عمرو، فقال أبو سفيان عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله ﷺ فأسلم أبو سفيان فلما سار قال للعباس «احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر الى المسلمين» فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر مع رسول الله ﷺ تمر كتيبة كتيبة على أبى سفيان، فمرت كتيبة فقال يا عباس من هذه؟ قال هذه غفار قال ما لي ولغفار، ثم مرت جهينة فقال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك، ومرت سليم فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها فقال من هذه؟ قال هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذمار ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه وراية رسول الله ﷺ مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ فقال ما قال؟ قال كذا وكذا فقال «كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة» وأمر رسول الله ﷺ أن تركز رايته بالحجون. قال عروة أخبرنى نافع بن جبير بن مطعم قال سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: هاهنا أمر رسول الله ﷺ أن تركز الراية؟ قال نعم قال وأمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلا مكة من كداء ودخل رسول الله ﷺ من كدي فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان حنيش بن الأشعر وكرز بن جابر الفهري.
وقال أبو داود ثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا يحيى بن آدم ثنا إدريس عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب فأسلم بمر الظهران، فقال له العباس يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فلو جعلت له شيئا؟ قال «نعم من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن».
صفة دخوله ﵇ مكة
ثبت
في الصحيحين من حديث مالك عن الزهري عن أنس أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال «اقتلوه» قال مالك ولم يكن رسول الله ﷺ فيما نرى والله أعلم محرما. وقال أحمد ثنا عفان ثنا حماد انبأ أبو الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء. ورواه أهل السنن الأربعة من حديث حماد بن سلمة وقال الترمذي حسن صحيح. ورواه مسلم عن قتيبة ويحيى بن يحيى عن معاوية بن عمار الدهني عن أبى الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء من غير إحرام. وروى مسلم من حديث أبى أسامة عن مساور الوراق عن جعفر بن عمرو بن
стр. 1332
حريث عن أبيه قال: كأنى انظر الى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وعليه عمامة حرقانية سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه. وروى مسلم في صحيحه والترمذي والنسائي من حديث عمار الدهني عن أبى الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء. وروى أهل السنن الأربعة من حديث يحيى بن آدم عن شريك القاضي عن عمار الدهني عن أبى الزبير عن جابر قال: كان لواء رسول الله ﷺ يوم دخل مكة ابيض. وقال ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن عائشة:
كان لواء رسول الله ﷺ يوم الفتح أبيض ورايته سوداء تسمى العقاب، وكانت قطعة من مرط مرجل.
وقال البخاري ثنا أبو الوليد ثنا شعبة عن عبد الله بن قرة قال سمعت عبد الله بن مغفل يقول: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يرجع وقال لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع. وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبى بكر أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، وأن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل. وقال الحافظ البيهقي أنبأ أبو عبد الله الحافظ أنبا دعلج بن احمد ثنا احمد بن على الأبار ثنا عبد الله بن أبى بكر المقدسي ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وذقنه على راحلته متخشعا.
وقال أنبأ أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر بن بالويه ثنا أحمد بن صاعد ثنا إسماعيل بن أبى الحارث ثنا جعفر بن عون ثنا إسماعيل بن أبى خالد عن قيس عن ابن مسعود أن رجلا كلم رسول الله ﷺ يوم الفتح فأخذته الرعدة، فقال «هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» قال وهكذا رواه محمد بن سليمان بن فارس وأحمد بن يحيى ابن زهير عن إسماعيل بن أبى الحارث موصولا. ثم رواه عن أبى زكريا المزكي عن أبى عبد الله محمد ابن يعقوب عن محمد بن عبد الوهاب عن جعفر بن عون عن إسماعيل بن قيس مرسلا وهو المحفوظ وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله ﷺ مكة في مثل هذا الجيش الكثيف العرمرم بخلاف ما أعتمده سفهاء بنى إسرائيل حين أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود - أي ركع - يقولون حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعرة. وقال البخاري ثنا القاسم بن خارجة ثنا حفص بن ميسرة عن هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح من كداء التي بأعلى مكة، تابعه أبو أسامة ووهب في كداء. حدثنا عبيد بن إسماعيل ثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه دخل رسول الله ﷺ عام الفتح من أعلا مكة من كداء وهو أصح إن أراد أن المرسل أصح من المسند المتقدم انتظم الكلام والا فكداء بالمدهى المذكورة في الروايتين وهي في أعلا مكة وكدي مقصور في أسفل مكة وهذا هو المشهور والأنسب وقد تقدم أنه ﵇
стр. 1333
بعث خالد بن الوليد من أعلا مكة ودخل هو ﵇ من أسفلها من كدي وهو في صحيح البخاري والله أعلم. وقد
قال البيهقي أنبا أبو الحسين بن عبدان أنبا أحمد بن عبيد الصفار ثنا عبد الله بن إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا معن ثنا عبد الله بن عمر بن حفص عن نافع عن ابن عمر قال: لما دخل رسول الله ﷺ عام الفتح وأتى النساء يلطمن وجوه الخيل فتبسم إلى أبى بكر وقال:
«يا أبا بكر كيف قال حسان؟» فأنشده أبو بكر ﵁:
عدمت بنيتي إن لم تزوها … تثير النقع من كنفى كداء
ينازعن الأعنة مسرجات … يلطمهن بالخمر النساء
فقال رسول الله ﷺ «ادخلوها من حيث قال حسان».
وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى ابن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبى بكر قالت: لما وقف رسول الله ﷺ بذي طوى قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده أي بنية أظهر بى على أبى قبيس، قالت وقد كف بصره، قالت فأشرفت به عليه فقال أي بنية ماذا ترين؟ قالت أرى سوادا مجتمعا قال تلك الخيل، قالت وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلا ومدبرا، قال أي بنية ذلك الوازع - يعنى الّذي يأمر الخيل ويتقدم اليها - ثم قالت قد والله انتشر السواد، فقال قد والله إذن دفعت الخيل فاسرعى بى الى بيتي فانحطت به وتلقاه الخيل قبل أن يصل الى بيته، قالت وفي عنق الجارية طوق من ورق فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها قالت فلما دخل رسول الله ﷺ مكة ودخل المسجد أتى أبو بكر بابيه يقوده فلما رآه رسول الله ﷺ قال «هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟» قال أبو بكر يا رسول الله هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى أنت اليه. فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال أسلم فأسلم، قالت ودخل به أبو بكر وكان رأسه كالثغامة بياضا فقال رسول الله ﷺ «غيروا هذا من شعره» ثم قام أبو بكر فاخذ بيد أخته وقال: أنشد الله والإسلام طوق أختى؟ فلم يجبه أحد قال فقال أي أخية احتسبي طوقك فو الله إن الأمانة في الناس اليوم القليل. يعنى به الصديق ذلك اليوم على التعيين لان الجيش فيه كثرة ولا يكاد أحد يلوى على أحد مع انتشار الناس ولعل الّذي أخذه تأول أنه من حربي والله اعلم.
وقال الحافظ البيهقي أنبأ عبد الله الحافظ أنبأ أبو العباس الأصم أنبأ بحر بن نصرانبا ابن وهب أخبرني ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر أن عمر بن الخطاب أخذ بيد أبى قحافة فأتى به النبي ﷺ ، فلما وقف به على رسول الله ﷺ قال «غيروه ولا تقربوه سوادا» قال ابن وهب وأخبرنى عمر بن محمد عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ هنأ أبا بكر بإسلام أبيه قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى نجيح أن رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذي طوى أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كداء، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر
стр. 1334
سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدي،
قال ابن إسحاق [من المهاجرين]: فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة فسمعها رجل. قال ابن هشام يقال إنه عمر بن الخطاب، فقال يا رسول الله أتسمع ما يقول سعد بن عبادة؟ ما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله ﷺ لعلىّ «أدركه فخذ الراية منه فكن أنت تدخل بها».
قلت:
وذكر غير محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ لما شكى اليه أبو سفيان قول سعد بن عبادة حين مر به، وقال يأبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة - يعنى الكعبة - فقال النبي ﷺ «بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة» وأمر بالراية - راية الأنصار - أن تؤخذ من سعد بن عبادة كالتأديب له، ويقال إنها دفعت الى ابنه قيس بن سعد. وقال موسى بن عقبة عن الزهري دفعها الى الزبير بن العوام فالله اعلم.
[وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن دينار ثنا عبد الله بن السري الأنطاكي ثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد. وحدثني موسى بن عقبة عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: دفع رسول الله ﷺ الراية يوم فتح مكة الى سعد بن عبادة فجعل يهزها ويقول: اليوم يوم الملحمة يوم تستحل الحرمة. قال فشق ذلك على قريش وكبر في نفوسهم، قال فعارضت امرأة رسول الله ﷺ في مسيره وأنشأت تقول:
يا نبي الهدى إليك لجاحىّ … قريش ولات حين لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الأرض … وعاداهم آله السماء
[والتقت حلقتا البطان على القوم … ونودوا بالصيلم الصلعاء (١)]
إن سعدا يريد قاصمة الظهر … بأهل الحجون والبطحاء
خزرجيّ لو يستطيع من الغيظ … رمانا بالنسر والعواء
[فانهينه فإنه الأسد الأسود … والليث والغ في الدماء]
فلئن أقحم اللواء ونادى … يا حماة اللواء أهل اللواء
لتكونن بالبطاح قريش … بقعة القاع في أكف الإماء
[إنه مصلت يريد لها الرأى … صموت كالحية الصماء]
قال فلما سمع رسول الله ﷺ هذا الشعر دخله رحمة لهم ورأفة بهم، وأمر بالراية فأخذت من سعد بن عبادة ودفعت إلى ابنه قيس بن سعد، قال فيروي أنه ﵊ أحب أن لا
стр. 1335
يخيبها إذ رغبت اليه واستغاثت به، وأحب أن لا يغضب سعد فأخذ الراية منه فدفعها الى ابنه قال ابن إسحاق] (١) وذكر ابن أبى نجيح في حديثه أن رسول الله ﷺ أمر خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله ﷺ ودخل رسول الله ﷺ من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة فضربت له هنالك قبته.
وروى البخاري من حديث الزهري عن على بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله أين تنزل غدا؟ فقال «وهل ترك لنا عقيل من رباع» ثم قال «لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر». ثم
قال البخاري ثنا أبو اليمان ثنا شعيب ثنا أبو الزبير عن عبد الرحمن عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال «منزلنا غدا إن شاء الله إذا فتح الله، الخيف حيث تقاصموا على الكفر»
وقال الامام أحمد ثنا يونس ثنا إبراهيم - يعنى ابن سعد - عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر» ورواه البخاري من حديث إبراهيم بن سعد به نحوه. وقال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله ابن أبى نجيح وعبد الله بن أبى بكر أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، وكان حماس بن قيس بن خالد أخو بنى بكر يعد سلاحا قبل قدوم رسول الله ﷺ ويصلح منه، فقالت له امرأته لماذا تعد ما أرى؟ قال لمحمد وأصحابه، فقالت والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء، قال والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم. ثم قال:
إن يقبلوا اليوم فما لي عله … هذا سلاح كامل وألّه
وذو غرارين سريع السلة
قال ثم شهد الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد ناوشوهم شيئا من قتال فقتل كرز بن جابر أحد بنى محارب بن فهر وحنيش (٢) بن خالد بن ربيعة بن أصرم حليف بنى منقذ وكانا في جيش خالد، فشذا عنه فسلكا غير طريقه فقتلا جميعا، وكان قتل كرز قبل حنيش (٣) قالا: وقتل من خيل خالد أيضا سلمة بن الميلاء الجهنيّ وأصيب من المشركين قريب من اثنى عشر أو ثلاثة عشر ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته ثم قال لامرأته اغلقى على بابي، قالت فأين ما كنت تقول؟ فقال:
стр. 1336
إنك لو شهدت يوم الخندمة … إذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبو يزيد قائم كالمؤتمه … واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة … ضربا فلا يسمع إلا غمغمه
لهم نهيت خلفنا وهمهمه … لم تنطقى في اللوم أدنى كلمه
قال ابن هشام: وتروى هذه الأبيات للرعاش الهذلي، قال وكان شعار المهاجرين يوم الفتح وحنين والطائف يا بنى عبد الرحمن، وشعار الخزرج يا بنى عبد الله، وشعار الأوس يا بنى عبيد الله.
وقال الطبراني ثنا على بن سعيد الرازيّ ثنا أبو حسان الزيادي ثنا شعيب بن صفوان عن عطاء بن السائب عن طاووس عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم هذا البلد يوم خلق السموات والأرض وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر وما حياله من السماء حرام وأنه لا يحل لأحد قبلي وإنما حل لي ساعة من نهار ثم عاد كما كان» فقيل له هذا خالد بن الوليد يقتل؟ فقال «قم يا فلان فأت خالد بن الوليد فقل له فليرفع يديه من القتل» فأتاه الرجل فقال إن النبي ﷺ يقول أقتل من قدرت عليه، فقتل سبعين إنسانا فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأرسل الى خالد فقال «ألم أنهك عن القتل؟» فقال جاءني فلان فأمرنى أن أقتل من قدرت عليه، فأرسل اليه «ألم آمرك؟» قال أردت أمرا وأراد الله أمرا فكان أمر الله فوق أمرك، وما استطعت إلا الّذي كان. فسكت عنه النبي ﷺ فما رد عليه شيئا.
قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله ﷺ عهد الى أمرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم غير أنه أهدر دم نفر سماهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة وهم، عبد الله بن سعد بن أبى سرح كان قد أسلم وكتب الوحي ثم ارتد، فلما دخل رسول الله ﷺ مكة وقد أهدر دمه فر الى عثمان وكان أخاه من الرضاعة، فلما جاء به ليستأمن له صمت عنه رسول الله ﷺ طويلا ثم قال «نعم» فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله ﷺ لمن حوله «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم الى هذا حين رآني قد صمت فيقتله» فقالوا يا رسول الله هلا أومأت إلينا؟ فقال «إن النبي لا يقتل بالإشارة»
وفي رواية «إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» قال ابن هشام: وقد حسن إسلامه بعد ذلك وولاه عمر بعض أعماله ثم ولاه عثمان.
قلت: ومات وهو ساجد في صلاة الصبح أو بعد انقضاء صلاتها في بيته كما سيأتي بيانه. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن خطل رجل من بنى تيم بن غالب.
قلت: ويقال إن اسمه عبد العزى بن خطل ويحتمل أنه كان كذلك ثم لما أسلم سمى عبد الله (١) ولما أسلم بعثه رسول الله ﷺ مصدقا وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له فغضب
стр. 1337
عليه غضبة فقتله، ثم ارتد مشركا، وكان له قينتان فرتنى وصاحبتها فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ والمسلمين، فلهذا أهدر دمه ودم قينتيه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة، اشترك في قتله أبو برزة الأسلمي وسعيد بن حريث المخزومي وقتلت إحدى قينتيه واستؤمن للأخرى. قال والحويرث ابن نقيذ بن وهب بن عبد قصي وكان ممن يؤذى رسول الله ﷺ بمكة، ولما تحمل العباس بفاطمة وأم كلثوم ليذهب بهما الى المدينة يلحقهما برسول الله ﷺ أول الهجرة نخس بهما الحويرث هذا الجمل الّذي هما عليه فسقطتا الى الأرض، فلما أهدر دمه قتله على بن أبى طالب، قال ومقيس بن صبابة لأنه قتل قاتل أخيه خطأ بعد ما أخذ الدية ثم ارتد مشركا، قتله رجل من قومه يقال له نميلة بن عبد الله قال وسارة مولاة لبني عبد المطلب ولعكرمة بن أبى جهل لأنها كانت تؤذى رسول الله ﷺ وهي بمكة.
قلت: وقد تقدم عن بعضهم أنها التي تحملت الكتاب من حاطب بن أبى بلتعة وكأنها عفى عنها أو هربت ثم أهدر دمها والله أعلم. فهربت حتى استؤمن لها من رسول الله ﷺ فأمنها فعاشت الى زمن عمر فأوطأها رجل فرسا فماتت. وذكر السهيليّ أن فرتنى أسلمت أيضا. قال ابن إسحاق:
وأما عكرمة بن أبى جهل فهرب الى اليمن وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام واستأمنت له من رسول الله ﷺ فأمنه فذهبت في طلبه حتى أتت به رسول الله ﷺ فأسلم.
وقال البيهقي أنبأ أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الفقيه أنبأ أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنبا احمد بن يوسف السلمي ثنا احمد بن المفضل ثنا أسباط بن نصر الهمدانيّ قال زعم السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم مكة أمن رسول الله ﷺ الناس الا أربعة نفر وامرأتين. وقال «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة» وهم عكرمة بن أبى جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله ابن سعد بن أبى سرح. فاما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق اليه سعيد ابن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله. وأما مقيس فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم قاصف فقال أهل السفينة لأهل السفينة: أخلصوا فان آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينج في البحر الا الإخلاص فإنه لا ينجى في البر غيره، اللهمّ إن لك على عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما، فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن سعد بن أبى سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله ﷺ الناس الى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال:
يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر اليه ثلاثا كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم الى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟» فقالوا ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك؟ فقال «إنه لا ينبغي لنبي أن
стр. 1338
تكون له خائنة الأعين». ورواه أبو داود والنسائي من حديث أحمد بن المفضل به نحوه.
وقال البيهقي أنبأ أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو العباس الأصم أنبأ أبو زرعة الدمشقيّ ثنا الحسن بن بشر الكوفي ثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس بن مالك قال: أمن رسول الله ﷺ الناس يوم فتح مكة الا أربعة، عبد العزى بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح، وأم سارة، فاما عبد العزى بن خطل فإنه قتل وهو متعلق بأستار الكعبة، قال ونذر رجل أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبى سرح إذا رآه وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة فأتى به رسول الله ﷺ ليشفع له، فلما أبصر به الأنصاري اشتمل على السيف ثم أتاه فوجده في حلقة رسول الله ﷺ فجعل يتردد ويكره أن يقدم عليه، فبسط النبي ﷺ فبايعه، ثم قال للأنصاري «قد انتظرتك أن توفى بنذرك؟» قال يا رسول الله هبتك أفلا أو مضت الىّ؟ قال «إنه ليس للنّبيّ أن يومض».
وأما مقيس بن صبابه فذكر قصته في قتله رجلا مسلما بعد إسلامه ثم ارتداده بعد ذلك، قال وأما أم سارة فكانت مولاة لقريش فأتت النبي ﷺ فشكت إليه الحاجة فأعطاها شيئا، ثم بعث معها رجل بكتاب الى أهل مكة فذكر قصة حاطب بن أبى بلتعة. وروى محمد بن إسحاق عن عبد الله ابن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن مقيس بن صبابه قتل أخوه هشام يوم بنى المصطلق قتله رجل من المسلمين وهو يظنه مشركا فقدم مقيس مظهرا للإسلام ليطلب دية أخيه، فلما أخذها عدا على قاتل أخيه فقتله ورجع الى مكة مشركا، فلما أهدر رسول الله ﷺ دمه قتل وهو بين الصفا والمروة وقد ذكر ابن إسحاق والبيهقي شعره حين قتل قاتل أخيه وهو قوله:
شفى النفس من قد بات بالقاع مسندا … يضرج ثوبيه دماء الاخادع
وكانت هموم النفس من قبل قتله … تلم وتنسيني وطاء المضاجع
قتلت به فهرا وغرمت عقله … سراة بنى النجار أرباب فارع
حللت به نذرى وأدركت ثورتى … وكنت الى الأوثان أول راجع
قلت: وقيل إن القينتين اللتين أهدر دمهما كانتا لمقيس بن صبابة هذا وأن ابن عمه قتله بين الصفا والمروة. وقال بعضهم: قتل ابن خطل الزبير بن العوام ﵁.
قال ابن إسحاق:
حدثني سعيد بن أبى هند عن أبى مرة مولى عقيل بن أبى طالب أن أم هانئ ابنة أبى طالب قالت:
لما نزل رسول الله ﷺ بأعلى مكة فر إليّ رجلان من أحمائى من بنى مخزوم - قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام وزهير بن أبى أمية بن المغيرة - قال ابن إسحاق: وكانت عند هبيرة بن أبى وهب المخزومي، قالت فدخل على أخى على بن أبى طالب فقال والله لأقتلهما فأغلقت عليهما باب بيتي ثم جئت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين، وفاطمة
стр. 1339
ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلّى ثماني ركعات من الضحى ثم انصرف الى فقال «مرحبا وأهلا بأم هانئ ما جاء بك؟» فأخبرته خبر الرجلين وخبر على، فقال «قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت فلا يقتلهما» وقال البخاري ثنا أبو الوليد ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبى ليلى قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي ﷺ يصلّى الضحى غير أم هانئ فإنها ذكرت يوم فتح مكة [أن النبي ﷺ ] اغتسل في بيتها ثم صلّى ثمان ركعات، قالت ولم أره صلّى صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود.
وفي صحيح مسلم من حديث الليث عن يزيد بن أبى حبيب عن سعد بن أبى هند أن أبا مرة مولى عقيل حدثه أن أم هانئ بنت أبى طالب حدثته أنه لما كان عام الفتح فرّ اليها رجلان من بنى مخزوم فأجارتهما، قالت فدخل على عليّ فقال أقتلهما، فلما سمعته أتيت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة فلما رآني وقال «ما جاء بك؟» قلت يا نبي الله كنت أمنت رجلين من أحمائى فأراد على قتلهما، فقال رسول الله ﷺ «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» ثم قام رسول الله ﷺ الى غسله فسترت عليه فاطمة ثم أخذ ثوبا فالتحف به ثم صلّى ثماني ركعات سبحة الضحى.
وفي رواية أنها دخلت عليه وهو يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب، فقال «من هذه؟» قالت أم هانئ قال «مرحبا بأمّ هانئ» قالت يا رسول الله زعم ابن أم على بن أبى طالب أنه قاتل رجلين قد أجرتهما؟ فقال «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» قالت ثم صلّى ثماني ركعات وذلك ضحى فظن كثير من العلماء أن هذه كانت صلاة الضحى. وقال آخرون بل كانت هذه صلاة الفتح وجاء التصريح بانه كان يسلم من كل ركعتين وهو يرد على السهيليّ وغيره ممن يزعم أن صلاة الفتح تكون ثمانيا بتسليمة واحدة، وقد صلّى سعد بن أبى وقاص يوم فتح المدائن في إيوان كسرى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين ولله الحمد.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبى ثور عن صفية بنت شيبة أن رسول الله ﷺ لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، [فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف له الناس في المسجد] (١) وقال موسى بن عقبة ثم سجد سجدتين ثم انصرف الى زمزم فاطلع فيها ودعا بماء فشرب منها وتوضأ والناس يبتدرون وضوءه والمشركون يتعجبون من ذلك ويقولون ما رأينا ملكا قط ولا سمعنا به - يعنى مثل هذا - وأخر المقام الى مقامه اليوم وكان ملصقا بالبيت.
قال محمد بن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ
стр. 1340
قام على باب الكعبة فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو موضوع تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب» ثم تلا هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ الآية كلها ثم قال «يا معشر قريش ما ترون أنى فاعل فيكم؟» قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، قال «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد، فقام اليه على بن أبى طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلّى الله عليك؟ فقال رسول الله ﷺ «أين عثمان بن طلحة؟» فدعى له فقال «هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء».
وقال الامام أحمد حدثنا سفيان عن ابن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو على درج الكعبة: «الحمد لله الّذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا فيه مائة من الإبل» وقال مرة أخرى «مغلظة فيها أربعون خلفة في بطونها أولادها، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية ودم ودعوى» وقال مرة «ومال تحت قدمي هاتين إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت فإنهما أمضيتهما لأهلهما على ما كانت». وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث على بن زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة بن جوشن الغطفانيّ عن ابن عمر به.
قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، ورأى إبراهيم مصورا في يده الأزلام يستقسم بها فقال «قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ما شأن إبراهيم والأزلام؟ (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست. وقال الامام أحمد حدثنا سليمان أنبأ عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن أبى الزبير عن جابر قال: كان في الكعبة صور فأمر رسول الله ﷺ أن يمحوها فبل عمر ثوبا ومحاها به. فدخلها رسول الله ﷺ وما فيها منها شيء.
وقال البخاري حدثنا صدقة بن الفضل ثنا ابن عيينة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن أبى معمر عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول «جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد». وقد رواه مسلم من حديث ابن عيينة. وروى البيهقي عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن على بن عبد الله ابن عباس عن أبيه قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح مكة وعلى الكعبة ثلاثمائة صنم فأخذ
стр. 1341
قضيبه لجعل يهوى الى الصنم وهو يهوى حتى مر عليها كلها، ثم
يروى من طريق سويد بن (١) عن القاسم بن عبد الله عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة وجد بها ثلاثمائة وستين صنما فاشار الى كل صنم بعصا وقال «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا» فكان لا يشير الى صنم الا ويسقط من غير أن يمسه بعصاه، ثم قال وهذا وإن كان ضعيفا فالذي قبله يؤكده.
وقال حنبل بن إسحاق أنبأ أبو الربيع عن يعقوب القمي ثنا جعفر بن أبى المغيرة عن ابن أبزى قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة جاءت عجوز شمطاء حبشية تخمش وجهها وتدعو بالويل، فقال رسول الله ﷺ تلك نائلة أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا».
وقال ابن هشام:
حدثني من أثق به من أهل الرواية في اسناد له عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة [عن ابن عباس] أنه قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح على راحلته فطاف عليها وحول الكعبة أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي ﷺ يشير بقضيب في يده الى الأصنام ويقول «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا» فما أشار الى صنم منها في وجهه الا وقع لقفاه، ولا أشار الى قفاه الا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم الا وقع، فقال تميم بن أسد الخزاعي:
وفي الأصنام معتبر وعلم … لمن يرجو الثواب أو العقابا
وفي صحيح مسلم عن سنان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبى هريرة في حديث فتح مكة قال: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل على الحجر فاستلمه وطاف بالبيت وأتى الى صنم الى جنب البيت كانوا يعبدونه وفي يد رسول الله ﷺ قوس وهو آخذ بسيتها فلما أتى على الصنم فجعل يطعن في عينه ويقول «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا» فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر الى البيت فرفع يديه وجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعوا.
وقال البخاري ثنا إسحاق بن منصور ثنا عبد الصمد ثنا أبى ثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉ وفي أيديهما الأزلام، فقال «قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط» ثم دخل البيت فكبر في نواحي البيت وخرج ولم يصل. تفرد به البخاري دون مسلم. وقال الامام احمد ثنا عبد الصمد ثنا همام ثنا عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة وفيها ست سواري، فقام الى كل سارية وعدا ولم يصل فيه. ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن همام بن يحيى العوذى عن عطاء به.
وقال الامام احمد حدثنا هارون بن معروف ثنا ابن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث أن بكيرا حدثه عن كريب عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ
стр. 1342
حين دخل البيت وجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال «أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة هذا إبراهيم مصورا فما باله يستقسم؟». وقد رواه البخاري والنسائي من حديث ابن وهب به. وقال الامام احمد ثنا عبد الرزاق أنبا معمر أخبرنى عثمان الخزرجي أنه سمع مقسما يحدث عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ البيت فدعا في نواحيه ثم خرج فصلّى ركعتين. تفرد به احمد. وقال الامام احمد: ثنا إسماعيل أنبأ ليث عن مجاهد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ صلّى في البيت ركعتين. قال البخاري وقال الليث ثنا يونس أخبرنى نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلا مكة على راحلته مردفا أسامة بن زيد، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة حتى أناخ في المسجد فأمر أن يؤتى بمفتاح الكعبة، فدخل ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان ابن طلحة فمكث فيه نهارا طويلا ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد الله بن عمر أول من دخل فوجد بلالا وراء الباب قائما، فسأله أين صلّى رسول الله ﷺ ؟ فأشار له الى المكان الّذي صلّى فيه قال عبد الله: ونسيت أن أسأله كم صلى من سجدة، ورواه الامام احمد عن هشيم ثنا غير واحد وابن عون عن نافع عن ابن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ ومعه الفضل بن عباس وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال فأمر بلالا فأجاف عليهم الباب فمكث فيه ما شاء الله ثم خرج. قال ابن عمر فكان أول من لقيت منهم بلالا فقلت أين صلّى رسول الله ﷺ ؟ قال هاهنا بين الأسطوانتين.
قلت: وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أنه ﵇ صلّى في الكعبة تلقاء وجهة بابها من وراء ظهره فجعل عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، وكان بينه وبين الحائط الغربي مقدار ثلاثة أذرع [وقال الامام أحمد حدثنا إسماعيل أنبأ ليث عن مجاهد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ صلّى في البيت ركعتين (١)]
قال ابن هشام وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا، فسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لا تبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عنى هذه الحصا، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: «قد علمت الّذي قلتم» ثم ذكر ذلك لهم فقال الحارث وعتاب نشهد أنك رسول الله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني والدي حدثني بعض آل جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة أمر بلالا فعلا على الكعبة على ظهرها فأذن عليها بالصلاة، فقال بعض بنى سعيد بن العاص: لقد أكرم الله سعيدا إذ قبضه
стр. 1343
قبل أن يسمع هذا الأسود على ظهر الكعبة. وقال عبد الرزاق عن معمر عن أيوب قال قال ابن أبى مليكة: أمر رسول الله ﷺ بلالا فأذن يوم الفتح فوق الكعبة، فقال رجل من قريش للحارث بن هشام: ألا ترى الى هذا العبد أين صعد؟ فقال: دعه فان يكن الله يكرهه فسيغيره. وقال يونس بن بكير وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ أمر بلالا عام الفتح فأذن على الكعبة ليغيظ به المشركين.
وقال محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن حرب عن إسماعيل بن أبى خالد عن أبى إسحاق أن أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة كان جالسا فقال في نفسه لو جمعت لمحمد جمعا؟ فإنه ليحدث نفسه بذلك إذ ضرب رسول الله ﷺ بين كتفيه وقال «إذا يخزيك الله» قال فرفع رأسه فإذا رسول الله ﷺ قائم على رأسه فقال: ما أيقنت أنك نبي حتى الساعة.
قال البيهقي وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - إجازة - أنبأ أبو حامد احمد بن الحسن المقري أنبأ أحمد بن يوسف السلمي ثنا محمد بن يوسف الفريابي ثنا يونس بن أبى إسحاق عن أبى السفر عن ابن عباس قال: رأى أبو سفيان رسول الله ﷺ يمشى والناس يطئون عقبه، فقال بينه وبين نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال؟ فجاء رسول الله ﷺ حتى ضرب بيده في صدره فقال «إذا يخزيك الله» فقال أتوب الى الله وأستغفر الله مما تفوهت به. ثم
روى البيهقي من طريق ابن خزيمة وغيره عن أبى حامد ابن الشرقي عن محمد بن يحيى الذهلي ثنا موسى بن أعين الجزري ثنا أبى عن إسحاق بن راشد عن سعيد بن المسيب قال: لما كان ليلة دخل الناس مكة ليلة الفتح لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا، فقال أبو سفيان لهند: أترى هذا من الله؟ قالت نعم هذا من الله، قال ثم أصبح أبو سفيان فغدا الى روس الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «قلت لهند أترى هذا من الله؟ قالت نعم هذا من الله» فقال أبو سفيان: أشهد أنك عبد الله ورسوله، والّذي يحلف به ما سمع قولي هذا أحد من الناس غير هند.
وقال البخاري ثنا إسحاق ثنا أبو عاصم عن ابن جريج أخبرنى حسن بن مسلم عن مجاهد أن رسول الله ﷺ قال «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ولم تحلل لي الا ساعة من الدهر لا ينفر صيدها ولا يعضد شوكها ولا يختلى خلاؤها ولا تحل لقطتها الا لمنشد» فقال العباس بن عبد المطلب الا الإذخر يا رسول الله فإنه لا بد منه للدفن والبيوت؟ فسكت ثم قال «إلا الإذخر فإنه حلال» وعن ابن جريج أخبرنى عبد الكريم - هو ابن مالك الجزري - عن عكرمة عن ابن عباس بمثل هذا أو نحو هذا. ورواه أبو هريرة عن النبي ﷺ تفرد به البخاري من هذا الوجه الأول وهو مرسل، ومن هذا الوجه الثاني أيضا. وبهذا وأمثاله استدل من ذهب إلى أن مكة فتحت عنوة، وللوقعة التي كانت في الخندمة كما تقدم. وقد قتل فيها قريب من عشرين نفسا من المسلمين والمشركين وهي ظاهرة في
стр. 1344
ذلك وهو مذهب جمهور العلماء. والمشهور عن الشافعيّ أنها فتحت صلحا لأنها لم تقسم،
ولقوله ﷺ ليلة الفتح «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن دخل الحرم فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن» وموضع تقرير هذه المسألة في كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله تعالى.
وقال البخاري ثنا سعيد ابن شرحبيل ثنا الليث عن المقبري عن أبى شريح الخزاعي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح سمعته أذناى ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به، أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا فان أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب» فقيل لأبي شريح ماذا قال لك عمرو؟ قال قال أنا أعلم بذلك منك يأبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم، ولا فارا بجزية. وروى البخاري أيضا ومسلم عن قتيبة عن الليث بن سعد به نحوه.
وذكر ابن إسحاق أن رجلا يقال له ابن الأثوغ قتل رجلا في الجاهلية من خزاعة يقال له أحمر باسا، فلما كان يوم الفتح قتلت خزاعة ابن الأنوغ (١) وهو بمكة قتله خراش بن أمية، فقال رسول الله ﷺ «يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل لقد كثر القتل إن نفع لقد قتلتم رجلا لأدينه»
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي عن سعيد بن المسيب قال: لما بلغ رسول الله ﷺ ما صنع خراش ابن أمية قال «إن خراشا لقتال»
وقال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبى سعيد المقبري عن أبى شريح الخزاعي قال: لما قدم عمرو بن الزبير (٢) مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير جئته فقلت له يا هذا إنا كنا مع رسول الله ﷺ حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبا فقال «يا أيها الناس إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام من حرام الله الى يوم القيامة فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرا، لم تحل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد يكون بعدي ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها، ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب فمن قال لكم إن رسول الله ﷺ قد قاتل فيها فقولوا إن الله قد أحلها لرسوله ولم
стр. 1345
يحلها لكم يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر إن نفع لقد قتلتم قتيلا لأدينه فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين إن شاءوا فدم قاتله وإن شاءوا فعقله» ثم ودى رسول الله ﷺ ذلك الرجل الّذي قتلته خزاعة. فقال عمرو لأبي شريح: انصرف أيها الشيخ فنحن أعلم بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم، ولا خالع طاعة، ولا مانع جزية، فقال أبو شريح: إني كنت شاهدا وكنت غائبا وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد أبلغتك فأنت وشأنك. قال ابن هشام:
وبلغني أن أول قتيل وداه رسول الله ﷺ يوم الفتح جنيدب بن الأكوع قتله بنو كعب فوداه رسول الله ﷺ بمائة ناقة.
وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى عن حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال «كفوا السلاح إلا خزاعة من بنى بكر» فأذن لهم حتى صلّى العصر ثم قال «كفوا السلاح» فلقى رجل من خزاعة رجلا من بنى بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيبا فقال - فرأيته وهو مسند ظهره الى الكعبة قال - «إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول الجاهلية» وذكر تمام الحديث وهذا غريب جدا. وقد روى أهل السنن بعض هذا الحديث فأما ما فيه من أنه رخص لخزاعة أن تأخذ بثأرها من بنى بكر الى العصر من يوم الفتح فلم أره الا في هذا الحديث وكأنه إن صح من باب الاختصاص لهم مما كانوا أصابوا منهم ليلة الوتير والله أعلم.
وروى الامام أحمد عن يحيى بن سعيد وسفيان بن عيينة ويزيد بن هارون ومحمد بن عبيد كلهم عن زكريا بن أبى زائدة عن عامر الشعبي عن الحارث بن مالك بن البرصاء الخزاعي سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم فتح مكة «لا تغزى هذه بعد اليوم الى يوم القيامة» ورواه الترمذي عن بندار عن يحيى بن سعيد القطان به وقال حسن صحيح.
قلت: فان كان نهيا فلا إشكال، وإن كان نفيا فقال البيهقي معناه على كفر أهلها
وفي صحيح مسلم من حديث زكريا بن أبى زائدة عن عامر الشعبي عن عبد الله بن مطيع عن أبيه مطيع بن الأسود العدوي قال قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة «لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم الى يوم القيامة» والكلام عليه كالأول سواء.
قال ابن هشام: وبلغني أن رسول الله ﷺ حين افتتح مكة ودخلها قام على الصفا يدعو وقد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال «ماذا قلتم؟» قالوا لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال رسول الله ﷺ «معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم» وهذا الّذي علقه ابن هشام قد أسنده الامام احمد بن حنبل في مسندة فقال ثنا بهز وهاشم قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت.
وقال هاشم حدثني ثابت البناني ثنا عبد الله بن رباح قال: وفدت وفود إلى
стр. 1346
معاوية أنا فيهم وأبو هريرة وذلك في رمضان، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام، قال وكان أبو هريرة يكثر ما يدعونا، قال هاشم يكثر أن يدعونا إلى رحله، قال فقلت ألا أصنع طعاما فادعوهم الى رحلي؟ قال فأمرت بطعام يصنع فلقيت أبا هريرة من العشاء قال قلت يأبا هريرة الدعوى عندي الليلة قال استبقني (١) قال هاشم قلت نعم فدعوتهم فهم عندي، فقال أبو هريرة ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار قال فذكر فتح مكة قال أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكة قال فبعث الزبير على أحد المجنبتين وبعث خالدا على المجنبة الأخرى وبعث أبا عبيدة على الجسر وأخذوا بطن الوادي ورسول الله ﷺ في كتيبته وقد وبشت قريش أوباشها، قال قالوا نقدم هؤلاء فان كان لهم شيء كنا معهم وإن أصيبوا أعطيناه الّذي سألنا، قال أبو هريرة فنظر فرآني فقال «يأبا هريرة» فقلت لبيك رسول الله، فقال «اهتف لي بالأنصار ولا يأتينى الا أنصارى» فهتفت بهم فجاءوا فأطافوا برسول الله ﷺ قال فقال رسول الله ﷺ «أترون إلى أوباش قريش واتباعهم؟» ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى «أحصدوهم حصدا حتى توافونى بالصفا» قال فقال أبو هريرة فانطلقنا فما يشاء واحد منا أن يقتل منهم ما شاء، وما أحد منهم يوجه إلينا منهم شيئا، قال فقال أبو سفيان:
يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، قال فقال رسول الله ﷺ «من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن» قال فغلق الناس أبوابهم، قال وأقبل رسول الله ﷺ إلي الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت قال وفي يده قوس آخذ بسية القوس، قال فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه قال فجعل يطعن بها في عينه ويقول «جاء الحق وزهق الباطن إن الباطن كان زهوقا» قال ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه، قال والأنصار تحت قال يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء لم يخف علينا، فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى يقضى. قال هاشم: فلما قضى الوحي رفع رأسه ثم قال «يا معشر الأنصار أقلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؟» قالوا قلنا ذلك يا رسول الله، قال «فما اسمي إذا، كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت الى الله وإليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم» قال فاقبلوا اليه يبكون ويقولون والله ما قلنا الّذي قلنا الا الضن بالله ورسوله، قال فقال رسول الله ﷺ «إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم» وقد رواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة زاد النسائي وسلام بن مسكين ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن سلمة ثلاثتهم عن ثابت عن عبد الله بن رباح الأنصاري نزيل البصرة عن أبى هريرة به نحوه.
وقال ابن هشام:
стр. 1347
وحدثني - يعنى بعض أهل العلم - أن فضالة بن عمير بن الملوح - يعنى الليثي - أراد قتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ «أفضالة؟» قال نعم فضالة يا رسول الله، قال «ماذا كنت تحدث به نفسك؟» قال لا شيء كنت أذكر الله، قال فضحك النبي ﷺ ثم قال «استغفر الله» ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب الى منه، قال فضالة فرجعت الى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث اليها فقالت هلم الى الحديث؟ فقال لا، وانبعث فضالة يقول:
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا … يأبى عليك الله والإسلام
أو ما رأيت محمدا وقبيله … بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بيّنا … والشرك يغشى وجهه الاظلام
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت: خرج صفوان ابن أمية يريد جدة ليركب منها الى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمنه يا رسول الله صلّى الله عليك فقال «هو آمن» فقال يا رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك؟ فأعطاه رسول الله ﷺ عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب في البحر فقال: يا صفوان فداك أبى وأمى الله الله في نفسك أن تهلكها هذا أمان من رسول الله ﷺ وقد جئتك به، قال ويلك أعرب عنى فلا تكلمني قال أي صفوان فداك أبى وأمى أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك؟ قال إني أخافه على نفسي، قال هو أحلم من ذلك وأكرم. فرجع معه حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمنتنى؟ قال «صدق» قال فاجعلني بالخيار فيه شهرين؟ قال «أنت بالخيار أربعة أشهر» ثم حكى ابن إسحاق عن الزهري أن فاخة بنت الوليد امرأة صفوان وأم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة بن أبى جهل وقد ذهبت وراءه الى اليمن فاسترجعته فأسلم فلما أسلما أقرهما رسول الله ﷺ تحتهما بالنكاح الأول. قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال: رمى حسان بن الزبعري وهو بنجران ببيت واحد ما زاد عليه:
لا تعدمن رجلا أحلك بغضه … نجران في عيش أحذ لئيم
فلما بلغ ذلك ابن الزبعري خرج الى رسول الله ﷺ فأسلم وقال حين أسلم:
يا رسول المليك إن لساني … راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أبارى الشيطان في سنن الغي … ومن مال ميله مثبور
стр. 1348
آمن اللحم والعظام لربي … ثم قلبي الشهيد أنت النذير
إنني عنك زاجر ثم حيّا … من لؤيّ وكلهم مغرور
قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن الزبعري أيضا حين أسلم:
منع الرقاد بلابل وهموم … والليل معتلج الرواق يهيم
مما أتانى أن أحمد لامنى … فيه فبت كأننى محموم
يا خير من حملت على أوصالها … عيرانة سرح اليدين غشوم
إني لمعتذر إليك من الّذي … أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
أيام تأمرنى بأغوى خطة … سهم وتأمرنى بها مخزوم
وأمد أسباب الردى ويقودني … أمر الغواة وأمرهم مشئوم
فاليوم آمن بالنبيّ محمد … قلبي ومخطئ هذه محروم
مضت العداوة وانقضت أسبابها … ودعت أواصر بيننا وحلوم
فاغفر فدى لك والديّ كلاهما … زللي فإنك راحم مرحوم
وعليك من علم المليك علامة … نور أغر وخاتم مختوم
أعطاك بعد محبة برهانه … شرفا وبرهان الإله عظيم
ولقد شهدت بأن دينك صادق … حق وأنك في المعاد جسيم
والله يشهد أن أحمد مصطفى … مستقبل في الصالحين كريم
قرم علا بنيانه من هاشم … فرع تمكن في الذرى وأروم
قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له.
قلت: كان عبد الله بن الزبعري السهمي من أكبر أعداء الإسلام ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين، ثم من الله عليه بالتوبة والانابة والرجوع إلى الإسلام والقيام بنصره والذب عنه.
فصل
قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف من بنى سليم سبعمائة ويقول بعضهم ألف ومن بنى غفار أربعمائة [ومن أسلم أربعمائة] ومن مزينة ألف وثلاثة نفر وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد. وقال عروة والزهري وموسى بن عقبة: كان المسلمون يوم الفتح الذين مع رسول الله ﷺ اثنا عشر الفا فالله اعلم. قال ابن إسحاق وكان مما قيل من الشعر في يوم الفتح قول حسان بن ثابت:
стр. 1349
عفت ذات الأصابع فالجواء (١) … إلى عذراء منزلها خلاء
ديار من بنى الحسحاس قفر … تعفيها الروامس والسماء
وكانت لا يزال بها أنيس … خلال مروجها نعم وشاء
فدع هذا ولكن من لطيف … يؤرقنى إذا ذهب العشاء
لشعثاء التي (٢) قد تيمته … فليس لقلبه منها شفاء
كأن خبيئة من بيت رأس … يكون مزاجها عسل وماء
إذا ما الأشربات ذكرن يوما … فهن لطيّب الراح الفداء
نوليها الملامة أن ألمنا (٣) … إذا ما كان مغث أو لحاء (٤)
ونشربها فتتركنا ملوكا … وأسدا ما ينهنها اللقاء
عدمنا خيلنا أن لم تروها … تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأعنة مصغيات … على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات … يلطمهنّ بالخمر النساء
فاما تعرضوا عنا اعتمرنا … وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم … يعز (٥) الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس له كفاء
وقال الله قد أرسلت عبدا … يقول الحق إن نفع البلاء
شهدت به فقوموا صدقوه … فقلتم لا نقوم ولا نشاء
وقال الله قد سيرت جندا … هم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد … سباب أو قتال أو هجاء
فنحكم بالقوافى من هجانا … ونضرب حين تختلط الدماء
الا أبلغ أبا سفيان عنى … مغلغلة فقد برح الخفاء
بأن سيوفنا تركتك عبدا … وعبد الدار سادتها الإماء
هجوت محمدا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء … فشركما لخيركما الفداء
стр. 1350
هجوت مباركا برا حنيفا … أمين الله شيمته الوفاء
أمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء
فان أبى ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء
لساني صارم لا عيب فيه … وبحري لا تكدره الدلاء (١)
قال ابن هشام: قالها حسان قبل الفتح.
قلت: والّذي قاله متوجه لما في أثناء هذه القصيدة مما يدل على ذلك وأبو سفيان المذكور في البيت هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. قال ابن هشام: وبلغني عن الزهري أنه قال: لما رأى رسول الله ﷺ النساء يلطمن الخيل بالخمر تبسم الى أبى بكر ﵁. قال ابن إسحاق:
وقال أنس بن زنيم الدئلي يعتذر الى رسول الله ﷺ مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعي - يعنى لما جاء يستنصر عليهم - كما تقدم:
أأنت الّذي تهدى معد بأمره … بل الله يهديهم وقال لك اشهد
وما حملت من ناقة فوق رحلها … أبر وأوفى ذمة من محمد
أحث على خير وأسبغ نائلا … إذا راح كالسيف الصقيل المهند
وأكسى لبرد الخال (٢) قبل ابتذاله … وأعطى لرأس السابق المتجرد
تعلم رسول الله أنك مدركي … وأن وعيدا منك كالأخذ باليد
تعلم رسول الله أنك قادر … على كل صرم متهمين ومنجد
تعلم أن الركب ركب عويمر … هموا الكاذبون المخلفو كل موعد
ونبوا رسول الله أنى هجوته … فلا حملت سوطي الىّ إذن يدي
سوى أننى قد قلت ويل أم فتية … أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعد
أصابهموا من لم يكن لدمائهم … كفاء فعزت عبرتي وتبلدي
وإنك قد أخبرت أنك ساعيا … بعبد بن عبد الله وابنة مهود
ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا … جميعا فان لا تدمع العين أكمد
وسلمى وسلمى ليس حتى كمثله … وإخوته وهل ملوك كأعبد
فانى لا ذنبا فتقت ولا درقت … تبين عالم الحق واقصد
قال ابن إسحاق: وقال بجير بن زهير بن أبى سلمى في يوم الفتح:
стр. 1351
نفى أهل الحبلق (١) كل فج … مزينة غدوة وبنو خفاف
ضربناهم بمكة يوم فتح النبي … الخير بالبيض الخفاف
صبحناهم بسبع من سليم … وألف من بنى عثمان واف
نطأ أكتافهم ضربا وطعنا … ورشقا بالمريشة اللطاف
ترى بين الصفوف لها حفيفا … كما انصاع الفواق من الرصاف
فرحنا والجياد تجول فيهم … بأرماح مقومة الثقاف
فأبنا غانمين بما اشتهينا … وآبوا نادمين على الخلاف
وأعطينا رسول الله منّا … مواثقنا على حسن التصافي
وقد سمعوا مقالتنا فهموا … غداة الروع منا بانصراف
وقال ابن هشام وقال عباس بن مرداس السلمي في فتح مكة:
منا بمكة يوم فتح محمد … ألف تسيل به البطاح مسوّم
نصروا الرسول وشاهدوا آياته … وشعارهم يوم اللقاء مقدم
في منزل ثبتت به أقدامهم … ضنك كأن الهام فيه الحنتم
جرت سنابكها بنجد قبلها … حتى استقام لها الحجاز الأدهم
الله مكنه له وأذله … حكم السيوف لنا وجد مزحم
عود الرئاسة شامخ عرنينه … متطلع ثغر المكارم خضرم
وذكر ابن هشام في سبب إسلام عباس بن مرداس أن أباه كان يعبد صنما من حجارة يقال له ضمار فلما حضرته الوفاة أوصاه به، فبينما هو يوما يخدمه إذ سمع صوتا من جوفه وهو يقول:
قل للقبائل من سليم كلها … أودى ضمار وعاش أهل المسجد
إن الّذي ورث النبوة والهدى … بعد ابن مريم من قريش مهتدى
أودى ضمار وكان يعبد مدة … قبل الكتاب الى النبي محمد
قال فحرق عباس ضمار ثم لحق برسول الله ﷺ فأسلم، وقد تقدمت هذه القصة بكمالها في باب هواتف الجان مع أمثالها وأشكالها ولله الحمد والمنة.
بعثه ﵇ خالد بن الوليد بعد الفتح الى بنى جذيمة من كنانة
قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبى جعفر محمد بن على قال
стр. 1352
بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب وسليم بن منصور ومدلج بن مرة فوطئوا بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فان الناس قد أسلموا: قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بنى جذيمة قال: لما أمرنا خالد أن نضع السلاح قال رجل منا يقال له جحدم: ويلكم يا بنى جذيمة إنه خالد والله ما بعد وضع السلاح الا الإسار، وما بعد الإسار الا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبدا. قال فأخذه رجال من قومه فقالوا يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا؟! إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وآمن الناس، فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم سلاحهم لقول خالد.
قال ابن إسحاق: فقال حكيم بن حكيم عن أبى جعفر قال: فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر الى رسول الله ﷺ رفع يديه الى السماء ثم قال «اللهمّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد
قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أنه انفلت رجل من القوم فأتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فقال رسول الله ﷺ «هل أنكر عليه أحد؟» فقال نعم قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه خالد فسكت عنه، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب فاشتدت مراجعتهما، فقال عمر بن الخطاب: أما الأول يا رسول الله فابنى عبد الله، وأما الآخر فسالم مولى أبى حذيفة.
قال ابن إسحاق: فحدثني حكيم بن حكيم عن أبى جعفر قال: ثم دعا رسول الله ﷺ على بن أبى طالب فقال «يا على اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك» فخرج على حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله ﷺ فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال حتى أنه ليدي ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال، فقال لهم عليّ حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يود لكم؟ قالوا لا، قال فانى أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله ﷺ مما لا يعلم ولا تعلمون. ففعل ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال «أصبت وأحسنت» ثم قام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول «اللهمّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» ثلاث مرات. قال ابن إسحاق: وقد قال بعض من يعذر خالدا أنه قال ما قاتلت حتى أمرنى بذلك عبد الله بن حذافة السهمي وقال: إن رسول الله ﷺ قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الإسلام.
قال ابن هشام: قال أبو عمرو المديني: لما أتاهم خالد بن الوليد قالوا صبأنا صبأنا وهذه مرسلات ومنقطعات. وقد
قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بنى - احسبه قال - جذيمة فدعاهم
стр. 1353
إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، وخالد يأخذ بهم أسرا وقتلا، قال ودفع إلى كل رجل منا أسيرا حتى إذا أصبح يوما أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، قال ابن عمر فقلت والله لا أقتل أسيرى ولا يقتل أحد من أصحابى أسيره، قال فقدموا على النبي ﷺ فذكروا صنيع خالد فقال النبي ﷺ ورفع يديه «اللهمّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد» مرتين. ورواه البخاري والنسائي من حديث عبد الرزاق به نحوه. قال ابن إسحاق: وقد قال لهم جحدم لما رأى ما يصنع خالد: يا بنى جذيمة ضاع الضرب قد كنت حذرتكم مما وقعتم فيه.
قال ابن إسحاق: وقد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف - فيما بلغني - كلام في ذلك فقال له عبد الرحمن عملت بأمر الجاهلية في الإسلام؟ فقال إنما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن كذبت قد قتلت قاتل أبى، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة حتى كان بينهما شر، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال «مهلا يا خالد دع عنك أصحابى فو الله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابى ولا روحته» ثم ذكر ابن إسحاق قصة الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم عم خالد بن الوليد في خروجه هو وعوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة ومعه ابنه عبد الرحمن وعفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس ومعه ابنه عثمان في تجارة الى اليمن ورجوعهم ومعهم مال لرجل من بنى جذيمة كان هلك باليمن فحملوه الى ورثته فادعاه رجل منهم يقال له خالد بن هشام ولقيهم بأرض بنى جذيمة فطلبه منهم [قبل أن يصلوا الى أهل الميت] فأبوا عليه فقاتلهم فقاتلوه حتى قتل عوف والفاكه وأخذت أموالهما وقتل عبد الرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام وفر منهم عفان ومعه ابنه عثمان إلى مكة، فهمت قريش بغزو بنى جذيمة فبعث بنو جذيمة يعتذرون اليهم بانه لم يكن عن ملأ منهم وودوا لهم القتيلين وأموالهما ووضعوا الحرب بينهم، يعنى فلهذا قال خالد لعبد الرحمن إنما ثأرت بأبيك يعنى حين قتلته بنو حذيمة، فأجابه بأنه قد أخذ ثأره وقتل قاتله ورد عليه بأنه إنما ثأر بعمه الفاكه بن المغيرة حين قتلوه وأخذوا أمواله، والمظنون بكل منهما أنه لم يقصد شيئا من ذلك وإنما يقال هذا في وقت المخاصمة فإنما أراد خالد بن الوليد نصرة الإسلام وأهله وإن كان قد أخطأ في أمر واعتقد أنهم ينتقصون الإسلام بقولهم صبأنا صبأنا، ولم يفهم عنهم أنهم أسلموا فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيتهم، وقتل أكثر الأسرى أيضا، ومع هذا لم يعزله رسول الله ﷺ بل استمر به أميرا وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك وودى ما كان جناه خطأ في دم أو مال ففيه دليل لأحد القولين بين العلماء في أن خطأ الامام يكون في بيت المال لا في ماله والله اعلم. ولهذا لم يعزله الصديق حين قتل مالك بن نويرة أيام الردة وتأول عليه ما تأول حين ضرب عنقه واصطفى امرأته أم تميم فقال له عمر بن الخطاب: اعزله فان في سيفه رهقا فقال الصديق: لا أغمد سيفا سله الله على المشركين
стр. 1354
وقال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس عن الزهري عن ابن أبى حدرد الأسلمي قال: كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد فقال فتى من بنى جذيمة وهو في سنى وقد جمعت يداه الى عنقه برمّة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتى قلت ما تشاء؟ قال هل أنت آخذ بهذه الرّمة فقائدي الى هذه النسوة حتى أقضى إليهن حاجة ثم تردني بعد فتصنعوا ما بدا لكم؟ قال قلت والله ليسير ما طلبت فأخذت برمته فقدته بها حتى وقفته عليهنّ فقال: أسلمي حبيش على نفد العيش:
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم … بحلية أو ألفيتكم بالخوانق
ألم يك أهلا أن ينول عاشق … تكلف إدلاج السري والودائق
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا … أثيبى بود قبل إحدى الصفائق
أثيبى بود قبل أن يشحط النوى … وينأى الأمير بالحبيب المفارق
فأنى لا ضيعت سر أمانة … ولا راق عيني عنك بعدك رائق
سوى أن ما نال العشيرة شاغل … عن الود إلا أن يكون التوامق
قالت: وأنت فحييت عشرا وتسعا وترا وثمانية تترى قال ثم انصرفت به فضربت عنقه. قال ابن إسحاق: فحدثني أبو فراس بن أبى سنبلة الأسلمي بن أشياخ منهم عمن كان حضرها منهم قالوا فقامت اليه حين ضربت عنقه فأكبت عليه فما زالت تقبله حتى ماتت عنده.
وروى الحافظ البيهقي من طريق الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق أنه سمع رجلا من مزينة يقال له ابن عصام عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية قال «إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا» قال فبعثنا رسول الله ﷺ في سرية وأمرنا بذلك فخرجنا قبل تهامة فأدركنا رجلا يسوق بظعائن فقلنا له أسلم، فقال وما الإسلام؟ فأخبرناه به فإذا هو لا يعرفه، قال أفرأيتم إن لم أفعل ما أنتم صانعون؟ قال قلنا نقتلك، فقال فهل أنتم منظرى حتى أدرك الظعائن؟ قال قلنا نعم ونحن مدركوك، قال فأدرك الظعائن فقال: أسلمي حبيش قبل نفاد العيش، فقالت الأخرى أسلم عشرا وتسعا وترا وثمانيا تترى ثم ذكر الشعر المتقدم الى قوله: وينأى الأمير بالحبيب المفارق، ثم رجع إلينا فقال شأنكم قال فقدمناه فضربنا عنقه قال فانحدرت الأخرى من هودجها فجثت عليه حتى ماتت. ثم
روى البيهقي من طريق أبى عبد الرحمن النسائي ثنا محمد بن على بن حرب المروزي ثنا على بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحويّ عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث سرية فغنموا وفيهم رجل، فقال لهم إني لست منهم إني عشقت امرأة فلحقتها فدعوني انظر اليها نظرة ثم اصنعوا بى ما بدا لكم، قال فإذا امرأة أدماء طويلة فقال لها: أسلمي حبيش قبل نفاد العيش. ثم ذكر البيتين بمعناهما. قال فقالت نعم فديتك، قال فقدموه فضربوا عنقه فجاءت
стр. 1355
المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أخبروه الخبر فقال «أما كان فيكم رجل رحيم»
بعث خالد بن الوليد لهدم العزى
قال ابن جرير: وكان هدمها لخمس بقين من رمضان عامئذ. قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد الى العزى وكانت بيتا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، وكان سدنتها وحجابها من بنى شيبان من بنى سليم حلفاء بنى هاشم، فلما سمع حاجبها السلمي بمسير خالد بن الوليد اليها علق سيفه عليها ثم اشتد في الجبل الّذي هي فيه وهو يقول:
أيا عز شدى شدة لا شوى لها … على خالد ألقى القناع وشمري
أيا عز إن لم تقتلي المرء خالدا … فبوئى بإثم عاجل أو تنصرى
قال فلما انتهى خالد اليها هدمها ثم رجع الى رسول الله ﷺ . وقد
روى الواقدي وغيره أنه لما قدمها خالد لخمس بقين من رمضان فهدمها ورجع فأخبر رسول الله ﷺ فقال «ما رأيت؟» قال لم أر شيئا فأمره بالرجوع فلما رجع خرجت اليه من ذلك البيت امرأة سوداء ناشرة شعرها تولول فعلاها بالسيف وجعل يقول:
يا عزّى كفرانك لا سبحانك … إني رأيت الله قد أهانك
ثم خرب ذلك البيت الّذي كانت فيه وأخذ ما كان فيه من الأموال ﵁ وأرضاه، ثم رجع فأخبر رسول الله ﷺ فقال «تلك العزى ولا تعبد أبدا»
وقال البيهقي أنبأ محمد بن أبى بكر الفقيه أنبأ محمد بن أبى جعفر أنبأ أحمد بن على ثنا أبو كريب عن ابن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبى الطفيل قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد الى نخلة وكانت بها العزى، فأتاها وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات وهدم البيت الّذي كان عليها ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره فقال «ارجع فإنك لم تصنع شيئا» فرجع خالد فلما نظرت اليه السدنة وهم حجابها أمعنوا هربا في الجبل وهم يقولون: يا عزى خبليه يا عزى عوريه والا فموتى برغم، قال فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها ووجهها فعممها بالسيف حتى قتلها ثم رجع الى النبي ﷺ فأخبره فقال «تلك العزى».
فصل في مدة إقامته ﵇ بمكة
لا خلاف أنه ﵊ أقام بقية شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر، وهذا دليل من قال من العلماء إن المسافر إذا لم يجمع الاقامة فله أن يقصر ويفطر الى ثماني عشر يوما في أحد القولين وفي القول الآخر كما هو مقرر في موضعه. قال البخاري ثنا أبو نعيم ثنا سفيان ح وحدثنا قبيصة ثنا
стр. 1356
سفيان عن يحيى بن أبى إسحاق عن أنس بن مالك قال: أقمنا مع رسول الله ﷺ عشرا يقصر الصلاة وقد رواه بقية الجماعة من طرق متعددة عن يحيى بن أبى إسحاق الحضرميّ البصري عن أنس به نحوه. قال البخاري ثنا عبدان ثنا عبد الله انبأ عاصم عن عكرمة عن ابن عباس قال: أقام رسول الله ﷺ تسعة عشر يوما يصلّى ركعتين. ورواه البخاري أيضا من وجه آخر زاد البخاري وأبو حصين كلاهما وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث عاصم بن سليمان الأحول عن عكرمة عن ابن عباس به وفي لفظ لأبي داود سبعة عشر يوما وحدثنا أحمد بن يونس ثنا أحمد بن شهاب عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس قال أقمنا مع رسول الله ﷺ في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة. قال ابن عباس: فنحن نقصر ما بقينا بين تسع عشرة، فإذا زدنا أتمنا.
وقال أبو داود ثنا إبراهيم بن موسى ثنا ابن علية ثنا على بن زيد عن أبى نضرة عن عمران بن حصين قال: غزوت مع رسول الله ﷺ وشهدت معه الفتح فأقام ثماني عشر ليلة لا يصلّى الا ركعتين يقول «يا أهل البلد صلوا أربعا فانا سفر» وهكذا رواه الترمذي من حديث على بن زيد بن جدعان وقال هذا حديث حسن. ثم رواه من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: أقام رسول الله ﷺ عام الفتح خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة ثم قال رواه غير واحد عن ابن إسحاق لم يذكروا ابن عباس. وقال ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن الزهري ومحمد بن على ابن الحسين وعاصم بن عمرو بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر وعمرو بن شعيب وغيرهم قالوا: أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة ليلة.
فصل ومما حكم ﵇ بمكة من الأحكام
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلم عن مالك بن شهاب عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ وقال الليث حدثني يونس عن ابن شهاب أخبرنى عروة بن الزبير أن عائشة قالت: كان عتبة بن أبى وقاص عهد الى أخيه سعد أن يقبض ابن وليدة زمعة، وقال عتبة إنه ابني، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة في الفتح أخذ سعد بن أبى وقاص ابن وليدة زمعة فاقبل به الى رسول الله ﷺ وأقبل معه عبد بن زمعة فقال سعد بن أبى وقاص: هذا ابن أخي عهد الى أنه ابنه، قال عبد بن زمعة يا رسول الله هذا أخى هذا ابن زمعة ولد على فراشه، فنظر رسول الله ﷺ الى ابن وليدة زمعة فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبى وقاص، فقال رسول الله ﷺ «هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد على فراشه» وقال رسول الله ﷺ «احتجبى منه يا سودة» لما رأى من شبه عتبة ابن أبى وقاص.
قال ابن شهاب قالت عائشة قال رسول الله ﷺ «الولد للفراش وللعاهر الحجر».
قال ابن شهاب وكان أبو هريرة يصرح بذلك. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والترمذي
стр. 1357
جميعا عن قتيبة عن الليث به. وابن ماجة من حديثه وانفرد البخاري بروايته له من حديث مالك عن الزهري. ثم
قال البخاري ثنا محمد بن مقاتل أنبأ عبد الله أنا يونس عن ابن شهاب أخبرني عروة ابن الزبير أن امرأة سرقت في عهد رسول الله ﷺ في غزوة الفتح ففزع قومها الى أسامة بن زيد يستشفعونه قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله ﷺ وقال «أتكلمني في حد من حدود الله؟» فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال «أما بعد فإنما هلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والّذي نفس محمد بيده لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» ثم أمر رسول الله ﷺ بتلك المرأة فقطعت يدها فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت، قالت عائشة: كانت تأتى بعد ذلك فأرفع حاجتها الى رسول الله ﷺ . وقد رواه البخاري في موضع آخر ومسلم من حديث ابن وهب عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة به وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهنيّ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة ثم لم يخرج حتى نهى عنها.
وفي رواية فقال «ألا إنها حرام حرام من يومكم هذا الى يوم القيامة» وفي رواية في مسند احمد والسنن أن ذلك كان في حجة الوداع فالله أعلم. وفي صحيح مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن يونس بن محمد عن عبد الواحد بن زياد عن أبى العميس عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه أنه قال: رخص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاس في متعة النساء ثلاثا ثم نهانا عنه. قال البيهقي: وعام أوطاس هو عام الفتح فهو وحديث سبرة سواء.
قلت: من أثبت النهى عنها في غزوة خيبر قال إنها أبيحت مرتين، وحرمت مرتين، وقد نص على ذلك الشافعيّ وغيره. وقد قيل إنها أبيحت وحرمت أكثر من مرتين فالله أعلم. وقيل إنها إنما حرمت مرة واحدة وهي هذه المرة في غزوة الفتح، وقيل إنها إنما أبيحت للضرورة فعلى هذا إذا وجدت ضرورة أبيحت وهذا رواية عن الامام احمد وقيل بل لم تحرم مطلقا وهي على الاباحة هذا هو المشهور عن ابن عباس وأصحابه وطائفة من الصحابة وموضع تحرير ذلك في الأحكام.
فصل
قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج أنبأ عبد الله بن عثمان بن خثيم أن محمد بن الأسود بن خلف أخبره أن أباه الأسود رأى رسول الله ﷺ يبايع الناس يوم الفتح، قال جلس عند قرن مستقبله فبايع الناس على الإسلام والشهادة قلت وما الشهادة؟ قال أخبرنى محمد بن الأسود ابن خلف أنه بايعهم على الايمان بالله وشهادة أن لا إله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله تفرد به احمد وعند البيهقي فجاءه الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الإسلام والشهادة.
وقال ابن
стр. 1358
جرير: ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله ﷺ على الإسلام فجلس لهم - فيما بلغني - على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل من مجلسه، فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا قال فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء وفيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة لحدثها لما كان من صنيعها بحمزة [فهي تخاف أن يأخذها رسول الله ﷺ بحدثها ذلك، فلما دنين من رسول الله ﷺ ليبايعهن قال «بايعننى على أن لا تشركن بالله شيئا» فقالت هند والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه من الرجال؟ «ولا تسرقن» فقالت والله إني كنت أصبت من مال أبى سفيان الهنة بعد الهنة وما كنت أدرى أكان ذلك علينا حلالا أم لا؟ فقال أبو سفيان - وكان شاهدا لما تقول - أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل، فقال رسول الله ﷺ «وإنك لهند بنت عتبة؟» قالت نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك ثم قال «ولا يزنين» فقالت يا رسول الله وهل تزني الحرة؟ ثم قال «ولا تقتلن أولادكن» قالت قد ربيناهم صغارا حتى قتلتهم أنت وأصحابك ببدر كبارا (١) فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرق ثم قال «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن» فقالت والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل ثم قال «ولا يعصيننى» فقالت في معروف، فقال رسول الله ﷺ لعمر «بايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم» فبايعهن عمر وكان رسول الله ﷺ لا يصافح النساء ولا يمس الا امرأة أحلها الله له أو ذات محرم منه. وثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط
وفي رواية ما كان يبايعهن الا كلاما ويقول «إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة»
وفي الصحيحين عن عائشة أن هندا بنت عتبة امرأة أبى سفيان أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفى بنى فهل على من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه؟ قال خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك (٢)] [وروى البيهقي من طريق يحيى بن بكير عن الليث عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت يا رسول الله ما كان مما على وجه الأرض أخباء أو خباء - الشك من أبى بكر - أحب الى من أن يذلوا من أهل أخبائك - أو خبائك - ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل أخباء أو خباء أحب إلى من أن يعزوا من أهل أخبائك أو خبائك فقال رسول الله ﷺ «وأيضا والّذي نفس محمد بيده» قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح فهل على حرج أن اطعم من الّذي له؟ قال «لا بالمعروف» ورواه البخاري عن يحيى بن بكير بنحوه وتقدم ما يتعلق بإسلام أبى سفيان] (٣)
стр. 1359
وقال أبو داود ثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم الا فانفروا» ورواه البخاري عن عثمان بن أبى شيبة ومسلم عن يحيى بن يحيى عن جرير.
وقال الامام أحمد ثنا عفان ثنا وهب ثنا ابن طاوس عن أبيه عن صفوان بن أمية أنه قيل له إنه لا يدخل الجنة الا من هاجر فقلت له لا أدخل منزلي حتى أسأل رسول الله ما سأله فأتيته فذكرت له فقال «لا هجرة بعد فتح مكة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا» تفرد به أحمد
وقال البخاري ثنا محمد بن أبى بكر ثنا الفضيل بن سليمان ثنا عاصم عن أبى عثمان النهدي عن مجاشع بن مسعود قال: انطلقت بابي معبد الى النبي ﷺ ليبايعه على الهجرة فقال «مضت الهجرة لأهلها أبايعه على الإسلام والجهاد» فلقيت ابا معبد فسألته فقال صدق مجاشع. وقال خالد عن أبى عثمان عن مجاشع أنه جاء بأخيه مجالد.
وقال البخاري ثنا عمرو بن خالد ثنا زهير ثنا عاصم عن أبى عثمان قال حدثني مجاشع قال: أتيت رسول الله بأخي بعد يوم الفتح فقلت يا رسول الله جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة قال «ذهب أهل الهجرة بما فيها» فقلت على أي شيء تبايعه؟ قال «أبايعه على الإسلام والايمان والجهاد» فلقيت أبا معبد بعد وكان أكبر هما سنا فسألته فقال: صدق مجاشع وقال البخاري ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن أبى بشر عن مجاهد قال قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر الى الشام؟ فقال: لا هجرة ولكن انطلق فاعرض نفسك فان وجدت شيئا والا رجعت. وقال أبو النصر أنا شعبة أنا أبو بشر سمعت مجاهدا قال: قلت لابن عمر فقال لا هجرة اليوم - أو بعد رسول الله ﷺ مثله. حدثنا إسحاق ابن يزيد ثنا يحيى بن حمزة حدثني أبو عمرو الأوزاعي عن عبدة بن أبى لبابة عن مجاهد بن جبير أن عبد الله بن عمر قال: لا هجرة بعد الفتح. وقال البخاري ثنا إسحاق بن يزيد أنا يحيى بن حمزة أنا الأوزاعي عن عطاء بن أبى رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير فسألها عن الهجرة فقالت لا هجرة اليوم. وكان المؤمنون يفر أحدهم بدينه الى الله والى رسوله مخافة أن يفتن عليه، فاما اليوم فقد أظهر الله الإسلام فالمؤمن يعبد ربه حيث يشاء ولكن جهاد ونية.
وهذه الأحاديث والآثار دالة على أن الهجرة إما الكاملة أو مطلقا قد انقطعت بعد فتح مكة لان الناس دخلوا في دين الله أفواجا وظهر الإسلام وثبتت أركانه ودعائمه فلم تبق هجرة اللهمّ الا أن يعرض حال يقتضي الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب وعدم القدرة على إظهار الدين عندهم فتجب الهجرة الى دار الإسلام وهذا مالا خلاف فيه بين العلماء ولكن هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح، كما أن كلا من الجهاد والإنفاق في سبيل الله مشروع ورغب فيه الى يوم القيامة وليس كالانفاق ولا الجهاد قبل الفتح فتح مكة. قال الله تعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾
стр. 1360
وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى الآية. وقد
قال الامام أحمد: ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى البختري الطائي عن أبى سعيد الخدريّ عن رسول الله ﷺ أنه قال لما نزلت هذه السورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قرأها رسول الله حتى ختمها وقال: «الناس خير وأنا وأصحابى خير» وقال «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» فقال له مروان كذبت، وعنده] (١). رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة، فرفع مروان عليه الدرة ليضربه فلما رأيا ذلك. قالا: صدق.
تفرد به احمد. وقال البخاري ثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبو عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنّ بعضهم وجد في نفسه فقال لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم فما رأيت أنه أدخلنى فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال ما تقولون في قول الله ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت لا، فقال ما تقول؟ فقلت هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ قال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها الا ما يقول. تفرد به البخاري وهكذا روى من غير وجه عن ابن عباس أنه فسر ذلك بنعي رسول الله ﷺ في أجله، وبه قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد كما قال ابن عباس وعمر بن الخطاب ﵄. فأما الحديث الّذي
قال الامام أحمد ثنا محمد بن فضيل ثنا عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما: نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال رسول الله ﷺ «نعيت الى نفسي» بانه مقبوض في تلك السنة تفرد به الامام أحمد وفي إسناده عطاء بن أبى مسلم الخراساني وفيه ضعف تكلم فيه غير واحد من الأئمة وفي لفظه نكارة شديدة وهو قوله بأنه مقبوض في تلك السنة، وهذا باطل فان الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها كما تقدم بيانه وهذا مالا خلاف فيه. وقد توفى رسول الله ﷺ في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة بلا خلاف أيضا، وهكذا الحديث الّذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني ﵀ ثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعى ثنا أبى ثنا جعفر بن عون عن أبى العميس عن أبى بكر بن أبى الجهم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا إذا جاء نصر الله والفتح. فيه نكارة أيضا وفي إسناده نظر أيضا ويحتمل أن يكون أنها آخر
стр. 1361
سورة نزلت جميعها كما قال والله أعلم. وقد تكلمنا على تفسير هذه السورة الكريمة بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة. وقال البخاري ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبى قلابة عن عمرو ابن سلمة - قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله فلقيته فسألته - قال كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون يزعم أن الله أرسله وأوحى اليه كذا، فكنت أحفظ ذاك الكلام فكأنما يغرى في صدري، وكانت العرب تلوّم بإسلامهم الفتح فيقولون اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبى قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقا. قال صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا منى لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت على بردة إذا سجدت تقلصت عنى، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصا فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص.
تفرد به البخاري دون مسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم،
غزوة هوازن يوم حنين
قال الله تعالى ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في كتابه أن خروج رسول الله ﷺ الى هوازن بعد الفتح في خامس شوال سنة ثمان، وزعم أن الفتح كان لعشر بقين من شهر رمضان قبل خروجه اليهم خمس عشرة ليلة وهكذا روى عن ابن مسعود وبه قال عروة بن الزبير واختاره احمد وابن جرير في تاريخه. وقال الواقدي: خرج رسول الله ﷺ الى هوازن لست خلون من شوال فانتهى الى حنين في عاشره. وقال أبو بكر الصديق لن نغلب اليوم من قلة!! فانهزموا فكان أول من انهزم بنو سليم ثم أهل مكة ثم بقية الناس.
قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازن برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه من مكة جمعها ملكها مالك بن عوف النصري فاجتمع اليه مع هوازن ثقيف كلها واجتمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بنى هلال وهم قليل ولم يشهدها من قيس عيلان الا هؤلاء، وغاب عنها ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب ولم يشهدها منهم أحد له اسم وفي بنى جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شيء
стр. 1362
الا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب وكان شيخا مجربا، وفي ثقيف سيدان لهم، وفي الاحلاف قارب ابن الأسود بن مسعود بن معتب، وفي بنى مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث واخوه احمر بن الحارث وجماع أمر الناس الى مالك بن عوف النصري، فلما أجمع السير إلى رسول الله ﷺ أحضر مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع اليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به، فلما نزل قال بأي واد أنتم؟ قالوا بأوطاس قال نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قالوا ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، قال أين مالك؟ قالوا هذا مالك ودعي له، قال يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قال سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال ولم؟ قال أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، قال فانقض به، ثم قال راعى ضأن والله، هل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، ثم قال ما فعلت كعب وكلاب؟ قال لم يشهدها منهم أحد، قال غاب الحد والجد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا عمرو بن عامر وعوف بن عامر قال ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران ثم قال يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن الى نحور الخيل شيئا، ثم قال دريد لمالك ابن عوف: أرفعهم الى متمنع بلادهم وعليا قومهم ثم الق الصبا على متون الخيل فان كانت لك لحق بك من ورائك، وإن كانت عليك الفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، قال والله لا أفعل إنك قد كبرت وكبر عقلك، ثم قال مالك: والله لتطيعننى يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري - وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأى - فقالوا: أطعناك فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتنى:
يا ليتني فيها جذع … أحب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع … كأنها شاة صدع
ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدوا شدة رجل واحد. قال ابن إسحاق: وحدثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حدث أن مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، فقال ويلكم ما شأنكم؟ قالوا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فو الله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.
قال ابن إسحاق: ولما سمع بهم نبي الله ﷺ بعث اليهم عبد الله بن أبى حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في
стр. 1363
الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبى حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله ﷺ وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فلما أجمع رسول الله ﷺ السير الى هوازن ذكر له أن عند صفوان ابن أمية أدراعا له وسلاحا فأرسل اليه وهو يومئذ مشرك فقال «يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقى فيه عدونا غدا» فقال صفوان أغصبا يا محمد؟ قال «بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك» قال ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله ﷺ سأله أن يكفيهم حملها ففعل. هكذا أورد هذا ابن إسحاق من غير إسناد. وقد روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه.
وعن عمرو بن شعيب والزهري وعبد الله بن أبى بكر بن عمرو بن حزم وغيرهم قصة حنين فذكر نحو ما تقدم، وقصة الادراع كما تقدم وفيه أن ابن أبى حدرد لما رجع فأخبر رسول الله ﷺ خبر هوازن كذبه عمر بن الخطاب، فقال له ابن أبى حدرد: لئن كذبتني يا عمر فربما كذبت بالحق، فقال عمر ألا تسمع ما يقول يا رسول الله؟ فقال «قد كنت ضالا فهداك الله». وقد
قال الامام أحمد ثنا يزيد بن هارون أنبأ شريك بن عبد العزيز بن رفيع عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه أن رسول الله ﷺ استعار من أمية يوم حنين أدراعا فقال أغصبا يا محمد؟ فقال «بل عارية مضمونة» قال فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب. ورواه أبو داود والنسائي من حديث يزيد بن هارون به. وأخرجه النسائي من رواية إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبى مليكة عبد الرحمن بن صفوان بن أمية أن رسول الله ﷺ استعار من صفوان دروعا فذكره. ورواه من حديث هشيم عن حجاج عن عطاء أن رسول الله ﷺ استعار من صفوان أدراعا وأفراسا وساق الحديث.
وقال أبو داود ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا جرير عن عبد العزيز ابن رفيع عن أناس من آل عبد الله بن صفوان أن رسول الله ﷺ قال «يا صفوان هل عندك من سلاح؟» قال عارية أم غصبا، قال «بل عارية» فأعاره ما بين الثلاثين الى الأربعين درعا وغزا رسول الله ﷺ حنينا فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعا، فقال رسول الله ﷺ لصفوان «قد فقدنا من أدارعك أدراعا فهل نغرم لك؟» قال لا يا رسول الله إن في قلبي اليوم ما لم يكن فيه يومئذ. وهذا مرسل أيضا. قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة فكانوا اثنى عشر ألفا.
قلت: وعلى قول عروة والزهري وموسى بن عقبة يكون مجموع الجيشين اللذين سار بهما الى
стр. 1364
هوازن أربعة عشر ألفا، لأنه قدم باثني عشر ألفا إلى مكة على قولهم وأضيف ألفان من الطلقاء.
وذكر ابن إسحاق أنه خرج من مكة في خامس شوال قال واستخلف على أهل مكة عتاب بن أسيد ابن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي.
قلت: وكان عمره إذ ذاك قريبا من عشرين سنة، قال ومضى رسول الله ﷺ يريد لقاء هوازن ثم ذكر قصيدة العباس بن مرداس السلمي في ذلك (١) منها قوله:
أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها … منى رسالة نصح فيه تبيان
إني أظن رسول الله صابحكم … جيشا له في فضاء الأرض أركان
فيهم سليم أخوكم غير تارككم … والمسلمون عباد الله غسان
وفي عضادته اليمنى بنو أسد … والأجر بان بنو عبس وذبيان
تكاد ترجف منه الأرض رهبته … وفي مقدمه أوس وعثمان
قال ابن إسحاق: أوس وعثمان قبيلا مزينة. قال وحدثني الزهري عن سنان بن أبى سنان الدئلي عن أبى واقد الليثي أن الحارث بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية، قال فسرنا معه إلى حنين، قال وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوما، قال فرأينا ونحن نسير مع رسول الله ﷺ سدرة خضراء عظيمة، قال فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال رسول الله ﷺ «الله أكبر قلتم والّذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم». وقد روى هذا الحديث الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان والنسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر كلاهما عن الزهري كما رواه ابن إسحاق عنه، وقال الترمذي حسن صحيح. ورواه ابن أبى حاتم في تفسيره من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعا
وقال أبو داود ثنا أبو توبة ثنا معاوية بن سلام عن زيد ابن سلام أنه سمع أبا سلام عن السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان العشية، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله ﷺ فجاء رجل فارس فقال يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم اجتمعوا الى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال «تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله» ثم قال «من يحرسنا الليلة» قال أنس بن أبى مرثد: أنا يا رسول الله، قال فاركب فركب
стр. 1365
فرسا له وجاء الى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ «استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قبلك الليلة» فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ الى مصلاه فركع ركعتين ثم قال «هل أحسستم فارسكم؟» قالوا يا رسول الله ما أحسنا، فثوب بالصلاة فجعل رسول الله ﷺ يصلّى ويلتفت الى الشعب حتى إذا قضى صلاته قال «ابشروا فقد جاءكم فارسكم» فجعل ينظر الى خلال الشجر في الشعب وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: إني انطلقت حتى إذا كنت في أعلا هذا الشعب حيث أمرنى رسول الله ﷺ فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا، فقال له رسول الله ﷺ «هل نزلت الليلة؟» قال لا إلا مصليا أو قاضى حاجة، فقال له رسول الله ﷺ «قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها» وهكذا رواه النسائي عن محمد بن يحيى عن محمد بن كثير الحراني عن أبى توبة الربيع بن نافع به.
فصل في كيفية الوقعة وما كان في أول الأمر من الفرار ثم كانت العاقبة للمتقين
قال يونس بن بكير وغيره عن محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن ابن جابر بن عبد الله عن أبيه قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه الى حنين فسبق رسول الله ﷺ اليها فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه وأقبل رسول الله وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين يقول «أين أيها الناس؟ هلموا الىّ أنا رسول الله، أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله» قال فلا شيء، وركبت الإبل بعضها بعضا فلما رأى رسول الله ﷺ أمر الناس ومعه رهط من أهل بيته على بن أبى طالب، وأبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والفضل بن العباس وقيل الفضيل بن أبى سفيان وأيمن بن أم أيمن وأسامة بن زيد، ومن الناس من يزيد فيهم قثم بن العباس ورهط من المهاجرين منهم أبو بكر وعمر والعباس آخذ بحكمة بلغته البيضاء وهو عليها قد شجرها، قال ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوازن وهوازن خلفه إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه، قال فبينما هو كذلك إذ هوى له على بن أبى طالب ورجل من الأنصار يريد انه، قال فيأتى على من خلفه فضرب عرقوبى الجمل فوقع على عجزه ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله، قال واجتلد الناس فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله ﷺ ورواه الامام احمد عن يعقوب بن إبراهيم الزهري عن أبيه عن محمد
стр. 1366
ابن إسحاق
قال ابن إسحاق: والتفت رسول الله ﷺ الى أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان ممن صبر يومئذ وكان حسن الإسلام حين أسلم وهو آخذ بثفر بغلة رسول الله ﷺ فقال «من هذا؟» قال ابن أمك يا رسول الله. قال ابن إسحاق: ولما انهزم الناس تكلم رجال من جفاة الاعراب بما في أنفسهم من الضغن فقال أبو سفيان صخر بن حرب - يعنى وكان إسلامه بعد مدخولا وكانت الأزلام بعد معه يومئذ - قال: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية - يعنى لأمه - وهو مشرك في المدة التي جعل له رسول الله ﷺ : ألا بطل السحر اليوم. فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك فو الله لئن ير بنى رجل من قريش أحب الى من أن يربني رجل من هوازن.
