ابن إسحاق
قال ابن إسحاق: والتفت رسول الله ﷺ الى أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان ممن صبر يومئذ وكان حسن الإسلام حين أسلم وهو آخذ بثفر بغلة رسول الله ﷺ فقال «من هذا؟» قال ابن أمك يا رسول الله. قال ابن إسحاق: ولما انهزم الناس تكلم رجال من جفاة الاعراب بما في أنفسهم من الضغن فقال أبو سفيان صخر بن حرب - يعنى وكان إسلامه بعد مدخولا وكانت الأزلام بعد معه يومئذ - قال: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية - يعنى لأمه - وهو مشرك في المدة التي جعل له رسول الله ﷺ : ألا بطل السحر اليوم. فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك فو الله لئن ير بنى رجل من قريش أحب الى من أن يربني رجل من هوازن.
وقال الامام أحمد حدثنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة أنبا إسحاق ابن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإبل والغنم فجعلوها صفوفا يكثرون على رسول الله ﷺ ، فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى فقال رسول الله ﷺ «يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله» ثم قال «يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله» قال فهزم الله المشركين ولم يضرب بسيف ولم يطعن برمح. قال وقال رسول الله ﷺ يومئذ «من قتل كافرا فله سلبه» قال فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم، وقال أبو قتادة: يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبل العاتق وعليه درع له فاجهضت عنه فانظر من أخذها قام فقام رجل فقال أنا أخذتها فأرضه منها وأعطنيها،
قال وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئا ألا أعطاه أو سكت فسكت رسول الله ﷺ ، فقال عمر: والله لا يفئها الله على أسد من أسد الله ويعطيكها، فقال رسول الله ﷺ «صدق عمر»
قال ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال أبو طلحة ما هذا؟ فقالت إن دنا منى بعض المشركين أن أبعج في بطنه، فقال أبو طلحة: أما تسمع ما تقول أم سليم؟ فضحك رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله أقتل من بعدها من الطلقاء انهزموا بك، فقال: «إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم» وقد روى مسلم منه قصة خنجر أم سليم، وأبو داود
قوله «من قتل قتيلا فله سلبه» كلاهما من حديث حماد بن سلمة به. وقول عمر في هذا مستغرب والمشهور أن ذلك أبو بكر الصديق. وقال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا أبى ثنا نافع أبو غالب شهد أنس بن مالك فقال العلاء بن زياد العدوي: يا أبا حمزة بسن أي الرجال كان رسول الله ﷺ إذ بعث؟ فقال: ابن أربعين سنة، قال ثم كان ماذا؟ قال ثم كان بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين فتمت له ستون سنة، ثم قبضه الله اليه. قال بسن أي الرجال هو يومئذ؟ قال كأشب الرجال وأحسنه وأجمله وألحمه، قال يا أبا حمزة وهل غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال نعم غزوت معه يوم حنين فخرج المشركون بكرة فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا وفي
стр. 1367
المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ نزل فهزمهم الله فولوا، فقام رسول الله ﷺ حين رأى الفتح فجعل يجاء بهم أسارى رجل فيبايعونه على الإسلام،
فقال. رجل من أصحاب النبي ﷺ إن على نذرا لئن جيء بالرجل الّذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه، قال فسكت رسول الله ﷺ وجيء بالرجل فلما رأى نبي الله ﷺ قال:
يا نبي الله تبت الى الله؟ قال وأمسك نبي الله ﷺ أن يبايعه ليوفى الآخر نذره، قال وجعل ينظر الى النبي ﷺ ليأمره بقتله ويهاب رسول الله ﷺ ، فلما رأى النبي ﷺ أنه لا يصنع شيئا بايعه فقال يا نبي الله نذرى؟ قال «لم أمسك عنه منذ اليوم الا لتوفي نذرك» فقال يا رسول الله ألا أومأت الى؟ قال «إنه ليس لنبي أن يومى» تفرد به احمد
وقال أحمد حدثنا يزيد ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ يوم حنين «اللهمّ إنك إن تشاء لا تعبد في الأرض بعد اليوم» إسناده ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه.
وقال البخاري ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن أبى إسحاق سمع البراء بن عازب - وسأله رجل من قيس أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ - فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، كانت هوازن رماة وأنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلتنا بالسهام. ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء وإن أبا سفيان آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبي لا كذب، ورواه البخاري عن أبى الوليد عن شعبة به وقال:
أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب
قال البخاري: وقال إسرائيل وزهير عن أبى إسحاق عن البراء ثم نزل عن بغلته. ورواه مسلم والنسائي عن بندار. زاد مسلم، وأبى موسى كلاهما عن غندر به.
وروى مسلم من حديث زكريا بن أبى زائدة عن أبى إسحاق عن البراء قال ثم نزل فاستنصر وهو يقول:
أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب
«اللهمّ نزل نصرك». قال البراء ولقد كنا إذا حمى البأس نتقي برسول الله ﷺ وإن الشجاع الّذي يحاذي به.
وروى البيهقي من طرق أن رسول الله ﷺ قال يومئذ: «أنا ابن العواتك» [وقال الطبراني: ثنا عباس بن الفضل الاسقاطى ثنا عمرو بن عوف الواسطي ثنا هشيم أنبا يحيى بن سعيد عن عمرو بن سعيد بن العاص عن شبابة عن ابن عاصم السلمي أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: «أنا ابن العواتك»] (١)
وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف أنبا مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن كثير بن أفلح عن أبى محمد مولى أبى قتادة عن أبى قتادة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين،
стр. 1368
فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع وأقبل على فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلنى فلحقت عمر، فقلت ما بال الناس؟ فقال أمر الله، ورجعوا وجلس رسول الله ﷺ فقال «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» فقمت فقلت من يشهد لي، ثم جلست فقال رسول الله ﷺ مثله، فقلت من يشهد لي، ثم جلست فقال رسول الله ﷺ مثله، فقلت من يشهد لي ثم جلست، ثم قال رسول الله ﷺ مثله فقمت فقال «مالك يأبا قتادة؟» فأخبرته فقال رجل:
صدق سلبه عندي فأرضه منى، فقال أبو بكر: لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه؟! فقال النبي ﷺ «صدق فأعطه» فأعطانيه فابتعت به مخرافا في بنى سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. ورواه بقية الجماعة الا النسائي من حديث يحيى بن سعيد به.
قال البخاري وقال الليث بن سعد حدثني يحيى بن سعيد عن عمرو بن كثير بن أفلح عن أبى محمد مولى أبى قتادة أن أبا قتادة قال: لما كان يوم حنين نظرت إلي رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الّذي يختله فرفع يده ليضربني فأضرب يده فقطعتها، ثم أخذنى فضمني ضما شديدا حتى تخوفت ثم ترك فتحلل فدفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس فقلت له ما شأن الناس؟ قال أمر الله، ثم تراجع الناس إلى رسول الله فقال رسول الله «من أقام بينة على قتيل فله سلبه» فقمت لألتمس بينة على قتيلى فلم أر أحدا يشهد لي فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله ﷺ فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الّذي يذكر عندي فأرضه منى. فقال أبو بكر: كلا لا يعطيه أضيبع من قريش ويدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله. قال فقام رسول الله فأداه إلى فاشتريت به مخرافا فكان أول مال تأثلته. وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم كلاهما عن قتيبة عن الليث بن سعد به، وقد تقدم من رواية نافع أبى غالب عن أنس أن القائل لذلك عمر بن الخطاب فلعله قاله متابعة لأبي بكر الصديق ومساعدة وموافقة له، أو قد اشتبه على الراويّ والله أعلم.
وقال الحافظ البيهقي أنبأ الحاكم انبأ الأصم انبأ احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عاصم بن عمر عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين حين رأى من الناس ما رأى «يا عباس ناد يا معشر الأنصار يا أصحاب الشجرة» فأجابوه لبيك لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه عن عنقه ويأخذ سيفه وترسه ثم يؤم الصوت حتى اجتمع الى رسول الله ﷺ منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتلوا وكانت الدعوة أول ما كانت للأنصار، ثم جعلت آخرا للخزرج وكانوا صبرا عند الحرب، وأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه
стр. 1369
فنظر الى مجتلد القوم فقال «الآن حمى الوطيس» قال فو الله ما راجعه الناس الا والأسارى عند رسول الله ﷺ مكتفون، فقتل الله منهم من قتل، وانهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله ﷺ أموالهم وأبناءهم. وقال ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة. وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري أن رسول الله ﷺ لما فتح الله عليه مكة وأقرّ بها عينه، خرج إلى هوازن وخرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا ركبانا ومشاة حتى خرج النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم ولا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول الله ﷺ وأصحابه، قالوا وكان معه أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وكانت امرأته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما، قالوا وكان رئيس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصري ومعه دريد بن الصمة يرعش من الكبر، ومعه النساء والذراري والنعم، فبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أبى حدرد عينا فبات فيهم فسمع مالك ابن عوف يقول لأصحابه: إذا أصبحتم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد واكسروا أغماد سيوفكم واجعلوا مواشيكم صفا ونساءكم صفا، فلما أصبحوا اعتزل أبو سفيان وصفوان وحكيم بن حزام وراءهم ينظرون لمن تكون الدائرة وصف الناس بعضهم لبعض وركب رسول الله ﷺ بغلة له شهباء فاستقبل الصفوف فأمرهم وحضهم على القتال وبشرهم بالفتح - إن صبروا - فبينما هم كذلك إذ حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد فجال المسلمون جولة ثم ولوا مدبرين، فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقي مع رسول الله ﷺ حين أدبر الناس فقلت مائة رجل، قالوا ومر رجل من قريش بصفوان بن أمية فقال ابشر بهزيمة محمد وأصحابه فو الله لا يجتبرونها أبدا، فقال له صفوان: تبشرني بظهور الأعراب فو الله لرب من قريش أحب الى من رب من الأعراب، وغضب صفوان لذلك.
قال عروة وبعث صفوان غلاما له فقال اسمع لمن الشعار؟ فجاءه فقال سمعتهم يقولون: يا بنى عبد الرحمن يا بنى عبد الله، يا بنى عبيد الله، فقال: ظهر محمد وكان ذلك شعارهم في الحرب. قالوا وكان رسول الله ﷺ لما غشيه القتال قام في الركابين وهو على البغلة فرفع يديه الى الله يدعوه يقول «اللهمّ إني أنشدك ما وعدتني اللهمّ لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا» ونادى أصحابه وزمرهم «يا أصحاب البيعة يوم الحديبيّة الله الله الكرة على نبيكم» ويقال حرضهم فقال «يا أنصار الله وأنصار رسوله يا بنى الخزرج يا أصحاب سورة البقرة» وأمر من أصحابه من ينادى بذلك، قالوا وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواصيهم كلها وقال «شاهت الوجوه» وأقبل أصحابه اليه سراعا يبتدرون، وزعموا أن رسول الله ﷺ قال «الآن حمى الوطيس» فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم منها واتبعهم المسلمون يقتلونهم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم، وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف هو وأناس من أشراف قومه، وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله رسوله ﷺ
стр. 1370
وإعزازه دينه. رواه البيهقي.
وقال ابن وهب: أخبرنى يونس عن الزهري أخبرنى كثير بن العباس ابن عبد المطلب، قال قال العباس: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث لا نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى الناس ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار، قال العباس وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ . وقال رسول الله ﷺ «أي عباس ناد أصحاب السمرة» قال فو الله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيكاه يا لبيكاه، قال فاقتتلوا هم والكفار والدعوة في الأنصار وهم يقولون:
يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بنى الحارث بن الخزرج فقالوا يا بنى الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها الى قتالهم فقال «هذا حين حمى الوطيس» ثم أخذ حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال «انهزموا ورب محمد» قال فذهبت انظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال فو الله ما هو الا أن رماهم رسول الله ﷺ بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا. ورواه مسلم عن أبى الطاهر عن ابن وهب به نحوه. ورواه أيضا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري نحوه.
وروى مسلم من حديث عكرمة ابن عمار عن اياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه بسهم، وتوارى عنى فما دريت ما صنع ثم نظرت الى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم وصحابة رسول الله ﷺ فولى أصحاب رسول الله ﷺ وأرجع منهزما وعلى بردتان متزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى، قال فاستطلق إزاري فجمعتها جمعا ومررت على النبي ﷺ وأنا منهزم وهو على بغلته الشهباء، فقال «لقد رأى ابن الأكوع فزعا» فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب من الأرض واستقبل به وجوههم وقال «شاهت الوجوه» فما خلى الله منهم إنسانا الا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة فولوا مدبرين، فهزمهم الله وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين.
