أخبرنا أبو نصر بن قتادة أخبرنا أبو عمرو بن مطر سمعت أبا خليفة يقول سمعت ابن عائشة يقول:
لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا … ما دعا لله داع
قال البيهقي: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة لا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك والله أعلم. فذكرناه ها هنا أيضا. قال البخاري ﵀ حديث كعب ابن مالك ﵁: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمى - قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها الا في غزوة تبوك، غير أنى كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، انما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حتى تواثبنا (١) على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، ولم يكن رسول الله يريد غزوة الا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا وعددا وعدادا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الّذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب الا ظن أن يستخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله ﷺ [تلك الغزوة] حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فارجع ولم اقض شيئا، فأقول في نفسي أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بى حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول الله والمسلمون معه ولم اقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقص شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا فلم يزل بى حتى أسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن ارتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله فطفت فيهم أحزننى أنى لا أرى الا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء،
ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك «ما فعل كعب؟» فنال
стр. 1437
رجل من بنى سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله ﷺ قال كعب بن مالك: قال فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج غدا من سخطه واستعنت على ذلك بكل ذي رأى من أهلي، فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عنى الباطل وعرفت أنى لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله ﷺ قادما فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون اليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا،
فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم الى الله ، فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال «تعال» فجئت أمشى حتى جلست بين يديه، فقال لي «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك» فقلت بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر - ولقد أعطيت جدلا - ولكنى والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن الله أن يسخطك على، ولئن حدثتك حديث صدق تجد على فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، ووالله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك، فقال رسول الله ﷺ : «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضى الله فيك» فقمت فثار رجال من بنى سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت الى رسول الله ﷺ بما اعتذر اليه المخلفون، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك فو الله ما زالوا يؤنبوننى حتى هممت أن ارجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم هل لقي هذا معى أحد؟ قالوا نعم رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما، قالوا مرارة بن الربيع العمرى وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي اعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فاشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتى رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا، ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل الى وإذا التفت نحوه أعرض عنى حتى إذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة - وهو ابن عمى وأحب الناس الى - فسلمت عليه فو الله ما رد على السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله
стр. 1438
ورسوله؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. قال وبينا أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع الى كتابا من ملك غسان [في سرقة من حرير] فإذا فيه، أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول الله ﷺ يأتينى فقال: رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال لا بل اعنزلها ولا تقربها، وأرسل الى صاحبىّ بمثل ذلك، فقلت لامرأتى الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضى الله في هذا الأمر.
قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية الى رسول الله فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه، قال «لا ولكن لا يقربك» قالت إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما استأذن هلال ابن أمية أن تخدمه، فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله وما يدريني ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، قال فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت على الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أو في على جبل سلع [يقول] بأعلى صوته: يا كعب أبشر، فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله [للناس] بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إليّ فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الّذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونى بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحنى وهنأني، والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة،
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قال قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال «لا بل من عند الله» وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين
стр. 1439
يديه. قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» قلت فانى أمسك سهمي الّذي بخيبر، وقلت يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلانى، ما شهدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومى هذا كذبا، وانى لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله ﷺ ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ الى قوله ﴿وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ فو الله ما أنعم الله على من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقى رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فان الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال الله تعالى ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ الى قوله ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فبايعهم (١) واستغفر لهم وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله تعالى ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ليس الّذي ذكر الله مما خلفنا من الغزو وانما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر اليه فقبل منهم، وهذا رواه مسلم من طريق الزهري بنحوه.
وهكذا رواه محمد بن إسحاق عن الزهري مثل سياق البخاري، وقد سقناه في التفسير من مسند الامام احمد وفيه زيادات يسيرة ولله الحمد والمنة.
ذكر أقوام تخلفوا من العصاة غير هؤلاء
قال على بن طلحة الوالبي عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قال كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما حضروا رجوعه أوسق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد فلما مر بهم رسول الله قال «من هؤلاء؟» قالوا أبا لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم قال «وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الّذي يطلقهم، رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين» فلما أن بلغهم ذلك قالوا ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الّذي يطلقنا. فانزل الله ﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية. وعسى من الله واجب (٢) فلما أنزلت أرسل اليهم رسول الله فاطلقهم وعذرهم، فجاءوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا
стр. 1440
فتصدق بها عنا واستغفر لنا.
فقال «ما أمرت أن آخذ أموالكم» فانزل الله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الى قوله ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسوارى فارجئوا حتى نزل قوله تعالى ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ﴾ الى آخرها. وكذا رواه عطية بن سعيد العوفيّ عن ابن عباس بنحوه.
وقد ذكر سعيد بن المسيب ومجاهد ومحمد بن إسحاق قصة أبى لبابة وما كان من أمره يوم بنى قريظة وربط نفسه حتى تيب عليه، ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب الله عليه، وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة فقال له رسول الله ﷺ «يكفيك من ذلك الثلث» قال مجاهد وابن إسحاق: وفيه نزل ﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية. قال سعيد بن المسيب: ثم لم ير منه بعد ذلك في الإسلام الا خيرا ﵁ وأرضاه.
قلت: ولعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه واقتصروا على أنه كان كالزعيم لهم كما دل عليه سياق ابن عباس والله أعلم.
وروى الحافظ البيهقي من طريق أبى احمد الزبيري عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن عياض بن عياض عن أبيه عن ابن مسعود قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال «إن منكم منافقين فمن سميت فليقم قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان» حتى عد ستة وثلاثين، ثم قال «إن فيكم - أو إن منكم - منافقين فسلوا الله العافية» قال فمر عمر برجل متقنع وقد كان بينه وبينه معرفة فقال: ما شأنك؟ فأخبره بما قال رسول الله ﷺ ، فقال بعدا لك سائر اليوم.
قلت: كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام، مأمورون مأجورون كعليّ بن أبى طالب ومحمد بن مسلمة، وابن أم مكتوم، ومعذورون وهم الضعفاء والمرضى، والمقلون وهم البكاءون، وعصاة مذنبون وهم الثلاثة، أبو لبابة وأصحابه المذكورون، وآخرون ملومون مذمومون وهم المنافقون.
ذكر ما كان من الحوادث بعد رجوعه ﵇ إلى المدينة ومنصرفه من تبوك
قال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أبو البختري عبد الله بن شاكر حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا عم أبى زخر (١) بن حصن عن جده حميد بن منهب قال سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة بن لام يقول: هاجرت الى رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك! فقال رسول الله ﷺ «قل لا يفضض الله فاك» فقال:
من قبلها طبت في الظلال وفي … مستودع حيث يخصف الورق
стр. 1441
ثم هبطت البلاد لا بشر … أنت ولا نطفة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد … ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب الى رحم … إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من … خندف علياء تحتها النطق
وأنت لمّا ولدت أشرقت الأرض … فضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي … النور وسبل الرشاد نخترق
ورواه البيهقي من طريق اخرى عن أبى السكن زكريا بن يحيى الطائي وهو في جزء له مروى عنه. قال البيهقي وزاد ثم قال رسول الله ﷺ «هذه الحيرة البيضاء رفعت لي، وهذه الشيماء بنت نفيلة (١) الازدية على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود» فقلت يا رسول الله إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهي لي؟ قال «هي لك» قال ثم كانت الردة فما ارتد أحد من طيِّئ وكنا نقاتل من يلينا من العرب على الإسلام فكنا نقاتل قيسا وفيها عيينة بن حصن، وكنا نقاتل بنى أسد وفيهم طلحة بن خويلد، وكان خالد بن الوليد يمدحنا، وكان فيما قال فينا:
جزى الله عنا طيِّئا في ديارها … بمعترك الابطال خير جزاء
هموا أهل رايات السماحة والندى … إذا ما الصبا ألوت بكل خباء
همو اضربوا قيسا على الدين بعد ما … أجابوا منادى ظلمة وعماء
قال ثم سار خالد إلى مسيلمة الكذاب فسرنا معه فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة فلقينا هرمز بكاظمة في جيش هو أكبر من جمعنا، ولم يكن أحد (٢) من العجم أعدى للعرب والإسلام من هرمز، فخرج اليه خالد ودعاه الى البراز فبرز له فقتله خالد وكتب بخبره الى الصديق فنفله سلبه فبلغت قلنسوة هرمز مائة ألف درهم وكانت الفرس إذا شرف فيها الرجل جعلت قلنسوته بمائة ألف درهم، قال ثم قفلنا على طريق الطف الى الحيرة فأول من تلقانا حين دخلناها الشيماء بنت نفيلة كما قال رسول الله ﷺ على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فتعلقت بها وقلت هذه وهبها لي رسول الله ﷺ ، فدعاني خالد عليها بالبينة فأتيته بها، وكانت البينة محمد بن مسلمة ومحمد بن بشير الأنصاري فسلمها الى، فنزل الىّ أخوها عبد المسيح يريد الصلح فقال بعنيها، فقلت لا أنقصها والله عن عشرة مائة درهم، فأعطاني ألف درهم وسلمتها اليه، فقيل لو قلت مائة ألف لدفعها إليك، فقلت ما كنت أحسب أن عددا أكثر من عشر مائة.
стр. 1442
قدوم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ في رمضان من سنة تسع
تقدم أن رسول الله ﷺ لما ارتحل عن ثقيف سئل أن يدعو عليهم فدعا لهم بالهداية، وقد تقدم أن رسول الله ﷺ حين أسلّم مالك بن عوف النضري أنعم عليه وأعطاه وجعله أميرا على من أسلم من قومه، فكان يغزو بلاد ثقيف ويضيق عليهم حتى ألجأهم الى الدخول في الإسلام، وتقدم أيضا فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الأحمسي أنه لم يزل بثقيف حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول الله ﷺ ، فأقبل بهم الى المدينة النبويّة بأذن رسول الله ﷺ له في ذلك.
وقال ابن إسحاق: وقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد من ثقيف،
وكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم أتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل الى المدينة فأسلّم وسأله أن يرجع الى قومه بالإسلام. فقال له رسول الله - كما يتحدث قومه - «إنهم قاتلوك» وعرف رسول الله أن فيهم نخوة الامتناع للذي كان منهم فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب اليهم من أبكارهم، وكان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب اليهم من أبكارهم، وكان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو قومه الى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف على علية له وقد دعاهم الى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله، فتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف أخو بنى سالم بن مالك، ويزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم من بنى عتاب يقال له وهب بن جابر، فقيل لعروة ما ترى في دينك (١)؟ قال كرامة أكرمنى الله بها، وشهادة ساقها الله الى فليس فىّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم فدفنوه معهم
فزعموا ان رسول الله ﷺ قال فيه «إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه» وهكذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبى بكر الصديق، وتابعه أبو بكر البيهقي في ذلك وهذا بعيد، والصحيح أن ذلك قبل حجة أبى بكر كما ذكره ابن إسحاق والله أعلم.
