← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

والناس إلب علينا فيك ليس لنا … إلا السيوف وأطراف القنا وزر تجالد الناس لا نبقي على أحد … ولا نضيع ما توحى به السور ولا تهر جناة الحرب نادينا … ونحن حين تلظى نارها سعر كما رددنا ببدر دون ما طلبوا … أهل النفاق وفينا ينزل الظفر ونحن جندك يوم النعف من أحد … إذ حزبت بطرا أحزابها مضر فما ونينا وما خمنا وما خبروا … منا عثارا وكل الناس قد عثروا ذكر اعتراض بعض الجهلة من أهل الشقاق والنفاق على رسول الله ﷺ في القسمة العادلة بالاتفاق قال البخاري: ثنا قبيصة ثنا سفيان عن الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله قال: لما قسم النبي ﷺ قسمة حنين قال رجل من الأنصار: ما أراد بها وجه الله، قال فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فتغير وجهه ثم قال «رحمة الله على موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر». ورواه مسلم من حديث الأعمش به ثم قال البخاري ثنا قتيبة بن سعيد ثنا جرير عن منصور عن أبى وائل عن عبد الله قال: لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ ناسا أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسا فقال رجل: ما أريد بهذه القسمة وجه الله، فقلت لأخبرن النبي ﷺ ، [فأخبرته] فقال «رحم الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر». وهكذا رواه من حديث منصور عن المعتمر به. وفي رواية للبخاريّ فقال رجل والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله، فقلت والله لأخبرن رسول الله ﷺ فأتيته فأخبرته فقال «من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟! رحم الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر». وقال محمد بن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن مقسم أبى القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: خرجت انا وتليد بن كلاب الليثي حتى أتينا عبد الله بن عمرو ابن العاص وهو يطوف بالبيت معلقا نعله بيده، فقلنا له هل حضرت رسول الله ﷺ حين كلمه التميمي يوم حنين؟ قال نعم جاء رجل من بنى تميم يقال له ذو الخويصرة فوقف عليه وهو يعطى الناس فقال له: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله ﷺ «أجل فكيف رأيت؟» قال لم أرك عدلت، قال فغضب النبي ﷺ فقال «ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟» فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله؟ فقال «دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يوجد شيء ثم في القدح فلا يوجد شيء ثم في الفوق فلا يوجد شيء سبق الفرث والدم» وقال الليث بن سعد عن يحيى

стр. 1402

ابن سعيد عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل بالجعرانة النبي ﷺ منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبض منها ويعطى الناس، فقال: يا محمد اعدل، قال «ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل» فقال عمر بن الخطاب دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق؟ فقال «معاذ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يتجاوز حنا جرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية» ورواه مسلم عن محمد بن رمح عن الليث. وقال احمد ثنا أبو عامر ثنا قرة عن عمرو بن دينار عن جابر قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم مغانم حنين إذ قام اليه رجل فقال اعدل، فقال «لقد شقيت إذ لم أعدل» ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم عن قرة بن خالد السدوسي به. وفي الصحيحين من حديث الزهري عن أبى سلمة عن أبى سعيد قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة رجل من بنى تميم فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله ﷺ «ويلك ومن يعدل إن لم أعدل لقد خبت وخسرت، إذا لم أعدل فمن يعدل؟» فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فيه فاضرب عنقه؟ فقال رسول الله ﷺ «دعه فان له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر الى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم الى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر الى نصبه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر الى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس» قال أبو سعيد: فأشهد أنى سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن على بن أبى طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت اليه على نعت رسول الله ﷺ الّذي نعت. ورواه مسلم أيضا من حديث القاسم بن الفضل عن أبى نضرة عن أبى سعيد به نحوه. ذكر مجيء أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة وهو بالجعرانة واسمها الشياء قال ابن إسحاق: وحدثني بعض بنى سعد بن بكر أن رسول الله ﷺ قال يوم هوازن «إن قدرتم على تجاد - رجل من بنى سعد بن بكر - فلا يفلتنكم» وكان قد أحدث حدثا، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة. قال فعنفوا عليها في السوق فقالت للمسلمين: تعلمون والله إني لأخت صاحبكم من الرضاعة؟ فلم يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن عبيد السعدي - هو أبو وجزة - قال فلما انتهى بها إلي رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله إني أختك من الرضاعة، قال «وما علامة ذلك؟» قالت عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك، قال فعرف رسول الله ﷺ

стр. 1403

العلامة فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها وقال «إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعى إلى قومك فعلت؟» قالت: بل تمتعنى وتردني إلى قومي، فمتعها رسول الله ﷺ وردها إلى قومها فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما يقال له مكحول وجارية فزوجت أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية. وروى البيهقي من حديث الحكم بن عبد الملك عن قتادة قال: لما كان يوم فتح هوازن جاءت جارية إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أنا أختك أنا شيماء بنت الحارث، فقال لها «إن تكوني صادقة فان بك منى أثر لا يبلى» قال فكشفت عن عضدها فقالت: نعم يا رسول الله وأنت صغير فعضضتني هذه العضة، قال فبسط لها رسول الله ﷺ رداءه ثم قال «سلى تعطى واشفعى تشفعي». وقال البيهقي أنبأ أبو نصر بن قتادة انبأ عمرو بن إسماعيل ابن عبد السلمي ثنا مسلم ثنا أبو عاصم ثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان أخبرنى عمى عمارة بن ثوبان أن أبا الطفيل أخبره قال: كنت غلاما أحمل عضو البعير، ورأيت رسول الله ﷺ يقسم نعما بالجعرانة، قال فجاءته امرأة فبسط لها رداءه فقلت من هذه؟ قالوا أمه التي أرضعته. هذا حديث غريب ولعله يريد أخته وقد كانت تحضنه مع أمها حليمة السعدية وإن كان محفوظا فقد عمرت حليمة دهرا فان من وقت أرضعت رسول الله ﷺ الى وقت الجعرانة أزيد من ستين سنة، وأقل ما كان عمرها حين أرضعته ﷺ ثلاثين سنة، ثم الله أعلم بما عاشت بعد ذلك، وقد ورد حديث مرسل فيه أن أبويه من الرضاعة قدما عليه والله أعلم بصحته. قال أبو داود في المراسيل ثنا أحمد بن سعيد الهمدانيّ ثنا ابن وهب ثنا عمرو بن الحارث أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان جالسا يوما فجاءه أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم جاءه أخوه من الرضاعة فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه، وقد تقدم أن هوازن بكمالها متوالية برضاعته من بنى سعد بن بكر وهم شرذمة من هوازن، فقال خطيبهم زهير بن صرد: يا رسول الله إنما في الحظائر أمهاتك وخالاتك وحواضنك فامنن علينا منّ الله عليك وقال فيما قال: امنن على نسوة قد كنت ترضعها … إذ فوك يملؤه من محضها درر امنن على نسوة قد كنت ترضعها … وإذ يزينك ما تأتى وما تذر فكان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم فعادت فواضله ﵇ عليهم قديما وحديثا خصوصا وعموما. وقد ذكر الواقدي عن إبراهيم بن محمد بن شرحبيل عن أبيه قال: كان النضير بن الحارث ابن كلدة من أجمل الناس فكان يقول: الحمد لله الّذي من علينا بالإسلام، ومن علينا بمحمد ﷺ ، ولم نمت على ما مات عليه الآباء، وقتل عليه الاخوة، وبنو العم. ثم ذكر عداوته للنّبيّ ﷺ وأنه

стр. 1404

خرج مع قومه من قريش الى حنين وهم على دينهم بعد، قال ونحن نريد إن كانت دائرة على محمد أن نغير عليه فلم يمكنا ذلك، فلما صار بالجعرانة فو الله إني لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلاّ برسول الله ﷺ فقال «أنضير؟» قلت لبيك، قال «هل لك الى خير مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه؟» قال فأقبلت اليه سريعا فقال «قد آن لك أن تبصر ما كنت فيه توضع» قلت قد أدرى أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا، وإني أشده أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقال رسول الله ﷺ «اللهمّ زده ثباتا» قال النضير: فو الّذي بعثه بالحق لكأن قلبي حجر ثباتا في الدين، وتبصرة بالحق. فقال رسول الله ﷺ «الحمد لله الّذي هداه» عمرة الجعرانة في ذي القعدة قال الامام أحمد ثنا بهز وعبد الصمد المعنى قالا: ثنا همام بن يحيى ثنا قتادة قال سألت أنس بن مالك قلت كم حج رسول الله ﷺ ؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع مرات. عمرته زمن الحديبيّة وعمرته في ذي القعدة من المدينة، وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة، حيث قسم غنيمة حنين، وعمرته مع حجته. ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من طرق عن همام بن يحيى به. وقال الترمذي حسن صحيح. وقال الامام أحمد ثنا أبو النضر ثنا داود - يعنى العطار - عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر، عمرة الحديبيّة، وعمرة القضاء، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي مع حجته. ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث داود ابن عبد الرحمن العطار المكيّ عن عمرو بن دينار به. وحسنه والترمذي. وقال الامام أحمد ثنا يحيى ابن زكريا بن أبى زائدة ثنا حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - عن عبد الله ابن عمرو بن العاص - قال: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر، كل ذلك في ذي القعدة يلبى حتى يستلم الجحر. غريب من هذا الوجه وهذه الثلاث عمر اللاتي وقعن في ذي القعدة ما عدا عمرته مع حجته فإنها وقعت في ذي الحجة مع الحجة وان أراد ابتداء الإحرام بهن في ذي القعدة فلعله لم يرد عمرة الحديبيّة لانه صد عنها ولم يفعلها والله أعلم. قلت: وقد كان نافع ومولاه ابن عمر ينكران أن يكون رسول الله ﷺ اعتمر من الجعرانة بالكلية وذلك فيما قال البخاري ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله إنه كان عليّ اعتكاف يوم في الجاهلية فأمره أن يفى به، قال وأصاب عمر جاريتين من سبى حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة، قال فمنّ رسول الله ﷺ على سبى حنين فجعلوا يسعون في السكك، فقال عمر: يا عبد الله انظر ما هذا؟ قال منّ رسول الله ﷺ على السبي، قال اذهب فأرسل الجاريتين. قال نافع ولم يعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف على

стр. 1405

عبد الله، وقد رواه مسلم من حديث أيوب السختبانى عن نافع عن ابن عمر به. ورواه مسلم أيضا عن أحمد بن عبدة الضبيّ عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة فقال: لم يعتمر منها وهذا غريب جدا عن ابن عمرو عن مولاه نافع في إنكارهما عمرة الجعرانة وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وذكر ذلك أصحاب المغازي والسنن كلهم. وهذا أيضا كما ثبت في الصحيحين من حديث عطاء بن أبى رباح عن عروة عن عائشة أنها أنكرت على ابن عمر قوله إن رسول الله ﷺ اعتمر في رجب وقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله ﷺ الا وهو شاهد، وما اعتمر في رجب قط. وقال الامام أحمد ثنا ابن نمير ثنا الأعمش عن مجاهد قال سأل عروة بن الزبير ابن عمر في أي شهر اعتمر رسول الله ﷺ ؟ قال في رجب، فسمعتنا عائشة فسألها ابن الزبير وأخبرها بقول ابن عمر فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وقد شهدها وما اعتمر عمرة قط الا في ذي القعدة، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث جرير عن منصور عن مجاهد به نحوه. ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث زهير عن أبى إسحاق عن مجاهد سئل ابن عمر كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ فقال مرتين، فقالت عائشة لقد علم ابن عمر أن رسول الله ﷺ اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع. قال الامام أحمد ثنا يحيى بن آدم ثنا مفضل عن منصور عن مجاهد قال: دخلت مع عروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر مستند إلى حجرة عائشة وأناس يصلون الضحى، فقال عروة: أبا عبد الرحمن ما هذه الصلاة؟ قال بدعة، فقال له عروة أبا عبد الرحمن كم اعتمر رسول الله؟ فقال أربعا إحداهن في رجب، قال وسمعنا استنان عائشة في الحجرة، فقال لها عروة إن أبا عبد الرحمن يزعم أن رسول الله اعتمر أربعا إحداهن في رجب؟ فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر النبي ﷺ الا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط. وهكذا رواه الترمذي عن احمد بن منيع عن الحسن بن موسى عن شيبان عن منصور وقال حسن صحيح غريب. وقال الامام احمد ثنا روح ثنا ابن جريح أخبرنى مزاحم بن أبى مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله عن مخرش الكعبي أن رسول الله ﷺ خرج من الجعرانة ليلا حين أمسى معتمرا فدخل مكة ليلا يقضى عمرته، ثم خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت حتى إذا زالت الشمس خرج من الجعرانة في بطن سرف، حتى جاء مع الطريق - طريق المدينة - بسرف قال مخرش: فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس. ورواه الامام احمد عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج كذلك وهو من افراده والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح الّذي لا يمكن منعه ولا دفعه ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من أثبتها والله أعلم. ثم وهم كالمجمعين على أنها كانت في ذي القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين، وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه

стр. 1406

الكبير قائلا: حدثا الحسن بن إسحاق التستري ثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا محمد بن الحسن الأسدي ثنا إبراهيم بن طهمان عن أبى الزبير عن عمير مولى عبد الله بن عباس عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال فإنه غريب جدا وفي إسناده نظر والله أعلم. وقال البخاري ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا إسماعيل ثنا ابن جريج أخبرنى عطاء أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول: ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه، قال فبينا رسول الله ﷺ بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل به معه فيه ناس من أصحابه إذ جاءه أعرابي عليه جبة متضمخ بطيب، قال فأشار عمر بن الخطاب الى يعلى بيده أن تعال فجاء يعلى فادخل رأسه فإذا النبي ﷺ محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سرى عنه فقال «أين الّذي يسألنى عن العمرة آنفا؟» فالتمس الرجل فأتى به، قال «أما الطيب الّذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» ورواه مسلم من حديث ابن جريج وأخرجاه من وجه آخر عن عطاء كلاهما عن صفوان بن يعلى بن أمية به. وقال الامام احمد ثنا أبو أسامة أنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: دخل رسول الله ﷺ عام الفتح من كداء من أعلى مكة ودخل في العمرة من كدي. وقال أبو داود ثنا موسى أبو سلمة ثنا حماد عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى تفرد به أبو داود ورواه أيضا وابن ماجة من حديث ابن خثيم عن أبى الطفيل عن ابن عباس مختصرا. وقال الامام احمد ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج حدثني الحسن بن مسلم عن طاوس أن ابن عباس أخبره أن معاوية أخبره قال قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص أو قال: رأيته يقصر عنه بمشقص عند المروة. وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن جريج به. ورواه مسلم أيضا من حديث سفيان بن عيينة عن هشام ابن حجير عن طاوس عن ابن عباس عن معاوية به. ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه به. وقال عبد الله بن الامام أحمد حدثني عمرو بن محمد الناقد ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن ابن عباس عن معاوية قال: قصرت عن رأس رسول الله ﷺ عند المروة. والمقصود أن هذا إنما يتوجه أن يكون في عمرة الجعرانة وذلك أن عمرة الحديبيّة لم يدخل إلى مكة فيها بل صد عنها كما تقدم بيانه، وأما عمرة القضاء فلم يكن أبو سفيان أسلم ولم يبق بمكة من أهلها أحد حين دخل رسول الله ﷺ بل خرجوا منها، وتغيبوا عنها مدة مقامه ﵇ بها تلك الثلاثة الأيام، وعمرته التي كانت مع حجته لم يتحلل منها بالاتفاق، فتعين أن هذا التقصير الّذي تعاطاه معاوية بن أبى سفيان ﵄ من رأس رسول الله ﷺ

стр. 1407

عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا والله تعالى أعلم. وقال محمد بن إسحاق ﵀: ثم خرج رسول الله ﷺ من الجعرانة معتمرا وأمر ببقاء الفيء فحبس بمجنّة بناحية مر الظهران. قلت: الظاهر أنه ﵇ انما استبقى بعض المغنم ليتألف به من يلقاه من الأعراب فيما بين مكة والمدينة. قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله ﷺ من عمرته انصرف راجعا الى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن. وذكر عروة وموسى بن عقبة أن رسول الله ﷺ خلف معاذا مع عتاب بمكة قبل خروجه الى هوازن ثم خلفهما بها حين رجع الى المدينة. وقال ابن هشام: وبلغني عن زيد بن أسلم أنه قال لما استعمل رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما فقام فخطب الناس فقال: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم فقد رزقني رسول الله ﷺ درهما كل يوم فليست لي حاجة الى أحد. قال ابن إسحاق: وكانت عمرة رسول الله ﷺ في ذي القعدة وقدم المدينة في بقية ذي القعدة أو في أول ذي الحجة. قال ابن هشام: قدمها لست بقين من ذي القعدة فيما قال أبو عمرو المديني. قال ابن إسحاق: وحج الناس ذلك العام على ما كانت العرب تحج عليه وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد وهي سنة ثمان. قال وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذي القعدة إلى رمضان من سنة تسع. إسلام كعب بن زهير بن أبى سلمى وأبوه هو صاحب إحدى المعلقات السبع الشاعر ابن الشاعر وذكر قصيدته التي سمعها رسول الله ﷺ وهي، بانت سعاد قال ابن إسحاق: ولما قدم رسول الله ﷺ من منصرفه عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبى سلمى الى أخيه لأبويه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله ﷺ قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش، ابن الزبعري وهبيرة بن أبى وهب هربوا في كل وجه فان كانت لك في نفسك حاجة فطر الى رسول الله ﷺ فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا وإن أنت لم تفعل فانج الى نجائك من الأرض. وكان كعب قد قال: ألا بلغا عنى بجيرا رسالة … فويحك (١) فيما قلت ويحك هل لكا فبين لنا إن كنت لست بفاعل … على أي شيء غير ذلك دلّكا على خلق لم ألف يوما أبا له … عليه وما تلقى عليه أبا لكا فان أنت لم تفعل فلست بآسف … ولا قائل إمّا عثرت لعا لكا

стр. 1408

سقاك بها المأمون كأسا روية … فأنهلك المأمون منها وعلكا قال ابن هشام: وأنشدنى بعض أهل العلم بالشعر: من مبلغ عنى بجيرا رسالة … فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا شربت مع المأمون كأسا روية … فأنهلك المأمون منها وعلكا وخالفت أسباب الهدى واتبعته … على أي شيء ويب غيرك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا … عليه ولم تدرك عليه أخا لكا فان أنت لم تفعل فلست بآسف … ولا قائل إما عثرت لعا لكا قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله ﷺ فأنشده إياها، فقال رسول الله ﷺ لما سمع سقاك بها المأمون «صدق وإنه لكذوب أنا المأمون» ولما سمع على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه قال «أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه» قال ثم كتب بجير إلى كعب يقول له: من مبلغ كعبا فهل لك في التي … تلوم عليها باطلا وهي أحزم إلى الله لا العزى ولا اللات وحده … فتنجو إذا كان النجاء وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت … من الناس إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شيء دينه … ودين أبى سلمى عليّ محرم قال فلما بلغ كعب الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه وقالوا هو مقتول، فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذكر لي فغدا به الى رسول الله ﷺ في صلاة الصبح فصلّى مع رسول الله ﷺ ثم أشار له إلى رسول الله ﷺ فقال هذا رسول الله فقم اليه فاستأمنه، فذكر لي أنه قام الى رسول الله ﷺ فجلس اليه ووضع يده في يده، وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن جئتك به؟ فقال رسول الله ﷺ «نعم» فقال إذا أنا يا رسول الله كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه؟ فقال رسول الله ﷺ «دعه عنك فإنه جاء تائبا نازعا» قال فغضب كعب بن زهير على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله ﷺ :

стр. 1409

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول … متيم عندها لم يفد مكبول وما سعاد غداة البين إذ رحلوا … إلا أغن غضيض الطرف مكحول هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة … لا يشتكي قصر منها ولا طول (١) تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت … كأنه منهل بالراح معلول شجت بذي شبم من ماء محنية … صاف بأبطح اضحى وهو مشمول تنفى الرياح القذى عنه وأفرطه … من صوب غادية بيض يعاليل فيا لها خلة لو أنها صدقت … بوعدها أولو ان النصح مقبول لكنها خلة قد سيط من دمها … فجع وولع وإخلاف وتبديل فما تدوم على حال تكون بها … كما تلوّن في أثوابها الغول وما تمسّك بالعهد الّذي زعمت … الا كما يمسك الماء الغرابيل فلا يغرنك ما منت وما وعدت … إن الأماني والأحلام تضليل كانت مواعيد عرقوب لها مثلا … وما مواعيدها الا الأباطيل أرجو وآمل أن تدنو مودتها … وما لهن أخال الدهر تعجيل أمست سعاد بأرض لا تبلغها … الا العتاق النجيبات المراسيل ولن يبلغها إلا عذافرة … فيها على الأين إرقال وتبغيل من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت … عرضتها طامس الأعلام مجهول ترمى الغيوب بعيني مفرد لهق … إذا توقدت الحزان والميل ضخم مقلدها فعم مقيدها … في خلقها عن بنات الفحل تفضيل حرف أخوها أبوها من مهجنة … وعمها خالها قوداء شمليل يمشى القراد عليها ثم يزلقه … منها لبان وأقراب زهاليل عيرانة قذفت بالنحض عن عرض … مرفقها عن بنات الزور مفتول قنواء في حربتيها للبصير بها … عتق مبين وفي الخدين تسهيل كأنما فات عينيها ومذبحها … من خطمها ومن اللحيين برطيل تمر مثل عسيب النخل ذا خصل … في غادر لم تخونه الأحاليل تهوى على يسرات وهي لاهية … ذوابل وقعهن الأرض تحليل يوما تظل به الحرباء مصطخدا … كأن ضاحيه بالشمس محلول

стр. 1410

وقال للقوم حاديهم وقد جعلت … مورق الجنادب يركضن الحصا قيلوا أوب بذي فاقد سمطا معوله … قامت فجاء بها نكر مثاكيل نواحة رخوة الضبعين ليس لها … لما نعى بكرها الناعون معقول تفري اللبان بكفيها ومدرعها … مشقق عن تراقيها رعابيل تسعى الغواة جنابيها وقولهم … إنك يا ابن أبى سلمى لمقتول وقال كل صديق كنت آمله … لا ألهينك إني عنك مشغول فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم … فكل ما قدّر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته … يوما على آلة حدباء محمول نبئت أن رسول الله أوعدني … والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الّذي أعطاك نافلة … القرآن فيه مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم … أذنب ولو كثرت فىّ الأقاويل لقد أقوم مقاما لو يقوم به … أرى وأسمع ما قد يسمع الفيل لظل يرعد من وجد موارده … من الرسول باذن الله تنويل حتى وضعت يميني ما أنازعها … في كف ذي نقمات قوله القيل فلهو أخوف عندي إذ أكلمه … وقيل إنك منسوب ومسئول من ضيغم بضراء الأرض مخدرة … في بطن عثّر غيل دونه غيل يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما … لحم من الناس معفور خراديل إذا يساور قرنا لا يحل له … أن يترك القرن إلا وهو مغلول منه تظل حمير الوحش نافرة … ولا تمشى بواديه الأراجيل ولا يزال بواديه أخو ثقة … مضرج البز والدرسان مأكول إن الرسول لنور يستضاء به … مهند من سيوف الله مسلول في عصبة من قريش قال قائلهم … ببطن مكة لما أسلموا زولوا زالوا فما زال أنكاس ولا كشف … عند اللقاء ولا ميل معازيل يمشون مشى الجمال الزهر يعصمهم … ضرب إذا عرّد السود التنابيل شم العرانين أبطال لبوسهم … من نسج داود في الهيجا سرابيل بيض سوابغ قد شكت لها حلق … كأنها حلق القفعاء مجدول ليسوا معاريج إن نالت رماحهم … قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا

стр. 1411

لا يقع الطعن الا في نحورهم … ولا لهم عن حياض الموت تهليل قال ابن هشام هكذا أورد محمد بن إسحاق هذه القصيدة ولم يذكر لها إسنادا، وقد رواها الحافظ البيهقي في دلائل النبوة باسناد متصل فقال انا أبو عبد الله الحافظ انا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن ابن أحمد الأسدي بهذان ثنا إبراهيم بن الحسين ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا الحجاج بن ذي الرقيبة ابن عبد الرحمن بن كعب بن زهير بن أبى سلمى عن أبيه عن جده قال: خرج كعب وبجيرا بنا زهير حتى أتيا أبرق العزاف فقال بجير لكعب أثبت في هذا المكان حتى آتى هذا الرجل - يعنى رسول الله ﷺ فأسمع ما يقول فثبت كعب وخرج بجير فجاء رسول الله ﷺ فعرض عليه الإسلام فأسلم فبلغ ذلك كعبا فقال: ألا أبلغا عنى بجيرا رسالة … على أي شيء ويب غيرك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا … عليه ولم تدرك عليه أخا لكا سقاك أبو بكر بكأس روية … وأنهلك المأمون منها وعلكا فلما بلغت الأبيات رسول الله ﷺ أهدر دمه وقال «من لقي كعبا فليقتله» فكتب بذلك بجيرا إلى أخيه وذكر له أن رسول الله ﷺ قد أهدر دمه ويقول له النجاء وما أراك تنفلت، ثم كتب اليه بعد ذلك اعلم أن رسول الله ﷺ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله الا قبل ذلك منه وأسقط ما كان قبل ذلك فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل، قال فأسلم كعب وقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله ﷺ ثم دخل المسجد ورسول الله مع أصحابه كالمائدة بين القوم متحلقون معه حلقة خلف حلقة يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم قال كعب: فأنخت راحلتي بباب المسجد فعرفت رسول الله ﷺ بالصفة حتى جلست اليه فأسلمت وقلت أشهد أن لا إله الا الله وأنك محمد رسول الله الأمان يا رسول الله، قال «ومن أنت؟» قال كعب بن زهير، قال «الّذي يقول» ثم التفت رسول الله ﷺ فقال «كيف قال يا أبا بكر؟» فأنشده أبو بكر: سقاك بها المأمون كأسا روية … وأنهلك المأمون منها وعلّكا قال يا رسول الله ما قلت هكذا، قال «فكيف قلت؟» قال قلت: سقاك بها المأمون كأسا روية … وأنهلك المأمون منها وعلكا فقال رسول الله ﷺ مأمون والله ثم أنشده القصيدة كلها حتى أتى على آخرها وهي هذه القصيدة بانت سعاد فقلبي اليوم مقبول … متيم عندها لم يفد مكبول وقد تقدم ما ذكرناه من الرمز لما اختلف فيه إنشاد ابن إسحاق والبيهقي رحمهما الله

стр. 1412

وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب أن كعبا لما انتهى إلى قوله: إن الرسول لنور يستضاء به … مهند من سيوف الله مسلول نبئت أن رسول الله أوعدني … والعفو عند رسول الله مأمول قال: فأشار رسول الله ﷺ إلى من معه أن اسمعوا. وقد ذكر ذلك قبله موسى بن عقبة في مغازيه ولله الحمد والمنة. قلت: ورد في بعض الروايات أن رسول الله ﷺ أعطاه بردته حين أنشده القصيدة وقد نظم ذلك الصرصرى في بعض مدائحه وهكذا ذكر ذلك الحافظ أبو الحسن بن الأثير في الغابة قال وهي البردة التي عند الخلفاء. قلت: وهذا من الأمور المشهورة جدا ولكن لم أر ذلك في شيء من هذه الكتب المشهورة باسناد أرتضيه فالله أعلم. وقد روى أن رسول الله ﷺ قال له لما قال بانت سعاد ومن سعاد؟ قال زوجتي يا رسول الله، قال لم تبن ولكن لم يصح ذلك وكأنه على ذلك توهم أن بإسلامه تبين امرأته والظاهر أنه إنما أراد البينونة الحسية لا الحكمية والله تعالى اعلم. قال ابن إسحاق: وقال عاصم بن عمر بن قتادة فلما قال كعب - يعنى في قصيدته - إذا عرد السود التنابيل وإنما يريدنا معشر الأنصار لما كان صاحبنا صنع به وخص المهاجرين من قريش بمدحته غضبت عليه الأنصار فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار ويذكر بلاءهم من رسول الله ﷺ وموضعهم من اليمن: من سره كرم الحياة فلا يزل … في مقنب من صالحي الأنصار ورثوا المكارم كابرا عن كابر … إن الخيار هموا بنوا الأخيار المكرهين السمهري باذرع … كسوالف الهندي غير قصار والناظرين بأعين محمرة … كالجمر غير كليلة الأبصار والبائعين نفوسهم لنبيهم … للموت يوم تعانق وكرار [والقائدين الناس عن أديانهم … بالمشرفي وبالقنا الخطار] يتطهرون يرونه نسكا لهم … بدماء من علقوا من الكفار دربوا كما دربت بطون خفية … غلب الرقاب من الأسود ضوارى وإذا حللت ينعوك اليهم … أصبحت عند معاقل الاغفار ضربوا عليّا يوم بدر ضربة … دانت لوقعتها جميع نزار لو يعلم الأقوام علمي كله … فيهم لصدقنى الذين أمارى قوم إذا خوت النجوم فإنهم … للطارقين النازلين مقارى

стр. 1413

[في السفر من غسان من جرثومة … أعيت محافرها على المنقار] (١) قال ابن هشام: ويقال إن رسول الله ﷺ قال له حين أنشده بانت سعاد «لولا ذكرت الأنصار بخير فإنهم لذلك أهل» فقال كعب هذه الأبيات وهي في قصيدة له قال وبلغني عن على بن زيد بن جدعان أن كعب بن زهير أنشد رسول الله ﷺ في المسجد بانت سعاد فقلبي اليوم متبول. وقد رواه الحافظ البيهقي باسناده المتقدم إلى إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثني معن بن عيسى حدثني محمد بن عبد الرحمن الأفطس عن ابن جدعان فذكره وهو مرسل. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر ﵀ في كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب بعد ما أورد طرفا من ترجمة كعب بن زهير إلى أن قال: وقد كان كعب بن زهير شاعرا مجودا كثير الشعر مقدما في طبقته هو وأخوه بجير وكعب أشعرهما وأبو هما زهير فوقهما ومما يستجاد من شعر كعب بن زهير قوله: لو كنت أعجب من شيء لأعجبني … سعى الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لأمور ليس يدركها … فالنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل … لا تنتهي العين حتى ينتهى الأثر ثم أورد له ابن عبد البر أشعارا كثيرة يطول ذكرها ولم يؤرخ وفاته، وكذا لم يؤرخها أبو الحسن بن الأثير في كتاب الغابة في معرفة الصحابة ولكن حكى أن أباه توفى قبل المبعث بسنة فالله أعلم. وقال السهيليّ ومما أجاد فيه كعب بن زهير قوله يمدح رسول الله ﷺ : تجرى به الناقة الأدماء معتجرا … بالبرد كالبدر جلىّ ليله الظلم ففي عطافيه أو أثناء بردته … ما يعلم الله من دين ومن كرم فصل فيما كان من الحوادث المشهورة في سنة ثمان والوفيات فكان في جمادى منها وقعة مؤتة، وفي رمضان غزوة فتح مكة، وبعدها في شوال غزوة هوازن بحنين، وبعده كان حصار الطائف، ثم كانت عمرة الجعرانة في ذي القعدة، ثم عاد إلى المدينة في بقية السنة. قال الواقدي: رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة لليالى بقين من ذي الحجة في سفرته هذه. قال الواقدي: وفي هذه السنة بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندي من الأزد، وأخذت الجزية من مجوس بلدهما ومن حولها من الأعراب، قال وفيها تزوج رسول الله ﷺ فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذي القعدة فاستعاذت منه ﵇ ففارقها، وقيل بل خيرها فاختارت الدنيا ففارقها. قال وفي ذي الحجة منها ولد إبراهيم ابن رسول الله ﷺ من مارية القبطية فاشتدت غيرة أمهات المؤمنين منها حين رزقت ولدا ذكرا وكانت قابلتها فيه سلمى

стр. 1414

مولاة رسول الله ﷺ . فخرجت الى أبى رافع فأخبرته فذهب فبشر به رسول الله ﷺ فأعطاه مملوكا ودفعه رسول الله ﷺ الى أم برة بنت المنذر بن أسيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول، وكانت فيها وفاة من ذكرنا من الشهداء في هذه الوقائع وقد قدمنا هدم خالد بن الوليد البيت الّذي كانت العزى تعبد فيه بنخلة بين مكة والطائف وذلك لخمس بقين من رمضان منها. قال الواقدي: وفيها كان هدم سواع الّذي كانت تعبده هذيل برهاط، هدمه عمرو بن العاص ﵁ ولم يجد في خزانته شيئا، وفيها هدم مناة بالمشلل وكانت الأنصار أوسها وخزرجها يعظمونه هدمه سعد بن زيد الأشهلي ﵁ وقد ذكرنا من هذا فصلا مفيدا مبسوطا في تفسير سورة النجم عند قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى * وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾. قلت: وقد ذكر البخاري بعد فتح مكة قصة تخريب خثعم البيت الّذي كانت تعبده ويسمونه الكعبة اليمانية مضاهية للكعبة التي بمكة ويسمون التي بمكة الكعبة الشامية ولتلك - الكعبة اليمانية فقال البخاري: ثنا يوسف بن موسى ثنا أبو أسامة عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس عن جرير قال قال لي رسول الله ﷺ «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» فقلت بلى فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس وكانوا أصحاب خيل وكنت لا أثبت على الخيل فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ فضرب يده في صدري حتى رأيت أثر يده في صدري وقال «اللهمّ ثبته واجعله هاديا مهديا» قال فما وقعت عن فرس بعد. قال وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة اليمانية. قال فأتاها فحرقها في النار وكسرنها، قال فلما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام فقيل له إن رسول رسول الله ﷺ هاهنا فان قدر عليك ضرب عنقك، قال فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال لتكسرنها وتشهد أن لا إله الا الله أو لأضربن عنقك؟ فكسرها وشهد. ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أرطاة الى النبي ﷺ يبشره بذلك، قال فلما أتى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله والّذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال فبارك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات. ورواه مسلم من طرق متعددة عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن جرير بن عبد الله البجلي بنحوه. تم والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات الجزء الرابع من تاريخ البداية والنهاية لابن كثير ويتلوه الجزء الخامس وأوله ذكر غزوة تبوك في رجب منها

стр. 1415

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سنة تسع من الهجرة ذكر غزوة تبوك في رجب منها قال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، * قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ روى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم: أنه لما أمر الله تعالى أن يمنع المشركون من قربان المسجد الحرام في الحج وغيره. قالت قريش: لينقطعن عنا المتاجر والأسواق أيام الحج وليذهبن ما كنا نصيب منها، فعوضهم الله عن ذلك بالأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. قلت: فعزم رسول الله ﷺ على قتال الروم لأنهم أقرب الناس اليه وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام وأهله. وقد قال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ فلما عزم رسول الله ﷺ على غزو الروم عام تبوك وكان ذلك في حر شديد وضيق من الحال جلى للناس أمرها ودعي من حوله من أحياء الاعراب للخروج معه فاوعب معه بشر كثير كما سيأتي قريبا من ثلاثين الفا وتخلف آخرون فعاتب

стр. 1416

الله من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين، ولامهم ووبخهم وقرعهم أشد التقريع وفضحهم أشد الفضيحة وأنزل فيهم قرآنا يتلى وبين أمرهم في سورة براءة كما قد بينا ذلك مبسوطا في التفسير وأمر المؤمنين بالنفر على كل حال. فقال تعالى ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، * لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اِسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ ثم الآيات بعدها. ثم قال تعالى ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ فقيل إن هذه ناسخة لتلك وقيل لا فالله أعلم. قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب - يعنى من سنة تسع - ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم. فذكر الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبى بكر وعاصم ابن عمر بن قتادة وغيرهم من علمائنا كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد وحين طابت الثمار فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص في الحال من الزمان الّذي هم عليه، وكان رسول الله ﷺ قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد المشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الّذي يصمد اليه ليتأهب الناس لذلك أهبته. فأمرهم بالجهاد وأخبرهم أنه يريد الروم. فقال رسول الله ﷺ ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بنى سلمة «يا جد هل لك العام في جلاد بنى الأصفر؟» فقال يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني فو الله لقد عرف قومي أنه ما رجل باشد عجبا بالنساء منى وإني أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر أن لا أصبر، فاعرض عنه رسول الله ﷺ وقال «قد أذنت لك» ففي الجد أنزل الله هذه الآية ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد وشكافى الحق وإرجافا بالرسول ﷺ فانزل الله فيهم ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ، * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال ابن هشام: حدثني الثقة عمن حدثه عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله ابن حارثة عن أبيه عن جده قال: بلغ رسول الله ﷺ أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي - وكان بيته عند جاسوم - يثبطون الناس عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فبعث اليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة فاقتحم الضحاك

стр. 1417

ابن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فافلتوا فقال الضحاك في ذلك: كادت وبيت الله نار محمد … يشيط بها الضحاك وابن أبيرق وظلت وقد طبقت كبس (١) سويلم … أنوء على رجلي كسيرا ومرفق سلام عليكم لا أعود لمثلها … أخاف ومن تشمل به النار يحرق قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش (٢) وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا وأنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. قال ابن هشام: فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار فقال رسول الله ﷺ «اللهمّ أرض عن عثمان فانى عنه راض». وقد قال الامام احمد حدثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة ثنا عبد الله بن شوذب عن عبد الله بن القاسم عن كثة مولى عبد الرحمن بن سمرة قال جاء: عثمان بن عفان إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي ﷺ جيش العسرة قال فصبها في حجر النبي ﷺ فجعل النبي ﷺ يقلبها بيده ويقول «ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم» ورواه الترمذي عن محمد بن إسماعيل عن الحسن بن واقع عن ضمرة به وقال حسن غريب. وقاله عبد الله بن احمد في مسند أبيه حدثني أبو موسى العنزي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني سكن بن المغيرة حدثني الوليد بن أبى هشام عن فرقد أبى طلحة عن عبد الرحمن بن حباب السلمي. قال: خطب النبي ﷺ فحث على جيش العسرة، فقال عثمان ابن عفان عليّ مائة بعير باحلاسها وأقتابها، قال ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان: عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها قال فرأيت رسول الله ﷺ يقول بيده هكذا يحركها، وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب «ما على عثمان ما عمل بعد هذا» وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبى داود الطيالسي عن سكن بن المغيرة أبى محمد مولى لآل عثمان به وقال غريب من هذا الوجه. ورواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة به وقال ثلاث مرات وأنه النزم بثلاثمائة بعير باحلاسها وأقتابها. قال عبد الرحمن: فانا شهدت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر «ما ضر عثمان بعدها - أو قال - بعد اليوم» وقال أبو داود الطيالسي حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن جاوان عن الأحنف بن قيس قال سمعت عثمان بن عفان يقول لسعد بن أبى وقاص وعلى والزبير وطلحة: أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال «من جهز جيش العسرة غفر الله له» فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا؟ قالوا اللهمّ نعم! ورواه النسائي من حديث حصين به.

стр. 1418

فصل فيمن تختلف معذورا من البكاءين وغيرهم قال الله تعالى ﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ، * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ، * لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، * وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، * لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ، * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾. قد تكلمنا على تفسير هذا كله في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة، والمقصود ذكر البكاءين الذين جاءوا إلى رسول الله ﷺ ليحملهم حتى يصحبوه في غزوته هذه فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه فرجعوا وهم يبكون تأسفا على ما فاتهم من الجهاد في سبيل الله والنفقة فيه. قال ابن إسحاق: وكانوا سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، فمن بنى عمرو بن عوف سالم بن عمير، وعلبة بن زيد أخو بنى حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بنى مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بنى سلمة، وعبد الله ابن المغفل المزني، وبعض الناس يقولون بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وهرمي بن عبد الله أخو بنى واقف، وعرباض بن سارية الفزاري. قال ابن إسحاق: فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان فقال ما يبكيكما؟ قالا جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر فخرجا مع النبي ﷺ . زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله ثم بكى وقال: اللهمّ إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابنى فيها في مال أو جسد أو عرض ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله ﷺ «أين المتصدق هذه الليلة» فلم يقم أحد ثم قال «أين المتصدق فليقم» فقام اليه فأخبره فقال رسول الله ﷺ «أبشر فو الّذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة» وقد أورد الحافظ

стр. 1419

البيهقي ها هنا حديث أبى موسى الأشعري فقال حدثنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا احمد بن عبد الحميد المازني حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبى بردة عن أبى موسى قال: أرسلنى أصحابى إلى رسول الله ﷺ أسأله لهم الحملان إذ هم معه في جيش العسرة غزوة تبوك فقلت يا نبي الله إن أصحابى أرسلونى إليك لتحملهم، فقال «والله لا أحملكم على شيء» ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينا من منع رسول الله ﷺ ومن مخافة أن يكون رسول الله قد وجد في نفسه على فرجعت إلى أصحابى فأخبرتهم بالذي قال رسول الله ﷺ فلم البث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادى أين عبد الله بن قيس؟ فأجبته فقال أجب رسول الله ﷺ يدعوك فلما أتيت رسول الله ﷺ قال «خذ هذين القربتين وهذين القربتين وهذين القربتين» لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد فقال «انطلق بهن إلى أصحابك فقل إن الله أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء» فقلت إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معى بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله حين سألته لكم ومنعه لي في أول مرة ثم إعطائه إياي بعد ذلك لا تظنوا أنى حدثتكم شيئا لم يقله، فقالوا لي والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت، قال فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله ﷺ من منعه إياهم ثم إعطائه بعد فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء. وأخرجه البخاري ومسلم جميعا عن أبى كريب عن أبى أسامة وفي رواية لهما عن أبى موسى قال: أتيت رسول الله ﷺ في رهط من الأشعريين ليحملنا «فقال والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه» قال ثم جيء رسول الله ﷺ بنهب أبل فامر لنا بست ذود غر الذرى فأخذناها ثم قلنا يعقلنا رسول الله ﷺ يمينه والله لا يبارك لنا، فرجعنا له فقال «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم» ثم قال «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الّذي هو خير وتحللتها». قال ابن إسحاق: وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم الغيبة حتى تخلفوا عن رسول الله ﷺ من غير شك ولا ارتياب منهم كعب بن مالك بن أبى كعب أخو بنى سلمة، ومرارة بن ربيع أخو بنى عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بنى واقف، وأبو خيثمة أخو بنى سالم بن عوف، وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم. قلت: أما الثلاثة الأول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبا إن شاء الله تعالى وهم الذين أنزل الله فيهم ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ﴾ وأما أبو خيثمة فإنه عاد وعزم على اللحوق برسول الله ﷺ كما سيأتي.

стр. 1420

فصل قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم استتب برسول الله ﷺ سفره وأجمع السير فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع ومعه زيادة على ثلاثين الفا من الناس، وضرب عبد الله بن أبىّ عدو الله عسكره أسفل منه - وما كان فيما يزعمون باقل العسكرين - فلما سار رسول الله ﷺ تخلف عنه عبد الله بن أبى في طائفة من المنافقين وأهل الريب. قال ابن هشام: واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري قال وذكر الدراوَرْديّ أنه استخلف عليها عام تبوك سباع بن عرفطة. قال ابن إسحاق: وخلف رسول الله ﷺ على بن أبى طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم فارجف به المنافقون وقالوا ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه فلما قالوا ذلك أخذ على سلاحه ثم خرج حتى لحق برسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف فأخبره بما قالوا فقال «كذبوا ولكنى خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» فرجع على ومضى رسول الله ﷺ في سفره. ثم قال ابن إسحاق: حدثني محمد ابن طلحة بن يزيد بن ركانة عن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه سعد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لعلى هذه المقالة. وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم عن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه به. وقد قال أبو داود الطيالسي في مسندة حدثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: خلف رسول الله ﷺ على بن أبى طالب في غزوة تبوك فقال يا رسول الله أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال «أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي». وأخرجاه من طرق عن شعبة نحوه. وعلقه البخاري أيضا من طريق أبى داود عن شعبة. وقال الامام احمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد عن أبيه سمعت رسول الله ﷺ يقول له - وخلفه في بعض مغازيه - فقال على يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال «يا على أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» ورواه مسلم والترمذي عن قتيبة: زاد مسلم ومحمد بن عباد. كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به. وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه. قال ابن إسحاق: ثم إن أبا خيثمة رجع بعد ما سار رسول الله ﷺ أياما إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت فيه ماء وهيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله ﷺ في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ما هذا بالنصف

стр. 1421

والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى الحق برسول الله ﷺ فهيئا زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك، وكان أدرك أبا خيثمة عمير ابن وهب الجمحيّ في الطريق يطلب رسول الله ﷺ فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله ﷺ ففعل حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل فقال رسول الله ﷺ «كن أبا خيثمة» فقالوا يا رسول الله هو والله أبو خيثمة فلما بلغ أقبل فسلم على رسول الله ﷺ فقال له «أولى لك يا أبا خيثمة» ثم أخبر رسول الله الخبر فقال خيرا ودعا له بخير. وقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبى خيثمة بنحو من سياق محمد بن إسحاق وأبسط وذكر أن خروجه ﵇ إلى تبوك كان في زمن الخريف فالله أعلم. قال ابن هشام وقال أبو خيثمة واسمه مالك بن قيس في ذلك: لما رأيت الناس في الدين نافقوا … أتيت التي كانت أعف وأكرما وبايعت باليمنى يدي لمحمد … فلم أكتسب إنما ولم أغش محرما تركت خضيبا في العريش وصرمة … صفايا كراما بسرها قد تحمما وكنت إذا شك المنافق أسمحت … الى الدين نفسي شطره حيث يمما قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن بريدة عن سفيان عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال: لما سار رسول الله ﷺ إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف فيقولون يا رسول الله ﷺ تخلف فلان فيقول «دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه» حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره فقال «دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه» فتلوم أبو ذر بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ثم خرج يتبع رسول الله ﷺ ماشيا، ونزل رسول الله في بعض منازله ونظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله إن هذا الرجل ماش على الطريق فقال رسول الله ﷺ «كن أبا ذر» فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال رسول الله ﷺ «يرحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده» قال فضرب (١) ضربه وسير أبو ذر الى الرَّبَذَة فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال إذا مت فاغسلانى وكفناني من الليل ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر، فلما مات فعلوا به كذلك فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال ما هذا؟ فقيل جنازة أبى

стр. 1422

ذر فاستهل ابن مسعود يبكى وقال: صدق رسول الله يرحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده، فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه. إسناده حسن ولم يخرجوه قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل في قوله (الذين اتبعوه في ساعة العسرة). قال خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير واحد وخرجوا في حر شديد فأصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها فكان ذلك عسرة في الماء وعسرة في النفقة وعسرة في الظهر، قال عبد الله بن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبى هلال عن عتبة بن أبى عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر: خرجنا الى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا فقال «أو تحب ذلك؟» قال نعم! قال فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت (١) السماء فاطلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر، اسناده جيد ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه أن هذه القصة كانت وهم بالحجر وأنهم قالوا لرجل معهم منافق ويحك هل بعد هذا من شيء؟! فقال سحابة مارة، وذكر أن ناقة رسول الله ﷺ ضلت فذهبوا في طلبها فقال رسول الله ﷺ لعمارة بن حزم الأنصاري - وكان عنده - «إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته، وإني والله لا أعلم الا ما علمني الله وقد دلني الله عليها هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها» فانطلقوا فجاءوا بها فرجع عمارة الى رحله فحدثهم عما جاء رسول الله ﷺ من خبر الرجل فقال رجل ممن كان في رحل عمارة انما قال ذلك زيد بن اللصيت (٢) وكان في رحل عمارة قبل أن يأتى فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول إن في رحلي لداهية وأنا لا أدرى، أخرج عنى يا عدو الله فلا تصحبنى. فقال بعض الناس إن زيدا تاب، وقال بعضهم لم يزل متهما بشر (٣) حتى هلك. قال الحافظ البيهقي: وقد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة ثم روى من حديث الأعمش وقد رواه الامام احمد عن أبى معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة أو عن أبى

стр. 1423

سعيد الخدريّ - شك الأعمش - قال لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا يا رسول الله لو أذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا وادّهنا؟ فقال رسول الله ﷺ «افعلوا» فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قل الظهر ولكن ادعهم بفضل ازوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله أن يجعل فيها البركة، فقال رسول الله «نعم!» فدعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة ويجيء الآخر بكف من التمر ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير فدعا رسول الله ﷺ بالبركة ثم قال لهم «خذوا في أوعيتكم» فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء الا ملئوها وأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول الله ﷺ «أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة» ورواه مسلم عن أبى كريب عن أبى معاوية عن الأعمش به. ورواه الامام احمد من حديث سهيل عن أبيه عن أبى هريرة به ولم يذكر غزوة تبوك بل قال كان في غزوة غزاها. ذكر مروره ﵇ في ذهابه الى تبوك بمساكن ثمود وصرحتهم بالحجر قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها فلما راحوا قال رسول الله ﷺ «لا تشربوا من مياهها شيئا ولا تتوضئوا منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا» هكذا ذكره ابن إسحاق بغير اسناد. وقال الامام احمد حدثنا يعمر بن بشر حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر عن الزهري أخبرنى سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله ﷺ لما مر بالحجر قال «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم» وتقنع بردائه وهو على الرحل. ورواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق كلاهما عن معمر باسناده نحوه. وقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا ان تكونوا باكين فان لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما اصلبهم». ورواه البخاري من حديث مالك ومن حديث سليمان بن بلال كلاهما عن عبد الله بن دينار. ورواه مسلم من وجه آخر عن عبد الله بن دينار نحوه. وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد حدثنا صخر - هو ابن جويرية - عن نافع عن ابن عمر قال: نزل رسول الله ﷺ بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا ونصبوا القدور باللحم فأمرهم رسول الله ﷺ فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا [فقال] «إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا

стр. 1424

تدخلوا عليهم» وهذا الحديث اسناده على شرط الصحيحين من هذا الوجه ولم يخرجوه وإنما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن عياض عن أبى ضمرة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به. قال البخاري وتابعه أسامة عن عبيد الله. ورواه مسلم من حديث شعيب بن إسحاق عن عبيد الله عن نافع به. وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبى الزبير عن جابر قال: لما مر النبي ﷺ بالحجر قال «لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج (١) وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها (٢) وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فاخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله» قيل من هو يا رسول الله؟ قال «هو أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه» اسناده صحيح ولم يخرجوه. وقال الإمام احمد حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا المسعودي عن إسماعيل بن واسط عن محمد بن أبى كبشة الأنماري عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنودي في الناس الصلاة جامعة قال فأتيت رسول الله ﷺ وهو ممسك بعيره وهو يقول «ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم» فناداه رجل نعجب منهم؟ قال «أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فان الله لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا» اسناده حسن ولم يخرجوه وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني عبد الله ابن أبى بكر بن حزم عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي - أو عن العباس بن سعد الشك منى - أن رسول الله ﷺ حين مر بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها فلما راحوا منها قال رسول الله ﷺ للناس «لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له» ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله ﷺ إلا رجلين من بنى ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له فاما الّذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الّذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى ألقته بجبل طيِّئ، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: «ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له» ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفى، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله ﷺ من تبوك وفي رواية زياد عن ابن إسحاق أن طيِّئا أهدته إلى رسول الله ﷺ حين رجع إلى المدينة. قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبد الله بن أبى بكر أن العباس بن سهل سمى له الرجلين لكنه استكتمه إياهما فلم يحدثني بهما. وقد قال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا وهيب بن خالد ثنا عمرو

стр. 1425

ابن يحيى عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبى حميد الساعدي قال خرجنا مع رسول الله ﷺ عام تبوك حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أخرصوا» فخرص القوم وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق، وقال رسول الله ﷺ للمرأة «احصى ما يخرج منها حتى أرجع إليك إن شاء الله» قال فخرج حتى قدم تبوك، فقال رسول الله ﷺ «إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن فيها رجل، فمن كان له بعير فليوثق عقاله» قال أبو حميد: فعقلناها فلما كان من الليل هبت علينا ريح شديدة فقام فيها رجل فألقته في جبل طيِّئ، ثم جاء رسول الله ملك أيلة فاهدى لرسول الله بغلة بيضاء، وكساه رسول الله بردا وكتب له يجيرهم (١) ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جئنا وادي القرى قال للمرأة «كم جاءت حديقتك؟» قالت عشرة أوسق خرص رسول الله، فقال رسول الله «إني متعجل فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل» قال فخرج رسول الله وخرجنا معه حتى إذا أوفى على المدينة قال: «هذه طابه». فلما رأى أحدا قال «هذا أحد (٢) يحبنا وتحبه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟» قلنا بلى يا رسول الله قال «خير دور الأنصار بنو النجار، ثم دار بنى عبد الأشهل، ثم دار بنى ساعدة، ثم في كل دور الأنصار خير». وأخرجه البخاري ومسلم من غير وجه عن عمرو بن يحيى به نحوه. وقال الامام مالك ﵀ عن أبى الزبير عن أبى الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، قال فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، ثم قال «إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتونها حتى يضحى ضحى النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتى» قال فجئناها وقد سبق اليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، فسألهما رسول الله ﷺ «هل مسستما من مائها شيئا»، قالا نعم فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال رسول الله ﷺ «يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد مليء جنانا» أخرجه مسلم من حديث مالك به. ذكر خطبته ﵇ الى تبوك إلى نخلة هناك روى الامام احمد عن أبى النضر هاشم بن القاسم ويونس بن محمد المؤدب (٣) وحجاج بن محمد

стр. 1426

ثلاثتهم عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن أبى الخطاب عن أبى سعيد الخدريّ أنه قال: إن رسول الله ﷺ عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال «ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس، إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوى إلى شيء منه» ورواه النسائي عن قتيبة عن الليث به وقال أبو الخطاب لا أعرفه. وروى البيهقي من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن عبد العزيز بن عمران حدثنا مصعب بن عبد الله عن منظور بن جميل بن سنان (١) أخبرنى أبى سمعت عقبة بن عامر الجهنيّ خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فاسترقد رسول الله ﷺ فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح، قال «ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر» فقال يا رسول الله ذهب بى من النوم مثل الّذي ذهب بك، قال فانتقل رسول الله ﷺ من منزله غير بعيد ثم صلى وسار بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال «أيها الناس أما بعد، فان أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها (٢) وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتى الجمعة إلا دبرا، ومن الناس من لا يذكر الله إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله ، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من حثاء جهنم. والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبائل الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع والأمر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألى على الله يكذبه، ومن يستغفره يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه. ومن يكظم يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغى السمعة يسمّع الله به،

стр. 1427

ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهمّ اغفر لي ولأمتى، اللهمّ اغفر لي ولأمتى، اللهمّ اغفر لي ولأمتى» قالها ثلاثا ثم قال: «أستغفر الله لي ولكم». وهذا حديث غريب وفيه نكارة وفي اسناده ضعف والله أعلم بالصواب. وقال أبو داود ثنا احمد بن سعيد الهمدانيّ وسليمان ابن داود. قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرنى معاوية عن سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج فإذا رجل مقعد، فسألته عن أمره فقال سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أنى حي، إن رسول الله ﷺ نزل بتبوك إلى نخلة فقال: هذه قبلتنا ثم صلى اليها، قال فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال قطع صلاتنا قطع الله أثره (١). [قال فما قمت عليها إلى يومى هذا. ثم رواه أبو داود من حديث سعيد عن عبد العزيز التنوخي عن مولى ليزيد بن نمران عن يزيد بن نمران. قال: رأيت بتبوك مقعدا فقال: مررت بين يدي رسول الله ﷺ وأنا على حمار وهو يصلى فقال: «اللهمّ اقطع أثره فما مشيت عليها بعد». وفي رواية «قطع صلاتنا قطع الله أثره»]. ذكر الصلاة على معاوية بن أبى معاوية (٢) إن صح الخبر في ذلك روى البيهقي من حديث يزيد بن هارون أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي قال سمعت أنس بن مالك قال كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك، فطلعت الشمس بضياء ولها شعاع ونور لم أرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريل رسول الله فقال «يا جبريل ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بيضاء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى» قال ذلك أن معاوية بن أبى معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم فبعث الله اليه سبعين ألف ملك يصلون عليه قال «ومم ذاك؟» قال بكثرة قراءته ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ بالليل والنهار، وفي ممشاه وفي قيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟ قال «نعم!» قال فصلى عليه ثم رجع. وهذا الحديث فيه غرابة شديدة ونكارة، والناس يسندون أمرها إلى العلاء ابن زيد هذا وقد تكلموا فيه. ثم قال البيهقي أخبرنا على بن احمد بن عبدان أخبرنا احمد بن عبيد الصفار حدثنا هاشم بن على أخبرنا عثمان بن الهيثم حدثنا محبوب بن هلال عن عطاء بن أبى ميمونة عن أنس قال جاء جبريل فقال: يا محمد مات معاوية بن أبى معاوية المزني أفتحب أن تصلى عليه؟ قال «نعم!» فضرب بجناحه فلم يبق من شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت له، قال فصلى وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك، قال قلت «يا جبريل بما نال هذه المنزلة من الله؟» قال بحبه ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يقرؤها قائما وقاعدا، وذاهبا وجائيا، وعلى كل حال قال عثمان:

стр. 1428

فسألت أبى أين كان النبي ﷺ ؟ قال بغزوة تبوك بالشام، ومات معاوية بالمدينة، ورفع له سريره حتى نظر اليه وصلى عليه: وهذا أيضا منكر من هذا الوجه. قدوم رسول قيصر إلى رسول الله ﷺ بتبوك قال الامام احمد حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن أبى راشد قال لقيت (١) التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص (٢) وكان جارا لي شيخا كبيرا قد بلغ العقد أو قرب، فقلت ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله ﷺ ورسالة رسول الله ﷺ إلى هرقل؟ قال بلى: قدم رسول الله تبوك فبعث دحية الكلبي إلى هرقل فلما أن جاءه كتاب رسول الله ﷺ دعا قسيسى الروم وبطارقتها ثم أغلق عليه وعليهم الدار فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم؟ وقد أرسل إلى يدعوني إلى ثلاث خصال، يدعوني أن أتبعه على دينه، أو على أن نعطيه ما لنا على أرضنا والأرض أرضنا، أو نلقى اليه الحرب. والله لقد عرفتم فيما تقرءون من الكتب لتأخذن (٣) فهلم فلنتبعه على دينه أو نعطيه ما لنا على أرضنا، فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم وقالوا تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيدا لأعرابي جاء من الحجاز. فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقأهم (٤) ولم يكد وقال: إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم على أمركم ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال ادع لي رجلا حافظا للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه، فجاء بى فدفع الى هرقل كتابا فقال اذهب بكتابي الى هذا الرجل، فما سمعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال، انظر هل يذكر صحيفته الىّ التي كتب بشيء، وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل، وانظر في ظهره هل به شيء يريبك. قال فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا على الماء، فقلت أين صاحبكم؟ قيل ها هو ذا، فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال «ممن أنت» فقلت أنا أخو تنوخ قال «هل لك الى الإسلام الحنيفية ملة أبيكم إبراهيم؟» قلت إني رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى ارجع اليهم، فضحك وقال «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ،﴾ يا أخا تنوخ إني كتبت بكتاب الى كسرى والله ممزقه وممزق ملكه وكتبت الى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرقه ومخرق (٥) ملكه

стр. 1429

وكتبت الى صاحبك بصحيفة فأمسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير» قلت هذه احدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي، فأخذت سهما من جعبتى فكتبته في جنب سيفي ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره قلت من صاحب كتابكم الّذي يقرأ لكم؟ قالوا معاوية فإذا في كتاب صاحبي تدعوني الى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ «سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار» قال فأخذت سهما من جعبتى فكتبته في جلد سيفي، فلما أن فرغ من قراءة كتابي قال «إن لك حقا وانك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرملون» قال فناداه رجل من طائفة الناس قال أنا أجوزه، ففتح رحله فإذا هو يأتى بحلة صفورية فوضعها في حجري، قلت من صاحب الجائزة؟ قيل لي عثمان، ثم قال رسول الله «أيكم ينزل هذا الرجل؟» فقال فتى من الأنصار انا، فقام الأنصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله فقال «تعال يا أخا تنوخ» فأقبلت أهوى حتى كنت قائما في مجلسى الّذي كنت بين يديه، فحل حبوته عن ظهره وقال «ها هنا امض لما أمرت به» فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف مثل الحمحمة (١) الضخمة. هذا حديث غريب واسناده لا بأس به تفرد به الامام احمد. (٢) مصالحته ﵇ ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وهو مقيم على تبوك قبل رجوعه قال ابن إسحاق: ولما انتهى رسول الله ﷺ الى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح وأعطوه الجزية، وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا فهو عندهم، وكتب ليحنّة بن رؤبة وأهل أيلة، بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنّة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وأنه طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بر أو بحر. زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق بعد هذا، وهذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة باذن رسول الله. قال يونس عن ابن إسحاق: وكتب لأهل جرباء وأذرح، ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾ هذا كتاب

стр. 1430

من محمد النبي رسول الله لأهل جرباء وأذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب، ومائة أوقية طيبة وأن الله عليهم كفيل بالنصح والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ اليهم من المسلمين. قال وأعطى النبي ﷺ أهل أيلة برده مع كتابه أمانا لهم، قال فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاثمائة دينار. بعثه ﵇ خالد بن الوليد الى أكيدر دومة قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ دعا خالد بن الوليد فبعثه الى أكيدر دومة، وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من بنى كنانة (١) كان ملكا عليها وكان نصرانيا، وقال رسول الله ﷺ لخالد «إنك ستجده يصيد البقر» فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفي ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته. وباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته هل رأيت مثل هذا قط؟ قال لا والله، قالت فمن يترك هذا؟ قال لا أحد فنزل فامر بفرسه فأسرج له وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان فركب وخرجوا معه بمطاردهم، فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي ﷺ فأخذته وقتلوا أخاه وكان عليه قباء من ديباج مخصوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به الى رسول الله ﷺ قبل قدومه عليه، قال فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس بن مالك قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله ﷺ فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه فقال رسول الله ﷺ : «أتعجبون من هذا [فو الّذي نفسي بيده] لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا». قال ابن إسحاق: ثم إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول الله ﷺ حقن له دمه فصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته، فقال رجل من بنى طيِّئ يقال له بجير بن بجرة في ذلك: تبارك سائق البقرات إني … رأيت الله يهدى كل هاد فمن يك حائدا عن ذي تبوك … فانا قد أمرنا بالجهاد وقد حكى البيهقي أن رسول الله ﷺ قال لهذا الشاعر «لا يفضض الله فاك» فأتت عليه سبعون سنة ما تحرك له فيها ضرس ولا سن. وقد روى ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة أن رسول الله ﷺ بعث خالدا مرجعه من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر دومة فذكر نحو ما تقدم إلا أنه ذكر أنه ما كره حتى أنزله من الحصن، وذكر أنه قدم مع أكيدر إلى رسول الله ثمانمائة من السبي، وألف بعير، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح، وذكر أنه لما سمع عظيم أيلة يحنة (٢)

стр. 1431

ابن رؤبة بقضية أكيدر دومة أقبل قادما إلى رسول الله ﷺ يصالحه فاجتمعا عند رسول الله ﷺ بتبوك فالله أعلم. وروى يونس بن بكير عن سعد بن أوس عن بلال بن يحيى أن أبا بكر الصديق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل، وخالد بن الوليد على الاعراب في غزوة دومة الجندل، فالله أعلم. فصل قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة لم يجاوزها ثم انصرف قافلا الى المدينة، قال وكان في الطريق ماء يخرج من وشل يروى الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادي المشقق، فقال رسول الله ﷺ : «من سبقنا الى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه» قال فسبقه اليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله ﷺ وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال «من سبقنا الى هذا الماء؟» فقيل له يا رسول الله فلان وفلان، فقال أو لم أنههم أن يستقوا منه حتى آتيه، ثم لعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده ودعا بما شاء الله أن يدعو، فانحرق من الماء - كما يقول من سمعه - ما أن له حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله ﷺ «لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه». قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها انظر اليها، قال فإذا رسول الله وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه اليه، وإذا هو يقول «أدنيا إلى أخاكما» فدلياه اليه، فلما هيأه لشقه قال «اللهمّ إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه» قال يقول ابن مسعود ياليتنى كنت صاحب الحفرة. قال ابن هشام: إنما سمى ذو البجادين لأنه كان يريد الإسلام فمنعه قومه وضيقوا عليه حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا بجاد - وهو الكساء الغليظ - فشقه باثنين فائتزر بواحدة وأرتدى بالأخرى، ثم أتى رسول الله ﷺ فسمى ذو البجادين (١). قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن ابن أخى أبى رهم الغفاريّ أنه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين - وكان من أصحاب الشجرة - يقول: غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك فسرت ذات ليلة معه ونحن بالأخضر والقى الله على النعاس وطفقت أستيقظ وقد

стр. 1432

دنت راحلتي من راحلة النبي ﷺ فيفزعني دنوها منه مخافة أن أصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوّز راحلتي عنه حتى غلبتني عيني في بعض الطريق فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز، فلم أستيقظ إلا بقوله «حس» فقلت يا رسول الله استغفر لي، قال «سر» فجعل رسول الله ﷺ يسألنى عمن تخلف عنه من بنى غفار فأخبره به. فقال وهو يسألنى «ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط (١) الذين لا شعر في وجوههم؟» فحدثته بتخلفهم، قال «فما فعل النفر السود الجعاد القصار» قال قلت والله ما أعرف هؤلاء منا قال «بلى الذين لهم لعم بشبكة شدخ (٢)» فتذكرتهم في بنى غفار فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلّم كانوا حلفاء فينا، فقلت يا رسول الله أولئك رهط من أسلّم حلفاء فينا. فقال رسول الله ﷺ «ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأ نشيطا في سبيل الله، إن أعز أهلي على أن يتخلف عنى المهاجرون والأنصار وغفار وأسلّم». قال ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير قال: لما قفل رسول الله ﷺ من تبوك إلى المدينة هم جماعة من المنافقين بالفتك به وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق، فأخبر بخبرهم فامر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا، وأمر رسول الله ﷺ عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمار آخذ بزمام الناقة، وحذيفة يسوقها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم، فغضب رسول الله وأبصر حذيفة غضبه فرجع اليهم ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله ﷺ فأمرهما فاسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول الله ﷺ لحذيفة «هل عرفت هؤلاء القوم؟» قال ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم، ثم قال «علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب؟» قالا لا، فأخبرهما بما كانوا تمالئوا عليه وسماهم لهما واستكتمهما ذلك؟ فقالا يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم؟ فقال «أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي ﷺ إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده وهذا هو الأشبه والله أعلم. ويشهد له قول أبى الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود: أليس فيكم - يعنى أهل الكوفة - صاحب السواد والوساد - يعنى ابن مسعود - أليس فيكم صاحب السر الّذي لا يعلمه غيره - يعنى حذيفة - أليس فيكم الّذي أجاره الله من الشيطان على لسان محمد - يعنى عمارا - وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لحذيفة: أقسمت عليك بالله أنا منهم؟ قال لا

стр. 1433

ولا أبرئ بعدك أحدا - يعنى حتى لا يكون مفشيا سر النبي ﷺ . قلت: وقد كانوا أربعة عشر رجلا، وقيل كانوا اثنى عشر رجلا، وذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث اليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له فأخبرهم رسول الله ﷺ بما كان من أمرهم وبما تمالئوا عليه. ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم قال وفيهم أنزل الله ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾. وروى البيهقي من طريق محمد بن مسلمة عن أبى إسحاق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبى البختري عن حذيفة بن اليمان قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به وعمار يسوق الناقة - أو أنا أسوق وعمار يقود به - حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثني عشر رجلا قد اعترضوه فيها، قال فأنبهت رسول الله ﷺ فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله «هل عرفتم القوم؟» قلنا لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب، قال «هؤلاء المنافقون الى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟» قلنا لا قال «أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها» قلنا يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال «لا، أكره أن يتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل لقومه، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم» ثم قال «اللهمّ ارمهم بالدبيلة» قلنا يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال «هي شهاب من نار تقع على نياط قلب أحدهم فيهلك». وفي صحيح مسلّم من طريق شعبة عن قتادة عن أبى نضرة عن قيس بن عبادة. قال: قلت لعمار أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر عليّ أرأي رأيتموه أم شيء عهده إليكم رسول الله؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرنى عن رسول الله ﷺ أنه قال «في أصحابى اثنا عشر منافقا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط». وفي رواية من وجه آخر عن قتادة «إن في أمتى أثنى عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم يكفيكهم الدبيلة، سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم». قال الحافظ البيهقي: وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر - أو خمسة عشر - وأشهد بالله أن اثنى عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد، وعذّر ثلاثة أنهم قالوا: ما سمعنا المنادي ولا علمنا بما أراد. وهذا الحديث قد رواه الامام احمد في مسندة قال حدثنا يزيد - هو ابن هارون - أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبى الطفيل. قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى إن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله ﷺ وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة «قد قد» حتى هبط رسول الله ﷺ من الوادي، فلما هبط ورجع عمار

стр. 1434

قال «يا عمار هل عرفت القوم؟» قال قد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال «هل تدري ما أرادوا؟» قال الله ورسوله أعلم، قال «أرادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه» قال فسارّ عمار رجلا من أصحاب النبي ﷺ فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال أربعة عشر رجلا، فقال إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، قال فعذر رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا ما سمعنا منادى رسول الله وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد. قصة مسجد الضرار قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ، * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ، * لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وقد تكلمنا على تفسير ما يتعلق بهذه الآيات الكريمة في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد. وذكر ابن إسحاق كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله وكيفية أمر رسول الله ﷺ بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة، ومضمون ذلك أن طائفة من المنافقين بنوا صورة مسجد قريبا من مسجد قباء وأرادوا أن يصلى لهم رسول ﷺ فيه حتى بروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد، فعصم الله رسوله ﷺ من الصلاة فيه وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك، فلما رجع منها فنزل بذي أوان - مكان بينه وبين المدينة ساعة - نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد وهو قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية. أما قوله ضرارا فلأنهم أرادوا مضاهاة مسجد قباء، وكفرا بالله لا للايمان به، وتفريقا للجماعة عن مسجد قباء وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وهو أبو عامر الراهب الفاسق قبحه الله وذلك أنه لما دعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأبى عليه، ذهب إلى مكة فاستنفرهم. فجاءوا عام أحد فكان من أمرهم ما قدمناه، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى ملك الروم قيصر ليستنصره على رسول الله ﷺ وكان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فكانت مكاتباته ورسله تفد اليهم كل حين. فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة وباطنه دار حرب ومقر لمن

стр. 1435

يفد من عند أبى عامر الراهب، ومجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين ولهذا قال تعالى ﴿وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. ثم قال ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ أي الذين بنوه ﴿إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى﴾ أي إنما أردنا ببنائه الخير. قال الله تعالى ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ ثم قال الله تعالى الى رسوله ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرر أمره ثم أمره ثم أمره وحثه على القيام في المسجد الّذي أسس على التقوى من أول يوم وهو مسجد قباء لما دل عليه السياق والأحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة اليه، وما ثبت في صحيح مسلم من أنه مسجد رسول الله ﷺ لا ينافي ما تقدم لانه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم فمسجد الرسول أولى بذلك وأحرى، وأثبت في الفضل منه وأقوى، وقد أشبعنا القول في ذلك في التفسير ولله الحمد. والمقصود أن رسول الله ﷺ لما نزل بذي أو ان دعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي - أو أخاه عاصم بن عدي ﵄ فأمرهما أن يذهبا إلى هذا المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار، فذهبا فحرقاه بالنار، وتفرق عنه أهله. قال ابن إسحاق: وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا وهم، خذام بن خالد - وفي جنب داره كان بناء هذا المسجد - وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وجارية بن عامر، وابناه مجمع وزيد، ونبتل بن الحارث، وبخرج وهو الى بنى ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بنى ضبيعة، ووديعة بن ثابت وهو الى بنى أمية. قلت: وفي غزوة تبوك هذه صلى رسول الله ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف صلاة الفجر أدرك معه الركعة الثانية منها، وذلك أن رسول الله ﷺ ذهب يتوضأ ومعه المغيرة بن شعبة فأبطأ على الناس، فأقيمت الصلاة فتقدم عبد الرحمن بن عوف، فلما سلّم الناس أعظموا ما وقع فقال لهم رسول الله ﷺ «أحسنتم وأصبتم» وذلك فيما رواه البخاري ﵀ قائلا حدثنا. وقال البخاري حدثنا أحمد بن محمد حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا الا كانوا معكم» فقالوا يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال «وهم بالمدينة حبسهم العذر» تفرد به من هذا الوجه. قال البخاري حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان حدثني عمرو بن يحيي عن العباس بن سهل بن سعد عن أبى حميد قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة قال «هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه» ورواه مسلم من حديث سليمان بن بلال به نحوه. قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: اذكر أنى خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله ﷺ الى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك. ورواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة به، وقال الترمذي حسن صحيح. وقال البيهقي

стр. 1436

أخبرنا أبو نصر بن قتادة أخبرنا أبو عمرو بن مطر سمعت أبا خليفة يقول سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا … ما دعا لله داع قال البيهقي: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة لا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك والله أعلم. فذكرناه ها هنا أيضا. قال البخاري ﵀ حديث كعب ابن مالك ﵁: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمى - قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها الا في غزوة تبوك، غير أنى كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، انما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حتى تواثبنا (١) على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، ولم يكن رسول الله يريد غزوة الا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا وعددا وعدادا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الّذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب الا ظن أن يستخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله ﷺ [تلك الغزوة] حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فارجع ولم اقض شيئا، فأقول في نفسي أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بى حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول الله والمسلمون معه ولم اقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقص شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا فلم يزل بى حتى أسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن ارتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله فطفت فيهم أحزننى أنى لا أرى الا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك «ما فعل كعب؟» فنال

стр. 1437

رجل من بنى سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله ﷺ قال كعب بن مالك: قال فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج غدا من سخطه واستعنت على ذلك بكل ذي رأى من أهلي، فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عنى الباطل وعرفت أنى لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله ﷺ قادما فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون اليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم الى الله ، فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال «تعال» فجئت أمشى حتى جلست بين يديه، فقال لي «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك» فقلت بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر - ولقد أعطيت جدلا - ولكنى والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن الله أن يسخطك على، ولئن حدثتك حديث صدق تجد على فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، ووالله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك، فقال رسول الله ﷺ : «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضى الله فيك» فقمت فثار رجال من بنى سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت الى رسول الله ﷺ بما اعتذر اليه المخلفون، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك فو الله ما زالوا يؤنبوننى حتى هممت أن ارجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم هل لقي هذا معى أحد؟ قالوا نعم رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما، قالوا مرارة بن الربيع العمرى وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي اعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فاشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتى رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا، ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل الى وإذا التفت نحوه أعرض عنى حتى إذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة - وهو ابن عمى وأحب الناس الى - فسلمت عليه فو الله ما رد على السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله

стр. 1438

ورسوله؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. قال وبينا أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع الى كتابا من ملك غسان [في سرقة من حرير] فإذا فيه، أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول الله ﷺ يأتينى فقال: رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال لا بل اعنزلها ولا تقربها، وأرسل الى صاحبىّ بمثل ذلك، فقلت لامرأتى الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضى الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية الى رسول الله فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه، قال «لا ولكن لا يقربك» قالت إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما استأذن هلال ابن أمية أن تخدمه، فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله وما يدريني ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، قال فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت على الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أو في على جبل سلع [يقول] بأعلى صوته: يا كعب أبشر، فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله [للناس] بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إليّ فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الّذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونى بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحنى وهنأني، والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قال قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال «لا بل من عند الله» وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين

стр. 1439

يديه. قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» قلت فانى أمسك سهمي الّذي بخيبر، وقلت يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلانى، ما شهدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومى هذا كذبا، وانى لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله ﷺ ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ الى قوله ﴿وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ فو الله ما أنعم الله على من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقى رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فان الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال الله تعالى ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ الى قوله ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فبايعهم (١) واستغفر لهم وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله تعالى ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ليس الّذي ذكر الله مما خلفنا من الغزو وانما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر اليه فقبل منهم، وهذا رواه مسلم من طريق الزهري بنحوه. وهكذا رواه محمد بن إسحاق عن الزهري مثل سياق البخاري، وقد سقناه في التفسير من مسند الامام احمد وفيه زيادات يسيرة ولله الحمد والمنة. ذكر أقوام تخلفوا من العصاة غير هؤلاء قال على بن طلحة الوالبي عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما حضروا رجوعه أوسق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد فلما مر بهم رسول الله قال «من هؤلاء؟» قالوا أبا لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم قال «وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الّذي يطلقهم، رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين» فلما أن بلغهم ذلك قالوا ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الّذي يطلقنا. فانزل الله ﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية. وعسى من الله واجب (٢) فلما أنزلت أرسل اليهم رسول الله فاطلقهم وعذرهم، فجاءوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا

стр. 1440

فتصدق بها عنا واستغفر لنا. فقال «ما أمرت أن آخذ أموالكم» فانزل الله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الى قوله ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسوارى فارجئوا حتى نزل قوله تعالى ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ﴾ الى آخرها. وكذا رواه عطية بن سعيد العوفيّ عن ابن عباس بنحوه. وقد ذكر سعيد بن المسيب ومجاهد ومحمد بن إسحاق قصة أبى لبابة وما كان من أمره يوم بنى قريظة وربط نفسه حتى تيب عليه، ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب الله عليه، وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة فقال له رسول الله ﷺ «يكفيك من ذلك الثلث» قال مجاهد وابن إسحاق: وفيه نزل ﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية. قال سعيد بن المسيب: ثم لم ير منه بعد ذلك في الإسلام الا خيرا ﵁ وأرضاه. قلت: ولعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه واقتصروا على أنه كان كالزعيم لهم كما دل عليه سياق ابن عباس والله أعلم. وروى الحافظ البيهقي من طريق أبى احمد الزبيري عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن عياض بن عياض عن أبيه عن ابن مسعود قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال «إن منكم منافقين فمن سميت فليقم قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان» حتى عد ستة وثلاثين، ثم قال «إن فيكم - أو إن منكم - منافقين فسلوا الله العافية» قال فمر عمر برجل متقنع وقد كان بينه وبينه معرفة فقال: ما شأنك؟ فأخبره بما قال رسول الله ﷺ ، فقال بعدا لك سائر اليوم. قلت: كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام، مأمورون مأجورون كعليّ بن أبى طالب ومحمد بن مسلمة، وابن أم مكتوم، ومعذورون وهم الضعفاء والمرضى، والمقلون وهم البكاءون، وعصاة مذنبون وهم الثلاثة، أبو لبابة وأصحابه المذكورون، وآخرون ملومون مذمومون وهم المنافقون. ذكر ما كان من الحوادث بعد رجوعه ﵇ إلى المدينة ومنصرفه من تبوك قال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أبو البختري عبد الله بن شاكر حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا عم أبى زخر (١) بن حصن عن جده حميد بن منهب قال سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة بن لام يقول: هاجرت الى رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك! فقال رسول الله ﷺ «قل لا يفضض الله فاك» فقال: من قبلها طبت في الظلال وفي … مستودع حيث يخصف الورق
следующие страницы →