يأخذها عنوة. وليس ثمّ عليّ، فتطاولت لها قريش ورجا كل رجل منهم أن يكون صاحب ذلك فأصبح وجاء على بن أبى طالب على بعير له حتى أناخ قريبا وهو أرمد قد عصب عينه بشقة برد قطري، فقال رسول الله ﷺ : مالك؟ قال: رمدت بعدك، قال ادن منى فتفل في عينه فما وجعها حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بها وعليه جبة أرجوان حمراء قد أخرج خملها فأتى مدينة خيبر وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أنى مرحب … شاك سلاحي بطل مجرب
إذا الليوث أقبلت تلهّب … وأحجمت على صولة المغلب
فقال عليّ ﵁:
أنا الّذي سمتني أمى حيدرة … كليث غابات شديد القسورة
أكيلكم بالصاع كيل السندرة (١)
قال فاختلفا ضربتين، فبدره على بضربة فقدّ الحجر والمغفر ورأسه ووقع في الأضراس، وأخذ المدينة وقد روى الحافظ البزّار عن عباد بن يعقوب عن عبد الله بن بكر عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قصة بعث أبى بكر ثم عمر يوم خيبر ثم بعث على فكان الفتح على يديه. وفي سياقه غرابة ونكارة وفي اسناده من هو متهم بالتشيع والله أعلم وقد
روى مسلم والبيهقي واللفظ له من طريق عكرمة بن عمار عن اياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه فذكر حديثا طويلا وذكر فيه رجوعهم من غزوة بنى فزارة قال: فلم نمكث الا ثلاثا حتى خرجنا الى خيبر. قال: وخرج عامر فجعل يقول:
والله لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
ونحن من فضلك ما استغنينا … فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام ان لاقينا
قال فقال رسول الله ﷺ : من هذا القائل؟ فقالوا عامر. فقال غفر لك ربك. قال وما خصّ رسول الله ﷺ قط أحدا به الا استشهد. فقال عمر وهو على جمل: لولا متعتنا بعامر. قال فقدمنا خيبر فخرج مرحب وهو يخطر بسيفه ويقول:
قد علمت خيبر انى مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب
стр. 1227
إذا الحروب أقبلت تلهب
قال فبرز له عامر ﵁ وهو يقول:
قد علمت خيبر انى عامر … شاكي السلاح بطل مغامر
قال فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر فذهب يسعل له فرجع على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه قال سلمة فخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه. قال فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكى فقال مالك؟ فقلت قالوا ان عامرا بطل عمله. فقال من قال ذلك؟ فقلت نفر من أصحابك. فقال كذب أولئك بل له الأجر مرتين. قال وأرسل رسول الله ﷺ الى على ﵁ يدعوه وهو أرمد وقال لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله. قال فجئت به أقوده قال فبصق رسول الله ﷺ في عينه فبرأ فأعطاه الراية فبرز مرحب وهو يقول:
قد علمت خيبر انى مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
قال فبرز له عليّ وهو يقول:
أنا الّذي سمتني أمى حيدرة … كليث غابات كريه المنظرة
أو فيهم بالصاع كيل السندرة
قال فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله. وكان الفتح. هكذا وقع في هذا السياق ان عليا هو الّذي قتل مرحبا اليهودي لعنه الله
وقال أحمد حدّثنا حسين بن حسن الأشقر حدثني قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عن جده عن على قال: لما قتلت مرحبا جئت برأسه الى رسول الله ﷺ وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري ان الّذي قتل مرحبا هو محمد بن مسلمة. وكذلك
قال محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن سهل أحد بنى حارثة عن جابر بن عبد الله قال: خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر انى مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب … إذا الليوث أقبلت تلهّب
ان حماي للحمى لا يقرب
قال فأجابه كعب بن مالك:
قد علمت خيبر انى كعب … مفرّج الغماء جرى صلب
стр. 1228
إذ شبت الحرب وثار الحرب … معى حسام كالعقيق عضب
يطأكمو حتى يذل الصعب … بكف ماض ليس فيه عيب
قال وجعل مرحب يرتجز ويقول: هل من مبارز. فقال رسول الله ﷺ من لهذا فقال محمد بن مسلمة أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور والثائر قتلوا أخى بالأمس. فقال قم اليه اللهمّ أعنه عليه. قال فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية (١) من شجر العشر (٢) المسد فجعل كل واحد منهما يلوذ من صاحبه بها كلما لا ذبها أحدهما اقتطع بسيفه ما دونه حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن، ثم حمل على محمد بن مسلمة فضربه فاتقاه بالدرقة فوقع سيفه فيها فعضت فاستله وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله وقد رواه الامام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن ابن إسحاق بنحوه.
قال ابن إسحاق: وزعم بعض الناس ان محمدا ارتجز حين ضربه وقال:
قد علمت خيبر انى ماض … حلو إذا شئت وسم قاض
وهكذا رواه الواقدي عن جابر وغيره من السلف ان محمد بن مسلمة هو الّذي قتل مرحبا ثم ذكر الواقدي ان محمدا قطع رجلي مرحب فقال له أجهز عليّ. فقال لا ذق الموت كما ذاقه محمود بن مسلمة. فمر به على وقطع رأسه فاختصما في سلبه الى رسول الله ﷺ فأعطى رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته. قال وكان مكتوبا على سيفه:
هذا سيف مرحب … من يذقه يعطب
ثم ذكر ابن إسحاق ان أخا مرحب وهو ياسر خرج بعده وهو يقول هل من مبارز.
فزعم هشام ابن عروة ان الزبير خرج له فقالت أم صفيّة بنت عبد المطلب يقتل ابني يا رسول الله فقال بل ابنك يقتله ان شاء الله فالتقينا فقتله الزبير. قال فكان الزبير إذا قيل له والله ان كان سيفك يومئذ صارما يقول والله ما كان بصارم ولكنى أكرهنه وقال يونس عن ابن إسحاق عن بعض أهله عن أبى رافع مولى رسول الله ﷺ قال: خرجنا مع على الى خيبر بعثه رسول الله ﷺ برايته فلما دنا من الحصن خرج اليه أهله فقاتلهم فضربه رجل منهم من يهود فطرح ترسه من يده فتناول على باب الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده فلقد رأيتني في نفر معى سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا ان نقلبه. وفي هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر. ولكن
стр. 1229
روى الحافظ البيهقي والحاكم من طريق مطلب بن زياد عن ليث بن أبى سليم عن أبى جعفر الباقر عن جابر ان عليا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فافتتحوها وانه جرّب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا. وفيه ضعف أيضا. وفي رواية ضعيفة عن جابر ثم اجتمع عليه سبعون رجلا وكان جهدهم أن أعادوا الباب وقال البخاري حدّثنا مكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبى عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتنى يوم خيبر فقال الناس أصيب سلمة فأتيت النبي ﷺ فنفث فيه ثلاث تفثات فما اشتكيتها حتى الساعة ثم
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا ابن أبى حازم عن أبيه عن سهل قال: التقى النبي ﷺ والمشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا، فمال كل قوم الى عسكرهم، وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه، فقيل يا رسول ما أجزأ منا أحد ما اجزأ فلان. قال انه من أهل النار. فقالوا أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: لاتبعنه فإذا أسرع وأبطأ كنت معه، حتى جرح فاستعجل الموت فوضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فجاء الرجل الى النبي ﷺ فقال: أشهد أنك رسول الله. قال وما ذاك؟ فأخبره فقال: ان الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وانه من أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وأنه من أهل الجنة. رواه أيضا عن قتيبة عن يعقوب عن أبى حازم عن سهل فذكره مثله أو نحوه ثم
قال البخاري: حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرنى سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: شهدنا خيبر فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن معه يدّعى الإسلام هذا من أهل النار.
فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراحة حتى كاد بعض الناس يرتاب.
فوجد الرجل ألم جراحة فأهوى بيده الى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه فاشتد رجال من المسلمين فقالوا يا رسول الله صدّق الله حديثك انتحر فلان فقتل نفسه. فقال قم يا فلان فاذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري قصة العبد الأسود الّذي رزقه الله الايمان والشهادة في ساعة واحدة. وكذلك
رواها ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة قالا وجاء عبد حبشي أسود من أهل خيبر كان في غنم لسيده فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم قال ما تريدون قالوا نقاتل هذا الرجل الّذي يزعم أنه نبي. فوقع في نفسه ذكر النبي فأقبل بغنمه حتى عمد لرسول الله ﷺ فقال الى ما تدعو؟ قال أدعوك الى الإسلام الى أن تشهد أن لا إله
стр. 1230
إلا الله وأنى رسول الله وأن لا تعبدوا إلا الله. قال فقال العبد فماذا يكون لي ان شهدت بذلك وآمنت بالله قال رسول الله ﷺ الجنة إن مت على ذلك. فأسلم العبد فقال يا نبي الله ان هذه الغنم عندي أمانة. فقال رسول الله ﷺ أخرجها من عسكرنا وارمها بالحصى فان الله سيؤدي عنك أمانتك مه ففعل فرجعت الغنم الى سيدها فعرف اليهودي أن غلام قد أسلم. فقام رسول الله ﷺ فوعظ الناس فذكر الحديث في إعطائه الراية عليا ودنوه من حصن اليهود وقتله مرحبا وقتل مع على ذلك العبد الأسود فاحتمله المسلمون الى عسكرهم فادخل في الفسطاط فزعموا أن رسول الله ﷺ اطلع في الفسطاط ثم اطلع على أصحابه فقال: لقد أكرم الله هذا العبد وساقه الى خير قد كان الإسلام في قلبه حقا وقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين وقد روى الحافظ البيهقي من طريق ابن وهب عن حيوة بن شريح عن ابن الهاد عن شرحبيل بن سعد عن جابر بن عبد الله قال كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر فخرجت سرية فأخذوا إنسانا معه غنم يرعاها فذكر نحو قصة هذا العبد الأسود وقال فيه: قتل شهيدا وما سجد لله سجدة ثم
قال البيهقي حدثنا محمد بن محمد الفقيه حدثنا أبو بكر القطان حدثنا أبو الأزهر حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله انى رجل أسود اللون قبيح الوجه لا مال لي فان قاتلت هؤلاء حتى اقتل أدخل الجنة؟ قال نعم فتقدم فقاتل حتى قتل فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو مقتول فقال: لقد حسّن الله وجهك وطيب ريحك وكثر مالك وقال لقد رأيت زوجتيه من الحور العين يتنازعان جبته عليه يدخلان فيما بين جلده وجبته. ثم
روى البيهقي من طريق ابن جريج أخبرنى عكرمة بن خالد عن ابن أبى عمار عن شداد ابن الهاد أن رجلا من الأعراب جاء رسول الله ﷺ فآمن به واتبعه فقال أهاجر معك فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله ﷺ فقسمه وقسم له فأعطى أصحابه ما قسم له وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه اليه فقال ما هذا؟ قالوا قسم قسمه لك رسول الله ﷺ فقال ما على هذا اتبعتك ولكنى اتبعتك على أن أرمى هاهنا وأشار الى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة. فقال ان تصدق الله يصدقك. ثم نهضوا الى قتال العدو فأتى به رسول الله ﷺ يحمل وقد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي ﷺ : هو هو؟ قالوا نعم. قال صدق الله فصدقه. وكفنه النبي ﷺ في جبة النبي ﷺ ثم قدمه فصلّى عليه وكان مما ظهر من صلاته: اللهمّ هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك قتل شهيدا وأنا عليه شهيد. وقد رواه النسائي عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن ابن جريح به نحوه
стр. 1231
فصل
قال ابن إسحاق: وتدنّى رسول الله ﷺ الأموال يأخذها مالا مالا ويفتتحها حصنا حصنا وكان أول حصونهم فتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحى منه فقتلته ثم القموص حصن بنى أبى الحقيق. وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا منهن صفية بنت حيي بن أخطب وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وبنتي عم لها فاصطفى رسول الله ﷺ صفية نفسه وكان دحية بن خليفة قد سأل رسول الله ﷺ صفية فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها.
قال وفشت السبايا من خيبر في المسلمين وأكل الناس لحوم الحمر فذكر نهى رسول الله ﷺ إياهم عن أكلها. وقد اعتنى البخاري بهذا الفصل فأورد النهى عنها من طرق جيدة وتحريمها مذهب جمهور العلماء سلفا وخلفا وهو مذهب الائمة الأربعة. وقد ذهب بعض السلف منهم ابن عباس الى إباحتها وتنوعت أجوبتهم عن الأحاديث الواردة في النهى عنها فقيل لأنها كانت ظهرا يستعينون بها في الحمولة وقيل لأنها لم تكن خمست بعد وقيل لأنها كانت تأكل العذرة يعنى جلالة والصحيح أنه نهى عنها لذاتها فان في الأثر الصحيح أنه نادى منادى رسول الله ﷺ ان الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس فاكفئوها والقدور تفور بها. وموضع تقرير ذلك في كتاب الأحكام.
قال ابن إسحاق: حدثني سلام بن كركرة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله ولم يشهد جابر خيبر أن رسول الله ﷺ حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم في لحوم الخيل. وهذا الحديث أصله ثابت في الصحيحين من حديث حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن على عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في الخيل.
لفظ البخاري قال ابن إسحاق: وحدّثنا عبد الله بن أبى نجيح عن مكحول أن النبي ﷺ نهاهم يومئذ عن أربع: عن إتيان الحبالى من النساء، وعن أكل الحمار الأهلي، وعن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم. وهذا مرسل.
