← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الى بنى مرة من أرض فدك فاستاق نعمهم، فقاتلوه وقتلوا عامة من معه وصبر هو يومئذ صبرا عظيما، وقاتل قتالا شديدا، ثم لجأ الى فدك فبات بها عند رجل من اليهود، ثم كر راجعا الى المدينة. قال الواقدي: ثم بعث اليهم رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله ومعه جماعة من كبار الصحابة فذكر منهم أسامة بن زيد، وأبا مسعود البدري، وكعب بن عجرة ثم ذكر مقتل أسامة بن زيد لمرداس بن نهيك حليف بنى مرة وقوله حين علاه بالسيف: لا إله إلا الله، وأن الصحابة لاموه على ذلك حتى سقط في يده وندم على ما فعل. وقد ذكر هذه القصة يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن شيخ من بنى سلمة عن رجال من قومه أن رسول الله ﷺ بعث غالب بن عبد الله الكلبي الى أرض بنى مرة فأصاب مرداس بن نهيك [حليفا لهم من الحرقة فقتله أسامة. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة عن أبيه عن جده أسامة بن زيد قال أدركته أنا ورجل من الأنصار - يعنى مرداس بن نهيك -] فلما شهرنا عليه السيف قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه فقال: «يا أسامة من لك بلا إله إلا الله» فقلت يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل، قال «فمن لك يا أسامة بلا إله إلا الله» فو الّذي بعثه بالحق ما زال يرددها على حتى تمنيت أن ما مضى من إسلامي لم يكن، وأنى أسلمت يومئذ ولم أقتله. فقلت إني أعطى الله عهدا أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا، فقال: «بعدي يا أسامة» فقلت بعدك. قال الامام احمد: حدثنا هشيم بن بشير أنبأنا حصين عن أبى ظبيان قال سمعت أسامة بن زيد يحدث قال بعثنا رسول الله ﷺ الى الحرقة من جهينة، قال فصبحناهم وكان منهم رجل إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، وإذا أدبروا كان حاميتهم، قال فغشيته أنا ورجل من الأنصار، فلما تغشيناه قال لا إله إلا الله فكيف عنه الأنصاري وقتلته، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال «يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟» قال قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا من القتل، قال فكررها على حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت إلا يومئذ. وأخرجه البخاري ومسلم من حديث هشيم به نحوه. وقال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة عن مسلم بن عبد الله الجهنيّ عن جندب بن مكيث الجهنيّ قال: بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث الى بنى الملوح بالكديد وأمره أن يغير عليهم وكنت في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بالقديد (١) لقينا الحارث بن مالك بن البرصاء الليثي فأخذناه فقال: إني إنما جئت لأسلم، فقال له غالب بن عبد الله إن كنت إنما جئت لتسلم فلا يضيرك رباط يوم وليلة، وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك، قال فأوثقه رباطا وخلف عليه رويجلا أسود كان معنا وقال: أمكث معه حتى نمر عليك فان نازعك فاحتز رأسه. ومضينا حتى

стр. 1262

أتينا بطن الكديد فنزلنا عشية بعد العصر، فبعثني أصحابى اليه فعمدت الى تل يطلعني على الحاضر فانبطحت عليه وذلك قبل غروب الشمس، فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحا على التل فقال لامرأته: إني لأرى سوادا على هذا التل ما رأيته في أول النهار فانظرى لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك؟ فنظرت فقالت والله ما أفقد منها شيئا، قال فناولينى قوسى وسهمين من نبلى فناولته فرماني بسهم في جنبي أو قال في جبيني فنزعته فوضعته ولم أتحرك، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبى فنزعته فوضعته ولم أتحرك، فقال لامرأته أما والله لقد خالطه سهماي ولو كان ريبة لتحرك، فإذا أصبحت فابتغى سهمي فخذيهما لا تمضغهما على الكلاب، قال فأمهلنا حتى إذا راحت روائحهم وحتى احتلبوا وعطنوا وسكنوا وذهبت عتمة من الليل، شننا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا النعم ووجهنا قافلين به وخرج صريخ القوم الى قومهم بقربنا، قال وخرجنا سراعا حتى نمر بالحارث بن مالك بن البرصاء وصاحبه، فانطلقنا به معنا وأتانا صريخ الناس فجاءنا ما لا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم الا بطن الوادي من قديد بعث الله من حيث شاء ماء ما رأينا قبل ذلك مطرا ولا حالا، وجاء بما لا يقدر أحد أن يقدم عليه، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا ما يقدر أحد منهم أن يقدم عليه، ونحن نجدبها أو نحدوها - شك النفيلى - فذهبنا سراعا حتى أسندنا بها في المسلك، ثم حذرنا عنه حتى أعجزنا القوم بما في أيدينا. وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق في روايته عبد الله بن غالب، والصواب غالب بن عبد الله كما تقدم. وذكر الواقدي هذه القصة باسناد آخر وقال فيه: وكان معه من الصحابة مائة وثلاثون رجلا. ثم ذكر البيهقي من طريق الواقدي سرية بشير ابن سعد أيضا الى ناحية خيبر فلقوا جمعا من العرب وغنموا نعما كثيرا، وكان بعثه في هذه السرية بإشارة أبى بكر وعمر ﵄، وكان معه من المسلمين ثلاثمائة رجل ودليله حسيل بن نويرة وهو الّذي كان دليل النبي ﷺ الى خيبر قاله الواقدي. سرية أبى حدرد الى الغابة قال يونس عن محمد بن إسحاق: كان من حديث قصة أبى حدرد وغزوته الى الغابة ما حدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم عن أبى حدرد قال: تزوجت امرأة من قومي فأصدقتها مائتي درهم، قال فأتيت رسول الله ﷺ أستعينه على نكاحي فقال «كم أصدقت؟» فقلت مائتي درهم، فقال «سبحان الله والله لو كنتم تأخذونها من واد ما زدتم، والله ما عندي ما أعينك به» فلبثت أياما ثم أقبل رجل من جشم بن معاوية يقال له رفاعة بن قيس - أو قيس بن رفاعة - في بطن عظيم من جشم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة يريد أن يجمع قيسا على محاربة رسول الله ﷺ ، وكان ذا اسم وشرف في جشم، قال فدعاني رسول الله ﷺ ورجلين من المسلمين فقال «اخرجوا الى هذا الرجل

стр. 1263

حتى تأتوا منه بخبر وعلم». وقدم لنا شارفا عجفاء فحمل عليه أحدنا فو الله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت، وقال «تبلغوا على هذه» فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس فكمنت في ناحية وأمرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم وقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في العسكر فكبرا وشدا معى، فو الله إنا كذلك ننتظر أن نرى غرة أو نرى شيئا وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم وتخوفوا عليه، فقام صاحبهم رفاعة بن قيس فأخذ سيفه فجعله في عنقه فقال: والله لأتيقنن أمر راعينا ولقد أصابه شر، فقال نفر ممن معه والله لا تذهب نحن نكفيك، فقال لا إلا أنا، قالوا نحن معك، فقال والله لا يتبعني منكم أحد، وخرج حتى مر بي فلما أمكننى نفحته بسهم فوضعته في فؤاده، فو الله ما تكلم فوثبت اليه فاحتززت رأسه ثم شددت ناحية العسكر وكبرت وشد صاحباي وكبرا، فو الله ما كان إلا النجا ممن كان فيه عندك (١) بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم، واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة فجئنا بها الى رسول الله ﷺ وجئت برأسه أحمله معى، فأعطانى من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرا في صداقي فجمعت إليّ أهلي. السرية التي قتل فيها محلم بن جثامة عامر بن الأضبط قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط عن ابن عبد الله بن أبى حدرد عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ الى أضم في نفر من المسلمين منهم، أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم ابن جثامة بن قيس فخرجنا حتى إذا كنا ببطن أضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له معه متيع له ووطب من لبن فسلم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه الخير فنزل فينا القرآن ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ هكذا رواه الامام احمد عن يعقوب عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبى حدرد عن أبيه فذكره. قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر سمعت زياد بن ضميرة بن سعد الضمريّ يحدث عن عروة بن الزبير عن أبيه وعن جده قالا - وكانا شهدا حنينا - قالا: فصلّى رسول الله ﷺ صلاة الظهر فقام الى ظل شجرة فقعد فيه فقام اليه عيينة بن بدر فطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعي وهو سيد

стр. 1264

عامر هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا وخمسين إذا رجعنا الى المدينة؟» فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن مثل ما أذاق نسائي، فقال رجل من بنى ليث يقال له ابن مكيتل وهو قصير من الرجال فقال: يا رسول الله ما أجد لهذا القتيل شبها في غرة الإسلام إلا كغنم وردت فشربت (١) أولاها فنفرت أخراها استن اليوم وغير غدا، فقال رسول الله ﷺ «هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيرا الآن وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟» فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية، فقال قوم محلم بن جثامة ايتوا به حتى يستغفر له رسول الله ﷺ قال فجاء رجل طوال ضرب اللحم في حلة قد تهيأ فيها للقتل فقام بين يدي النبي ﷺ فقال النبي ﷺ «اللهمّ لا تغفر لمحلم» قالها ثلاثا، فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه. قال محمد بن إسحاق: زعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك. وهكذا رواه أبو داود من طريق حماد ابن سلمة عن ابن إسحاق، ورواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن أبى خالد الأحمر عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن زيد بن ضميرة عن أبيه وعمه فذكر بعضه، والصواب كما رواه ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة (٢) عن أبيه وعن جده وهكذا رواه أبو داود من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبى الزناد وعن عبد الرحمن بن الحارث عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة عن أبيه وجده بنحوه كما تقدم. وقال ابن إسحاق: حدثني سالم أبو النضر أنه قال لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم وقال يا معشر قيس سألكم رسول الله ﷺ قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله ﷺ فيغضب الله لغضبه ويلعنكم رسول الله ﷺ فيلعنكم الله بلعنته لكم، لتسلمنه إلى رسول الله ﷺ أو لآتين بخمسين من بنى تميم كلهم يشهدون أن القتيل كافر ما صلّى قط فلا يطلبن دمه، فلما قال ذلك لهم أخذوا الدية. وهذا منقطع معضل وقد روى ابن إسحاق عمن لا يتهم عن الحسن البصري أن محلما لما مجلس بين يديه ﵊ قال له «أمنته ثم قتلته؟» ثم دعا عليه، قال الحسن فو الله ما مكث محلم الا سبعا حتى مات فلفظته الأرض ثم دفنوه فلفظته الأرض ثم دفنوه فلفظته الأرض، فرضموا عليه من الحجارة حتى واروه فبلغ رسول الله ﷺ فقال ان الأرض لتطابق على من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم لما أراكم منه» وقال ابن جرير ثنا وكيع ثنا جرير عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ محلم بن جثامة مبعثا فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإسلام - وكانت بينهم هنة في الجاهلية - فرماه محلم بسهم فقتله فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ فتكلم فيه عيينة والأقرع فقال الأقرع: يا رسول

стр. 1265

الله سن اليوم وغير غدا، فقال عيينة: لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له فقال رسول الله ﷺ «لا غفر الله لك» فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض فجاءوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له فقال «إن الأرض لتقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم» ثم طرحوه في جبل فالقوا عليه من الحجارة ونزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية. وقد ذكره موسى بن عقبة عن الزهري ورواه شعيب عن الزهري عن عبد الله ابن وهب عن قبيصة بن ذؤيب نحو هذه القصة إلا انه لم يسم محلم بن جثامة ولا عامر بن الأضبط وكذلك رواه البيهقي عن الحسن البصري بنحو هذه القصة وقال وفيه نزل قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية. قلت: وقد تكلمنا في سبب نزول هذه الآية ومعناها في التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة سرية عبد الله بن حذافة السهمي ثبت في الصحيحين من طريق الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن الحبلى عن على بن أبى طالب قال: استعمل النبي ﷺ رجلا من الأنصار على سرية بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال فاغضبوه في شيء فقال أجمعوا لي حطبا فجمعوا فقال أوقدوا نارا فأوقدوا ثم قال ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا بلى قال فادخلوها قال فنظر بعضهم الى بعض وقالوا إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، قال فسكن غضبه وطفئت النار، فلما قدموا على النبي ﷺ ذكروا ذلك له فقال «لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف» وهذه القصة ثابتة أيضا في الصحيحين من طريق يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقد تكلمنا على هذه بما فيه كفاية في التفسير ولله الحمد والمنة بسم الله الرحمن الرحيم عمرة القضاء ويقال القصاص ورجحه السهيليّ ويقال عمرة القضية فالأولى قضاء عما كان أحصر عام الحديبيّة والثاني من قوله تعالى ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ والثالث من المقاضاة التي كان قاضاهم عليها على أن يرجع عنهم عامه هذا ثم يأتى في العام القابل ولا يدخل مكة الا في جلبان (١) السلاح وأن لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام وهذه العمرة هي المذكورة في قوله تعالى في سورة الفتح المباركة

стр. 1266

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ﴾ الآية وقد تكلمنا عليها مستقصى في كتابنا التفسير بما فيه كفاية وهي الموعود بها في قوله ﵊ لعمر بن الخطاب حين قال له ألم تكن تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال «بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟» قال لا قال «فإنك آتيه ومطوف به» وهي المشار اليها في قول عبد الله بن رواحة حين دخل بين يدي رسول الله ﷺ الى مكة يوم عمرة القضاء وهو يقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تأويله كما ضربنا كم على تنزيله أي هذا تأويل الرؤيا التي كان رآها رسول الله ﷺ جاءت مثل فلق الصبح. قال ابن إسحاق: فلما رجع رسول الله ﷺ من خيبر الى المدينة أقام بها شهري ربيع وجماديين ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوالا يبعث فيما بين ذلك سراياه ثم خرج من ذي القعدة في الشهر الّذي صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عويف بن الأضبط الدئلي ويقال لها عمرة القصاص لأنهم صدوا رسول الله ﷺ في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست فاقتص رسول الله ﷺ منهم فدخل مكة في ذي القعدة في الشهر الحرام الّذي صدوه فيه من سنة سبع، بلغنا عن ابن عباس أنه قال فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ وقال معتمر بن سليمان عن أبيه في مغازيه لما رجع رسول الله ﷺ من خيبر أقام بالمدينة وبعث سراياه حتى استهل ذي القعدة فنادى في الناس أن تجهزوا للعمرة فتجهزوا وخرجوا الى مكة. وقال ابن إسحاق: وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته تلك وهي سنة سبع فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه وتحدثت قريش بينها أن محمدا في عسرة وجهد وشدة. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن عباس قال: صفوا له عند دار الندوة لينظروا اليه والى أصحابه فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال «رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة» ثم استلم الركن ثم خرج يهرول ويهرول أصحابه معه حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم وذلك أن رسول الله ﷺ إنما صنعها لهذا الحي من قريش للذي بلغه عنهم حتى حج حجة الوداع فلزمها فمضت السنة بها. وقال البخاري ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد - هو ابن زيد - عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه فقال المشركون إنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب فأمرهم النبي ﷺ

стр. 1267

أن يرملوا الأشواط الثلاث وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. قال أبو عبد الله ورواه أبو سلمة - يعنى حماد بن سلمة - عن أيوب عن سعيد عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ لعامهم الّذي استأمن قال «ارملوا ليرى [المشركون قوتكم» و] المشركين من قبل قعيقعان. ورواه مسلم عن أبى الربيع الزهراني عن حماد بن زيد وأسند البيهقي طريق حماد بن سلمة. وقال البخاري ثنا على بن عبد الله ثنا سفيان ثنا إسماعيل بن أبى خالد سمع بن أبى أو في يقول: لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوا رسول الله ﷺ وسيأتي بقية الكلام على هذا المقام قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر أن رسول الله ﷺ حين دخل مكة في تلك العمرة دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته يقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله … خلوا فكل الخير في رسوله يا رب إني مؤمن بقيله … أعرف حق الله في قبوله نحن قتلنا كم على تأويله … كما قتلناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله قال ابن هشام: نحن قتلنا كم على تأويله الى آخر الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم - يعنى يوم صفين - قاله السهيليّ. قال ابن هشام: والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين والمشركون لم يقروا بالتنزيل وإنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل، وفيما قاله ابن هشام نظر فان الحافظ البيهقي روى من غير وجه عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس قال: لما دخل النبي ﷺ مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وفي رواية وهو آخذ بغرزه وهو يقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله … قد نزل الرحمن في تنزيله بأن خير القتل في سبيله … نحن قتلناكم على تأويله وفي رواية بهذا الاسناد بعينه: خلوا بنى الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله يا رب إني مؤمن بقيله وقال يونس بن بكير عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم ان رسول الله ﷺ دخل عام القضية مكة فطاف بالبيت على ناقته واستلم الركن بمحجنه. قال ابن هشام من غير علة، والمسلمون

стр. 1268

تشتدون حوله وعبد الله بن رواحة يقول: بسم الّذي لا دين إلا دينه … بسم الّذي محمد رسوله خلوا بنى الكفار عن سبيله قال موسى بن عقبة عن الزهري: ثم خرج رسول الله ﷺ من العام القابل من عام الحديبيّة معتمرا في ذي القعدة سنة سبع وهو الشهر الّذي صده المشركون عن المسجد الحرام حتى إذا بلغ يأجج وضع الاداة كلها الحجف والمجان والرماح والنبل ودخلوا بسلاح الراكب السيوف وبعث رسول الله ﷺ بين يديه جعفر بن أبى طالب الى ميمونة بنت الحارث العامرية فحطبها عليه فجعلت أمرها إلى العباس وكان تحته أختها أم الفضل بنت الحارث فزوجها العباس رسول الله ﷺ فلما قدم رسول الله ﷺ أمر أصحابه قال «اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف» ليرى المشركون جلدهم وقوتهم وكان يكايدهم بكل ما استطاع فاستكف أهل مكة الرجال والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يطوفون بالبيت وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله ﷺ متوشحا بالسيف وهو يقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله … أنا الشهيد أنه رسوله قد أنزل الرحمن في تنزيله … في صحف تتلى على رسوله فاليوم نضربكم على تأويله … كما ضربنا كم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله قال: وتغيب رجال من أشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول الله ﷺ غيظا وحنقا، ونفاسة وحسدا، وخرجوا الى الخندمة فقام رسول الله ﷺ بمكة وأقام ثلاث ليال، وكان ذلك آخر القضية يوم الحديبيّة، فلما أتى الصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ورسول الله ﷺ في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة فصاح حويطب بن عبد العزى: نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث، فقال سعد بن عبادة: كذبت لا أم لك ليس بأرضك ولا بأرض آبائك والله لا يخرج، ثم نادى رسول الله ﷺ سهيلا وحويطبا فقال: «إني قد نكحت فيكم امرأة فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا» فقالوا نناشدك الله والعقد إلا خرجت عنا، فأمر رسول الله ﷺ أبا رافع فأذن بالرحيل، وركب رسول الله ﷺ حتى نزل ببطن سرف وأقام المسلمون وخلف رسول الله ﷺ أبا رافع ليحمل ميمونة، وأقام بسرف حتى قدمت عليه ميمونة وقد لقيت ميمونة ومن معها عناء

стр. 1269

وأذى من سفهاء المشركين ومن صبيانهم، فقدمت على رسول الله ﷺ بسرف فبنى بها ثم أدلج فسار حتى أتى المدينة، وقدر الله أن يكون موت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين، فماتت حيث بنى بها رسول الله ﷺ . ثم ذكر قصة ابنة حمزة إلى أن قال: وأنزل الله في تلك العمرة ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فاعتمر رسول الله ﷺ في الشهر الحرام الّذي صدّ فيه. وقد روى ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير نحوا من هذا السياق، ولهذا السياق شواهد كثيرة من أحاديث متعددة ففي صحيح البخاري من طريق فليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ولا يحمل سلاحا إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج. وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: لم تكن هذه عمرة قضاء وإنما كانت شرطا على المسلمين أن يعتمروا من قابل في الشهر الّذي صدهم فيه المشركون وقال أبو داود ثنا النفيلى ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن ميمون سمعت أبا حاضر الحميري يحدث أن ميمون بن مهران قال: خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة وبعث معى رجال من قومي بهدى، قال فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم، قال فنحرت الهدى مكاني ثم أحللت ثم رجعت، فلما كان من العام المقبل خرجت لا قضى عمرتي فأتيت ابن عباس فسألته فقال: أبدل الهدى فان رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يبدلوا الهدى الّذي نحروا عام الحديبيّة في عمرة القضاء. تفرد به أبو داود من حديث أبى حاضر عثمان بن حاضر الحميري عن ابن عباس فذكره. وقال الحافظ البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأنا الأصم ثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني عمرو بن ميمون قال: كان أبى يسأل كثيرا أهل كان رسول الله ﷺ أبدل هديه الّذي نحر حين صده المشركون عن البيت؟ ولا يجد في ذلك شيئا، حتى سمعته يسأل أبا حاضر الحميري عن ذلك فقال له: على الخبير سقطت، حججت عام ابن الزبير في الحصر الأول فأهديت هديا فحالوا بيننا وبين البيت، فنحرت في الحرم ورجعت الى اليمن وقلت لي برسول الله ﷺ أسوة، فلما كان العام المقبل حججت فلقيت ابن عباس فسألته عما نحرت عليّ بدله أم لا؟ قال نعم فأبدل، فان رسول الله ﷺ وأصحابه قد أبدلوا الهدى الّذي نحروا عام صدهم المشركون فأبدلوا ذلك في عمرة القضاء، فعزت الإبل عليهم فرخص لهم رسول الله ﷺ في البقر. وقال الواقدي: حدثني غانم بن أبى غانم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: جعل رسول الله ﷺ ناجية بن جندب الأسلمي على هديه يسير بالهدى أمامه يطلب الرعي في الشجر معه أربعة

стр. 1270

فتيان من أسلم، وقد ساق رسول الله ﷺ في عمرة القضية ستين بدنة. فحدثني محمد بن نعيم المجمر عن أبيه عن أبى هريرة قال: كنت مع صاحب البدن أسوقها. قال الواقدي وسار رسول الله ﷺ يلبى والمسلمون معه يلبون، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل الى مر الظهران فيجد بها نفرا من قريش، فسألوا محمد بن مسلمة؟ فقال هذا رسول الله ﷺ يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله، ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا فأخبروهم بالذي رأوا من السلاح والخيل، ففزعت قريش وقالوا والله ما أحدثنا حدثا وإنا على كتابنا وهدنتنا ففيم يغزونا محمد في أصحابه؟ ونزل رسول الله ﷺ مر الظهران، وقدم رسول الله ﷺ السلاح الى بطن يأجج حيث ينظر الى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من قريش حتى لقوة ببطن يأجج ورسول الله ﷺ في أصحابه والهدى والسلاح قد تلاحقوا، فقالوا يا محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك وقد شرطت لهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر السيوف في القرب، فقال النبي ﷺ «إني لا أدخل عليهم السلاح» فقال مكرز بن حفص: هذا الّذي تعرف به البر والوفاء، ثم رجع سريعا بأصحابه إلى مكة. فلما أن جاء مكرز بن حفص بخبر النبي ﷺ خرجت قريش من مكة الى رءوس الجبال وخلوا مكة وقالوا لا ننظر اليه ولا إلى أصحابه، فامر رسول الله ﷺ بالهدى أمامه حتى حبس بذي طوى، وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه وهو على ناقته القصواء وهم محدقون به يلبون وهم متوشحون السيوف، فلما انتهى إلى ذي طوى وقف على ناقته القصواء وابن رواحة آخذ بزمامها وهو يرتجز بشعره ويقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله إلى آخره وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة - يعنى من ذي القعدة سنة سبع - فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب، فأمر رسول الله ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنتين، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. قال الإمام احمد: حدثنا محمد بن الصباح ثنا إسماعيل بن زكريا عن عبد الله ابن عثمان عن أبى الطفيل عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما نزل مر الظهران من عمرته بلغ أصحاب رسول الله ﷺ أن قريشا تقول: ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحومه وحسونا من مرقة أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة، فقال «لا تفعلوا ولكن أجمعوا لي من أزوادكم فجمعوا له وبسطوا الأنطاع فأكلوا حتى تركوا، وحشى كل واحد منهم في جرابه، ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر، فاضطبع بردائه ثم قال «لا يرى القوم فيكم غميزة» فاستلم الركن ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى الى الركن

стр. 1271

الأسود، فقالت قريش: ما يرضون بالمشي أما أنهم لينفرون نفر الظباء، ففعل ذلك ثلاثة أطواف فكانت سنة. قال أبو الطفيل: وأخبرنى ابن عباس أن رسول الله ﷺ فعل ذلك في حجة الوداع. تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال أبو داود ثنا أبو سلمة موسى ثنا حماد - يعنى ابن سلمة - أنبأنا أبو عاصم الغنوي عن أبى الطفيل قال قلت لابن عباس يزعم قومك أن رسول الله ﷺ قد رمل بالبيت وأن ذلك سنّة؟ فقال: صدقوا وكذبوا، قلت ما صدقوا وما كذبوا؟ قال صدقوا رمل رسول الله ﷺ ، وكذبوا ليس بسنة، إن قريشا زمن الحديبيّة قالت دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف، فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام فقدم رسول الله ﷺ والمشركون من قبل قعيقعان، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه «ارملوا بالبيت ثلاثا» قال وليس بسنة. وقد رواه مسلم من حديث سعيد الجريريّ وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبى حسين وعبد الملك بن سعيد بن أبجر ثلاثتهم عن أبى الطفيل عامر بن وائلة عن ابن عباس به نحوه. وكون الرمل في الطواف سنة مذهب الجمهور، فان رسول الله ﷺ رمل في عمرة القضاء وفي عمرة الجعرانة أيضا كما رواه أبو داود وابن ماجة من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبى الطفيل عن ابن عباس فذكره. وثبت في حديث جابر عند مسلم وغيره أنه ﵇ رمل في حجة الوداع في الطواف، ولهذا قال عمر بن الخطاب فيم الرملان وقد أطال الله الإسلام؟ ومع هذا لا نترك شيئا فعله رسول الله ﷺ ، وموضع تقرير هذا كتاب الأحكام. وكان ابن عباس في المشهور عنه لا يرى ذلك سنة كما ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال: إنما سعى النبي ﷺ بالبيت وبالصفا والمروة ليرى المشركين قوته. لفظ البخاري. وقال الواقدي: لما قضى رسول الله ﷺ نسكه في القضاء دخل البيت فلم يزل فيه حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة، وكان رسول الله ﷺ أمره بذلك، فقال عكرمة بن أبى جهل: لقد أكرم الله أبا الحكم حين لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول!! وقال صفوان بن أمية: الحمد لله الّذي أذهب أبى قبل أن يرى هذا. وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الّذي أمات أبى ولم يشهد هذا اليوم حتى يقوم بلال ينهق فوق البيت. وأما سهيل بن عمرو ورجال معه لما سمعوا بذلك غطوا وجوههم. قال الحافظ البيهقي: قد أكرم الله أكثرهم بالإسلام. قلت: كذا ذكره البيهقي من طريق الواقدي أن هذا كان في عمرة القضاء، والمشهور أن ذلك كان في عام الفتح والله أعلم.

стр. 1272

وأما قصة تزويجه ﵇ بميمونة فقال ابن إسحاق: حدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبى نجيح عن عطاء ومجاهد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام، وكان الّذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب. قال ابن هشام: كانت جعلت أمرها الى أختها أم الفضل، فجعلت أم الفضل أمرها إلى زوجها العباس، فزوجها رسول الله ﷺ وأصدقها عنه أربعمائة درهم. وذكر السهيليّ أنه لما انتهت اليها خطبة رسول الله ﷺ لها وهي راكبة بعيرا قالت: الجمل وما عليه لرسول الله ﷺ . قال وفيها نزلت الآية ﴿وَاِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقد روى البخاري من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف. قال البيهقي (١): وروى الدارقطنيّ من طريق أبى الأسود يتيم عروة ومن طريق مطر الورّاق عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال. قال وتأولوا رواية ابن عباس الأولى أنه كان محرما أي في شهر حرام كما قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما … فدعا فلم أر مثله مخذولا أي في شهر حرام. قلت: وفي هذا التأويل نظر، لأن الرواية متظافرة عن ابن عباس بخلاف ذلك ولا سيما قوله تزوجها وهو محرم وبنى بها وهو حلال، وقد كان في شهر ذي القعدة أيضا وهو شهر حرام. وقال محمد بن يحيى الذهلي: ثنا عبد الرزاق قال قال لي الثوري: لا يلتفت إلى قول أهل المدينة. أخبرنى عمرو عن أبى الشعثاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج وهو محرم، قال أبو عبد الله قلت لعبد الرزاق روى سفيان الحديثين جميعا عن عمرو عن أبى الشعثاء عن ابن عباس وابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس؟ قال نعم أما حديث ابن خثيم فحدثنا هاهنا - يعنى باليمن - وأما حديث عمرو فحدثنا ثم - يعنى بمكة - وأخرجاه في الصحيحين من حديث عمرو بن دينار به. وفي صحيح البخاري من طريق الأوزاعي أنبأنا عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. فقال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها إلا بعد ما أحل. وقال يونس عن ابن إسحاق حدثني بقية عن سعيد بن المسيب أنه قال: هذا عبد الله بن عباس يزعم أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم فذكر كلمته، إنما قدم رسول الله ﷺ مكة فكان الحل والنكاح جميعا فشبه ذلك على ابن عباس. وروى مسلم وأهل السنن من طرق عن

стр. 1273

يزيد بن الأصم العامري عن خالته ميمونة بنت الحارث قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلال بسرف. لكن قال الترمذي: روى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الأصم مرسلا أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة. وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصفهانيّ الزاهد ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد ثنا مطر الوراق عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبى رافع قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما. وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن حماد بن زيد به، ثم قال الترمذي حسن ولا نعلم أحدا أسنده عن حماد عن مطر ورواه مالك عن ربيعة عن سليمان مرسلا، ورواه سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلا قلت: وكانت وفاتها بسرف سنة ثلاث وستين ويقال سنة ستين ﵂ ذكر خروجه ﵇ من مكة بعد قضاء عمرته قد تقدم ما ذكره موسى بن عقبة أن قريشا بعثوا اليه حويطب بن عبد العزى بعد مضى أربعة أيام (١) ليرحل عنهم كما وقع به الشرط، فعرض عليهم أن يعمل وليمة عرسه بميمونة عندهم وإنما أراد تأليفهم بذلك فأبوا عليه وقالوا بل اخرج عنا، فخرج وكذلك ذكره ابن إسحاق (١) وقال البخاري حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، قالوا لا نقر بهذا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ولكن أنت محمد بن عبد الله قال «أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله» ثم قال لعلى ابن أبى طالب «أمح رسول الله» قال لا والله لا أمحوك أبدا، فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله لا يدخل مكة إلا السيف في القراب وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدا أراد ان يقيم بها، فلما دخل ومضى الأجل أتوا عليا فقالوا قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادى يا عم يا عم فتناولها على فأخذ بيدها وقال لفاطمة دونك ابنة عمك، فحملتها فاختصم فيها على وزيد وجعفر فقال على: أنا أخذتها وهي ابنة عمى وقال جعفر: ابنة عمى وخالتها تحتى، وقال زيد: ابنة أخى فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال «الخالة بمنزلة الأم» وقال لعلى «أنت منى وأنا منك» وقال لجعفر «أشبهت خلقي وخلقي» وقال لزيد «أنت أخونا ومولانا» قال على ألا تتزوج ابنة حمزة، قال «إنها ابنة أخى من الرضاعة».

стр. 1274

تفرد به البخاري من هذا الوجه وقد روى الواقدي قصة ابنة حمزة فقال حدثني ابن أبى حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن عمارة ابنة حمزة بن عبد المطلب وأمها سلمى بنت عميس كانت بمكة، فلما قدم رسول الله ﷺ كلم على بن أبى طالب رسول الله ﷺ فقال: علام نترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين؟ فلم ينه النبي ﷺ عن إخراجها، فخرج بها فتكلم زيد بن حارثة وكان وصى حمزة، وكان النبي ﷺ قد آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين، فقال أنا أحق بها ابنة أخى، فلما سمع بذلك جعفر قال الخالة والدة وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميس وقال على: ألا أراكم تختصمون هي ابنة عمى وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين. وليس لكم اليها سبب دوني وأنا أحق بها منكم فقال النبي ﷺ «أنا أحكم بينكم، أما أنت يا زيد فمولى الله ومولى رسول الله، وأما أنت يا جعفر فتشبه خلقي وخلقي، وأنت يا جعفر أولى بها تحتك خالتها ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على عمتها» فقضى بها لجعفر. قال الواقدي: فلما قضى بها لجعفر قام جعفر فحجل حول رسول الله ﷺ ، فقال «ما هذا يا جعفر؟» فقال يا رسول الله كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله، فقال للنّبيّ ﷺ تزوجها فقال «ابنة أخى من الرضاعة» فزوجها رسول الله ﷺ سلمة بن أبى سلمة، فكان النبي ﷺ يقول «هل جزيت أبا سلمة». قلت: لانه ذكر الواقدي وغيره أنه هو الّذي زوج رسول الله ﷺ بامه أم سلمة، لانه كان أكبر من أخيه عمر بن أبى سلمة والله أعلم. قال ابن إسحاق: ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة في ذي الحجة، وتولى المشركون تلك الحجة. قال ابن هشام: وأنزل الله في هذه العمرة فيما حدثني أبو عبيدة قوله تعالى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [يعنى خيبر]. فصل ذكر البيهقي هاهنا سرية ابن أبى العوجاء السلمي الى بنى سليم، ثم ساق بسنده عن الواقدي حدثني محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزهري قال: لما رجع رسول الله ﷺ من عمرة القضية رجع في ذي الحجة من سنة سبع، فبعث ابن أبى العوجاء السلمي في خمسين فارسا فخرج العين إلى قومه فحذرهم وأخبرهم فجمعوا جمعا كثيرا وجاءهم ابن أبى العوجاء والقوم معدون، فلما أن رأوهم أصحاب رسول الله ﷺ ورأوا جمعهم دعوهم إلى الإسلام، فرشقوهم بالنبل ولم يسمعوا قولهم وقالوا لا حاجة لنا إلى ما دعوتم اليه فرموهم ساعة وجعلت الامداد تأتى حتى أحدقوا بهم من كل جانب، فقاتل

стр. 1275

القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم، وأصيب ابن أبى العوجاء بجراحات كثيرة فتحامل حتى رجع الى المدينة بمن بقي معه من أصحابه في أول يوم من شهر صفر سنة ثمان. فصل: قال الواقدي في الحجة من هذه السنة - يعنى سنة سبع - رد رسول الله ﷺ ابنته زينب على زوجها أبى العاص بن الربيع وقد قدمنا الكلام على ذلك، وفيها قدم حاطب بن أبى بلتعة من عند المقوقس ومعه مارية وسيرين وقد اسلمتا في الطريق، وغلام خصى. قال الواقدي: وفيها اتخذ رسول الله ﷺ منبره درجتين ومقعده، قال والثبت عندنا أنه عمل في سنة ثمان. بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن بحولك وقوتك سنة ثمان من الهجرة النبويّة فصل في إسلام عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة بن أبى طلحة ﵃ وكان قدومهم في أوائل سنة ثمان على ما سيأتي قد تقدم طرف من ذلك فيما ذكره ابن إسحاق بعد مقتل أبى رافع اليهودي (١) وذلك في سنة خمس من الهجرة، وإنما ذكره الحافظ البيهقي هاهنا بعد عمرة القضاء فروى من طريق الواقدي أنبأنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال عمرو بن العاص: كنت للإسلام مجانبا معاندا، حضرت بدرا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أحدا فنجوت، ثم حضرت الخندق فنجوت، قال فقلت في نفسي كم أوضع والله ليظهرن محمدا على قريش فلحقت بمالي بالرهط وأقللت من الناس - أي من لقائهم - فلما حضر الحديبيّة وانصرف رسول الله ﷺ في الصلح، ورجعت قريش إلى مكة، جعلت أقول يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه ما مكة بمنزل ولا الطائف، ولا شيء خير من الخروج، وأنا بعد نائى عن الإسلام، وأرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم، فقدمت مكة وجمعت رجالا من قومي وكانوا يرون رأيي ويسمعون منى ويقدمونني فيما نابهم، فقلت لهم كيف أنا فيكم؟ قالوا ذو رأينا ومدرهنا في يمن نفسه وبركة أمر، قالت قلت تعلمون أنى والله لأرى أمر محمد أمرا يعلو الأمور علوا منكرا، وإني قد رأيت رأيا قالوا وما هو؟ قلت نلحق بالنجاشي فنكون معه، فان يظهر محمد كنا عند النجاشي

стр. 1276

نكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا، قالوا هذا الرأى. قال قلت فاجمعوا ما نهديه له - وكان أحب ما يهدى اليه من أرضنا الأدم - فحملنا أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا على النجاشي، فو الله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمريّ وكان رسول الله ﷺ قد بعثه بكتاب كتبه يزوجه أم حبيبة بنت أبى سفيان، (١) فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية ولو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سرت قريش وكنت قد أجزأت عنها حتى قتلت رسول محمد، فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع، فقال مرحبا بصديقى أهديت لي من بلادك شيئا؟ قال قلت نعم أيها الملك أهديت لك أدما كثيرا ثم قدمته فأعجبه وفرق منه شيئا بين بطارقته وأمر بسائره فادخل في موضع وأمر أن يكتب ويحتفظ به، فلما رأيت طيب نفسه قلت أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول عدو لنا قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا فأعطنيه فأقتله، فغضب من ذلك ورفع يده فضرب بها أنفى ضربة ظننت أنه كسره، فابتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابى فأصابني من الذل ما لو انشقت بى الأرض دخلت فيها فرقا منه، ثم قلت أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك، قال فاستحيا وقال: يا عمرو تسألنى أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الّذي كان يأتى موسى والّذي كان يأتى عيسى لتقتله؟ قال عمرو فغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي عرف هذا الحق والعرب والعجم وتخالف أنت ثم قلت أتشهد أيها الملك بهذا؟ قال نعم أشهد به عند الله يا عمرو فأطعنى واتبعه فو الله إنه لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قلت أتبايعنى له على الإسلام؟ قال نعم فبسط يده فبايعني على الإسلام، ثم دعا بطست فغسل عنى الدم وكساني ثيابا - وكانت ثيابي قد امتلأت بالدم فألقيتها - ثم خرجت على أصحابى فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك وقالوا هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم كرهت أن أكلمه في أول مرة وقلت أعود اليه، فقالوا الرأى ما رأيت. قال ففارقتهم وكأنى أعمد الى حاجة فعمدت الى موضع السفن فأجد سفينة قد شحنت تدفع، قال فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا الى الشعبة وخرجت من السفينة ومعى نفقة، فابتعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى مررت على مر الظهران، ثم مضيت حتى إذا كنت بالهدة فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا وأحدهما داخل في الخيمة والآخر يمسك الراحلتين، قال فنظرت فإذا خالد بن الوليد، قال قلت أين تريد؟ قال محمدا، دخل الناس في الإسلام فلم يبق أحد به طعم، والله لو أقمت

стр. 1277

لاخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها، قلت وأنا الله قد أردت محمدا وأردت الإسلام، فخرج عثمان بن طلحة فرحب بى فنزلنا جميعا في المنزل. ثم اتفقنا حتى أتينا المدينة فما أنس قول رجل لقيناه ببئر أبى عتبة يصيح: يا رباح يا رباح يا رباح، فتفاءلنا بقوله وسرنا، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقادة بعد هذين، وظننت أنه يعنيني ويعنى خالد بن الوليد وولى مدبرا الى المسجد سريعا فظننت أنه بشر رسول الله ﷺ بقدومنا فكان كما ظننت، وأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا، ثم نودي بالعصر فانطلقنا على أظلعنا عليه، وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت فو الله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طرفي حياء منه. قال فبايعته على أن يغفر لى ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر، فقال «إن الإسلام يجب ما كان قبله، والهجرة تجب ما كان قبلها» قال فو الله ما عدل بى رسول الله ﷺ وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا، ولقد كنا عند أبى بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة وكان عمر على خالد كالعاتب. قال عبد الحميد بن جعفر شيخ الواقدي: فذكرت هذا الحديث ليزيد بن حبيب فقال: أخبرنى راشد مولى حبيب بن أبى أوس الثقفي عن مولاه حبيب عن عمرو بن العاص نحو ذلك. قلت: كذلك رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبى حبيب عن راشد عن مولاه حبيب [قال] حدثني عمرو بن العاص من فيه، فذكر ما تقدم في سنة خمس بعد مقتل أبى رافع، وسياق الواقدي أبسط وأحسن. قال الواقدي عن شيخه عبد الحميد: فقلت ليزيد بن أبى حبيب وقّت لك متى قدم عمرو وخالد؟ قال لا إلا أنه قال قبل الفتح، قلت فان أبى أخبرنى ان عمرا وخالدا وعثمان بن طلحة قدموا لهلال صفر سنة ثمان، وسيأتي عند وفاة عمرو من صحيح مسلم ما يشهد لسياق إسلامه وكيفية حسن صحبته لرسول الله ﷺ مدة حياته، وكيف مات وهو يتأسف على ما كان منه في مدة مباشرته الامارة بعده ﵊، وصفة موته ﵁. طريق إسلام خالد بن الوليد قال الواقدي: حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال سمعت أبى يحدث عن خالد بن الوليد قال: لما أراد الله بى ما أراد من الخير قذف في قلبي الإسلام وحضرني رشدي، فقلت قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد ﷺ ، فليس في موطن أشهده الا انصرف وأنا أرى في نفسي أنى موضع في غير شيء، وأن محمدا سيظهر، فلما خرج رسول الله ﷺ الى الحديبيّة خرجت في خيل من المشركين فلقيت رسول الله ﷺ في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه

стр. 1278

وتعرضت له فصلّى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليهم ثم لم يعزم لنا - وكانت فيه خيرة - فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به فصلّى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعا وقلت الرجل ممنوع فاعتزلنا، وعدل عن سير خيلنا وأخذ ذات اليمين، فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قريش بالرواح قلت في نفسي أي شيء بقي؟ أين أذهب الى النجاشي! فقد اتبع محمد وأصحابه عنده آمنون، فاخرج الى هرقل فأخرج من ديني الى نصرانية أو يهودية، فأقيم في عجم، فأقيم في داري بمن بقي فانا في ذلك إذ دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضية فتغيبت ولم أشهد دخوله، وكان أخى الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي ﷺ في عمرة القضية، فطلبني فلم يجدني فكتب الى كتابا فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فانى لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك! ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله ﷺ عنك وقال أين خالد؟ فقلت يأتى الله به، فقال «مثله جهل الإسلام؟ ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين كان خيرا له، ولقدمناه على غيره» فاستدرك يا أخى ما قد فاتك [من] مواطن صالحة. قال فلما جاءني كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام وسرني سؤال رسول الله ﷺ عنى، وأرى في النوم كأنى في بلاد ضيقة مجدبة فخرجت في بلاد خضراء واسعة فقلت إن هذه لرؤيا، فلما أن قدمت المدينة قلت لأذكرنها لأبي بكر، فقال مخرجك الّذي هداك الله للإسلام، والضيق الّذي كنت فيه من الشرك، قال فلما أجمعت الخروج الى رسول الله ﷺ قلت من أصاحب الى رسول الله ﷺ ؟ فلقيت صفوان بن أمية فقلت يا أبا وهب أما ترى ما نحن فيه إنما نحن كاضراس وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد واتبعناه فان شرف محمد لنا شرف؟ فأبى أشد الاباء فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا. فافترقنا وقلت هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر، فلقيت عكرمة بن أبى جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية، قلت فأكتم على قال لا أذكره، فخرجت الى منزلي فأمرت براحلتى فخرجت بها الى أن لقيت عثمان بن طلحة فقلت إن هذا لي صديق فلو ذكرت له ما أرجو، ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره، ثم قلت وما على وأنا راحل من ساعتي فذكرت له ما صار الأمر اليه فقلت إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر لوصب فيه ذنوب من ماء لخرج، وقلت له نحوا مما قلت لصاحبي فأسرع الاجابة، وقلت له انى غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو وهذه راحلتي بفج مناخة، قال فاتعدت أنا وهو يأجج إن سبقني أقام وإن سبقته أقمت عليه، قال فادلجنا سحرا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا الى الهدة فنجد عمرو بن العاص بها، قال مرحبا بالقوم فقلنا وبك، فقال إلى أين مسيركم؟ فقلنا وما أخرجك؟ فقال وما أخرجكم؟ قلنا الدخول في الإسلام واتباع محمد ﷺ ، قال وذاك الّذي أقدمنى، فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة فأنخنا بظهر الحرة

стр. 1279

ركابنا فأخبر بنا رسول الله ﷺ فسر بنا، فلبست من صالح ثيابي ثم عمدت الى رسول الله ﷺ فلقيني أخى: فقال أسرع فان رسول الله ﷺ قد أخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم، فأسرعنا المشي فاطلعت عليه فما زال يتبسم الىّ حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنّبوّة فرد على السلام بوجه طلق، فقلت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال «تعال» ثم قال رسول الله ﷺ «الحمد لله الّذي هداك قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يسلمك الا الى خير» قلت يا رسول الله أنى قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا للحق فادعو الله أن يغفرها لي، فقال رسول الله ﷺ «الإسلام يجب ما كان قبله» قلت يا رسول الله على ذلك، قال «اللهمّ اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صدّ عن سبيل الله» قال خالد: وتقدّم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله ﷺ ، قال وكان قدومنا في صفر سنة ثمان، قال والله ما كان رسول الله ﷺ يعدل بى أحدا من أصحابه فيما حزبه. سرية شجاع بن وهب الأسدي الى نفر من هوازن قال الواقدي: حدثني ابن أبى سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن عمر بن الحكم قال بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا الى جمع من هوازن وأمره أن يغير عليهم، فخرج وكان يسير الليل ويكمن النهار حتى جاءهم وهم غارّين، وقد أوعز الى أصحابه أن لا تمعنوا في الطلب، فأصابوا نعما كثيرا وشاء فاستاقوا ذلك حتى إذا قدموا المدينة فكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا كل رجل [وزعم غيره أنهم أصابوا سبيا أيضا وأن الأمير اصطفى عنهم جارية وضيئة] ثم قدم أهلوهم مسلمين فشاور النبي ﷺ أميرهم في ردهن اليهم، فقال نعم فردوهن وخير التي عنده الجارية فاختارت المقام عنده، وقد تكون هذه السرية هي المذكورة فيما رواه الشافعيّ عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث سرية قبل نجد فكان فيهم عبد الله بن عمر، قال فأصبنا إبلا كثيرا فبلغت سهامنا اثنا عشر بعيرا ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرا بعيرا أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، ورواه مسلم أيضا من حديث الليث ومن حديث عبد الله كلهم عن نافع عن ابن عمر بنحوه [وقال أبو داود حدثنا هناد حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر] قال بعث رسول الله ﷺ سرية الى نجد فخرجت فيها فأصبنا نعما كثيرا فنفلنا أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيرا بعد الخمس وما حاسبنا رسول الله ﷺ بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه ما صنع مكان لكل منا ثلاثة عشر بعيرا بنفله.

стр. 1280

سرية كعب بن عمير الى بنى قضاعة من أرض الشام قال الواقدي: حدثنا محمد بن عبد الله الزهري قال بعث رسول الله ﷺ كعب بن عمير الغفاريّ في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا الى ذات اطلاع من الشام، فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا، فارتث منهم رجل جريح في القتلى، فلما أن برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ ، فهم بالبعثة اليهم فبلغه انهم ساروا إلى موضع آخر. غزوة مؤتة وهي سرية زيد بن حارثة في نحو من ثلاثة آلاف الى ارض البلقاء من أرض الشام. قال محمد بن إسحاق بعد قصة عمرة القضية. فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية ذي الحجة، - وولى تلك الحجة المشركون - والمحرم وصفرا وشهري ربيع وبعث في جمادى الاولى بعثه إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة. فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال بعث رسول الله ﷺ بعثه إلى مؤتة في جمادى الاولى من سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال «إن أصيب زيد فجعفر بن أبى طالب على الناس، فان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس» فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج وهم ثلاثة آلاف. وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان عن عمرو بن الحكم عن أبيه قال: جاء النعمان ابن فنحص اليهودي فوقف على رسول الله ﷺ مع الناس، فقال رسول الله ﷺ «زيد بن حارثة أمير الناس، فان قتل زيد فجعفر بن أبى طالب، فان قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، فان قتل عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم». فقال النعمان: أبا القاسم إن كنت نبيا فلو سمّيت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا، ان الأنبياء في بنى إسرائيل كانوا إذا سموا الرجل على القوم فقالوا ان أصيب فلان ففلان، فلو سموا مائة أصيبوا جميعا، ثم جعل يقول لزيد أعهد فإنك لا ترجع أبدا إن كان محمد نبيا، فقال زيد: أشهد أنه نبي صادق بار. رواه البيهقي. قال ابن إسحاق: فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلموا عليهم، فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع بكى، فقالوا ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال أما والله ما بى حبّ الدنيا ولا صبابة بكم، ولكنى سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا﴾ فلست أدرى كيف لي بالصدر بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردّكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة:

стр. 1281

لكنني أسأل الرحمن مغفرة … وضربة ذات فرع تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حرّان مجهزة … بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدثى … أرشده الله من غاز وقد رشدا قال ابن إسحاق: ثم أن القوم تهيئوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ فودعه ثم قال: فثبت الله ما آتاك من حسن … تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا إني تفرست فيك الخير نافلة … الله يعلم أنى ثابت البصر أنت الرسول فمن يحرم نوافله … والوجه منه فقد أزرى به القدر قال ابن إسحاق: ثم خرج القوم وخرج رسول الله ﷺ يشيعهم حتى إذا ودعهم وانصرف، قال عبد الله بن رواحة: خلف السلام على امرئ ودعته … في النخل خير مشيع وخليل وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو خالد الأحمر عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث الى مؤتة فاستعمل زيدا، فان قتل زيد فجعفر فان قتل جعفر فابن رواحة، فتخلف ابن رواحة فجمع مع النبي ﷺ فرآه فقال «ما خلفك؟» فقال اجمع معك «قال الغدوة أو روحة خير من الدنيا وما فيها». وقال أحمد ثنا أبو معاوية ثنا الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة، قال فقدّم أصحابه وقال أتخلف فأصلّي مع رسول الله ﷺ الجمعة ثم ألحقهم، قال فلما صلّى رسول الله ﷺ رآه فقال «ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟» فقال أردت ان أصلّى معك الجمعة ثم ألحقهم، فقال رسول الله ﷺ «لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم». وهذا الحديث قد رواه الترمذي من حديث أبى معاوية عن الحجاج - وهو ابن ارطاة - ثم علله الترمذي بما حكاه عن شعبة انه قال لم يسمع الحكم عن مقسم الا خمسة أحاديث وليس هذا منها. قلت والحجاج بن أرطاة في روايته نظر والله أعلم، والمقصود من إيراد هذا الحديث انه يقتضي أن خروج الأمراء الى مؤتة كان في يوم جمعة والله أعلم. قال ابن إسحاق: ثم مضوا حتى نزلوا معانا من ارض الشام فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم اليه من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى، ثم احد اراشة يقال له مالك بن رافلة، وفي رواية يونس عن ابن إسحاق فبلغهم ان هرقل نزل بمآب في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا

стр. 1282

على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا نكتب الى رسول الله ﷺ نخبره بعدد عدونا، فاما أن يمدنا بالرجال، وإما ان يأمرنا بأمره فنمضى له، قال فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الّذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي احدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة، قال فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك: جلبنا الخيل من اجأ وفرع … تغرّ من الحشيش الى العكوم حدوناها من الصوان سبتا … أزل كأن صفحته أديم أقامت ليلتين على معان … فاعقب بعد فترتها جموم فرحنا والجياد مسومات … تنفس في مناخرها سموم فلا وابى مآب لنأتينها … وإن كانت بها عرب وروم فعبأنا أعنتها فجاءت … عوابس والغبار لها يريم بذي لحب كأن البيض فيه … إذا برزت قوانسها النجوم فراضية المعيشة طلقتها … أسنتنا (١) فتنكح أو تئيم قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بى في سفره ذلك مردفى على حقيبة رحله فو الله انه ليسير ليلتئذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه: إذا أدنيتنى وحملت رحلي … مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك أنعم وخلاك ذم … ولا أرجع الى أهلي ورائي وجاء المسلمون وغادرونى … بأرض الشام مستنهى (٢) الثواء وردك كل ذي نسب قريب … الى الرحمن منقطع الإخاء هنالك لا أبالى طلع بعل … ولا نخل أسافلها رواء قال فلما سمعتهن منه بكيت، فخفقني بالدرة وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتى الرحل؟ ثم قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز. يا زيد زيد اليعملات الذبل … تطاول الليل هديت فانزل

стр. 1283

قال ابن إسحاق: ثم مضي الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو وانحاز المسلمون الى قرية يقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها فتعبى لهم المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة يقال له قطبة بن قتادة وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عباية بن مالك. وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان عن المقبري عن أبى هريرة قال: شهدت مؤتة فلما دنا منا المشركون رأينا مالا قبل لأحد به من العدة والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصرى، فقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة كأنك ترى جموعا كثيرة؟ قلت نعم! قال إنك لم تشهد بدرا معنا، إنا لم ننصر بالكثرة رواه البيهقي. قال ابن إسحاق ثم التقى الناس فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول المسلمين عقر في الإسلام. وقال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد حدثني أبى الّذي ارضعنى وكان أحد بنى مرة بن عوف وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأنّي انظر الى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل القوم حتى قتل وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها … طيبة وباردا شرابها والروم روم قد دنا عذابها … كافرة بعيدة أنسابها عليّ إن لاقيتها ضرابها وهذا الحديث قد رواه أبو داود من حديث أبى إسحاق ولم يذكر الشعر، وقد استدل من جواز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدو كما يقول أبو حنيفة في الأغنام إذا لم تتبع في السير ويخشى من لحوق العدو وانتفاعهم بها أنها تذبح وتحرق ليحال بينهم وبين ذلك والله أعلم. قال السهيليّ ولم ينكر أحد على جعفر، فدل على جوازه إلا إذا أمن أخذ العدو له ولا يدخل ذلك في النهى عن قتل الحيوان عبثا. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء، ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه بنصفين. قال ابن إسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال حدثني أبى الّذي ارضعنى وكان أحد بنى مرة بن عوف قال: فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ويقول: أقسمت يا نفس لتنزلنه … لتنزلن أو لتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنة … ما لي أراك تكرهين الجنة

стр. 1284

قد طال ما قد كنت مطمئنه … هل أنت إلا نطفة في شنه وقال أيضا: يا نفس إن لا تقتلي تموتي … هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت … إن تفعلي فعلهما هديت يريد صاحبيه زيدا وجعفرا، ثم نزل فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهس منه نهسة. ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال وأنت في الدنيا ثم؟ ألقاه من يده ثم أخذ سيفه ثم تقدم فقاتل حتى قتل ﵁. قال ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بنى العجلان. فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا أنت قال ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وخاشى (١) بهم ثم انحازوا نحيز عنه حتى انصرف بالناس. قال ابن إسحاق. ولما أصيب القوم قال رسول الله ﷺ فيما بلغني - أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا، قال ثم صمت رسول الله ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم قال لقد رفعوا الى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله ابن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت عم هذا؟ فقيل لي مضيا وتردّد عبد الله بن رواحة بعض التردد ثم مضى. هكذا ذكر ابن إسحاق هذا منقطعا، وقد قال البخاري ثنا أحمد بن واقد ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن حميد بن هلال عن انس بن مالك ان رسول الله ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبر، فقال أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم. تفرد به البخاري ورواه في موضع آخر وقال فيه وهو على المنبر: وما يسرهم أنهم عندنا وقال البخاري ثنا أحمد بن أبى بكير ثنا مغيرة بن عبد الرحمن المخزومي وليس بالحرامى عن عبد الله بن سعيد عن نافع عن عبد الله بن عمر. قال أمّر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد ابن حارثة، فقال رسول الله ﷺ ان قتل زيد فجعفر، وان قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، قال عبد الله كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبى طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من ضربة ورمية تفرد به البخاري أيضا. وقال البخاري أيضا حدثنا احمد ثنا ابن

стр. 1285

وهب عن ابن عمرو عن أبى هلال - هو سعيد بن أبى هلال الليثي - قالا: وأخبرنى نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر بن أبى طالب يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، وهذا أيضا من أفراد البخاري. ووجه الجميع بين هذه الرواية والتي قبلها ان ابن عمر اطلع على هذا العدد، وغيره اطلع على أكثر من ذلك، وان هذه في قبله أصيبها قبل أن يقتل، فلما صرع الى الأرض ضربوه أيضا ضربات في ظهره، فعد ابن عمر ما كان في قبله وهو في في وجوه الأعداء قبل أن يقتل ﵁. ومما يشهد لما ذكره ابن هشام من قطع يمينه وهي ممسكة اللواء ثم شماله ما رواه البخاري ثنا محمد بن أبى بكر ثنا عمر بن على عن إسماعيل بن أبى خلاد عن عامر قال كان ابن عمر إذا حىّ ابن جعفر قال السلام عليك يا ابن ذي الجناحين. ورواه أيضا في المناقب والنسائي من حديث يزيد بن هارون عن إسماعيل بن أبى خالد، وقال البخاري ثنا أبو نعيم ثنا سفيان بن إسماعيل عن قيس بن أبى حازم قال سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي الا صفحة يمانية. ثم رواه عن محمد بن المثنى عن يحيى بن إسماعيل حدثني قيس سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وصبرت في يدي صفحة يمانية انفرد به البخاري. قال الحافظ أبو بكر البيهقي ثنا ابو نصر بن قتادة ثنا أبو عمرو مطر ثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحيّ ثنا سليمان بن حرب ثنا الأسود بن شيبان عن خالد بن سمير قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاري وكانت الأنصار تفقهه، فغشيه الناس فغشيته فيمن غشيه فقال أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ قال بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء وقال عليكم زيد بن حارثة، وقال ان أصيب زيد فجعفر، فان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، قال فوثب جعفر وقال يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل زيدا عليّ قال امض فإنك لا تدري أي ذلك خير، فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله فصعد رسول الله ﷺ المنبر فامر فنودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس على رسول الله ﷺ فقال أخبركم عن جيشكم هذا، انهم انطلقوا فلقوا العدو فقتل زيد شهيدا فاستغفر له، ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا شهد له بالشهادة واستغفر له، ثم أخذ اللواء عبد الله ابن رواحة فاثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفر له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء هو امرّ نفسه ثم قال رسول الله ﷺ «اللهمّ انه سيف من سيوفك أنت تنصره» فمن يومئذ سمى خالد سيف الله. ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك عن الأسود بن شيبان به نحوه، وفيه زيادة حسنة وهو انه ﵊ لما اجتمع اليه الناس قال باب خير باب خير وذكر الحديث. وقال الواقد حدثني عبد الجبار بن عمارة بن غزية عن عبد الله بن أبى بكر بن عمرو بن حزم. قال: لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله ﷺ على المنبر وكشف الله له ما بينه وبين الشام فهو ينظر

стр. 1286

الى معتركهم، فقال أخذ الراية زيد بن حارثة فجاء الشيطان فحبب اليه الحياة وكره اليه الموت، وحبب اليه الدنيا فقال الآن استحكم الايمان في قلوب المؤمنين تحبب الى الدنيا، فمضى قدما حتى استشهد فصلى عليه رسول الله ﷺ وقال استغفروا له فقد دخل الجنة وهو شهيد. قال الواقدي وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله ﷺ قال لما قتل زيد أخذ الراية جعفر بن أبى طالب فجاءه الشيطان فحبب اليه الحياة وكره اليه الموت ومناه الدنيا فقال الآن حين استحكم الايمان في قلوب المؤمنين يمنيني الدنيا، ثم مضى قدما حتى استشهد فصلّى عليه رسول الله ﷺ وقال استغفروا لأخيكم فإنه شهيد دخل الجنة وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء في الجنة، قال ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد ثم دخل الجنة معترضا فشق ذلك على الأنصار فقيل يا رسول الله ما اعترضه؟ قال لما اصابته الجراح نكل فعاتب نفسه فتشجع واستشهد ودخل الجنة فسرى عن قومه. قال الواقدي وحدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه قال: لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله ﷺ الآن حمى الوطيس. قال الواقدي فحدثني العطاف بن خالد قال لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا وقد جعل مقدمته ساقته وساقته مقدمته وميمنته ميسرته، قال فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم وقالوا قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين، قال فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. وهذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة ﵀ في مغازيه فإنه قال بعد عمرة الحديبيّة ثم صدر رسول الله ﷺ الى المدينة فمكث بها ستة أشهر ثم إنه بعث جيشا الى مؤتة وامرّ عليهم زيد بن حارثة وقال إن أصيب فجعفر بن أبى طالب أميرهم، فان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم، فانطلقوا حتى إذا لقوا ابن أبى سبرة الغساني بمؤتة وبها جموع من نصارى العرب والروم بها تنوخ وبهراء فأغلق ابن أبى سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام، ثم التقوا على زرع أحمر فاقتتلوا قتالا شديدا، فاخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل، ثم اخذه جعفر فقتل، ثم أخذه عبد الله بن رواحة فقتل ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله ﷺ على خالد بن الوليد المخزومي فهزم الله العدو وأظهر المسلمين قال وبعثهم رسول الله ﷺ في جمادى الاولى - يعنى سنة ثمان - قال موسى بن عقبة: وزعموا ان رسول الله ﷺ قال مرّ عليّ جعفر في الملائكة يطير كما يطيرون وله جناحان. قال وزعموا - والله أعلم - أن يعلى بن أمية قدم على رسول الله ﷺ بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله ﷺ ان شئت فأخبرني وان شئت أخبرك، قال أخبرني يا رسول الله قال فأخبرهم رسول الله ﷺ خبرهم كله ووصفه لهم، فقال والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره، وإن أمرهم لكما ذكرت. فقال رسول الله ﷺ «ان الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم» فهذا السياق فيه فوائد كثيرة ليست عند ابن إسحاق وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق من أن خالد انما

стр. 1287

حاش بالقوم حتى تخلصوا من الروم وعرب النصارى فقط. وموسى بن عقبة والواقدي مصرحان بأنهم هزموا جموع الروم والعرب الذين معهم وهو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعا، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه. ورواه البخاري وهذا هو الّذي رجحه ومال اليه الحافظ البيهقي بعد حكاية القولين لما ذكر من الحديث. قلت: ويمكن الجمع بين قول ابن إسحاق وبين قول الباقين وهو أن خالد لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء الى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموهم بأذن الله والله أعلم. وقد قال ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر عن عروة قال لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون معه [قال ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دابة فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم واعطونى ابن جعفر فأتى بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه] فجعلوا يحثون عليهم بالتراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ «ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله » وهذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة، وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق فظن أن هذا الجمهور الجيش، وإنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان، وأما بقيتهم فلم يفروا بل نصروا كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ للمسلمين وهو على المنبر في قوله ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه، فما كان المسلمون ليسمونهم فرارا بعد ذلك وإنما تلقوهم إكراما وإعظاما، وإنما كان التأنيب وحثى التراب للذين فروا وتركوهم هنالك، وقد كان فيهم عبد الله بن عمر ﵄، قال الامام احمد حدثنا حسن ثنا زهير ثنا يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عبد الله بن عمر قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص، فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا لو دخلنا المدينة قتلنا، ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ فان كانت لنا توبة والا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال من القوم؟ قال قلنا نحن فرارون، فقال لا بل أنتم الكرارون انا فئتكم وانا فئة المسلمين، قال فأتيناه حتى قبلنا يده. ثم رواه غندر عن شعبة عن يزيد بن أبى زياد عن ابن أبى ليلى عن ابن عمر قال: كنا في سرية ففررنا فأردنا أن نركب البحر، فأتينا رسول الله ﷺ فقلنا يا رسول الله نحن الفرارون، فقال لا بل أنتم العكارون. رواه الترمذي وابن ماجة من حديث يزيد بن أبى زياد وقال الترمذي حسن لا نعرفه الا من حديثه. وقال احمد حدثنا إسحاق بن عيسى وأسود بن عامر قالا: حدثنا شريك عن يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن ابى ليلى عن ابن عمر قال: بعثنا رسول

стр. 1288

الله ﷺ في سرية، فلما لقينا العدو انهزمنا في أول غادية، فقدمنا المدينة في نفر ليلا فاختفينا ثم قلنا لو خرجنا الى رسول الله ﷺ واعتذرنا اليه، فخرجنا اليه ثم التقيناه قلنا نحن الفرارون يا رسول الله قال «بل أنتم العكارون وانا فئتكم» قال الأسود «وانا فئة كل مسلم» وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبى بكر بن عمرو بن حزم عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله ﷺ ومع المسلمين؟ قالت ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس يا فرار فررتم في سبيل الله، حتى قعد في بيته ما يخرج وكان في غزاة مؤتة. قلت: لعل طائفة منهم فروا لما عاينوا كثرة جموع العدو على ما ذكروه مائتي ألف، ومثل هذا يسوغ الفرار على ما قد تقرر، فلما فر هؤلاء ثبت باقيهم وفتح الله عليهم وتخلصوا من أيدي أولئك وقتلوا منهم مقتلة عظيمة كما ذكره الواقدي وموسى بن عقبة من قبله، ويؤيد ذلك ويشاكله بالصحة ما رواه الامام احمد حدثنا الوليد بن مسلم حدثني صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة من المسلمين في غزوة مؤتة، ومدوى من اليمن ليس معه غير سيفه فنحر رجل من المسلمين جزورا فسأله المدوى طابقة من جلده فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدرقة، ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغزى بالمسلمين، وقعد له المدوى خلف صخرة فمر به الرومي فعرقبه فخر وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث اليه خالد بن الوليد يأخذ من السلب، قال عوف فأتيته فقلت يا خالد اما علمت ان رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال بلى ولكنى استكثر به، فقلت به؟ فقلت لتردنه اليه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ ، فأبى أن يرد عليه. قال عوف فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصصت عليه قصة المدوى وما فعل خالد فقال رسول الله ﷺ «يا خالد رد عليه ما أخذت منه» قال عوف فقلت دونك يا خالد ألم أف لك؟ فقال رسول الله ﷺ وما ذاك فأخبرته فغضب رسول الله ﷺ وقال «يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركوا أمرائى لكم صفوة أمرهم وعليهم كدرة» قال الوليد سألت ثورا عن هذا الحديث فحدثني عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن عوف بنحوه. ورواه مسلم وأبو داود من حديث جبير بن نفير عن عوف بن مالك به نحوه وهذا يقتضي انهم غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم وقتلوا من أمرائهم، وقد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدا ﵁ قال اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبت في يدي إلا صفحة يمانية، وهذا يقتضي انهم اثخنوا فيهم قتلا ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم، وهذا وحده دليل مستقل والله أعلم. وهذا هو

стр. 1289

اختيار موسى بن عقبة والواقدي والبيهقي وحكاه ابن هشام عن الزهري. قال البيهقي ﵀: إنه اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم، فمنهم من ذهب الى ذلك ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا على المشركين وأن المشركين انهزموا. قال وحديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ «ثم أخذها خالد ففتح الله عليه» يدل على ظهورهم عليهم والله أعلم. قلت: وقد ذكر ابن إسحاق أن قطبة بن قتادة العذري - وكان رأس ميمنة المسلمين - حمل على مالك بن زافلة ويقال رافلة. وهو أمير أعراب النصارى فقتله وقال يفتخر بذلك: طعنت ابن رافلة بن الإراش … برمح مضى فيه ثم انحطم ضربت على جيدة ضربة … فمال كما مال غصن السلم وسقنا نساء بنى عمه … غداة رقوقين سوق النعم وهذا يؤيد ما نحن فيه لأن من عادة أمير الجيش إذا قتل أن يفر أصحابه، ثم إنه صرح في شعره بأنهم سبوا من نسائهم وهذا واضح فيما ذكرناه والله اعلم. واما ابن إسحاق فإنه ذهب الى أنه لم يكن الا المخاشاة والتخلص من أيدي الروم وسمى هذا نصرا وفتحا أي باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدو بهم وتراكمهم وتكاثرهم وتكاثفهم عليهم، فكان مقتضى العادات أن يصطلحوا بالكلية، فلما تخلصوا منهم وانحازوا عنهم كان هذا غاية المرام في هذا المقام وهذا متحمل لكنه خلاف الظاهر من قوله ﵊ «ففتح الله عليهم» والمقصود أن ابن إسحاق يستدل على ما ذهب اليه فقال: وقد قال فيما كان أمر الناس وأمر خالد بن الوليد ومخاشاته بالناس وانصرافه بهم قيس بن المحسر اليعمري يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس يقول: فو الله لا تنفك نفسي تلومني … على موقفي والخيل قابعة قبل وقفت بها لا مستجيزا فنافذا … ولا مانعا من كان حم له القتل على أننى آسيت نفسي بخالد … ألا خالد في القوم ليس له مثل وجاشت الىّ النفس من نحو جعفر … بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل وضم إلينا حجزتيهم كليهما … مهاجرة لا مشركون ولا عذل قال ابن إسحاق: فبين قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره أن القوم جاحزوا وكرهوا الموت، وحقق انحياز خالد بمن معه. قال ابن هشام: واما الزهري فقال - فيما بلغنا عنه - أمرّ المسلمون عليهم خالد بن الوليد ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى رجع الى المدينة. فصل قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبى بكر عن أم عيسى الخزاعية عن أم جعفر بنت محمد بن

стр. 1290

جعفر بن أبى طالب عن جدتها أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل عليّ رسول الله ﷺ وقد دبغت أربعين مناء وعجنت عجيني وغسلت بنى ودهنتهم ونظفتهم، فقال رسول الله ﷺ «ائتني ببني جعفر» فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمى ما يبكيك أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال «نعم أصيبوا هذا اليوم» قالت فقمت أصيح واجتمع إلي النساء وخرج رسول الله ﷺ إلى أهله فقال «لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم». وهكذا رواه الامام أحمد من حديث ابن إسحاق ورواه ابن إسحاق من طريق عبد الله بن أبى بكر عن أم عيسى عن أم عون بنت محمد بن جعفر عن أسماء فذكر الأمر بعمل الطعام، والصواب أنها أم جعفر وأم عون. وقال الامام أحمد حدثنا سفيان ثنا جعفر بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعى جعفر حين قتل قال النبي ﷺ «اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم، أو أتاهم ما يشغلهم» وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة عن جعفر بن خالد بن سارة المخزومي المكيّ عن أبيه عن عبد الله بن جعفر وقال الترمذي حسن. ثم قال محمد بن إسحاق حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما أتى نعى جعفر عرفنا في وجه رسول الله ﷺ الحزن، قالت فدخل عليه رجل فقال يا رسول الله [إن النساء] عييننا وفتننا، قال «أرجع إليهن فاسكتهن» قالت فذهب ثم رجع فقال له مثل ذلك، قالت [يقول] وربما ضر التكلف - يعنى أهله -[قالت قال فاذهب] فأسكتهن فان أبين فاحثوا في أفواههنّ التراب» قالت [وقلت في نفسي أبعدك الله فو الله ما تركت نفسك وما أنت بمطيع رسول الله ﷺ ، قالت وعرفت أنه لا يقدر يحثى في أفواههنّ التراب. انفرد به ابن إسحاق من هذا الوجه وليس في شيء من الكتب وقال البخاري ثنا قتيبة ثنا عبد الوهاب سمعت يحيى بن سعيد قال أخبرتنى عمرة قالت سمعت عائشة تقول: لما قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الحزن، قالت عائشة وأنا اطلع من صائر الباب - شق - فأتاه رجل فقال: أي رسول الله إن نساء جعفر وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن قالت فذهب الرجل ثم أتى فقال والله لقد غلبننا، فزعمت أن رسول الله ﷺ قال «فاحث في أفواههنّ من التراب» قالت عائشة ﵂ فقلت أرغم الله أنفك، فو الله ما أنت تفعل ذلك وما تركت رسول الله ﷺ من العناء. وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عنها. وقال الإمام أحمد حدثنا وهب بن جرير ثنا أبى سمعت محمد بن أبى يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر قال: بعث رسول الله ﷺ جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال «إن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر، فان قتل أو استشهد

стр. 1291

فأميركم عبد الله بن رواحة» فلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه وأتى خبرهم النبي ﷺ فخرج الى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: «إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبى طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه» قال ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتهم، ثم أتاهم فقال «لا تبكوا على أخى بعد اليوم، أدعوا لي بنى أخى» قال فجيء بنا كأننا أفرخ، فقال «ادعوا لي الحلاق» فجيء بالحلاق فحلق رءوسنا، ثم قال «أما محمد فشبيه عمنا أبى طالب، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي» ثم أخذ بيدي فأشالها وقال «اللهمّ اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه» قالها ثلاث مرات. قال فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح (١) له فقال «العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟» ورواه أبو داود ببعضه، والنسائي في السير بتمامه من حديث وهب بن جرير به، وهذا يقتضي أنه ﵊ أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام ثم نهاهم عنه بعدها، ولعله معنى الحديث الّذي رواه الإمام أحمد من حديث الحكم بن عبد الله بن شداد عن أسماء أن رسول الله ﷺ قال لها لما أصيب جعفر «تسلبى ثلاثا ثم اصنعي ما شئت» تفرد به أحمد فيحتمل أنه أذن لها في التسلب وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب، ويكون هذا من باب التخصيص لها بهذا لشدة حزنها على جعفر أبى أولادها وقد يحتمل أن يكون أمرا لها بالتسلب وهو المبالغة في الإحداد ثلاثة أيام، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت مما يفعله المعتدات على أزواجهن من الإحداد المعتاد والله أعلم. ويروى تسلى ثلاثا - أي تصبرى ثلاثا - وهذا بخلاف الرواية الأخرى والله أعلم. فاما الحديث الّذي قال الامام أحمد حدثنا يزيد ثنا محمد بن طلحة ثنا الحكم بن عيينة عن عبد الله بن شداد عن أسماء بنت عميس قالت دخل رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر فقال لا تحدى بعد يومك هذا. فإنه من أفراد احمد أيضا وإسناده لا بأس به ولكنه مشكل إن حمل على ظاهره لانه قد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال «لا يحل لا مرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميتها أكثر من ثلاثة أيام الا على زوج أربعة أشهر وعشرا» فان كان ما رواه الإمام احمد محفوظا فتكون مخصوصة بذلك أو هو أمر بالمبالغة في الإحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم والله أعلم.

стр. 1292

قلت: ورثت أسماء بنت عميس زوجها بقصيدة تقول فيها: فآليت لا تنفك نفسي حزينة … عليك ولا ينفك جلدي أغبرا فلله عينا من رأى مثله فتى … أكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا ثم لم تنشب أن انقضت عدتها فخطبها أبو بكر الصديق ﵁ فتزوجها فأولم وجاء الناس للوليمة فكان فيهم على بن أبى طالب، فلما ذهب الناس استأذن على أبا بكر ﵄ في أن يكلم أسماء من وراء الستر فأذن له، فلما اقترب من الستر نفحة ريح طيبها فقال لها على: - على وجه البسط - من القائلة في شعرها: فآليت لا تنفك نفسي حزينة … عليك ولا ينفك جلدي أغبرا؟ قالت دعنا منك يا أبا الحسن فإنك امرؤ فيك دعابة، فولدت للصديق محمد بن أبى بكر، ولدته بالشجرة بين مكة والمدينة ورسول الله ﷺ ذاهب الى حجة الوداع، فأمرها أن تغتسل وتهل وسيأتي في موضعه، ثم لما توفى الصديق تزوجها بعده على بن أبى طالب وولدت له أولادا ﵁ وعنها وعنهم أجمعين. فصل قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: فلما دنوا من المدينة تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، قال ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دابة، فقال «خذوا الصبيان فاحملوهم واعطونى ابن جعفر» فأتى بعبد الله بن جعفر فحمله بين يديه، قال وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله! قال فيقول رسول الله ﷺ «ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله» وهذا مرسل. وقد قال الامام أحمد ثنا أبو معاوية ثنا عاصم عن مؤرق العجليّ عن عبد الله بن جعفر قال كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقى الصبيان من أهل بيته، وأنه قدم من سفر فسبق بى اليه، قال فحملني بين يديه ثم قال «جيء بأحد بنى فاطمة» إما حسن وإما حسين، فاردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة. وقد رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عاصم الأحول عن مؤرق به. وقال الامام أحمد ثنا روح حدثنا ابن جريج ثنا خالد بن سارة أن أباه أخبره أن عبد الله بن جعفر قال: لو رأيتني وقثما وعبيد الله ابني العباس ونحن صبيان نلعب إذ مر النبي ﷺ على دابة فقال «ارفعوا هذا الى» فحملني أمامه وقال لقثم «ارفعوا هذا الى» فجعله وراءه، وكان عبيد الله أحب الى عباس من قثم فما استحى من عمه أن حمل قثما وتركه قال، ثم مسح على رأسه ثلاثا وقال كلما مسح «اللهمّ اخلف جعفرا في ولده» قال

стр. 1293

قلت لعبد الله ما فعل قثم؟ قال استشهد؟ قال قلت الله ورسوله أعلم بالخير؟ قال أجل. ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث ابن جريج به. [وهذا كان بعد الفتح فان العباس إنما قدم المدينة بعد الفتح فاما الحديث رواه الامام أحمد ثنا إسماعيل ثنا حبيب بن الشهيد عن عبد الله بن أبى مليكة قال قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير: أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﷺ أنا وأنت وابن عباس؟ قال نعم فحملنا وتركك. وبهذا اللفظ أخرجه البخاري ومسلم من حديث حبيب بن الشهيد وهذا يعد من الاجوبة المسكتة، ويروى أن عبد الله بن عباس أجاب به ابن الزبير أيضا، وهذه القصة قصة أخرى كانت بعد الفتح كما قدمنا بيانه والله أعلم] (١). فصل في فضل هؤلاء الأمراء الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله ﵃ اما زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ودّ بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الكلبي القضاعي مولى رسول الله ﷺ ، وذلك أن أمه ذهبت تزور أهلها فأغارت عليهم خيل فأخذوه فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، وقيل اشتراه رسول الله ﷺ لها فوهبته من رسول الله ﷺ قبل النبوة فوجده أبوه فاختار المقام عند رسول الله ﷺ فأعتقه وتبناه، فكان يقال له زيد بن محمد، وكان رسول الله ﷺ يحبه حبا شديدا، وكان أول من أسلم من الموالي، ونزل فيه آيات من القرآن منها قوله تعالى ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ وقوله تعالى ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ وقوله ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾ الآية أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه، ومعنى أنعم الله عليه أي بالإسلام، وأنعمت عليه أي بالعتق، وقد تكلمنا عليها في التفسير. والمقصود أن الله تعالى لم يسم أحدا من الصحابة في القرآن غيره، وهداه الى الإسلام وأعتقه رسول الله ﷺ وزوجه مولاته أم أيمن واسمها بركة فولدت له أسامة بن زيد، فكان يقال له الحب بن الحب، ثم زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش وآخى بينه وبين عمه حمزة بن عبد المطلب وقدمه في الامرة على ابن عمه جعفر بن أبى طالب يوم مؤتة كما ذكرناه. وقد قال الامام أحمد والامام الحافظ أبو بكر بن أبى شيبة - وهذا لفظه - ثنا محمد بن

стр. 1294

عبيد عن وائل بن داود سمعت البهي يحدث أن عائشة كانت تقول: ما بعث رسول الله ﷺ زيد ابن حارثة في سرية الا أمّره عليهم، ولو بقي بعد لاستخلفه. ورواه النسائي عن أحمد بن سلمان عن محمد بن عبيد الطنافسي به. وهذا اسناد جيد قوى على شرط الصحيح وهو غريب جدا والله أعلم. وقال الامام أحمد ثنا سليمان ثنا إسماعيل أخبرنى ابن دينار عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في أمرته، فقام رسول الله ﷺ فقال «ان تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وايم الله ان كان لخليقا للامارة وإن كان لمن أحب الناس الىّ وان هذا لمن أحب الناس الى بعده» وأخرجاه في الصحيحين عن قتيبة عن إسماعيل - هو ابن جعفر بن أبى كثير المدني - عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر فذكره ورواه البخاري من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه. ورواه البزار من حديث عاصم بن عمر عن عبيد الله بن عمر العمرى عن نافع عن ابن عمر ثم استغربه من هذا الوجه، وقال الحافظ أبو بكر البزار ثنا عمر بن إسماعيل عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: لما أصيب زيد ابن حارثة وجيء بأسامة بن زيد وأوقف بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فأخر ثم عاد من الغد فوقف بين يديه فقال «ألاقى منك اليوم ما لقيت منك أمس» وهذا الحديث فيه غرابة والله أعلم. وقد تقدم في الصحيحين أنه لما ذكر مصابهم وهو ﵇ فوق المنبر جعل يقول «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله عليه» قال وإن عينيه لتذرفان، وقال وما يسرهم أنهم عندنا. وفي الحديث الآخر أنه شهد لهم بالشهادة فهم ممن يقطع لهم بالجنة. وقد قال حسان بن ثابت يرثى زيد بن حارثة وابن رواحة: عين جودي بدمعك المنزور … واذكري في الرخاء أهل القبور واذكري مؤتة وما كان فيها … يوم راحوا في وقعة التغوير حين راحوا وغادروا ثم زيدا … نعم مأوى الضريك والمأسور حب خير الأنام طرا جميعا … سيد الناس حبه في الصدور ذاكم أحمد الّذي لا سواه … ذاك حزني له معا وسروري إن زيد قد كان منا بأمر … ليس أمر المكذب المغرور ثم جودي للخزرجى بدمع … سيدا كان ثم غير نزور قد أتانا من قتلهم ما كفانا … فبحزن نبيت غير سرور واما جعفر بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم فهو ابن عم رسول الله ﷺ وكان أكبر

стр. 1295

من أخيه على بعشر سنين، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وكان طالب أسن من عقيل بعشر سنين، أسلم جعفر قديما وهاجر إلى الحبشة وكانت له هناك مواقف مشهورة، ومقامات محمودة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، وقد قدمنا ذلك في هجرة الحبشة ولله الحمد. وقد قدم على رسول الله ﷺ يوم خيبر فقال عليه الصلاة السلام «ما أدرى أنا بأيهما أسر، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر» وقام اليه واعتنقه وقبل بين عينيه، وقال له يوم خرجوا من عمرة القضية «أشبهت خلقي وخلقي» فيقال إنه حجل عند ذلك فرحا كما تقدم في موضعه ولله الحمد والمنة. ولما بعثه الى مؤتة جعل في الامرة مصليا - أي نائبا - لزيد بن حارثة، ولما قتل وجدوا فيه بضعا وتسعين ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر، وكانت قد طعنت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك للواء فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك. فيقال إن رجلا من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين رضى الله عن جعفر ولعن قاتله، وقد أخبر عنه رسول الله ﷺ بانه شهيد، فهو ممن يقطع له بالجنة. وجاء بالأحاديث تسميته بذي الجناحين. وروى البخاري عن ابن عمر أنه كان إذا سلّم على ابنه عبد الله بن جعفر يقول: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين، وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب نفسه، والصحيح ما في الصحيح عن ابن عمر. قالوا لأن الله تعالى عوضه عن يديه بجناحين في الجنة وقد تقدم بعض ما روى في ذلك. قال الحافظ أبو عيسى الترمذي: حدثنا على بن حجر ثنا عبد الله بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة قال قال ﷺ «رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة» وتقدم في حديث أنه ﵁ قتل وعمره ثلاث وثلاثين سنة. وقال ابن الأثير في الغابة كان عمره يوم قتل إحدى وأربعين، قال وقيل غير ذلك. قلت: وعلى ما قيل إنه كان أسن من على بعشر سنين يقتضي أن عمره يوم قتل تسع وثلاثون سنة لأن عليا أسلم وهو ابن ثمان سنين على المشهور فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر وعمره احدى وعشرين سنة، ويوم مؤتة كان في سنة ثمان من الهجرة والله أعلم. وقد كان يقال لجعفر بعد قتله الطيار لما ذكرنا، وكان كريما جوادا ممدحا، وكان لكرمه يقال له أبا المساكين لإحسانه اليهم. قال الامام احمد وحدثنا عفان بن وهيب ثنا خالد عن عكرمة عن أبى هريرة قال: ما احتذى النعال ولا انتعل، ولا ركب المطايا ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبى طالب وهذا إسناد جيد الى أبى هريرة وكأنه إنما يفضله في الكرم، فاما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه، واما أخوه على ﵄ فالظاهر أنهما متكافئان أو على أفضل منه، وانما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم بدليل ما رواه البخاري ثنا

стр. 1296

أحمد بن أبى بكر ثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهنيّ عن ابن أبى ذئب عن سعيد المقبري عن أبى هريرة، أن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة وأنى كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني خبز لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير ولا يخدمني فلان وفلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معى كي ينقلب بى فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبى طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكّة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها. تفرد به البخاري. وقال حسان ابن ثابت يرثى جعفرا: ولقد بكيت وعز مهلك جعفر … حب النبي على البرية كلها ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي … من للجلاد لدى العقاب وظلها بالبيض حين تسل من أغمادها … ضربا وإنهال الرماح وعلها بعد ابن فاطمة المبارك جعفر … خير البرية كلها وأجلها رزءا وأكرمها جميعا محتدا … وأعزها متظلما وأذلها للحق حين ينوب غير تنحل … كذبا وأنداها يدا وأقلها فحشا وأكثرها إذا ما يجتدى … فضلا وأنداها يدا وأبلها بالعرف غير محمد لا مثله … حي من أحياء البرية كلها واما ابن رواحة فهو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج أبو محمد ويقال أبو رواحة، ويقال أبو عمرو الأنصاري الخزرجي وهو خال النعمان بن بشير، أخته عمرة بنت رواحة أسلم قديما وشهد العقبة وكان أحد النقباء ليلتئذ لبني الحارث بن الخزرج وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبيّة وخيبر وكان يبعثه على خرصها كما قدمنا وشهد عمرة القضاء ودخل يومئذ وهو ممسك بزمام ناقة رسول الله ﷺ وقيل بغزها - يعنى الركاب - وهو يقول * خلوا بنى الكفار عن سبيله * الأبيات كما تقدم. وكان أحد الأمراء الشهداء يوم مؤتة كما تقدم وقد شجع المسلمين للقاء الروم حين اشتوروا في ذلك وشجع نفسه أيضا حتى نزل بعد ما قتل صاحباه، وقد شهد له رسول الله ﷺ بالشهادة فهو ممن يقطع له بدخول الجنة. ويروى أنه لما أنشد النبي ﷺ شعره حين ودعه الّذي يقول فيه: فثبت الله ما آتاك من حسن … تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا قال له رسول الله ﷺ «وأنت فثبتك الله» قال هشام بن عروة: فثبته الله حتى قتل شهيدا ودخل الجنة. وروى حماد بن زيد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبى ليلى أن عبد الله بن رواحة أتى

стр. 1297

رسول الله ﷺ وهو يخطب فسمعه يقول «اجلسوا» فجلس مكانه خارجا من المسجد حتى فرغ الناس من خطبته، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال «زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله» وقال البخاري في صحيحه وقال ابن معاذ اجلس بنا نؤمن ساعة. وقد ورد الحديث المرفوع في ذلك عن عبد الله بن رواحة بنحو ذلك فقال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد عن عمارة عن زياد النحويّ عن أنس قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة، فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء فقال يا رسول الله ألا ترى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة! فقال النبي ﷺ «رحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة» وهذا حديث غريب جدا. وقال البيهقي ثنا الحاكم ثنا أبو بكر ثنا محمد بن أيوب ثنا أحمد بن يونس ثنا شيخ من أهل المدينة عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن رواحة قال لصاحب له: تعال حتى نؤمن ساعة، قال أو لسنا بمؤمنين؟ قال بلى ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا. وقد روى الحافظ أبو القاسم اللاكائي (١) من حديث أبى اليمان عن صفوان بن سليم عن شريح بن عبيد أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول: قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في مجلس ذكر. وهذا مرسل من هذين الوجهين وقد استقصينا الكلام على ذلك في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة. وفي صحيح البخاري عن أبى الدرداء قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر في حر شديد وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة ﵁، وقد كان من شعراء الصحابة المشهورين، ومما نقله البخاري من شعره في رسول الله ﷺ : وفينا رسول الله نتلو كتابه … إذا انشق معروف من الفجر ساطع يبيت يجافى جنبه عن فراشه … إذا استثقلت بالمشركين المضاجع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا … به موقنات أن ما قال واقع وقال البخاري حدثنا عمران بن ميسرة ثنا محمد بن فضيل عن حصين عن عامر عن النعمان بن بشير قال: أغمى على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكى، وا جبلاه وا كذا وا كذا تعدد عليه فقال حين أفاق: ما قلت شيئا الا قيل لي أنت كذلك؟ حدثنا قتيبة ثنا خيثمة عن حصين عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: أغمى على عبد الله بن رواحة، بهذا. فلما مات لم تبك عليه وقد قدمنا ما رثاه به حسان بن ثابت مع غيره. وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع ﵃: كفى حزنا أنى رجعت وجعفر … وزيد وعبد الله في رمس أقبر

стр. 1298

قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم … وخلفت للبلوى مع المتغير وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية ما رثى به هؤلاء الأمراء الثلاث من شعر حسان بن ثابت وكعب بن مالك ﵄ وأرضاهما. فصل في ذكر من استشهد يوم مؤتة من المسلمين فمن المهاجرين جعفر بن أبى طالب، ومولاهم زيد بن حارثة الكلبي، ومسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة العدوي، ووهب بن سعد بن أبى سرح، فهؤلاء أربعة نفر. ومن الأنصار عبد الله ابن رواحة، وعباد بن قيس الخزرجيان، والحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة النجاري، وسراقة ابن عمرو بن عطية بن خنساء المازني، أربعة نفر. فمجموع من قتل من المسلمين يومئذ هؤلاء الثمانية على ما ذكره ابن إسحاق لكن قال ابن هشام: وممن استشهد يوم مؤتة فيما ذكره ابن شهاب الزهري أبو كليب وجابرا بنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول المازنيان وهما شقيقان لأب وأم، وعمرو وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى فهؤلاء أربعة من الأنصار أيضا فالمجموع على القولين اثنا عشر رجلا وهذا عظيم جدا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين الا اثنا عشر رجلا وقد قتل من المشركين خلق كثير. هذا خالد وحده يقول لقد اندقت في يدي يومئذ تسعة أسياف وما صبرت في يدي الا صفحة يمانية فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها؟! دع غيره من الابطال والشجعان من حملة القرآن، وقد تحكموا في عبدة الصلبان عليهم لعائن الرحمن، في ذلك الزمان وفي كل أوان. وهذا مما يدخل في قوله تعالى ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾. حديث فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السرية (١) وهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب وعبد الله بن رواحة ﵃. قال الامام العالم الحافظ أبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازيّ نضر الله وجهه في كتابه دلائل النبوة - وهو كتاب جليل - حدثنا صفوان بن صالح الدمشقيّ ثنا الوليد ثنا ابن جابر. وحدثنا عبد الرحمن بن

стр. 1299

إبراهيم الدمشقيّ ثنا الوليد وعمرو - يعنى ابن عبد الواحد - قالا: ثنا ابن جابر سمعت سليم بن عامر الخبائرى يقول أخبرنى أبو أمامة الباهلي سمعت رسول الله ﷺ يقول «بينا أنا نائم إذا أتانى رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بى جبلا وعرا فقالا اصعد، فقلت لا أطيقه فقالا إنا سنسهله لك قال فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة فقلت ما هؤلاء الأصوات؟ فقالا عواء أهل النار ثم انطلقا بى فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دما فقلت ما هؤلاء؟ فقالا هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم فقال خابت اليهود والنصارى» قال سليم سمعه من رسول الله ﷺ أم من رأيه؟ «ثم انطلقا بى فإذا قوم أشد شيء انتفاخا وأنتن شيء ريحا كأن ريحهم المراحيض قلت من هؤلاء؟ قالا هؤلاء قتلى الكفار ثم انطلقا بى فإذا بقوم أشد انتفاخا وأنتن شيء ريحا كان ريحهم المراحيض قلت من هؤلاء؟ قال هؤلاء الزانون والزواني ثم انطلقا بى فإذا بنساء ينهش ثديهن الحيات فقلت ما بال هؤلاء؟ قالا هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن ثم انطلقا بى فإذا بغلمان يلعبون بين بحرين قلت من هؤلاء قالا هؤلاء ذراري المؤمنين ثم أشرفا بى شرفا فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم فقلت من هؤلاء؟ قالا هذا جعفر بن أبى طالب وزيد بن حارثة وعبد الله ابن رواحة ثم أشرفا بى شرفا آخر فإذا أنا بنفر ثلاثة فقلت من هؤلاء قالا هذا إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ وهم ينتظرونك. فصل فيما قيل من الاشعار في غزوة مؤتة قال ابن إسحاق: وكان مما بكى به أصحاب مؤتة قول حسان: تأوبنى ليل بيثرب أعسر … وهمّ إذا ما نوّم الناس مسهر لذكرى حبيب هيجت لي عبرة … سفوحا وأسباب البكاء التذكر بلى إن فقدان الحبيب بلية … وكم من كريم يبتلى ثم يصبر رأيت خيار المسلمين تواردوا … شعوبا وخلفا بعدهم يتأخر فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا (١) … بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر وزيد وعبد الله حين تتابعوا (١) … جميعا وأسباب المنية تخطر غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم … الى الموت ميمون النقيبة أزهر أغر كضوء البدر من آل هاشم … أبىّ إذا سيم الظلامة مجسر فطاعن حتى مال غير مؤسد … بمعترك فيه القنا متكسر

стр. 1300

فصار مع المستشهدين ثوابه … جنان وملتف الحدائق أخضر وكنا نرى في جعفر من محمد … وفاء وأمرا حازما حين يأمر وما زال في الإسلام من آل هاشم … دعائم عز لا يزلن ومفخر هموا جبل الإسلام والناس حولهم … رضام الى طود يروق ويبهر بهاليل منهم جعفر وابن أمه … عليّ ومنهم أحمد المتخير وحمزة والعباس منهم ومنهمو … عقيل وماء العود من حيث يعصر بهم تفرج اللأواء في كل مأزق … عماس (١) إذا ما ضاق بالناس مصدر هم أولياء الله أنزل حكمه … عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر وقال كعب بن مالك ﵁: نام العيون ودمع عينك يهمل … سحا كما وكف الطباب المخضل (٢) في ليلة وردت على همومها … طورا أخن وتارة أتمهل (٣) واعتادنى حزن فبت كأننى … ببنات نعش والسماك موكل وكأنما بين الجوانح والحشا … مما تأوبني شهاب مدخل وجدا على النفر الذين تتابعوا … يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا صلّى الإله عليهم من فتية … وسقى عظامهم الغمام المسبل صبروا بمؤتة للإله نفوسهم … حذر الردى ومخافة أن ينكلوا فمضوا أمام المسلمين كأنهم … فنق عليهنّ الحديد المرفل إذ يهتدون بجعفر ولوائه … قدام أولهم فنعم الأول حتى تفرجت الصفوف وجعفر … حيث التقى وعث الصفوف مجدل فتغير القمر المنير لفقده … والشمس قد كسفت وكادت تأفل قرم على بنيانه من هاشم … فرعا أشم وسؤددا ما ينقل قوم بهم عصم الإله عباده … وعليهم منزل الكتاب المنزل فضلوا المعاشر عزة وتكرما … وتغمدت أحلامهم من يجهل لا يطلقون الى السفاة حباهموا … وترى خطيبهم بحق يفصل
следующие страницы →