وقال أبو داود الطيالسي في مسندة ثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن عبد الله بن يسار عن أبى عبد الرحمن الفهري قال:
كنا مع رسول الله ﷺ في حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال السمر، فلما زالت الشمس لبست لأمتى وركبت فرسي فأتيت رسول الله ﷺ وهو في فسطاطه فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قد حان الرواح يا رسول الله؟ قال «أجل» ثم قال رسول الله ﷺ «يا بلال» فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك؟ فقال «أسرج لي فرسي» فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر، قال فركب فرسه فسرنا يومنا
стр. 1371
فلقينا العدو وتسامت الخيلان فقاتلناهم فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فجعل رسول الله ﷺ يقول «يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله» واقتحم رسول الله ﷺ عن فرسه، وحدثني من كان أقرب اليه منى أنه أخذ حفنة من التراب فحثى بها وجوه العدو وقال «شاهت الوجوه» قال يعلى ابن عطاء فحدثنا أبناؤهم عن آبائهم قالوا: ما بقي أحد الا امتلأت عيناه وفمه من التراب، وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست الحديد فهزمهم الله . ورواه أبو داود السجستاني في سننه عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به نحوه.
وقال الامام أحمد ثنا عفان ثنا عبد الواحد ابن زياد ثنا الحارث بن حصين ثنا القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال قال عبد الله بن مسعود: كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار، فنكصنا على أعقابنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال ورسول الله ﷺ على بغلته يمضى قدما، فحادت به بغلته فمال عن السرج فقلت له ارتفع رفعك الله فقال «ناولني كفا من تراب» فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا قال «أين المهاجرين والأنصار؟» قلت هم أولاء قال «أهتف بهم» فهتفت بهم فجاءوا سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب وولى المشركون أدبارهم. تفرد به أحمد. وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنى أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القنطري ثنا أبو قلابة ثنا أبو عاصم ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي أخبرنى عبد الله بن عياض بن الحارث الأنصاري عن أبيه أن رسول الله ﷺ أتى هوازن في اثنى عشر ألفا فقتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر، قال وأخذ رسول الله ﷺ كفا من حصى فرمى بها في وجوهنا فانهزمنا ورواه البخاري في تاريخه ولم ينسب عياضا. وقال مسدد ثنا جعفر بن سليمان ثنا عوف بن عبد الرحمن مولى أم برثن عمن شهد حنينا كافرا قال: لما التقينا نحن ورسول الله ﷺ لم يقوموا لنا حلب شاة، فجئنا نهش سيوفنا بين يدي رسول الله ﷺ حتى إذ غشيناه فإذا بيننا وبينه رجال حسان الوجوه فقالوا: شاهت الوجوه فارجعوا، فهزمنا من ذلك الكلام. رواه البيهقي. وقال يعقوب بن سفيان ثنا أبو سفيان ثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم ثنا الوليد بن مسلم حدثني محمد بن عبد الله الشعبي عن الحارث بن بدل النصري عن رجل من قومه شهد ذلك يوم حنين وعمرو بن سفيان الثقفي قالا: انهزم المسلمون يوم حنين فلم يبق مع رسول الله ﷺ الا عباس وأبو سفيان بن الحارث، قال فقبض رسول الله ﷺ قبضة من الحصباء فرمى بها في وجوههم، قال فانهزمنا فما خيل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا، قال الثقفي: فأعجرت على فرسي حتى دخلت الطائف. وروى يونس بن بكير في مغازيه عن يوسف بن صهيب بن عبد الله أنه لم يبق مع رسول الله يوم حنين إلا رجل واحد اسمه
стр. 1372
زيد.
وروى البيهقي من طريق الكديمي ثنا موسى بن مسعود ثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي عن السائب بن يسار عن يزيد بن عامر السوائى أنه قال عند انكشافه انكشفها المسلمون يوم حنين فتبعهم الكفار وأخذ رسول الله ﷺ قبضة من الأرض، ثم أقبل على المشركين فرمى بها وجوههم وقال «ارجعوا شاهت الوجوه» فما أحد يلقى أخاه الا وهو يشكو قذى في عينيه. ثم روى من طريقين آخرين عن أبى حذيفة ثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي حدثني أبى السائب بن يسار سمعت يزيد بن عامر السوائى - وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم بعد - قال: فنحن نسأله عن الرعب الّذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين كيف كان؟ قال فكان يأخذ لنا بحصاة فيرمى بها في الطست فيطن، قال كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.
وقال البيهقي أنبأ أبو عبد الله الحافظ ومحمد ابن موسى بن الفضل قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا العباس بن محمد بن بكير الحضرميّ ثنا أبو أيوب بن جابر عن صدقة بن سعيد عن مصعب بن شيبة عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم حنين والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به، ولكن أبيت أن تظهر هوازن على قريش فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إني أرى خيلا بلقا، فقال «يا شيبة إنه لا يراها الا كافر» فضرب يده في صدري ثم قال «اللهمّ أهد شيبة» ثم ضربها الثانية فقال «اللهمّ أهد شيبة» ثم ضربها الثالثة ثم قال «اللهمّ أهد شيبة» قال فو الله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب الى منه. ثم ذكر الحديث في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله ﷺ حتى هزم الله المشركين.
وقال البيهقي أنبأ أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني ثنا يوسف بن موسى ثنا هشام بن خالد ثنا الوليد بن مسلم حدثني عبد الله بن المبارك عن أبى بكر الهذلي عن عكرمة مولى ابن عباس عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين قد عرى، ذكرت أبى وعمى وقتل على وحمزة إياهما، فقلت اليوم أدرك ثأرى من رسول الله ﷺ ، قال فذهبت لأجيئه عن يمينه فإذا بالعباس بن عبد المطلب قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج، فقلت عمه ولن يخذله، قال ثم جئته عن يساره فإذا أنا بابي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقلت ابن عمه ولن يخذله، قال ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أساوره سورة بالسيف إذ رفع شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق فخفت أن يمحشني، فوضعت يدي على بصرى ومشيت القهقرى فالتفت رسول الله ﷺ وقال «يا شيب أدن منى، اللهمّ اذهب عنه الشيطان» قال فرفعت اليه بصرى ولهو أحب إلى من سمعي وبصرى، فقال «يا شيب قاتل الكفار» وقال ابن إسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة أخو بنى عبد الدار قلت اليوم أدرك ثأرى - وكان أبوه قد قتل يوم أحد - اليوم أقتل محمدا، قال فأدرت برسول الله
стр. 1373
ﷺ لأقتله فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذاك وعلمت أنه ممنوع منى. وقال محمد بن إسحاق: وحدثني والدي إسحاق بن يسار عمن حدثه عن جبير بن مطعم قال: إنا لمع رسول الله ﷺ يوم حنين والناس يقتتلون إذا نظرت إلى مثل البجاد الأسود يهوى من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي فلم يكن الا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة.
ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق به. وزاد فقال خديج بن العوجا النصري - يعنى في ذلك -:
ولما دنونا من حنين ومائه … رأينا سوادا منكر اللون أخصفا
بملمومة شهباء لو قذفوا بها … شماريخ من عروى إذا عاد صفصفا
ولو أن قومي طاوعتنى سراتهم … إذا ما لقينا العارض المتكشفا
إذا ما لقينا جند آل محمد … ثمانين ألفا واستمدوا بخندفا
وقد ذكر ابن إسحاق من شعر مالك بن عوف النصري رئيس هوازن يوم القتال وهو في حومة الوغا يرتجز ويقول:
أقدم مجاج إنه يوم نكر … مثلي على مثلك يحمى ويكر
إذا أضيع الصف يوما والدبر … ثم احزألت زمر بعد زمر
كتائب يكل فيهنّ البصر … قد أطعن الطعنة تقذى بالسبر
حين يذم المستكن المنحجر … وأطعن النجلاء تعوى وتهر
لها من الجوف رشاش منهمر … تفهق تارات وحينا تنفجر
وثعلب العامل فيها منكسر … يا زين يا ابن همّهم أين تفر
قد أنفذ الضرس وقد طال العمر … قد علم البيض الطويلات الخمر
أنى في أمثالها غير غمر … إذ تخرج الحاضن من تحت الستر
وذكر البيهقي من طريق يونس بن بكير عن أبى إسحاق أنه أنشد من شعر مالك أيضا حين ولى أصحابه منهزمين وذلك قوله بعد ما أسلم وقيل هي لغيره:
أذكر مسيرهم والناس كلهم … ومالك فوقه الرايات تختفق
ومالك مالك ما فوقه أحد … يوم حنين عليه التاج يأتلق
حتى لقوا الناس حين البأس يقدمهم … عليهم البيض والأبدان والدرق
فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدا … حول النبي وحتى جنّه الغسق
حتى تنزل جبريل بنصرهم … فالقوم منهزم منا ومعتلق
стр. 1374
منّا ولو غير جبريل يقاتلنا … لمنعتنا إذا أسيافنا الفلق
وقد وفي عمر الفاروق إذ هزموا … بطعنة كان منها سرجه العلق
قال ابن إسحاق: ولما هزم المشركون وأمكن الله رسوله منهم قالت امرأة من المسلمين:
قد غلبت خيل الله خيل اللات … والله أحق بالثبات
قال ابن هشام: وقد أنشدنيه بعض أهل الرواية للشعر:
قد غلبت خيل الله خيل اللات … وخيله أحق بالثبات
قال ابن إسحاق: فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف في بنى مالك فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم وكانت مع ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب فقاتل بها حتى قتل، فأخبرني عامر بن وهب بن الأسود أن رسول الله ﷺ لما بلغه قتله قال «أبعده الله فإنه كان يبغض قريشا» وذكر ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة أنه قتل مع عثمان هذا غلام له نصراني، فجاء رجل من الأنصار ليسلبه فإذا هو أغرل، فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب إن ثقيفا غرل، قال المغيرة بن شعبة الثقفي: فأخذت بيده وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت لا تقل كذلك فداك أبى وأمى إنما هو غلام لنا نصراني، ثم جعلت أكشف له القتلى فأقول له ألا تراهم مختتنين كما ترى؟
قال ابن إسحاق: وكانت راية الاحلاف مع قارب بن الأسود، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة وهرب هو وبنو عمه وقومه فلم يقتل من الاحلاف غير رجلين، رجل من بنى غيرة يقال له وهب ورجل من بنى كبة يقال له الجلاح، فقال رسول الله ﷺ حين بلغه قتل الجلاح «قتل اليوم سيد شباب ثقيف إلا ما كان من ابن هنيدة» يعنى الحارث بن أويس. قال ابن إسحاق فقال العباس بن مرداس يذكر قارب بن الأسود وفراره من بنى أبيه وذا الخمار وحبسه نفسه وقومه للموت:
ألا من مبلغ غيلان عنى … وسوف أخال يأتيه الخبير
وعروة إنما أهدى جوابا … وقولا غير قولكما يسير
بأنّ محمدا عبد رسول … لرب لا يضل ولا يجور
وجدناه نبيا مثل موسى … فكل فتى بخايره مخير
وبئس الأمر أمر بنى قسى … بوجّ إذا تقسمت الأمور
أضاعوا أمرهم ولكل قوم … أمير والدوائر قد تدور
فجئنا أسد غابات اليهم … جنود الله ضاحية تسير
نؤم الجمع جمع بنى قسى … على حنق نكاد له نطير
стр. 1375
وأقسم لو هموا مكثوا لسرنا … اليهم بالجنود ولم يغوروا
فكنا أسدلية ثم حتى … أبحناها وأسلمت النصور
ويوم كان قبل لدى حنين … فأقلع والدماء به تمور
من الأيام لم تسمع كيوم … ولم يسمع به قوم ذكور
قتلنا في الغبار بنى حطيط … على راياتها والخيل زور
ولم يك ذو الخمار رئيس قوم … لهم عقل يعاقب أو نكير
أقام بهم على سنن المنايا … وقد بانت لمبصرها الأمور
فأفلت من نجا منهم حريضا … وقتّل منهم بشر كثير
ولا يغنى الأمور أخو التواني … ولا الغلق الصريرة الحصور
أحانهم وحان وملكوه … أمورهم وأفلتت الصقور
بنو عوف تميح بهم جياد … أهين لها الفصافص والشعير
فلولا قارب وبنو أبيه … تقسمت المزارع والقصور
ولكنّ الرئاسة عمموها … على يمن أشار به المشير
أطاعوا قاربا ولهم جدود … وأحلام إلى عز تصير
فان بهدوا الى الإسلام يلفوا … أنوف الناس ما سمر السمير
فان لم يسلموا فهموا أذان … بحرب الله ليس لهم نصير
كما حكمت بنى سعد وجرت … برهط بنى غزية عنقفير
كأن بنى معاوية بن بكر … الى الإسلام ضائنة تخور
فقلنا أسلموا إنا أخوكم … وقد برأت من الإحن الصدور
كأن القوم إذ جاءوا إلينا … من البغضاء بعد السلم عور
فصل
ولما انهزمت هوازن وقف ملكهم مالك بن عوف النصري على ثنية مع طائفة من أصحابه فقال: قفوا حتى تجوز ضعفاؤكم وتلحق أخراكم. قال ابن إسحاق: فبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية فقال لأصحابه ماذا ترون؟ قالوا نرى قوما واضعي رماحهم بين آذان خيلهم طويلة بوادهم، فقال هؤلاء بنو سليم ولا بأس عليكم منهم، فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي، ثم طلعت خيل أخرى تتبعها فقال لأصحابه ماذا ترون؟ قالوا نرى قوما عارضى رماحهم إغفالا على خيلهم، فقال هؤلاء الأوس والخزرج ولا بأس عليكم منهم، فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا
стр. 1376
طريق بنى سليم، ثم طلع فارس فقال لأصحابه ماذا ترون؟ فقالوا نرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه عاصبا رأسه بملاءة حمراء، قال: هذا الزبير بن العوام وأقسم باللات ليخالطنكم فأثبتوا له، فلما انتهى الزبير الى أصل الثنية أبصر القوم فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها.