وقال ابن إسحاق: وحدّثنى يزيد بن أبى حبيب عن أبى مرزوق مولى تجيب عن حسن الصنعاني قال: غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاري المغرب فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها جربة، فقام فيها خطيبا فقال: أيها الناس انى لا أقول فيكم الا ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول فيما يوم خيبر قام فينا رسول الله ﷺ فقال: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماء زرع غيره يعنى إتيان الحبالى من السبي لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم
стр. 1232
الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس يوما من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه. وهكذا روى هذا الحديث أبو داود من طريق محمد بن إسحاق.
ورواه الترمذي عن حفص بن عمرو الشيباني عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن ربيعة بن سليم عن بشر بن عبيد الله عن رويفع بن ثابت مختصرا وقال حسن وفي صحيح البخاري عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن أكل الثوم. وقد حكى ابن حزم عن على وشريك بن الحنبل أنهما ذهبا الى تحريم البصل والثوم النيء. والّذي نقله الترمذي عنهما الكراهة فالله أعلم. وقد تكلم الناس في الحديث الوارد
في الصحيحين من طريق الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن أبيه على بن أبى طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الاهلية. هذا لفظ الصحيحين من طريق مالك وغيره عن الزهري وهو يقتضي تقييد تحريم نكاح المتعة بيوم خيبر وهو مشكل من وجهين: أحدهما أن يوم خيبر لم يكن ثم نساء يتمتعون بهن إذ قد حصل لهم الاستغناء بالسباء عن نكاح المتعة. الثاني: أنه قد ثبت
في صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة عن معبد عن أبيه أن رسول الله ﷺ أذن لهم في المتعة زمن الفتح ثم لم يخرج من مكة حتى نهى عنها وقال: ان الله قد حرمها الى يوم القيامة فعلى هذا يكون قد نهى عنها ثم أذن فيها ثم حرمت فيلزم النسخ مرتين وهو بعيد. ومع هذا فقد نص الشافعيّ على أنه لا يعلم شيئا أبيح ثم حرم ثم أبيح ثم حرم غير نكاح المتعة وما حداه على هذا ﵀ الا اعتماده على هذين الحديثين كما قدمناه (١) وقد حكى السهيليّ وغيره عن بعضهم أنه ادّعى أنها أبيحت ثلاث مرات وحرمت ثلاث مرات وقال آخرون أربع مرات وهذا بعيد جدا والله أعلم. واختلفوا أي وقت أول ما حرمت فقيل في خيبر وقيل في عمرة القضاء وقيل في عام الفتح وهذا يظهر وقيل في أوطاس وهو قريب من الّذي قبله وقيل في تبوك وقيل في حجة الوداع رواه أبو داود وقد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديث على ﵁ بأنه وقع فيه تقديم وتأخير وانما المحفوظ فيه ما
رواه الامام أحمد: حدّثنا سفيان عن الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد
стр. 1233
عن أبيهما - وكان حسن أرضاهما في أنفسهما - أن عليا قال لابن عباس: ان رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الاهلية زمن خيبر. قالوا فاعتقدنا الراويّ ان قوله خيبر ظرف للمنهى عنهما وليس كذلك انما هو ظرف للنهى عن لحوم الحمر، فأما نكاح المتعة فلم يذكر له ظرفا وانما جمعه معه لأن عليا ﵁ بلغه أن ابن عباس أباح نكاح المتعة ولحوم الحمر الاهلية كما هو المشهور عنه،
فقال له أمير المؤمنين على: انك امرؤ تائه أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة ولحوم الحمر الاهلية يوم خيبر، فجمع له النهي ليرجع عما كان يعتقده في ذلك من الاباحة. والى هذا التقرير كان ميل شيخنا الحافظ أبى الحجاج المزي تغمده الله برحمته آمين. ومع هذا ما رجع ابن عباس عما كان يذهب [اليه] من [اباحة] الحمر والمتعة، أما النهي عن الحمر فتأوله بأنها كانت حمولتهم وأما المتعة فإنما كان يبيحها عند الضرورة في الاسفار، وحمل النهى على ذلك في حال الرفاهيّة والوجدان وقد تبعه على ذلك طائفة من أصحابه وأتباعهم ولم يزل ذلك مشهورا عن علماء الحجاز الى زمن ابن جريج وبعده. وقد حكى عن الامام أحمد بن حنبل رواية كمذهب ابن عباس وهي ضعفة وحاول بعض من صنف في الحلال نقل رواية عن الامام بمثل ذلك ولا يصح أيضا والله أعلم. وموضع تحرير ذلك في كتاب الأحكام وبالله المستعان قال ابن إسحاق: ثم جعل رسول الله ﷺ يتدنى الحصون والأموال
فحدثني عبد الله بن أبى بكر أنه حدثه بعض من أسلم أن بنى سهم من أسلم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا يا رسولي الله لقد جهدنا وما بأيدينا شيء فلم يجدوا عند رسول الله ﷺ شيئا يعطيهم إياه فقال: اللهمّ إنك قد عرفت حالهم وأن ليست لهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غنى وأكثرها طعاما وودكا. فغدا الناس ففتح عليهم حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه (١) قال ابن إسحاق: ولما افتتح رسول الله ﷺ من حصونهم ما افتتح وحاز من الأموال ما حاز انتهوا الى حصنهم الوطيح والسّلالم وكان آخر حصون خيبر افتتاحا فحاصرهم رسول الله ﷺ بضع عشر ليلة. قال ابن هشام: وكان شعارهم يوم خيبر يا منصور أمت أمت
قال ابن إسحاق: وحدثني بريدة بن سفيان الأسدي الأسلمي عن بعض رجال بنى سلمة عن أبى اليسر كعب بن عمرو قال: انى لمع رسول الله ﷺ بخيبر ذات عشية إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم ونحن محاصروهم فقال رسول الله ﷺ من رجل يطعمنا من هذه الغنم قال أبو اليسر
стр. 1234
فقلت أنا يا رسول الله قال فافعل. قال فخرجت أشتد مثل الظليم فلما نظر الىّ رسول الله ﷺ موليا قال اللهمّ أمتعنا به قال فأدركت الغنم وقد دخلت أولها الحصن فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي ثم جئت بهما أشتد كأنه ليس معى شيء حتى ألقيتهما عند رسول الله ﷺ فذبحوهما فأكلوهما فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله ﷺ موتا وكان إذا حدث هذا الحديث بكى ثم قال امتعوا بى لعمري حتى كنت من آخرهم. وقال الحافظ البيهقي في الدلائل أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي حدثنا سعدان بن نصر حدثنا أبو معاوية عن عاصم الأحول عن أبى عثمان النهدي أو عن أبى قلابة قال لما قدم النبي ﷺ خيبر قدم والثمرة خضرة قال فأسرع الناس اليها فحمّوا فشكوا ذلك اليه فأمرهم أن يقرّسوا الماء في الشنان (١) ثم يجرونه عليهم إذا أتى الفجر ويذكرون اسم الله عليه، ففعلوا ذلك فكأنما نشطوا من عقل. قال البيهقي ورويناه عن عبد الرحمن بن رافع موصولا وعنه بين صلاتي المغرب والعشاء. وقال الامام أحمد حدثنا يحيى وبهز قالا حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال حدثنا عبد الله بن مغفل قال دلى جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته فقلت لا أعطى أحدا منه شيئا قال فالتفتّ فإذا رسول الله ﷺ يتبسم. وقال أحمد حدثنا عفان حدثنا شعبة عن حميد بن هلال عن عبد الله بن مغفل قال كنا نحاصر قصر خيبر فألقى إلينا جراب فيه شحم فذهبت فأخذته فرأيت النبي ﷺ فاستحيت وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة. ورواه مسلم أيضا عن شيبان بن فروخ عن عثمان ابن المغيرة. وقال ابن إسحاق وحدثني من لا اتهم عن عبد الله بن مغفل المزني قال أصبت من فيء خيبر جراب شحم قال فاحتملته على عنقي الى رحلي وأصحابى قال فلقيني صاحب المغانم الّذي جعل عليها فأخذ بناحيته وقال هلم حتى تقسمه بين المسلمين قال وقلت لا والله لا أعطيكه قال وجعل يجاذبنى الجراب قال فرآنا رسول الله ﷺ ونحن نصنع ذلك فتبسم ضاحكا ثم قال لصاحب المغانم خل بينه وبينه قال فأرسله فانطلقت به الى رحلي وأصحابى فأكلناه. وقد استدل الجمهور بهذا الحديث على الامام مالك في تحريمه شحوم ذبائح اليهود وما كان غلبهم عليه غيرهم من المسلمين لأن الله تعالى قال ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قال لكم قال وليس هذا من طعامهم فاستدلوا عليه بهذا الحديث وفيه نظر وقد يكون هذا الشحم مما كان حلالا لهم والله أعلم. وقد استدلوا بهذا الحديث على أن الطعام لا يخمس ويعضد ذلك ما رواه الامام أبو داود حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو معاوية حدثنا إسحاق الشيباني عن محمد بن أبى مجالد عن عبد الله بن أبى أوفى قال قلت كنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله ﷺ فقال أصبنا طعاما يوم خيبر وكان الرجل يجيء فيأخذ منه قدر ما يكفيه ثم ينصرف. تفرد به أبو داود وهو حسن
стр. 1235
ذكر قصة صفية بنت حيي بن اخطب النضرية ﵂
كان من شأنها أنه لما أجلى رسول الله ﷺ يهود بنى النضير من المدينة كما تقدم فذهب عامتهم الى خيبر وفيهم حيي بن أخطب وبنو ابى الحقيق وكانوا ذوى أموال وشرف في قومهم وكانت صفية إذ ذاك طفلة دون البلوغ ثم لما تأهلت للتزويج تزوجها بعض بنى عمها فلما زفت اليه وادخلت اليه بنى بها ومضى على ذلك ليالي رأت في منامها كأن قمر السماء قد سقط في حجرها فقصت رؤياها على ابن عمها فلطم وجهها وقال أتتمنين ملك يثرب أن يصير بعلك. فما كان الا مجيء رسول الله ﷺ وحصاره إياهم فكانت صفية في جملة السبي وكان زوجها في جملة القتلى. ولما اصطفاها رسول الله ﷺ وصارت في حوزه وملكه كما سيأتي وبنى بها بعد استبرائها وحلها وجد أثر تلك اللطمة في خدها فسألها ما شأنها فذكرت له ما كانت رأت من تلك الرؤيا الصالحة ﵂ وأرضاها
قال البخاري حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس بن مالك قال: صلّى النبي ﷺ الصبح قريبا من خيبر بغلس ثم قال: الله أكبر خربت خيبر، انا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. فخرجوا يسعون في السكك فقتل النبي ﷺ المقاتلة وسبى الذرية، وكان في السبي صفية فصارت الى دحية الكلبي ثم صارت الى النبي ﷺ فجعل عتقها صداقها. ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن زيد وله طرق عن أنس. وقال البخاري: حدثنا آدم عن شعبة عن عبد العزيز ابن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سبى النبي ﷺ صفية فأعتقها وتزوجها. قال ثابت لأنس ما أصدقها قال أصدقها نفسها فأعتقها تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال البخاري حدثنا عبد الغفار بن داود حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ح. وحدثنا أحمد بن عيسى حدثنا ابن وهب أخبرنى يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن عمرو مولى المطلب عن أنس بن مالك قال: قدمنا خيبر فلما فتح ﷺ الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروسا فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه فخرج بها حتى بلغ بها سدّ الصهباء حلت فبنى بها رسول الله ﷺ ثم صنع حيسا في نطع صغير ثم قال لي: آذن من حولك فكانت تلك وليمته على صفية. ثم خرجنا الى المدينة فرأيت النبي ﷺ يحوّى لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب. تفرد به دون مسلم. وقال البخاري حدثنا سعيد بن أبى مريم حدثنا محمد بن جعفر بن أبى كثير أخبرنى حميد أنه سمع أنسا يقول: أقام رسول الله ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى عليه بصفية فدعوت المسلمين الى وليمته وما كان فيها من خبز ولحم وما كان فيها الا أن أمر بلالا بالانطاع فبسطت فألقى عليها التمر والأقط والسمن فقال المسلمون احدى أمهات المؤمنين أو
стр. 1236
ما ملكت يمينه؟ فقالوا ان حجيها فهي احدى أمهات المؤمنين وان لم يحجيها فهي مما ملكت يمينه.
فلما ارتحل وطأ لها خلفه ومد الحجاب. انفرد به البخاري. وقال أبو داود حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: صارت صفية لدحية الكلبي ثم صارت لرسول الله ﷺ .
وقال أبو داود حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: جمع السبي - يعنى بخيبر - فجاء دحية فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي قال: اذهب فخذ جارية. فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل الى رسول الله ﷺ فقال يا نبي الله أعطيت دحية قال يعقوب صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير ما تصلح الا لك قال ادعوا بها فلما نظر اليها النبي ﷺ قال خذ جارية من السبي غيرها وان رسول الله ﷺ أعتقها وتزوجها. وأخرجاه من حديث ابن علية. وقال أبو داود حدثنا محمد بن خلاد الباهلي حدثنا بهز بن أسد حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن أنس قال وقع في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس ثم دفعها الى أم سلمة تصنعها وتهيئها قال حماد وأحسبه قال وتعتد في بيتها صفية بنت حيي. تفرد به أبو داود
قال ابن إسحاق فلما افتتح رسول الله ﷺ القموص حصن بنى أبى الحقيق أتى بصفية بنت حيي ابن أخطب وأخرى معها فمر بهما بلال - وهو الّذي جاء بهما - على قتلى من قتلى يهود فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها فلما رآها رسول الله ﷺ قال: أعربوا عنى هذه الشيطانة. وأمر بصفية فحيزت خلفه وألقى عليها رداءه فعرف المسلمون أن رسول الله ﷺ قد اصطفاها لنفسه. وقال رسول الله ﷺ لبلال فيما بلغني حين رأى بتلك اليهودية ما رأى:
أنزعت منك الرحمة يا بلال حتى تمر بامرأتين على قتلى رجالهما. وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق أن قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها فقال: ما هذا الا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا. فلطم وجهها لطمة خضر عينها منها. فأتى بها رسول الله ﷺ وبها أثر منه، فسألها ما هذا، فأخبرته الخبر.
قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله بكنانة بن الربيع وكان عنده كنز بنى النضير فسأله عنه فجحد ان يكون يعلم مكانه. فأتى رسول الله ﷺ رجل من اليهود فقال لرسول الله ﷺ انى رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة فقال رسول الله ﷺ لكنانة أرأيت ان وجدناه عندك أقتلك؟ قال نعم. فأمر رسول الله ﷺ بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله عما بقي فأبى أن يؤديه فأمر به رسول الله ﷺ الزبير بن العوام فقال عذبه حتى تستأصل ما عنده. وكان الزبير يقدح بزنده في صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه رسول الله الى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة
стр. 1237
فصل
قال ابن إسحاق وحاصر رسول الله ﷺ أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم وأن يحقن دماءهم ففعل، وكان رسول الله ﷺ قد حاز الأموال كلها الشق والنطاة والكتيبة وجميع حصونهم الا ما كان من ذينك الحصنين، فلما سمع أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا الى رسول الله ﷺ ان يسيرهم ويحقن دماءهم ويخلوا له الأموال ففعل وكان ممن مشى بنى رسول الله ﷺ وبينهم في ذلك محيّصة بن مسعود أخو بنى حارثة. فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله ﷺ أن يعاملهم في الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها، فصالحهم رسول الله ﷺ على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم.
وعامل أهل فدك بمثل ذلك
فصل في فتح حصونها وقسيمة أرضها
قال الواقدي لما تحولت اليهود من حصن ناعم وحصن الصعب بن معاذ الى قلعة الزبير حاصرهم رسول الله ﷺ ثلاثة أيام فجاء رجل من اليهود يقال له عزال فقال يا أبا القاسم تؤمننى على أن أدلك على ما تستريح به من أهل النطاة وتخرج الى أهل الشق فان أهل الشق قد هلكوا رعبا منك قال فأمنه رسول الله على أهله وماله فقال له اليهودي انك لو أقمت شهرا تحاصرهم ما بالوا بك، ان لهم تحت الأرض دبولا يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون الى قلعتهم، فأمر رسول الله ﷺ بقطع دبولهم فخرجوا فقاتلوا أشد القتال وقتل من المسلمين يومئذ نفر وأصيب من اليهود عشرة وافتتحه رسول الله ﷺ وكان آخر حصون النطاة. وتحول الى الشق وكان به حصون ذوات عدد فكان أول حصن بدأ به منها حصن أبى فقام رسول الله ﷺ على قلعة يقال لها سموان فقاتل عليها أشد القتال فخرج منهم رجل يقال له عزول فدعا الى البراز فبرز اليه الحباب بن المنذر فقطع يده اليمنى من نصف ذراعه ووقع السيف من يده وفر اليهودي راجعا فاتبعه الحباب فقطع عرقوبه وبرز منهم آخر فقام اليه رجل من المسلمين فقتله اليهودي فنهض اليه أبو دجانة فقتله وأخذ سلبه وأحجموا عن البراز فكبر المسلمون ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه وأمامهم أبو دجانة فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما وهرب من كان فيه من المقاتلة وتقحموا الجزر كأنهم الضباب حتى صاروا الى حصن البزاة بالشق وتمنعوا أشد الامتناع فزحف اليهم رسول الله ﷺ وأصحابه فتراموا ورمى معهم رسول الله ﷺ بيده الكريمة حتى أصاب نبلهم بنانه ﵊ فأخذ ﵇ كفا من الحصا يرمى حصنهم بها فرجف بهم حتى ساخ في الأرض وأخذهم المسلمون أخذا باليد. قال الواقدي:
стр. 1238
ثم تحول رسول الله ﷺ الى أهل الاخبية والوطيح والسلالم حصني أبى الحقيق وتحصنوا أشد التحصن وجاء اليهم كل من كان انهزم من النطاة الى الشق فتحصنوا معهم في القموص وفي الكتيبة وكان حصنا منيعا وفي الوطيح والسلام وجعلوا لا يطلعون من حصونهم حتى همّ رسول الله ﷺ أن ينصب المنجنيق عليهم فلما أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسول الله ﷺ أربعة عشر يوما نزل اليه ابن أبى الحقيق فصالحه على حقن دمائهم ويسيرهم ويخلون بين رسول الله ﷺ وبين ما كان لهم من الأرض والأموال والصفراء والبيضاء والكراع والحلقة وعلى البز الا ما كان على ظهر إنسان يعنى لباسهم
فقال رسول الله ﷺ وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسول ان كتمتم شيئا فصالحوه على ذلك قلت ولهذا لما كتموا وكذبوا وأخفوا ذلك المسك الّذي كان فيه أموال جزيلة تبين انه لا عهد لهم فقتل ابني أبى الحقيق وطائفة من أهله بسبب نقض العهود منهم والمواثيق
وقال الحافظ البيهقي حدّثنا أبو الحسن على بن محمد المقري الأسفراييني حدثنا الحسن بن محمد ابن إسحاق حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا عبد الواحد بن غياث حدثنا حماد بن سلمة حدثنا عبيد الله بن عمر فيما يحسب أبو سلمة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم الى قصرهم فغلب على الأرض والزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء ويخرجون منها واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا فان فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكا فيه مال وحلى لحيي بن أخطب وكان احتمله معه الى خيبر حين أجليت النضير فقال رسول الله ﷺ حينئذ: ما فعل مسك حيي الّذي جاء به من النضير فقال أذهبته النفقات والحروب فقال العهد قريب والمال أكثر من ذلك فدفعه رسول الله ﷺ الى الزبير فمسه بعذاب وقد كان حيي قبل ذلك دخل خربة فقال قد رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة فقتل رسول الله ﷺ ابني أبى الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الّذي نكثوا وأراد اجلاءهم منهما فقالوا يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غلال يقومون عليها وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخيل وشيء ما بدا لرسول الله ﷺ وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام فيخرجها عليهم ثم يضمنهم الشطر فشكوا الى رسول الله ﷺ شدة خرصه وأرادوا أن يرشوه فقال يا أعداء الله تطعمونى السحت والله لقد جئتكم من عند أحب الناس الى ولأنتم أبغض إلى من عدتكم من القردة والخنازير ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم فقالوا بهذا قامت السموات والأرض. قال فرأى رسول الله ﷺ
стр. 1239
بعين صفية خضرة فقال يا صفية ما هذه الخضرة فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبى الحقيق وأنا نائمة فرأيت كان قمرا وقع في حجري فأخبرته بذلك فلطمني وقال تتمنين ملك يثرب. قالت وكان رسول الله ﷺ من أبغض الناس الىّ قتل زوجي وأبى فما زال يعتذر إلى ويقول ان أباك ألّب عليّ العرب وفعل ما فعل حتى ذهب ذلك من نفسي. وكان رسول الله ﷺ يعطى كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر كل عام وعشرين وسقا من شعير فلما كان في زمان عمر غشوا المسلمين وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها فقسمها بينهم. فقال رئيسهم لا تخرجنا دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله ﷺ وأبو بكر فقال عمر: أتراني سقط على قول رسول الله ﷺ كيف بك إذا وقصت بك راحلتك نحو الشام يوما ثم يوما ثم يوما. وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبيّة. وقد رواه أبو داود مختصرا من حديث حماد بن سلمة. قال البيهقي وعقله البخاري في كتابه فقال: ورواه حماد بن سلمة.
قلت: ولم أره في الأطراف فالله أعلم.
وقال أبو داود حدّثنا سليمان بن داود المهري حدثنا ابن وهب أخبرنى أسامة بن زيد الليثي عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: لما فتحت خيبر سألت يهود رسول الله ﷺ أن نقرهم على أن يعملوا على النصف مما خرج منها فقال رسول الله ﷺ أقركم فيها على ذلك ما شئنا فكانوا على ذلك وكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر ويأخذ رسول الله ﷺ الخمس وكان أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق من تمر وعشرين وسقا من شعير. فلما أراد عمر إخراج اليهود أرسل الى أزواج النبي ﷺ فقال لهن: من أحب منكن أن أقسم لها مائة وسق فيكون لها أصلها وأرضها وماؤها ومن الزرع مزرعة عشرين وسقا من شعير فعلنا ومن أحب أن نعزل الّذي لها في الخمس كما هو فعلنا. وقد روى أبو داود من حديث محمد بن إسحاق حدّثنى نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر قال أيها الناس ان رسول الله ﷺ عامل يهود خيبر على أن يخرجهم إذا شاء فمن كان له مال فليلحق به فانى مخرج يهود. فأخرجهم وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن جبير بن مطعم أخبره قال مشيت أنا وعثمان بن عفان الى رسول الله ﷺ فقلنا أعطيت بنى المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة منك. فقال: انما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد. قال جبير بن مطعم ولم يقسم النبي ﷺ لبني عبد شمس وبنى نوفل شيئا. تفرد به دون مسلم. وفي لفظ
أن رسول الله ﷺ قال: ان بنى هاشم وبنى عبد المطلب شيء واحد، انهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام. قال الشافعيّ دخلوا معهم في الشعب وناصروهم في إسلامهم وجاهليتهم. قلت وقد ذم أبو طالب بنى عبد شمس ونوفلا حيث يقول:
стр. 1240
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا … عقوبة شر عاجلا غير آجل
وقال البخاري حدثنا الحسن بن إسحاق ثنا محمد بن ثابت ثنا زائدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما. قال فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، وإن لم يكن معه فرس فله سهم. وقال البخاري حدثنا سعيد بن أبى مريم ثنا محمد بن جعفر أخبرنى زيد عن أبيه أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: أما والّذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببّانا (١) ليس لهم شيء ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم النبي ﷺ خيبر، ولكنى أتركها خزانة لهم يقتسمونها. وقد رواه البخاري أيضا من حديث مالك وأبو داود عن احمد بن حنبل عن ابن مهدي عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر به. وهذا السياق يقتضي أن خيبر بكما لها قسمت بين الغانمين. وقد قال أبو داود ثنا ابن السرح أنبأنا ابن وهب أخبرنى يونس عن ابن شهاب قال: بلغني أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوة بعد القتال وترك من ترك من أهلها [على الجلاء] بعد القتال، وبهذا قال الزهري خمس رسول الله ﷺ خيبر ثم قسم سائرها على من شهدها. وفيما قاله الزهري نظر فان الصحيح أن خيبر جميعها لم تقسم وإنما قسم نصفها بين الناس كما سيأتي بيانه وقد احتج بهذا مالك ومن تابعه على أن الامام مخير في الأراضي المغنومة إن شاء قسمها وإن شاء أرصدها لمصالح المسلمين وإن شاء قسم بعضها وأرصد بعضها لما ينوبه في الحاجات والمصالح (٢). قال أبو داود: حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن ثنا أسد بن موسى حدثنا يحيى بن زكريا حدثني سفيان عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبى حثمة قال: قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين، نصفا لنوائبه، ونصفا بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما. تفرد به أبو داود ثم رواه أبو داود من حديث بشير بن يسار مرسلا فعين نصف النوائب الوطيح والكتيبة والسلالم وما حيز معها، ونصف المسلمين الشق والنطاة وما حيز معهما وسهم رسول الله ﷺ فيما حيز معهما. وقال أيضا حدثنا حسين بن على ثنا محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار مولى الأنصار عن رجال من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر فقسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الثاني لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس. تفرد به أبو داود. قال أبو داود حدثنا محمد بن عيسى ثنا مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد الأنصاري سمعت أبى
стр. 1241
يعقوب بن مجمع يقول عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري عن عمه مجمع بن حارثة الأنصاري - وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن - قال قسمت خيبر على أهل الحديبيّة، فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهما، وكان الجيش الفا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهما. تفرد به أبو داود. وقال مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب أخبره أن النبي ﷺ افتتح بعض خيبر عنوة. ورواء أبو داود ثم قال أبو داود: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد أخبركم ابن وهب حدثني مالك بن أنس عن ابن شهاب أن خيبر بعضها كان عنوة وبعضها صلحا والكتيبة أكثرها عنوة وفيها صلح، قلت لمالك وما الكتيبة؟ قال أرض خيبر وهي أربعون ألف عذق. قال أبو داود والعذق النخلة. أو العذق العرجون. ولهذا قال البخاري حدثنا محمد بن بشار ثنا حرمي ثنا شعبة ثنا عمارة عن عكرمة عن عائشة قالت: لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر.
حدثنا الحسن ثنا قرة بن حبيب ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر قال ما شبعنا - يعنى من التمر - حتى فتحنا خيبر. وقال محمد بن إسحاق! كانت الشق والنطاة في سهمان المسلمين الشق ثلاثة عشر سهما ونطاة خمسة أسهم قسم الجميع على ألف وثمانمائة سهم ودفع ذلك الي من شهد الحديبيّة من حضر خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عن خيبر ممن شهد الحديبيّة إلا جابر بن عبد الله فضرب له بسهمه، قال وكان أهل الحديبيّة الفا وأربعمائة وكان معهم مائتا فرس لكل فرس سهمان فصرف الى كل مائة رجل سهم من ثمانية عشر سهما، وزيد المائتا فارس أربعمائة سهم لخيولهم. وهكذا رواه البيهقي من طريق سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن صالح بن كيسان أنهم كانوا الفا وأربعمائة معهما مائتا فرس.
