷺ ، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألست بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أولستم بالولد؟ قالوا بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون انى استنفرت أهل عكاظ فلما بلّحوا عليّ جئتكم بأهلى وولدى ومن أطاعنى؟ قالوا: بلى. قال:
فان هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آتيه، فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك. أي محمد أرأيت ان استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وان تكن الأخرى فانى والله لا أرى وجوها وانى لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفرّوا ويدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفرّ عنه وندعه؟ قال من ذا؟ قالوا أبو بكر. قال أما والّذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك قال وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده الى لحية رسول الله ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ . فرفع عروة رأسه فقال: من هذا قالوا المغيرة بن شعبة. فقال أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي ﷺ : أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء. ثم ان عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله ﷺ بعينيه قال فو الله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدّون اليه النظر تعظيما له. فرجع عروة الى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر
стр. 1214
وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر اليه تعظيما له، وانه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بنى كنانة دعوني آتيه. فقالوا ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له. فبعثت له واستقبله الناس يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع الى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلّدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال دعوني آتيه. قالوا ائته. فلما أشرف عليهم قال رسول الله ﷺ هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي ﷺ فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال رسول الله ﷺ : لقد سهل لكم من أمركم. قال معمر قال الزهري في حديثه فجاء سهيل فقال هات فاكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا النبي ﷺ الكاتب فقال النبي ﷺ : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فو الله ما أدرى ما هو ولكن أكتب باسمك اللهمّ كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها الا باسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ اكتب باسمك اللهمّ، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم انك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول الله ﷺ والله انى لرسول الله وان كذبتموني. اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك لقوله لا يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات الله، الا أعطيتهم إياها؟ فقال له النبي ﷺ : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. قال سهيل: والله لا تتحدث العرب انا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل فكتب. فقال سهيل وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وان كان على دينك الا رددته إلينا. قال المسلمون سبحان الله كيف يرد الى المشركين وقد جاء مسلما. فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده الىّ فقال النبي ﷺ انا لم نقض الكتاب بعد. قال فو الله إذا لم أصالحك على شيء أبدا. قال النبي ﷺ : فأجزه لي. قال ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أردّ الى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما قد لقيت - وكان قد عذب عذابا شديدا في الله - فقال عمر ﵁ فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق
стр. 1215
وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا اذن. قال: انى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أولست كنت تحدثنا انا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال قلت لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا. قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل. قال: بلى. قال:
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا اذن. قال أيها الرجل انه لرسول الله وليس يعصى ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه فو الله انه على الحق. قلت أليس كان يحدّثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام. فقلت لا. قال فإنك آتيه ومطوّف به. قال الزهري قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. قال فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: يا نبيّ الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقة فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ - حتى بلغ - ﴿بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾ فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك.
فتزوج إحداهما معاوية بن أبى سفيان والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي ﷺ الى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الّذي جعلت لنا.
فدفعه الى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله انى لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا. فاستلّه الآخر فقال: أجل والله انه لجيد لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير أرنى انظر اليه. فأمكنه منه فضربه حتى برد وفرّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه «لقد رأى هذا ذعرا» فلما انتهى الى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وانى لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أو في الله ذمتك، قد رددتني اليهم ثم أنجانى الله منهم. فقال النبي ﷺ «ويل امه مسعر حرب لو كان له أحد» فلما سمع ذلك عرف أنه سيردّه اليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم الا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فو الله ما يسمعون بعير خرجت لقريش الى الشام الا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش الى النبي ﷺ تناشده بالله والرحم لمّا أرسل اليهم فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ اليهم فأنزل الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾
стр. 1216
وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية وكانت حميتهم انهم لم يقرّوا أنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينهم وبين البيت. فهذا سياق فيه زيادات وفوائد حسنة ليست في رواية ابن إسحاق عن الزهري، فقد رواه عن الزهري عن جماعة منهم سفيان بن عيينة ومعمر ومحمد بن إسحاق كلهم عن الزهري عن عروة عن مروان ومسور، فذكر القصة وقد رواه البخاري في أول كتاب الشروط عن يحيى بن بكير عن الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عروة (١) عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة عن أصحاب رسول الله ﷺ فذكر القصة. وهذا هو الأشبه فان مروان ومسورا كانا صغيرين يوم الحديبيّة، والظاهر أنهما أخذاه عن الصحابة ﵃ أجمعين وقال البخاري: حدّثنا الحسن بن إسحاق حدثنا محمد بن سابق حدثنا مالك بن مغول سمعت أبا حصين قال قال أبو وائل: لما قدم سهيل بن حنيف من صفّين أتيناه نستخبره فقال: اتهموا الرأى، فلقد رأيتني يوم أبى جندل ولو أستطيع أن أردّ على رسول الله ﷺ أمره لرددت، والله ورسوله أعلم، وما وضعنا أسيافنا عن عواتقنا لأمر يقطعنا الا أسهلن بنا الى أمر نعرفه، قبل هذا الأمر ما نسدّ منها خصما الا انفجر علينا خصم ما ندري كيف نأتي له (٢)
وقال البخاري: حدّثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره وكان عمر بن الخطاب يسير معه ليلا فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله ﷺ ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه فقال عمر بن الخطاب ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك. قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين وخشيت أن ينزل فىّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بى، قال فقلت لقد خشيت أن يكون نزل فىّ قرآن، فجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه فقال «لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهى أحبّ الىّ مما طلعت عليه الشمس» ثم قرأ ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾. قلت: وقد تكلمنا على سورة الفتح بكمالها في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة، ومن أحب أن يكتب ذلك هنا فليفعل
стр. 1217
فصل في ذكر السرايا والبعوث التي كانت في سنة ست من الهجرة
وتلخيص ذلك ما أورده الحافظ البيهقي عن الواقدي:
في ربيع الأول منها أو الآخر بعث رسول الله ﷺ عكاشة بن محصن في أربعين رجلا الى ..... فهربوا منه ونزل على مياههم وبعث في آثارهم وأخذ منهم مائتي بعير فاستاقها الى المدينة وفيها كان بعث أبى عبيدة بن الجراح الى ذي القصة بأربعين رجلا أيضا فساروا اليهم مشاة حتى أتوها في عماية الصبح فهربوا منه في رءوس الجبال فأسر منهم رجلا فقدم به على رسول الله ﷺ وبعثه محمد بن مسلمة في عشرة نفر وكمن القوم لهم حتى باتوا .... أصحاب محمد بن مسلمة كلهم وأفلت هو جريحا وفيها كان بعث زيد بن حارثة بالحموم فأصاب امرأة من مزينة يقال لها حليمة فدلتهم على محلة من محال بنى سليم فأصابوا منها نعما وشاء وأسروا .... وكان فيهم زوج حليمة هذه فوهبه رسول الله ﷺ لزوجها وأطلقهما وفيها كان بعث زيد بن حارثة أيضا في جمادى الاولى الى بنى ثعلبة في خمسة عشر رجلا فهربت منه الأعراب فأصاب من نعمهم عشرين بعيرا ثم رجع بعد أربع ليال وفيها خرج زيد بن حارثة في جمادى الاولى الى العيص قال وفيها أخذت الأموال التي كانت مع أبى العاص بن الربيع فاستجار بزينب بنت رسول الله ﷺ فأجارته. وقد ذكر ابن إسحاق قصته حين أخذت العير التي كانت معه وقتل أصحابه وفر هو من بينهم حتى قدم المدينة، وكانت امرأته زينب بنت رسول الله ﷺ قد هاجرت بعد بدر فلما جاء المدينة استجار بها فأجارته بعد صلاة الصبح فأجاره لها رسول الله ﷺ وأمر الناس بردّ ما أخذوا من عيره فردّوا كل شيء كانوا أخذوه منه حتى لم يفقد منه شيئا، فلما رجع بها الى مكة وأدّى الى أهلها ما كان لهم معه من الودائع أسلم وخرج من مكة راجعا الى المدينة فردّ عليه رسول الله ﷺ زوجته بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحا ولا عقدا كما تقدم بيان ذلك. وكان بين إسلامه وهجرتها ست سنين ويروى سنتين. وقد بينا أنه لا منافاة بين الروايتين وان إسلامه تأخر عن وقت تحريم المؤمنات على الكفار بسنتين وكان إسلامه في سنة ثمان في سنة الفتح لا كما تقدم في كلام الواقدي من أنه سنة ست فالله أعلم وذكر الواقدي في هذه السنة أن دحية بن خليفة الكلبي أقبل من عند قيصر قد أجازه بأموال
стр. 1218
وخلع، فلما كان بحسمى لقيه ناس من جذام فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا معه شيئا، فبعث اليهم رسول الله ﷺ زيد بن حارثة أيضا ﵁ قال الواقدي حدّثنى عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن عتبة قال خرج على ﵁ في مائة رجل الى أن نزل الى حي من بنى أسد بن بكر، وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أن لهم جمعا يريدون أن يمدّوا يهود خيبر، فسار اليهم بالليل وكمن بالنهار وأصاب عينا لهم فأقر له أنه بعث الى خيبر يعرض عليهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر
قال الواقدي رحمه الله تعالى وفي سنة ست في شعبان كانت سرية عبد الرحمن بن عوف الى دومة الجندل، وقال له رسول الله ﷺ ان هم أطاعوا فتزوّج بنت ملكهم، فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن بنت ملكهم تماضر بنت الإصبع الكلبية وهي أم أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال الواقدي في شوال سنة ست كانت سرية كرز بن جابر الفهري الى العرنيين الذين قتلوا راعى رسول الله ﷺ واستاقوا النعم، فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم كرز بن جابر في عشرين فارسا فردّوهم وكان من أمرهم ما أخرجه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن رهطا من عكل وعرينة - وفي رواية من عكل أو عرينة - أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله انا أناس أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف فاستوخمنا المدينة. فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرّة قتلوا راعى رسول الله ﷺ واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم، فبعث النبي ﷺ في طلبهم فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وتركهم في الحرّة حتى ماتوا وهم كذلك. قال قتادة فبلغنا أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب بعد ذلك حضّ على الصدقة ونهى عن المثلة. وهذا الحديث قد رواه جماعة عن قتادة ورواه جماعة عن أنس بن مالك. وفي رواية مسلم عن معاوية بن قرة عن أنس أن نفرا من عرينة أتوا رسول الله ﷺ فأسلموا وبايعوه، وقد وقع في المدينة الموم - وهو البرسام - فقالوا هذا الموم قد وقع يا رسول الله، لو أذنت لنا فرجعنا الى الإبل. قال نعم فاخرجوا فكونوا فيها. فخرجوا فقتلوا الراعيين وذهبوا بالإبل وعنده سار من الأنصار قريب عشرين فأرسلهم اليهم وبعث معهم قائفا يقتصّ أثرهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم. وفي صحيح البخاري من طريق أيوب عن أبى قلابة عن أنس أنه قال قدم رهط من عكل فأسلموا واجتووا المدينة فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له فقال الحقوا بالإبل واشربوا من أبوالها وألبانها. فذهبوا وكانوا فيها ما شاء الله، فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فجاء الصريخ الى رسول الله ﷺ فلم ترتفع الشمس حتى أتى بهم فأمر بمسامير فأحميت فكواهم بها وقطع
стр. 1219
أيديهم وأرجلهم وألقاهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا ولم يحمهم وفي رواية عن أنس قال فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه من العطش. قال أبو قلابة فهؤلاء قتلوا وسرقوا وكفروا بعد ايمانهم وحاربوا الله ورسوله ﷺ . وقد
روى البيهقي من طريق عثمان بن أبى شيبة عن عبد الرحمن بن سليمان عن محمد بن عبيد الله عن أبى الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ لما بعث في آثارهم قال «اللهمّ عمّ عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيق من مسك جمل قال فعمّى الله عليهم السبيل فأدركوا فأنى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم. وفي صحيح مسلم انما سملهم لانهم سملوا أعين الرعاء
فصل فيما وقع من الحوادث في هذه السنة
أعنى سنة ست من الهجرة فيها نزل فرض الحج كما قرره الشافعيّ ﵀ زمن الحديبيّة في قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ ولهذا ذهب الى أن الحج على التراخي لا على الفور، لأنه ﷺ لم يحج إلا في سنة عشر. وخالفه الثلاثة مالك وأبو حنيفة وأحمد فعندهم أن الحج يجب على كل من استطاعة على الفور، ومنعوا أن يكون الوجوب مستفادا من قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ وإنما في هذه الآية الأمر بالإتمام بعد الشروع فقط، واستدلوا بأدلة قد أوردنا كثيرا منها عند تفسير هذه الآية من كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة بما فيه كفاية وفي هذه السنة حرّمت المسلمات على المشركين تخصيصا لعموم ما وقع به الصلح عام الحديبيّة على أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته علينا، فنزل قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ، فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ الآية وفي هذه السنة كانت غزوة المريسيع التي كان فيها قصة الافك ونزول براءة أم المؤمنين عائشة ﵂ كما تقدم وفيها كانت عمرة الحديبيّة وما كان من صدّ المشركين رسول الله ﷺ وكيف وقع الصلح بينهم على وضع الحرب بينهم عشر سنين، فأمن الناس فيهنّ بعضهم بعضا، وعلى أنه لا إغلال ولا إسلال. وقد تقدم كل ذلك مبسوطا في أماكنه ولله الحمد والمنة. وولى الحج في هذه السنة المشركون قال الواقدي وفيها في ذي الحجة منها بعث رسول الله ﷺ ستة نفر مصطحبين حاطب بن أبى بلتعة الى المقوقس صاحب الاسكندرية وشجاع بن وهب بن أسد بن جذيمة شهد بدرا الى الحارث بن أبى شمر الغساني يعنى ملك عرب الناصري، ورضية بن خليفة الكلبي الى قيصر وهو هرقل ملك الروم، وعبد الله بن حذافة السهمي الى كسرى ملك الفرس، وسليط بن عمرو العامري الى هوذة ابن على الحنفي، وعمير بن أمية الضمريّ الى النجاشي ملك النصارى بالحبشة وهو أصحمه ابن الحرّ
стр. 1220
سنة سبع من الهجرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
غزوة خيبر في أولها
قال شعبة عن الحاكم عن عبد الرحمن بن أبى ليلى في قوله (وأثابهم فتحا قريبا) قال خيبر.
وقال موسى بن عقبة لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبيّة مكث عشرين يوما أو قريبا من ذلك ثم خرج الى خيبر وهي التي وعده الله إياها. وحكى موسى عن الزهري أن افتتاح خيبر في سنة ست، والصحيح ان ذلك في أول سنة سبع كما قدمنا. قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة حين رجع من الحديبيّة ذا الحجة وبعض المحرّم، ثم خرج في بقية المحرم الى خيبر. وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن مروان والمسور قالا: انصرف رسول الله ﷺ عام الحديبيّة فنزلت عليه سورة الفتح بين مكة والمدينة، فقدم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار الى خيبر فنزل بالرجيع واد بين .... غطفان فتخوّف أن تمدهم غطفان حتى أصبح فغدا عليهم. قال البيهقي وبمعناه رواه الواقدي عن شيوخه في خروجه أول سنة سبع من الهجرة.