وقال الامام أحمد حدثنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة أنبا إسحاق ابن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإبل والغنم فجعلوها صفوفا يكثرون على رسول الله ﷺ ، فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى فقال رسول الله ﷺ «يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله» ثم قال «يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله» قال فهزم الله المشركين ولم يضرب بسيف ولم يطعن برمح. قال وقال رسول الله ﷺ يومئذ «من قتل كافرا فله سلبه» قال فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم، وقال أبو قتادة: يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبل العاتق وعليه درع له فاجهضت عنه فانظر من أخذها قام فقام رجل فقال أنا أخذتها فأرضه منها وأعطنيها،
قال وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئا ألا أعطاه أو سكت فسكت رسول الله ﷺ ، فقال عمر: والله لا يفئها الله على أسد من أسد الله ويعطيكها، فقال رسول الله ﷺ «صدق عمر»
قال ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال أبو طلحة ما هذا؟ فقالت إن دنا منى بعض المشركين أن أبعج في بطنه، فقال أبو طلحة: أما تسمع ما تقول أم سليم؟ فضحك رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله أقتل من بعدها من الطلقاء انهزموا بك، فقال: «إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم» وقد روى مسلم منه قصة خنجر أم سليم، وأبو داود
قوله «من قتل قتيلا فله سلبه» كلاهما من حديث حماد بن سلمة به. وقول عمر في هذا مستغرب والمشهور أن ذلك أبو بكر الصديق. وقال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا أبى ثنا نافع أبو غالب شهد أنس بن مالك فقال العلاء بن زياد العدوي: يا أبا حمزة بسن أي الرجال كان رسول الله ﷺ إذ بعث؟ فقال: ابن أربعين سنة، قال ثم كان ماذا؟ قال ثم كان بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين فتمت له ستون سنة، ثم قبضه الله اليه. قال بسن أي الرجال هو يومئذ؟ قال كأشب الرجال وأحسنه وأجمله وألحمه، قال يا أبا حمزة وهل غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال نعم غزوت معه يوم حنين فخرج المشركون بكرة فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا وفي
стр. 1367
المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ نزل فهزمهم الله فولوا، فقام رسول الله ﷺ حين رأى الفتح فجعل يجاء بهم أسارى رجل فيبايعونه على الإسلام،
فقال. رجل من أصحاب النبي ﷺ إن على نذرا لئن جيء بالرجل الّذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه، قال فسكت رسول الله ﷺ وجيء بالرجل فلما رأى نبي الله ﷺ قال:
يا نبي الله تبت الى الله؟ قال وأمسك نبي الله ﷺ أن يبايعه ليوفى الآخر نذره، قال وجعل ينظر الى النبي ﷺ ليأمره بقتله ويهاب رسول الله ﷺ ، فلما رأى النبي ﷺ أنه لا يصنع شيئا بايعه فقال يا نبي الله نذرى؟ قال «لم أمسك عنه منذ اليوم الا لتوفي نذرك» فقال يا رسول الله ألا أومأت الى؟ قال «إنه ليس لنبي أن يومى» تفرد به احمد
وقال أحمد حدثنا يزيد ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ يوم حنين «اللهمّ إنك إن تشاء لا تعبد في الأرض بعد اليوم» إسناده ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه.
وقال البخاري ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن أبى إسحاق سمع البراء بن عازب - وسأله رجل من قيس أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ - فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، كانت هوازن رماة وأنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلتنا بالسهام. ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء وإن أبا سفيان آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبي لا كذب، ورواه البخاري عن أبى الوليد عن شعبة به وقال:
أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب
قال البخاري: وقال إسرائيل وزهير عن أبى إسحاق عن البراء ثم نزل عن بغلته. ورواه مسلم والنسائي عن بندار. زاد مسلم، وأبى موسى كلاهما عن غندر به.
وروى مسلم من حديث زكريا بن أبى زائدة عن أبى إسحاق عن البراء قال ثم نزل فاستنصر وهو يقول:
أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب
«اللهمّ نزل نصرك». قال البراء ولقد كنا إذا حمى البأس نتقي برسول الله ﷺ وإن الشجاع الّذي يحاذي به.
وروى البيهقي من طرق أن رسول الله ﷺ قال يومئذ: «أنا ابن العواتك» [وقال الطبراني: ثنا عباس بن الفضل الاسقاطى ثنا عمرو بن عوف الواسطي ثنا هشيم أنبا يحيى بن سعيد عن عمرو بن سعيد بن العاص عن شبابة عن ابن عاصم السلمي أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: «أنا ابن العواتك»] (١)
وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف أنبا مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن كثير بن أفلح عن أبى محمد مولى أبى قتادة عن أبى قتادة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين،
стр. 1368
فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع وأقبل على فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلنى فلحقت عمر، فقلت ما بال الناس؟ فقال أمر الله، ورجعوا وجلس رسول الله ﷺ فقال «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» فقمت فقلت من يشهد لي، ثم جلست فقال رسول الله ﷺ مثله، فقلت من يشهد لي، ثم جلست فقال رسول الله ﷺ مثله، فقلت من يشهد لي ثم جلست، ثم قال رسول الله ﷺ مثله فقمت فقال «مالك يأبا قتادة؟» فأخبرته فقال رجل:
صدق سلبه عندي فأرضه منى، فقال أبو بكر: لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه؟! فقال النبي ﷺ «صدق فأعطه» فأعطانيه فابتعت به مخرافا في بنى سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. ورواه بقية الجماعة الا النسائي من حديث يحيى بن سعيد به.
قال البخاري وقال الليث بن سعد حدثني يحيى بن سعيد عن عمرو بن كثير بن أفلح عن أبى محمد مولى أبى قتادة أن أبا قتادة قال: لما كان يوم حنين نظرت إلي رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الّذي يختله فرفع يده ليضربني فأضرب يده فقطعتها، ثم أخذنى فضمني ضما شديدا حتى تخوفت ثم ترك فتحلل فدفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس فقلت له ما شأن الناس؟ قال أمر الله، ثم تراجع الناس إلى رسول الله فقال رسول الله «من أقام بينة على قتيل فله سلبه» فقمت لألتمس بينة على قتيلى فلم أر أحدا يشهد لي فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله ﷺ فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الّذي يذكر عندي فأرضه منى. فقال أبو بكر: كلا لا يعطيه أضيبع من قريش ويدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله. قال فقام رسول الله فأداه إلى فاشتريت به مخرافا فكان أول مال تأثلته. وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم كلاهما عن قتيبة عن الليث بن سعد به، وقد تقدم من رواية نافع أبى غالب عن أنس أن القائل لذلك عمر بن الخطاب فلعله قاله متابعة لأبي بكر الصديق ومساعدة وموافقة له، أو قد اشتبه على الراويّ والله أعلم.
وقال الحافظ البيهقي أنبأ الحاكم انبأ الأصم انبأ احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عاصم بن عمر عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين حين رأى من الناس ما رأى «يا عباس ناد يا معشر الأنصار يا أصحاب الشجرة» فأجابوه لبيك لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه عن عنقه ويأخذ سيفه وترسه ثم يؤم الصوت حتى اجتمع الى رسول الله ﷺ منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتلوا وكانت الدعوة أول ما كانت للأنصار، ثم جعلت آخرا للخزرج وكانوا صبرا عند الحرب، وأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه
стр. 1369
فنظر الى مجتلد القوم فقال «الآن حمى الوطيس» قال فو الله ما راجعه الناس الا والأسارى عند رسول الله ﷺ مكتفون، فقتل الله منهم من قتل، وانهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله ﷺ أموالهم وأبناءهم. وقال ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة. وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري أن رسول الله ﷺ لما فتح الله عليه مكة وأقرّ بها عينه، خرج إلى هوازن وخرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا ركبانا ومشاة حتى خرج النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم ولا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول الله ﷺ وأصحابه، قالوا وكان معه أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وكانت امرأته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما، قالوا وكان رئيس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصري ومعه دريد بن الصمة يرعش من الكبر، ومعه النساء والذراري والنعم، فبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أبى حدرد عينا فبات فيهم فسمع مالك ابن عوف يقول لأصحابه: إذا أصبحتم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد واكسروا أغماد سيوفكم واجعلوا مواشيكم صفا ونساءكم صفا، فلما أصبحوا اعتزل أبو سفيان وصفوان وحكيم بن حزام وراءهم ينظرون لمن تكون الدائرة وصف الناس بعضهم لبعض وركب رسول الله ﷺ بغلة له شهباء فاستقبل الصفوف فأمرهم وحضهم على القتال وبشرهم بالفتح - إن صبروا - فبينما هم كذلك إذ حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد فجال المسلمون جولة ثم ولوا مدبرين، فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقي مع رسول الله ﷺ حين أدبر الناس فقلت مائة رجل، قالوا ومر رجل من قريش بصفوان بن أمية فقال ابشر بهزيمة محمد وأصحابه فو الله لا يجتبرونها أبدا، فقال له صفوان: تبشرني بظهور الأعراب فو الله لرب من قريش أحب الى من رب من الأعراب، وغضب صفوان لذلك.
قال عروة وبعث صفوان غلاما له فقال اسمع لمن الشعار؟ فجاءه فقال سمعتهم يقولون: يا بنى عبد الرحمن يا بنى عبد الله، يا بنى عبيد الله، فقال: ظهر محمد وكان ذلك شعارهم في الحرب. قالوا وكان رسول الله ﷺ لما غشيه القتال قام في الركابين وهو على البغلة فرفع يديه الى الله يدعوه يقول «اللهمّ إني أنشدك ما وعدتني اللهمّ لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا» ونادى أصحابه وزمرهم «يا أصحاب البيعة يوم الحديبيّة الله الله الكرة على نبيكم» ويقال حرضهم فقال «يا أنصار الله وأنصار رسوله يا بنى الخزرج يا أصحاب سورة البقرة» وأمر من أصحابه من ينادى بذلك، قالوا وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواصيهم كلها وقال «شاهت الوجوه» وأقبل أصحابه اليه سراعا يبتدرون، وزعموا أن رسول الله ﷺ قال «الآن حمى الوطيس» فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم منها واتبعهم المسلمون يقتلونهم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم، وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف هو وأناس من أشراف قومه، وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله رسوله ﷺ
стр. 1370
وإعزازه دينه. رواه البيهقي.
وقال ابن وهب: أخبرنى يونس عن الزهري أخبرنى كثير بن العباس ابن عبد المطلب، قال قال العباس: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث لا نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى الناس ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار، قال العباس وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ . وقال رسول الله ﷺ «أي عباس ناد أصحاب السمرة» قال فو الله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيكاه يا لبيكاه، قال فاقتتلوا هم والكفار والدعوة في الأنصار وهم يقولون:
يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بنى الحارث بن الخزرج فقالوا يا بنى الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها الى قتالهم فقال «هذا حين حمى الوطيس» ثم أخذ حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال «انهزموا ورب محمد» قال فذهبت انظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال فو الله ما هو الا أن رماهم رسول الله ﷺ بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا. ورواه مسلم عن أبى الطاهر عن ابن وهب به نحوه. ورواه أيضا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري نحوه.
وروى مسلم من حديث عكرمة ابن عمار عن اياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه بسهم، وتوارى عنى فما دريت ما صنع ثم نظرت الى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم وصحابة رسول الله ﷺ فولى أصحاب رسول الله ﷺ وأرجع منهزما وعلى بردتان متزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى، قال فاستطلق إزاري فجمعتها جمعا ومررت على النبي ﷺ وأنا منهزم وهو على بغلته الشهباء، فقال «لقد رأى ابن الأكوع فزعا» فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب من الأرض واستقبل به وجوههم وقال «شاهت الوجوه» فما خلى الله منهم إنسانا الا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة فولوا مدبرين، فهزمهم الله وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين.
وقال أبو داود الطيالسي في مسندة ثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن عبد الله بن يسار عن أبى عبد الرحمن الفهري قال:
كنا مع رسول الله ﷺ في حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال السمر، فلما زالت الشمس لبست لأمتى وركبت فرسي فأتيت رسول الله ﷺ وهو في فسطاطه فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قد حان الرواح يا رسول الله؟ قال «أجل» ثم قال رسول الله ﷺ «يا بلال» فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك؟ فقال «أسرج لي فرسي» فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر، قال فركب فرسه فسرنا يومنا