قلت: وضرب رسول الله ﷺ معهم بسهم وكان أول سهم من سهمان الشق مع عاصم بن عدي.
قال ابن إسحاق: وكانت الكتيبة خمسا لله تعالى وسهم للنّبيّ ﷺ وسهم ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وطعمة أزواج النبي ﷺ وطعمة أقوام مشوا في صلح أهل فدك، منهم محيصة بن مسعود أقطعه رسول الله ﷺ ثلاثين وسقا من تمر وثلاثين وسقا من شعير، قال وكان وادياها اللذان قسمت عليه يقال لهما وادي السرير ووادي خاص. ثم ذكر ابن إسحاق تفاصيل الاقطاعات منها فأجاد وأفاد ﵀. قال وكان الّذي ولى قسمتها وحسابها جبار بن صخر بن أمية ابن خنساء أخو بنى سلمة وزيد بن ثابت ﵄.
قلت: وكان الأمير على خرص نخيل خيبر عبد الله بن رواحة فخرصها سنتين، ثم لما قتل ﵁ كما سيأتي في يوم مؤتة ولى بعده جبار بن صخر ﵁. وقد
قال البخاري حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيد بن المسيب عن أبى سعيد الخدريّ وأبى هريرة
стр. 1242
أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ «أكل تمر خيبر هكذا؟» قال لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال «لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا». قال البخاري وقال الدراوَرْديّ عن عبد المجيد عن سعيد بن المسيب أن أبا سعيد وأبا هريرة حدثاه أن رسول الله ﷺ بعث أخا بنى عدي من الأنصار الى خيبر وأمره عليها، وعن عبد المجيد عن أبى صالح السمان عن أبى سعيد وأبى هريرة مثله.
قلت: كان سهم النبي ﷺ الّذي أصاب مع المسلمين مما قسم بخيبر وفدك بكمالها وهي طائفة كبيرة من أرض خيبر نزلوا من شدة رعبهم منه صلوات الله وسلامه عليه فصالحوه، وأموال بنى النضير المتقدم ذكرها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت هذه الأموال لرسول الله ﷺ خاصة وكان يعزل منها نفقة أهله لسنة ثم يجعل ما بقي مجعل مال الله يصرفه في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين، فلما مات صلوات الله وسلامه عليه اعتقدت فاطمة وأزواج النبي ﷺ أو أكثرهن - أن هذه الأراضي تكون موروثة عنه ولم يبلغهن ما ثبت عنه من
قوله ﷺ «نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة» ولما طلبت فاطمة وأزواج النبي ﷺ والعباس نصيبهم من ذلك وسألوا الصديق أن يسلمه اليهم، وذكر لهم
قول رسول الله ﷺ «لا نورث ما تركنا صدقة» وقال: أنا أعول من كان يعول رسول الله ﷺ والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب الى أن أصل من قرابتي، وصدق ﵁ وأرضاه فإنه البار الراشد في ذلك التابع للحق، وطلب العباس وعلى على لسان فاطمة إذ قد فاتهم الميراث أن ينظرا في هذه الصدقة وأن يصرفا ذلك في المصارف التي كان النبي ﷺ يصرفها فيها، فأبى عليهم الصديق ذلك ورأى أن حقا عليه أن يقوم فيما كان يقوم فيه رسول الله ﷺ وأن لا يخرج من مسلكه ولا عن سننه. فتغضبت فاطمة ﵂ عليه في ذلك ووجدت في نفسها بعض الموجدة ولم يكن لها ذلك. والصديق من قد عرفت هي والمسلمون محله ومنزلته من رسول الله ﷺ وقيامه في نصرة النبي ﷺ في حياته وبعد وفاته فجزاه الله عن نبيه وعن الإسلام وأهله خيرا، وتوفيت فاطمة ﵂ بعد ستة أشهر ثم جدد على البيعة بعد ذلك، فلما كان أيام عمر بن الخطاب سألوه أن يفوض أمر هذه الصدقة الى على والعباس وثقلوا عليه بجماعة من سادات الصحابة ففعل عمر ﵁ ذلك وذلك لكثرة أشغاله واتساع مملكته وامتداد رعيته، فتغلب على على عمه العباس فيها ثم تساوقا يختصمان الى عمر وقدما بين أيديهما جماعة من الصحابة وسألا منه أن يقسمها بينهما فينظر كل منهما فيما لا ينظر فيه الآخر. فامتنع عمر من ذلك أشد الامتناع وخشي أن تكون هذه القسمة تشبه قسمة المواريث وقال انظرا فيها وأنتما جميع فان عجزتما عنها فادفعاها الى، والّذي تقوم السماء والأرض بأمره لا أقضى فيها قضاء غير هذا. فاستمرا فيها ومن
стр. 1243
بعدهما الى ولدهما الى أيام بنى العباس تصرف في المصارف التي كان رسول الله ﷺ يصرفها فيها، أموال بنى النضير وفدك وسهم رسول الله ﷺ من خيبر.
فصل
وأما من شهد خيبر من العبيد والنساء فرضخ (١) لهم رسول الله ﷺ شيئا من الغنيمة ولم يسهم لهم. قال أبو داود حدثنا احمد بن حنبل ثنا بشر بن المفضل عن محمد بن زيد حدثني عمير مولى آبى اللحم قال: شهدت خيبر مع سادتي فكلموا فىّ رسول الله ﷺ فأمر بى فقلدت سيفا، فإذا أنا أجره، فأخبر أنى مملوك فأمر لي بشيء من طريق المتاع. ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن بشر بن المفضل به [وقال الترمذي حسن صحيح. ورواه ابن ماجة عن على بن محمد عن وكيع عن هشام بن سعد] عن محمد بن زيد بن المهاجر عن منقذ عن عمير به.
وقال محمد بن إسحاق: وشهد خيبر مع رسول الله ﷺ نساء فرضخ لهن [من الفيء] ولم يضرب لهن بسهم
حدثني سليمان بن سحيم عن أمية بنت أبى الصلت عن امرأة من بنى غفار قد سماها لي قالت أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من بنى غفار، فقلنا يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك الى وجهك هذا - وهو يسير الى خيبر - فنداوى الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا فقال «على بركة الله» قالت فخرجنا معه، قالت وكنت جارية حدثة السن فأردفنى رسول الله ﷺ على حقيبة رحله، [قالت فو الله لنزل رسول الله ﷺ الى الصبح ونزلت عن حقيبة رحله، قالت] وإذا بها دم منى وكانت أول حيضة حضتها، قالت فتقبضت الى الناقة واستحيت. فلما رأى رسول الله ﷺ ما بى ورأى الدم قال «مالك؟ لعلك نفست» قالت قلت نعم، قال «فاصلحى من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحى فيه ملحا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم ثم عودي لمركبك» قالت فلما فتح الله خيبر رضخ لنا من الفيء، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي فو الله لا تفارقني أبدا. وكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تدفن معها، قالت وكانت لا تطهر من حيضها إلا جعلت في طهورها ملحا وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت. وهكذا رواه الامام احمد وأبو داود من حديث محمد بن إسحاق به. قال شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه ورواه الواقدي عن أبى بكر بن أبى سبرة عن سليمان بن سحيم عن أم على بنت أبى الحكم عن أمية (٢) بنت أبى الصلت عن النبي ﷺ به.
وقال الامام احمد حدثنا حسن بن موسى ثنا رافع بن سلمة
стр. 1244
الأشجعي حدثني حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة خيبر وأنا سادسة ست نسوة، قالت فبلغ النبي ﷺ أن معه نساء، قالت فأرسل إلينا فدعانا. قالت فرأينا في وجهه الغضب فقال «ما أخرجكن وبأمر من خرجتن؟» قلنا خرجنا نناول السهام ونسقي السويق ومعنا دواء للجرحى ونغزل الشعر فنعين به في سبيل الله قال فمرن فانصرفن، قالت فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا سهاما كسهام الرجال، فقلت لها يا جدة وما الّذي أخرج لكن؟ قالت تمرا.
قلت: إنما أعطاهن من الحاصل، فأما أنه أسهم لهن في الأرض كسهام الرجال فلا! والله أعلم.
وقال الحافظ البيهقي وفي كتابي عن أبى عبد الله الحافظ أن عبد الله الأصبهاني أخبره حدثنا الحسين ابن الجهم ثنا الحسين بن الفرج ثنا الواقدي حدثني عبد السلام بن موسى بن جبير عن أبيه عن جده عن عبد الله بن أنيس قال: خرجت مع رسول الله ﷺ الى خيبر ومعى زوجتي وهي حبلى فنفست في الطريق، فأخبرت رسول الله ﷺ فقال لي «انقع لها تمرا فإذا انغمر فأمر به لتشربه» ففعلت فما رأت شيئا تكرهه، فلما فتحنا خيبر أجدى النساء ولم يسهم لهن، فأجدى زوجتي وولدى الّذي ولد. قال عبد السلام: لست أدرى غلام أو جارية.
ذكر قدوم جعفر بن أبى طالب ﵁ ومن كان بقي بالحبشة ممن هاجر اليها من المسلمين ومن انضم اليهم من أهل اليمن على رسول الله ﷺ وهو مخيم بخيبر
قال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء ثنا أبو اسامة ثنا يزيد بن عبد الله بن أبى بردة عن أبى بردة عن أبى موسى قال: بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين اليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهم أبو بردة والآخر أبو رهم، إما قال في بضع وإما قال في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا الى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبى طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فكان أناس من الناس يقولون لنا - يعنى لأهل السفينة - سبقنا كم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس - وهي ممن قدم معنا - على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت الى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت أسماء ابنة عميس، قال عمر الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء نعم! قال سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم، فغضبت وقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار - أو في أرض - البعداء والبغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله ﷺ ، وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت للنّبيّ ﷺ وأسأله، ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا قالت قال «فما قلت
стр. 1245
له؟» قالت قلت كذا وكذا، قال «ليس بأحق بى منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان» قالت فلقد رأيت أبا موسى وأهل السفينة يأتونى أرسالا يسألونى عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ . قال أبو بردة قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وأنه ليستعيد هذا الحديث منى. وقال أبو بردة عن أبى موسى قال النبي ﷺ «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم بن حزام إذا لقي العدو - أو قال الخيل - قال لهم إن أصحابى يأمرونكم أن تنظروهم». وهكذا رواه مسلم عن أبى كريب وعبد الله بن براد عن أبى أسامة به. ثم قال البخاري قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا حفص بن غياث ثنا يزيد بن [عبد الله بن] أبى بردة عن أبى موسى قال: قدمنا على النبي ﷺ بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا. تفرد به البخاري دون مسلم. ورواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث يزيد به. وقد ذكر محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث عمرو بن أمية الضمريّ الى النجاشي يطلب منه من بقي من أصحابه بالحبشة، فقدموا صحبة جعفر وقد فتح النبي ﷺ خيبر.
قال وقد ذكر سفيان بن عيينة عن الأجلح عن الشعبي أن جعفر بن أبى طالب قدم على رسول الله ﷺ يوم فتح خيبر فقبل رسول الله ﷺ بين عينيه والتزمه وقال «ما أدرى بأيهما أنا أسرّ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر». وهكذا رواه سفيان الثوري عن الأجلح عن الشعبي مرسلا
وأسند البيهقي من طريق حسن بن حسين العرزميّ عن الأجلح عن الشعبي عن جابر قال: لما قدم رسول الله ﷺ من خيبر قدم جعفر من الحبشة، فتلقاه وقبل جبهته وقال «والله ما أدرى بأيهما أفرح، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» ثم قال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ ثنا الحسين بن أبى إسماعيل العلويّ ثنا احمد بن محمد البيروتي ثنا محمد بن احمد بن أبى طيبة حدثني مكي بن إبراهيم الرعينيّ ثنا سفيان الثوري عن أبى الزبير عن جابر قال: لما قدم جعفر بن أبى طالب من أرض الحبشة تلقاه رسول الله ﷺ ، فلما نظر جعفر اليه حجل - قال مكي يعنى مشى على رجل واحدة - إعظاما لرسول الله ﷺ ، فقبل رسول الله ﷺ بين عينيه. ثم قال البيهقي:
في إسناده من لا يعرف الى الثوري.
قال ابن إسحاق: وكان الذين تأخروا مع جعفر من أهل مكة الى أن قدموا معه خيبر ستة عشر رجلا، وسرد أسماءهم وأسماء نسائهم وهم، جعفر بن أبى طالب الهاشمي، وامرأته أسماء بنت عميس، وابنه عبد الله ولد بالحبشة، وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وامرأته أمينة (١)
стр. 1246
بنت خلف بن أسعد، وولداه سعيد، وأمة بنت خالد ولدا بأرض الحبشة، وأخوه عمرو بن سعيد ابن العاص، ومعيقيب بن أبى فاطمة وكان الى آل سعيد بن العاص، قال وأبو موسى الأشعري عبد الله ابن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة، وأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد الأسدي، وجهم بن قيس ابن عبد شرحبيل العبدري، وقد ماتت امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بأرض الحبشة، وابنه عمرو، وابنته خزيمة ماتا بها ﵏، وعامر بن أبى وقاص الزهري، وعتبة بن مسعود حليف لهم من هذيل، والحارث بن خالد بن صخر التيمي، وقد هلكت بها امرأته ريطة بنت الحارث رحمها الله، وعثمان بن ربيعة بن أهبان الجمحيّ، ومحمية بن جزء الزبيدي حليف بنى سهم، ومعمر بن عبد الله بن نضلة العدوي، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس، ومالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس العامريان، ومع مالك هذا امرأته عمرة بنت السعدي، والحارث بن عبد شمس بن لقيط الفهري.
قلت: ولم يذكر ابن إسحاق أسماء الأشعريين الذين كانوا مع أبى موسى الأشعري وأخويه أبا بردة وأبارهم وعمه أبا عامر، بل لم يذكر من الأشعريين غير أبى موسى ولم يتعرض لذكر أخويه وهما أسن منه كما تقدم في صحيح البخاري. وكأن ابن إسحاق ﵀ لم يطلع على حديث أبى موسى في ذلك والله أعلم. قال وقد كان معهم في السفينتين نساء من نساء من هلك من المسلمين هنالك وقد حرر هاهنا شيئا كثيرا حسنا. قال البخاري حدثنا على بن عبد الله ثنا سفيان سمعت الزهري وسأله إسماعيل بن أمية قال أخبرنى عنبسة بن سعيد أن أبا هريرة أتى رسول الله ﷺ وسأله - يعنى أن يقسم له - فقال بعض بنى سعيد بن العاص لا تعطه، فقال أبو هريرة هذا قاتل ابن قوقل فقال:
وا عجبا لوبر تدلّى من قدوم الضأل. تفرد به دون مسلم.
قال البخاري ويذكر عن الزبيدي عن الزهري أخبرنى عنبسة بن سعيد أنه سمع أبا هريرة يخبر سعيد بن العاص قال: بعث رسول الله ﷺ أبانا على سرية من المدينة قبل نجد، قال أبو هريرة فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعد ما افتتحها، وأن حزم خيلهم لليف. قال أبو هريرة فقلت يا رسول الله لا تقسم لهم، فقال أبان وأنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضال. وقال النبي ﷺ «يا أبان اجلس» ولم يقسم لهم، وقد أسند أبو داود هذا الحديث عن سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن الوليد الزبيدي به نحوه ثم قال البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد أخبرنى جدي وهو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص أن أبان بن سعيد أقبل الى النبي ﷺ فسلم عليه، فقال أبو هريرة يا رسول الله هذا قاتل ابن قوقل، فقال أبان لأبى هريرة: وا عجبا لك يا وبر تردى من قدوم ضال تنعى على امرأ أكرمه الله بيدي، ومنعه أن يهينني بيده؟ هكذا رواه منفردا به هاهنا وقال في الجهاد بعد
стр. 1247
حديث الحميدي عن سفيان عن الزهري عن عنبسة بن سعيد عن أبى هريرة قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بخيبر بعد ما افتتحها، فقلت يا رسول الله أسهم لي، فقال بعض آل سعيد بن العاص:
لا تقسم له، فقلت يا رسول الله هذا قاتل ابن قوقل الحديث. قال سفيان حدثنيه السعيدي - يعنى عمرو بن يحيى بن سعيد - عن جده عن أبى هريرة بهذا. ففي هذا الحديث التصريح من أبى هريرة بأنه لم يشهد خيبر وتقدم في أول هذه الغزوة. رواه الامام احمد من طريق عراك بن مالك عن أبى هريرة وأنه قدم على رسول الله ﷺ بعد ما افتتح خيبر فكلم المسلمين فأشركونا في أسهامهم. وقال الامام احمد حدثنا روح ثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن عمار بن أبى عمار قال: ما شهدت مع رسول الله ﷺ مغنما قط إلا قسم لي، إلا خيبر فإنها كانت لأهل الحديبيّة خاصة.
قلت: وكان أبو هريرة وأبو موسى جاءا بين الحديبيّة وخيبر. وقد
قال البخاري حدثنا عبد الله ابن محمد ثنا معاوية بن عمرو ثنا أبو إسحاق عن مالك بن أنس حدثني ثور حدثني سالم مولى [عبد الله] بن مطيع أنه سمع أبا هريرة يقول: افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة، إنما غنمنا الإبل والبقر والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ الى وادي القرى ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له بعض بنى الضبيب فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد. فقال الناس هنيئا له الشهادة فقال رسول الله ﷺ «كلا والّذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا» فجاء رجل حين سمع ذلك من رسول الله ﷺ بشراك أو شراكين فقال: هذا شيء كنت أصبته، فقال رسول الله ﷺ «شراك أو شراكين من نار».
(ذكر قصة الشاة المسمومة وما كان من أمر البرهان الّذي ظهر عندها والحجة البالغة فيها)
قال البخاري: رواه عروة عن عائشة عن النبي ﷺ . ثم قال حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث حدثني سعيد عن أبى هريرة قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم هكذا أورده هاهنا مختصرا. وقد
قال الامام احمد حدثنا حجاج ثنا ليث عن سعيد بن أبى سعيد عن أبى هريرة قال: لما فتحت خيبر أهديت للنّبيّ ﷺ شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ «أجمعوا لي من كان هاهنا من يهود» فجمعوا له فقال النبي ﷺ «إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه؟» قالوا نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ «من أبوكم؟» قالوا أبونا فلان، فقال رسول الله ﷺ «كذبتم بل أبوكم فلان» قالوا صدقت وبررت فقال «هل أنتم صادقي عن شيء إذا سألتكم عنه؟» قالوا نعم يا أبا القاسم وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال رسول الله ﷺ «من أهل النار؟» فقالوا نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ «والله لا نخلفكم فيها
стр. 1248
أبدا» ثم قال لهم «هل أنتم صادقي عن شيء إذا سألتكم؟» فقالوا نعم يا أبا القاسم، فقال «هل جعلتم في هذه الشاة سما» فقالوا نعم! قال «ما حملكم على ذلك؟» قالوا أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك وإن كنت نبيا لم يضرك. وقد رواه البخاري في الجزية عن عبد الله بن يوسف، وفي المغازي أيضا عن قتيبة كلاهما عن الليث به.
وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو العباس الأصم حدثنا سعيد بن سليمان ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة أن امرأة من يهود أهدت لرسول الله ﷺ شاة مسمومة فقال لأصحابه «أمسكوا فإنها مسمومة» وقال لها «ما حملك على ما صنعت؟» قالت أردت أن أعلم إن كنت نبيا فسيطلعك الله عليه، وإن كنت كاذبا أريح الناس منك. قال فما عرض لها رسول الله ﷺ . رواه أبو داود عن هارون بن عبد الله عن سعيد بن سليمان به. ثم روى البيهقي عن طريق عبد الملك بن أبى نضرة عن أبيه عن جابر بن عبد الله نحو ذلك.
وقال الامام احمد حدثنا شريح ثنا عباد عن هلال - هو ابن خباب - عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله ﷺ شاة مسمومة، فأرسل اليها فقال «ما حملك على ما صنعت؟» قالت أحببت - أو أردت - إن كنت نبيا فان الله سيطلعك عليه، وإن لم تكن نبيا أريح الناس منك. قال فكان رسول الله ﷺ إذا وجد من ذلك شيئا احتجم، قال فسافر مرة فلما أحرم وجد من ذلك شيئا فاحتجم. تفرد به احمد واسناده حسن.
وفي الصحيحين من حديث شعبة عن هشام ابن زيد عن أنس بن مالك أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها الى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك؟ قالت أردت لأقتلك، فقال «ما كان الله ليسلطك على» أو قال «على ذلك» قالوا ألا تقتلها قال «لا» قال أنس فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ .
وقال أبو داود حدثنا سليمان بن داود المهري ثنا ابن وهب أخبرنى يونس عن ابن شهاب قال: كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية (١) ثم أهدتها لرسول الله ﷺ ، فأخذ رسول الله ﷺ الذراع فأكل منها وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله ﷺ «ارفعوا أيديكم» وأرسل رسول الله ﷺ الى المرأة فدعاها فقال لها «أسمعت هذه الشاة؟» قالت اليهودية من أخبرك؟ قال «أخبرتنى هذه التي في يدي» وهي الذراع، قالت [نعم] قال «فما أردت بذلك؟» قالت قلت إن كنت نبيا فلن تضرك، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك. فعفا عنها رسول الله ﷺ ولم يعاقبها، وتوفى بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة واحتجم النبي ﷺ على كاهله من أجل الّذي أكل من الشاة حجمه أبو هند بالقرن والشفرة
стр. 1249
وهو مولى لبني بياضة من الأنصار. ثم
قال أبو داود حدثنا وهب بن بقية ثنا خالد عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة أن رسول الله ﷺ أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية نحو حديث جابر، قال فمات بشر ابن البراء بن معرور، فأرسل الى اليهودية فقال «ما حملك على الّذي صنعت؟» فذكر نحو حديث جابر، فأمر رسول الله ﷺ فقتلت ولم يذكر أمر الحجامة. قال البيهقي ورويناه من حديث حماد ابن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة. قال: ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء، ثم لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها.
وروى البيهقي من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن امرأة يهودية أهدت الى رسول الله ﷺ شاة مصلية بخيبر فقال «ما هذه؟» قالت هدية، وحذرت أن تقول صدقة فلا يأكل، قال فأكل وأصحابه ثم قال «أمسكوا» ثم قال للمرأة «هل سمعت؟» قالت من أخبرك هذا؟ قال «هذا العظم» لساقها وهو في يده، قالت نعم قال «لم؟» قالت أردت إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك.
قال فاحتجم رسول الله ﷺ على الكاهل وأمر أصحابه فاحتجموا. ومات بعضهم. قال الزهري فأسلمت فتركها النبي ﷺ قال البيهقي هذا مرسل ولعله قد يكون عبد الرحمن حمله عن جابر بن عبد الله ﵁.
وذكر ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة وكذلك موسى بن عقبة عن الزهري قالوا: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر وقتل منهم من قتل، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية وهي ابنة أخى مرحب لصفية شاة مصلية وسمتها، وأكثرت في الكتف والذراع لأنه بلغها أنه أحب أعضاء الشاة الى رسول الله ﷺ ، فدخل رسول الله ﷺ على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور وهو أحد بنى سلمة، فقدمت اليهم الشاة المصلية فتناول رسول الله ﷺ الكتف وانتهش منها، وتناول بشر عظما فانتهش منه، فلما استرط رسول الله ﷺ لقمته استرط بشر بن البراء ما في فيه، فقال رسول الله ﷺ «ارفعوا أيديكم فان كتف هذه الشاة يخبرني أنى نعيت (١) فيها» فقال بشر بن البراء والّذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتى التي أكلت فما منعني أن ألفظها الا أنى أعظمتك أن أبغضك طعامك، فلما أسغت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها نعى فلم يقم بشر من مكانه حتى عادلونه كالطيلسان وماطله وجعه حتى كان لا يتحول حتى يحول.
قال الزهري قال جابر واحتجم رسول الله ﷺ يومئذ حجمه مولى بنى بياضة بالقرن والشفرة وبقي رسول الله ﷺ بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الّذي توفى فيه فقال «ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر عدادا حتى كان هذا أوان انقطاع أبهرى» فتوفى رسول الله ﷺ شهيدا.
стр. 1250
وقال محمد بن إسحاق: فلما اطمأن رسول الله ﷺ أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام ابن مشكم شاة مصلية، وقد سألت أي عضو أحب الى رسول الله ﷺ ؟ فقيل لها الذراع فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ ، فأما بشر فأساغها وأما رسول الله ﷺ فلفظها ثم قال «إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم» ثم دعا بها فاعترفت، فقال «ما حملك على ذلك؟» قالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت إن كان كذابا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر. قال فتجاوز عنها رسول الله ﷺ ، ومات بشر من أكلته التي أكل.
قال ابن إسحاق وحدثني مروان بن عثمان بن أبى سعيد بن المعلى قال: كان رسول الله ﷺ قد قال في مرضه الّذي توفى فيه - ودخلت عليه أخت بشر بن البراء بن معرور - «يا أم بشر إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهرى من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر». قال ابن هشام: الأبهر العرق المعلق بالقلب. قال فان كان المسلمون ليرون أن رسول الله ﷺ مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة.
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا هلال بن بشر وسليمان بن يوسف الحراني قالا ثنا أبو غياث سهل بن حماد ثنا عبد الملك بن أبى نضرة عن أبيه عن أبى سعيد الخدريّ أن يهودية أهدت الى رسول الله ﷺ شاة سميطا، فلما بسط القوم أيديهم قال رسول الله ﷺ «أمسكوا فان عضوا من أعضائها يخبرني أنها مسمومة» فأرسل الى صاحبتها «أسمعت طعامك؟» قالت نعم قال «ما حملك على ذلك؟» قالت إن كنت كذابا أن أريح الناس منك، وإن كنت صادقا علمت أن الله سيطلعك عليه. فبسط يده وقال «كلوا بسم الله» قال فأكلنا وذكرنا اسم الله فلم يضر أحدا منا. ثم قال لا يروى عن عبد الملك بن أبى نضرة إلا من هذا الوجه.
قلت: وفيه نكارة وغرابة شديدة والله أعلم.
وذكر الواقدي أن عيينة بن حصن قبل أن يسلم رأى في منامه رؤيا ورسول الله ﷺ محاصر خيبر فطمع من رؤياه أن يقاتل رسول الله ﷺ فيظفر به، فلما قدم على رسول الله ﷺ خيبر وجده قد افتتحها، فقال: يا محمد أعطني ما غنمت من حلفائي - يعنى أهل خيبر - فقال له رسول الله ﷺ «كذبت رؤياك» وأخبره بما رأى، فرجع عيينة فلقيه الحارث بن عوف فقال: ألم أقل إنك توضع في غير شيء، والله ليظهرن محمد على ما بين المشرق والمغرب، وإن يهود كانوا يخبروننا بهذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبى الحقيق يقول: إنا لنحسد محمدا على النبوة حيث خرجت من بنى هارون، إنه لمرسل، ويهود لا تطاوعني على هذا. ولنا
стр. 1251
منه ذبحان، واحد بيثرب وآخر بخيبر. قال الحارث: قلت لسلام يملك الأرض؟ قال نعم والتوراة التي أنزلت على موسى وما أحب أن تعلم يهود بقولي فيه.
فصل
قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر انصرف الى وادي القرى فحاصر أهلها ليال ثم انصرف راجعا الى المدينة. ثم ذكر من قصة مدعم وكيف جاءه سهم غارب فقتله، وقال الناس هنيئا له الشهادة
فقال رسول الله ﷺ «كلا والّذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا». وقد تقدم في صحيح البخاري نحو ما ذكره ابن إسحاق والله أعلم. وسيأتي ذكر قتاله ﵇ بوادي القرى.
قال الامام احمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبى عمرة عن زيد بن خالد الجهنيّ أن رجلا من أشجع من أصحاب رسول الله ﷺ توفى يوم خيبر، فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ فقال «صلوا على صاحبكم» فتغير وجوه الناس من ذلك، فقال «إن صاحبكم غل في سبيل الله» ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز يهود ما يساوى درهمين وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث يحيى بن سعيد القطان. ورواه أبو داود وبشر بن المفضل وابن ماجة من حديث الليث بن سعد ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري به وقد ذكر البيهقي أن بنى فزارة أرادوا أن يقاتلوا رسول الله ﷺ مرجعه من خيبر وتجمعوا لذلك فبعث اليهم يواعدهم موضعا معينا فلما تحققوا ذلك هربوا كل مهرب، وذهبوا من طريقه كل مذهب وتقدم أن رسول الله ﷺ لما حلت صفية من استبرائها دخل بها بمكان يقال له سد الصهباء في أثناء طريقه الى المدينة، وأولم عليها بحيس، وأقام ثلاثة أيام يبنى عليه بها، وأسلمت فأعتقها وتزوجها وجعل عناقها صداقها، وكانت إحدى أمهات المؤمنين كما فهمه الصحابة لما مد عليها الحجاب وهو مردفها وراءه ﵂.
وذكر محمد بن إسحاق في السيرة قال: لما أعرس رسول الله ﷺ بصفية بخيبر - أو ببعض الطريق - وكانت التي جمّلتها الى رسول الله ﷺ ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك، وبات بها رسول الله ﷺ في قبة له وبات أبو أيوب متوشحا بسيفه يحرس رسول الله ﷺ ويطيف بالقبة حتى أصبح، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانه قال «مالك يا أبا أيوب؟» قال خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال «اللهمّ احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني» ثم
قال حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب فذكر نومهم عن صلاة الصبح مرجعهم من خيبر وأن رسول الله ﷺ كان أولهم استيقاظا فقال «ماذا صنعت بنا يا بلال؟» قال
стр. 1252
يا رسول الله أخذ بنفسي الّذي أخذ بنفسك، قال «صدقت» ثم اقتاد ناقته غير كثير ثم نزل فتوضأ وصلّى كما كان يصليها قبل ذلك. وهكذا رواه مالك عن الزهري عن سعيد مرسلا وهذا مرسل من هذا الوجه وقد
قال أبو داود حدثنا احمد بن صالح ثنا ابن وهب أخبرنى يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، فسار ليلة حتى إذا أدركنا الكرى عرس وقال لبلال «اكلأ لنا الليل» قال فغلبت بلالا عيناه وهو مستند الى راحلته فلم يستيقظ النبي ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظا ففزع رسول الله ﷺ وقال «يا بلال» قال أخذ بنفسي الّذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمى يا رسول الله، قال فاقتادوا رواحلهم شيئا ثم توضأ رسول الله ﷺ فأمر بلالا فأقام الصلاة وصلى لهم الصبح، فلما أن قضى الصلاة قال «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فان الله تعالى يقول «وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» قال يونس وكان ابن شهاب يقرأها كذلك. وهكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى عن عبد الله بن وهب به وفيه أن ذلك كان مرجعهم من خيبر. وفي حديث شعبة عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبى علقمة عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من الحديبيّة، ففي رواية عنه أن بلالا هو الّذي كان يكلؤهم، وفي رواية عنه أنه هو الّذي كان يكلؤهم.
قال الحافظ البيهقي: فيحتمل أن ذلك كان مرتين. قال وفي حديث عمران بن حصين وأبى قتادة نومهم عن الصلاة وفيه حديث الميضاة فيحتمل أن ذلك إحدى هاتين المرتين أو مرة ثالثة. قال وذكر الواقدي في حديث أبى قتادة أن ذلك كان مرجعهم من غزوة تبوك. قال وروى زافر بن سليمان عن شعبة عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من تبوك فالله أعلم. ثم أورد البيهقي ما رواه صاحب الصحيح من قصة عوف الأعرابي عن أبى رجاء عن عمران بن حصين في قصة نومهم عن الصلاة وقصة المرأة صاحبة السطيحتين وكيف أخذوا منهما ماء روى الجيش بكماله ولم ينقص ذلك منهما شيئا. ثم ذكر ما رواه مسلم من حديث ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبى قتادة وهو حديث طويل وفيه نومهم عن الصلاة وتكثير الماء من تلك الميضاة. وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.
وقال البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا عبد الواحد عن عاصم عن أبى عثمان عن أبى موسى الأشعري قال: لما غزا رسول الله ﷺ خيبرا، وقال لما توجه رسول الله ﷺ الى خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ «أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم» وأنا خلف دابة رسول الله ﷺ فسمعني وأنا أقول لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال «يا عبد الله بن قيس» قلت ليبك يا رسول الله قال «ألا أدلك على كلمة من كنز
стр. 1253
الجنة» قلت بلى يا رسول الله فداك ابى وأمى قال «لا حول ولا قوة إلا بالله». وقد رواه بقية الجماعة من طرق عن عبد الرحمن بن مل أبى عثمان النهدي عن أبى موسى الأشعري، والصواب أنه كان مرجعهم من خيبر فان أبا موسى إنما قدم بعد فتح خيبر كما تقدم.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ فيما بلغني - قد أعطى ابن لقيم العبسيّ حين افتتح خيبر ما بها من دجاجة أو داجن، وكان فتح خيبر في صفر، فقال ابن لقبم في فتح خيبر:
رميت نطاة من الرسول بفيلق … شهباء ذات مناكب وفقار (١)
واستيقنت بالذل لما شيعت … ورجال أسلم وسطها وغفار
صبحت بنى عمرو بن زرعة غدوة … والشق أظلم أهله بنهار
جرّت بأبطحها الذيول فلم تدع … إلا الدجاج تصيح بالأسحار
ولكل حصن شاغل من خيلهم … من عبد الأشهل أو بنى النجار
ومهاجرين قد اعلموا سيماهم … فوق المغافر لم ينو الفرار
ولقد علمت ليغلبن محمد … وليثوين بها الى أصفار
فرت يهود عند ذلك في الوغى … تحت العجاج غمائم الأبصار
فصل في ذكر من استشهد بخيبر من الصحابة ﵃
على ما ذكره ابن إسحاق بن يسار ﵀ وغيره من أصحاب المغازي.
فمن خير المهاجرين ربيعة بن أكثم بن سخبرة الأسدي مولى بنى أمية، وثقيف بن عمرو ورفاعة بن مسروح حلفاء بنى أمية، وعبد الله بن الهبيب بن أهيب بن سحيم بن غيرة من بنى سعد ابن ليث حليف بنى أسد وابن أختهم، ومن الأنصار بشر بن البراء بن معرور من أكلة الشاة المسمومة مع رسول الله ﷺ كما تقدم، وفضيل بن النعمان السلميّان، ومسعود بن سعد بن قيس بن خالد بن عامر بن زريق الزّرقيّ، ومحمود بن مسلمة الأشهلي، وأبو ضياح حارثة بن ثابت بن النعمان العمرى، والحارث بن حاطب، وعروة بن مرة بن سراقة، وأوس الفائد (٢) وأنيف بن حبيب، وثابت
стр. 1254
ابن أثلة وطلحة، وعمارة بن عقبة رمى بسهم فقتله، وعامر بن الأكوع ثم سلمة بن عمرو بن الأكوع أصابه طرف سيفه في ركبته فقتله ﵀ كما تقدم، والأسود الراعي. وقد أفرد ابن إسحاق هاهنا قصته وقد أسلفناها في أوائل الغزوة ولله الحمد والمنة.
قال ابن إسحاق: وممن استشهد بخيبر فيما ذكره ابن شهاب من بنى زهرة مسعود بن ربيعة حليف لهم من القارة، ومن الأنصار ثم من بنى عمرو بن عوف أوس بن قتادة ﵃ أجمعين.
خبر الحجاج بن علاط البهزي ﵁
قال ابن إسحاق: ولما فتحت خيبر كلم رسول الله ﷺ الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي فقال: يا رسول الله إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبى طلحة - وكانت عنده له منها معوض بن الحجاج - ومالا متفرقا في تجار أهل مكة، فأذن لي يا رسول الله فأذن له، فقال إنه لا بد لي يا رسول من أن أقول، قال قل، قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالا من قريش يستمعون الأخبار ويسألون عن أمر رسول الله ﷺ وقد بلغهم أنه قد سار الى خيبر وقد عرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة ورجالا، وهم يتجسسون الأخبار من الركبان، فلما رأوني قالوا الحجاج بن علاط - قال ولم يكونوا علموا بإسلامي - عنده والله الخبر أخبرنا يا أبا محمد فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار الى خيبر وهي بلد يهود وريف الحجاز؟ قال قلت قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم، قال فالتبطوا بجنبي ناقتي يقولون إيه يا حجاج؟ قال قلت هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقد قتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط وأسر محمد أسرا وقالوا لا نقتله حتى نبعث به الي مكة [فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم قال فقاموا وصاحوا بمكة] وقالوا: قد جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم، قال قلت أعينونى على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي فانى أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار الى ما هنالك قال فقاموا فجمعوا لي ما كان لي كأحث جمع سمعت به، قال وجئت صاحبتي فقلت مالي وكان عندها مال موضوع فلعلي ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار، قال فلما سمع العباس ابن عبد المطلب الخبر وما جاءه عنى أقبل حتى وقف الى جنبي وأنا في خيمة من خيم التجار، فقال يا حجاج ما هذا الّذي جئت به؟ قال قلت وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال نعم! قال قلت فاستأخر حتى ألقاك على خلاء فانى في جمع مالي كما ترى فانصرف حتى أفرغ، قال حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت احفظ على حديثي يا أبا الفضل فانى أخشى الطلب ثلاثا ثم قل ما شئت قال افعل قلت فانى والله تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم - يعنى صفية بنت حيي - وقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولأصحابه، قال ما تقول
стр. 1255
يا حجاج؟! قال قلت أي والله فأكتم عنى ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقا عليه من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك فهو والله على ما تحب، قال حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وتخلق وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها، فلما رأوه قالوا يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحر المصيبة! قال كلا والله الّذي حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر ونزل عروسا على بنت ملكهم وأحرز أموالهم وما فيها وأصبحت له ولأصحابه قالوا من جاءك بهذا الخير؟ قال الّذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل عليكم مسلما وأخذ أمواله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه، فقالوا يا لعباد الله انفلت عدو الله أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، قال ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك. هكذا ذكر ابن إسحاق هذه القصة منقطعة، وقد أسند ذلك الامام احمد بن حنبل فقال حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر سمعت ثابتا يحدث عن أنس قال: لما افتتح رسول الله ﷺ خيبر قال الحجاج بن علاط يا رسول الله إن لي بمكة مالا وإن لي بها أهلا وإني أريد أن آتيهم أفأنا في حل إن انا نلت منك أو قلت شيئا؟ فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء. فأتى امرأته حين قدم فقال: اجمعى لي ما كان عندك فانى أريد أن أشترى من غنائم محمد وأصحابه فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم. قال وفشا ذلك بمكة فانقمع المسلمون وأظهر المشركون فرحا وسرورا، قال وبلغ الخبر العباس فعقر وجعل لا يستطيع أن يقوم. قال معمر: فأخبرني عثمان الخزرجي عن مقسم قال:
فأخذ ابنا يقال له قثم واستلقى ووضعه على صدره وهو يقول.
حبي قثم شبه ذي الأنف الأشم … بنى ذي النعم بزعم من زعم
قال ثابت عن أنس: ثم أرسل غلاما له الى حجاج بن علاط فقال ويلك ما جئت به وماذا تقول؟ فما وعد الله خير مما جئت به، فقال حجاج بن علاط: اقرأ على أبى الفضل السلام وقل له فليخل لي في بعض بيوته لآتيه فان الخبر على ما يسره، فجاء غلامه فلما بلغ الدار قال أبشر يا أبا الفضل، قال فوثب العباس فرحا حتى قبل بين عينيه فأخبره ما قال حجاج فأعتقه، قال ثم جاءه الحجاج فأخبره أن رسول الله ﷺ قد افتتح خيبر وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفى رسول الله ﷺ صفية بنت حيي واتخذها لنفسه، وخيرها أن يعتقها وتكون زوجه أو تلحق بأهلها فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، قال ولكنى جئت لمال كان هاهنا أردت أن أجمعه فاذهب به فاستأذنت رسول الله ﷺ فأذن لي أن أقول ما شئت، فاخف على ثلاثا ثم اذكر ما بدا لك، قال فجمعت امرأته ما كان عندها من حلى أو متاع فجمعته ودفعته اليه ثم انشمر به، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا، وقالت لا يحزنك الله يا أبا الفضل لقد شق علينا الّذي بلغك، قال أجل لا يحزنني الله ولم
стр. 1256
يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسوله وجرت فيها سهام الله واصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه، فان كانت لك حاجة في زوجك فالحقى به. قالت: أظنك والله صادقا؟ قال فانى صادق والأمر على ما أخبرتك، ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل، قال لم يصبني إلا خير بحمد لله، أخبرنى الحجاج بن علاط أن خيبر فتحها الله على رسوله وجرت فيها سهام الله واصطفى صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفى عنه ثلاثا، وإنما جاء ليأخذ ماله وما كان له من شيء هاهنا ثم يذهب، قال فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون من كان دخل بيته مكتئبا حتى أتى العباس فأخبرهم الخبر، فسر المسلمون وردّ ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين. وهذا الاسناد على شرط الشيخين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى النسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق به نحوه. ورواه الحافظ البيهقي من طريق محمود بن غيلان عن عبد الرزاق. ورواه أيضا من طريق يعقوب بن سفيان عن زيد بن المبارك عن محمد بن ثور عن معمر به نحوه. وكذلك ذكر موسى بن عقبة في مغازيه أن قريشا كان بينهم تراهن عظيم وتبايع، منهم من يقول يظهر محمد وأصحابه، ومنهم من يقول يظهر الحليفان ويهود خيبر، وكان الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي قد أسلم وشهد مع رسول الله ﷺ فتح خيبر، وكان تحته أم شيبة أخت عبد الدار بن قصي، وكان الحجاج مكثرا من المال، وكانت له معادن أرض بنى سليم، فلما ظهر رسول الله ﷺ على خيبر استأذن الحجاج رسول الله ﷺ في الذهاب الى مكة يجمع أمواله فأذن له نحو ما تقدم والله أعلم.
قال ابن إسحاق: ومما قيل من الشعر في غزوة خيبر قول حسان:
بئس ما قاتلت خيابر عمّا … جمعوا من مزارع ونخيل
كرهوا الموت فاستبيح حماهم … وأقروا فعل الذميم الذليل
أمن الموت يهربون فان الموت … موت الهزال غير جميل
وقال كعب بن مالك فيما ذكره ابن هشام عن أبى زيد الأنصاري:
ونحن وردنا خيبرا وفروضه … بكل فتى عاري الأشاجع مزود
جواد لدى الغايات لا واهن القوى … جريء على الأعداء في كل مشهد
عظيم رماد القدر في كل شتوة … ضروب بنصل المشرفيّ المهند
يرى القتل مدحا إن أصاب شهادة … من الله يرجوها وفوزا بأحمد
يذود ويحمى عن ذمار محمد … ويدفع عنه باللسان وباليد
وينصره من كل أمر يريبه … يجود بنفس دون نفس محمد
стр. 1257
يصدق بالأنباء بالغيب مخلصا … يريد بذاك العز والفوز في غد
فصل في مروره ﵇ بوادي القرى ومحاصرته قوما من اليهود ومصالحته يهود على ما ذكره [الواقدي وغيره]
قال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة [قال خرجنا مع رسول الله ﷺ من خيبر الى وادي القرى وكان رفاعة بن] زيد بن وهب الجذامي قد وهب لرسول الله ﷺ عبدا أسود يقال له مدعم وكان يرحل لرسول الله ﷺ ، فلما نزلنا بوادي القرى انتهينا الى يهود وقدم اليها ناس من العرب، فبينا مدعم يحط رحل رسول الله ﷺ وقد استقبلتنا يهود بالرمي حين نزلنا ولم نكن على تعبية، وهم يصيحون في آطامهم فيقبل سهم عائر فأصاب مدعما فقتله، فقال الناس هنيئا له بالجنة. فقال النبي ﷺ «كلا والّذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا» فلما سمع بذلك الناس جاء رجل الى رسول الله ﷺ بشراك أو شراكين. فقال النبي ﷺ : «شراك من نار أو شرا كان من نار».
وهذا الحديث في الصحيحين من حديث مالك عن ثور بن يزيد عن أبى الغيث عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه.
قال الواقدي: فعبى رسول الله أصحابه للقتال وصفهم ودفع لواءه الى سعد بن عبادة، ورواية الى الحباب بن المنذر، وراية الى سهل بن حنيف، وراية الى عباد بن بشر، ثم دعاهم الى الإسلام وأخبرهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم وحسابهم على الله، قال فبرز رجل منهم فبرز اليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فبرز اليه عليّ فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا كل ما قتل منهم رجلا دعي من بقي منهم الى الإسلام، ولقد كانت الصلاة تحضر ذلك اليوم فيصلّى بأصحابه ثم يعود فيدعوهم الى الإسلام وإلى الله ورسوله، وقاتلهم حتى أمسى وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها عنوة وغنمهم الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا وأقام رسول الله ﷺ بوادي القرى أربعة أيام فقسم ما أصاب على أصحابه، وترك الأرض والنخيل في أيدي اليهود وعاملهم عليها، فلما بلغ يهود تيماء ما وطئ به رسول الله ﷺ خيبر وفدك ووادي القرى صالحوا رسول الله ﷺ على الجزية، وأقاموا بأيديهم أموالهم، فلما كان عمر أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويرى أن ما دون وادي القرى الى المدينة حجاز، ومن وراء ذلك من الشام، قال ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا الى
стр. 1258
المدينة بعد أن فرغ من خيبر ووادي القرى وغنمه الله .
قال الواقدي: حدثني يعقوب بن محمد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى صعصعة عن الحارث ابن عبد الله بن كعب عن أم عمارة قالت سمعت رسول الله ﷺ بالجرف وهو يقول: «لا تطرقوا النساء بعد صلاة العشاء» قالت فذهب رجل من الحي فطرق أهله فوجد ما يكره، فخلى سبيلها ولم يهجر وضن بزوجته أن يفارقها وكان له منها أولاد وكان يحبها، فعصى رسول الله ﷺ فرأى ما يكره.
فصل
ثبت
في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما افتتح خيبر عامل يهودها عليها على شطر ما يخرج منها من تمر أو زرع. وقد ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث على أن يعملوها من أموالها، وفي بعضها وقال لهم النبي ﷺ «نقركم ما شئنا». وفي السنن أنه كان يبعث عليهم عبد الله بن رواحة يخرصها عليهم عند استواء ثمارها ثم يضمنهم إياه، فلما قتل عبد الله بن رواحة بمؤتة بعث جبار بن صخر كما تقدم. وموضع تحرير ألفاظه وبيان طرقه كتاب المزارعة من كتاب الأحكام إن شاء الله وبه الثقة.
وقال محمد بن إسحاق: سألت ابن شهاب كيف أعطى رسول الله ﷺ يهود خيبر نخلهم؟ فأخبرني أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوة بعد القتال وكانت خيبر مما أفاء الله عليه، خمسها وقسمها بين المسلمين ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله ﷺ فقال:
«إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها وتكون ثمارها بيننا وبينكم فأقركم ما أقركم الله» فقبلوا وكانوا على ذلك يعملونها، وكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة فيقسم ثمرها ويعدل عليهم في الخرص، فلما توفى الله نبيه ﷺ أقرها أبو بكر بأيديهم على المعاملة التي عاملهم عليها رسول الله ﷺ حتى توفى، ثم أقرهم عمر بن الخطاب صدرا من إمارته، ثم
بلغ عمر أن رسول الله ﷺ قال في وجعه الّذي قبضه الله فيه «لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان» ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل الى يهود فقال: إن الله أذن لي في إجلائكم. وقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمعن في جزيرة العرب دينان» فمن كان عنده عهد من رسول الله ﷺ فليأتني به أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد فلينجهز للجلاء، فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد رسول الله ﷺ ، قلت: قد ادعى يهود خيبر في أزمان متأخرة بعد الثلاثمائة أن بأيديهم كتابا من رسول الله ﷺ فيه أنه وضع الجزية عنهم، وقد اغتر بهذا الكتاب بعض العلماء حتى قال بإسقاط الجزية عنهم، من الشافعية الشيخ أبو على بن خيرون وهو كتاب مزور مكذوب مفتعل لا أصل له، وقد بينت بطلانه من وجوه عديدة في كتاب مفرد، وقد تعرض لذكره وإبطاله جماعة من الأصحاب في كتبهم كابن
стр. 1259
الصباغ في مسائله، والشيخ أبى حامد في تعليقته، وصنف فيه ابن المسلمة جزءا منفردا للرد عليه، وقد تحركوا به بعد السبعمائة وأظهروا كتابا فيه نسخة ما ذكره الأصحاب في كتبهم، وقد وقفت عليه فإذا هو مكذوب، فان فيه شهادة سعد بن معاذ وقد كان مات قبل زمن خيبر، وفيه شهادة معاوية بن أبى سفيان ولم يكن أسلم يومئذ، وفي آخره وكتبه على بن أبو طالب وهذا لحن وخطأ، وفيه وضع الجزية ولم تكن شرعت بعد، فإنها إنما شرعت أول ما شرعت وأخذ من أهل نجران. وذكروا أنهم وفدوا في حدود سنة تسع والله أعلم.
ثم قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: خرجت أنا والزبير ابن العوام والمقداد بن الأسود الى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا، قال فعدى على تحت الليل وأنا نائم على فراشي ففدعت (١) يداي من مرفقى، فلما استصرخت على صاحباي فأتيانى فسألاني من صنع هذا بك؟ فقلت لا أدرى فأصلحا من يدي ثم قدما بى على عمر، فقال هذا عمل يهود خيبر. ثم قام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر ففدعوا يديه كما بلغكم مع عدوتهم على الأنصاري قبله لا نشك أنهم كانوا أصحابه ليس لنا هناك عدو غيرهم، فمن كان له مال من خيبر فليلحق به فانى مخرج يهود فأخرجهم.
قلت: كان لعمر بن الخطاب سهمه الّذي بخيبر وقد كان وقفه في سبيل الله وشرط في الوقف ما أشار به رسول الله ﷺ كما هو ثابت في الصحيحين، وشرط أن يكون النظر فيه للأرشد فالأرشد من بناته وبنيه.
قال الحافظ البيهقي في الدلائل: جماع أبواب السرايا التي تذكر بعد فتح خيبر وقبل عمرة القضية وإن كان تاريخ بعضها ليس بالواضح عند أهل المغازي.
سرية أبى بكر الصديق الى بنى فزارة
قال الامام احمد: حدثنا بهز ثنا عكرمة بن عمار ثنا إياس بن سلمة حدثني أبى قال: خرجنا مع أبى بكر [ابن] أبى قحافة وأمّره رسول الله ﷺ علينا فغزونا بنى فزارة، فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا، فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة فقتلنا على الماء من مر قبلنا، قال سلمة ثم نظرت الى عنق من الناس فيه من الذرية والنساء نحو الجبل وأنا أعدو في آثارهم فخشيت أن يسبقوني الى الجبل فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل، قال فجئت بهم أسوقهم الى أبى بكر حتى أتيته على الماء وفيهم امرأة من فزارة عليها قشع من أدم ومعها ابنة لها من أحسن العرب، قال فنفلنى أبو بكر بنتها،
стр. 1260
قال فما كشفت لها ثوبا حتى قدمت المدينة ثم بت فلم أكشف لها ثوبا، قال فلقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال لي «يا سلمة هب لي المرأة» قال فقلت والله يا رسول الله لقد أعجبتنى وما كشفت لها ثوبا، قال فسكت رسول الله ﷺ وتركني حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال «يا سلمة هب لي المرأة» قال فقلت يا رسول الله والله لقد أعجبتنى وما كشفت لها ثوبا، قال فسكت رسول الله ﷺ وتركني حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال «يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك» قال قلت يا رسول الله والله ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول الله، قال بعث بها رسول الله ﷺ الى أهل مكة وفي أيديهم أسارى من المسلمين ففداهم رسول الله ﷺ بتلك المرأة.
وقد رواه مسلم والبيهقي من حديث عكرمة بن عمار به.
سرية عمر بن الخطاب ﵁ الى تربة من أرض هوازن وراء مكة بأربعة أميال
ثم أورد البيهقي من طريق الواقدي بأسانيده أن رسول الله ﷺ بعث عمر بن الخطاب ﵁ في ثلاثين راكبا ومعه دليل من بنى هلال وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار، فلما انتهوا الى بلادهم هربوا منهم وكر عمر راجعا الى المدينة، فقيل له هل لك في قتال خثعم؟ فقال إن رسول الله ﷺ لم يأمرني إلا بقتال هوازن في أرضهم.
سرية عبد الله بن رواحة الى يسير (١) بن رزام اليهودي
ثم أورد من طريق إبراهيم بن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة ومن طريق موسى بن عقبة عن الزهري أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبا فيهم عبد الله بن رواحة الى يسير بن رزام اليهودي حتى أتوه بخيبر، وبلغ رسول الله ﷺ أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم، فأتوه فقالوا أرسلنا إليك رسول الله ﷺ ليستملك على خيبر فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلا مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، فلما بلغوا قرقرة نيار وهي من خيبر على ستة أميال ندم يسير ابن رزام فأهوى بيده الى سيف عبد الله بن رواحة، ففطن له عبد الله بن رواحة فزجر بعيره ثم اقتحم يسوق بالقوم حتى استمكن من يسير ضرب رجله فقطعها، واقتحم يسير وفي يده مخراش من شوحط فضرب به وجه عبد الله بن رواحة فشجه شجة مأمومة. وانكفأ كل رجل من المسلمين على رديفه فقتله غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدا ولم يصب من المسلمين أحد، وبصق رسول الله ﷺ في شجة عبد الله بن رواحة فلم تقيح ولم تؤذه حتى مات.
سرية أخرى مع بشير بن سعد
روى من طريق الواقدي باسناده أن رسول الله ﷺ بعث بشير بن سعد في ثلاثين راكبا
стр. 1261
الى بنى مرة من أرض فدك فاستاق نعمهم، فقاتلوه وقتلوا عامة من معه وصبر هو يومئذ صبرا عظيما، وقاتل قتالا شديدا، ثم لجأ الى فدك فبات بها عند رجل من اليهود، ثم كر راجعا الى المدينة.
قال الواقدي: ثم بعث اليهم رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله ومعه جماعة من كبار الصحابة فذكر منهم أسامة بن زيد، وأبا مسعود البدري، وكعب بن عجرة ثم ذكر مقتل أسامة بن زيد لمرداس بن نهيك حليف بنى مرة وقوله حين علاه بالسيف: لا إله إلا الله، وأن الصحابة لاموه على ذلك حتى سقط في يده وندم على ما فعل. وقد ذكر هذه القصة يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن شيخ من بنى سلمة عن رجال من قومه أن رسول الله ﷺ بعث غالب بن عبد الله الكلبي الى أرض بنى مرة فأصاب مرداس بن نهيك [حليفا لهم من الحرقة فقتله أسامة.
قال ابن إسحاق:
فحدثني محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة عن أبيه عن جده أسامة بن زيد قال أدركته أنا ورجل من الأنصار - يعنى مرداس بن نهيك -] فلما شهرنا عليه السيف قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه فقال: «يا أسامة من لك بلا إله إلا الله» فقلت يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل، قال «فمن لك يا أسامة بلا إله إلا الله» فو الّذي بعثه بالحق ما زال يرددها على حتى تمنيت أن ما مضى من إسلامي لم يكن، وأنى أسلمت يومئذ ولم أقتله. فقلت إني أعطى الله عهدا أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا، فقال: «بعدي يا أسامة» فقلت بعدك.
قال الامام احمد: حدثنا هشيم بن بشير أنبأنا حصين عن أبى ظبيان قال سمعت أسامة بن زيد يحدث قال بعثنا رسول الله ﷺ الى الحرقة من جهينة، قال فصبحناهم وكان منهم رجل إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، وإذا أدبروا كان حاميتهم، قال فغشيته أنا ورجل من الأنصار، فلما تغشيناه قال لا إله إلا الله فكيف عنه الأنصاري وقتلته، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال «يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟» قال قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا من القتل، قال فكررها على حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت إلا يومئذ. وأخرجه البخاري ومسلم من حديث هشيم به نحوه.
وقال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة عن مسلم بن عبد الله الجهنيّ عن جندب بن مكيث الجهنيّ قال: بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث الى بنى الملوح بالكديد وأمره أن يغير عليهم وكنت في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بالقديد (١) لقينا الحارث بن مالك بن البرصاء الليثي فأخذناه فقال: إني إنما جئت لأسلم، فقال له غالب بن عبد الله إن كنت إنما جئت لتسلم فلا يضيرك رباط يوم وليلة، وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك، قال فأوثقه رباطا وخلف عليه رويجلا أسود كان معنا وقال: أمكث معه حتى نمر عليك فان نازعك فاحتز رأسه. ومضينا حتى
стр. 1262
أتينا بطن الكديد فنزلنا عشية بعد العصر، فبعثني أصحابى اليه فعمدت الى تل يطلعني على الحاضر فانبطحت عليه وذلك قبل غروب الشمس، فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحا على التل فقال لامرأته: إني لأرى سوادا على هذا التل ما رأيته في أول النهار فانظرى لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك؟ فنظرت فقالت والله ما أفقد منها شيئا، قال فناولينى قوسى وسهمين من نبلى فناولته فرماني بسهم في جنبي أو قال في جبيني فنزعته فوضعته ولم أتحرك، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبى فنزعته فوضعته ولم أتحرك، فقال لامرأته أما والله لقد خالطه سهماي ولو كان ريبة لتحرك، فإذا أصبحت فابتغى سهمي فخذيهما لا تمضغهما على الكلاب، قال فأمهلنا حتى إذا راحت روائحهم وحتى احتلبوا وعطنوا وسكنوا وذهبت عتمة من الليل، شننا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا النعم ووجهنا قافلين به وخرج صريخ القوم الى قومهم بقربنا، قال وخرجنا سراعا حتى نمر بالحارث بن مالك بن البرصاء وصاحبه، فانطلقنا به معنا وأتانا صريخ الناس فجاءنا ما لا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم الا بطن الوادي من قديد بعث الله من حيث شاء ماء ما رأينا قبل ذلك مطرا ولا حالا، وجاء بما لا يقدر أحد أن يقدم عليه، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا ما يقدر أحد منهم أن يقدم عليه، ونحن نجدبها أو نحدوها - شك النفيلى - فذهبنا سراعا حتى أسندنا بها في المسلك، ثم حذرنا عنه حتى أعجزنا القوم بما في أيدينا. وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق في روايته عبد الله بن غالب، والصواب غالب بن عبد الله كما تقدم. وذكر الواقدي هذه القصة باسناد آخر وقال فيه: وكان معه من الصحابة مائة وثلاثون رجلا. ثم ذكر البيهقي من طريق الواقدي سرية بشير ابن سعد أيضا الى ناحية خيبر فلقوا جمعا من العرب وغنموا نعما كثيرا، وكان بعثه في هذه السرية بإشارة أبى بكر وعمر ﵄، وكان معه من المسلمين ثلاثمائة رجل ودليله حسيل بن نويرة وهو الّذي كان دليل النبي ﷺ الى خيبر قاله الواقدي.
سرية أبى حدرد الى الغابة
قال يونس عن محمد بن إسحاق: كان من حديث قصة أبى حدرد وغزوته الى الغابة ما حدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم عن أبى حدرد قال: تزوجت امرأة من قومي فأصدقتها مائتي درهم، قال فأتيت رسول الله ﷺ أستعينه على نكاحي فقال «كم أصدقت؟» فقلت مائتي درهم، فقال «سبحان الله والله لو كنتم تأخذونها من واد ما زدتم، والله ما عندي ما أعينك به» فلبثت أياما ثم أقبل رجل من جشم بن معاوية يقال له رفاعة بن قيس - أو قيس بن رفاعة - في بطن عظيم من جشم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة يريد أن يجمع قيسا على محاربة رسول الله ﷺ ، وكان ذا اسم وشرف في جشم، قال فدعاني رسول الله ﷺ ورجلين من المسلمين فقال «اخرجوا الى هذا الرجل
стр. 1263
حتى تأتوا منه بخبر وعلم». وقدم لنا شارفا عجفاء فحمل عليه أحدنا فو الله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت، وقال «تبلغوا على هذه» فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس فكمنت في ناحية وأمرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم وقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في العسكر فكبرا وشدا معى، فو الله إنا كذلك ننتظر أن نرى غرة أو نرى شيئا وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم وتخوفوا عليه، فقام صاحبهم رفاعة بن قيس فأخذ سيفه فجعله في عنقه فقال: والله لأتيقنن أمر راعينا ولقد أصابه شر، فقال نفر ممن معه والله لا تذهب نحن نكفيك، فقال لا إلا أنا، قالوا نحن معك، فقال والله لا يتبعني منكم أحد، وخرج حتى مر بي فلما أمكننى نفحته بسهم فوضعته في فؤاده، فو الله ما تكلم فوثبت اليه فاحتززت رأسه ثم شددت ناحية العسكر وكبرت وشد صاحباي وكبرا، فو الله ما كان إلا النجا ممن كان فيه عندك (١) بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم، واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة فجئنا بها الى رسول الله ﷺ وجئت برأسه أحمله معى، فأعطانى من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرا في صداقي فجمعت إليّ أهلي.
السرية التي قتل فيها محلم بن جثامة عامر بن الأضبط
قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط عن ابن عبد الله بن أبى حدرد عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ الى أضم في نفر من المسلمين منهم، أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم ابن جثامة بن قيس فخرجنا حتى إذا كنا ببطن أضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له معه متيع له ووطب من لبن فسلم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه الخير فنزل فينا القرآن ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ هكذا رواه الامام احمد عن يعقوب عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبى حدرد عن أبيه فذكره.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر سمعت زياد بن ضميرة بن سعد الضمريّ يحدث عن عروة بن الزبير عن أبيه وعن جده قالا - وكانا شهدا حنينا - قالا: فصلّى رسول الله ﷺ صلاة الظهر فقام الى ظل شجرة فقعد فيه فقام اليه عيينة بن بدر فطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعي وهو سيد
стр. 1264
عامر هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا وخمسين إذا رجعنا الى المدينة؟» فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن مثل ما أذاق نسائي، فقال رجل من بنى ليث يقال له ابن مكيتل وهو قصير من الرجال فقال: يا رسول الله ما أجد لهذا القتيل شبها في غرة الإسلام إلا كغنم وردت فشربت (١) أولاها فنفرت أخراها استن اليوم وغير غدا، فقال رسول الله ﷺ «هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيرا الآن وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟» فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية، فقال قوم محلم بن جثامة ايتوا به حتى يستغفر له رسول الله ﷺ قال فجاء رجل طوال ضرب اللحم في حلة قد تهيأ فيها للقتل فقام بين يدي النبي ﷺ فقال النبي ﷺ «اللهمّ لا تغفر لمحلم» قالها ثلاثا، فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه.
قال محمد بن إسحاق: زعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك. وهكذا رواه أبو داود من طريق حماد ابن سلمة عن ابن إسحاق، ورواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن أبى خالد الأحمر عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن زيد بن ضميرة عن أبيه وعمه فذكر بعضه، والصواب كما رواه ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة (٢) عن أبيه وعن جده وهكذا رواه أبو داود من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبى الزناد وعن عبد الرحمن بن الحارث عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة عن أبيه وجده بنحوه كما تقدم.
وقال ابن إسحاق: حدثني سالم أبو النضر أنه قال لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم وقال يا معشر قيس سألكم رسول الله ﷺ قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله ﷺ فيغضب الله لغضبه ويلعنكم رسول الله ﷺ فيلعنكم الله بلعنته لكم، لتسلمنه إلى رسول الله ﷺ أو لآتين بخمسين من بنى تميم كلهم يشهدون أن القتيل كافر ما صلّى قط فلا يطلبن دمه، فلما قال ذلك لهم أخذوا الدية. وهذا منقطع معضل وقد
روى ابن إسحاق عمن لا يتهم عن الحسن البصري أن محلما لما مجلس بين يديه ﵊ قال له «أمنته ثم قتلته؟» ثم دعا عليه، قال الحسن فو الله ما مكث محلم الا سبعا حتى مات فلفظته الأرض ثم دفنوه فلفظته الأرض ثم دفنوه فلفظته الأرض، فرضموا عليه من الحجارة حتى واروه فبلغ رسول الله ﷺ فقال ان الأرض لتطابق على من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم لما أراكم منه»
وقال ابن جرير ثنا وكيع ثنا جرير عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ محلم بن جثامة مبعثا فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإسلام - وكانت بينهم هنة في الجاهلية - فرماه محلم بسهم فقتله فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ فتكلم فيه عيينة والأقرع فقال الأقرع: يا رسول
стр. 1265
الله سن اليوم وغير غدا، فقال عيينة: لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له فقال رسول الله ﷺ «لا غفر الله لك» فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض فجاءوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له فقال «إن الأرض لتقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم» ثم طرحوه في جبل فالقوا عليه من الحجارة ونزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية. وقد ذكره موسى بن عقبة عن الزهري ورواه شعيب عن الزهري عن عبد الله ابن وهب عن قبيصة بن ذؤيب نحو هذه القصة إلا انه لم يسم محلم بن جثامة ولا عامر بن الأضبط وكذلك رواه البيهقي عن الحسن البصري بنحو هذه القصة وقال وفيه نزل قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية.
قلت: وقد تكلمنا في سبب نزول هذه الآية ومعناها في التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة
سرية عبد الله بن حذافة السهمي
ثبت
في الصحيحين من طريق الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن الحبلى عن على بن أبى طالب قال: استعمل النبي ﷺ رجلا من الأنصار على سرية بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال فاغضبوه في شيء فقال أجمعوا لي حطبا فجمعوا فقال أوقدوا نارا فأوقدوا ثم قال ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا بلى قال فادخلوها قال فنظر بعضهم الى بعض وقالوا إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، قال فسكن غضبه وطفئت النار، فلما قدموا على النبي ﷺ ذكروا ذلك له فقال «لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف» وهذه القصة ثابتة أيضا في الصحيحين من طريق يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقد تكلمنا على هذه بما فيه كفاية في التفسير ولله الحمد والمنة بسم الله الرحمن الرحيم
عمرة القضاء
ويقال القصاص ورجحه السهيليّ ويقال عمرة القضية فالأولى قضاء عما كان أحصر عام الحديبيّة والثاني من قوله تعالى ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ والثالث من المقاضاة التي كان قاضاهم عليها على أن يرجع عنهم عامه هذا ثم يأتى في العام القابل ولا يدخل مكة الا في جلبان (١) السلاح وأن لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام وهذه العمرة هي المذكورة في قوله تعالى في سورة الفتح المباركة