وقال عبد الله بن إدريس عن إسحاق حدّثنى عبد الله بن أبى بكر قال: لما كان افتتاح خيبر في عقيب المحرم وقدم النبي ﷺ في آخر صفر قال ابن هشام واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي. وقد قال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا حسيم يعنى ابن عراك عن أبيه أن أبا هريرة قدم المدينة في رهط من قومه والنبي ﷺ في خيبر وقد استخلف سباع بن عرفطة يعنى الغطفانيّ على المدينة قال فانتهيت اليه وهو يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى كهيعص وفي الثانية ويل للمطففين، فقلت في نفسي ويل لفلان إذا اكتال بالوافى وإذا كال كال بالناقص قال فلما صلّى رددنا شيئا حتى أتينا خيبر وقد افتتح النبي ﷺ خيبر قال فكلم المسلمين فأشركونا في سهامهم.
وقد رواه البيهقي من حديث سليمان بن حرب عن وهيب عن خيثم بن عراك عن أبيه عن نفر من بنى غفار قال ان أبا هريرة قدم المدينة فذكره. قال ابن إسحاق وكان رسول الله ﷺ حين خرج من المدينة الى خيبر سلك على عصر وبنى له فيها مسجدا ثم على الصهباء ثم أقبل بجيشه حتى نزل به بواد يقال له الرجيع فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدّوا أهل خيبر، كانوا لهم مظاهرين على رسول الله ﷺ الله فبلغني ان غطفان لما سمعوا بذلك جمعوا ثم خرجوا ليظاهروا اليهود عليه حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا ظنوا أن القوم قد خالفوا
стр. 1221
اليهم فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أموالهم وأهليهم وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر.
وقال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير ان سويد بن النعمان أخبره أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء - وهي من أدنى خيبر - صلّى العصر ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثرّى فأكل وأكلنا ثم قام الى المغرب فمضمض ثم صلى ولم يتوضأ.
وقال البخاري: حدّثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع: قال خرجنا مع رسول الله ﷺ الى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك - وكان عامر رجلا شاعرا - فنزل يحدو بالقوم يقول:
لا همّ لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما أبقينا … وألقين سكينة علينا
وثبت الاقدام إن لاقينا … انا إذا صيح بنا أبينا
وبالصياح عوّلوا علينا
فقال رسول الله ﷺ من هذا السائق قالوا عامر بن الأكوع قال يرحمه الله. فقال رجل من القوم وجبت يا نبي الله لولا أمتعتنا به. فأتينا خيبر فناصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة. ثم ان الله فتحها عليهم فلما أمسى الناس مساء اليوم الّذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة فقال رسول الله ﷺ ما هذه النيران على أي شيء توقدون قالوا على لحم قال على أي لحم قالوا لحم الحمر الانسية قال النبي ﷺ اهريقوها واكسروها فقال رجل يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها فقال أو ذاك. فلما تصاف الناس كان سيف عامر قصيرا فتناول به ساق يهودي ليضربه فيرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه فلما قفلوا قال سلمة رآني رسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي قال مالك قلت فداك أبى وأمى زعموا أن عامرا حبط عمله قال النبي ﷺ كذب من قاله ان له لأجرين - وجمع بين إصبعيه - انه لجاهد مجاهد قلّ عربي مشى بها مثله. ورواه مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل وغيره عن يزيد بن أبى عبيد مثله. ويكون منصوبا على الحالية من نكرة وهو سائغ إذا دلت على تصحيح معنى كما جاء في الحديث فصلّى وراءه رجل قياما. وقد
روى ابن إسحاق قصة عامر بن الأكوع من وجه آخر فقال حدثني: محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبى الهيثم بن نصر بن دهر الأسلمي أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في مسيره الى خيبر لعامر بن الأكوع وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع: انزل يا ابن الأكوع فخذ لنا من هناتك فقال فنزل يرتجز لرسول الله ﷺ :
стр. 1222
والله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
انا إذا قوم بغوا علينا … وان أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا … وثبت الاقدام ان لاقينا
فقال رسول الله ﷺ يرحمك ربك. فقال عمر بن الخطاب وجبت يا رسول الله لو أمتعتنا به، فقتل يوم خيبر شهيدا. ثم ذكر صفة قتله كنحو ما ذكره البخاري.