فصل
وأمر رسول الله ﷺ بالغنائم فجمعت من الإبل والغنم والرقيق وأمر أن تساق الى الجعرانة فتحبس هناك، قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله ﷺ على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاريّ.
فصل
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا أن رسول الله ﷺ مر يومئذ بامرأة قتلها خالد بن الوليد والناس متقصفون عليها فقال لبعض أصحابه «أدرك خالدا فقل له إن رسول الله ﷺ ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا» هكذا رواه ابن إسحاق منقطعا. وقد
قال الامام أحمد ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو ثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن أبى الزناد حدثني المرقع بن صيفي عن جده رباح بن ربيع أخى بنى حنظلة الكاتب أنه أخبره أنه رجع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله ﷺ على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون اليها ويتعجبون من خلقها حتى لحقهم رسول الله ﷺ على راحلته فانفرجوا عنها فوقف عليها رسول الله ﷺ فقال «ما كانت هذه لتقاتل» فقال لأحدهم «الحق خالدا فقل له لا يقتلن ذرية ولا عسيفا» وكذلك رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث المرقع بن صيفي به نحوه.
غزوة أوطاس
وكان سببها أن هوازن لما انهزمت ذهبت فرقة منهم فيهم الرئيس مالك بن عوف النصري فلجئوا الى الطائف فتحصنوا بها، وسارت فرقة فعسكروا بمكان يقال له أوطاس فبعث اليهم رسول الله ﷺ سرية من أصحابه عليهم أبو عامر الأشعري فقاتلوهم فغلبوهم، ثم سار رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة فحاصر أهل الطائف كما سيأتي. قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون يوم حنين أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة الا بنو غيرة من ثقيف، وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك الثنايا قال فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهان السلمي ويعرف بابن الدغنة - وهي أمه - دريد بن الصمة فاخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة وذلك أنه في شجار لهم، فإذا برجل فأناخ به فإذا شيخ كبير وإذا دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد بى؟ قال أقتلك، قال ومن أنت! قال أنا ربيعة بن رفيع السلمي، ثم
стр. 1377
ضربه بسيفه فلم يغن شيئا، قال: بئس ما سلحتك أمك خذ سيفي هذا من مؤخر رحلي في الشجار ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فأنى كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرب والله يوم منعت فيه نساءك، فزعم بنو سليم أن ربيعة قال لما ضربته فوقع تكشف فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل أعراء. فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا. ثم ذكر ابن إسحاق ما رثت به عمرة بنت دريد أباها فمن ذلك قولها:
قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا … فظل دمعي على السربال منحدر
لولا الّذي قهر الأقوام كلهم … رأت سليم وكعب كيف يأتمر
إذن لصبّحهم غبا وظاهرة … حيث استقرت نواهم جحفل ذفر
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري فأدرك من الناس بعض من انهزم فناوشوه القتال فرمى أبو عامر فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري وهو ابن عمه فقاتلهم ففتح الله عليه وهزمهم الله ، ويزعمون أن سلمة بن دريد هو الّذي رمى أبا عامر الأشعري بسهم فأصاب ركبته فقتله وقال:
إن تسألوا عنى فانى سلمه … ابن سمادير لمن توسّمه
أضرب بالسيف رءوس المسلمة
قال ابن إسحاق: وحدثني من أثق به من أهل العلم بالشعر وحديثه أن أبا عامر الأشعري لقي يوم أوطاس عشرة إخوة من المشركين فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه الى الإسلام ويقول اللهمّ اشهد عليه فقتله أبو عامر، ثم حمل عليه آخر فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه الى الإسلام ويقول اللهمّ اشهد عليه فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون عليه وهو يقول ذلك حتى قتل تسعة وبقي العاشر فحمل على أبى عامر وحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه الى الإسلام ويقول اللهمّ اشهد عليه، فقال الرجل: اللهمّ لا تشهد عليّ فكف عنه أبو عامر فأفلت فأسلم بعد فحسن إسلامه، فكان النبي ﷺ إذا رآه قال: «هذا شريد أبى عامر» قال ورمى أبا عامر، اخوان العلاء وأوفى أبناء الحارث من بنى جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فقتلاه، وولى الناس أبا موسى فحمل عليهما فقتلهما، فقال رجل من بنى جشم يرثيهما:
إن الرزية قتل العلاء … وأوفى جميعا ولم يسندا
هما القاتلان أبا عامر … وقد كان داهية أربدا
هما تركاه لدى معرك … كأنّ على عطفه مجسدا
стр. 1378
فلم ير في الناس مثليهما … أقل عثارا وأرمى يدا
وقال البخاري: ثنا محمد بن العلاء وحدثنا أبو أسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبى بردة عن أبى موسى قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقى دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبى عامر فرمى أبو عامر في ركبته رماه جشمى بسهم فأثبته في ركبته، قال فانتهيت اليه فقلت يا عم من رماك؟ فأشار إلى أبى موسى فقال ذاك قاتلي الّذي رماني، فقصدت له فلحقته فلما رآني ولى فاتبعته وجعلت أقول له ألا تستحي ألا تثبت؟ فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر قتل الله صاحبك، قال فانتزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماء. قال يا ابن أخى أقرئ رسول الله ﷺ السلام وقل له استغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرا ثم مات فرجعت فدخلت على رسول الله ﷺ في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره، وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبى عامر وقوله قل له استغفر لي قال فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال «اللهمّ اغفر لعبيد أبى عامر» ورأيت بياض إبطيه ثم قال «اللهمّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك - أو من الناس» فقلت ولى فاستغفر، فقال «اللهمّ اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما» قال أبو بردة إحداهما لأبى عامر والأخرى لأبى موسى ﵄. ورواه مسلم عن أبى كريب محمد بن العلاء وعبد الله بن أبى براد عن أبى أسامة به نحوه. وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أنبا سفيان - هو الثوري - عن عثمان البتي عن أبى الخليل عن أبى سعيد الخدريّ قال. أصبنا نساء من سبى أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهنّ ولهن أزواج، فسألنا النبي ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ قال فاستحللنا بها فروجهن. وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث عثمان البتي به. وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة عن أبى الخليل عن أبى سعيد الخدريّ. وقد رواه الامام احمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبى عروبة، زاد مسلم وشعبة والترمذي من حديث همام عن يحيى ثلاثتهم عن قتادة عن أبى الخليل عن أبى علقمة الهاشمي عن أبى سعيد أن أصحاب رسول الله ﷺ أصابوا سبابا يوم أو طاس لهن أزواج من أهل الشرك، فكان أناس من أصحاب رسول الله ﷺ كفوا وتأثموا من غشيانهن، فنزلت هذه الآية في ذلك ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهذا لفظ احمد بن حنبل فزاد في هذا الاسناد أبا علقمة الهاشمي وهو ثقة وكان هذا هو المحفوظ والله أعلم. وقد استدل جماعة من السلف بهذه الآية الكريمة على أن بيع الأمة طلاقها. روى ذلك عن ابن مسعود وأبىّ بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري وخالفهم الجمهور مستدلين بحديث بريرة
стр. 1379
حيث بيعت ثم خيرت في فسخ نكاحها أو إبقائه، فلو كان بيعها طلاقها لها لما خيرت، وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير بما فيه كفاية وسنذكره إن شاء الله في الأحكام الكبير، وقد استدل جماعة من السلف على إباحة الأمة المشركة بهذا الحديث في سبايا أوطاس وخالفهم الجمهور وقالوا هذه قضية عين فلعلهن أسلمن أو كن كتابيات وموضع تقرير ذلك في الأحكام الكبير إن شاء الله تعالى.
فصل فيمن استشهد يوم حنين وبسرية أوطاس
أيمن ابن أم أيمن مولى رسول الله ﷺ وهو أيمن بن عبيد، وزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب ابن أسد جمح به فرسه الّذي يقال له الجناح فمات، وسراقة بن مالك بن الحارث بن عدي الأنصاري من بنى العجلان، وأبو عامر الأشعري أمير سرية أوطاس، فهؤلاء أربعة ﵃.