قال ابن إسحاق: ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا، فائتمروا فيما بينهم وذلك عن رأى عمر وابن أمية أخي بنى علاج فائتمروا بينهم ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلا منهم فأرسلوا عبد يا ليل بن عمرو بن عمير ومعه اثنان من الأحلاف وثلاثة من بنى مالك، وهم الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، وعثمان بن أبى العاص، وأوس بن عوف أخو
стр. 1443
بنى سالم، ونمير بن خرشة بن ربيعة. وقال موسى بن عقبة: كانوا بضعة عشر رجلا فيهم كنانة بن عبد يا ليل - وهو رئيسهم - وفيهم عثمان بن أبى العاص وهو أصغر الوفد. قال ابن إسحاق: فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة، الفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله ﷺ ، فلما رآهم ذهب يشتد ليبشر رسول الله بقدومهم فلقيه أبو بكر الصديق فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البيعة والإسلام إن شرط لهم رسول الله شروطا ويكتبوا كتابا في قومهم، فقال أبو بكر للمغيرة أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله ﷺ بقدومهم، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله ﷺ فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، ولما قدموا على رسول الله ضربت عليهم قبة في المسجد وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الّذي يمشى بينهم وبين رسول الله. فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خالد بن سعيد قبلهم، وهو الّذي كتب لهم كتابهم. قال: وكان مما اشترطوا على رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية ثلاث سنين، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ليتألفوا سفهاءهم فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة ليهدماها، وسألوه مع ذلك أن لا يصلوا وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم
فقال «أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه» فقالوا سنؤتيكها وإن كانت دناءة.
وقد قال الامام احمد حدثنا عفان ثنا محمد بن مسلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن أبى العاص أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا على رسول الله ﷺ أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا ولا يستعمل عليهم غيرهم، فقال رسول الله ﷺ «لكم أن لا تحشروا (١) ولا تجبوا ولا يستعمل عليكم غيركم، ولا خير في دين لا ركوع فيه» وقال عثمان بن أبى العاص: يا رسول الله علمني القرآن واجعلني إمام قومي. وقد رواه أبو داود من حديث أبى داود الطيالسي عن حماد بن سلمة عن حميد به. وقال أبو داود حدثنا الحسن بن الصباح ثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثني إبراهيم بن عقيل بن معقل بن منبه عن وهب سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال: اشترطت على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد،
وأنه سمع رسول الله ﷺ يقول بعد ذلك «سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا».
قال ابن إسحاق: فلما أسلموا وكتب لهم كتابهم أمر عليهم عثمان بن أبى العاص - وكان أحدثهم سنا - لأن الصديق قال يا رسول الله إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم
стр. 1444
القرآن وذكر موسى بن عقبة أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله خلفوا عثمان بن أبى العاص في رحالهم فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله ﷺ فسأله عن العلم فاستقرأه القرآن فان وجده نائما ذهب إلى أبى بكر الصديق، فلم يزل دأبه حتى فقه في الإسلام وأحبه رسول الله ﷺ حبا شديدا.
قال ابن إسحاق: حدثني سعيد بن أبى هند عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عثمان بن أبى العاص. قال: كان من آخر ما عهد إلى رسول الله ﷺ حين بعثني إلى ثقيف قال «يا عثمان تجوّز في الصلاة، وأقدر الناس بأضعفهم فان فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة»
وقال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجريريّ عن أبى العلاء عن مطرف عن عثمان بن أبى العاص. قال: قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: «أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا» رواه أبو داود والترمذي من حديث حماد بن سلمة به ورواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن إسماعيل بن علية عن محمد بن إسحاق كما تقدم.
وروى احمد عن عفان عن وهب وعن معاوية بن عمرو عن زائدة كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن داود ابن أبى عاصم عن عثمان بن أبى العاص أن آخر ما فارقه رسول الله حين استعمله على الطائف أن قال «إذا صليت بقوم فخفف بهم حتى وقّت لي أقرأ باسم ربك الّذي خلق، وأشباهها من القرآن»
وقال احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت سعيد بن المسيب قال حدث عثمان ابن أبى العاص. قال: آخر ما عهد إلى رسول الله ﷺ أن قال: «إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة» ورواه مسلّم عن محمد بن مثنى وبندار كلاهما عن محمد بن جعفر عن عبد ربه.
وقال احمد حدثنا أبو احمد الزبيري ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عبد الله بن الحكم أنه سمع عثمان بن أبى العاص يقول استعملني رسول الله ﷺ على الطائف، فكان آخر ما عهد إلى أن قال «خفف عن الناس الصلاة» تفرد به من هذا الوجه.
وقال احمد حدثنا يحيى بن سعيد أخبرنا عمرو بن عثمان حدثني موسى - هو ابن طلحة - أن عثمان بن أبى العاص حدثه أن رسول الله ﷺ أمره أن يؤم قومه ثم قال: «من أم قوما فليخفف بهم فان فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء» ورواه مسلّم من حديث عمرو بن عثمان به.
وقال احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم سمعت أشياخا من ثقيف قالوا حدثنا عثمان بن أبى العاص أنه قال قال لي رسول الله ﷺ «وأمّ قومك وإذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة فإنه يقوم فيها الصغير والكبير والضعيف والمريض وذو الحاجة»
وقال احمد حدثنا إبراهيم بن إسماعيل عن الجريريّ عن أبى العلاء بن الشخير أن عثمان قال: يا رسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي، قال «ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أنت حسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا» قال
стр. 1445
ففعلت ذلك فأذهبه الله عنى. ورواه مسلّم من حديث سعيد الجريريّ به.
وروى مالك واحمد ومسلّم وأهل السنن من طرق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عثمان بن أبى العاص أنه شكى إلى رسول الله ﷺ وجعا يجده في جسده فقال له «ضع يدك على الّذي يألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» وفي بعض الروايات ففعلت ذلك فاذهب الله ما كان بى فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم.
وقال أبو عبد الله بن ماجة حدثنا محمد بن يسار ثنا محمد ابن عبد الله الأنصاري حدثني عيينة بن عبد الرحمن - وهو ابن جوشن - حدثني أبى عن عثمان بن أبى العاص. قال: لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدرى ما أصلى فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله ﷺ فقال «ابن أبى العاص؟» قلت نعم! يا رسول الله! قال «ما جاء بك؟» قلت يا رسول الله عرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدرى ما أصلى قال «ذاك الشيطان أدن» فدنوت منه فجلست على صدور قدمي، قال فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال «أخرج عدو الله» فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال «الحق بعملك». قال فقال عثمان:
فلعمري ما أحسبه خالطني بعد. تفرد به ابن ماجة.
قال ابن إسحاق: وحدثني عيسى بن عبد الله عن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفي عن بعض وفدهم قال: كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله ﷺ ما بقي من شهر رمضان بفطورنا وسحورنا فيأتينا بالسحور فانا لنقول إنا لنرى الفجر قد طلع؟ فيقول: قد تركت رسول الله ﷺ يتسحر لتأخير السحور، ويأتينا بفطرنا وإنا لنقول ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد، فيقول ما جئتكم حتى أكل رسول الله ﷺ ، ثم يضع يده في الجفنة فيلقم منها. وروى الامام احمد وأبو داود وابن ماجة من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عثمان بن عبد الله بن أوس عن جده أوس بن حذيفة قال قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، قال فنزلت الاحلاف على المغيرة بن شعبة،
وأنزل رسول الله ﷺ بنى مالك في قبة له كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش، ثم يقول «لا آسى وكنا مستضعفين مستذلين بمكة، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا» فلما كانت ليلة أبطأ عنا الوقت الّذي كان يأتينا فيه فقلنا لقد أبطأت علينا الليلة؟ فقال: «إنه طرئ على جزئى (١) من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أتمه» قال أوس سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف يجزئون القرآن؟ فقالوا ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع وإحدى عشر، وثلاث عشرة. وحزب المفصل وحده لفظ أبو داود. قال ابن إسحاق: فلما فرغوا
стр. 1446
من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال ادخل أنت على قومك وأقام أبو سفيان بماله بذي الهرم، فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول وقام قومه بنى معتب دونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود قال وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن:
* لنبكين دفاع، أسلمها الرضاع، لم يحسنوا المصاع (١) * قال ابن إسحاق: ويقول أبو سفيان: والمغيرة يضربها بالفأس وآها لك آها لك، فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبى سفيان فقال إن رسول الله قد أمرنا أن نقضي عن عروة بن مسعود وأخيه الأسود بن مسعود والد قارب بن الأسود دينهما من مال الطاغية يقضى ذلك عنهما.
قلت: كان الأسود قد مات مشركا ولكن أمر رسول الله بذلك تأليفا وإكراما لولده قارب بن الأسود ﵁. وذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا، فلما قدموا أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن، فسألوه عن الربا والزنا والخمر فحرم عليهم ذلك كله فسألوه عن الربة ما هو صانع بها؟ قال «اهدموها» قالوا هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها، فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابن عبد يا ليل ما أجهلك، إنما الربة حجر. فقالوا إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، ثم
قالوا يا رسول الله تول أنت هدمها أما نحن فانا لن نهدمها أبدا، فقال «سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها» فكاتبوه على ذلك واستأذنوه أن يسبقوا رسله اليهم، فلما جاءوا قومهم تلقوهم فسألوهم ما وراءكم فأظهروا الحزن وأنهم إنما جاءوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف يحكم ما يريد وقد دوخ العرب، قد حرم الربا والزنا والخمر، وأمر بهدم الربة، فنفرت ثقيف وقالوا لا نطيع لهذا أبدا، قال فتأهبوا للقتال وأعدوا السلاح، فمكثوا على ذلك يومين - أو ثلاثة - ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب فرجعوا وأنابوا وقالوا ارجعوا اليه فشارطوه على ذلك وصالحوه عليه قالوا فإنا قد فعلنا ذلك ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا اليه وفيما قاضيناه فافهموا القضية وأقبلوا عافية الله، قالوا فلم كتمتمونا هذا أولا؟ قالوا أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم ومكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله ﷺ وقد أمرّ عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة، فعمدوا إلى اللات وقد استكفت ثقيف رجالها ونساءها والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين - يعنى المعول - وقال لأصحابه: والله لاضحكنكم من ثقيف،
стр. 1447
فضرب بالكرزين ثم سقط يركض برجله فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وفرحوا وقالوا أبعد الله المغيرة قتلته الربة، وقالوا لأولئك من شاء منكم فليقترب، فقام المغيرة فقال: والله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم إنه ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض، وجعل سادنها يقول:
ليغضبن الأساس فليخسفن بهم، فلما سمع المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساسها فحفروه حتى أخرجوا ترابها وجمعوا ماءها وبناءها، وبهتت عند ذلك ثقيف، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فقسم أموالها من يومه وحمدوا الله تعالى على اعتزاز دينه ونصرة رسوله.
قال ابن إسحاق: وكان كتاب رسول الله ﷺ الّذي كتب لهم، ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾ من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين إن عضاه وج (١) وصيده لا يعضد من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، وإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي محمدا وإن هذا أمر النبي محمد، وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله.