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبى مروان الأسلمي عن أبيه عن أبى معتب بن عمرو أن رسول الله ﷺ لما أشرف على خيبر قال لأصحابه وأنا فيهم: قفوا، ثم قال: اللهمّ رب السموات وما أظللن ورب الأرضين وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين فانا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله. وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. وقد
رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن العطاردي عن يونس بن بكير عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن صالح بن كيسان عن أبى مروان الأسلمي عن أبيه عن جده قال خرجنا مع رسول الله ﷺ الى خيبر حتى إذا كنا قريبا وأشرفنا عليها قال رسول الله ﷺ للناس قفوا فوقف الناس فقال اللهمّ رب السموات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن فانا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله الرحمن الرحيم
قال ابن إسحاق وحدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح فان سمع أذانا أمسك وان لم يسمع أذانا أغار، فنزلنا خيبر ليلا فبات رسول الله ﷺ حتى أصبح لم يسمع أذانا فركب وركبنا معه وركبت خلف أبى طلحة وان قدمي لتمس قدم رسول الله ﷺ ، واستقبلنا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله ﷺ والجيش قالوا: محمد والخميس معه! فأدبروا هرابا، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر خربت خيبر، انا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. قال ابن إسحاق حدّثنا هارون عن حميد عن أنس بمثله
وقال البخاري حدّثنا عبد الله بن يوسف حدثنا مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله أتى خيبر ليلا وكان إذا أتى قوما بليل لم يغر بهم حتى يصبح فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا محمد والله، محمد والخميس! فقال رسول الله ﷺ :
خربت خيبر، انا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. تفرد به دون مسلم
وقال البخاري حدّثنا صدقة بن الفضل حدثنا أبو عيينة حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين عن
стр. 1223
أنس بن مالك قال: صبحنا خيبر بكرة فخرج أهلها بالمساحي فلما بصروا بالنبيّ ﷺ قالوا: محمد والله، محمد والخميس! فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر خربت خيبر، انا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. قال فأصبنا من لحوم الحمر فنادى منادى النبي ﷺ : ان الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس. تفرد به البخاري دون مسلم
وقال الامام أحمد حدّثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن أنس قال لما أتى النبي ﷺ خيبر فوجدهم حين خرجوا الى زرعهم ومساحيهم فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا فرجعوا الى حصنهم فقال النبي ﷺ الله أكبر خربت خيبر، انا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. تفرد به أحمد وهو على شرط الصحيحين
وقال البخاري حدّثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس بن مالك قال ﷺ الصبح قريب من خيبر بغلس، ثم قال الله أكبر خربت خيبر انا إذا نزلنا بساحة قوم نساء صباح المنذرين. فخرجوا يسعون بالسكك فقتل النبي ﷺ المقاتلة وسبى الذرية وكان في السبي صفية فصارت الى دحية الكلبي ثم صارت الى النبي ﷺ فجعل عتقها صداقها. قال عبد العزيز ابن صهيب لثابت يا أبا محمد أأنت قلت لأنس ما أصدقها، فحرك ثابت رأسه تصديقا له. تفرد به دون مسلم. وقد أورد البخاري ومسلم النهى عن لحوم الحمر الاهلية من طرق تذكر في كتاب الأحكام وقد قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو طاهر الفقيه أنبأنا خطاب بن أحمد الطوسي حدثنا محمد بن حميد الابيوردى حدثنا محمد بن الفضل عن مسلم الأعور الملائى عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يعود المريض ويتبع الجنائز ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار، وكان يوم بنى قريظة والنضير على حمار ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف وتحته اكاف من ليف. وقد روى هذا الحديث بتمامه الترمذي عن على بن حجر عن على بن مسهر، وابن ماجة عن محمد بن الصباح عن سفيان وعن عمر بن رافع عن جرير كلهم عن مسلم وهو ابن كيسان الملائى الأعور الكوفي عن أنس به. وقال الترمذي لا نعرفه الا من حديثه وهو يضعف. قلت والّذي ثبت في الصحيح عند البخاري عن أنس ان رسول الله ﷺ أجرى في رفاق خيبر حتى انحسر الازار عن فخذه، فالظاهر انه كان يومئذ على فرس لا على حمار. ولعل هذا الحديث ان كان صحيحا محمول على انه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها والله أعلم وقال البخاري حدّثنا محمد بن سعيد الخزاعي حدثنا زياد بن الربيع عن أبى عمران الجونى قال نظر أنس الى الناس يوم الجمعة فرأى طيالسة فقال كأنهم الساعة يهود خيبر
وقال البخاري: حدّثنا
стр. 1224
عبد الله بن مسلمة حدثنا حاتم عن يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: كان عليّ بن أبى طالب تخلف عن رسول الله ﷺ في خيبر وكان رمدا فقال أنا أتخلّف عن النبي ﷺ ؟ فلحق به. فلما بتنا الليلة التي فتحت خيبر قال: لأعطين الراية غدا (أو ليأخذن الراية غدا) رجل يحبه الله ورسوله يفتح عليه. فنحن نرجوها. فقيل هذا عليّ فأعطاه ففتح عليه. وروى البخاري أيضا ومسلم عن قتيبة عن حاتم به. ثم
قال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبى حازم قال: أخبرنى سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على النبي ﷺ كلّهم يرجو أن يعطاها فقال: أين عليّ بن أبى طالب؟ فقالوا هو يا رسول يشتكي عينيه، قال فأرسل اليه فأتى فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطى الراية، فقال عليّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال ﷺ أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم الى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فو الله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم. وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن قتيبة به.
وفي صحيح مسلم والبيهقي من حديث سهيل ابن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله عليه، قال عمر فما أحببت الامارة إلا يومئذ، فدعا عليما فبعثه ثم قال: اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت. قال على: على ما أقاتل الناس؟ قال قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله لفظ البخاري
وقال الامام أحمد حدثنا مصعب بن المقدام وجحش بن المثنى قالا حدثنا إسرائيل حدثنا عبد الله بن عصمة العجليّ سمعت أبا سعيد الخدريّ ﵁ يقول ان رسول الله ﷺ أخذ الراية فهزها ثم قال: من يأخذها بحقها؟ فجاء فلان فقال أنا، قال: امض. ثم جاء رجل آخر فقال امض، ثم قال النبي ﷺ : والّذي كرم وجه محمد لا عطينها رجلا لا يفر فقال هاك يا على. فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر وفدك وجاء بعجوتها وقديدها. تفرد به أحمد واسناده لا بأس به، وفيه غرابة وعبد الله بن عصمة ويقال ابن أعصم وهكذا يكنى بأبي علوان العجليّ وأصله من اليمامة سكن الكوفة وقد وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة لا بأس به، وقال أبو حاتم شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يخطئ كثيرا وذكره في الضعفاء، وقال يحدث عن الإثبات مما لا يشبه حديث الثقات حتى يسبق الى القلب أنها موهومة أو موضوعة
стр. 1225
وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن أبيه عن سلمة بن عمرو بن الأكوع ﵁ قال: بعث النبي ﷺ أبا بكر ﵁ الى بعض حصون خيبر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد. ثم بعث عمر ﵁ فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح. فقال رسول الله ﷺ : لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه وليس بفرّار. قال سلمة فدعا رسول الله ﷺ على بن ابى طالب ﵁ وهو يومئذ أرمد فتفل في عينيه ثم قال: خذ الراية وامض بها حتى يفتح الله عليك، فخرج بها والله يصول (١) يهرول هرولة وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن فاطلع يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا على بن أبى طالب فقال اليهودي: غلبتم وما أنزل على موسى، فما رجع حتى فتح الله على يديه
وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم أنبأنا الأصم أنبأنا العطاردي عن يونس بن بكير عن الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة أخبرنى أبى قال: لما كان يوم خيبر أخذ اللواء أبو بكر فرجع ولم يفتح له وقتل محمود بن مسلمة ورجع الناس، فقال رسول الله ﷺ : لا دفعن لوائى غدا الى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله لن يرجع حتى يفتح الله له، فبتنا طيبة نفوسنا أن الفتح غدا، فصلّى رسول الله ﷺ صلاة الغداة ثم دعا باللواء وقام قائما فما منا من رجل له منزلة من رسول الله ﷺ إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل حتى تطاولت أنالها ورفعت رأسي لمنزلة كانت لي منه، فدعا على بن أبى طالب وهو يشتكي عينيه قال فمسحها ثم دفع اليه اللواء ففتح له، فسمعت عبد الله بن بريدة يقول: حدثني أبى أنه كان صاحب مرحب قال يونس قال ابن إسحاق: كان أول حصون خيبر فتحا حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحى منه فقتلته ثم
روى البيهقي عن يونس بن بكير عن المسيب بن مسلمة الأزدي حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ ربما أخذته الشقيقة (٢) فلبث اليوم واليومين لا يخرج، فلما نزل خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج الى الناس، وان أبا بكر أخذ راية رسول الله ﷺ ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع، فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الأول ثم رجع، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال لا عطينها غدا (٣) يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله
стр. 1226
يأخذها عنوة. وليس ثمّ عليّ، فتطاولت لها قريش ورجا كل رجل منهم أن يكون صاحب ذلك فأصبح وجاء على بن أبى طالب على بعير له حتى أناخ قريبا وهو أرمد قد عصب عينه بشقة برد قطري، فقال رسول الله ﷺ : مالك؟ قال: رمدت بعدك، قال ادن منى فتفل في عينه فما وجعها حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بها وعليه جبة أرجوان حمراء قد أخرج خملها فأتى مدينة خيبر وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أنى مرحب … شاك سلاحي بطل مجرب
إذا الليوث أقبلت تلهّب … وأحجمت على صولة المغلب
فقال عليّ ﵁:
أنا الّذي سمتني أمى حيدرة … كليث غابات شديد القسورة
أكيلكم بالصاع كيل السندرة (١)
قال فاختلفا ضربتين، فبدره على بضربة فقدّ الحجر والمغفر ورأسه ووقع في الأضراس، وأخذ المدينة وقد روى الحافظ البزّار عن عباد بن يعقوب عن عبد الله بن بكر عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قصة بعث أبى بكر ثم عمر يوم خيبر ثم بعث على فكان الفتح على يديه. وفي سياقه غرابة ونكارة وفي اسناده من هو متهم بالتشيع والله أعلم وقد
روى مسلم والبيهقي واللفظ له من طريق عكرمة بن عمار عن اياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه فذكر حديثا طويلا وذكر فيه رجوعهم من غزوة بنى فزارة قال: فلم نمكث الا ثلاثا حتى خرجنا الى خيبر. قال: وخرج عامر فجعل يقول:
والله لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
ونحن من فضلك ما استغنينا … فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام ان لاقينا
قال فقال رسول الله ﷺ : من هذا القائل؟ فقالوا عامر. فقال غفر لك ربك. قال وما خصّ رسول الله ﷺ قط أحدا به الا استشهد. فقال عمر وهو على جمل: لولا متعتنا بعامر. قال فقدمنا خيبر فخرج مرحب وهو يخطر بسيفه ويقول:
قد علمت خيبر انى مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب
стр. 1227
إذا الحروب أقبلت تلهب
قال فبرز له عامر ﵁ وهو يقول:
قد علمت خيبر انى عامر … شاكي السلاح بطل مغامر
قال فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر فذهب يسعل له فرجع على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه قال سلمة فخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه. قال فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكى فقال مالك؟ فقلت قالوا ان عامرا بطل عمله. فقال من قال ذلك؟ فقلت نفر من أصحابك. فقال كذب أولئك بل له الأجر مرتين. قال وأرسل رسول الله ﷺ الى على ﵁ يدعوه وهو أرمد وقال لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله. قال فجئت به أقوده قال فبصق رسول الله ﷺ في عينه فبرأ فأعطاه الراية فبرز مرحب وهو يقول:
قد علمت خيبر انى مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
قال فبرز له عليّ وهو يقول:
أنا الّذي سمتني أمى حيدرة … كليث غابات كريه المنظرة
أو فيهم بالصاع كيل السندرة
قال فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله. وكان الفتح. هكذا وقع في هذا السياق ان عليا هو الّذي قتل مرحبا اليهودي لعنه الله
وقال أحمد حدّثنا حسين بن حسن الأشقر حدثني قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عن جده عن على قال: لما قتلت مرحبا جئت برأسه الى رسول الله ﷺ وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري ان الّذي قتل مرحبا هو محمد بن مسلمة. وكذلك
قال محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن سهل أحد بنى حارثة عن جابر بن عبد الله قال: خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر انى مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب … إذا الليوث أقبلت تلهّب
ان حماي للحمى لا يقرب
قال فأجابه كعب بن مالك:
قد علمت خيبر انى كعب … مفرّج الغماء جرى صلب
стр. 1228
إذ شبت الحرب وثار الحرب … معى حسام كالعقيق عضب
يطأكمو حتى يذل الصعب … بكف ماض ليس فيه عيب
قال وجعل مرحب يرتجز ويقول: هل من مبارز. فقال رسول الله ﷺ من لهذا فقال محمد بن مسلمة أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور والثائر قتلوا أخى بالأمس. فقال قم اليه اللهمّ أعنه عليه. قال فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية (١) من شجر العشر (٢) المسد فجعل كل واحد منهما يلوذ من صاحبه بها كلما لا ذبها أحدهما اقتطع بسيفه ما دونه حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن، ثم حمل على محمد بن مسلمة فضربه فاتقاه بالدرقة فوقع سيفه فيها فعضت فاستله وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله وقد رواه الامام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن ابن إسحاق بنحوه.
قال ابن إسحاق: وزعم بعض الناس ان محمدا ارتجز حين ضربه وقال:
قد علمت خيبر انى ماض … حلو إذا شئت وسم قاض
وهكذا رواه الواقدي عن جابر وغيره من السلف ان محمد بن مسلمة هو الّذي قتل مرحبا ثم ذكر الواقدي ان محمدا قطع رجلي مرحب فقال له أجهز عليّ. فقال لا ذق الموت كما ذاقه محمود بن مسلمة. فمر به على وقطع رأسه فاختصما في سلبه الى رسول الله ﷺ فأعطى رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته. قال وكان مكتوبا على سيفه:
هذا سيف مرحب … من يذقه يعطب
ثم ذكر ابن إسحاق ان أخا مرحب وهو ياسر خرج بعده وهو يقول هل من مبارز.
فزعم هشام ابن عروة ان الزبير خرج له فقالت أم صفيّة بنت عبد المطلب يقتل ابني يا رسول الله فقال بل ابنك يقتله ان شاء الله فالتقينا فقتله الزبير. قال فكان الزبير إذا قيل له والله ان كان سيفك يومئذ صارما يقول والله ما كان بصارم ولكنى أكرهنه وقال يونس عن ابن إسحاق عن بعض أهله عن أبى رافع مولى رسول الله ﷺ قال: خرجنا مع على الى خيبر بعثه رسول الله ﷺ برايته فلما دنا من الحصن خرج اليه أهله فقاتلهم فضربه رجل منهم من يهود فطرح ترسه من يده فتناول على باب الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده فلقد رأيتني في نفر معى سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا ان نقلبه. وفي هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر. ولكن
стр. 1229
روى الحافظ البيهقي والحاكم من طريق مطلب بن زياد عن ليث بن أبى سليم عن أبى جعفر الباقر عن جابر ان عليا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فافتتحوها وانه جرّب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا. وفيه ضعف أيضا. وفي رواية ضعيفة عن جابر ثم اجتمع عليه سبعون رجلا وكان جهدهم أن أعادوا الباب وقال البخاري حدّثنا مكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبى عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتنى يوم خيبر فقال الناس أصيب سلمة فأتيت النبي ﷺ فنفث فيه ثلاث تفثات فما اشتكيتها حتى الساعة ثم
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا ابن أبى حازم عن أبيه عن سهل قال: التقى النبي ﷺ والمشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا، فمال كل قوم الى عسكرهم، وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه، فقيل يا رسول ما أجزأ منا أحد ما اجزأ فلان. قال انه من أهل النار. فقالوا أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: لاتبعنه فإذا أسرع وأبطأ كنت معه، حتى جرح فاستعجل الموت فوضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فجاء الرجل الى النبي ﷺ فقال: أشهد أنك رسول الله. قال وما ذاك؟ فأخبره فقال: ان الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وانه من أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وأنه من أهل الجنة. رواه أيضا عن قتيبة عن يعقوب عن أبى حازم عن سهل فذكره مثله أو نحوه ثم
قال البخاري: حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرنى سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: شهدنا خيبر فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن معه يدّعى الإسلام هذا من أهل النار.
فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراحة حتى كاد بعض الناس يرتاب.
فوجد الرجل ألم جراحة فأهوى بيده الى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه فاشتد رجال من المسلمين فقالوا يا رسول الله صدّق الله حديثك انتحر فلان فقتل نفسه. فقال قم يا فلان فاذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري قصة العبد الأسود الّذي رزقه الله الايمان والشهادة في ساعة واحدة. وكذلك
رواها ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة قالا وجاء عبد حبشي أسود من أهل خيبر كان في غنم لسيده فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم قال ما تريدون قالوا نقاتل هذا الرجل الّذي يزعم أنه نبي. فوقع في نفسه ذكر النبي فأقبل بغنمه حتى عمد لرسول الله ﷺ فقال الى ما تدعو؟ قال أدعوك الى الإسلام الى أن تشهد أن لا إله
стр. 1230
إلا الله وأنى رسول الله وأن لا تعبدوا إلا الله. قال فقال العبد فماذا يكون لي ان شهدت بذلك وآمنت بالله قال رسول الله ﷺ الجنة إن مت على ذلك. فأسلم العبد فقال يا نبي الله ان هذه الغنم عندي أمانة. فقال رسول الله ﷺ أخرجها من عسكرنا وارمها بالحصى فان الله سيؤدي عنك أمانتك مه ففعل فرجعت الغنم الى سيدها فعرف اليهودي أن غلام قد أسلم. فقام رسول الله ﷺ فوعظ الناس فذكر الحديث في إعطائه الراية عليا ودنوه من حصن اليهود وقتله مرحبا وقتل مع على ذلك العبد الأسود فاحتمله المسلمون الى عسكرهم فادخل في الفسطاط فزعموا أن رسول الله ﷺ اطلع في الفسطاط ثم اطلع على أصحابه فقال: لقد أكرم الله هذا العبد وساقه الى خير قد كان الإسلام في قلبه حقا وقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين وقد روى الحافظ البيهقي من طريق ابن وهب عن حيوة بن شريح عن ابن الهاد عن شرحبيل بن سعد عن جابر بن عبد الله قال كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر فخرجت سرية فأخذوا إنسانا معه غنم يرعاها فذكر نحو قصة هذا العبد الأسود وقال فيه: قتل شهيدا وما سجد لله سجدة ثم
قال البيهقي حدثنا محمد بن محمد الفقيه حدثنا أبو بكر القطان حدثنا أبو الأزهر حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله انى رجل أسود اللون قبيح الوجه لا مال لي فان قاتلت هؤلاء حتى اقتل أدخل الجنة؟ قال نعم فتقدم فقاتل حتى قتل فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو مقتول فقال: لقد حسّن الله وجهك وطيب ريحك وكثر مالك وقال لقد رأيت زوجتيه من الحور العين يتنازعان جبته عليه يدخلان فيما بين جلده وجبته. ثم
روى البيهقي من طريق ابن جريج أخبرنى عكرمة بن خالد عن ابن أبى عمار عن شداد ابن الهاد أن رجلا من الأعراب جاء رسول الله ﷺ فآمن به واتبعه فقال أهاجر معك فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله ﷺ فقسمه وقسم له فأعطى أصحابه ما قسم له وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه اليه فقال ما هذا؟ قالوا قسم قسمه لك رسول الله ﷺ فقال ما على هذا اتبعتك ولكنى اتبعتك على أن أرمى هاهنا وأشار الى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة. فقال ان تصدق الله يصدقك. ثم نهضوا الى قتال العدو فأتى به رسول الله ﷺ يحمل وقد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي ﷺ : هو هو؟ قالوا نعم. قال صدق الله فصدقه. وكفنه النبي ﷺ في جبة النبي ﷺ ثم قدمه فصلّى عليه وكان مما ظهر من صلاته: اللهمّ هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك قتل شهيدا وأنا عليه شهيد. وقد رواه النسائي عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن ابن جريح به نحوه