فصل فيما قيل من الأشعار في غزوة هوازن
فمن ذلك قول بجير بن زهير بن أبى سلمى:
لولا الإله وعيده وليتم … حين استخف الرعب كل جبان
بالجزع يوم حيالنا أقراننا … وسوابح يكبون للأذقاق
من بين ساع ثوبه في كفه … ومقطر بسنابك ولبان
والله أكرمنا وأظهر ديننا … وأعزنا بعبادة الرحمن
والله أهلكهم وفرق جمعهم … وأذلهم بعبادة الشيطان
قال ابن هشام ويروى فيها بعض الرواة:
إذ قام عم نبيكم ووليه … يدعون بالكتيبة الإيمان
أين الذين هم أجابوا ربهم … يوم العريض وبيعة الرضوان
وقال عباس بن مرداس السلمي:
فأنى والسوابح يوم جمع … وما يتلو الرسول من الكتاب
لقد أحببت ما لقيت ثقيف … بجنب الشعب أمس من العذاب
هم رأس العدو من أهل نجد … فقتلهم ألذ من الشراب
هزمنا الجمع جمع بنى قسى … وحلت بركها ببني رئاب
وصرما من هلال غادرتهم … بأوطاس تعفّر بالتراب
ولو لاقين جمع بنى كلاب … لقام نساؤهم والنقع كابى
ركضنا الخيل فيهم بين بس … إلى الأوراد تنحط بالنهاب
بذي لجب رسول الله فيهم … كتيبته تعرض للضراب
стр. 1380
وقال عباس بن مرداس أيضا:
يا خاتم النّبآء إنك مرسل … بالحق كل هدى السبيل هداكا
إنّ الإله بنى عليك محبة … في خلقه ومحمدا سمّاكا
ثم الذين وفوا بما عاهدتم … جند بعثت عليهم الضحاكا
رجلا به درب السلاح كأنه … لمّا تكنفه العدو يراكا
يغشى ذوى النسب القريب وإنما … يبغى رضا الرحمن ثم رضاكا
أنبئك أنى قد رأيت مكره … تحت العجاجة يدمغ الاشراكا
طورا يعانق باليدين وتارة … يفرى الجماجم صارما فتّاكا
يغشى به هام الكماة ولو ترى … منه الّذي عاينت كان شفاكا (١)
وبنو سليم معنقون أمامه … ضربا وطعنا في العدو دراكا
بمشون تحت لوائه وكأنهم … أسد العرين أردن ثم عراكا
ما يرتجون من القريب قرابة … إلا لطاعة ربهم وهواكا
هذي مشاهدنا التي كانت لنا … معروفة وولينا مولاكا
وقال عباس بن مرداس أيضا (٢):
عفا مجدل من أهله فمتالع … فمطلا أريك قد خلا فالمصانع
ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا … رخيّ وصرف الدهر للحي جامع
حبيّبة ألوت بها غربة النوى … لبين فهل ماض من العيش راجع
فان تبتغي الكفار غير ملومة … فانى وزير للنّبيّ وتابع
دعانا اليه خير وفد علمتهم … خزيمة والمرّار منهم وواسع
فجئنا بألف من سليم عليهم … لبوس لهم من نسج داود رائع
نبايعه بالأخشبين وإنما … يد الله بين الأخشبين نبايع
فجسنا مع المهدي مكة عنوة … بأسيافنا والنقع كاب وساطع
علانية والخيل يغشى متونها … حميم وآمن من دم الجوف ناقع
ويوم حنين حين سارت هوازن … إلينا وضاقت بالنفوس الأضالع
صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا … قراع الأعادي منهم والوقائع
أمام رسول الله يخفق فوقنا … لواء كخذروف السحابة لامع
стр. 1381
عشية ضحاك بن سفيان معتص … بسيف رسول الله والموت كانع
نذود أخانا عن أخينا ولو نرى … مصالا لكنا الأقربين نتابع
ولكنّ دين الله دين محمد … رضينا به فيه الهدى والشرائع
أقام به بعد الضلالة أمرنا … وليس لأمر حمّه الله دافع
وقال عباس أيضا:
تقطّع باقي وصل أم مؤمل … بعاقبة واستبدلت نيّة خلفا
وقد حلفت بالله لا تقطع القوى … فما صدقت فيه ولا برت الحلفا
خفافية بطن العقيق مصيفها … وتحتل في البادين وجرة فالعرفا
فان تتبع الكفار أم مؤمل … فقد زودت قلبي على نأيها شغفا
وسوف ينبئها الخبير بأننا … أبينا ولم نطلب سوى ربنا حلفا
وإنا مع الهادي النبي محمد … وفينا ولم يستوفها معشر ألفا
بفتيان صدق من سليم أعزة … أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا
خفاف وذكوان وعوف تخالهم … مصاعب زافت في طروقتها كلفا
كأن نسيج الشهب والبيض ملبس … أسودا تلاقت في مراصدها غضفا
بنا عز دين الله غير تنحل … وزدنا على الحي الّذي معه ضعفا
بمكة إذ جئنا كأنّ لواءنا … عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا
على شخّص الأبصار تحسب بينها … إذا هي جالت في مراودها عزفا
غداة وطئنا المشركين ولم نجد … لأمر رسول الله عدلا ولا صرفا
بمعترك لا يسمع القوم وسطه … لنا زجمة الا التذامر والنقفا
ببيض تطير الهام عن مستقرها … وتقطف أعناق الكماة بها قطفا
فكائن تركنا من قتيل ملحب … وأرملة تدعو على بعلها لهفا
رضا الله ننوى لا رضا الناس نبتغى … ولله ما يبدو جميعا وما يخفى
وقال عباس أيضا ﵁:
ما بال عينك فيها عائر سهر … مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر
عين تأويها من شجوها أرق … فالماء يغمرها طورا وينحدر
كأنه نظم در عند ناظمه … تقطع السلك منه فهو منتثر
يا بعد منزل من ترجو مودته … ومن أتى دونه الصمّان فالحفر
стр. 1382
دع ما تقدم من عهد الشباب فقد … ولّى الشباب وزار الشيب والزعر
واذكر بلاء سليم في مواطنها … وفي سليم لأهل الفخر مفتخر
قوم هموا نصروا الرحمن واتبعوا … دين الرسول وأمر الناس مشتجر
لا يغرسون فسيل النخل وسطهم … ولا تخاور في مشتاهم البقر
إلا سوابح كالعقبان مغرية … في دارة حولها الأخطار والعكر
تدعى خفاف وعوف في جوانبها … وحىّ ذكوان لا ميل ولا ضجر
الضاربون جنود الشرك ضاحية … ببطن مكة والأرواح تبتدر
حتى رفعنا وقتلاهم كأنهم … نخل بظاهرة البطحاء منقعر
ونحن يوم حنين كان مشهدنا … للدين عزا وعند الله مدخر
إذ نركب الموت مخضرا بطائنه … والخيل ينجاب عنها ساطع كدر
تحت اللواء مع الضحاك يقدمنا … كما مشى الليث في غاباته الخدر
في مأزق من مجر الحرب كلكلها … تكاد تأفل منه الشمس والقمر
وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا … لله ننصر من شئنا وننتصر
حتى تأوب أقوام منازلهم … لولا المليك ولولا نحن ما صدروا
فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا … إلا وقد أصبح منا فيهم أثر
وقال عباس أيضا ﵁:
يا أيها الرجل الّذي تهوى به … وجناء مجمرة المناسم عرمس
إما أتيت على النبي فقل له … حقا عليك إذا اطمأنّ المجلس
يا خير من ركب المطي ومن مشى … فوق التراب إذا تعد الأنفس
إنا وفينا بالذي عاهدتنا … والخيل تقدع بالكماة وتضرس
إذ سال من أفناء بهثة كلها … جمع تظل به المخارم ترجس
حتى صبحنا أهل مكة فيلقا … شهباء يقدمها الهمام الأشوس
من كل أغلب من سليم فوقه … بيضاء محكمة الدخال وقونس
يروى القناة إذا تجاسر في الوغى … وتخاله أسدا إذا ما يعبس
يغشى الكتيبة معلما وبكفه … عضب يقدّ به ولدن مدعس
وعلى حنين قد وفي من جمعنا … ألف أمد به الرسول عرندس
كانوا أمام المؤمنين دريئة … والشمس يومئذ عليهم أشمس
стр. 1383
نمضي ويحرسنا الإله بحفظه … والله ليس بضائع من يحرس
ولقد حبسنا بالمناقب محبسا … رضى الآله به فنعم المحبس
وغداة أو طاس شددنا شدة … كفت العدو وقيل منها يا احبسوا
تدعو هوازن بالأخوة بيننا … ثدي تمد به هوازن أيبس
حتى تركنا جمعهم وكأنه … عير تعاقبه السباع مفرس
وقال أيضا ﵁:
من مبلغ الأقوام أن محمدا … رسول الإله راشد حيث يمّما
دعا ربه واستنصر الله وحده … فأصبح قد وفي اليه وأنعما
سرينا وواعدنا قديدا محمدا … يؤم بنا أمرا من الله محكما
تماروا بنا في الفجر حتى تبينوا … مع الفجر فتيانا وغابا مقوما
على الخيل مشدودا علينا دروعنا … ورجلا كدفّاع الأتىّ عرمرما
فان سراة الحي إن كنت سائلا … سليم وفيهم منهم من تسلما
وجند من الأنصار لا يخذلونه … أطاعوا فما يعصونه ما تكلما
فان تك قد أمرت في القوم خالدا … وقدمته فإنه قد تقدما
بجند هداه الله أنت أميره … تصيب به في الحق من كان أظلما
حلفت يمينا برة لمحمد … فأكملتها ألفا من الخيل ملجما
وقال نبي المؤمنين تقدموا … وحب إلينا أن نكون المقدما
وبتنا بنهي المستدير ولم يكن … بنا الخوف إلا رغبة وتحزما
أطعناك حتى أسلم الناس كلهم … وحتى صبحنا الجمع أهل يلملما
يظل الحصان الأبلق الورد وسطه … ولا يطمئن الشيخ حتى يسوما
سمونا لهم ورد القطا زفّه ضحى … وكلا تراه عن أخيه قد أحجما
لدن غدوة حتى تركنا عشية … حنينا وقد سالت دوامعه دما
إذا شئت من كل رأيت طمرّة … وفارسها يهوى ورمحا محطما
وقد أحرزت منا هوازن سربها … وحب اليها أن نخيب ونحرما
هكذا أورد الامام محمد بن إسحاق هذه القصائد من شعر عباس بن مرداس السلمي ﵁ وقد تركنا بعض ما أورده من القصائد خشية الاطالة وخوف الملالة، ثم أورد من شعر غيره أيضا وقد حصل ما فيه كفاية من ذلك والله أعلم.
стр. 1384
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
غزوة الطائف
قال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: قاتل رسول الله ﷺ يوم حنين وحاصر الطائف في شوال سنة ثمان. وقال محمد بن إسحاق: ولما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور. قال ثم سار رسول الله ﷺ الى الطائف حين فرغ من حنين فقال كعب بن مالك في ذلك: *
قضينا من تهامة كل ريب … وخيبر ثم أجمعنا السيوفا
نخبرها ولو نطقت لقالت … قواطعهن دوسا أو ثقيفا
فلست لحاضن إن لم تروها … بساحة داركم منا ألوفا
وننتزع العروش ببطن وجّ … وتصبح دوركم منكم خلوفا
ويأتيكم لنا سرعان خيل … يغادر خلفه جمعا كثيفا
إذا نزلوا بساحتكم سمعتم … لها مما أناخ بها رجيفا
بأيديهم قواضب مرهفات … يزرن المصطلين بها الحتوفا
كأمثال العقائق أخلصتها … قيون الهند لم تضرب كتيفا
تخال جديّة الأبطال فيها … غداة الزحف جاديا مدوفا
أجدهم أليس لهم نصيح … من الأقوام كان بنا عريفا
يخبرهم بأنا قد جمعنا … عتاق الخيل والنجب الطروفا
وأنا قد أتيناهم بزحف … يحيط بسور حصنهم صفوفا
رئيسهم النبي وكان صلبا … نقى القلب مصطبرا عزوفا
رشيد الأمر ذا حكم وعلم … وحلم لم يكن نزقا خفيفا
نطيع نبينا ونطيع ربا … هو الرحمن كان بنا رءوفا
فان تلقوا إلينا السلم نقبل … ونجعلكم لنا عضدا وريفا
وإن تأبوا نجاهدكم ونصبر … ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا
نجالد ما بقينا أو تنيبوا … الى الإسلام إذعانا مضيفا
نجاهد لا نبالى ما لقينا … أأهلكنا التلاد أم الطريفا
وكم من معشر ألبوا علينا … صميم الجذم منهم والحليفا
أتونا لا يرون لهم كفاء … فجدعنا المسامع والأنوفا
стр. 1385
بكل مهند لين صقيل … نسوقهم بها سوقا عنيفا
لأمر الله والإسلام حتى … يقوم الدين معتدلا حنيفا
وتنسى اللات والعزى وودّ … ونسلبها القلائد والشنوفا
فأمسوا قد أقروا واطمأنوا … ومن لا يمتنع يقبل خسوفا
وقال ابن إسحاق: فأجابه كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي:
قلت: قد وفد على رسول الله ﷺ بعد ذلك في وفد ثقيف فأسلم معهم. قاله موسى بن عقبة وأبو إسحاق وأبو عمر بن عبد البر وابن الأثير وغير واحد، وزعم المدائني أنه لم يسلم بل صار الى بلاد الروم فتنصر ومات بها:
من كان يبغينا يريد قتالنا … فإنّا بدار معلم لا نريمها
وجدنا بها الآباء من قبل ما ترى … وكانت لنا أطواؤها وكرومها
وقد جربتنا قبل عمرو بن عامر … فأخبرها ذو رأيها وحليمها
وقد علمت - إن قالت الحق - أننا … إذا ما أتت صعر الخدود نقيمها
نقوّمها حتى يلين شريسها … ويعرف للحق المبين ظلومها
علينا دلاص من تراب محرق … كلون السماء زينتها نجومها
نرفعها عنا ببيض صوارم … إذا جردت في غمرة لا نشيمها
قال ابن إسحاق: وقال شداد بن عارض الجشمي في مسير رسول الله ﷺ الى الطائف:
لا تنصروا اللات إن الله مهلكها … وكيف ينصر من هو ليس ينتصر
إن التي حرقت بالسد فاشتعلت … ولم تقاتل لدى أحجارها هدر
إن الرسول متى ينزل بلادكم … يظعن وليس بها من أهلها بشر
قال ابن إسحاق: فسلك رسول الله ﷺ يعنى من حنين الى الطائف - على نخلة اليمانية ثم على قرن ثم على المليح ثم على بحرة الرغاء من لية فابتنى بها مسجدا فصلّى فيه. قال ابن إسحاق:
فحدثني عمرو بن شعيب أنه ﵇ أقاد يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم وهو أول دم أقيد به في الإسلام رجل من بنى ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به وأمر رسول الله ﷺ وهو بلية بحصن مالك بن عوف فهدم. قال ابن إسحاق: ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة فلما توجه رسول الله ﷺ سأل عن اسمها فقال ما اسم هذه الطريق فقيل الضيقة فقال بل هي اليسرى، ثم خرج منها على نخب حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريبا من مال رجل من ثقيف، فأرسل اليه رسول الله ﷺ إما أن تخرج إلينا وإما أن نخرب عليك حائطك، فأبى أن يخرج فأمر رسول الله ﷺ
стр. 1386
بإخرابه.
وقال ابن إسحاق: عن إسماعيل بن أمية عن بجير بن أبى بجير سمعت عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه الى الطائف فمررنا بقبر فقال رسول الله ﷺ «هذا قبر أبى رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه» قال فابتدره الناس فاستخرجوا معه الغصن. ورواه أبو داود عن يحيى بن معين عن وهب ابن جرير بن حازم عن أبيه عن محمد بن إسحاق به. ورواه البيهقي من حديث يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية به. قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله ﷺ حتى تزل قريبا من الطائف فضرب به عسكره فقتل ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف فتأخروا الى موضع مسجده ﵇ اليوم بالطائف الّذي بنته ثقيف بعد إسلامها، بناه عمرو بن أمية بن وهب وكانت فيه سارية لا تطلع عليها الشمس صبيحة كل يوم الا سمع لها نقيض فيما يذكرون، قال فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، قال ابن هشام ويقال سبع عشرة ليلة، وقال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: ثم سار رسول الله ﷺ إلى الطائف وترك السبي بالجعرانة وملئت عرش مكة منهم فنزل رسول الله ﷺ بالاكمة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة يقاتلهم ويقاتلونه من وراء حصنهم ولم يخرج اليه أحد منهم غير أبى بكرة بن مسروح أخى زياد لأمه، فأعتقه رسول الله ﷺ وكثرت الجراح وقطعوا طائفة من أعنابهم ليغيظوهم بها فقالت لهم ثقيف: لا تفسدوا الأموال فإنها لنا أو لكم. وقال عروة أمر رسول الله ﷺ كل رجل من المسلمين أن يقطع خمس نخلات وخمس حبلات وبعث مناديا ينادى من خرج إلينا فهو حر، فاقتحم اليه نفر منهم فيهم أبو بكرة بن مسروح أخو زياد بن أبى سفيان لامه فأعتقهم ودفع كل رجل منهم الى رجل من المسلمين يعوله ويحمله. وقال الامام أحمد ثنا يزيد ثنا حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يعتق من جاءه من العبيد قبل مواليهم إذا أسلموا، وقد أعتق يوم الطائف رجلين وقال أحمد ثنا عبد القدوس بن بكر بن خنيس ثنا الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف فخرج اليه عبدان فأعتقهما أحدهما أبو بكرة وكان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا خرجوا اليه
وقال أحمد أيضا ثنا نصر بن رئاب عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أنه قال قال رسول الله ﷺ يوم الطائف «من خرج إلينا من العبيد فهو حر» فخرج عبيد من العبيد فيهم أبو بكرة فأعتقهم رسول الله ﷺ هذا الحديث تفرد به أحمد ومداره على الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، لكن ذهب الامام أحمد إلى هذا فعنده أن كل عبد جاء من دار الحرب الى دار الإسلام عتق حكما شرعيا مطلقا عاما، وقال آخرون إنما كان
стр. 1387
هذا شرطا لا حكما عاما ولو صح الحديث لكان التشريع العام أظهر كما
في قوله ﵇ «من قتل قتيلا فله سلبه» وقد قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن المكرم الثقفي قال: لما حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف خرج اليه رقيق من رقيقهم أبو بكرة عبدا للحارث بن كلدة والمنبعث وكان اسمه المضطجع فسماه رسول الله ﷺ المنبعث، ويحنس ووردان في رهط من رقيقهم فأسلموا،
فلما قدم وفد أهل الطائف فأسلموا قالوا يا رسول الله رد علينا رقيقنا الذين أتوك؟ قال «لا أولئك عتقاء الله» ورد على ذلك الرجل ولاء عبده فجعله له.
وقال البخاري ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن عاصم سمعت أبا عثمان قال سمعت سعدا - وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وأبا بكرة وكان تسور حصن الطائف في أناس فجاء إلى رسول الله ﷺ قالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه فالجنة عليه حرام» ورواه مسلم من حديث عاصم به. قال البخاري: وقال هشام أنبا معمر عن عاصم عن أبى العالية أو أبى عثمان النهدي قال سمعت سعدا وأبا بكرة عن النبي ﷺ قال عاصم: قلت لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما، قال أجل أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى رسول الله ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف. قال محمد بن إسحاق: وكان مع رسول الله ﷺ امرأتان من نسائه إحداهما أم سلمة فضرب لهما قبتين فكان يصلّى بينهما، فحاصرهم وقاتلهم قتالا شديدا وتراموا بالنبل قال ابن هشام:
ورماهم بالمنجنيق. فحدثني من أثق به أن النبي ﷺ أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق رمى به أهل الطائف. وذكر ابن إسحاق أن نفرا من الصحابة دخلوا تحت دبابة ثم زحفوا ليحرقوا جدار أهل الطائف فأرسلت عليهم سكك الحديد محماة فخرجوا من تحتها فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالا، فحينئذ أمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون، قال وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فناديا ثقيفا بالأمان حتى يكلموهم فأمنوهم فدعوا نساء من قريش وبنى كنانة ليخرجن اليهم وهما يخافان عليهنّ السباء إذا فتح الحصن، فأبين فقال لهما أبو الأسود بن مسعود: ألا أدلكما على خير مما جئتما له؟ إن مال أبى الأسود حيث قد علمتما، وكان رسول الله ﷺ نازلا بواد يقال له العقيق وهو بين مال بنى الأسود وبين الطائف وليس بالطائف مال أبعد رشاء ولا أشد مئونة ولا أبعد عمارة منه، وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرحم. فزعموا أن رسول الله ﷺ تركه لهم. وقد روى الواقدي عن شيوخه نحو هذا وعنده أن سلمان الفارسي هو الّذي أشار بالمنجنيق وعمله بيده وقيل قدم به وبدبابتين فالله أعلم.
وقد
أورد البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة أن عيينة بن حصن استأذن رسول الله ﷺ في أن يأتى أهل الطائف فيدعوهم إلى الإسلام فأذن له، فجاءهم فأمرهم بالثبات في حصنهم وقال
стр. 1388
لا يهولنكم قطع ما قطع من الأشجار في كلام طويل، فلما رجع قال له رسول الله ﷺ «ما قلت لهم» قال دعوتهم إلى الإسلام وأنذرتهم النار وذكرتهم بالجنة، فقال «كذبت بل قلت لهم كذا وكذا» فقال صدقت يا رسول الله أتوب إلى الله وإليك من ذلك. وقد
روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد ابن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن هشام الدستوائى عن قتادة عن سالم بن أبى الجعد عن معدان ابن أبى طلحة عن ابن أبى نجيح السلمي وهو عمرو بن عبسة ﵁ قال: حاصرنا مع رسول الله ﷺ قصر الطائف فسمعت رسول الله ﷺ يقول «من بلغ بسهم فله درجة في الجنة» فبلغت يومئذ ستة عشر سهما، وسمعته يقول «من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة وأيما رجل أعتق رجلا مسلما فان الله جاعل كل عظم من عظامه وقاء كل عظم بعظم وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فان الله جاعل كل عظم من عظامها وقاء كل عظم من عظامها من النار». ورواه أبو داود والترمذي وصححه النسائي من حديث قتادة به.
وقال البخاري ثنا الحميدي سمع سفيان ثنا هشام عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت: دخل على رسول الله ﷺ وعندي مخنث فسمعه يقول لعبد الله بن أبى أمية: أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال رسول الله ﷺ «لا يدخلن هؤلاء عليكن» قال ابن عيينة وقال ابن جريج: المخنث هيت. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه به وفي لفظ وكانوا يرونه من غير أولى الإربة من الرجال،
وفي لفظ قال رسول الله ﷺ «ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا لا يدخلن عليكن هؤلاء» يعنى إذا كان ممن يفهم ذلك فهو داخل في قوله تعالى ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ والمراد بالمخنث في عرف السلف الّذي لا همة له الى النساء وليس المراد به الّذي يؤتى إذ لو كان كذلك لوجب قتله حتما كما دل عليه الحديث وكما قتله أبو بكر الصديق ﵁، ومعنى قوله تقبل بأربع وتدبر بثمان يعنى بذلك عكن بطنها فإنها تكون أربعا إذا أقبلت ثم تصير كل واحدة ثنتين إذا أدبرت، وهذه المرأة هي بادية بنت غيلان بن سلمة من سادات ثقيف، وهذا المخنث قد ذكر البخاري عن ابن جريج أن اسمه هيت وهذا هو المشهور. لكن
قال يونس عن ابن إسحاق قال: وكان مع رسول الله ﷺ مولى لخالته بنت عمرو بن عائد مخنث يقال له ماتع يدخل على نساء رسول الله ﷺ في بيته ولا نرى أنه يفطن لشيء من أمور النساء مما يفطن اليه رجال، ولا يرى أن له في ذلك إربا فسمعه وهو يقول لخالد ابن الوليد: يا خالد إن افتتح رسول الله ﷺ الطائف فلا تنفلتن منكم بادية بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال رسول الله ﷺ حين سمع هذا منه «ألا أرى هذا يفطن لهذا» الحديث ثم قال لنسائه «لا يدخلن عليكم» فحجب عن بيت رسول الله ﷺ
وقال البخاري ثنا على بن عبد الله
стр. 1389
ثنا سفيان عن عمرو عن أبى العباس الشاعر الأعمى عن عبد الله بن عمرو قال: لما حاصر رسول الله ﷺ الطائف فلم ينل منهم شيئا قال «إنا قافلون غدا إن شاء الله» فنقل عليهم وقالوا نذهب ولا نفتح؟ فقال «اغدوا على القتال» فغدوا فأصابهم جراح فقال «إنا قافلون غدا إن شاء الله» فأعجبهم فضحك النبي ﷺ وقال سفيان مرة فتبسم ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به وعنده عن عبد الله بن عمر بن الخطاب واختلف في نسخ البخاري ففي نسخة كذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص والله أعلم.
وقال الواقدي حدثني كثير بن زيد بن الوليد بن رباح عن أبى هريرة قال: لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف استشار رسول الله ﷺ نوفل بن معاوية الدئلي فقال «يا نوفل ما ترى في المقام عليهم؟» قال يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.
قال ابن إسحاق: وقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وهو محاصر ثقيفا «يأبا بكر إني رأيت أنى أهديت لي قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهراق ما فيها» فقال أبو بكر ﵁: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد، فقال رسول الله ﷺ «وأنا لا أرى ذلك»
قال ثم إن خولة بنت حكيم السلمية وهي امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك حلى بادية بنت غيلان بن سلمة أو حلى الفارعة بنت عقيل - وكانت من أحلى نساء ثقيف - فذكر أن رسول الله ﷺ قال لها «وإن كان لم يؤذن في ثقيف يا خويلة» فخرجت خولة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب فدخل على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خولة زعمت أنك قلته؟ قال «قد قلته» قال أو ما أذن فيهم؟ قال لا، قال أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال بلى، فأذن عمر بالرحيل فلما استقبل الناس نادى سعيد بن عبيد بن أسيد بن أبى عمرو بن علاج: ألا إن الحي مقيم، قال يقول عيينة بن حصن أجل والله مجدة كراما، فقال له رجل من المسلمين قاتلك الله يا عيينة أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله ﷺ وقد جئت تنصره؟ فقال إني والله ما جئت لأقاتل ثقيفا معكم، ولكنى أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب من ثقيف جارية أطؤها لعلها تلد لي رجلا فان ثقيفا مناكير. وقد روى ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة قصة خولة بنت حكيم
وقول رسول الله ﷺ ما قال: وتأذين عمر بالرحيل، قال وأمر رسول الله ﷺ الناس أن لا يسرحوا ظهرهم فلما أصبحوا ارتحل رسول الله ﷺ وأصحابه ودعا حين ركب قافلا فقال «اللهمّ اهدهم واكفنا مؤنتهم»
وروى الترمذي من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبى الزبير عن جابر قالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم فقال «اللهمّ اهد ثقيفا» ثم قال هذا حديث حسن غريب.
وروى يونس عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبى بكر وعبد الله بن المكرم عمن أدركوا من أهل العلم قالوا: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك، ثم انصرفوا عنهم ولم
стр. 1390
يؤذن فيهم، فقدم المدينة فجاءه وفدهم في رمضان فأسلموا وسيأتي ذلك مفصلا في رمضان من سنة تسع إن شاء الله. وهذه تسمية من استشهد من المسلمين بالطائف فيما قاله ابن إسحاق فمن قريش، سعيد ابن سعيد بن العاص بن أمية، وعرفطة بن حباب حليف لبني أمية بن الأسد بن الغوث، وعبد الله ابن أبى بكر الصديق رمى بسهم فتوفى منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة المخزومي من رمية رميها يومئذ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة حليف لبني عدي، والسائب بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي وأخوه عبد الله، وجليحة بن عبد الله من بنى سعد بن ليث، ومن الأنصار ثم من الخزرج ثابت بن الجذع الأسلمي، والحارث بن سهل بن أبى صعصعة المازني، والمنذر بن عبد الله من بنى ساعدة، ومن الأوس رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية فقط، فجميع من استشهد يومئذ اثنا عشر رجلا سبعة من قريش وأربعة من الأنصار، ورجل من بنى ليث ﵃ أجمعين. قال ابن إسحاق: ولما انصرف رسول الله ﷺ راجعا عن الطائف قال بجير بن زهير بن أبى سلمى يذكر حنينا والطائف:
كانت علالة يوم بطن حنين … وغداة أوطاس ويوم الأبرق
جمعت باغواء هوازن جمعها … فتبددوا كالطائر المتمزق
لم يمنعوا منا مقاما واحدا … إلا جدارهم وبطن الخندق
ولقد تعرضنا لكيما يخرجوا … فاستحصنوا منا بباب مغلق
ترتد حسرانا الى رجراجة … شهباء تلمع بالمنايا فيلق
ملمومة خضراء لو قذفوا بها … حصنا لظل كأنه لم يخلق
مشى الضراء على الهراس كأننا … قدر تفرق في القياد ويلتقى
في كل سابغة إذا ما استحصنت … كالنهي هبت ريحه المترقرق
جدل تمس فضولهن نعالنا … من نسج داود وآل محرق
وقال أبو داود ثنا عمر بن الخطاب أبو حفص ثنا الفريابي ثنا أبان ثنا عمرو - هو ابن عبد الله ابن أبى حازم - ثنا عثمان بن أبى حازم عن أبيه عن جده صخر - هو أبى العيلة الأحمسي - أن رسول الله ﷺ غزا ثقيفا فلما أن سمع ذلك صخر ركب في خيل يمد النبي ﷺ فوجده قد انصرف ولم يفتح، فجعل صخر حينئذ عهد وذمة لا أفارق هذا القصر حتى ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ ولم يفارقهم حتى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ وكتب اليه صخر، أما بعد فان ثقيفا قد نزلت على حكمك يا رسول الله وأنا مقبل بهم وهم في خيلى فأمر رسول الله ﷺ بالصلاة جامعة فدعا لأحمس عشر دعوات «اللهمّ بارك لا حمس في خيلها ورجالها». وأتى القوم فتكلم المغيرة بن شعبة فقال:
стр. 1391
يا رسول الله إن صخرا أخذ عمتي ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، فدعاه فقال «يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم فادفع الى المغيرة عمته» فدفعها اليه وسأل رسول الله ﷺ ماء لبني سليم قد هربوا عن الإسلام وتركوا ذلك الماء فقال: يا رسول الله أنزلنيه أنا وقومي؟ قال «نعم» فأنزله وأسلم - يعنى الأسلميين، فأتوا صخرا فسألوه أن يدفع اليهم الماء فأبى فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا:
يا رسول الله أسلمنا وأتينا صخرا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا، فقال «يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم فادفع اليهم ماءهم» قال نعم يا نبي الله فرأيت وجه رسول الله ﷺ يتغير عند ذلك حمرة حياء من أخذه الجارية وأخذه الماء. تفرد به أبو داود وفي اسناده اختلاف قلت: وكانت الحكمة الإلهية تقتضي أن يؤخر الفتح عامئذ لئلا يستأصلوا قتلا لأنه قد تقدم أنه ﵇ لما كان خرج الى الطائف فدعاهم الى الله تعالى والى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه وذلك بعد موت عمه أبى طالب فردوا عليه قوله وكذبوه فرجع مهموما فلم يستفق الا عند قرن الثعالب، فإذا هو بغمامة وإذا فيها جبريل فناداه ملك الجبال فقال يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام وقد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك فان شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟
فقال رسول الله ﷺ «بل أستأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئا» فناسب قوله بل أستأني بهم أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم وأن يؤخر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام المقبل كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى.
فصل في مرجعه ﵇ من الطائف وقسمة غنائم هوازن التي أصابها يوم حنين قبل دخوله مكة معتمرا من الجعرانة
قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ حين انصرف عن الطائف على دحنا حتى نزل الجعرانة فيمن معه من المسلمين ومعه من هوازن سبى كثير وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول الله ادع عليهم فقال «اللهمّ اهد ثقيفا وائت بهم» قال ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة وكان مع رسول الله ﷺ من سبى هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء ومن الإبل والشاء ما لا يدرى عدته.
قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب وفي رواية يونس بن بكير عنه قال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كنا مع رسول الله ﷺ بحنين فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا منّ الله عليكم وقام خطيبهم زهير بن صرد أبو صرد فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ولو أنا ملحنا لابن أبى شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الّذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما
стр. 1392
وأنت رسول الله خير المكفولين، ثم أنشأ يقول:
امنن علينا رسول الله في كرم … فإنك المرء نرجوه وننتظر
امنن على بيضة قد عاقها قدر … ممزق شملها في دهرها غير
أبقت لنا الدهر هتافا على حزن … على قلوبهم الغماء والغمر
[يا خير طفل ومولود ومنتجب … في العالمين إذا ما حصل البشر (١)
إن لم تداركها نعماء تنشرها … يا أرجح الناس حلما حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها … إذ فوك تملؤه من مخضها الدرر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها (٢) … وإذ يزنيك ما تأتى وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته … واستبق منا فانا معشر زهر
إنا لنشكر آلاء وإن كفرت … وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
قال فقال رسول الله ﷺ «نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟» فقالوا يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا؟ بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا، فقال رسول الله ﷺ «إماما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله ﷺ إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله ﷺ في أبنائنا ونسائنا فانى سأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم» فلما صلّى رسول الله ﷺ بالناس الظهر قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله ﷺ فقال «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم» فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ وقالت الأنصار وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم بل ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، قال يقول عباس بن مرداس لبني سليم وهنتموني؟ فقال رسول الله ﷺ «من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ستة فرائض من أول فيء نصيبه» فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم ثم ركب رسول الله ﷺ وأتبعه الناس يقولون: يا رسول الله اقسم علينا فيئنا، حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه فقال «أيها الناس ردوا على ردائي فو الّذي نفسي في يده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتمونى بخيلا ولا جبانا ولا كذابا» ثم قام رسول الله ﷺ الى جنب بعير فأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها فقال «أيها الناس والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة الا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخياط والمخيط فان الغلول
стр. 1393
عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة» فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله أخذت هذه لأخيط بها برذعة بعير لي دبر، فقال رسول الله ﷺ «أما حقي منها فلك» فقال الرجل: أما إذا بلغ الأمر فيها فلا حاجة لي بها فرمى بها من يده وهذا السياق يقتضي أنه ﵇ رد اليهم سبيهم قبل القسمة كما ذهب اليه محمد بن إسحاق بن يسار خلافا لموسى بن عقبة وغيره.
وفي صحيح البخاري من طريق الليث عن عقيل عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوا أن ترد اليهم أموالهم ونساؤهم فقال لهم رسول الله ﷺ «معى من ترون وأحب الحديث الىّ أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال؟ وقد كنت أستأنيت بكم» وكان رسول الله ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير راد اليهم أموالهم إلا إحدى الطائفتين قالوا إنا نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال «أما بعد فان إخوانكم هؤلاء قد جاءوا تائبين وإني قد رأيت أن أرد اليهم سبيهم فمن أحب أن يطيّب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مال يفيء الله علينا فليفعل» فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله فقال لهم «إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا الى رسول الله ﷺ فأخبروه بأنهم قد طيبوا وأذنوا. فهذا ما بلغنا عن سبى هوازن ولم يتعرض البخاري لمنع الأقرع وعيينة وقومهما بل سكت عن ذلك والمثبت مقدم على النافي فكيف الساكت.
وروى البخاري من حديث الزهري أخبرنى عمر بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أخبره جبير بن مطعم أنه بينما هو مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقفله من حنين علقت الاعراب برسول الله ﷺ يسألونه حتى اضطروه الى شجرة فخطفت رداءه فوقف رسول الله ﷺ ثم قال «أعطونى ردائي فلو كان عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا» تفرد به البخاري. وقال ابن إسحاق: وحدثني أبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي أن رسول الله ﷺ أعطى على بن أبى طالب جارية يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة، وأعطى عثمان بن عفان جارية يقال لها زينب بنت حيان بن عمرو بن حيان، وأعطى عمر جارية فوهبها من ابنه عبد الله وقال ابن إسحاق: فحدثني نافع عن عبد الله بن عمر قال: بعثت بها الى أخوالى من بنى جمح ليصلحوا لي منها ويهيئوها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت اليها، قال فجئت من المسجد حين فرغت فإذا الناس يشتدون فقلت ما شأنكم؟ قالوا رد علينا رسول الله ﷺ نساءنا وأبناءنا، قلت تلكم صاحبتكم في بنى جمح فاذهبوا فخذوها فذهبوا اليها فأخذوها. قال ابن إسحاق:
стр. 1394
واما عيينة بن حصن فأخذ عجوزا من عجائز هوازن وقال حين أخذها أرى عجوزا إني لأحسب لها في الحي نسبا وعسى أن يعظم فداؤها، فلما رد رسول الله ﷺ السبايا بست فرائض أبى أن يردها، فقال له زهير بن صرد: خذها عنك فو الله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها يوالد، ولا زوجها بواجد، ولا درها بماكد، إنك ما أخذتها والله بيضاء غريرة ولا نصفا وثيرة فردها بست فرائض] قال الواقدي. ولما قسم رسول الله ﷺ الغنائم بالجعرانة أصاب كل رجل أربع من الإبل وأربعون شاة
وقال سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر أن رجلا ممن شهد حنين قال والله إني لأسير الى جنب رسول الله ﷺ على ناقة لي وفي رجلي نعل غليظة إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله ﷺ ويقع حرف نعلى على ساق رسول الله ﷺ فأوجعه، فقرع قدمي بالسوط وقال «أوجعتني فتأخر عنى» فانصرفت فلما كان الغد إذا رسول الله ﷺ يلتمسنى قال قلت هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله ﷺ بالأمس، قال فجئته وأنا أتوقع فقال «إنك أصبت رجلي بالأمس فأوجعتنى فقرعت قدمك بالسوط فدعوتك لأعوضك منها» فأعطانى ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني، والمقصود من هذا أن رسول الله ﷺ رد إلى هوازن سبيهم بعد القسمة كما دل عليه السياق وغيره،
وظاهر سياق حديث عمرو بن شعيب الّذي أورده محمد بن إسحاق عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ رد الى هوازن سبيهم قبل القسمة، ولهذا لما رد السبي وركب علقت الاعراب برسول الله ﷺ يقولون له اقسم علينا فيئنا حتى اضطروه الى سمرة فخطفت رداءه فقال «ردوا على ردائي أيها الناس فو الّذي نفسي بيده لو كان لكم عدد هذه العضاة نعما لقسمته فيكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا» كما رواه البخاري عن جبير بن مطعم بنحوه وكأنهم خشوا أن يرد الى هوازن أموالهم كما رد اليهم نساءهم وأطفالهم فسألوه قسمة ذلك فقسمها ﵊ بالجعرانة كما أمره الله وآثر أناسا في القسمة وتألف أقواما من رؤساء القبائل وأمرائهم فعتب عليه أناس من الأنصار حتى خطبهم وبين لهم وجه الحكمة فيما فعله تطييبا لقلوبهم، وتنقد بعض من لا يعلم من الجهلة والخوارج كذي الخويصرة وأشباهه قبحه الله كما سيأتي تفصيله وبيانه في الأحاديث الواردة في ذلك وبالله المستعان.
قال الامام أحمد حدثنا عارم ثنا معتمر بن سليمان سمعت أبى يقول ثنا السميط السدوسي عن أنس بن مالك قال: فتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم النعم، قال ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، قال فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا قال فلم نلبث أن انكشف خيلنا وفرت الاعراب ومن نعلم من الناس، قال فنادى رسول الله ﷺ يا للمهاجرين يا للمهاجرين يا للأنصار؟ - قال أنس هذا حديث
стр. 1395
عمته (١) - قال قلنا لبيك يا رسول الله قال وتقدم رسول الله ﷺ ، قال وأيم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله قال فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا الى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ثم رجعنا الى مكة، قال فنزلنا فجعل رسول الله ﷺ يعطى الرجل المائة ويعطى الرجل المائتين، قال فتحدث الأنصار بينها أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه؟! فرفع الحديث الى رسول الله ﷺ ثم أمر بسراة المهاجرين والأنصار أن يدخلوا عليه ثم قال «لا يدخلن على إلا أنصارى - أو الأنصار» قال فدخلنا القبة حتى ملأناها قال نبي الله ﷺ «يا معشر الأنصار» أو كما قال «ما حديث أتانى؟» قالوا ما أتاك يا رسول الله قال «ما حديث أتانى» قالوا ما أتاك يا رسول الله، قال «ألا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون برسول الله حتى تدخلوه بيوتكم؟» قالوا رضينا يا رسول الله، قال فرضوا أو كما قال. وهكذا رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان وفيه من الغريب قوله أنهم كانوا يوم هوازن ستة آلاف وإنما في كانوا اثنى عشر الفا، وقوله إنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة وإنما حاصروها قريبا من شهر ودون العشرين ليلة فالله أعلم.