وقد قال الامام احمد حدثنا عبد الله بن الحارث - من أهل مكة مخزومى - حدثني محمد ابن عبد الله بن أنسان - وأثنى عليه خيرا - عن أبيه عن عروة بن الزبير قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من ليّة (٢) حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله ﷺ في طرف القرن حذوها فاستقبل محبسا ببصره - يعنى واديا - ووقف حتى اتفق الناس كلهم ثم قال «إن صيدوح وعضاهه حرم محرم لله» وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا، وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي وقد ذكره ابن حبان في ثقاته. وقال ابن معين ليس به بأس. تكلم فيه بعضهم وقد ضعف احمد والبخاري وغيرهما هذا الحديث، وصححه الشافعيّ وقال بمقتضاه والله أعلم.
ذكر موت عبد الله بن أبىّ قبحه الله
قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد. قال: دخل رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبىّ يعوده في مرضه الّذي مات فيه، فلما عرف فيه الموت قال رسول الله ﷺ «أما والله إن كنت لأنهاك عن حب يهود» فقال قد أبغضهم أسعد بن زرارة فمه؟. وقال الواقدي مرض عبد الله بن أبى في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة، وكان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول الله يعوده فيها،
فلما كان اليوم الّذي مات فيه دخل عليه رسول الله ﷺ وهو يجود
стр. 1448
بنفسه فقال «قد نهيتك عن حب يهود» فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه؟ ثم قال يا رسول الله ليس هذا الحين عتاب هو الموت فاحضر غسلي وأعطنى قميصك الّذي يلي جلدك فكفني فيه وصل على واستغفر لي، ففعل ذلك به رسول الله ﷺ . وروى البيهقي من حديث سالم بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوا مما ذكره الواقدي فالله أعلم.
وقد قال إسحاق بن راهويه: قلت لأبي أسامة أحدثكم عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفى عبد الله بن أبىّ ابن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ وسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه، ثم سأله أن يصلى عليه فقام رسول الله ﷺ يصلى عليه فقام عمر بن الخطاب فاخذ بثوبه فقال: يا رسول الله تصلى عليه وقد نهاك الله عنه، فقال رسول الله «إن ربى خيرنى فقال ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ وسأزيد على السبعين» فقال إنه منافق أتصلي عليه؟ فانزل الله ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ فأقر به أبو أسامة وقال نعم! وأخرجاه في الصحيحين من حديث أبى أسامة، وفي رواية للبخاريّ وغيره قال عمر: فقلت يا رسول الله تصلى عليه وقد قال في يوم كذا كذا، وقال في يوم كذا كذا وكذا!! فقال «دعني يا عمر فانى بين خيرتين، ولو أعلم أنى إن زدت على السبعين غفر له لزدت» ثم صلى عليه فأنزل الله ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ الآية.
قال عمر: فعجبت من جرأتى على رسول الله ﷺ والله ورسوله أعلم. وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: أنى رسول الله ﷺ قبر عبد الله بن أبىّ بعد ما أدخل حفرته فامر به فاخرج فوضعه على ركبتيه - أو فخذيه - ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه فالله أعلم.
وفي صحيح البخاري بهذا الاسناد مثله وعنده إنه إنما ألبسه قميصه مكافأة لما كان كسى العباس قميصا حين قدم المدينة فلم يجدوا قميصا يصلح له إلا قميص عبد الله بن أبىّ. وقد ذكر البيهقي ها هنا قصة ثعلبة بن حاطب وكيف افتتن بكثرة المال ومنعه الصدقة، وقد حررنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية.
فصل
قال ابن إسحاق: وكانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ . وقال حسان بن ثابت ﵁ يعدد أيام الأنصار مع رسول الله ﷺ ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوة، قال ابن هشام وتروى لابنه عبد الرحمن بن حسان:
ألست خير معد كلها نفرا … ومعشرا إن هموا عموا وإن حصلوا
стр. 1449
قوم هموا شهدوا بدرا بأجمعهم … مع الرسول فما ألّوا وما خذلوا
وبايعوه فلم ينكث به أحد … منهم ولم يك في إيمانه دخل
ويوم صبّحهم في الشعب من أحد … ضرب رصين كحر النار مشتعل
ويوم ذي قرد يوم استثار بهم … على الجياد فما خانوا وما نكلوا
وذا العشيرة جاسوها بخيلهم … مع الرسول عليها البيض والأسل
ويوم ودان أجلوا أهله رقصا … بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل
وليلة طلبوا فيها عدوهم … لله والله يجزيهم بما عملوا
وليلة بحنين جالدوا معه … فيها يعلّهم في الحرب إذ نهلوا
وغزوة يوم نجد ثم كان لهم … مع الرسول بها الاسلاب والنفل
وغزوة القاع فرقنا العدو به … كما يفرق دون المشرب الرسل
ويوم بويع كانوا أهل بيعته … على الجلاد فآسوه وما عدلوا
وغزوة الفتح كانوا في سريته … مرابطين فما طاشوا وما عجلوا
ويوم خيبر كانوا في كتيبته … يمشون كلهم مستبسل بطل
بالبيض ترعش في الايمان عارية … تعوج بالضرب أحيانا وتعتدل
ويوم سار رسول الله محتسبا … إلى تبوك وهم راياته الأول
وساسة الحرب إن حرب بدت لهم … حتى بدا لهم الإقبال فالقفل
أولئك القوم أنصار النبي وهم … قومي أصير اليهم حين أتصل
ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم … وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا
ذكر بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع ونزول سورة براءة
قال ابن إسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول الله ﷺ في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطا. قال: أقام رسول الله ﷺ بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، وأهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد، فلما خرج أبو بكر ﵁ بمن معه من المسلمين وفصل عن البيت أنزل الله هذه الآيات من أول سورة التوبة ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ إلى قوله ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى﴾
стр. 1450
النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ إلى آخر القصة. ثم شرع ابن إسحاق يتكلم على هذه الآيات وقد بسطنا الكلام عليها في التفسير ولله الحمد والمنة، والمقصود أن رسول الله ﷺ بعث عليا ﵁ بعد أبى بكر الصديق ليكون معه ويتولى عليّ بنفسه إبلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رسول الله ﷺ لكونه ابن عمه من عصبته.
قال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبى جعفر محمد بن على أنه قال: لما نزلت براءة على رسول الله ﷺ وقد كان بعث أبا بكر الصديق ﵁ ليقيم للناس الحج، قيل له يا رسول الله ﷺ لو بعثت بها إلى أبى بكر فقال «لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتي» ثم دعا على بن أبى طالب فقال «اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى ألا إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدته» فخرج على بن أبى طالب على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ فقال بل مأمور، ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام على ابن أبى طالب فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله ﷺ وأجل أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة الا أحد كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدته فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله ﷺ . وهذا مرسل من هذا الوجه. وقد قال البخاري: باب حج أبى بكر ﵁ بالناس سنة تسع حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع حدثنا فليح عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة: أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمّره عليها النبي ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن في البيت عريان. وقال البخاري في موضع آخر حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرنى حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان. قال حميد ثم أردف النبي ﷺ بعلي فأمره أن يؤذن ببراءة قال: أبو هريرة فأذن معنا على في أهل منى يوم النحر ببراءة أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان. وقال البخاري في كتاب الجهاد حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرنى حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق فيمن يؤذن يوم النحر بمنى، لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل الا كبر من أجل قول الناس العمرة
стр. 1451
الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الّذي حج فيه رسول الله ﷺ مشرك. ورواه مسلم من طريق الزهري به نحوه.
وقال الامام احمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن مغيرة عن الشعبي عن محرز بن أبى هريرة عن أبيه. قال: كنت مع على بن أبى طالب حين بعثه رسول الله ﷺ فقال ما كنتم تنادون؟ قالوا كنا ننادى أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف في البيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فان أجله - أو أمده - إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر فان الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك. قال فكنت أنادى حتى صحل صوتي (١). وهذا اسناد جيد لكن فيه نكارة من جهة قول الراويّ إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر، وقد ذهب إلى هذا ذاهبون ولكن الصحيح أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ ولو زاد على أربعة أشهر ومن ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة أشهر، بقي قسم ثالث وهو من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول، فيكون أجله إلى مدته وإن قل، ويحتمل أن يقال إنه يؤجل إلى أربعة أشهر لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية والله تعالى أعلم.
وقال الإمام احمد حدثنا عفان ثنا حماد عن سماك عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ بعث براءة مع أبى بكر فلما بلغ ذا الحليفة قال «لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي» فبعث بها مع على بن أبى طالب. وقد رواه الترمذي من حديث حماد بن سلمة وقال حسن غريب من حديث أنس.
وقد روى عبد الله بن احمد عن لوين عن محمد بن جابر عن سماك عن حلس عن على أن رسول الله ﷺ لما أردف أبا بكر بعلي فأخذ منه الكتاب بالجحفة رجع أبو بكر فقال: يا رسول الله نزل في شيء؟ قال «لا ولكن جبريل جاءني فقال لا يؤدى عنك إلا أنت أو رجل منك» وهذا ضعيف الاسناد ومتنه فيه نكارة والله أعلم.
وقال الامام احمد حدثنا سفيان عن أبى إسحاق عن زيد بن بثيع - رجل من همدان - قال: سألنا عليا بأي شيء بعثت يوم بعثه رسول الله ﷺ مع أبى بكر في الحجة؟ قال بأربع، لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته ولا يحج المشركون بعد عامهم هذا. وهكذا رواه الترمذي من حديث سفيان - هو ابن عيينة - عن أبى إسحاق السبيعي عن زيد بن بثيع عن على به وقال حسن صحيح. ثم قال وقد رواه شعبة عن أبى إسحاق فقال عن زيد ابن أثيل، ورواه الثوري عن أبى إسحاق عن بعض أصحابه عن على.
قلت: ورواه ابن جرير من حديث معمر عن أبى إسحاق عن الحارث عن على.
وقال ابن
стр. 1452
جرير حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد أخبرنا حيوة بن شريح أخبرنا ابن صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت على بن أبى طالب عن يوم الحج الأكبر فقال إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر ابن أبى قحافة يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إلى فقال: قم يا على فادّ رسالة رسول الله ﷺ فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة ثم صدرنا فأتينا منى فرميت الجمرة ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضورا كلهم خطبة أبى بكر ﵁ يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم. قال على فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا وهو يوم عرفة. وقد تقصينا الكلام على هذا المقام في التفسير وذكرنا أسانيد الأحاديث والآثار في ذلك مبسوطا بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
قال الواقدي وقد كان خرج مع أبى بكر من المدينة ثلاثمائة من الصحابة منهم عبد الرحمن بن عوف، وخرج أبو بكر معه بخمس بدنات، وبعث معه رسول الله ﷺ بعشرين بدنة ثم أردفه بعلي فلحقه بالعرج فنادى ببراءة امام الموسم.
فصل
كان في هذه السنة - أعنى في سنة تسع - من الأمور الحادثة غزوة تبوك في رجب كما تقدم بيانه. قال الواقدي وفي رجب منهامات النجاشي صاحب الحبشة ونعاه رسول الله ﷺ إلى الناس.
وفي شعبان منها - أي من هذه السنة - توفيت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ فغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بن عبد المطلب، وقيل غسلها نسوة من الأنصار فيهن أم عطية.
قلت: وهذا ثابت في الصحيحين،
وثبت في الحديث أيضا أنه ﵇ لما صلى عليها وأراد دفنها قال: «لا يدخله أحد قارف الليلة أهله» فامتنع زوجها عثمان لذلك ودفنها أبو طلحة الأنصاري ﵁ [ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك ممن يتبرع بالحفر والدفن من الصحابة كأبى عبيدة وأبى طلحة ومن شابههم فقال «لا يدخل قبرها إلا من لم يقارف أهله من هؤلاء» إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ ، هذا بعيد والله أعلم] (١) وفيها صالح ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وصاحب دومة الجندل كما تقدم إيضاح ذلك كله في مواضعه. وفيها هدم مسجد الضرار الّذي بناه جماعة المنافقين صورة مسجد وهو دار حرب في
стр. 1453
الباطن فأمر به ﵇ فحرق. وفي رمضان منها قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم ورجعوا اليهم بالأمان وكسرت اللات كما تقدم. وفيها توفى عبد الله بن أبىّ بن سلول رأس المنافقين لعنه الله في أواخرها، وقبله بأشهر توفى معاوية بن معاوية الليثي - أو المزني - وهو الّذي صلى عليه رسول الله ﷺ وهو نازل بتبوك إن صح الخبر في ذلك. وفيها حج أبو بكر ﵁ بالناس عن إذن رسول الله ﷺ له في ذلك. وفيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب ولذلك تسمى سنة تسع سنة الوفود، وها نحن نعقد لذلك كتابا برأسه اقتداء بالبخاري وغيره.
كتاب الوفود
الواردين إلى رسول الله ﷺ
قال محمد بن إسحاق: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ضربت اليه وفود العرب من كل وجه، قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع وأنها كانت تسمى سنة الوفود، قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص بإسلامها أمر هذا الحي من قريش، لأن قريشا كانوا امام الناس وهاديتهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله ﷺ وخلافه فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوخها الإسلام عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته فدخلوا في دين الله كما قال أفواجا يضربون اليه من كل وجه يقول الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ أي فاحمد الله على ما ظهر من دينك ﴿وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً،﴾ وقد قدمنا حديث عمرو بن مسلمة قال: كانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح فيقولون اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر - أي قومي - بإسلامهم، فلما قدم قال جئتكم والله من عند النبي حقا، قال صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا، وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري.
قلت: وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقي بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قومهم على سنة تسع بل وعلى فتح مكة. وقد قال الله تعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ وتقدم
قوله ﷺ يوم الفتح «لا هجرة ولكن جهاد ونية» فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على
стр. 1454
زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعد الله خيرا وحسنى، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة والله أعلم. على أن هؤلاء الأئمة الذين اعتنوا بإيراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء لم يذكروها ونحن نورد بحمد الله ومنّه ما ذكروه وننبه على ما ينبغي التنبيه عليه من ذلك ونذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. وقد قال محمد بن عمر الواقدي حدثنا كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده. قال: كان أول من وفد على رسول الله ﷺ من مضر أربعمائة من مزينة وذاك في رجب سنة خمس
فجعل لهم رسول الله ﷺ الهجرة في دارهم وقال: «أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم» فرجعوا إلى بلادهم، ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبي باسناده أن أول من قدم من مزينة خزاعيّ بن عبد نهم ومعه عشرة من قومه فبايع رسول الله ﷺ على إسلام قومه، فلما رجع اليهم لم يجدهم كما ظن فيهم فتأخروا عنه. فأمر رسول الله ﷺ حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعي من غير أن يهجوه، فذكر أبياتا فلما بلغت خزاعيا شكى ذلك إلى قومه فجمعوا له وأسلموا معه وقدم بهم إلى رسول الله ﷺ فلما كان يوم الفتح دفع رسول الله ﷺ لواء مزينة - وكانوا يومئذ الفا - إلى خزاعيّ هذا، قال وهو أخو عبد الله ذو البجادين (١).
وقال البخاري ﵀ باب وفد بنى تميم حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبى صخرة عن صفوان بن محرز المازني عن عمران بن حصين. قال: أتى نفر من بنى تميم الي النبي ﷺ فقال: «أقبلوا البشرى يا بنى تميم» قالوا يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا، فرئي ذلك في وجهه ثم جاء نفر من اليمن فقال: «أقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم» قالوا قبلنا يا رسول الله. ثم قال البخاري حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبره عن ابن أبى مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبرهم: أنه قدم ركب من بنى تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر: أمّر القعقاع ابن معبد بن زرارة، فقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ حتى انقضت. ورواه البخاري أيضا من غير وجه عن ابن أبى مليكة بألفاظ أخر وقد ذكرنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية.
وقال محمد بن إسحاق: ولما قدمت على رسول الله ﷺ وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بنى تميم منهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر التميمي - أحد بنى سعد - وعمرو بن الأهتم، والحتحات (٢) بن يزيد، ونعيم بن يزيد، وقيس بن
стр. 1455
الحارث، وقيس بن عاصم أخو بنى سعد في وفد عظيم من بنى تميم. قال ابن إسحاق: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وقد كان الأقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنين والطائف، فلما قدم وفد بنى تميم كانا معهم،
ولما دخلوا المسجد نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته أن أخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله ﷺ من صياحهم، فخرج اليهم فقالوا يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: «قد أذنت لخطيبكم فليقل» فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الّذي له علينا الفضل والمن وهو أهله الّذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة. فمن مثلنا في الناس، ألسنا برءوس الناس وأولى فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لا كثرنا الكلام ولكن نخشى (١) من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف [بذلك] أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس.
فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس أخى بنى الحارث بن الخزرج: «قم فأجب الرجل في خطبته» فقام ثابت فقال: الحمد لله الّذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه ولم يك شيء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خيرته رسولا أكرمه نسبا وأصدقه حديثا وأفضله حسبا، فانزل عليه كتابا وائتمنه على خلقه فكان خيرة (٢) الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الايمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوى رحمه أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا ثم كان أول الخلق إجابة واستجاب لله حين دعاه رسول الله ﷺ نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم.
فقام الزبرقان بن بدر فقال:
نحن الكرام فلا حىّ يعادلنا … منّا الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم … عند النهاب وفضل العز يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا … من الشواء إذا لم يؤنس الفزع
بما ترى الناس تأتينا سراتهم … من كل أرض هويا ثم نصطنع
فننحر الكوم عبطا في أرومتنا … للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
فما ترانا إلى حي نفاخرهم … إلا استفادوا وكانوا الرأس تقتطع
فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه … فيرجع القوم والاخبار تستمع
стр. 1456
إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد … إنا كذلك عند الفخر نرتفع
قال ابن إسحاق: وكان حسان بن ثابت غائبا فبعث اليه رسول الله ﷺ قال فلما انتهيت إلى رسول الله ﷺ وقام شاعر القوم فقال ما قال أعرضت في قوله وقلت على نحو ما قال، فلما فرغ الزبرقان
قال رسول ﷺ لحسان بن ثابت: «قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال». فقال حسان:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم … قد بينوا سنّة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته … تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم … أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة … إن الخلائق - فاعلم - شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم … فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم … عند الدفاع ولا يوهون ما رفعوا
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم … أو وازنوا أهل مجد بالندى منعوا (١)
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم … لا يطمعون ولا يرديهم طمع
لا يبخلون على جار بفضلهم … ولا يمسهم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحي لم ندب لهم … كما يدب الى الوحشية الذرع
نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها … إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم … وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع (٢)
كأنهم في الوغى والموت مكتنع … أسد بحلية في أرساغها فدع
خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا … ولا يكن همك الأمر الّذي منعوا
فانّ في حربهم - فاترك عداوتهم - … شرا يخاض عليه السم والسلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم … إذا تفاوتت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره … فيما أحب لسان حائك صنع
فإنهم أفضل الاحياء كلهم … إن جد في الناس جدا لقول أو شمعوا (٣)
وقال ابن هشام: وأخبرنى بعض أهل العلم بالشعر من بنى تميم أن الزبرقان لما قدم على رسول الله ﷺ في وفد بنى تميم قام فقال:
стр. 1457
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا … إذا اختلفوا عند احتضار المواسم
بأنّا فروع الناس في كل موطن … وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا … ونضرب رأس الأصيد المتفاقم
وإن لنا المرباع في كل غارة … تغير بنجد أو بأرض الأعاجم
قال فقام حسان فأجابه فقال:
هل المجد إلا السؤدد العود والندى … وجاه الملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النبي محمدا … على أنف راض من معد وراغم
بحي حريد أصله وثراؤه … بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لما حل بين بيوتنا … بأسيافنا من كل باغ وظالم
جعلنا بنينا دونه وبناتنا … وطبنا له نفسا بفيء المغانم
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا … على دينه بالمرهفات الصوارم
ونحن ولدنا من قريش عظيمها … ولدنا نبي الخير من آل هاشم
بنى دارم لا تفخروا إن فخركم … يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم … لنا خول من بين ظئر وخادم
فان كنتم جئتم لحقن دمائكم … وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا … ولا تلبسوا زيا كزى الأعاجم
قال ابن إسحاق: فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبى إن هذا لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلا من أصواتنا. قال فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم، وكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم في رحالهم وكان أصغرهم سنا، فقال قيس بن عاصم - وكان يبغض عمرو بن الأهتم - يا رسول الله إنه كان رجل منافى رحالنا وهو غلام حدث وأزرى به، فأعطاه رسول الله ﷺ مثل ما أعطى القوم، قال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك يهجوه:
ظللت مفترش الهلباء تشتمني … عند الرسول فلم تصدق ولم تصب
سدناكم سؤددا رهوا وسؤددكم … باد نواجذه مقع على الذنب
وقد روى الحافظ البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن الزبير الحنظليّ. قال: قدم على رسول الله ﷺ الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الأهتم. فقال لعمرو بن الأهتم: «أخبرنى عن الزبرقان، فاما هذا فلست
стр. 1458
أسألك عنه» وأراه كان قد عرف قيسا، قال فقال مطاع في أدنيه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره.
فقال الزبرقان: قد قال ما قال وهو يعلم أنى أفضل مما قال، قال فقال عمرو: والله ما علمتك إلا زبر المروءة، ضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال، ثم قال يا رسول الله قد صدقت فيهما جميعا، أرضانى فقلت بأحسن ما أعلم فيه وأسخطنى فقلت بأسوإ ما أعلم.
قال فقال رسول الله ﷺ «إن من البيان سحرا» وهذا مرسل من هذا الوجه. قال البيهقي وقد روى من وجه آخر موصولا أنبأنا أبو جعفر كامل بن احمد المستملي ثنا محمد بن محمد بن محمد بن احمد بن عثمان البغدادي ثنا محمد بن عبد الله ابن الحسن العلاف ببغداد حدثنا على بن حرب الطائي أنبأنا أبو سعد بن الهيثم بن محفوظ عن أبى المقوم يحيى بن يزيد الأنصاري عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. قال: جلس إلى رسول الله ﷺ قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التميميون، ففخر الزبرقان فقال يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك - يعنى عمرو ابن الأهتم - قال عمرو بن الأهتم: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدنيه. فقال الزبرقان والله يا رسول الله لقد علم منى غير ما قال وما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو بن الأهتم أنا أحسدك فو الله إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا، وما كذبت فيما قلت آخرا ولكنى رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الاولى والأخرى جميعا.
فقال رسول الله ﷺ «إن من البيان سحرا» وهذا اسناد غريب جدا [وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم وهو أنه كانوا قد جهزوا السلاح على خزاعة فبعث اليهم رسول الله ﷺ عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصارى ولا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلا وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا فقدم رؤساهم بسبب أسرائهم ويقال قدم منهم تسعين - أو ثمانين - رجلا في ذلك منهم عطارد والزبرقان وقيس بن عاصم وقيس بن الحارث ونعيم بن سعد والأقرع بن حابس ورباح بن الحارث وعمرو بن الأهتم، فدخلوا المسجد وقد أذن بلال الظهر والناس ينتظرون رسول الله ﷺ ليخرج اليهم فعجل هؤلاء فنادوه من وراء الحجرات فنزل فيهم ما نزل، ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم وأنه ﵊ أجازهم على كل رجل أثنى عشر أوقية ونشا إلا عمرو بن الأهتم فإنما أعطى خمس أواق لحداثة سنه والله أعلم] (١).
قال ابن إسحاق: ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ، * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قال ابن
стр. 1459
جرير: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن أبى إسحاق عن البراء في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾. قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إن حمدي زين، وذمي شين. فقال: «ذاك الله » وهذا إسناد جيد متصل. وقد روى عن الحسن البصري وقتادة مرسلا عنهما، وقد وقع تسمية هذا الرجل
فقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا وهيب ثنا موسى بن عقبة عن أبى سلمة عن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد يا محمد، وفي رواية يا رسول الله فلم يجبه.
فقال: يا رسول الله إن حمدي لزين، وأن ذمي لشين. فقال: «ذاك الله ».
حديث في فضل بنى تميم
قال البخاري حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة عن أبى هريرة. قال: لا أزال أحب بنى تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ يقولها فيهم: «هم أشد أمتى على الدجال» وكانت فيهم سبية عند عائشة فقال: «أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل» وجاءت صدقانهم فقال: «هذه صدقات قوم - أو قومي -» وهكذا رواه مسلم عن زهير بن حرب به.
[وهذا الحديث يرد على قتادة ما ذكره صاحب الحماسة وغيره من شعر من ذمهم حيث يقول:]
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا … ولو سلكت طرق الرشاد لضلت
ولو أن برغونا على ظهر قملة … رأته تميم من بعيد لولت (١)]
وفد بنى عبد القيس
ثم قال البخاري بعد وفد بنى تميم: باب وفد عبد القيس حدثنا أبو إسحاق حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا قرة عن أبى حمزة قال قلت لابن عباس: إن لي جرة ينتبذ لي فيها فاشربه حلوا في حر إن أكثرت منه فجالست القوم فاطلت الجلوس خشيت أن أفتضح؟
فقال قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقال «مرحبا بالقوم غير خزايا ولا الندامى» فقال يا رسول الله إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام فحدثنا بجميل من الأمر أن عملنا به دخلنا الجنة وندعوا به من وراءنا. قال: «آمركم بأربع، وأنها كم عن أربع، الايمان بالله هل تدرون ما الايمان بالله شهادة أن ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ،﴾ وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس وأنها كم عن، أربع ما ينتبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت». وهكذا رواه مسلم من حديث قرة بن خالد عن أبى حمزة وله طرق في الصحيحين عن أبى حمزة.
وقال أبو
стр. 1460
داود الطيالسي في مسندة حدثنا شعبة عن أبى حمزة سمعت ابن عباس يقول: إن وفد عبد القيس لما قدم على رسول الله ﷺ قال «ممن القوم؟» قالوا من ربيعة. قال: «مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى» فقالوا يا رسول الله: إنا حي من ربيعة، وإنا نأتيك شقة بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام فمرنا بأمر فصل ندعوا اليه من وراءنا وندخل به الجنة. فقال رسول الله ﷺ : «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالايمان بالله وحده أتدرون ما الايمان بالله شهادة أن ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس، وأنها كم عن أربع، عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت - وربما قال والمقير - فاحفظوهن وادعوا إليهن من وراءكم» وقد أخرجاه صاحبا الصحيحين من حديث شعبة بنحوه،
وقد رواه مسلم من حديث سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى نضرة عن أبى سعيد بحديث قصتهم بمثل هذا السياق، وعنده أن رسول الله ﷺ قال لاشج عبد القيس «إن فيك لخلتين يحبهما الله ، الحلم والاناة» وفي رواية «يحبهما الله ورسوله» فقال يا رسول [تخلقتهما أم جبلنى الله عليهما؟ فقال: «جبلك الله عليهما» فقال الحمد لله الّذي جبلنى على خلقين يحبهما الله ورسوله (١)].
وقال الامام احمد حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم حدثنا مطر بن عبد الرحمن سمعت هند بنت الوازع أنها سمعت الوازع يقول: أتيت رسول الله ﷺ والأشج المنذر بن عامر - أو عامر بن المنذر - ومعهم رجل مصاب فانتهوا إلى رسول الله ﷺ فلما رأوا رسول الله ﷺ وثبوا من رواحلهم فاتوا رسول الله ﷺ فقبلوا يده، ثم نزل الأشج فعقل راحلته وأخرج عيبته ففتحها فاخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم أتى رواحلهم فعقلها فأتى رسول الله ﷺ فقال: «يا أشج إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله، الحلم والاناة» فقال يا رسول الله أنا تخلقتهما أو جبلنى الله عليهما؟ فقال: «بل الله جبلك عليهما». قال الحمد لله الّذي جبلنى على خلقين يحبهما الله ورسوله. فقال الوازع يا رسول الله إن معى خالا لي مصابا فادع الله له فقال: «أين هو آتيني به» قال فصنعت مثل ما صنع الأشج ألبسته ثوبيه وأتيته فاخذ من ورائه يرفعها حتى رأينا بياض إبطه، ثم ضرب بظهره فقال «أخرج عدو الله» فولى وجهه وهو ينظر بنظر رجل صحيح.
وروى الحافظ البيهقي من طريق هود بن عبد الله بن سعد أنه سمع جده مزيدة العبديّ. قال بينما رسول الله ﷺ يحدث أصحابه إذ قال لهم «سيطلع من ها هنا ركب هم خير أهل المشرق» فقام عمر فتوجه نحوهم فتلقى ثلاثة عشر راكبا، فقال من القوم؟ فقالوا من بنى عبد القيس، قال فما أقدمكم هذه البلاد التجارة؟ قالوا
стр. 1461
لا قال أما أن النبي ﷺ قد ذكركم آنفا فقال خيرا، ثم مشوا معه حتى أتوا النبي ﷺ فقال عمر للقوم: وهذا صاحبكم الّذي تريدون، فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم فمنهم من مشى ومنهم من هرول ومنهم من سعى حتى أتوا رسول الله ﷺ فأخذوا بيده فقبلوها،
وتخلف الأشج في الركاب حتى أناخها وجمع متاع القوم ثم جاء يمشى حتى أخذ بيد رسول الله ﷺ فقبلها، فقال النبي ﷺ «إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله». قال جبل جبلت أم تخلقا منى قال بل جبل. فقال: الحمد لله الّذي جبلنى على ما يحب الله ورسوله.
وقال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله ﷺ الجارود بن عمرو بن حنش أخو عبد القيس قال ابن هشام وهو الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس وكان نصرانيا، قال ابن إسحاق
وحدثني من لا أتهم عن الحسن (١) قال لما انتهى الى رسول الله ﷺ كلمه فعرض عليه الإسلام ودعاه اليه ورغبه فيه فقال يا محمد إني كنت على دين وإني تارك ديني لدينك أفتضمن لي ديني؟ فقال رسول الله ﷺ «نعم أنا ضامن أن قد هداك الله الى ما هو خير منه» قال فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله ﷺ الحملان فقال: «والله ما عندي ما أحملكم عليه». قال يا رسول الله إن بيننا وبين بلادنا ضوالا من ضوال الناس أفنتبلغ عليها الى بلادنا، قال لا إياك وإياها فإنما تلك حرق النار قال فخرج الجارود راجعا الى قومه وكان حسن الإسلام صلبا على دينه حتى هلك، وقد أدرك الردة فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم الى دينهم الأول مع الغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر قام الجارود فتشهد شهادة الحق ودعا الى الإسلام فقال: أيها الناس إني أشهد أن ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ وأن محمدا عبده ورسوله، واكفر من لم يشهد. وقد كان رسول الله ﷺ بعث العلاء بن الحضرميّ قبل فتح مكة الى المنذر بن ساوى العبديّ فأسلم فحسن إسلامه ثم هلك بعد رسول الله ﷺ قبل ردة أهل البحرين، والعلاء عنده أميرا لرسول الله ﷺ على البحرين. ولهذا روى البخاري من حديث إبراهيم بن طهمان عن أبى حمزة عن ابن عباس. قال: أول جمعة جمعت في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بحوّانا من البحرين، وروى البخاري عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ أخر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبد القيس حتى صلاهما بعد العصر في بيتها.
قلت: لكن في سياق ابن عباس ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فتح مكة لقولهم وبيننا وبينك هذا الحي من مضر لا نصل إليك إلا في شهر حرام والله أعلم.
قصة ثمامة ووفد بنى حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب لعنه الله
قال البخاري باب وفد بنى حنيفة وقصة ثمامة بن أثال حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث
стр. 1462
ابن سعد حدثني سعيد بن أبى سعيد سمع أبا هريرة قال: بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج اليه النبي ﷺ فقال: «ما عندك يا ثمامة»؟ قال عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم. وان تنعم تنعم على شاكر، وان كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فتركه حتى كان الغد ثم قال له: «ما عندك يا ثمامة»؟ فقال عندي ما قلت لك ان تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى بعد الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة»؟ فقال عندي ما قلت لك. فقال: «أطلقوا ثمامة» فانطلق الى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد. فقال: أشهد أن ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ وأن محمدا رسول الله، يا محمد والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض الى من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه الى، والله ما كان دين أبغض الى من دينك فأصبح دينك أحب الدين الىّ، والله ما كان من بلد أبغض الىّ من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد الى، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل أصبوت؟ قال: لا! ولكن أسلمت مع محمد ﷺ ، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ . وقد رواه البخاري في موضع آخر ومسلم وأبو داود والنسائي كلهم عن قتيبة عن الليث به. وفي ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر وذلك أن ثمامة لم يفد بنفسه وإنما أسر وقدم به في الوثاق فربط بسارية من سواري المسجد ثم في ذكره مع الوفود سنة تسع نظر آخر، وذلك أن الظاهر من سياق قصته أنها قبيل الفتح لأن أهل مكة عيروه بالإسلام وقالوا أصبوت فتوعدهم بأنه لا يفد اليهم من اليمامة حبة حنطة ميرة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ ، فدل على أن مكة كانت إذ ذاك دار حرب لم يسلم أهلها بعد والله أعلم. ولهذا ذكر الحافظ البيهقي قصة ثمامة بن أثال قبل فتح مكة وهو أشبه ولكن ذكرناه ها هنا اتباعا للبخاريّ ﵀.
وقال البخاري حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن عبد الله بن أبى حسين ثنا نافع بن جبير عن ابن عباس. قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، وقدم في بشر كثير من قومه فاقبل اليه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد رسول الله ﷺ قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه. فقال له: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الّذي رأيت فيه ما أريت، وهذا ثابت يجيبك عنى» ثم انصرف عنه. قال ابن عباس فسألت عن قول رسول الله ﷺ إنك الّذي رأيت فيه ما أريت، فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال «بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فاهمنى شأنهما، فأوحى الىّ في المنام إن أنفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما كذا بين يخرجان بعدي أحدهما الأسود العنسيّ والآخر مسيلمة». ثم
قال
стр. 1463
البخاري حدثنا إسحاق بن منصور ثنا عبد الرزاق أخبرنى معمر عن هشام بن أمية أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض فوضع في كفى سواران من ذهب فكبرا عليّ فأوحى الى أن انفخهما، فنفختهما فذهبا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة». ثم
قال البخاري ثنا سعيد بن محمد الجرمي ثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبى عن صالح عن ابن عبيدة عن نشيط - وكان في موضع آخر اسمه عبد الله - أن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة. قال: بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة فنزل في دار بنت الحارث وكان تحته بنت الحارث بن كريز وهي أم عبد الله بن الحارث (١) بن كريز فأتاه رسول الله ﷺ ومعه ثابت ابن قيس بن شماس وهو الّذي يقال له خطيب رسول الله ﷺ ، وفي يد رسول الله ﷺ قضيب فوقف عليه فكلمه فقال له مسيلمة إن شئت خليت بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك. فقال رسول الله ﷺ «لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه وإني لأراك الّذي رأيت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك عنى» فانصرف رسول الله ﷺ . قال عبد الله سألت ابن عباس عن رؤيا رسول الله ﷺ الّذي ذكر فقال ابن عباس ذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيت أنه وضع في يدي سواران من ذهب فقطعتهما وكرهتهما فاذن لي فنفختهما فطارا فأولتهما كذا بين [يخرجان» فقال عبيد الله أحدهما العنسيّ الّذي قتله (٢)] فيروز باليمن والآخر مسيلمة الكذاب. وقال محمد بن إسحاق: قدم على رسول الله ﷺ وفد بنى حنيفة فيهم مسيلمة بن ثمامة ابن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هماز بن ذهل بن الزول بن حنيفة ويكنى أبا ثمامة وقيل أبا هارون وكان قد تسمى بالرحمن فكان يقال له رحمان اليمامة وكان عمره يوم قتل مائة وخمسين سنة، وكان يعرف أبوابا من النيرجات فكان يدخل البيضة الى القارورة وهو أول من فعل ذلك، وكان يقص جناح الطير ثم يصله ويدعى أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب منها.
قلت: وسنذكر أشياء من خبره عند ذكر مقتله لعنه الله. قال ابن إسحاق: وكان منزلهم في دار بنت الحارث امرأة من الأنصار ثم من بنى النجار، فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن بنى حنيفة أتت به رسول الله ﷺ تستره بالثياب ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات،
فلما انتهى الى رسول الله ﷺ وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله فقال له رسول الله ﷺ «لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه» قال ابن إسحاق وحدثني شيخ من بنى حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا. وزعم أن وفد بنى حنيفة أتوا رسول الله ﷺ وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه فقالوا يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحبا
стр. 1464
لنا في رحالنا وفي ركائبنا يحفظها لنا،
قال فأمر له رسول الله ﷺ بمثل ما أمر به للقوم، وقال «أما أنه ليس بشّركم مكانا» أي لحفظه ضيعة أصحابه ذلك الّذي يريد رسول الله ﷺ ، قال ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ وجاءوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله ﷺ ، فلما انتهوا الى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم. وقال: إني قد أشركت في الأمر معه، وقال لوفده الذين كانوا معه ألم يقل لكم حين ذكرتموني له أما إنه ليس بشركم مكانا، ما ذاك إلا لما كان يعلم أنى قد أشركت في الأمر معه ثم جعل يسجع لهم السجعات ويقول لهم فيما. يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا. وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع هذا يشهد لرسول الله ﷺ بأنه نبي. فاصفقت (١) معه بنو حنيفة على ذلك. قال ابن إسحاق فالله أعلم أي ذلك كان. وذكر السهيليّ وغيره أن الرّحال بن عنفوة - واسمه نهار بن عنفوة - وكان قد أسلم وتعلم شيئا من القرآن وصحب رسول الله ﷺ مدة،
وقد مر عليه رسول الله ﷺ وهو جالس مع أبى هريرة وفرات بن حيان فقال لهم: «أحدكم ضرسه في النار مثل أحد» فلم يزالا خائفين حتى ارتد الرحال مع مسيلمة وشهد له زورا أن رسول الله ﷺ أشركه في الأمر معه، وألقى اليه شيئا مما كان يحفظه من القرآن فادعاه مسيلمة لنفسه فحصل بذلك فتنة عظيمة لبني حنيفة وقد قتله زيد بن الخطاب يوم اليمامة كما سيأتي. قال السهيليّ وكان مؤذن مسيلمة يقال له حجير، وكان مدبر الحرب بين يديه محكم بن الطفيل، وأضيف اليهم سجاح وكانت تكنى أم صادر تزوجها مسيلمة وله معها أخبار فاحشة، واسم مؤذنها زهير بن عمرو وقيل جنبة بن طارق، ويقال إن شبث بن ربعي أذن لها أيضا ثم أسلم وقد أسلمت هي أيضا أيام عمر بن الخطاب فحسن إسلامها، وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وقد كان مسيلمة بن حبيب كتب الى رسول الله ﷺ من مسيلمة رسول الله الى محمد رسول الله، سلام عليك أما بعد فانى قد أشركت في الأمر معك فان لنا نصف الأمر ولقريش نصف الأمر، ولكن قريشا قوم لا يعتدون. فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب
فكتب اليه رسول الله ﷺ ، ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى، أما بعد ف ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال وكان ذلك في آخر سنة عشر - يعنى ورود هذا الكتاب -
قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق فحدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما: «وأنتما تقولان مثل ما يقول؟» قالا نعم! فقال أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما.
وقال أبو داود الطيالسي حدثنا المسعودي عن عاصم عن أبى وائل عن عبد الله
стр. 1465
ابن مسعود. قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة الكذاب الى رسول الله ﷺ . فقال لهما: «أتشهدان أنى رسول الله» فقالا نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله ﷺ «آمنت بالله ورسله، ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما» قال عبد الله بن مسعود فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل. قال عبد الله: فاما ابن أنال فقد كفاه الله، وأما ابن النواحة فلم يزل في نفسي منه حتى أمكن الله منه. قال الحافظ البيهقي أما اسامة بن أثال فأنه أسلم وقد مضى الحديث في إسلامه. وأما ابن النواحة فأخبرنا أبو زكريا بن أبى إسحاق المزني انبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الوهاب ثنا جعفر بن عون أنبأنا إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم. قال: جاء رجل الى عبد الله بن مسعود فقال إني مررت ببعض مساجد بنى حنيفة وهم يقرءون قراءة ما أنزلها الله على محمد ﷺ ، والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما. قال فأرسل اليهم عبد الله فأتى بهم وهم سبعون رجلا ورأسهم عبد الله بن النواحة، قال فأمر به عبد الله فقتل ثم قال ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء ولكن نحوزهم الى الشام لعل الله أن يكفيناهم. وقال الواقدي كان وفد بنى حنيفة بضعة عشر رجلا عليهم سلمى بن حنظلة وفيهم الرحال ابن عنفوة وطلق بن على وعلى بن سنان ومسيلمة بن حبيب الكذاب، فأنزلوا في دار مسلمة بنت الحارث وأجريت على الضيافة فكانوا يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزا ولحما، ومرة خبزا ولبنا، ومرة خبزا، ومرة خبزا وسمنا، ومرة تمرا ينزلهم. فلما قدموا المسجد أسلموا وقد خلفوا مسيلمة في رجالهم، ولما أرادوا الانصراف أعطاهم جوائزهم خمس أواق من فضة،
وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم، لما ذكروا أنه في رحالهم فقال «أما إنه ليس بشركم مكانا» فلما رجعوا اليه أخبروه بما قال عنه فقال إنما قال ذلك لأنه عرف أن الأمر لي من بعده وبهذه الكلمة تشبث قبحه الله حتى ادعى النبوة. قال الواقدي وقد كان رسول الله ﷺ بعث معهم بأداوة فيها فضل طهوره وأمرهم أن يهدموا بيعتهم وينضحوا هذا الماء مكانه ويتخذوه مسجدا ففعلوا وسيأتي ذكر مقتل الأسود العنسيّ في آخر حياة رسول الله ﷺ ، ومقتل مسيلمة الكذاب في أيام الصديق، وما كان من أمر بنى حنيفة إن شاء الله تعالى.
وفد أهل نجران
قال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين ثنا يحيى بن آدم عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة. قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران الى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل فو الله لئن كان نبيا فلا عناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من
стр. 1466
بعدنا، قالا إنا نعطيك ما سألتنا وأبعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا رجلا أمينا، فقال «لا بعثن معكم رجلا أمينا حق أمين فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ . وقال قم يا أبا عبيدة ابن الجراح، فلما قام قال رسول الله ﷺ : «هذا أمين هذه الأمة» وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث شعبة عن أبى إسحاق به.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن سلمة بن يسوع عن أبيه عن جده - قال يونس وكان نصرانيا فأسلم - أن رسول الله ﷺ كتب الى نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان (١)، باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله الى أسقف نجران أسلم أنتم فأنى احمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد فانى أدعوكم الى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم الى ولاية الله من ولاية العباد، فان أبيتم فالجزية، فان أبيتم آذنتكم بحرب والسلام.
فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه قطع به وذعر به ذعرا شديدا وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة - وكان من همدان ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله لا الاتهم (٢) ولا السيد ولا العاقب - فدفع الأسقف كتاب رسول الله ﷺ إلى شرحبيل فقرأه، فقال الأسقف يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما تؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل ليس لي في النبوة رأى، ولو كان أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأي وجهدت لك، فقال له الأسقف تنح فاجلس، فتنحى شرحبيل فجلس ناحيته فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل وهو من ذي أصبح من حمير فاقرأه الكتاب وسأله عن الرأى فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الأسقف تنح فاجلس فتنحى فجلس ناحيته، وبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بنى الحارث بن كعب أحد بنى الحماس فاقرأه الكتاب وسأله عن الرأى فيه فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف فتنحى فجلس ناحيته فلما اجتمع الرأى منهم على تلك المقالة جميعا، أمر الأسقف بالناقوس فضرب به ورفعت النيران والمسوح في الصوامع وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمع حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاث وسبعون
стр. 1467
قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ وسألهم عن الرأى فيه، فاجتمع رأى أهل الرأى منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمدانيّ وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي وجبار بن فيض الحارثي فيأتوهم بخبر رسول الله ﷺ ، قال فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله ﷺ فسلموا عليه فلم يرد عليهم¬ السلام، وتصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكانوا يعرفونهما فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس. فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا وتصدينا لكلامه نهارا طويلا فاعيانا أن يكلمنا فما الرأى منكما، أترون أن نرجع؟ فقالا لعلى بن أبى طالب وهو في القوم ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟
فقال على لعثمان ولعبد الرحمن أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا اليه، ففعلوا فسلموا فرد سلامهم. ثم قال: «والّذي بعثني بالحق لقد أتونى المرة الاولى وأن إبليس لمعهم، ثم ساءلهم وساءلوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا ما تقول في عيسى فانا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى ليسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه فقال رسول الله ﷺ «ما عندي فيه شيء يومى هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقول الله في عيسى» فأصبح الغد وقد أنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾.
فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله ﷺ الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشى عند ظهره للملاعنة وله يومئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى امرا ثقيلا، والله لئن كان هذا الرجل ملكا متقويا فكنا أول العرب طعن في عيبته ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة وإنا أدنى العرب منهم جوارا، ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلا عناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك، فقال له صاحباه: فما الرأى يا أبا مريم؟ فقال رأيي أن أحكمه فانى أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا فقالا له أنت وذاك،
قال فتلقى شرحبيل رسول الله ﷺ فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك فقال «وما هو»؟ فقال حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فما حكمك فينا فهو جائز، فقال رسول الله ﷺ «لعل وراءك أحد يثرب عليك؟» فقال شرحبيل سل صاحبي، فقالا ما يرد
стр. 1468
الوادي ولا يصدر إلا عن رأى شرحبيل، فرجع رسول الله ﷺ فلم يلاعنهم حتى إذا كان الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب، بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد النبي الأمي رسول الله لنجران أن كان عليهم حكمه في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء ورقيق فأفضل عليهم وترك ذلك كله على ألفي حلة، في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة، وذكر تمام الشروط. إلى أن شهد أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو ومالك بن عوف من بنى نصر والأقرع بن حابس الحنظليّ والمغيرة، وكتب حتى إذا قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران ومع الأسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة، فدفع الوفد كتاب رسول الله ﷺ إلى الأسقف، فبينما هو يقرأه وأبو علقمة معه وهما يسيران إذ كبت ببشر ناقته فتعّس بشر غير أنه لا يكنى عن رسول الله ﷺ ، فقال له الأسقف عند ذلك قد والله تعست نبيا مرسلا فقال له بشر لا جرم والله لا أحل عنها عقدا حتى آتى رسول الله ﷺ ، فصرف وجه ناقته نحو المدينة وثنى الأسقف ناقته عليه، فقال له: افهم عنى إنما قلت هذا ليبلغ عنى العرب مخافة أن يروا أنا أخذنا حقه أو رضينا بصوته أو نجعنا لهذا الرجل بما لم تنجع به العرب ونحن أعزهم وأجمعهم دارا فقال له بشر لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا، فضرب بشر ناقته وهو مولى الأسقف ظهره وارتجز يقول:
إليك تغدو قلقا وضينها … معترضا في بطنها جنيهنا
مخالفا دين النصارى دينها
حتى أتى رسول الله ﷺ فأسلم ولم يزل معه حتى قتل بعد ذلك. قال ودخل الوفد نجران فأتى الراهب بن أبى شمر الزبيدي وهو في رأس صومعته فقال له: إن نبيا بعث بتهامة فذكر ما كان من وفد نجران الى رسول الله ﷺ وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا وإن بشر بن معاوية دفع اليه فأسلم فقال الراهب أنزلونى وإلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة قال فأنزلوه فأخذ معه هدية وذهب الى رسول الله ﷺ منها هذا البرد الّذي يلبسه الخلفاء وقعب وعصا. فأقام مدة عند رسول الله ﷺ يسمع الوحي ثم رجع الى قومه ولم يقدر له الإسلام ووعد أنه سيعود فلم يقدر له حتى توفى رسول الله ﷺ وأن الأسقف أبا الحارث أتى رسول الله ﷺ ومعه السيد والعاقب ووجوه قومه فأقاموا عنده يسمعون ما ينزل الله عليه
وكتب للاسقف هذا الكتاب ولاساقفة نجران بعده بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي للاسقف أبى الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير جوار الله ورسوله لا يغير أسقف من أسقفته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا ما كانوا عليه من ذلك، جوار الله ورسوله أبدا ما أصلحوا ونصحوا عليهم غير مبتلين بظلم ولا ظالمين وكتب المغيرة بن شعبة.
стр. 1469
وذكر محمد بن إسحاق أن وفد نصارى نجران كانوا ستين راكبا يرجع أمرهم الى أربعة عشر منهم وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد وهو الانهم (١) وأبو حارثة بن علقمة وأوس بن الحارث وزيد وقيس ويزيد ونبيه وخويلد وعمرو وخالد وعبد الله ويحنس وأمر هؤلاء الأربعة عشر يؤل الى ثلاثة منهم وهم العاقب وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم والّذي لا يصدرون إلا عن رأيه والسيد وكان ثمالهم (٢) وصاحب رحلهم وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وخيرهم وكان رجل من العرب من بكر بن وائل ولكن دخل في دين النصرانية فعظمته الروم وشرفوه وبنوا له الكنائس ومولوه وخدموه لما يعرفون من صلابته في دينهم وكان مع ذلك يعرف أمر رسول الله ﷺ ولكن صده الشرف والجاه من إتباع الحق. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني بريدة بن سفيان عن ابن البيلماني عن كرز (٣) بن علقمة. قال: قدم وفد نصارى نجران ستون راكبا منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر اليهم يؤول أمرهم العاقب والسيد وأبو حارثة أحد بنى بكر بن وائل أسقفهم وصاحب مدارستهم وكانوا قد شرفوه فيهم ومولوه وأكرموه، وبسطوا عليه الكرامات وبنوا له الكنائس لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما توجهوا من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له والى جنبه أخ له يقال له كرز بن علقمة يسابره إذ عثرت بغلة أبى حارثة فقال كرز: تعس الأبعد - يريد رسول الله ﷺ . فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست فقال له كرز ولم يا أخى فقال والله انه للنّبيّ الّذي كنا ننتظره فقال له كرز وما يمنعك وأنت تعلم هذا.
فقال له: ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا واخدمونا وقد أبوا الا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى قال فأضمر عليها منه أخوه كرز حتى أسلم بعد ذلك.
وذكر ابن إسحاق أنهم لما دخلوا المسجد النبوي دخلوا في تجمل وثياب حسان وقد حانت صلاة العصر فقاموا يصلون الى المشرق.
فقال رسول الله ﷺ دعوهم فكان المتكلم لهم أبا حارثة بن علقمة والسيد والعاقب حتى نزل فيهم صدر من سورة آل عمران والمباهلة فأبوا ذلك وسألوا أن يرسل معهم أمينا فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح كما تقدم في رواية البخاري وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسير سورة آل عمران ولله الحمد والمنة.
وفد بنى عامر * وقصة عامر بن الطفيل * وأربد بن مقيس (٤)
قال ابن إسحاق وقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى عامر فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن مقيس
стр. 1470
ابن جزء بن جعفر بن خالد وجبار (١) بن سلمى بن مالك بن جعفر وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم وقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله ﷺ وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه يا أبا عامر ان الناس قد أسلموا فأسلم. قال والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبى فانا أتبع عقب هذا الفتى من قريش؟ ثم قال لأربد ان قدمنا على الرجل فانى سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فأعله بالسيف،
فلما قدموا على رسول الله ﷺ . قال عامر بن الطفيل: يا محمد خالني قال: «لا والله حتى تؤمن بالله وحده» قال يا محمد خالني، قال وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به فجعل أربد لا يحير شيئا، فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال يا محمد خالني، قال «لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له» فلما أبى عليه رسول الله ﷺ . قال: أما والله لاملأنها عليك خيلا ورجالا فلما ولى قال رسول الله ﷺ «اللهمّ اكفني عامر بن الطفيل» فلما خرجوا من عند رسول الله ﷺ قال عامر بن الطفيل لأربد أين ما كنت أمرتك به والله ما كان على ظهر الأرض رجل أخوف على نفسي منك، وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال: لا أبا لك لا تعجل على والله ما هممت بالذي أمرتنى به إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك أفأضربك بالسيف.
وخرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأة من بنى سلول، فجعل يقول: يا بنى عامر أغدّة كغدة البكر في بيت امرأة من بنى سلول؟ قال ابن هشام: ويقال أغدّة كغدة الإبل وموت في بيت سلولية.
وروى الحافظ البيهقي من طريق الزبير بن بكار حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن موءلة عن أبيها عن جدها موءلة بن حميل (٢) قال أتى عامر بن الطفيل رسول الله ﷺ فقال له «يا عامر أسلم» فقال أسلم على أن لي الوبر ولك المدر: قال «لا» ثم قال أسلم فقال أسلم على أن لي الوبر ولك المدر قال لا فولى وهو يقول: والله يا محمد لأملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا ولأربطن بكل نخلة فرسا. فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ اكفني عامرا وأهد قومه. فخرج حتى إذا كان بظهر المدنية صادف امرأة من قومه يقال لها سلولية فنزل عن فرسه ونام في بيتها فأخذته غدة في حلقه فوثب على فرسه وأخذ رمحه وأقبل يجول وهو يقول غدة كغدة البكر وموت في بيت سلولية، فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتا. وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب في أسماء الصحابة موءلة هذا فقال هو موءلة بن كثيف الضبابي الكلابي العامري من بنى عامر بن صعصعة أنى رسول الله ﷺ وهو ابن عشرين سنة فأسلم وعاش في الإسلام مائة سنة وكان يدعى ذا اللسانين من فصاحته، روى عنه ابنه عبد العزيز وهو الّذي روى قصة عامر بن الطفيل غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية.
стр. 1471
قال الزبير بن بكار: حدثتني ظمياء بنت عبد العزيز بن موءلة بن كثيف بن حميل بن خالد بن عمرو بن معاوية وهو الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قالت حدثني أبى عن أبيه عن موءلة أنه أتى رسول الله ﷺ فأسلم وهو ابن عشرين سنة وبايع رسول الله ﷺ ومسح يمينه وساق أبله إلى رسول الله ﷺ فصدقها بنت لبون ثم صحب أبا هريرة بعد رسول الله ﷺ وعاش في الإسلام مائة سنة وكان يسمى ذا اللسانين من فصاحته. قلت والظاهر أن قصة عامر بن الطفيل متقدمة على الفتح، وإن كان ابن إسحاق والبيهقي قد ذكرها بعد الفتح وذلك لما رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن الأصم أنبأنا محمد بن إسحاق أنبأنا معاوية بن عمرو ثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس في قصة بئر معونة وقتل عامر بن الطفيل حرام بن ملحان خال أنس بن مالك وغدره بأصحاب بئر معونة حتى قتلوا عن آخرهم سوى عمرو بن أمية كما تقدم. قال الأوزاعي قال يحيى: فمكث رسول الله ﷺ يدعو على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحا اللهمّ اكفني عامر بن الطفيل بما شئت وابعث عليه ما يقتله فبعث الله عليه الطاعون. وروى عن همام عن إسحاق ابن عبد الله عن أنس في قصة ابن ملحان قال وكان عامر بن الطفيل قد أتى رسول الله ﷺ فقال أخيرك بين ثلاث خصال يكون لك أهل السهل ويكون لي أهل الوبر وأكون خليفتك من بعدك أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، قال فطعن في بيت امرأة فقال غدة كغدة البعير وموت في بيت امرأة من بنى فلان ائتوني بفرسي فركب فمات على ظهر فرسه.
قال ابن إسحاق ثم خرج أصحابه حين رأوه حتى قدموا أرض بنى عامر شاتين فلما قدموا أتاهم قومهم: فقالوا وما وراءك يا أربد؟ قال لا شيء: والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت لو أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله الآن فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. قال ابن إسحاق: وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لامه فقال لبيد يبكى أربد:
ما أن تعرى (١) المنون من أحد … لا والد مشفق ولا ولد
أخشى على أربد الحتوف ولا … أرهب نوء السماك والأسد
فعين هلاّ بكيت أربد إذ … قمنا وقام النساء في كبد
إن يشغبوا لا يبال شغبهم … أو يقصدوا في الحكوم يقتصد
حلو أريب وفي حلاوته … مر لصيق الأحشاء والكبد
وعين هلاّ بكيت أربد إذ … ألوت رياح الشتاء بالعضد
стр. 1472
وأصبحت لاقحا مصرّمة … حتى تجلت غوابر المدد
أشجع من ليث غابة لحم … ذو نهمة في العلا ومنتقد
لا تبلغ العين كلّ نهمتها … ليلة تمسى الجياد كالفدد
الباعث النوح في مآتمه … مثل الظباء الأبكار بالجرد
فجعني البرق والصواعق بالفارس … يوم الكريهة النجد
والحارب الجابر الحريب إذا … جاء نكيبا وإن يعد يعد
يعفو على الجهد والسؤال كما … ينبت غيث الربيع ذو الرصد
كل بنى حرة مصيرهم … قل وإن كثروا من العدد
إن يغبطوا يهبطوا وإن … أمروا يوما فهم للهلاك والنفد
وقد روى ابن إسحاق: عن لبيد أشعارا كثيرة في رثاء أخيه لامه أربد بن قيس تركناها اختصارا واكتفاء بما أوردناه والله الموفق للصواب. قال ابن هشام وذكر زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال فانزل الله في عامر وأربد «الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يده ومن خلفه يحفظونه من أمر الله» يعنى محمدا ﷺ ثم ذكر أربد وقتله فقال الله تعالى ﴿وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾.
قلت: وقد تكلمنا على هذه الآيات الكريمات في سورة الرعد ولله الحمد والمنة وقد وقع لنا إسناد ما علقه ابن هشام ﵀
فروينا من طريق الحافظ أبى القاسم سليمان بن احمد الطبراني في معجمه الكبير حيث قال حدثنا مسعدة بن سعد العطار حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثني عبد العزيز بن عمران حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم عن أبيهما عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: أن أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب وعامر بن الطفيل بن مالك قدما المدينة على رسول الله ﷺ فانتهيا اليه وهو جالس فجلسا بين يديه: فقال عامر بن الطفيل:
يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت فقال رسول الله ﷺ «مالك ما للمسلمين وعليك ما عليهم». قال:
عامر أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك. فقال رسول الله ﷺ : «ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل». قال أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر ولك المدر. قال رسول
стр. 1473
الله ﷺ : «لا» فلما قفا من عنده، قال عامر أما والله لاملأنها عليك خيلا ورجالا، فقال رسول الله ﷺ : «يمنعك الله» فلما خرج أربد وعامر قال عامر يا أربد أنا أشغل عنك محمدا بالحديث فاضربه بالسيف فان الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب فسنعطيهم الدية، قال أربد افعل. فأقبلا راجعين اليه، فقال عامر: يا محمد قم معى أكلمك فقام معه رسول الله ﷺ فخليا الى الجدار ووقف معه رسول الله ﷺ يكلمه، وسل أربد السيف فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطع سل السيف فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله ﷺ فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما، فلما خرج أربد وعامر من عند رسول الله ﷺ حتى إذا كانا بالحرة حرة وأقم نزلا فخرج اليهما سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير فقالا: أشخصا يا عدوا الله لعنكما الله، فقال عامر من هذا يا سعد؟ قال أسيد بن حضير الكتائب فخرجا حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته وخرج عامر حتى إذا كان بالحرة أرسل الله قرحة فأخذته فأدركه الليل في بيت امرأة من بنى سلول فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول غدة كغدة الجمل في بيت سلولية يرغب [عن] أن يموت في بيتها ثم ركب فرسه فأحضرها حتى مات عليه راجعا فانزل الله فيهما ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ (إلى قوله) ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعنى محمدا ﷺ ثم ذكر أربد وما قتله به فقال ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ﴾ الآية، وفي هذا السياق دلالة على ما تقدم [من] قصة عامر وأربد وذلك لذكر سعد بن معاذ فيه والله أعلم. وقد تقدم وفود الطفيل بن عامر الدوسيّ رضى عنه على رسول الله ﷺ بمكة وإسلامه وكيف جعل الله له نورا بين عينيه ثم سأل الله فحوله له الى طرف سوطه وبسطنا ذلك لك فلا حاجة الى إعادته ها هنا كما صنع البيهقي وغيره.
قدوم ضمام بن ثعلبة على رسول الله ﷺ وافدا عن قومه بنى سعد بن بكر
قال ابن إسحاق حدثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس. قال: بعث بنو سعد ابن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا الى رسول الله ﷺ فقدم اليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه. وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ في أصحابه. فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ «أنا ابن عبد المطلب» فقال: يا محمد قال! نعم. قال: يا بن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك. قال «لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك» فقال: أنشدك إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله بعثك إلينا رسولا. قال: «اللهمّ نعم!» قال: فأنشدك
стр. 1474
الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا وان نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون. قال: اللهمّ نعم! قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس. قال «نعم!» قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الإسلام كلها ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التي قبلها حتى إذا فرغ قال: فانى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وسأؤدّي هذه الفرائض واجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص ثم انصرف الى بعيره راجعا. قال: فقال رسول الله ﷺ «إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة» قال:
فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا اليه فكان أول ما تكلم أن قال بئست اللاّت والعزى. فقالوا: مه يا ضمام اتّق البرص، اتّق الجذام، اتّق الجنون. فقال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه.
وانى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه. قال: فو الله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما.
قال: يقول ابن عباس فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة. وهكذا رواه الامام احمد عن يعقوب بن إبراهيم الزهري عن أبيه عن ابن إسحاق فذكره، وقد روى هذا الحديث أبو داود من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس بنحوه وفي هذا السياق ما يدل على أنه رجع الى قومه قبل الفتح لأن العزى خربها خالد بن الوليد أيام الفتح.
وقد قال الواقدي حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن شريك بن عبد الله بن أبى نمر عن كريب عن ابن عباس. قال: بعثت بنو سعد بن بكر في رجب سنة خمس ضمام بن ثعلبة وكان جلدا أشعر ذا عذارتين وافدا الى رسول الله ﷺ فاقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ فسأله فاغلظ في المسألة سأله عمن أرسله وبما أرسله؟ وسأله عن شرائع الإسلام فأجابه رسول الله ﷺ في ذلك كله فرجع الى قومه مسلما قد خلع الأنداد فأخبرهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما وبنو المساجد وأذنوا بالصلاة.
وقال الامام احمد حدثنا هاشم بن القاسم ثنا سليمان - يعنى ابن المغيرة - عن ثابت عن أنس ابن مالك. قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك قال صدق! قال فمن خلق السموات قال الله قال فمن خلق الأرض قال الله
стр. 1475
قال فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل قال الله. قال فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك قال نعم! قال وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال صدق قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم! قال وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا قال صدق قال فبالذي أرسلك الله آلله أمرك بهذا قال نعم! قال وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا قال صدق قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم! قال وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع اليه سبيلا. قال صدق قال ثم ولى فقال والّذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنّ شيئا ولا أنقص عليهنّ شيئا. فقال النبي ﷺ «إن صدق ليدخلن الجنة». وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما بأسانيد وألفاظ كثيرة عن أنس بن مالك ﵁. وقد رواه مسلم من حديث أبى النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة وعلقه البخاري من طريقه وأخرجه من وجه آخر بنحوه.
فقال الامام احمد حدثنا حجاج ثنا ليث حدثني سعيد بن أبى سعيد عن شريك بن عبد الله ابن أبى نمرانه سمع أنس بن مالك يقول: بينا نحن عند رسول الله ﷺ جلوس في المسجد دخل رجل على جمل فاناخه في المسجد ثم عقله ثم قال. أيكم محمد؟ ورسول الله ﷺ متكئ بين ظهرانيهم قال فقلنا هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال الرجل: يا ابن عبد المطلب فقال رسول الله ﷺ قد أجبتك فقال الرجل يا محمد انى سائلك فمشتد عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك فقال سل ما بدا لك. فقال الرجل: أسألك بربك ورب من كان قبلك الله أرسلك الى الناس كلهم، فقال رسول الله ﷺ «اللهمّ نعم!» قال فأنشدك الله. آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة فقال رسول الله ﷺ «اللهمّ نعم!» قال الرجل آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بنى سعد بن بكر. وقد رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن الليث بن سعد عن سعيد المقبري به وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن الليث به. والعجب أن النسائي رواه من طريق آخر عن الليث قال حدثني ابن عجلان وغيره من أصحابنا عن سعيد المقبري عن شريك عن أنس بن مالك فذكره وقد رواه النسائي أيضا من حديث عبيد الله العمرى عن سعيد المقبري عن أبى هريرة فلعله عن سعيد المقبري من الوجهين جميعا.
فصل
وقد قدمنا ما رواه الامام احمد عن يحيى بن آدم عن حفص بن غياث عن داود بن أبى هند عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قدوم ضماد الأزدي (١) على رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة