← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

أحمد بن أبى بكر ثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهنيّ عن ابن أبى ذئب عن سعيد المقبري عن أبى هريرة، أن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة وأنى كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني خبز لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير ولا يخدمني فلان وفلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معى كي ينقلب بى فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبى طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكّة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها. تفرد به البخاري. وقال حسان ابن ثابت يرثى جعفرا: ولقد بكيت وعز مهلك جعفر … حب النبي على البرية كلها ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي … من للجلاد لدى العقاب وظلها بالبيض حين تسل من أغمادها … ضربا وإنهال الرماح وعلها بعد ابن فاطمة المبارك جعفر … خير البرية كلها وأجلها رزءا وأكرمها جميعا محتدا … وأعزها متظلما وأذلها للحق حين ينوب غير تنحل … كذبا وأنداها يدا وأقلها فحشا وأكثرها إذا ما يجتدى … فضلا وأنداها يدا وأبلها بالعرف غير محمد لا مثله … حي من أحياء البرية كلها واما ابن رواحة فهو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج أبو محمد ويقال أبو رواحة، ويقال أبو عمرو الأنصاري الخزرجي وهو خال النعمان بن بشير، أخته عمرة بنت رواحة أسلم قديما وشهد العقبة وكان أحد النقباء ليلتئذ لبني الحارث بن الخزرج وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبيّة وخيبر وكان يبعثه على خرصها كما قدمنا وشهد عمرة القضاء ودخل يومئذ وهو ممسك بزمام ناقة رسول الله ﷺ وقيل بغزها - يعنى الركاب - وهو يقول * خلوا بنى الكفار عن سبيله * الأبيات كما تقدم. وكان أحد الأمراء الشهداء يوم مؤتة كما تقدم وقد شجع المسلمين للقاء الروم حين اشتوروا في ذلك وشجع نفسه أيضا حتى نزل بعد ما قتل صاحباه، وقد شهد له رسول الله ﷺ بالشهادة فهو ممن يقطع له بدخول الجنة. ويروى أنه لما أنشد النبي ﷺ شعره حين ودعه الّذي يقول فيه: فثبت الله ما آتاك من حسن … تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا قال له رسول الله ﷺ «وأنت فثبتك الله» قال هشام بن عروة: فثبته الله حتى قتل شهيدا ودخل الجنة. وروى حماد بن زيد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبى ليلى أن عبد الله بن رواحة أتى

стр. 1297

رسول الله ﷺ وهو يخطب فسمعه يقول «اجلسوا» فجلس مكانه خارجا من المسجد حتى فرغ الناس من خطبته، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال «زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله» وقال البخاري في صحيحه وقال ابن معاذ اجلس بنا نؤمن ساعة. وقد ورد الحديث المرفوع في ذلك عن عبد الله بن رواحة بنحو ذلك فقال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد عن عمارة عن زياد النحويّ عن أنس قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة، فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء فقال يا رسول الله ألا ترى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة! فقال النبي ﷺ «رحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة» وهذا حديث غريب جدا. وقال البيهقي ثنا الحاكم ثنا أبو بكر ثنا محمد بن أيوب ثنا أحمد بن يونس ثنا شيخ من أهل المدينة عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن رواحة قال لصاحب له: تعال حتى نؤمن ساعة، قال أو لسنا بمؤمنين؟ قال بلى ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا. وقد روى الحافظ أبو القاسم اللاكائي (١) من حديث أبى اليمان عن صفوان بن سليم عن شريح بن عبيد أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول: قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في مجلس ذكر. وهذا مرسل من هذين الوجهين وقد استقصينا الكلام على ذلك في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة. وفي صحيح البخاري عن أبى الدرداء قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر في حر شديد وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة ﵁، وقد كان من شعراء الصحابة المشهورين، ومما نقله البخاري من شعره في رسول الله ﷺ : وفينا رسول الله نتلو كتابه … إذا انشق معروف من الفجر ساطع يبيت يجافى جنبه عن فراشه … إذا استثقلت بالمشركين المضاجع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا … به موقنات أن ما قال واقع وقال البخاري حدثنا عمران بن ميسرة ثنا محمد بن فضيل عن حصين عن عامر عن النعمان بن بشير قال: أغمى على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكى، وا جبلاه وا كذا وا كذا تعدد عليه فقال حين أفاق: ما قلت شيئا الا قيل لي أنت كذلك؟ حدثنا قتيبة ثنا خيثمة عن حصين عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: أغمى على عبد الله بن رواحة، بهذا. فلما مات لم تبك عليه وقد قدمنا ما رثاه به حسان بن ثابت مع غيره. وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع ﵃: كفى حزنا أنى رجعت وجعفر … وزيد وعبد الله في رمس أقبر

стр. 1298

قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم … وخلفت للبلوى مع المتغير وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية ما رثى به هؤلاء الأمراء الثلاث من شعر حسان بن ثابت وكعب بن مالك ﵄ وأرضاهما. فصل في ذكر من استشهد يوم مؤتة من المسلمين فمن المهاجرين جعفر بن أبى طالب، ومولاهم زيد بن حارثة الكلبي، ومسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة العدوي، ووهب بن سعد بن أبى سرح، فهؤلاء أربعة نفر. ومن الأنصار عبد الله ابن رواحة، وعباد بن قيس الخزرجيان، والحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة النجاري، وسراقة ابن عمرو بن عطية بن خنساء المازني، أربعة نفر. فمجموع من قتل من المسلمين يومئذ هؤلاء الثمانية على ما ذكره ابن إسحاق لكن قال ابن هشام: وممن استشهد يوم مؤتة فيما ذكره ابن شهاب الزهري أبو كليب وجابرا بنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول المازنيان وهما شقيقان لأب وأم، وعمرو وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى فهؤلاء أربعة من الأنصار أيضا فالمجموع على القولين اثنا عشر رجلا وهذا عظيم جدا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين الا اثنا عشر رجلا وقد قتل من المشركين خلق كثير. هذا خالد وحده يقول لقد اندقت في يدي يومئذ تسعة أسياف وما صبرت في يدي الا صفحة يمانية فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها؟! دع غيره من الابطال والشجعان من حملة القرآن، وقد تحكموا في عبدة الصلبان عليهم لعائن الرحمن، في ذلك الزمان وفي كل أوان. وهذا مما يدخل في قوله تعالى ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾. حديث فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السرية (١) وهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب وعبد الله بن رواحة ﵃. قال الامام العالم الحافظ أبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازيّ نضر الله وجهه في كتابه دلائل النبوة - وهو كتاب جليل - حدثنا صفوان بن صالح الدمشقيّ ثنا الوليد ثنا ابن جابر. وحدثنا عبد الرحمن بن

стр. 1299

إبراهيم الدمشقيّ ثنا الوليد وعمرو - يعنى ابن عبد الواحد - قالا: ثنا ابن جابر سمعت سليم بن عامر الخبائرى يقول أخبرنى أبو أمامة الباهلي سمعت رسول الله ﷺ يقول «بينا أنا نائم إذا أتانى رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بى جبلا وعرا فقالا اصعد، فقلت لا أطيقه فقالا إنا سنسهله لك قال فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة فقلت ما هؤلاء الأصوات؟ فقالا عواء أهل النار ثم انطلقا بى فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دما فقلت ما هؤلاء؟ فقالا هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم فقال خابت اليهود والنصارى» قال سليم سمعه من رسول الله ﷺ أم من رأيه؟ «ثم انطلقا بى فإذا قوم أشد شيء انتفاخا وأنتن شيء ريحا كأن ريحهم المراحيض قلت من هؤلاء؟ قالا هؤلاء قتلى الكفار ثم انطلقا بى فإذا بقوم أشد انتفاخا وأنتن شيء ريحا كان ريحهم المراحيض قلت من هؤلاء؟ قال هؤلاء الزانون والزواني ثم انطلقا بى فإذا بنساء ينهش ثديهن الحيات فقلت ما بال هؤلاء؟ قالا هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن ثم انطلقا بى فإذا بغلمان يلعبون بين بحرين قلت من هؤلاء قالا هؤلاء ذراري المؤمنين ثم أشرفا بى شرفا فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم فقلت من هؤلاء؟ قالا هذا جعفر بن أبى طالب وزيد بن حارثة وعبد الله ابن رواحة ثم أشرفا بى شرفا آخر فإذا أنا بنفر ثلاثة فقلت من هؤلاء قالا هذا إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ وهم ينتظرونك. فصل فيما قيل من الاشعار في غزوة مؤتة قال ابن إسحاق: وكان مما بكى به أصحاب مؤتة قول حسان: تأوبنى ليل بيثرب أعسر … وهمّ إذا ما نوّم الناس مسهر لذكرى حبيب هيجت لي عبرة … سفوحا وأسباب البكاء التذكر بلى إن فقدان الحبيب بلية … وكم من كريم يبتلى ثم يصبر رأيت خيار المسلمين تواردوا … شعوبا وخلفا بعدهم يتأخر فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا (١) … بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر وزيد وعبد الله حين تتابعوا (١) … جميعا وأسباب المنية تخطر غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم … الى الموت ميمون النقيبة أزهر أغر كضوء البدر من آل هاشم … أبىّ إذا سيم الظلامة مجسر فطاعن حتى مال غير مؤسد … بمعترك فيه القنا متكسر

стр. 1300

فصار مع المستشهدين ثوابه … جنان وملتف الحدائق أخضر وكنا نرى في جعفر من محمد … وفاء وأمرا حازما حين يأمر وما زال في الإسلام من آل هاشم … دعائم عز لا يزلن ومفخر هموا جبل الإسلام والناس حولهم … رضام الى طود يروق ويبهر بهاليل منهم جعفر وابن أمه … عليّ ومنهم أحمد المتخير وحمزة والعباس منهم ومنهمو … عقيل وماء العود من حيث يعصر بهم تفرج اللأواء في كل مأزق … عماس (١) إذا ما ضاق بالناس مصدر هم أولياء الله أنزل حكمه … عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر وقال كعب بن مالك ﵁: نام العيون ودمع عينك يهمل … سحا كما وكف الطباب المخضل (٢) في ليلة وردت على همومها … طورا أخن وتارة أتمهل (٣) واعتادنى حزن فبت كأننى … ببنات نعش والسماك موكل وكأنما بين الجوانح والحشا … مما تأوبني شهاب مدخل وجدا على النفر الذين تتابعوا … يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا صلّى الإله عليهم من فتية … وسقى عظامهم الغمام المسبل صبروا بمؤتة للإله نفوسهم … حذر الردى ومخافة أن ينكلوا فمضوا أمام المسلمين كأنهم … فنق عليهنّ الحديد المرفل إذ يهتدون بجعفر ولوائه … قدام أولهم فنعم الأول حتى تفرجت الصفوف وجعفر … حيث التقى وعث الصفوف مجدل فتغير القمر المنير لفقده … والشمس قد كسفت وكادت تأفل قرم على بنيانه من هاشم … فرعا أشم وسؤددا ما ينقل قوم بهم عصم الإله عباده … وعليهم منزل الكتاب المنزل فضلوا المعاشر عزة وتكرما … وتغمدت أحلامهم من يجهل لا يطلقون الى السفاة حباهموا … وترى خطيبهم بحق يفصل

стр. 1301

بيض الوجوه ترى بطون أكفهم … تندى إذا اعتذر الزمان الممحل وبهداهم رضى الآله لخلقه … وبجدهم (١) نصر النبي المرسل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب بعث رسول الله ﷺ الى ملوك الآفاق وكتبه اليهم يدعوهم الى الله وإلى الدخول في دين الإسلام ذكر الواقدي أن ذلك كان في آخر سنة ست في ذي الحجة بعد عمرة الحديبيّة، وذكر البيهقي هذا الفصل في هذا الموضع بعد غزوة مؤتة والله أعلم. ولا خلاف بينهم أن بدء ذلك كان قبل فتح مكة وبعد الحديبيّة لقول أبى سفيان لهرقل حين سأله هل يغدر فقال لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. وفي لفظ البخاري وذلك في المدة التي مادّ فيها أبو سفيان رسول الله ﷺ . وقال محمد بن إسحاق: كان ذلك ما بين الحديبيّة ووفاته ﵇. ونحن نذكر ذلك هاهنا وإن كان قول الواقدي محتملا والله أعلم. وقد روى مسلم عن يوسف بن حماد المعنى عن عبد الأعلى عن سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كتب قبل مؤتة الى كسرى وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله وليس بالنجاشي الّذي صلّى عليه. وقال يونس ابن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس حدثني أبو سفيان من فيه إلى فىّ قال: كنا قوما تجارا وكانت الحرب قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا، فلما كانت الهدنة - هدنة الحديبيّة - بيننا وبين رسول الله ﷺ لا نأمن إن وجدنا أمنا، فخرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش فو الله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا الا وقد حملني بضاعة، وكان وجه متجرنا من الشام غزة من أرض فلسطين فخرجنا حتى قدمناها وذلك حين ظهر قيصر صاحب الروم على من كان في بلاده من الفرس فأخرجهم منها ورد عليه صليبه الأعظم وقد كان استلبوه إياه، فلما أن بلغه ذلك وقد كان منزله بحمص من الشام فخرج منها يمشى متشكرا إلى بيت المقدس ليصلّى فيه تبسط له البسط ويطرح عليها الرياحين، حتى انتهى إلى إيلياء فصلّى بها فأصبح ذات غداة وهو مهموم يقلب طرفه إلى السماء، فقالت له بطارقته أيها الملك لقد أصبحت مهموما؟ فقال أجل، فقالوا وما ذاك؟ فقال أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر، فقالوا والله ما نعلم أمة من الأمم تختتن الا اليهود وهم تحت يديك وفي سلطانك فان كان قد وقع ذلك في نفسك

стр. 1302

منهم فابعث في مملكتك كلها فلا يبقى يهودي الا ضربت عنقه، فتستريح من هذا الهم. فإنهم في ذلك من رأيهم يديرونه بينهم إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع اليهم، فقال: أيها الملك إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والإبل يحدثك عن حدث كان ببلاده فاسأله عنه، فلما انتهى اليه قال لترجمانه: سله ما هذا الخبر الّذي كان في بلاده؟ فسأله فقال: هو رجل من العرب من قريش خرج يزعم أنه نبي وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن فخرجت من بلادي وهم على ذلك. فلما أخبره الخبر قال جردوه فإذا هو مختتن فقال هذا والله الّذي قد أريت لا ما تقولون، أعطه ثوبه، انطلق لشأنك. ثم إنه دعا صاحب شرطته فقال له قلب لي الشام ظهرا لبطن حتى تأتى برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه، قال أبو سفيان فو الله إني وأصحابى لبغزة إذ هجم علينا فسألنا ممن أنتم؟ فأخبرناه فساقنا اليه جميعا فلما انتهينا اليه قال أبو سفيان: فو الله ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأغلف - يريد هرقل - قال فلما انتهينا اليه قال أيكم أمس به رحما؟ فقلت أنا، قال أدنوه منى، قال فأجلسني بين يديه ثم أمر أصحابى فأجلسهم خلفي وقال: إن كذب فردوا عليه، قال أبو سفيان فلقد عرفت أنى لو كذبت ما ردوا على ولكنى كنت امرأ سيدا أتكرم وأستحى من الكذب وعرفت أن أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عنى ثم يتحدثونه عنى بمكة فلم أكذبه، فقال أخبرنى عن هذا الرجل الّذي خرج فيكم، فزهدت له شأنه وصغرت له أمره، فقلت سلني عما بدا لك؟ قال كيف نسبه فيكم؟ فقلت محضا من أوسطنا نسبا، قال فأخبرني هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به؟ فقلت لا قال فأخبرني هل له ملك فاسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوه عليه؟ فقلت لا قال فأخبرني عن اتباعه من هم؟ فقلت الأحداث والضعفاء والمساكين فاما أشرافهم وذوو الأنساب منهم فلا، قال فأخبرني عمن صحبه أيحبه ويكرمه أم يقليه ويفارقه؟ قلت ما صحبه رجل ففارقه قال فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه؟ فقلت سجال يدال علينا وندال عليه. قال فأخبرني هل يغدر فلم أجد شيئا أغره به إلا هي قلت لا ونحن منه في مدة ولا نأمن غدره فيها. فو الله ما التفت اليها منى قال فأعاد على الحديث، قال: زعمت أنه من أمحضكم نسبا وكذلك يأخذ الله النبي لا يأخذه الا من أوسط قومه، وسألتك هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به فقلت لا، وسألتك هل كان له ملك فاسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه فقلت لا، وسألتك عن اتباعه فزعمت أنهم الاحداث والمساكين والضعفاء وكذلك أتباع الأنبياء في كل زمان، وسألتك عمن يتبعه أيحبه ويكرمه أم يقليه ويفارقه فزعمت أنه قل من يصحبه فيفارقه وكذلك حلاوة الايمان لا تدخل قلبا فتخرج منه، وسألتك كيف الحرب بينكم وبينه فزعمت أنها سجال يدال عليكم وتدالون عليه وكذلك يكون حرب الأنبياء

стр. 1303

ولهم تكون العاقبة، وسألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر فلئن كنت صدقتني ليغلبن على ما تحت قدمي هاتين ولوددت أنى عنده فأغسل عن قدميه، ثم قال الحق بشأنك قال فقمت وأنا أضرب إحدى يدي على الأخرى وأقول: يا عباد الله لقد أمر [أمر ابن أبى كبشة، وأصبح ملوك بنى الأصفر يخافونه في سلطانهم. قال ابن إسحاق: وحدثني] (١) الزهري قال حدثني أسقف من النصارى قد أدرك ذلك الزمان قال: قدم دحية بن خليفة على هرقل بكتاب رسول الله ﷺ فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فان أبيت فان إثم الا كاريين عليك. قال فلما انتهى اليه كتابه وقرأه أخذه فجعله بين فخذه وخاصرته ثم كتب الى رجل من أهل رومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ يخبره عما جاء من رسول الله ﷺ فكتب اليه إنه النبي الّذي ينتظر لا شك فيه فاتبعه، فأمر بعظماء الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه ثم امر بها فاشرحت (٢) عليهم واطلع عليهم من علية له وهو منهم خائف فقال: يا معشر الروم إنه قد جاءني كتاب احمد وإنه والله النبي الّذي كنا ننتظر ومجمل ذكره في كتابنا نعرفه بعلاماته وزمانه فأسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم فنخروا نخرة رجل واحد وابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها مغلقة دونهم، فخافهم وقال ردوهم على فردوهم عليه فقال لهم يا معشر الروم إني إنما قلت لكم هذه المقالة أختبركم بها لأنظر كيف صلابتكم في دينكم؟ فلقد رأيت منكم ما سرني فوقعوا له سجدا ثم فتحت لهم أبواب الدسكرة فخرجوا. وقد روى البخاري قصة أبى سفيان مع هرقل بزيادات أخر أحببنا أن نوردها بسندها وحروفها من الصحيح ليعلم ما بين السياقين من التباين وما فيهما من الفوائد. قال البخاري قبل الايمان من صحيحه حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ثنا شعيب عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل اليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بايلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الّذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان فقلت أنا أقربهم نسبا، قال أدنوه منى وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل فان كذبني فكذبوه، فو الله لولا أن يؤثروا عنى كذبا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال كيف نسبه فيكم؟ قلت هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت لا قال فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت لا قال فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت بل ضعفاؤهم قال أيزيدون أم ينقصون؟ قلت بل يزيدون قال فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه

стр. 1304

بعد أن يدخل فيه؟ قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت لا قال فهل يغدر، قلت لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال فهل قاتلتمونه؟ قلت نعم قال فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه، قال ماذا يأمركم؟ قلت يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، فقال للترجمان: قل له سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله فذكرت أن لا فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يتأسى بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه [من ملك] فذكرت أن لا فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الايمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا وكذلك الايمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فان كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمىّ هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم فلو أعلم أنى أخلص اليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الّذي بعث به مع دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فإذا فيه، بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد، فانى أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فان توليت فان عليك إثم الاريستين و ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين خرجنا لقد امّر أمر ابن أبى كبشة أنه يخافه ملك بنى الأصفر، فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام قال وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل أسقف على نصارى الشام يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس، فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك؟ قال ابن الناطور: وكان هرقل حزّاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه إني رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان

стр. 1305

قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمم؟ قالوا ليس يختتن الا اليهود ولا يهمنك شأنهم واكتب الى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسّان فخبرهم عن خبر رسول الله ﷺ ، فلما استخبره هرقل قال اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا اليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب إلى صاحب له بروميّة - وكان نظيره في العلم - وسار هرقل إلى حمص فلم يرم بحمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأى هرقل على خروج النبي ﷺ وهو نبي، فآذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم؟ فتتابعوا لهذا النبي، فحاصوا حيصة حمر الوحش الى الأبواب فوجدوها قد غقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الايمان قال ردوهم على، وقال إني إنما قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه. فكان ذلك آخر شأن هرقل. قال البخاري: ورواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري. وقد رواه البخاري في مواضع كثيرة في صحيحه بألفاظ يطول استقصاؤها. وأخرجه بقية الجماعة الا ابن ماجة من طرق عن الزهري. وقد تكلمنا على هذا الحديث مطولا في أول شرحنا لصحيح البخاري بما فيه كفاية وذكرنا فيه من الفوائد والنكت المعنوية واللفظية ولله الحمد والمنة. وقال ابن لهيعة عن الأسود عن عروة قال: خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام تاجرا في نفر من قريش وبلغ هرقل شأن رسول الله ﷺ فأراد أن يعلم ما يعلم من شأن رسول الله ﷺ فأرسل إلى صاحب العرب الّذي بالشام في ملكه يأمره أن يبعث اليه برجال من العرب يسألهم عنه، فأرسل اليه ثلاثين رجلا منهم أبو سفيان ابن حرب، فدخلوا عليه في كنيسة إيلياء التي في جوفها، فقال هرقل: أرسلت إليكم لتخبروني عن هذا الّذي بمكة ما أمره؟ قالوا ساحر كذاب وليس بنبي، قال فأخبروني من أعلمكم به وأقربكم منه رحما؟ قالوا هذا أبو سفيان ابن عمه وقد قاتله، فلما أخبروه ذلك أمر بهم فاخرجوا عنه ثم أجلس أبا سفيان فاستخبره، قال أخبرني يا أبا سفيان؟ فقال هو ساحر كذاب، فقال هرقل إني لا أريد شتمه ولكن كيف نسبه فيكم؟ قال هو والله من بيت قريش، قال كيف عقله ورأيه؟ قال لم يغب له رأى قط، قال هرقل هل كان حلافا كذابا مخادعا في أمره؟ قال لا والله ما كان كذلك، قال لعله يطلب ملكا أو شرفا كان لأحد من أهل بيته قبله؟ قال أبو سفيان لا، ثم قال من يتبعه منكم هل يرجع إليكم منهم أحد؟ قال لا، قال هرقل هل يغدر إذا عاهد؟ قال لا إلا أن يغدر مدته هذه. فقال هرقل وما تخاف من مدته هذه؟ قال إن قومي أمدوا حلفاءهم على حلفائه وهو بالمدينة، قال هرقل إن كنتم أنتم بدأتم فأنتم أغدر، فغضب ابو سفيان وقال لم يغلبنا الامرة واحدة وأنا يومئذ غائب وهو يوم

стр. 1306

بدر، ثم غزوته مرتين في بيوتهم نبقر البطون ونجدع الآذان والفروج، فقال هرقل كذابا تراه أم صادقا فقال بل هو كاذب، فقال إن كان فيكم نبي فلا تقتلوه فان أفعل الناس لذلك اليهود. ثم رجع أبو سفيان ففي هذا السياق غرابة وفيه فوائد ليست عند ابن إسحاق ولا البخاري. وقد أورد موسى ابن عقبة في مغازيه قريبا مما ذكره عروة بن الزبير والله أعلم. وقال ابن جرير في تاريخه: حدثنا ابن حميد ثنا سلمة ثنا محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم قال: إن هرقل قال لدحية بن خليفة الكلبي حين قدم عليه بكتاب رسول الله ﷺ والله إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل، وأنه الّذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا ولكنى أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لا تبعته، فاذهب الى صفاطر الأسقف فاذكر له أمر صاحبكم فهو والله في الروم أعظم منى وأجود قولا عندهم منى، فانظر ماذا يقول لك؟ قال فجاء دحية فأخبره بما جاء به من رسول الله ﷺ الى هرقل وبما يدعو اليه، فقال صفاطر والله صاحبك نبي مرسل نعرفه بصفته ونجده في كتابنا باسمه، ثم دخل وألقى ثيابا كانت عليه سودا وليس ثيابا بياضا ثم أخذ عصاه فخرج على الروم في الكنيسة فقال: يا معشر الروم إنه قد جاءنا كتاب من احمد يدعونا فيه الى الله وانى أشهد أن لا إله الا الله وأن احمد عبده ورسوله. قال فوثبوا اليه وثبة رجل واحد فضربوه حتى قتلوه قال فلما رجع دحية الى هرقل فأخبره الخبر قال قد قلت لك إنا نخافهم على أنفسنا، فصفاطر والله كان أعظم عندهم واجوز قولا منى [وقد روى الطبراني من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن عبد الله بن شداد عن دحية الكلبي قال: بعثني رسول الله ﷺ الى قيصر صاحب الروم بكتاب فقلت استأذنوا لرسول رسول الله ﷺ ، فأتى قيصر فقيل له إن على الباب رجلا يزعم أنه رسول رسول الله ففزعوا لذلك وقال أدخله فأدخلني عليه وعنده بطارقته فأعطيته الكتاب فإذا فيه، بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى قيصر صاحب الروم، فنخر ابن أخ له احمر أزرق سبط فقال لا تقرأ الكتاب اليوم فإنه بدأ بنفسه وكتب صاحب الروم ولم يكتب ملك الروم، قال فقرئ الكتاب حتى فرغ منه ثم أمرهم فخرجوا من عنده ثم بعث الى فدخلت عليه فسألني فأخبرته، فبعث الى الأسقف فدخل عليه - وكان صاحب أمرهم يصدرون عن رأيه وعن قوله - فلما قرأ الكتاب قال الأسقف: هو والله الّذي بشرنا به موسى وعيسى الّذي كنا ننتظر. قال قيصر فما تأمرنى؟ قال الأسقف أما أنا فإني مصدقه ومتبعه، فقال قيصر: أعرف أنه كذلك ولكن لا أستطيع أن أفعل إن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم] (١) وبه قال محمد بن إسحاق عن خالد بن يسار عن رجل من قدماء أهل الشام قال: لما أراد هرقل الخروج من ارض الشام الى القسطنطينية لما بلغه من أمر النبي ﷺ جمع الروم فقال: يا معشر الروم إني عارض

стр. 1307

عليكم أمورا فانظروا فيما أردت بها؟ قالوا ما هي؟ قال تعلمون والله أن هذا الرجل لنبي مرسل نجده نعرفه بصفته التي وصف لنا فهلم فلنتبعه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا فقالوا نحن نكون تحت أيدي العرب ونحن أعظم الناس ملكا، وأكثره رجالا. وأقصاه بلدا؟! قال فهلم أعطيه الجزية كل سنة أكسر شوكته وأستريح من حربه بما أعطيه إياه، قالوا نحن نعطي العرب الذل والصغار بخرج يأخذونه منا ونحن أكثر الناس عددا، وأعظمه ملكا، وأمنعه بلدا، لا والله لا نفعل هذا أبدا، قال فهلم فلأصالحه على أن أعطيه أرض سورية ويدعني وأرض الشام، قال وكانت أرض سورية، فلسطين والأردن ودمشق وحمص وما دون الدرب سورية، وما كان وراء الدرب عندهم فهو الشام. فقالوا نحن نعطيه أرض سورية وقد عرفت أنها أرض سورية الشام لا نفعل هذا أبدا، فلما أبوا عليه قال أما والله لتودن أنكم قد ظفرتم إذا امتنعتم منه في مدينتكم. قال ثم جلس على بغل له فانطلق حتى إذا أشرف على الدرب استقبل أرض الشام ثم قال: السلام عليك يا أرض سورية تسليم الوداع، ثم ركض حتى دخل قسطنطينية والله أعلم. ذكر إرساله ﵇ الى ملك العرب من النصارى الذين بالشام قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب أخا بنى أسد بن خزيمة الى المنذر ابن الحارث بن أبى شمر الغساني صاحب دمشق (١). قال الواقدي: وكتب معه، سلام على من اتبع الهدى وآمن به، وأدعوك الى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك. فقدم شجاع بن وهب فقرأه عليه فقال: ومن ينتزع ملكي؟ إني سأسير اليه. ذكر بعثه الى كسرى ملك الفرس وروى البخاري من حديث الليث عن يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه مع رجل الى كسرى وأمره أن يدفعه الى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين الى كسرى، فلما قرأه كسرى مزقه قال فحسبت أن ابن المسيب قال فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق. وقال عبد الله بن وهب عن يونس عن الزهري حدثني عبد الرحمن بن عبد القاري أن رسول الله ﷺ قام ذات يوم على المنبر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال: «أما بعد فانى أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم فلا تختلفوا على كما اختلفت بنو إسرائيل على عيسى بن مريم» فقال المهاجرون: يا رسول الله إنا لا نختلف عليك في شيء أبدا فمرنا وابعثنا، فبعث شجاع بن وهب إلى كسرى فأمر كسرى بايوانه أن يزين

стр. 1308

ثم اذن لعظماء فارس، ثم أذن لشجاع بن وهب، فلما أن دخل عليه أمر كسرى بكتاب رسول الله ﷺ أن يقبض منه، فقال شجاع بن وهب: لا حتى أدفعه أنا إليك كما أمرنى رسول الله ﷺ ، فقال كسرى ادنه فدنا فناوله الكتاب ثم دعا كاتبا له من أهل الحيرة فقرأه فإذا فيه، من محمد بن عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم فارس. قال فأغضبه حين بدأ رسول الله ﷺ بنفسه وصاح وغضب ومزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه، وأمر بشجاع ابن وهب فاخرج، فلما رأى ذلك قعد على راحلته ثم سار ثم قال: والله ما أبالى على أي الطريقين أكون إذ أديت كتاب رسول الله ﷺ . قال ولما ذهب عن كسرى سورة غضبه بعث الى شجاع ليدخل عليه فالتمس فلم يوجد، فطلب إلى الحيرة فسبق، فلما قدم شجاع على النبي ﷺ أخبره بما كان من أمر كسرى وتمزيقه لكتاب رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ «مزق كسرى ملكه» وروى محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن أبى سلمة أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن حذافة بكتابه إلى كسرى؟ فلما قرأه مزقه، فلما بلغ رسول الله ﷺ قال «مزق ملكه» وقال ابن جرير (١) حدثنا أحمد بن حميد ثنا سلمة ثنا ابن إسحاق عن زيد بن أبى حبيب قال: وبعث عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه، بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله فانى أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين. فان تسلم تسلم وإن أبيت فان إثم المجوس عليك. قال فلما قرأه شقه وقال: يكتب إلى بهذا وهو عبدي؟! قال ثم كتب كسرى الى باذام وهو نائبة على اليمن أن ابعث الى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به، فبعث باذام قهرمانه - وكان كاتبا حاسبا - بكتاب فارس وبعث معه رجلا من الفرس يقال له خرخرة، وكتب معهما الى رسول الله ﷺ يأمره أن ينصرف معهما الى كسرى وقال: لأبا ذويه ايت بلاد هذا الرجل وكلمه وائتني بخبره، فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجلا من قريش في أرض الطائف فسألوه عنه فقال هو بالمدينة، واستبشر أهل الطائف - يعنى وقريش بهما - وفرحوا. وقال بعضهم لبعض أبشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك كفيتم الرجل، فخرجا حتى قدما على رسول الله ﷺ فكلمه أبا ذويه فقال: شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب الى الملك باذام يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك وقد بعثني إليك لتنطلق معى، فان

стр. 1309

فعلت كتب لك الى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك. ودخلا على رسول الله ﷺ وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فكره النظر اليهما وقال «ويلكما من أمركما بهذا؟» قالا أمرنا ربنا - يعنيان كسرى - فقال رسول الله ﷺ «ولكن ربى أمرنى بإعفاء لحيتي وقص شاربى» ثم قال «ارجعا حتى تأتيانى غدا» قال وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بان الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا وكذا في ليلة كذا وكذا من الليل سلط عليه ابنه شيرويه فقتله. قال فدعاهما فأخبرهما فقالا هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا فنكتب عنك بهذا ونخبر الملك باذام؟ قال «نعم أخبراه ذاك عنى وقولا له إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى وينتهى الى الخف والحافر، وقولا له إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملكتك على قومك من الأبناء» ثم أعطى خرخرة منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك فخرجا من عنده حتى قدما على باذام فأخبراه الخبر فقال والله ما هذا بكلام ملك وإني لأرى الرجل نبيا كما يقول وليكونن ما قد قال، فلئن كان هذا حقا فهو نبي مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأيا. فلم ينشب باذام أن قدم عليه كتاب شيرويه أما بعد، فانى قد قتلت كسرى ولم أقتله الا غضبا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم ونحرهم في ثغورهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك، وانطلق الى الرجل الّذي كان كسرى قد كتب فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمرى فيه. فلما انتهى كتاب شيرويه الى باذام قال: إن هذا الرجل لرسول فأسلم وأسلمت الأبناء من فارس من كان منهم باليمن. قال وقد قال باذويه لباذام: ما كلمت أحدا أهيب عندي منه. فقال له باذام هل معه شرط؟ قال لا. قال الواقدي ﵀: وكان قتل كسرى على يدي ابنه شيرويه ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الآخرة من سنة سبع من الهجرة لست ساعات مضت منها: قلت: وفي شعر بعضهم ما يرشد أن قتله كان في شهر الحرام وهو قول بعض الشعراء: قتلوا كسرى بليل محرما … فتولى لم يمتع بكفن وقال بعض شعراء العرب: وكسرى إذ تقاسمه بنوه … بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيوم … أتى ولكل حاملة تمام وروى الحافظ البيهقي من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن أبى بكرة أن رجلا من أهل فارس أتى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «إن ربى قد قتل الليلة ربك» قال وقيل له - يعنى النبي ﷺ إنه قد استخلف ابنته فقال «لا يفلح قوم تملكهم امرأة». قال

стр. 1310

البيهقي: وروى في حديث دحية بن خليفة أنه لما رجع من عند قيصر وجد عند رسول الله ﷺ رسل كسرى، وذلك أن كسرى بعث يتوعد صاحب صنعاء ويقول له: ألا تكفيني أمر رجل قد ظهر بأرضك يدعوني الى دينه، لتكفينه أو لأفعلن بك، فبعث اليه فقال لرسله «أخبروه أن ربى قد قتل ربه الليلة» فوجدوه كما قال. قال وروى داود بن أبى هند عن عامر الشعبي نحو هذا. ثم روى البيهقي من طريق أبى بكر بن عياش عن داود بن أبى هند عن أبيه عن أبى هريرة قال: أقبل سعد الى رسول الله ﷺ فقال: «إن في وجه سعد خبرا «فقال يا رسول الله هلك كسرى» فقال «لعن الله كسرى أول الناس هلاكا فارس ثم العرب». قلت: الظاهر أنه لما أخبر رسول الله ﷺ بهلاك كسرى لذينك الرجلين يعنى الأميرين اللذين قدما من نائب اليمن باذام، فلما جاء الخبر بوفق ما أخبر به ﵊ وشاع في البلاد وكان سعد بن أبى وقاص أول من سمع جاء الى رسول الله ﷺ فأخبره بوفق إخباره ﵇ وهكذا بنحو هذا التقدير ذكره البيهقي ﵀. ثم روى البيهقي من غير وجه عن الزهري أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه بلغه أن كسرى بينما هو في دسكرة ملكه بعث له - أو قيض له - عارض يعرض عليه الحق فلم يفجأ كسرى الا برجل يمشى وفي يده عصا فقال: يا كسرى هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا؟ فقال كسرى نعم لا تكسرها، فولى الرجل فلما ذهب أرسل كسرى الى حجابه فقال من أذن لهذا الرجل على؟ فقالوا ما دخل عليك أحد، فقال كذبتم، قال فغضب عليهم وتهددهم ثم تركهم. قال فلما كان رأس الحول أتى ذلك الرجل ومعه العصا قال يا كسرى هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا؟ قال نعم لا تكسرها، فلما انصرف عنه دعا حجابه قال لهم كالمرة الأولى، فلما كان العام المستقبل أتاه ذلك الرجل معه العصا فقال له هل لك يا كسرى في الإسلام قبل أن أكسر العصا فقال لا تكسرها لا تكسرها فكسرها، فأهلك الله كسرى عند ذلك. وقال الامام الشافعيّ: انبأ ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، فو الّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» أخرجه مسلم من حديث ابن عيينة وأخرجاه من حديث الزهري به. قال الشافعيّ ولما أتى كسرى بكتاب رسول الله ﷺ مزقه فقال رسول الله ﷺ «يمزق ملكه» وحفظنا أن قيصر أكرم كتاب رسول الله ﷺ ووضعه في مسك، فقال رسول الله ﷺ «ثبت ملكه» قال الشافعيّ وغيره من العلماء ولما كانت العرب تأتى الشام والعراق للتجارة فأسلم من أسلم منهم شكوا خوفهم من ملكي العراق والشام الى رسول الله ﷺ فقال «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده» قال فباد ملك

стр. 1311

الا كاسرة بالكلية وزال ملك قيصر عن الشام بالكلية، وإن ثبت لهم ملك في الجملة ببركة دعاء رسول الله ﷺ لهم حين عظموا كتابه والله أعلم. قلت: وفي هذا بشارة عظيمة بان ملك الروم لا يعود أبدا الى أرض الشام. وكانت العرب تسمى قيصر لمن ملك الشام مع الجزيرة من الروم، وكسرى لمن ملك الفرس، والنجاشي لمن ملك الحبشة، والمقوقس لمن ملك الاسكندرية، وفرعون لمن ملك مصر كافرا، وبطليموس لمن ملك الهند ولهم أعلام أجناس غير ذلك وقد ذكرناها في غير هذا الموضع والله أعلم. وروى مسلم عن قتيبة وغيره عن أبى عوانة عن سماك عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله ﷺ «لتفتتحن عصابة من المسلمين كنوز كسرى في القصر الأبيض» وروى أسباط عن سماك عن جابر بن سمرة مثل ذلك وزاد: وكنت أنا وأبى فيهم فأصبنا من ذلك ألف درهم. بعثه ﵇ الى المقوقس صاحب مدينة الاسكندرية واسمه جريج بن مينا القبطي قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثني الزهري عن عبد الله بن عبد القاري أن رسول الله ﷺ بعث حاطب بن أبى بلتعة الى المقوقس صاحب الإسكندرية فمضى بكتاب رسول الله ﷺ اليه، فقبل الكتاب وأكرم حاطبا وأحسن نزله وسرحه الي النبي ﷺ ، وأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة بسرجها وجاريتين إحداهما أم إبراهيم واما الأخرى فوهبها رسول الله ﷺ لمحمد بن قيس العبديّ. رواه البيهقي ثم روى من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن جده حاطب بن أبى بلتعة قال: بعثني رسول الله ﷺ الى المقوقس ملك الاسكندرية، قال فجئته بكتاب رسول الله ﷺ فأنزلني في منزله وأقمت عنده، ثم بعث الى وقد جمع بطارقته وقال: إني سائلك عن كلام فأحب أن تفهم عنى قال قلت هلم قال أخبرنى عن صاحبك أليس هو نبي؟ قلت بل هو رسول الله، قال فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده الى غيرها؟ قال فقلت عيسى ابن مريم أليس تشهد أنه رسول الله؟ قال بلى قلت فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم بان يهلكهم الله حيث رفعه الله الى السماء الدنيا؟ فقال لي: أنت حكيم قد جاء من عند حكيم هذه هدايا أبعث بها معك الى محمد وأرسل معك ببذرقة يبذرقونك الى مأمنك، قال فاهدى الى رسول الله ﷺ ثلاث جوار منهن أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وواحدة وهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت الأنصاري، وأرسل اليه بطرف من طرفهم. وذكر ابن إسحاق أنه أهدى الى رسول الله ﷺ أربع جوار إحداهن مارية أم إبراهيم والأخرى سيرين التي وهبها لحسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن بن حسان.

стр. 1312

قلت: وكان في جملة الهدية غلام أسود خصى اسمه مابور وخفين ساذجين أسودين وبغلة بيضاء اسمها الدلدل، وكان مابور هذا خصيا ولم يعلموا بأمره بادى الأمر فصار يدخل على مارية كما كان من عاداتهم ببلاد مصر، فجعل بعض الناس يتكلم فيهما بسبب ذلك ولا يعلمون بحقيقة الحال وأنه خصى حتى قال بعضهم إنه الّذي أمر رسول الله ﷺ على بن أبى طالب بقتله فوجده خصيا فتركه والحديث في صحيح مسلم من طريق … (١) قال ابن إسحاق: وبعث سليط بن عمرو بن عبد ودّ أخا بنى عامر بن لؤيّ إلى هوذة بن على صاحب اليمامة وبعث العلاء بن الحضرميّ إلى جيفر بن الجلندي وعمار بن الجلندي الازديين صاحبي عمان (٢). غزوة ذات السلاسل ذكرها الحافظ البيهقي هاهنا قبل غزوة الفتح، فساق من طريق موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص الى ذات السلاسل من مشارف الشام في بلىّ وعبد الله ومن يليهم من قضاعة. قال عروة بن الزبير وبنو بلى أخوال العاص بن وائل، فلما صار الى هناك خاف من كثرة عدوه فبعث الى رسول الله ﷺ يستمده، فندب رسول الله ﷺ المهاجرين الأولين فانتدب أبو بكر وعمر في جماعة من سراة المهاجرين ﵃ أجمعين، وأمّر عليهم رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح. قال موسى بن عقبة فلما قدموا على عمرو قال أنا أميركم وأنا أرسلت الى رسول الله ﷺ أستمده بكم، فقال المهاجرون بل أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أمير المهاجرين، فقال عمرو إنما أنتم مدد أمددته، فلما رأى ذلك أبو عبيدة - وكان رجل حسن الخلق لين الشيمة - قال: تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد الى رسول الله ﷺ أن قال: «إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا» وإنك إن عصيتني لأطيعنك. فسلم أبو عبيدة الامارة لعمرو بن العاص. وقال محمد بن إسحاق حدثني محمد ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص يستنفر العرب الى الإسلام (٣) وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بنى بلى فبعثه رسول الله ﷺ اليهم يتألفهم بذلك، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلاسل - وبه سميت تلك الغزوة ذات السلاسل - قال فلما كان عليه وخاف بعث الى رسول الله ﷺ يستمده فبعث اليه أبا عبيدة بن الجراح

стр. 1313

في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر، وقال لأبى عبيدة حين وجهه «لا تختلفا» فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه قال له عمرو: إنما جئت مددا لي، فقال له أبو عبيدة لا ولكنى على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه. وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا، هينا عليه أمر الدنيا. فقال له عمرو أنت مددى فقال له أبو عبيدة يا عمرو إن رسول الله ﷺ قد قال لي «لا تختلفا» وإنك إن عصيتني أطعتك، فقال له عمرو فانى أمير عليك وإنما أنت مدد لي، قال فدونك فصلّى عمرو بن العاص بالناس. وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان عن يزيد بن رومان أن أبا عبيدة لما آب الى عمرو ابن العاص فصاروا خمسمائة فساروا الليل والنهار حتى وطئ بلاد بلى ودوخها، وكلما انتهى الى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا بك تفرقوا حتى انتهى الى أقصى بلاد بلى وعذرة وبلقين ولقي في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير فاقتتلوا ساعة، وتراموا بالنبل ساعة، ورمى يومئذ عامر بن ربيعة وأصيب ذراعه، وحمل المسلمون عليهم فهزموا وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا ودوخ عمرو ما هناك أو قام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم فكانوا ينحرون ويذبحون ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن غنائم تقسم. وقال ابو داود ثنا ابن المثنى ثنا وهب بن جرير ثنا أبى سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبى حبيب عن عمران بن أبى أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص. قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، قال فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قال فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت إني سمعت الله يقول ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ فضحك نبي الله ﷺ ولم يقل شيئا. حدثنا محمد بن سلمة ثنا ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد ابن أبى حبيب عن عمران بن أبى انس عن عبد الرحمن بن جبير عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص - وكان على سرية - فذكر الحديث بنحوه قال فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلّى بهم فذكر نحوه ولم يذكر التيمم. قال ابو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية وقال فيه فتيمم. وقال الواقدي حدثني أفلح بن سعيد عن ابن عبد الرحمن بن رقيش عن أبى بكر بن حزم قال: كان عمرو بن العاص حين قفلوا احتلم في ليلة باردة كأشد ما يكون من البرد، فقال لأصحابه ما ترون والله احتلمت فان اغتسلت مت، فدعا بماء فتوضأ وغسل فرجه وتيمم ثم قام فصلّى بهم، فكان أول من بعث عوف بن مالك بريدا، قال عوف فقدمت على رسول الله ﷺ في السحر وهو يصلّى في بيته فسلمت عليه فقال رسول الله ﷺ «عوف بن مالك؟» فقلت عوف بن مالك يا رسول الله، قال «صاحب الجزور؟» قلت نعم ولم يزد على هذا بعد ذلك شيئا ثم قال «أخبرنى»

стр. 1314

فأخبرته بما كان من مسيرنا وما كان من أبى عبيدة وعمرو ومطاوعة أبى عبيدة، فقال رسول الله ﷺ «يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح» قال ثم أخبرته أن عمرا صلّى بالناس وهو جنب ومعه ماء لم يزد على أن غسل فرجه وتوضأ، فسكت رسول الله ﷺ فلما قدم عمرو على رسول الله ﷺ سأله عن صلاته فأخبره فقال: والّذي بعثك بالحق إني لو اغتسلت لمت لم أجد بردا قط مثله. وقد قال تعالى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ قال فضحك رسول الله ﷺ ولم يبلغنا أنه قال شيئا. وقال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبى حبيب عن عوف بن مالك الأشجعي قال كنت في الغزوة التي بعث فيها رسول الله ﷺ عمرو بن العاص وهي غزوة ذات السلاسل فصحبت أبا بكر وعمر فمررت بقوم وهم على جزور قد نحروها وهم لا يقدرون على أن يبعضوها وكنت امرأ جازرا، فقلت لهم تعطوني منها عشرا على أن أقسمها بينكم؟ قالوا نعم فأخذت الشفرة فجزأتها مكاني وأخذت منها جزءا فحملته إلى أصحابى فاطبخناه وأكلناه، فقال أبو بكر وعمر: أنى لك هذا اللحم يا عوف؟ فأخبرتهما فقالا لا والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا، ثم قاما يتقيّئان ما في بطونهما منه، فلما أن قفل الناس من ذلك السفر كنت أول قادم على رسول الله ﷺ فجئته وهو يصلّى في بيته فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال «أعوف بن مالك؟» فقلت نعم بأبي أنت وأمى فقال «صاحب الجزور؟» ولم يزدني على ذلك شيئا. هكذا رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبى حبيب عن عوف بن مالك وهو منقطع بل معضل. قال الحافظ البيهقي: وقد رواه ابن لهيعة وسعيد بن أبى أيوب عن يزيد بن أبى حبيب عن ربيعة بن لقيط عن مالك بن زهدم أظنه عن عوف بن مالك فذكر نحوه إلا أنه قال: فعرضته على عمر فسألني عنه فأخبرته فقال قد تعجلت أجرك ولم يأكله. ثم حكى عن أبى عبيدة مثله ولم يذكر فيه أبا بكر وتمامه كنحو ما تقدم. وقال الحافظ البيهقي أنبأ أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ثنا يحيى ابن أبى طالب ثنا على بن عاصم ثنا خالد الحذاء عن أبى عثمان النهدي سمعت عمرو بن العاص يقول بعثني رسول الله ﷺ على جيش ذات السلاسل وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على أبى بكر وعمر الا لمنزلة لي عنده، قال فأتيته حتى قعدت بين يديه فقلت يا رسول الله من أحب الناس إليك قال «عائشة»؟ قلت إني لست أسألك عن أهلك قال «فأبوها» قلت ثم من؟ قال «عمر» قلت ثم من؟ حتى عدد رهطا قال قلت في نفسي لا أعود أسأل عن هذا، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طريق خالد بن مهران الحذاء عن أبى عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مل حدثني عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك؟ قال «عائشة» قلت فمن الرجال؟ قال «أبوها» قلت ثم من؟ قال «ثم عمر بن الخطاب»

стр. 1315

فعدد رجالا. وهذا لفظ البخاري وفي رواية قال عمرو: فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم. سرية أبى عبيدة الى سيف البحر قال الامام مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قال: بعث رسول الله ﷺ بعثا قبل الساحل وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة قال جابر وأنا فيهم، فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فنى الزاد فأتوا أبا عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع كله فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فنى ولم يكن يصيبنا الا تمرة تمرة، قال فقلت وما تغني تمرة؟ فقال لقد وجدنا فقدها حين فنيت. قال ثم انتهينا الى البحر فإذا حوت مثل الظرب، قال فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا ثم أمر براحلته فرحلت ثم مر تحتها فلم يصبهما. أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك بنحوه وهو في الصحيحين أيضا من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر قال: بعثنا رسول الله ﷺ في ثلاثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح ترصد عيرا لقريش، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط، فسمى ذلك الجيش جيش الخبط قال ونحر رجل ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم ثلاثا فنهاه أبو عبيدة، قال وألقى البحر دابة يقال لها العنبر فأكلنا منها نصف شهر وادّهنا حتى ثابت إلينا أجسامنا وصلحت ثم ذكر قصة الضلع. فقوله في الحديث نرصد عيرا لقريش دليل على أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبيّة والله أعلم والرجل الّذي نحر لهم الجزائر هو قيس بن سعد بن عبادة ﵄. وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو بكر بن إسحاق ثنا إسماعيل بن قتيبة ثنا يحيى بن يحيى ثنا أبو خيثمة وهو زهير بن معاوية عن أبى الزبير عن جابر قال: بعثنا رسول الله ﷺ وأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة. قال فقلت كيف كنتم تصنعون بها؟ قال كنا نمصها كما يمص الصبى ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا الى الليل. وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله، قال فانطلقنا الى ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا به دابة تدعى العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا، قال فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا ولقد كنا نغرف من وقب عينه بالقلال الدهن، ونقتطع منه القدر كالثور أو كقدر الثور، ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فاقعدهم في عينه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ثم رحّل أعظم بعير منها فمرّ تحتها وتزودنا من لحمها وشايق فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له فقال «هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم شيء من لحمه تطعمونا؟» قال فأرسلنا الى رسول الله ﷺ فأكل منه. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس وأبو داود عن النفيلى ثلاثتهم عن أبى

стр. 1316

خيثمة زهير بن معاوية الجعفي الكوفي عن أبى الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكيّ عن جابر بن عبد الله الأنصاري به. قلت: ومقتضى أكثر هذه السياقات أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبيّة ولكن أوردناها هاهنا تبعا للحافظ البيهقي ﵀ فإنه أوردها بعد مؤتة وقبل غزوة الفتح والله أعلم. وقد ذكر البخاري بعد غزوة مؤتة سرية أسامة بن زيد الى الحرقات من جهينة فقال حدثنا عمرو بن محمد ثنا هشيم انبأنا حصين بن جندب ثنا أبو ظبيان قال سمعت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله ﷺ الى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا إله الا الله، فكف الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ فقال «يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله الا الله؟» قلت كان متعوذا، فما زال يكررها حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. وقد تقدم هذا الحديث والكلام عليه فيما سلف. ثم روى البخاري من حديث يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات علينا مرة أبو بكر ومرة أسامة بن زيد ﵄. ثم ذكر الحافظ البيهقي هاهنا موت النجاشي صاحب الحبشة على الإسلام ونعى رسول الله ﷺ له الى المسلمين وصلاته عليه. فروى من طريق مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ نعى الى الناس النجاشي في اليوم الّذي مات فيه، وخرج بهم الى المصلّى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات أخرجاه من حديث مالك وأخرجاه أيضا من حديث الليث عن عقيل عن الزهري عن سعيد وأبى سلمة عن أبى هريرة بنحوه. وأخرجاه من حديث ابن جريج عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله ﷺ «مات اليوم رجل صالح فصلوا على أصخمة» وقد تقدمت هذه الأحاديث أيضا والكلام عليها ولله الحمد. قلت: والظاهر أن موت النجاشي كان قبل الفتح بكثير فان في صحيح مسلم أنه لما كتب إلى ملوك الآفاق كتب إلى النجاشي وليس هو بالمسلم، وزعم آخرون كالواقدى أنه هو والله أعلم. وروى الحافظ البيهقي من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن موسى بن عقبة عن أبيه عن أم كلثوم قالت: لما تزوج النبي ﷺ أم سلمة قال «قد أهديت الى النجاشي أواق من مسك وحلة وإني لأراه قد مات، ولا أرى الهدية إلا سترد على فان ردت على - أظنه قال - قسمتها بينكن أو فهي لك» قال فكان كما قال رسول الله ﷺ ، مات النجاشي وردت الهدية فلما ردت عليه أعطى امرأة من نسائه أوقية، من ذلك المسك، وأعطى سائره أم سلمة، وأعطاها الحلة والله أعلم.

стр. 1317

بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غزوة الفتح الأعظم وكانت في رمضان سنة ثمان وقد ذكرها الله تعالى في القرآن في غير موضع فقال تعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ الآية. وقال تعالى ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾. وكان سبب الفتح بعد هدنة الحديبيّة ما ذكره محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم انهما حدثاه جميعا قالا: كان في صلح الحديبيّة أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم [فتواثبت خزاعة وقالوا نحن ندخل في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر وقالوا نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم] فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا ثم إن بنى بكر وثبوا على خزاعة ليلا بماء يقال له الوتير وهو قريب من مكة، وقالت قريش ما يعلم بنا محمد وهذا الليل وما يرانا من أحد، فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح وقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله ﷺ ، وأن عمرو بن سالم ركب عند ما كان من أمر خزاعة وبنى بكر بالوتير حتى قدم على رسول الله ﷺ يخبر الخبر وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله ﷺ أنشدها إياه: يا رب إني ناشد محمدا … حلف أبيه وأبينا الأتلدا قد كنتموا ولدا وكنا والدا … ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر رسول الله نصرا أبدا … وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا … إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجرى مزبدا … إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا … وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا … فهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا … وقتلونا ركعا وسجدا فقال رسول الله ﷺ «نصرت يا عمرو بن سالم» فما برح حتى مرت بنا عنانة في السماء فقال

стр. 1318

رسول الله ﷺ «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب» وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز وكتمهم مخرجه وسأل الله أن يعمى على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم. قال ابن إسحاق: وكان السبب الّذي هاجهم أن رجلا من بنى الحضرميّ اسمه مالك بن عباد من حلفاء الأسود بن رزن خرج تاجرا فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من بنى خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بنى الأسود بن رزن الدئلي وهم مفخر بنى كنانة وأشرافهم، سلمى وكلثوم وذؤيب فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم. قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من الدئل قال كان بنو الأسود بن رزن يودون في الجاهلية ديتين ديتين. قال ابن إسحاق: فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك إذ حجز بينهم الإسلام، فلما كان يوم الحديبيّة ودخل بنو بكر في عقد قريش ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ وكانت الهدنة اغتنمها بنو الدئل من بنى بكر وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأرا من أولئك النفر، فخرج نوفل بن معاوية الدئلي في قومه وهو يومئذ سيدهم وقائدهم وليس كل بنى بكر تابعه، فبيت خزاعة وهم على الوتير - ماء لهم - فأصابوا رجلا منهم وتحاوزوا واقتتلوا ورفدت قريش بنى بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا حتى حاوزوا خزاعة الى الحرم، فلما انتهوا اليه قالت بنو بكر إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك فقال كلمة عظيمة لا إله اليوم يا بنى بكر أصيبوا ثأركم فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم؟ ولجأت خزاعة الى دار بديل بن ورقاء بمكة والى دار مولى لهم يقال له رافع، وقد قال الأخزر ابن لعط الدئلي في ذلك: ألا هل أتى قصوى الأحابيش أننا … رددنا بنى كعب بأفوق ناصل حبسناهم في دارة العبد رافع … وعند بديل محبسا غير طائل بدار الذليل الآخذ الضيم بعد ما … شفينا النفوس منهم بالمناصل حبسناهم حتى إذا طال يومهم … نفخنا لهم من كل شعب بوابل نذبّحهم ذبح التيوس كأننا … أسود نبارى فيهم بالقواصل هم ظلمونا واعتدوا في مسيرهم … وكانوا لدى الأنصاب أول قاتل كأنهم بالجزع إذ يطردونهم … قفا ثور حفان النعام الجوافل قال فأجابه بديل بن عبد مناة بن سلمة بن عمرو بن الأجب وكان يقال له بديل بن أم أصرم فقال: تعاقد قوم يفخرون ولم ندع … لهم سيدا يندوهم غير نافل أمن خيفة القوم الاولى تزدريهم … تجيز الوتير خائفا غير آئل وفي كل يوم نحن نحبو حباءنا … لعقل ولا يحبى لنا في المعاقل

стр. 1319

ونحن صبحنا بالتلاعة (١) داركم … بأسيافنا يسبقن لوم العواذل ونحن منعنا بين بيض وعتود … الى خيف رضوى من مجر القبائل ويوم الغميم قد تكفت ساعيا … عبيس فجعناه بجلد حلاحل أإن أجمرت في بيتها أم بعضكم … بجعموسها تنزون إن لم نقاتل كذبتم وبيت الله ما إن قتلتموا … ولكن تركنا أمركم في بلابل قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى سلمة أن رسول الله ﷺ قال «كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم يشد في العقد ويزيد في المدة» قال ابن إسحاق: ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله ﷺ فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بنى بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين حتى لقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش الى رسول الله ﷺ يشد العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا للذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله ﷺ فقال: سرت في خزاعة في هذا الساحل في بطن هذا الوادي. قال فعمد أبو سفيان الى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا، ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته، فقال يا بنية ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أو رغبت به عنى؟ فقالت هو فراش رسول الله ﷺ وأنت مشرك نجس فلم أحب أن تجلس على فراشه، فقال يا بنية والله لقد أصابك بعدي شر، ثم ذهب إلى أبى بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ فقال ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال عمر أنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟ فو الله لو لم أجد لكم الا الذر لجاهدتكم به، ثم خرج فدخل على عليّ بن أبى طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ وعندها حسن غلام يدب بين يديهما، فقال يا على إنك أمس القوم بى رحما وأقربهم منى قرابة، وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا فاشفع لي الى رسول الله ﷺ ؟ فقال ويحك أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال يا بنت محمد هل لك أن تأمرى بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ فقالت: والله ما بلغ بنبيّ ذلك أن يجير بين الناس وما يجير أحد على النبي ﷺ ، فقال يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت على فانصحني؟ قال والله ما أعلم شيئا يغنى عنك، ولكنك سيد بنى كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك، فقال أو ترى ذلك مغنيا عنى شيئا؟ قال لا والله ما أظن ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب

стр. 1320

بعيره فانطلق فلما أن قدم على قريش قالوا ما وراءك؟ قال جئت محمدا فكلمته فو الله ما رد على شيئا ثم جئت ابن أبى قحافة فو الله ما وجدت فيه خيرا، ثم جئت عمر فوجدته أعدى عدو، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم وقد أشار على بأمر صنعته فو الله ما أدرى هل يغنى عنا شيئا أم لا؟ قالوا بماذا أمرك؟ قال أمرنى أن أجير بين الناس ففعلت، قالوا هل أجاز ذلك محمد؟ قال لا، قالوا ويحك ما زادك الرجل على أن لعب بك فما يغنى عنا ما قلت، فقال لا والله ما وجدت غير ذلك [(فائدة) ذكرها السهيليّ فتكلم على قول فاطمة في هذا الحديث، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ على ما جاء في الحديث «ويجير على المسلمين أدناهم» قال: وجه الجمع بينهما بأن المراد بالحديث من يجير واحدا ونفرا يسيرا، وقول فاطمة فمن يجير عددا من غزو الامام إياهم فليس له ذلك. قال كان سحنون وابن الماجشون يقولان: إن أمان المرأة موقوف على إجازة الامام لقوله لام هانئ «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» قال ويروى هذا عن عمرو بن العاص وخالد بن الوليد. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد وفي قوله ﵇ «ويجير عليهم أدناهم» ما يقتضي دخول العبد والمرأة والله أعلم] (١) وقد روى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قالت بنو كعب: اللهمّ إني ناشد محمدا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا فانصر هداك الله نصرا عتدا … وادع عباد الله يأتوا مددا وقال موسى بن عقبة في فتح مكة: ثم إن بنى نفاثة من بنى الدئل أغاروا على بنى كعب وهم في المدة التي بين رسول الله ﷺ وبين قريش، وكانت بنو كعب في صلح رسول الله ﷺ ، وكانت بنو نفاثة في صلح قريش، فأعانت بنو بكر بنى نفاثة وأعانتهم قريش بالسلاح والرقيق واعتزلتهم بنو مدلج ووفوا بالعهد الّذي كانوا عاهدوا عليه رسول الله ﷺ وفي بنى الدئل رجلان هما سيداهم، سلمى ابن الأسود وكلثوم بن الأسود، ويذكرون أن ممن أعانهم صفوان بن أمية وشيبة بن عثمان وسهيل ابن عمرو، فأغارت بنو الدئل على بنى عمرو وعامتهم زعموا نساء وصبيان وضعفاء الرجال فألجئوهم وقتلوهم حتى أدخلوهم إلى دار بديل بن ورقاء بمكة، فخرج ركب من بنى كعب حتى أتوا رسول الله ﷺ فذكروا له الّذي أصابهم وما كان من أمر قريش عليهم في ذلك، فقال لهم رسول الله ﷺ «ارجعوا فتفرقوا في البلدان» وخرج أبو سفيان من مكة الى رسول الله ﷺ وتخوف الّذي كان، فقال: يا محمد اشدد العقد وزدنا في المدة، فقال رسول الله ﷺ «ولذلك قدمت، هل كان من حدث قبلكم؟» فقال معاذ الله نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبيّة لا نغير ولا نبدل، فخرج من عند رسول الله ﷺ وأتى أبا بكر فقال: جدد العقد وزدنا في المدة؟ فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول

стр. 1321

الله ﷺ ، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم، ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال عمر بن الخطاب: ما كان من حلفنا جديد فأخلقه الله. وما كان منه مثبتا فقطعه الله، وما كان منه مقطوعا فلا وصله الله. فقال له أبو سفيان جزيت من ذي رحم شرا، ثم دخل على عثمان فكلمه فقال عثمان: جواري في جوار رسول الله ﷺ ثم اتبع أشراف قريش يكلمهم فكلهم يقول عقدنا في عقد رسول الله ﷺ ، فلما يئس مما عندهم دخل على فاطمة بنت رسول الله ﷺ فكلمها فقالت إنما أنا امرأة وإنما ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال لها فأمري أحد ابنيك، فقالت إنهما صبيان ليس مثلهما يجير، قال فكلمى عليا، فقالت أنت فكلمه، فكلم عليا فقال له يأبا سفيان إنه ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ يفتات على رسول الله ﷺ بجوار، وأنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها فأجر بين عشيرتك، قال صدقت وأنا كذلك، فخرج فصاح ألا إني قد أجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرنى أحد، ثم دخل على النبي ﷺ فقال: يا محمد إني قد أجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرنى أحد ولا يرد جواري؟ فقال «أنت تقول يا أبا حنظلة» فخرج أبو سفيان على ذلك فزعموا - والله أعلم - أن رسول الله ﷺ قال حين أدبر أبو سفيان «اللهمّ خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا الا بغتة ولا يسمعوا بنا الا فجأة» وقدم أبو سفيان مكة فقالت له قريش ما وراءك هل جئت بكتاب من محمد أو عهد؟ قال لا والله لقد أبى عليّ وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قوما لملك عليهم أطوع منهم له، غير أن على بن أبى طالب قد قال لي التمس جوار الناس عليك ولا تجير أنت عليه وعلى قومك وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها أن لا تخفر جواره فقمت بالجوار ثم دخلت على محمد فذكرت له أنى قد أجرت بين الناس وقلت ما أظن أن تخفرنى؟ فقال أنت تقول ذلك يأبا حنظلة، فقالوا - مجيبين له - رضيت بغير رضى، وجئتنا بما لا يغنى عنا ولا عنك شيئا وإنما لعب بك على لعمر الله ما جوارك بجائز وإن إخفارك عليهم لهين، ثم دخل على امرأته فحدثها الحديث فقالت: قبحك الله من وافد قوم فما جئت بخير، قال ورأى رسول الله ﷺ سحابا فقال «إن هذه السحاب لتبض بنصر بنى كعب» فمكث رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يمكث بعد ما خرج أبو سفيان، ثم أخذ في الجهاز وأمر عائشة أن تجهزه وتخفى ذلك، ثم خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد أو الى بعض حاجاته، فدخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها حنطة تنسف وتنقى، فقال لها يا بنية لم تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت فقال أيريد رسول الله ﷺ أن يغزو؟ فصمتت فقال يريد بنى الأصفر - وهم الروم -؟ فصمتت قال فلعله يريد أهل نجد؟ فصمتت قال فلعله يريد قريشا؟ فصمتت قال فدخل رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله أتريد أن تخرج مخرجا؟ قال نعم قال فلعلك تريد بنى الأصفر؟ قال لا: قال أتريد أهل نجد؟ قال لا، قال فلعلك تريد قريشا؟ قال نعم، قال أبو

стр. 1322

بكر يا رسول الله أليس بينك وبينهم مدة؟ قال «ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب»! قال وأذن رسول الله ﷺ في الناس بالغزو، وكتب حاطب بن أبى بلتعة الى قريش وأطلع الله رسوله ﷺ على الكتاب وذكر القصة كما سيأتي. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر عن عروة عن عائشة أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تغربل حنطة فقال ما هذا؟ أمركم رسول الله ﷺ بالجهاز؟ قالت نعم فتجهز، قال والى أين؟ قالت ما سمى لنا شيئا غير أنه قد أمرنا بالجهاز قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ أعلم الناس أنه سائر الى مكة وأمر بالجد والتهيؤ وقال «اللهمّ خذ العيون والاخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها» فتجهز الناس فقال حسان يحرض الناس ويذكر مصاب خزاعة: عناني ولم أشهد ببطحاء مكة … رجال بنى كعب تحز رقابها بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم … وقتلى كثير لم تجن ثيابها ألا ليت شعرى هل تنالنّ نصرتي … سهيل بن عمرو حرها وعقابها وصفوان عودا حز من شفر استه … فهذا أوان الحرب شد عصابها فلا تأمننا يا ابن أم مجالد … إذا احتلبت صرفا وأعصل نابها ولا تجزعوا منها فان سيوفنا … لها وقعة بالموت يفتح بابها قصة حاطب بن أبى بلتعة قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قالوا: لما أجمع رسول الله ﷺ المسير الى مكة كتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا الى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر في السير اليهم، ثم أعطاه امرأة زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم لي غيره أنها سارة مولاة لبعض بنى عبد المطلب وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام فقال «أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبى بلتعة بكتاب الى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم» فخرجا حتى أدركاها بالحليفة حليفة بنى أبى احمد فاستنزلاها فالتمساه في رحلها فلم يجدا فيه شيئا، فقال لها على: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك، فلما رأت الجد منه قالت أعرض فأعرض، فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها فدفعته اليه، فأتى به رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ حاطبا فقال «يا حاطب ما حملك على هذا؟» فقال: يا رسول الله أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله ما غيرت ولا بدلت ولكنني كنت امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه

стр. 1323

فان الرجل قد نافق؟ فقال رسول الله ﷺ «وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وأنزل الله في حاطب ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الى آخر القصة. هكذا أورد ابن إسحاق هذه القصة مرسلة وقد ذكر السهيليّ أنه كان في كتاب حاطب أن رسول الله قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم فإنه منجز له ما وعده. قال وفي تفسير ابن سلام أن حاطبا كتب، إن محمدا قد نفر فاما إليكم وإما الى غيركم فعليكم الحذر. وقد قال البخاري ثنا قتيبة ثنا سفيان عن عمرو بن دينار أخبرنى الحسن بن محمد أنه سمع عبيد الله بن أبى رافع سمعت عليا يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فان بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها» فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا أخرجى الكتاب، فقالت ما معى، فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قال فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه من حاطب بن أبى بلتعة الى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال «يا حاطب ما هذا؟» فقال: يا رسول الله لا تعجل على إني كنت امرأ ملصقا (١) في قريش يقول كنت حليفا ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتنى ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ «أما إنه قد صدقكم» فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق؟ فقال «إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» فانزل الله سورة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ﴾ الى قوله ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وأخرجه بقية الجماعة الا ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة وقال الترمذي حسن صحيح. وقال الامام احمد ثنا حجين ويونس قالا: حدثنا ليث بن سعد عن أبى الزبير عن جابر ابن عبد الله أن حاطب بن أبى بلتعة كتب الى أهل مكة يذكر أن رسول الله ﷺ أراد غزوهم، فدل رسول الله ﷺ على المرأة التي معها الكتاب فأرسل اليها فاخذ كتابها من رأسها وقال «يا حاطب أفعلت؟» قال نعم، قال أما إني لم أفعله غشا لرسول الله ﷺ ولا نفاقا. قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له أمره غير أنى كنت غريبا بين ظهرانيهم وكانت والدتي معهم فأردت أن أتخذ يدا عندهم، فقال له عمر: ألا أضرب رأس هذا؟ فقال «أتقتل رجلا من أهل بدر وما يدريك

стр. 1324

لعل الله قد اطلع الى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم». تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه الامام احمد وإسناده على شرط مسلم ولله الحمد. فصل قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره واستخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاريّ، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، وقال عروة بن الزبير: كان معه اثنا عشر الفا. وكذا قال الزهري وموسى بن عقبة، فسبعت سليم وبعضهم يقول ألفت سليم وألفت مزينة وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد. وروى البخاري عن محمود عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري نحوه. وقد روى البيهقي من حديث عاصم بن على عن الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ غزا غزوة الفتح في رمضان. قال وسمعت سعيد بن المسيب يقول مثل ذلك لا أدرى أخرج في ليال من شعبان فاستقبل رمضان، أو خرج في رمضان بعد ما دخل؟ غير أن عبيد الله بن عبد الله أخبرنى أن ابن عباس قال صام رسول الله ﷺ حتى بلغ الكديد - الماء الّذي بين قديد وعسفان - أفطر، فلم يزل يفطر حتى انصرم الشهر. ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن الليث غير أنه لم يذكر الترديد بين شعبان ورمضان. وقال البخاري ثنا على بن عبد الله ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس قال: سافر رسول الله ﷺ في رمضان، فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فشرب نهارا ليراه الناس، فأفطر حتى قدم مكة. قال وكان ابن عباس يقول: صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر. وقال يونس عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: مضى رسول الله ﷺ لسفرة الفتح واستعمل على المدينة أبارهم كلثوم ابن الحصين الغفاريّ وخرج لعشر مضين من رمضان، فصام وصام الناس معه حتى أتى الكديد بين عسفان وأمج فأفطر، ودخل مكة مفطرا فكان الناس يرون آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الفطر، وأنه نسخ ما كان قبله. قال البيهقي: فقوله خرج لعشر من رمضان مدرج في الحديث، وكذلك ذكره عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق، ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان عن جابر عن يحيى عن صدقة عن ابن إسحاق أنه قال: خرج رسول الله ﷺ لعشر مضين من رمضان سنة ثمان ثم روى

стр. 1325

البيهقي من حديث أبى إسحاق الفزاري عن محمد بن أبى حفصة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: كان الفتح لثلاث عشر خلت من شهر رمضان قال البيهقي: وهذا الإدراج وهم إنما هو من كلام الزهري، ثم روى من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري قال قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح - فتح - مكة فخرج من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف، وذلك على رأس ثماني سنين ونصف سنة من مقدمه المدينة. وافتتح مكة لثلاث عشرة بقين من رمضان. وروى البيهقي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج في رمضان ومعه عشرة آلاف من المسلمين، فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر. فقال الزهري وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث. قال الزهري فصبح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، ثم عزاه في الصحيحين من طريق عبد الرزاق والله اعلم. وروى البيهقي من طريق سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن عطية بن قيس عن أبى سعيد الخدريّ قال: آذننا رسول الله ﷺ بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد فأمرنا رسول الله ﷺ بالفطر فأصبح الناس مرحى منهم الصائم ومنهم المفطر، حتى إذا بلغنا المنزل الّذي نلقى العدو أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعين. وقد رواه الامام احمد عن أبى المغيرة عن سعيد بن عبد العزيز حدثني عطية بن قيس عمن حدثه عن أبى سعيد الخدريّ قال: آذننا رسول الله بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد فأمرنا رسول الله بالفطر فأصبح الناس منهم الصائم ومنهم المفطر حتى إذا بلغ أدنى منزل يلقى العدو أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون. قلت: فعلى ما ذكره الزهري من أن الفتح كان يوم الثالث عشر من رمضان، وما ذكره أبو سعيد من أنهم خرجوا من المدينة في ثانى شهر رمضان يقتضي أن مسيرهم كان بين مكة والمدينة في إحدى عشرة ليلة. ولكن روى البيهقي عن أبى الحسين بن الفضل عن عبد الله بن جعفر عن يعقوب ابن سفيان عن الحسن بن الربيع عن ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن الزهري ومحمد بن على ابن الحسين وعاصم بن عمر بن قتادة وعمرو بن شعيب وعبد الله بن أبى بكر وغيرهم قالوا: كان فتح مكة في عشر بقيت من شهر رمضان سنة ثمان. قال أبو داود الطيالسي: ثنا وهيب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ عام الفتح صائما حتى أتى كراع الغميم والناس معه مشاة وركبانا وذلك في شهر رمضان، فقيل يا رسول الله إن الناس قد اشتد عليهم الصوم وإنما ينظرون كيف فعلت؟ فدعا رسول الله ﷺ بقدح فيه ماء فرفعه فشرب والناس ينظرون، فصام بعض الناس وأفطر البعض حتى أخبر النبي ﷺ أن بعضهم صائم فقال رسول الله ﷺ

стр. 1326

«أولئك العصاة» وقد رواه مسلم من حديث الثقفي والدراوَرْديّ عن جعفر بن محمد. وروى الامام أحمد من حديث محمد بن إسحاق حدثني بشير بن يسار عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ عام الفتح في رمضان فصام وصام المسلمون معه، حتى إذا كان بالكديد دعا بماء في قعب وهو على راحلته فشرب والناس ينظرون يعلمهم أنه قد أفطر، فأفطر المسلمون، تفرد به احمد. فصل في إسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وأبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة المخزومي أخى أم سلمة أم المؤمنين وهجرتهم الى رسول الله ﷺ فوجدوه في أثناء الطريق وهو ذاهب الى فتح مكة. قال ابن إسحاق: وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله ﷺ ببعض الطريق، قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته ورسول الله ﷺ عنه راض فيما ذكره ابن شهاب الزهري. قال ابن إسحاق: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبى أمية قد لقيا رسول الله ﷺ أيضا بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة والتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله إن ابن عمك وابن عمتك وصهرك قال «لا حاجة لي بهما أما ابن عمى فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الّذي قال لي بمكة ما قال» (١) قال فلما خرج اليهما الخبر بذلك ومع أبى سفيان بنى له فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بنى هذا ثم لنذهبن في الأرض ثم نموت عطشا وجوعا. فلما بلغ ذلك النبي ﷺ رق لهما ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما، وأنشد أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذر اليه مما كان مضى منه: لعمرك أنى يوم أحمل راية … لتغلب خيل اللات خيل محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليله … فهذا أواني حين أهدى وأهتدى هداني هاد غير نفسي ونالني … مع الله من طردت كل مطرد أصد وأنأى جاهدا عن محمد … وأدعى وإن لم أنتسب من محمد هموا ما هموا من لم يقل بهواهم … وإن كان ذا رأى يلم ويفند أريد لأرضيهم ولست بلائط … مع القوم ما لم أهد في كل مقعد فقل لثقيف لا أريد قتالها … وقل لثقيف تلك عيرى أوعدى

стр. 1327

فما كنت في الجيش الّذي نال عامر … وما كان عن جرى لساني ولا يدي قبائل جاءت من بلاد بعيدة … نزائع جاءت من سهام وسردد قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين أنشد رسول الله ﷺ ونالني مع الله من طردت كل مطرد، ضرب رسول الله ﷺ بيده في صدره وقال «أنت طردتني كل مطرد». فصل ولما انتهى رسول الله ﷺ الى مر الظهران نزل فيه فأقام كما روى البخاري عن يحيى بن بكير عن الليث ومسلم عن أبى الطاهر عن ابن وهب كلاهما عن يونس عن الزهري عن أبى سلمة عن جابر قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمر الظهران نجتنى الكباث، وإن رسول الله ﷺ قال «عليكم بالأسود منه فإنه أطيب» قالوا يا رسول الله أكنت ترعى الغنم؟ قال «نعم وهل من نبي الا وقد رعاها» وقال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن سنان بن إسماعيل عن أبى الوليد سعيد بن مينا قال: لما فرغ أهل مكة ورجعوا أمرهم رسول الله ﷺ بالمسير الى مكة، فلما انتهى الى مر الظهران نزل بالعقبة فأرسل الجناة يجتنون الكباث، فقلت لسعيد وما هو؟ قال ثمر الأراك قال فانطلق ابن مسعود فيمن يجتنى، قال فجعل أحدهم إذا أصاب حبة طيبة قذفها في فيه، وكانوا ينظرون إلى دقة ساقى ابن مسعود وهو يرقى في الشجرة فيضحكون فقال رسول الله ﷺ «تعجبون من دقة ساقيه فو الّذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد» وكان ابن مسعود ما اجتنى من شيء جاء به وخياره الى رسول الله ﷺ فقال في ذلك: هذا جناي وخياره فيه … إذ كل جان يده الى فيه وفي الصحيحين عن أنس قال: أنفجنا أرنبا ونحن بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا فادركتها فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى رسول الله ﷺ بوركها وفخذيها فقبله. وقال ابن إسحاق: ونزل رسول الله ﷺ مر الظهران وقد عميت الاخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر عن رسول الله ﷺ ولا يدرون ما رسول الله ﷺ فاعل، وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب وحكيم ابن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الاخبار وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به. وذكره ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة أن رسول الله ﷺ بعث بين يديه عيونا خيلا يقتصون العيون وخزاعة لا تدع أحدا يمضى وراءها، فلما جاء أبو سفيان وأصحابه أخذتهم خيل المسلمين وقام اليه عمر يجأ في عنقه حتى أجاره العباس بن عبد المطلب وكان صاحبا لأبي سفيان. قال ابن إسحاق: وقال العباس حين نزل رسول الله ﷺ مر الظهران قلت واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله ﷺ

стр. 1328

مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش الى آخر الدهر، قال فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء فخرجت عليها حتى جئت الأراك فقلت لعلى أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتى مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ يخرجوا اليه فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم عنوة، قال فو الله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذا سمعت كلام أبى سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا. قال يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، قال يقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. قال فعرفت صوته فقلت يأبا حنظلة؟ فعرف صوتي فقال أبو الفضل؟ قال قلت نعم، قال مالك فدى لك أبى وأمى؟ قال قلت ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله ﷺ في الناس فقال واصباح قريش والله، فما الحيلة فداك أبى وأمى؟ قال قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك، قال فركب خلفي ورجع صاحباه (١) وقال عروة: بل ذهبا الى النبي ﷺ فأسلما وجعل يستخبرهما عن أهل مكة. وقال الزهري وموسى بن عقبة: بل دخلوا مع العباس على رسول الله ﷺ . [قال ابن إسحاق: قال فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ وأنا عليها قالوا عم رسول الله ﷺ على بغلة رسول الله ﷺ ، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال من هذا؟ وقام الىّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال أبو سفيان عدو الله [الحمد لله الّذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد؟ وزعم عروة بن الزبير أن عمر وجأ في رقبة أبى سفيان وأراد قتله فمنعه منه العباس. وهكذا ذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن عيون رسول الله ﷺ أخذوهم بأزمة جمالهم فقالوا من أنتم؟ قالوا وفد رسول الله ﷺ فلقيهم العباس فدخل بهم على رسول الله فحادثهم عامة الليل ثم دعاهم الى شهادة أن لا إله الا الله فشهدوا وأن محمدا رسول الله فشهد حكيم وبديل وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك ثم أسلم بعد الصبح ثم سألوه أن يؤمن قريشا فقال: «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن - وكانت بأعلى مكة - ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن - وكانت بأسفل مكة - ومن أغلق بابه فهو آمن» قال العباس:] (٢) ثم خرج عمر يشتد نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، قال فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله ﷺ ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني فلأضرب عنقه؟ قال قلت يا رسول إني قد أجرته، ثم جلست الى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه فقلت والله لا يناجيه الليلة دوني رجل، فلما أكثر عمر في شأنه قال قلت: مهلا يا عمر فو الله أن لو كان من رجال بنى عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت

стр. 1329

أنه من رجال بنى عبد مناف، فقال مهلا يا عباس فو الله لا سلامك يوم أسلمت كان أحب الى من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بى الا أنى قد عرفت أن إسلامك كان أحب الى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب [لو أسلم]، فقال رسول الله «اذهب به يا عباس الى رحلك فإذا أصبحت فأتنى به» قال فذهبت به الى رحلي فبات عندي فلما أصبح غدوت به الى رسول الله ﷺ ، فلما [رآه قال] «ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله الا الله؟» فقال بأبي أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنى شيئا بعد، قال «ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله؟» قال بأبي أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه والله فان في النفس منها حتى الآن شيئا، فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك؟ قال فشهد شهادة الحق فأسلم، قال العباس فقلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئا؟ قال: «نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» [زاد عروة ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن» وهكذا قال موسى بن عقبة عن الزهري] (١) «ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ «يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها» [وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن أبا سفيان وبديلا وحكيم بن حزام كانوا وقوفا مع العباس عند خطم الجبل، وذكر أن سعدا لما قال لأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة. اليوم تستحل الحرمة، فشكى أبو سفيان الى رسول الله ﷺ فعزله عن راية الأنصار وأعطاها الزبير بن العوام فدخل بها من أعلا مكة وغرزها بالحجون، ودخل خالد من أسفل مكة فلقيه بنو بكر وهذيل فقتل من بنى بكر عشرين ومن هذيل ثلاثة أو أربعة وانهزموا فقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد] (١) قال العباس: فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرنى رسول الله ﷺ أن أحبسه، قال ومرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال يا عباس من هؤلاء؟ فأقول سليم فيقول ما لي ولسليم، ثم تمر به القبيلة فيقول يا عباس من هؤلاء؟ فأقول مزينة فيقول ما لي ولمزينة، حتى نفذت القبائل ما ترم به قبيلة إلا سألني عنها فإذا أخبرته قال ما لي ولبني فلان حتى مر رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم الا الحدق من الحديد. فقال سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قال قلت هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما! قال قلت يأبا سفيان أنها النبوة، قال فنعم إذن، قال قلت النجاء إلى قومك حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل

стр. 1330

لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن، فقامت اليه هند بنت عتبة فأخذت بشار به فقالت اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم، فقال أبو سفيان: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، قالوا قاتلك الله وما تغني عنا دارك؟ قال ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس الى دورهم وإلى المسجد [وذكر عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لما مر بأبي سفيان قال له: إني لأرى وجوها كثيرة لا أعرفها لقد كثرت هذه الوجوه على؟ فقال له رسول الله: «أنت فعلت هذا وقومك إن هؤلاء صدقونى إذ كذبتموني ونصروني إذ أخرجتمونى» ثم شكى اليه قول سعد بن عبادة حين مر عليه فقال: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. فقال رسول الله: «كذب سعد بل هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة» وذكر عروة أن أبا سفيان لما أصبح صبيحة تلك الليلة التي كان عند العباس ورأى الناس يجنحون للصلاة وينتشرون في استعمال الطهارة خاف وقال للعباس ما بالهم؟ قال إنهم سمعوا النداء فهم ينتشرون للصلاة، فلما حضرت الصلاة ورآهم يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده قال: يا عباس ما يأمرهم بشيء الا فعلوه؟ قال نعم والله لو أمرهم بترك الطعام والشراب لأطاعوه. وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أنه لما توضأ رسول الله ﷺ جعلوا يتكففون، فقال يا عباس ما رأيت كالليلة ولا ملك كسرى وقيصر] (١). وقد روى الحافظ البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم عن أحمد بن الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني الحسين ابن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس فذكر هذه القصة بتمامها كما أوردها زياد البكائي عن ابن إسحاق منقطعة فالله اعلم. على أنه قد روى البيهقي من طريق أبى بلال الأشعري عن زياد البكائي عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال: جاء العباس بابي سفيان الى رسول الله ﷺ قال فذكر القصة الا أنه ذكر أنه أسلم ليلته قبل أن يصبح بين يدي رسول الله ﷺ ، وأنه لما قال له رسول الله ﷺ «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» قال أبو سفيان وما تسع داري؟ فقال «ومن دخل الكعبة فهو آمن» قال وما تسع الكعبة؟ فقال «ومن دخل المسجد فهو آمن» قال وما يسع المسجد فقال «ومن أغلق عليه بابه فهو آمن» فقال أبو سفيان هذه واسعة. وقال البخاري حدثنا عبيد بن إسماعيل ثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه قال: لما سار رسول الله ﷺ عام الفتح فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله ﷺ فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان ما هذه كأنها نيران عرفة؟ فقال بديل بن ورقاء نيران بنى

стр. 1331

عمرو، فقال أبو سفيان عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله ﷺ فأسلم أبو سفيان فلما سار قال للعباس «احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر الى المسلمين» فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر مع رسول الله ﷺ تمر كتيبة كتيبة على أبى سفيان، فمرت كتيبة فقال يا عباس من هذه؟ قال هذه غفار قال ما لي ولغفار، ثم مرت جهينة فقال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك، ومرت سليم فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها فقال من هذه؟ قال هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذمار ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه وراية رسول الله ﷺ مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ فقال ما قال؟ قال كذا وكذا فقال «كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة» وأمر رسول الله ﷺ أن تركز رايته بالحجون. قال عروة أخبرنى نافع بن جبير بن مطعم قال سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: هاهنا أمر رسول الله ﷺ أن تركز الراية؟ قال نعم قال وأمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلا مكة من كداء ودخل رسول الله ﷺ من كدي فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان حنيش بن الأشعر وكرز بن جابر الفهري. وقال أبو داود ثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا يحيى بن آدم ثنا إدريس عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب فأسلم بمر الظهران، فقال له العباس يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فلو جعلت له شيئا؟ قال «نعم من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن». صفة دخوله ﵇ مكة ثبت في الصحيحين من حديث مالك عن الزهري عن أنس أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال «اقتلوه» قال مالك ولم يكن رسول الله ﷺ فيما نرى والله أعلم محرما. وقال أحمد ثنا عفان ثنا حماد انبأ أبو الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء. ورواه أهل السنن الأربعة من حديث حماد بن سلمة وقال الترمذي حسن صحيح. ورواه مسلم عن قتيبة ويحيى بن يحيى عن معاوية بن عمار الدهني عن أبى الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء من غير إحرام. وروى مسلم من حديث أبى أسامة عن مساور الوراق عن جعفر بن عمرو بن

стр. 1332

حريث عن أبيه قال: كأنى انظر الى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وعليه عمامة حرقانية سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه. وروى مسلم في صحيحه والترمذي والنسائي من حديث عمار الدهني عن أبى الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء. وروى أهل السنن الأربعة من حديث يحيى بن آدم عن شريك القاضي عن عمار الدهني عن أبى الزبير عن جابر قال: كان لواء رسول الله ﷺ يوم دخل مكة ابيض. وقال ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن عائشة: كان لواء رسول الله ﷺ يوم الفتح أبيض ورايته سوداء تسمى العقاب، وكانت قطعة من مرط مرجل. وقال البخاري ثنا أبو الوليد ثنا شعبة عن عبد الله بن قرة قال سمعت عبد الله بن مغفل يقول: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يرجع وقال لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع. وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبى بكر أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، وأن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل. وقال الحافظ البيهقي أنبأ أبو عبد الله الحافظ أنبا دعلج بن احمد ثنا احمد بن على الأبار ثنا عبد الله بن أبى بكر المقدسي ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وذقنه على راحلته متخشعا. وقال أنبأ أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر بن بالويه ثنا أحمد بن صاعد ثنا إسماعيل بن أبى الحارث ثنا جعفر بن عون ثنا إسماعيل بن أبى خالد عن قيس عن ابن مسعود أن رجلا كلم رسول الله ﷺ يوم الفتح فأخذته الرعدة، فقال «هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» قال وهكذا رواه محمد بن سليمان بن فارس وأحمد بن يحيى ابن زهير عن إسماعيل بن أبى الحارث موصولا. ثم رواه عن أبى زكريا المزكي عن أبى عبد الله محمد ابن يعقوب عن محمد بن عبد الوهاب عن جعفر بن عون عن إسماعيل بن قيس مرسلا وهو المحفوظ وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله ﷺ مكة في مثل هذا الجيش الكثيف العرمرم بخلاف ما أعتمده سفهاء بنى إسرائيل حين أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود - أي ركع - يقولون حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعرة. وقال البخاري ثنا القاسم بن خارجة ثنا حفص بن ميسرة عن هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح من كداء التي بأعلى مكة، تابعه أبو أسامة ووهب في كداء. حدثنا عبيد بن إسماعيل ثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه دخل رسول الله ﷺ عام الفتح من أعلا مكة من كداء وهو أصح إن أراد أن المرسل أصح من المسند المتقدم انتظم الكلام والا فكداء بالمدهى المذكورة في الروايتين وهي في أعلا مكة وكدي مقصور في أسفل مكة وهذا هو المشهور والأنسب وقد تقدم أنه ﵇

стр. 1333

بعث خالد بن الوليد من أعلا مكة ودخل هو ﵇ من أسفلها من كدي وهو في صحيح البخاري والله أعلم. وقد قال البيهقي أنبا أبو الحسين بن عبدان أنبا أحمد بن عبيد الصفار ثنا عبد الله بن إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا معن ثنا عبد الله بن عمر بن حفص عن نافع عن ابن عمر قال: لما دخل رسول الله ﷺ عام الفتح وأتى النساء يلطمن وجوه الخيل فتبسم إلى أبى بكر وقال: «يا أبا بكر كيف قال حسان؟» فأنشده أبو بكر ﵁: عدمت بنيتي إن لم تزوها … تثير النقع من كنفى كداء ينازعن الأعنة مسرجات … يلطمهن بالخمر النساء فقال رسول الله ﷺ «ادخلوها من حيث قال حسان». وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى ابن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبى بكر قالت: لما وقف رسول الله ﷺ بذي طوى قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده أي بنية أظهر بى على أبى قبيس، قالت وقد كف بصره، قالت فأشرفت به عليه فقال أي بنية ماذا ترين؟ قالت أرى سوادا مجتمعا قال تلك الخيل، قالت وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلا ومدبرا، قال أي بنية ذلك الوازع - يعنى الّذي يأمر الخيل ويتقدم اليها - ثم قالت قد والله انتشر السواد، فقال قد والله إذن دفعت الخيل فاسرعى بى الى بيتي فانحطت به وتلقاه الخيل قبل أن يصل الى بيته، قالت وفي عنق الجارية طوق من ورق فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها قالت فلما دخل رسول الله ﷺ مكة ودخل المسجد أتى أبو بكر بابيه يقوده فلما رآه رسول الله ﷺ قال «هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟» قال أبو بكر يا رسول الله هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى أنت اليه. فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال أسلم فأسلم، قالت ودخل به أبو بكر وكان رأسه كالثغامة بياضا فقال رسول الله ﷺ «غيروا هذا من شعره» ثم قام أبو بكر فاخذ بيد أخته وقال: أنشد الله والإسلام طوق أختى؟ فلم يجبه أحد قال فقال أي أخية احتسبي طوقك فو الله إن الأمانة في الناس اليوم القليل. يعنى به الصديق ذلك اليوم على التعيين لان الجيش فيه كثرة ولا يكاد أحد يلوى على أحد مع انتشار الناس ولعل الّذي أخذه تأول أنه من حربي والله اعلم. وقال الحافظ البيهقي أنبأ عبد الله الحافظ أنبأ أبو العباس الأصم أنبأ بحر بن نصرانبا ابن وهب أخبرني ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر أن عمر بن الخطاب أخذ بيد أبى قحافة فأتى به النبي ﷺ ، فلما وقف به على رسول الله ﷺ قال «غيروه ولا تقربوه سوادا» قال ابن وهب وأخبرنى عمر بن محمد عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ هنأ أبا بكر بإسلام أبيه قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى نجيح أن رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذي طوى أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كداء، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر

стр. 1334

سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدي، قال ابن إسحاق [من المهاجرين]: فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة فسمعها رجل. قال ابن هشام يقال إنه عمر بن الخطاب، فقال يا رسول الله أتسمع ما يقول سعد بن عبادة؟ ما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله ﷺ لعلىّ «أدركه فخذ الراية منه فكن أنت تدخل بها». قلت: وذكر غير محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ لما شكى اليه أبو سفيان قول سعد بن عبادة حين مر به، وقال يأبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة - يعنى الكعبة - فقال النبي ﷺ «بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة» وأمر بالراية - راية الأنصار - أن تؤخذ من سعد بن عبادة كالتأديب له، ويقال إنها دفعت الى ابنه قيس بن سعد. وقال موسى بن عقبة عن الزهري دفعها الى الزبير بن العوام فالله اعلم. [وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن دينار ثنا عبد الله بن السري الأنطاكي ثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد. وحدثني موسى بن عقبة عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: دفع رسول الله ﷺ الراية يوم فتح مكة الى سعد بن عبادة فجعل يهزها ويقول: اليوم يوم الملحمة يوم تستحل الحرمة. قال فشق ذلك على قريش وكبر في نفوسهم، قال فعارضت امرأة رسول الله ﷺ في مسيره وأنشأت تقول: يا نبي الهدى إليك لجاحىّ … قريش ولات حين لجاء حين ضاقت عليهم سعة الأرض … وعاداهم آله السماء [والتقت حلقتا البطان على القوم … ونودوا بالصيلم الصلعاء (١)] إن سعدا يريد قاصمة الظهر … بأهل الحجون والبطحاء خزرجيّ لو يستطيع من الغيظ … رمانا بالنسر والعواء [فانهينه فإنه الأسد الأسود … والليث والغ في الدماء] فلئن أقحم اللواء ونادى … يا حماة اللواء أهل اللواء لتكونن بالبطاح قريش … بقعة القاع في أكف الإماء [إنه مصلت يريد لها الرأى … صموت كالحية الصماء] قال فلما سمع رسول الله ﷺ هذا الشعر دخله رحمة لهم ورأفة بهم، وأمر بالراية فأخذت من سعد بن عبادة ودفعت إلى ابنه قيس بن سعد، قال فيروي أنه ﵊ أحب أن لا

стр. 1335

يخيبها إذ رغبت اليه واستغاثت به، وأحب أن لا يغضب سعد فأخذ الراية منه فدفعها الى ابنه قال ابن إسحاق] (١) وذكر ابن أبى نجيح في حديثه أن رسول الله ﷺ أمر خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله ﷺ ودخل رسول الله ﷺ من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة فضربت له هنالك قبته. وروى البخاري من حديث الزهري عن على بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله أين تنزل غدا؟ فقال «وهل ترك لنا عقيل من رباع» ثم قال «لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر». ثم قال البخاري ثنا أبو اليمان ثنا شعيب ثنا أبو الزبير عن عبد الرحمن عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال «منزلنا غدا إن شاء الله إذا فتح الله، الخيف حيث تقاصموا على الكفر» وقال الامام أحمد ثنا يونس ثنا إبراهيم - يعنى ابن سعد - عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر» ورواه البخاري من حديث إبراهيم بن سعد به نحوه. وقال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله ابن أبى نجيح وعبد الله بن أبى بكر أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، وكان حماس بن قيس بن خالد أخو بنى بكر يعد سلاحا قبل قدوم رسول الله ﷺ ويصلح منه، فقالت له امرأته لماذا تعد ما أرى؟ قال لمحمد وأصحابه، فقالت والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء، قال والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم. ثم قال: إن يقبلوا اليوم فما لي عله … هذا سلاح كامل وألّه وذو غرارين سريع السلة قال ثم شهد الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد ناوشوهم شيئا من قتال فقتل كرز بن جابر أحد بنى محارب بن فهر وحنيش (٢) بن خالد بن ربيعة بن أصرم حليف بنى منقذ وكانا في جيش خالد، فشذا عنه فسلكا غير طريقه فقتلا جميعا، وكان قتل كرز قبل حنيش (٣) قالا: وقتل من خيل خالد أيضا سلمة بن الميلاء الجهنيّ وأصيب من المشركين قريب من اثنى عشر أو ثلاثة عشر ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته ثم قال لامرأته اغلقى على بابي، قالت فأين ما كنت تقول؟ فقال:
следующие страницы →