وقال البخاري ثنا عبد الله بن محمد ثنا هشام ثنا معمر عن الزهري حدثني أنس بن مالك قال قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن فطفق النبي ﷺ يعطى رجالا المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ قال أنس بن مالك فحدث رسول الله ﷺ بمقالتهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة أدم ولم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي ﷺ فقال «ما حديث بلغني عنكم؟» قال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله ﷺ «فانى لأعطى رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبيّ إلى رحالكم؟ فو الله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به» قالوا يا رسول الله قد رضينا فقال لهم النبي ﷺ «فستجدون أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فانى على الحوض» قال أنس: فلم يصبروا. تفرد به البخاري من هذا الوجه، ثم
رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عوف عن هشام بن زيد عن جده أنس بن مالك قال: لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي ﷺ عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا فقال «يا معشر الأنصار» قالوا لبيك يا رسول الله وسعديك لبيك نحن بين يديك، فنزل رسول الله ﷺ فقال «أنا عبد الله ورسوله» فانهزم المشركون فأعطى الطلقاء والمهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا، فقالوا، فدعاهم فأدخلهم في قبته فقال «أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله؟» ﷺ [قالوا بلى] فقال رسول الله ﷺ «لو
стр. 1396
سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار».
وفي رواية للبخاريّ من هذا الوجه قال لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم ومع رسول الله ﷺ عشرة آلاف والطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما، التفت عن يمينه فقال «يا معشر الأنصار؟» قالوا لبيك يا رسول الله ابشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال «يا معشر الأنصار؟» فقالوا لبيك يا رسول الله ابشر نحن معك، وهو على بغلة بيضاء فنزل فقال «أنا عبد الله ورسوله» فانهزم المشركون وأصاب يومئذ مغانم كثيرة فقسم بين المهاجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئا، فقالت الأنصار إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال «يا معشر الأنصار ما حديث بلغني؟» فسكتوا فقال «يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم؟» قالوا بلى فقال «لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار». قال هشام: قلت يأبا حمزة وأنت شاهد ذلك؟ قال وأين أغيب عنه؟ ثم
رواه البخاري ومسلم أيضا من حديث شعبة عن قتادة عن أنس قال: جمع رسول الله ﷺ الأنصار فقال «إن قريشا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله الى بيوتكم؟» قالوا بلى، قال «لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار». وأخرجاه أيضا من حديث شعبة عن أبى التياح يزيد بن حميد عن أنس بنحوه وفيه فقالوا: والله إن هذا لهو العجب إن سيوفنا لتقطر من دمائهم والغنائم تقسم فيهم، فخطبهم وذكر نحو ما تقدم.
وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا حماد ثنا ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أعطى أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في آخرين يوم حنين، فقالت الأنصار:
يا رسول الله سيوفنا تقطر من دمائهم وهم يذهبون بالمغنم؟ فبلغ ذلك النبي ﷺ فجمعهم في قبة له حتى فاضت فقال «فيكم أحد من غيركم؟» قالوا لا الا ابن أختنا، قال «ابن أخت القوم منهم» ثم قال «أقلتم كذا وكذا؟» قالوا نعم، قال «أنتم الشعار والناس الدثار أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله ﷺ الى دياركم؟» قالوا بلى، قال «الأنصار كرشى وعيبتي لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعبهم، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» وقال قال حماد أعطى مائة من الإبل فسمى كل واحد من هؤلاء. تفرد به احمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم.
وقال الامام احمد حدثنا ابن أبى عدي عن حميد عن أنس أن رسول الله ﷺ قال «يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلاّلا فهداكم الله بى؟ ألم آتكم متفرقين فجمعكم الله بى، ألم آتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم؟» قالوا بلى يا رسول الله قال «أفلا تقولون جئتنا خائفا فأمناك، وطريدا
стр. 1397
فأويناك، ومخذولا فنصرناك؟» قالوا بل لله المن علينا ولرسوله. وهذا إسناد ثلاثي على شرط الصحيحين فهذا الحديث كالمتواتر عن أنس بن مالك. وقد روى عن غيره من الصحابة
قال البخاري ثنا موسى ابن إسماعيل ثنا وهيب ثنا عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا فكأنهم وجدوا في أنفسهم إذ لم يصيبهم ما أصاب الناس فحطبهم فقال «يا معشر الأنصار شيئا فكأنهم وجدوا في أنفسهم إذ لم يصيبهم ما أصاب الناس، فحطبهم فقال «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بى؟ وعالة فأغناكم الله بى؟» كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أمن، قال «لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله الى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». ورواه مسلم من حديث عمرو بن يحيى المازني به
وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبى سعيد الخدريّ قال: لما أصاب رسول الله ﷺ الغنائم يوم حنين وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله قومه، فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم؟ فقال «فيم؟» قال فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شيء، فقال رسول الله ﷺ «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال ما أنا الا امرؤ من قومي، قال فقال رسول الله ﷺ «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة فإذا اجتمعوا فأعلمني» فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة فجاء رجل من المهاجرين فأذن له فدخلوا وجاء آخرون فردهم حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه فقال: يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتنى أن أجمعهم، فخرج رسول الله ﷺ فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال «يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلاّلا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟» قالوا بلى ثم قال رسول الله ﷺ «ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟، قالوا وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المن لله ولرسوله قال «والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم جئتنا طريدا فأويناك، وعائلا فآسيناك، وخائفا فأمناك، ومخذولا فنصرناك» فقالوا المن لله ولرسوله فقال رسول الله ﷺ «أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ووكلتكم الى ما قسم الله لكم من الإسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس الى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله الى رحالكم فو الّذي
стр. 1398
نفسي بيده لو ان الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» قال فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربا ورسوله قسما ثم انصرف وتفرقوا. وهكذا رواه الامام أحمد من حديث ابن إسحاق ولم يروه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه وهو صحيح وقد
رواه الامام أحمد عن يحيى بن بكير عن الفضل بن مرزوق عن عطية بن سعد العوفيّ عن أبى سعيد الخدريّ قال رجل من الأنصار لأصحابه: أما والله لقد كنت أحدثكم أنه لو استقامت الأمور قد آثر عليكم، قال فردوا عليه ردا عنيفا فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجاءهم فقال لهم أشياء لا أحفظها قالوا بلى يا رسول الله، قال «وكنتم لا تركبون الخيل» وكلما قال لهم شيئا قالوا بلى يا رسول الله ثم ذكر بقية الخطبة كما تقدم. تفرد به أحمد أيضا. وهكذا رواه الامام أحمد منفردا به من حديث الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد بنحوه ورواه أحمد أيضا عن موسى بن عقبة عن ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر مختصرا وقال سفيان بن عيينة عن عمر بن سعيد بن مسروق عن أبيه عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم من سبى حنين مائة من الإبل، وأعطى أبا سفيان بن حرب مائة، وأعطى صفوان ابن أمية مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطى الأقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة، وأعطى مالك بن عوف مائة، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة، ولم يبلغ به أولئك فأنشأ يقول:
أتجعل نهبي ونهب العبيد … بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس … يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما … ومن تخفض اليوم لا يرفع
وقد كنت في الحرب ذا تدرإ … فلم أعط شيئا ولم أمنع
قال فأتم له رسول الله ﷺ مائة. رواه مسلم من حديث ابن عيينة بنحوه وهذا لفظ البيهقي.
وفي رواية ذكرها موسى بن عقبة وعروة بن الزبير وابن إسحاق فقال:
كانت نهابا تلافيتها … بكرى على المهر في الأجرع
وإيقاظي الحي أن يرقدوا … إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد … بين عيينة والأقرع
وقد كنت في الحرب ذا تدرإ … فلم أعط شيئا ولم أمنع
إلا أفائل أعطيتها … عديد قوائمها الأربع
стр. 1399
وما كان حصن ولا حابس … يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما … ومن تضع اليوم لا يرفع
قال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال له «أنت القائل أصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟» فقال أبو بكر ما هكذا قال يا رسول الله ولكن والله ما كنت بشاعر وما ينبغي لك، فقال «كيف قال؟» فأنشده أبو بكر فقال رسول الله ﷺ «هما سواء ما يضرك بأيهما بدأت» ثم قال رسول الله ﷺ «اقطعوا عنى لسانه» فخشي بعض الناس أن يكون أراد المثلة به وإنما أراد النبي ﷺ العطية، قال وعبيد فرسه.
وقال البخاري حدثنا محمد ابن العلاء ثنا أسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبى بردة عن أبى موسى قال: كنت عند النبي ﷺ وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال، فأتى رسول الله ﷺ أعرابى فقال: الا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له «ابشر» فقال قد أكثرت على من أبشر! فأقبل على أبى موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال «رد البشرى فأقبلا أنتما» ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه ثم قال «اشربا منه وافرغا على وجوهكما ونحوركما وابشرا» فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما. فأفضلا لها منه طائفة. هكذا رواه. وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا مالك عن إسحاق بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: كنت أمشى مع رسول الله ﷺ وعليه يرد نجرانى غليظ الحاشية فأدركه أعرابى فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت الى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، قال: مر لي من مال الله الّذي عندك، فالتفت اليه فضحك ثم أمر له بعطاء. وقد ذكر ابن إسحاق الذين أعطاهم رسول الله ﷺ يومئذ مائة من الإبل وهم أبو سفيان صخر بن حرب، وابنه معاوية، وحكيم بن حزام، والحارث بن كلدة أخو بنى عبد الدار، وعلقمة بن علاثة، والعلاء بن حارثة الثقفي حليف بنى زهرة، والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم، ومالك بن عوف النصري، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، وعيينة ابن حصن، وصفوان بن أمية، والأقرع بن حابس،
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن قائلا قال لرسول الله ﷺ من أصحابه: يا رسول الله أعطيت عيينة والأقرع مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمريّ؟! فقال رسول الله ﷺ «أما والّذي نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع، ولكن تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه» ثم ذكر ابن إسحاق من أعطاه رسول الله ﷺ دون المائة ممن يطول ذكره. وفي الحديث الصحيح عن صفوان بن أمية أنه قال: ما زال رسول الله ﷺ يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إليّ حتى ما خلق الله شيئا أحب إلى منه.
стр. 1400
ذكر قدوم مالك بن عوف النصري على رسول الله ﷺ
قال ابن إسحاق: وقال رسول الله ﷺ لوفد هوازن وسألهم عن مالك بن عوف ما فعل؟ فقالوا هو بالطائف مع ثقيف فقال «أخبروه إنه إن أتانى مسلما رددت اليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل» فلما بلغ ذلك مالكا انسل من ثقيف حتى أتى رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة - أو بمكة - فأسلم وحسن إسلامه، فرد عليه أهله وماله ولما أعطاه مائة فقال مالك بن عوف ﵁:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله … في الناس كلهم بمثل محمد
أو في وأعطى للجزيل إذا اجتدى … ومتى تشأ يخبرك عمّا في غد
وإذا الكتيبة عردت أنيابها … بالسمهري وضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشباله … وسط الهباءة خادر في مرصد
قال واستعمله رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه وتلك القبائل ثمالة وسلمة وفهم، فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرج إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم.
وقال البخاري ثنا موسى بن إسماعيل ثنا جرير بن حازم ثنا الحسن حدثني عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله ﷺ قوما ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه فقال «إني أعطى قوما أخاف هلعهم وجزعهم وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمرو بن تغلب» قال عمرو: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم، زاد أبو عاصم عن جرير سمعت الحسن ثنا عمرو بن تغلب أن رسول الله ﷺ أتى بمال - أو سبى - فقسمه بهذا.
وفي رواية للبخاريّ قال أتى رسول الله بمال - أو بشيء - فاعطى رجالا وترك رجالا فبلغه أن الذين ترك عتبوا فحطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال «أما بعد» فذكر مثله سواء. تفرد به البخاري (١) وقد ذكر ابن هشام أن حسان بن ثابت ﵁ قال فيما كان من أمر الأنصار وتأخرهم عن الغنيمة:
[ذر الهموم فماء العين منحدر … سحا إذا حفلته عبرة درر]
وجدا بشماء إذ شماء (٢) بهكنة … هيفاء لا ذنن فيها ولا خور
دع عنك شماء إذ كانت مودتها … نزرا وشر وصال الواصل النزر
وائت الرسول وقل يا خير مؤتمن … للمؤمنين إذ ما عدد البشر
علام تدعى سليم وهي نازحة … قدام قوم هموا آووا وهم نصروا
سمّاهم الله أنصارا بنصرهم … دين الهدى وعوان الحرب تستعر
وسارعوا في سبيل الله واعترضوا … للنائبات وما خانوا وما ضجروا
стр. 1401
والناس إلب علينا فيك ليس لنا … إلا السيوف وأطراف القنا وزر
تجالد الناس لا نبقي على أحد … ولا نضيع ما توحى به السور
ولا تهر جناة الحرب نادينا … ونحن حين تلظى نارها سعر
كما رددنا ببدر دون ما طلبوا … أهل النفاق وفينا ينزل الظفر
ونحن جندك يوم النعف من أحد … إذ حزبت بطرا أحزابها مضر
فما ونينا وما خمنا وما خبروا … منا عثارا وكل الناس قد عثروا
ذكر اعتراض بعض الجهلة من أهل الشقاق والنفاق على رسول الله ﷺ في القسمة العادلة بالاتفاق
قال البخاري: ثنا قبيصة ثنا سفيان عن الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله قال: لما قسم النبي ﷺ قسمة حنين قال رجل من الأنصار: ما أراد بها وجه الله، قال فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فتغير وجهه ثم قال «رحمة الله على موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر». ورواه مسلم من حديث الأعمش به ثم
قال البخاري ثنا قتيبة بن سعيد ثنا جرير عن منصور عن أبى وائل عن عبد الله قال: لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ ناسا أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسا فقال رجل: ما أريد بهذه القسمة وجه الله، فقلت لأخبرن النبي ﷺ ، [فأخبرته] فقال «رحم الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر». وهكذا رواه من حديث منصور عن المعتمر به.
وفي رواية للبخاريّ فقال رجل والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله، فقلت والله لأخبرن رسول الله ﷺ فأتيته فأخبرته فقال «من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟! رحم الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر».
وقال محمد بن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن مقسم أبى القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: خرجت انا وتليد بن كلاب الليثي حتى أتينا عبد الله بن عمرو ابن العاص وهو يطوف بالبيت معلقا نعله بيده، فقلنا له هل حضرت رسول الله ﷺ حين كلمه التميمي يوم حنين؟ قال نعم جاء رجل من بنى تميم يقال له ذو الخويصرة فوقف عليه وهو يعطى الناس فقال له: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله ﷺ «أجل فكيف رأيت؟» قال لم أرك عدلت، قال فغضب النبي ﷺ فقال «ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟» فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله؟ فقال «دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يوجد شيء ثم في القدح فلا يوجد شيء ثم في الفوق فلا يوجد شيء سبق الفرث والدم»
وقال الليث بن سعد عن يحيى
стр. 1402
ابن سعيد عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل بالجعرانة النبي ﷺ منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبض منها ويعطى الناس، فقال: يا محمد اعدل، قال «ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل» فقال عمر بن الخطاب دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق؟ فقال «معاذ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يتجاوز حنا جرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية» ورواه مسلم عن محمد بن رمح عن الليث.
وقال احمد ثنا أبو عامر ثنا قرة عن عمرو بن دينار عن جابر قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم مغانم حنين إذ قام اليه رجل فقال اعدل، فقال «لقد شقيت إذ لم أعدل» ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم عن قرة بن خالد السدوسي به.
وفي الصحيحين من حديث الزهري عن أبى سلمة عن أبى سعيد قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة رجل من بنى تميم فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله ﷺ «ويلك ومن يعدل إن لم أعدل لقد خبت وخسرت، إذا لم أعدل فمن يعدل؟» فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فيه فاضرب عنقه؟ فقال رسول الله ﷺ «دعه فان له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر الى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم الى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر الى نصبه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر الى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس» قال أبو سعيد:
فأشهد أنى سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن على بن أبى طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت اليه على نعت رسول الله ﷺ الّذي نعت. ورواه مسلم أيضا من حديث القاسم بن الفضل عن أبى نضرة عن أبى سعيد به نحوه.
ذكر مجيء أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة وهو بالجعرانة واسمها الشياء
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض بنى سعد بن بكر أن رسول الله ﷺ قال يوم هوازن «إن قدرتم على تجاد - رجل من بنى سعد بن بكر - فلا يفلتنكم» وكان قد أحدث حدثا، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة. قال فعنفوا عليها في السوق فقالت للمسلمين: تعلمون والله إني لأخت صاحبكم من الرضاعة؟ فلم يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله ﷺ .
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن عبيد السعدي - هو أبو وجزة - قال فلما انتهى بها إلي رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله إني أختك من الرضاعة، قال «وما علامة ذلك؟» قالت عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك، قال فعرف رسول الله ﷺ
стр. 1403
العلامة فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها وقال «إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعى إلى قومك فعلت؟» قالت: بل تمتعنى وتردني إلى قومي، فمتعها رسول الله ﷺ وردها إلى قومها فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما يقال له مكحول وجارية فزوجت أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية.
وروى البيهقي من حديث الحكم بن عبد الملك عن قتادة قال: لما كان يوم فتح هوازن جاءت جارية إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أنا أختك أنا شيماء بنت الحارث، فقال لها «إن تكوني صادقة فان بك منى أثر لا يبلى» قال فكشفت عن عضدها فقالت: نعم يا رسول الله وأنت صغير فعضضتني هذه العضة، قال فبسط لها رسول الله ﷺ رداءه ثم قال «سلى تعطى واشفعى تشفعي». وقال البيهقي أنبأ أبو نصر بن قتادة انبأ عمرو بن إسماعيل ابن عبد السلمي ثنا مسلم ثنا أبو عاصم ثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان أخبرنى عمى عمارة بن ثوبان أن أبا الطفيل أخبره قال: كنت غلاما أحمل عضو البعير، ورأيت رسول الله ﷺ يقسم نعما بالجعرانة، قال فجاءته امرأة فبسط لها رداءه فقلت من هذه؟ قالوا أمه التي أرضعته. هذا حديث غريب ولعله يريد أخته وقد كانت تحضنه مع أمها حليمة السعدية وإن كان محفوظا فقد عمرت حليمة دهرا فان من وقت أرضعت رسول الله ﷺ الى وقت الجعرانة أزيد من ستين سنة، وأقل ما كان عمرها حين أرضعته ﷺ ثلاثين سنة، ثم الله أعلم بما عاشت بعد ذلك، وقد ورد حديث مرسل فيه أن أبويه من الرضاعة قدما عليه والله أعلم بصحته. قال أبو داود في المراسيل ثنا أحمد بن سعيد الهمدانيّ ثنا ابن وهب ثنا عمرو بن الحارث أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان جالسا يوما فجاءه أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم جاءه أخوه من الرضاعة فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه، وقد تقدم أن هوازن بكمالها متوالية برضاعته من بنى سعد بن بكر وهم شرذمة من هوازن، فقال خطيبهم زهير بن صرد: يا رسول الله إنما في الحظائر أمهاتك وخالاتك وحواضنك فامنن علينا منّ الله عليك وقال فيما قال:
امنن على نسوة قد كنت ترضعها … إذ فوك يملؤه من محضها درر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها … وإذ يزينك ما تأتى وما تذر
فكان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم فعادت فواضله ﵇ عليهم قديما وحديثا خصوصا وعموما. وقد
ذكر الواقدي عن إبراهيم بن محمد بن شرحبيل عن أبيه قال: كان النضير بن الحارث ابن كلدة من أجمل الناس فكان يقول: الحمد لله الّذي من علينا بالإسلام، ومن علينا بمحمد ﷺ ، ولم نمت على ما مات عليه الآباء، وقتل عليه الاخوة، وبنو العم. ثم ذكر عداوته للنّبيّ ﷺ وأنه
стр. 1404
خرج مع قومه من قريش الى حنين وهم على دينهم بعد، قال ونحن نريد إن كانت دائرة على محمد أن نغير عليه فلم يمكنا ذلك، فلما صار بالجعرانة فو الله إني لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلاّ برسول الله ﷺ فقال «أنضير؟» قلت لبيك، قال «هل لك الى خير مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه؟» قال فأقبلت اليه سريعا فقال «قد آن لك أن تبصر ما كنت فيه توضع» قلت قد أدرى أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا، وإني أشده أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقال رسول الله ﷺ «اللهمّ زده ثباتا» قال النضير: فو الّذي بعثه بالحق لكأن قلبي حجر ثباتا في الدين، وتبصرة بالحق. فقال رسول الله ﷺ «الحمد لله الّذي هداه»
عمرة الجعرانة في ذي القعدة
قال الامام أحمد ثنا بهز وعبد الصمد المعنى قالا: ثنا همام بن يحيى ثنا قتادة قال سألت أنس بن مالك قلت كم حج رسول الله ﷺ ؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع مرات. عمرته زمن الحديبيّة وعمرته في ذي القعدة من المدينة، وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة، حيث قسم غنيمة حنين، وعمرته مع حجته. ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من طرق عن همام بن يحيى به. وقال الترمذي حسن صحيح. وقال الامام أحمد ثنا أبو النضر ثنا داود - يعنى العطار - عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر، عمرة الحديبيّة، وعمرة القضاء، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي مع حجته. ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث داود ابن عبد الرحمن العطار المكيّ عن عمرو بن دينار به. وحسنه والترمذي. وقال الامام أحمد ثنا يحيى ابن زكريا بن أبى زائدة ثنا حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - عن عبد الله ابن عمرو بن العاص - قال: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر، كل ذلك في ذي القعدة يلبى حتى يستلم الجحر. غريب من هذا الوجه وهذه الثلاث عمر اللاتي وقعن في ذي القعدة ما عدا عمرته مع حجته فإنها وقعت في ذي الحجة مع الحجة وان أراد ابتداء الإحرام بهن في ذي القعدة فلعله لم يرد عمرة الحديبيّة لانه صد عنها ولم يفعلها والله أعلم.
قلت: وقد كان نافع ومولاه ابن عمر ينكران أن يكون رسول الله ﷺ اعتمر من الجعرانة بالكلية وذلك فيما قال البخاري ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله إنه كان عليّ اعتكاف يوم في الجاهلية فأمره أن يفى به، قال وأصاب عمر جاريتين من سبى حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة، قال فمنّ رسول الله ﷺ على سبى حنين فجعلوا يسعون في السكك، فقال عمر: يا عبد الله انظر ما هذا؟ قال منّ رسول الله ﷺ على السبي، قال اذهب فأرسل الجاريتين. قال نافع ولم يعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف على
стр. 1405
عبد الله، وقد رواه مسلم من حديث أيوب السختبانى عن نافع عن ابن عمر به. ورواه مسلم أيضا عن أحمد بن عبدة الضبيّ عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة فقال: لم يعتمر منها وهذا غريب جدا عن ابن عمرو عن مولاه نافع في إنكارهما عمرة الجعرانة وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وذكر ذلك أصحاب المغازي والسنن كلهم. وهذا أيضا كما ثبت في الصحيحين من حديث عطاء بن أبى رباح عن عروة عن عائشة أنها أنكرت على ابن عمر قوله إن رسول الله ﷺ اعتمر في رجب وقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله ﷺ الا وهو شاهد، وما اعتمر في رجب قط. وقال الامام أحمد ثنا ابن نمير ثنا الأعمش عن مجاهد قال سأل عروة بن الزبير ابن عمر في أي شهر اعتمر رسول الله ﷺ ؟ قال في رجب، فسمعتنا عائشة فسألها ابن الزبير وأخبرها بقول ابن عمر فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وقد شهدها وما اعتمر عمرة قط الا في ذي القعدة، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث جرير عن منصور عن مجاهد به نحوه. ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث زهير عن أبى إسحاق عن مجاهد سئل ابن عمر كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ فقال مرتين، فقالت عائشة لقد علم ابن عمر أن رسول الله ﷺ اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع. قال الامام أحمد ثنا يحيى بن آدم ثنا مفضل عن منصور عن مجاهد قال: دخلت مع عروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر مستند إلى حجرة عائشة وأناس يصلون الضحى، فقال عروة: أبا عبد الرحمن ما هذه الصلاة؟ قال بدعة، فقال له عروة أبا عبد الرحمن كم اعتمر رسول الله؟ فقال أربعا إحداهن في رجب، قال وسمعنا استنان عائشة في الحجرة، فقال لها عروة إن أبا عبد الرحمن يزعم أن رسول الله اعتمر أربعا إحداهن في رجب؟ فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر النبي ﷺ الا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط. وهكذا رواه الترمذي عن احمد بن منيع عن الحسن بن موسى عن شيبان عن منصور وقال حسن صحيح غريب. وقال الامام احمد ثنا روح ثنا ابن جريح أخبرنى مزاحم بن أبى مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله عن مخرش الكعبي أن رسول الله ﷺ خرج من الجعرانة ليلا حين أمسى معتمرا فدخل مكة ليلا يقضى عمرته، ثم خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت حتى إذا زالت الشمس خرج من الجعرانة في بطن سرف، حتى جاء مع الطريق - طريق المدينة - بسرف قال مخرش: فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس. ورواه الامام احمد عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج كذلك وهو من افراده والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح الّذي لا يمكن منعه ولا دفعه ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من أثبتها والله أعلم. ثم وهم كالمجمعين على أنها كانت في ذي القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين، وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه