← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

قال الزبير بن بكار: حدثتني ظمياء بنت عبد العزيز بن موءلة بن كثيف بن حميل بن خالد بن عمرو بن معاوية وهو الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قالت حدثني أبى عن أبيه عن موءلة أنه أتى رسول الله ﷺ فأسلم وهو ابن عشرين سنة وبايع رسول الله ﷺ ومسح يمينه وساق أبله إلى رسول الله ﷺ فصدقها بنت لبون ثم صحب أبا هريرة بعد رسول الله ﷺ وعاش في الإسلام مائة سنة وكان يسمى ذا اللسانين من فصاحته. قلت والظاهر أن قصة عامر بن الطفيل متقدمة على الفتح، وإن كان ابن إسحاق والبيهقي قد ذكرها بعد الفتح وذلك لما رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن الأصم أنبأنا محمد بن إسحاق أنبأنا معاوية بن عمرو ثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس في قصة بئر معونة وقتل عامر بن الطفيل حرام بن ملحان خال أنس بن مالك وغدره بأصحاب بئر معونة حتى قتلوا عن آخرهم سوى عمرو بن أمية كما تقدم. قال الأوزاعي قال يحيى: فمكث رسول الله ﷺ يدعو على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحا اللهمّ اكفني عامر بن الطفيل بما شئت وابعث عليه ما يقتله فبعث الله عليه الطاعون. وروى عن همام عن إسحاق ابن عبد الله عن أنس في قصة ابن ملحان قال وكان عامر بن الطفيل قد أتى رسول الله ﷺ فقال أخيرك بين ثلاث خصال يكون لك أهل السهل ويكون لي أهل الوبر وأكون خليفتك من بعدك أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، قال فطعن في بيت امرأة فقال غدة كغدة البعير وموت في بيت امرأة من بنى فلان ائتوني بفرسي فركب فمات على ظهر فرسه. قال ابن إسحاق ثم خرج أصحابه حين رأوه حتى قدموا أرض بنى عامر شاتين فلما قدموا أتاهم قومهم: فقالوا وما وراءك يا أربد؟ قال لا شيء: والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت لو أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله الآن فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. قال ابن إسحاق: وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لامه فقال لبيد يبكى أربد: ما أن تعرى (١) المنون من أحد … لا والد مشفق ولا ولد أخشى على أربد الحتوف ولا … أرهب نوء السماك والأسد فعين هلاّ بكيت أربد إذ … قمنا وقام النساء في كبد إن يشغبوا لا يبال شغبهم … أو يقصدوا في الحكوم يقتصد حلو أريب وفي حلاوته … مر لصيق الأحشاء والكبد وعين هلاّ بكيت أربد إذ … ألوت رياح الشتاء بالعضد

стр. 1472

وأصبحت لاقحا مصرّمة … حتى تجلت غوابر المدد أشجع من ليث غابة لحم … ذو نهمة في العلا ومنتقد لا تبلغ العين كلّ نهمتها … ليلة تمسى الجياد كالفدد الباعث النوح في مآتمه … مثل الظباء الأبكار بالجرد فجعني البرق والصواعق بالفارس … يوم الكريهة النجد والحارب الجابر الحريب إذا … جاء نكيبا وإن يعد يعد يعفو على الجهد والسؤال كما … ينبت غيث الربيع ذو الرصد كل بنى حرة مصيرهم … قل وإن كثروا من العدد إن يغبطوا يهبطوا وإن … أمروا يوما فهم للهلاك والنفد وقد روى ابن إسحاق: عن لبيد أشعارا كثيرة في رثاء أخيه لامه أربد بن قيس تركناها اختصارا واكتفاء بما أوردناه والله الموفق للصواب. قال ابن هشام وذكر زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال فانزل الله في عامر وأربد «الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يده ومن خلفه يحفظونه من أمر الله» يعنى محمدا ﷺ ثم ذكر أربد وقتله فقال الله تعالى ﴿وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾. قلت: وقد تكلمنا على هذه الآيات الكريمات في سورة الرعد ولله الحمد والمنة وقد وقع لنا إسناد ما علقه ابن هشام ﵀ فروينا من طريق الحافظ أبى القاسم سليمان بن احمد الطبراني في معجمه الكبير حيث قال حدثنا مسعدة بن سعد العطار حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثني عبد العزيز بن عمران حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم عن أبيهما عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: أن أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب وعامر بن الطفيل بن مالك قدما المدينة على رسول الله ﷺ فانتهيا اليه وهو جالس فجلسا بين يديه: فقال عامر بن الطفيل: يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت فقال رسول الله ﷺ «مالك ما للمسلمين وعليك ما عليهم». قال: عامر أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك. فقال رسول الله ﷺ : «ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل». قال أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر ولك المدر. قال رسول

стр. 1473

الله ﷺ : «لا» فلما قفا من عنده، قال عامر أما والله لاملأنها عليك خيلا ورجالا، فقال رسول الله ﷺ : «يمنعك الله» فلما خرج أربد وعامر قال عامر يا أربد أنا أشغل عنك محمدا بالحديث فاضربه بالسيف فان الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب فسنعطيهم الدية، قال أربد افعل. فأقبلا راجعين اليه، فقال عامر: يا محمد قم معى أكلمك فقام معه رسول الله ﷺ فخليا الى الجدار ووقف معه رسول الله ﷺ يكلمه، وسل أربد السيف فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطع سل السيف فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله ﷺ فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما، فلما خرج أربد وعامر من عند رسول الله ﷺ حتى إذا كانا بالحرة حرة وأقم نزلا فخرج اليهما سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير فقالا: أشخصا يا عدوا الله لعنكما الله، فقال عامر من هذا يا سعد؟ قال أسيد بن حضير الكتائب فخرجا حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته وخرج عامر حتى إذا كان بالحرة أرسل الله قرحة فأخذته فأدركه الليل في بيت امرأة من بنى سلول فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول غدة كغدة الجمل في بيت سلولية يرغب [عن] أن يموت في بيتها ثم ركب فرسه فأحضرها حتى مات عليه راجعا فانزل الله فيهما ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ (إلى قوله) ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعنى محمدا ﷺ ثم ذكر أربد وما قتله به فقال ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ﴾ الآية، وفي هذا السياق دلالة على ما تقدم [من] قصة عامر وأربد وذلك لذكر سعد بن معاذ فيه والله أعلم. وقد تقدم وفود الطفيل بن عامر الدوسيّ رضى عنه على رسول الله ﷺ بمكة وإسلامه وكيف جعل الله له نورا بين عينيه ثم سأل الله فحوله له الى طرف سوطه وبسطنا ذلك لك فلا حاجة الى إعادته ها هنا كما صنع البيهقي وغيره. قدوم ضمام بن ثعلبة على رسول الله ﷺ وافدا عن قومه بنى سعد بن بكر قال ابن إسحاق حدثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس. قال: بعث بنو سعد ابن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا الى رسول الله ﷺ فقدم اليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه. وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ في أصحابه. فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ «أنا ابن عبد المطلب» فقال: يا محمد قال! نعم. قال: يا بن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك. قال «لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك» فقال: أنشدك إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله بعثك إلينا رسولا. قال: «اللهمّ نعم!» قال: فأنشدك

стр. 1474

الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا وان نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون. قال: اللهمّ نعم! قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس. قال «نعم!» قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الإسلام كلها ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التي قبلها حتى إذا فرغ قال: فانى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وسأؤدّي هذه الفرائض واجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص ثم انصرف الى بعيره راجعا. قال: فقال رسول الله ﷺ «إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة» قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا اليه فكان أول ما تكلم أن قال بئست اللاّت والعزى. فقالوا: مه يا ضمام اتّق البرص، اتّق الجذام، اتّق الجنون. فقال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه. وانى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه. قال: فو الله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. قال: يقول ابن عباس فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة. وهكذا رواه الامام احمد عن يعقوب بن إبراهيم الزهري عن أبيه عن ابن إسحاق فذكره، وقد روى هذا الحديث أبو داود من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس بنحوه وفي هذا السياق ما يدل على أنه رجع الى قومه قبل الفتح لأن العزى خربها خالد بن الوليد أيام الفتح. وقد قال الواقدي حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن شريك بن عبد الله بن أبى نمر عن كريب عن ابن عباس. قال: بعثت بنو سعد بن بكر في رجب سنة خمس ضمام بن ثعلبة وكان جلدا أشعر ذا عذارتين وافدا الى رسول الله ﷺ فاقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ فسأله فاغلظ في المسألة سأله عمن أرسله وبما أرسله؟ وسأله عن شرائع الإسلام فأجابه رسول الله ﷺ في ذلك كله فرجع الى قومه مسلما قد خلع الأنداد فأخبرهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما وبنو المساجد وأذنوا بالصلاة. وقال الامام احمد حدثنا هاشم بن القاسم ثنا سليمان - يعنى ابن المغيرة - عن ثابت عن أنس ابن مالك. قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك قال صدق! قال فمن خلق السموات قال الله قال فمن خلق الأرض قال الله

стр. 1475

قال فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل قال الله. قال فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك قال نعم! قال وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال صدق قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم! قال وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا قال صدق قال فبالذي أرسلك الله آلله أمرك بهذا قال نعم! قال وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا قال صدق قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم! قال وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع اليه سبيلا. قال صدق قال ثم ولى فقال والّذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنّ شيئا ولا أنقص عليهنّ شيئا. فقال النبي ﷺ «إن صدق ليدخلن الجنة». وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما بأسانيد وألفاظ كثيرة عن أنس بن مالك ﵁. وقد رواه مسلم من حديث أبى النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة وعلقه البخاري من طريقه وأخرجه من وجه آخر بنحوه. فقال الامام احمد حدثنا حجاج ثنا ليث حدثني سعيد بن أبى سعيد عن شريك بن عبد الله ابن أبى نمرانه سمع أنس بن مالك يقول: بينا نحن عند رسول الله ﷺ جلوس في المسجد دخل رجل على جمل فاناخه في المسجد ثم عقله ثم قال. أيكم محمد؟ ورسول الله ﷺ متكئ بين ظهرانيهم قال فقلنا هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال الرجل: يا ابن عبد المطلب فقال رسول الله ﷺ قد أجبتك فقال الرجل يا محمد انى سائلك فمشتد عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك فقال سل ما بدا لك. فقال الرجل: أسألك بربك ورب من كان قبلك الله أرسلك الى الناس كلهم، فقال رسول الله ﷺ «اللهمّ نعم!» قال فأنشدك الله. آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة فقال رسول الله ﷺ «اللهمّ نعم!» قال الرجل آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بنى سعد بن بكر. وقد رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن الليث بن سعد عن سعيد المقبري به وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن الليث به. والعجب أن النسائي رواه من طريق آخر عن الليث قال حدثني ابن عجلان وغيره من أصحابنا عن سعيد المقبري عن شريك عن أنس بن مالك فذكره وقد رواه النسائي أيضا من حديث عبيد الله العمرى عن سعيد المقبري عن أبى هريرة فلعله عن سعيد المقبري من الوجهين جميعا. فصل وقد قدمنا ما رواه الامام احمد عن يحيى بن آدم عن حفص بن غياث عن داود بن أبى هند عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قدوم ضماد الأزدي (١) على رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة

стр. 1476

وإسلامه وإسلام قومه كما ذكرنا مبسوطا بما أغنى عن إعادته ها هنا ولله الحمد والمنة. وفد طيِّئ مع زيد الخيل ﵁ قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله ﷺ وفد طيِّئ وفيهم زيد الخيل وهو سيدهم فلما انتهوا اليه كلموه وعرض عليهم رسول الله ﷺ الإسلام فأسلموا فحسن إسلامهم. وقال رسول الله ﷺ كما «حدثني من لا أتهم من رجال طيِّئ ما ذكر رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ الّذي فيه ثم سماه رسول الله ﷺ زيد الخير وقطع له فيد وأرضين معه وكتب له بذلك فخرج من عند رسول الله ﷺ راجعا إلى قومه فقال رسول الله ﷺ «إن ينج زيد من حمى المدينة فإنه قال» وقد سماها رسول الله ﷺ باسم غير الحمى وغير أم ملدم - لم يثبته - قال فلما انتهى من بلد نجد الى ماء من مياهه يقال له فردة اصابته الحمى فمات بها ولما أحس بالموت قال: أمرتحل قومي المشارق غدوة … وأترك في بيت بفردة منجد ألا رب يوم لو مرضت لعادنى … عوائد من لم يبر منهن يجهد (١) قال ولما مات عمدت امرأته بجهلها وقلة عقلها ودينا الى ما كان معه من الكتب فحرقتها بالنار. قلت: وقد ثبت في الصحيح عن أبى سعيد أن على بن أبى طالب بعث الى رسول الله ﷺ من اليمن بذهبية في تربتها فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة زيد الخيل، وعلقمة بن علاثة، والأقرع ابن حابس، وعتبة بن بدر الحديث. وسيأتي ذكره في بعث على الى اليمن إن شاء الله تعالى. قصة عدي بن حاتم الطائي قال البخاري: في الصحيح وفد طيِّئ وحديث عدي بن حاتم حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبو عوانة ثنا عبد الملك بن عمير عن عمرو بن حريث عن عدي بن حاتم. قال: أتينا عمر بن الخطاب في وفد فجعل يدعو رجلا رجلا يسميهم. فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال بلى أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ نكروا. فقال عدي: لا أبالى إذا، وقال ابن إسحاق وأما عدي بن حاتم فكان يقول فيما بلغني ما رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله ﷺ حين سمع به منى أما أنا فكنت امرأ شريفا وكنت نصرانيا وكنت أسير في قومي بالمرباع

стр. 1477

وكنت في نفسي على دين وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بى، فلما سمعت برسول الله ﷺ كرهته فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعيا لإبلي لا أبا لك أعدد لي من إبلي أجمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا منى فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فاذنى ففعل، ثم إنه أتانى ذات غداة فقال: يا عدي ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فانى قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا هذه جيوش محمد. قال: قلت. فقرب الى اجمالى فقربها فاحتملت بأهلى وولدى ثم قلت الحق بأهل ديني من النصارى بالشام فسلكت الحوشية وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها وتخالفنى خيل رسول الله ﷺ فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت فقدم بها على رسول الله ﷺ في سبايا من طيِّئ وقد بلغ رسول الله ﷺ هربي الى الشام، قال فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس بها فمر بها رسول الله ﷺ فقامت اليه وكانت امرأة جزلة. فقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن على من الله عليك. قال: ومن وافدك؟ قالت عدي بن حاتم قال الفار من الله ورسوله قالت ثم مضى وتركني حتى إذا كان الغد مر بي فقلت له مثل ذلك وقال لي مثل ما قال بالأمس، قالت حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست فاشار إليّ رجل خلفه أن قومي فكلميه. قالت فقمت اليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن على من الله عليك. فقال ﷺ قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنينى، فسألت عن الرجل الّذي أشار إلى أن كلميه فقيل لي على بن أبى طالب قالت فقمت حتى قدم من بلى أو قضاعة قالت وإنما أريد أن آتى أخى بالشام فجئت فقلت يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ. قالت: فكساني وحملني وأعطانى نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشام قال عدي فو الله إني لقاعد في أهلي فنظرت إلى ظعينة تصوّب إلى قومنا قال فقلت ابنة حاتم قال فإذا هي هي فلما وقفت عليّ استحلت تقول القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك؟ قال قلت أي أخية لا تقولي إلا خيرا فو الله ما لي من عذر لقد صنعت ما ذكرت قال ثم نزلت فأقامت عندي فقلت لها وكانت امرأة حازمة ماذا ترين في أمر هذا الرجل، قالت أرى والله أن تلحق به سريعا فان يكن الرجل نبيا فللسابق اليه فضله وإن يكن ملكا فلن تزل في عز اليمن وأنت أنت. قال: قلت والله إن هذا الرأى قال فخرجت حتى أقدم على رسول الله ﷺ المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه. فقال: من الرجل؟ فقلت عدي بن حاتم، فقام رسول الله ﷺ ، وانطلق بى إلى بيته فو الله إنه لعامد بى اليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها قال قلت في نفسي والله ما هذا بملك. قال: ثم مضى بى رسول الله ﷺ حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلى فقال «اجلس على هذه»

стр. 1478

قال قلت بل أنت فاجلس عليها. قال «بل أنت» فجلست وجلس رسول الله ﷺ بالأرض، قال قلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال «إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسيا (١)» قال قلت بلى! قال (أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع) قال قلت بلى! قال «فان ذلك لم يكن يحل لك في دينك» قال قلت أجل! والله. قال وعرفت أنه بنى مرسل يعلم ما يجهل ثم قال «لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه إنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم». قال: فأسلمت، قال فكان عدي يقول مضت اثنتان وبقيت الثالثة والله لتكونن وقد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وأيم الله لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه. هكذا أورد ابن إسحاق ﵀ هذا السياق بلا اسناد وله شواهد من وجوه أخر. فقال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت سماك بن حرب سمعت عباد ابن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم. قال: جاءت خيل رسول الله ﷺ وأنا بعقرب (٢) فأخذوا عمتي وناسا فلما أتوا بهم رسول الله ﷺ قال فصفوا له. قالت: يا رسول الله بان الوافد وانقطع الولد وأنا عجوز كبيرة ما بى من خدمة فمنّ عليّ من الله عليك. فقال: ومن وافدك قالت عدي بن حاتم قال الّذي فر من الله ورسوله، قالت فمنّ على فلما رجع ورجل إلى جنبه - نرى أنه على - قال سليه حملانا قال فسألته فامر لها قال عدي فاتتنى فقالت لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها وقالت ايته راغبا أو راهبا فقد أتاه فلان فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه. قال فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي فذكر قربهم منه فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر. فقال له: يا عدي بن حاتم ما أفرّك؟ أفرك أن يقال لا إله إلا الله فهل من إله إلا الله، ما أفرك؟ أفرك أن يقال الله أكبر فهل شيء هو أكبر من الله ، فأسلمت فرأيت وجهه استبشر وقال إن المغضوب عليهم اليهود وإن الضالين النصارى. قال ثم سألوه فحمد الله واثنى عليه ثم قال: أما بعد فلكم أيها الناس أن ترضخوا من الفضل ارتضخ امرؤ بصاع ببعض صاع بقبضة ببعض قبضة قال شعبة - وأكثر علمي أنه قال بتمرة بشق تمرة - وإنّ أحدكم لاقى الله فقاتل ما أقول ألم أجعلك سميعا بصيرا ألم أجعل لك مالا

стр. 1479

وولدا فماذا قدمت: فينظر من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يجد شيئا فما يتقى النار إلا بوجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة فان لم تجدوه فبكلمة لينة، إني لا أخشى عليكم الفاقة لينصرنكم الله وليعطينكم - أو ليفتحن عليكم - حتى تسير الظعنية بين الحيرة ويثرب، إن أكثر ما يخاف السرق على ظعينتها. وقد رواه الترمذي من حديث شعبة وعمرو بن أبى قيس كلاهما عن سماك ثم قال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك. وقال الامام احمد أيضا حدثنا يزيد أنبأنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى عبيدة - هو ابن حذيفة - عن رجل. قال قلت لعدي بن حاتم: حديث بلغني عنك أحب أن أسمعه منك قال نعم! لما بلغني خروج رسول الله ﷺ كرهت خروجه كراهية شديدة فخرجت حتى وقعت ناحية الروم - وفي رواية حتى قدمت على قيصر - قال فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهتي لخروجه قال قلت والله لو أتيت هذا الرجل فان كان كاذبا لم يضرني وإن كان صادقا علمت قال فقدمت فأتيته فلما قدمت قال الناس عدي بن حاتم؟ فدخلت على رسول الله ﷺ فقال لي: يا عدي بن حاتم أسلم تسلم ثلاثا قال قلت انى على دين. قال: أنا أعلم بدينك منك فقلت أنت تعلم بديني منى قال نعم! الست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك قلت بلى! قال هذا لا يحل لك في دينك قال نعم! فلم يعد أن قالها فتواضعت لها قال أما أنى أعلم الّذي يمنعك من الإسلام تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة لهم وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها قال فو الّذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعنية من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز قال قلت كنوز ابن هرمز قال نعم! كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد. قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة [تأتى] من الحيرة تطوف بالبيت في غير جوار ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والّذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله ﷺ قد قالها. ثم قال احمد حدثنا يونس بن محمد حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبى عبيدة بن حذيفة عن رجل. وقال حماد وهشام عن محمد بن أبى عبيدة ولم يذكر عن رجل. قال: كنت أسأل الناس عن حديث عدي بن حاتم وهو إلى جنبي ولا أسأله قال فأتيته فسألته فقال نعم! فذكر الحديث. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عمرو الأديب أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي أخبرنى الحسن بن سفيان حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا النضر بن شميل أنبأنا إسرائيل أنبأنا سعد الطائي أنبأنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم. قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكى اليه الفاقة، وأتاه آخر فشكى اليه قطع السبيل. قال: يا عدي بن حاتم هل رأيت الحيرة؟ قلت لم أرها وقد انبئت عنها قال فأن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله . قال قلت في نفسي فان ذعار طيِّئ - الذين

стр. 1480

سعروا البلاد - ولئن طالت بك حياة لنفتحن كنوز كسرى بن هرمز قلت كسرى بن هرمز؟ قال كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم. قال عدي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة فان لم تجدوا شق تمرة فبكلمة طيبة» قال عدي فقد رأيت الظعينة ترتحل من الكوفة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله ، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم ﷺ . وقد رواه البخاري عن محمد بن الحكم عن النضر بن شميل به بطوله. وقد رواه من وجه آخر عن سعدان بن بشر عن سعد أبى مجاهد الطائي عن محل بن خليفة عن عدي به. ورواه الامام احمد والنسائي من حديث شعبة عن سعد أبى مجاهد الطائي به. وممن روى هذه القصة عن عدي عامر بن شرحبيل الشعبي فذكر نحوه. وقال: لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها. وثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة وعند مسلم من حديث زهير بن معاوية كلاهما عن أبى إسحاق عن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني عن عدي ابن حاتم. قال قال رسول الله ﷺ : «اتقوا النار ولو بشق تمرة» ولفظ مسلم «من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل» طريق أخرى فيها شاهد لما تقدم وقد قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن يوسف ثنا أبو سعيد عبيد بن كثير ابن عبد الواحد الكوفي ثنا ضرار بن صرد ثنا عاصم بن حميد عن أبى حمزة الثمالي عن عبد الرحمن ابن جندب عن كميل بن زياد النخعي. قال قال على بن أبى طالب: يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في خير عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في الحاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح، فقام اليه رجل فقال فداك أبى وأمى يا أمير المؤمنين سمعته من رسول الله ﷺ قال نعم! وما هو خير منه لما أتى بسبايا طيء وقفت جارية حمراء لعساء دلفاء عيطاء شماء الأنف معتدلة القامة والهامة درماء الكعبين خدلة الساقين لفاء الفخذين خميصة الخصرين ضامرة الكشحين مصقولة المتنين. قال: فلما رأيتها أعجبت بها وقلت لأطلبن إلى رسول الله ﷺ يجعلها في فيئي فلما تكلمت أنسيت جمالها من فصاحتها. فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلى عنا ولا تشمت بنا أحياء العرب فانى ابنة سيد قومي وإن أبى كان يحمى الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العاري ويقرى الضيف ويطعم الطعام ويفش السلام ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيِّئ فقال رسول الله ﷺ : يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه خلوا عنها فان أباها كان يحب مكارم الأخلاق

стр. 1481

والله يحب مكارم الأخلاق. فقام أبو بردة بن نيار. فقال: يا رسول الله تحب مكارم الأخلاق (١) فقال رسول الله ﷺ «والّذي نفسي بيده لا يدخل أحد الجنة إلا بحسن الخلق». هذا حديث حسن المتن غريب الاسناد جدا عزيز المخرج وقد ذكرنا ترجمة حاتم طيِّئ أيام الجاهلية عند ذكرنا من مات من أعيان المشهورين فيها وما كان يسديه حاتم إلى الناس من المكارم والإحسان إلا أن نفع ذلك في الآخرة معذوق بالايمان (٢) وهو ممن لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. وقد زعم الواقدي أن رسول الله ﷺ بعث على بن أبى طالب في ربيع الآخر من سنة تسع إلى بلاد طيِّئ فجاء معه بسبايا فيهم أخت عدي بن حاتم وجاء معه بسيفين كانا في بيت الصنم يقال لأحدهما الرسوب والآخر المخذم كان الحارث بن أبى سمر (٣) قد نذرهما لذلك الصنم. قال البخاري ﵀: قصة دوس والطفيل بن عمرو حدثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن ابن ذكوان - هو عبد الله بن زياد - (٤) عن عبد الرحمن الأعرج عن أبى هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو الى رسول الله ﷺ فقال إن دوسا قد هلكت وعصت وأبت فادع الله عليهم. فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ أهد دوسا وأت بهم». انفرد به البخاري من هذا الوجه ثم قال حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا إسماعيل عن قيس عن أبى هريرة قال لما قدمت على النبي ﷺ قلت في الطريق: يا ليلة من طولها وعنائها … على أنها من دارة الكفر نجت وأبق لي غلام في الطريق، فلما قدمت على النبي ﷺ وبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام فقال لي النبي ﷺ : يا أبا هريرة هذا غلامك فقلت هو حر لوجه الله فأعتقته انفرد به البخاري من حديث إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم وهذا الّذي ذكره البخاري من قدوم الطفيل بن عمرو فقد كان قبل الهجرة ثم إن قدر قدومه بعد الهجرة فقد كان قبل الفتح لأن دوسا قدموا ومعهم أبو هريرة وكان قدوم أبى هريرة ورسول الله ﷺ محاصر خيبر ثم ارتحل أبو هريرة حتى قدم على رسول الله ﷺ خيبر بعد الفتح فرضخ لهم شيئا من الغنيمة وقد قدمنا ذلك كله مطولا في مواضعه. قال البخاري ﵀.

стр. 1482

قدوم الأشعريين وأهل اليمن ثم روى من حديث شعبة عن سليمان بن مهران الأعمش عن ذكوان أبى صالح السمان عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: «أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا، الايمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم» ورواه مسلم من حديث شعبة ثم رواه البخاري عن أبى اليمان عن شعيب عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي ﷺ . قال: «أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبا وأرق أفئدة. الفقه يمان، والحكمة يمانية». ثم روى عن إسماعيل عن سليمان عن ثور عن أبى المغيث عن أبى هريرة. أن رسول الله ﷺ قال: «الايمان يمان، والفتنة ها هنا ها هنا يطلع قرن الشيطان» ورواه مسلم عن شعيب عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة. ثم روى البخاري من حديث شعبة عن إسماعيل عن قيس عن أبى مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «الايمان ها هنا وأشار بيده إلى اليمن، والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر) وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن أبى مسعود عقبة ابن عمرو. ثم روى من حديث سفيان الثوري عن أبى صخرة جامع بن شداد ثنا صفوان بن محرز عن عمران بن حصين. قال: جاءت بنو تميم إلى رسول الله ﷺ فقال «ابشروا يا بنى تميم» فقالوا أما إذ بشرتنا فأعطنا فتغير وجه رسول الله ﷺ ، فجاء ناس من أهل اليمن فقال: «أقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم» فقالوا قبلنا يا رسول الله. وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري به وهذا كله مما يدل على فضل وفود أهل اليمن وليس فيه تعرض لوقت وفودهم، ووفد بنى تميم وإن كان متأخرا قدومهم لا يلزم من هذا أن يكون مقارنا لقدوم الأشعريين بل الأشعريين متقدم وفدهم على هذا فإنهم قدموا صحبة أبى موسى الأشعري في صحبة جعفر بن أبى طالب وأصحابه من المهاجرين الذين كانوا بالحبشة وذلك كله حين فتح رسول الله ﷺ خيبر كما قدمناه مبسوطا في موضعه، وتقدم قوله ﷺ : «والله ما أدرى بأيهما أسر أبقدوم جعفر أو بفتح خيبر» والله أعلم. قال البخاري: قصة عمان والبحرين حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا سفيان سمع محمد بن المنكدر سمع جابر بن عبد الله يقول قال لي رسول الله ﷺ : «لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا» ثلاثا فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله ﷺ فلما قدم على أبى بكر أمر مناديا فنادى من كان له عند النبي

стр. 1483

ﷺ دين أو عدة فليأتني قال جابر فجئت أبا بكر فأخبرته أن رسول الله ﷺ قال: «لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا» قال فأعرض عنى قال جابر فلقيت أبا بكر بعد ذلك فسألته فلم يعطني ثم أتيته فلم يعطني ثم أتيته الثالثة فلم يعطني فقلت له قد أتيتك فلم تعطني ثم أتيتك فلم تعطني فاما أن تعطني وإما أن تبخل عنى قال قلت تبخل عنى قال وأي داء أدوأ من البخل قالها ثلاثا ما منعتك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك وهكذا رواه البخاري ها هنا وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد عن سفيان بن عيينة به ثم قال البخاري بعده وعن عمرو عن محمد بن على سمعت جابر بن عبد الله يقول جئته فقال لي أبو بكر عدها فعددتها فوجدتها خمسمائة فقال خذ مثلها مرتين وقد رواه البخاري أيضا عن على بن المديني عن سفيان هو ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن محمد بن على أبى جعفر الباقر عن جابر كروايته له عن قتيبة ورواه أيضا هو ومسلم من طرق أخر عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن محمد بن على عن جابر بنحوه وفي رواية أخرى له أنه أمره فحثى بيديه من دراهم فعدها فإذا هي خمسمائة فأضعفها له مرتين يعنى فكان جملة ما أعطاه ألفا وخمسمائة درهم. وفود فروة بن مسيك المرادي أحد رؤساء قومه إلى رسول الله ﷺ قال ابن إسحاق وقدم فروة بن مسيك المرادي مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم إلي رسول الله ﷺ وقد كان بين قومه مراد وبين همدان وقعة قبيل الإسلام أصابت همدان من قومه حتى أثخنوهم وكان ذلك في يوم يقال له الردم وكان الّذي قاد همدان اليهم الأجدع بن مالك قال ابن هشام ويقال مالك بن خريم الهمدانيّ. قال ابن إسحاق فقال فروة بن مسيك في ذلك اليوم: مررن على لفات وهنّ خوص … ينازعن الأعنة ينتحينا فان نغلب فغلابون قدما … وإن نغلب فغير مغلبينا وما إن طبّنا جبن ولكن … منايانا وطعمة آخرينا كذاك الدهر دولته سجال … تكر صروفه حينا فحينا فبينا ما نسر به ونرضى … ولو لبست غضارته سنينا إذا انقلبت به كرات دهر … فألفى في الأولى غبطوا طحينا فمن يغبط بريب الدهر منهم … يجد ريب الزمان له خؤنا فلو خلد الملوك إذا خلدنا … ولو بقي الكرام إذا بقينا فأفنى ذلكم سروات قومي … كما أفنى القرون الأولينا قال ابن إسحاق ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله ﷺ مفارقا ملوك كندة قال: لما رأيت ملوك كندة أعرضت … كالرجل خان الرجل عرق نسائها

стр. 1484

قربت راحلتي أؤم محمدا … أرجو فواضلها وحسن ثرائها (١) قال فلما انتهى فروة إلى رسول الله ﷺ قال له: - فيما بلغني - يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم. فقال: يا رسول الله من ذا الّذي يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك فقال له رسول الله ﷺ : «أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا» واستعمله على مراد وزبيد ومذحج كلها وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة فكان معه في بلاده حتى توفى رسول الله ﷺ . قدوم عمرو بن معديكرب في أناس من زبيد قال ابن إسحاق وقد كان عمرو بن معديكرب قال لقيس بن مكشوح المرادي حين انتهى اليهم أمر رسول الله ﷺ : يا قيس انك سيد قومك وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقال انه نبي فانطلق بنا اليه حتى نعلم علمه فان كان نبيا كما تقول فإنه لن يخفى علينا إذا لقيناه اتبعناه وإن كان غير ذلك علمنا علمه فأبى عليه قيس ذلك وسفه رأيه، فركب عمرو بن معديكرب حتى قدم على رسول الله ﷺ فأسلم وصدقه وآمن به فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وقال خالفني وترك امرئ ورائي. فقال عمرو بن معديكرب في ذلك: أمرتك يوم ذي صنعاء … أمرا باديا رشده أمرتك باتقاء الله و … المعروف تتعده خرجت من المنى مثل … الحميّر غرّه وتده تمناني على فرس … عليه جالسا أسده عليّ مفاضة كالنهى … أخلص ماءه جدده ترد الرمح منثنى … السنان عوائرا قصده فلو لاقيتنى للقيت … ت ليثا فوقه لبده تلاقى شنبثا شثن … البراثن ناشرا كتده يسامى القرن ان قرن … تيممه فيعتضده فيأخذه فيرفعه … فيخفضه فيقتصده فيدمغه فيحطمه … فيخمضه فيزدرده ظلوم الشرك فيما … أحرزت أنيابه ويده

стр. 1485

قال ابن إسحاق فأقام عمرو بن معديكرب في قومه من بنى زبيد وعليهم فروة بن مسيك فلما توفى رسول الله ﷺ ارتد عمرو بن معديكرب فيمن ارتد وهجا فروة بن مسيك فقال: وجدنا ملك فروة شر ملك … حمار ساف منخره بثفر وكنت إذا رأيت أبا عمير … ترى الحولاء من خبث وغدر قلت: ثم رجع إلى الإسلام وحسن إسلامه وشهد فتوحات كثيرة في أيام الصديق وعمر الفاروق ﵄ وكان من الشجعان المذكورين والابطال المشهورين والشعراء المجيدين توفى سنة احدى وعشرين بعد ما شهد فتح نهاوند وقيل بل شهد القادسية وقتل يومئذ. قال أبو عمر بن عبد البر وكان وفوده إلى رسول الله ﷺ سنة تسع وقيل سنة عشر فيما ذكره ابن إسحاق والواقدي. قلت: وفي كلام الشافعيّ ما يدل عليه فالله أعلم. قال يونس عن ابن إسحاق وقد قيل إن عمرو بن معديكرب لم يأت النبي ﷺ وقد قال في ذلك: إنني بالنبيّ موقنة نفسي … وإن لم أر النبي عيانا سيد العالمين طرا وأدنا … هم إلى الله حين بان مكانا جاء بالناموس من لدن الله و … كان الأمين فيه المعانا حكمة بعد حكمة وضياء … فاهتدينا بنورها من عمانا وركبنا السبيل حين ركبناه … جديدا بكر هنا ورضانا وعبدنا الإله حقا وكنا … للجهالات نعبد الاوثانا وائتلفنا به وكنّا عدوا … فرجعنا به معا إخوانا فعليه السلام والسلام منا … حيث كنا من البلاد وكانا إن نكن لم نر النبي فانّا … قد تبعنا سبيله إيمانا قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة قال ابن إسحاق وقدم على رسول الله ﷺ الأشعث بن قيس في وفد كندة فحدثني الزهري أنه قدم في ثمانين راكبا من كندة فدخلوا على رسول الله ﷺ مسجده قد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة قد كففوها بالحرير فلما دخلوا على رسول الله ﷺ قال لهم: ألم تسلموا قالوا بلى! قال فما بال هذا الحرير في أعناقكم قال فشقوه منها فالقوه ثم قال له الأشعث بن قيس: يا رسول الله نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار قال فتبسم رسول الله ﷺ وقال ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث وكانا تاجرين إذ أشاعا في العرب فسئلا ممن أنتما قالا

стр. 1486

نحن بنو آكل المرار يعنى ينسبان إلى كندة ليعزا في تلك البلاد لأن كندة كانوا ملوكا، فاعتقدت كندة أن قريشا منهم لقول عباس وربيعة نحن بنو آكل المرار وهو الحارث بن عمرو (١) بن معاوية ابن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندى - ويقال ابن كندة - ثم قال رسول الله ﷺ لهم. «لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفى من أبينا». فقال لهم الأشعث بن قيس والله يا معشر كندة لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين. وقد روى هذا الحديث متصلا من وجه آخر فقال الامام احمد حدثنا بهز وعفان قالا حدثنا حماد بن سلمة حدثني عقيل بن طلحة وقال عفان في حديثه أنبأنا عقيل بن طلحة السلمي عن مسلم بن هيضم عن الأشعث بن قيس أنه قال أتيت رسول الله ﷺ في وفد كندة - قال عفان (٢) - لا يرونى أفضلهم، قال قلت يا رسول الله: أنا ابن عمّ إنكم منا. قال فقال رسول الله ﷺ : «نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفى من أبينا. قال وقال الأشعث فو الله لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفى من أبينا. قال وقال الأشعث فو الله لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة الا جلدته الحد. وقد رواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن يزيد بن هارون، وعن محمد بن يحيى عن سليمان ابن حرب. وعن هارون بن حيان عن عبد العزيز بن المغيرة ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به نحوه. وقال الامام احمد حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي حدثنا الأشعث بن قيس. قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة فقال لي: هل لك من ولد؟ قلت غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جمد ولوددت أن مكانه شبع (٣) القوم. قال لا تقولن ذلك فأن فيهم قرة عين وأجرا إذا قبضوا ثم ولئن قلت ذاك انهم لمجبنة محزنة انهم لمجبنة محزنة. تفرد به احمد وهو حديث حسن جيد الاسناد. قدوم أعشى بنى مازن على النبي ﷺ قال عبد الله بن الامام احمد حدثني العباس بن عبد العظيم العنبري ثنا أبو سلمة عبيد بن عبد الرحمن الحنفي قال حدثني الجنيد بن أمين بن ذروة بن نضلة بن طريف بن نهصل الحرمازي حدثني أبى أمين عن أبيه ذروة عن أبيه نضلة: أن رجلا منهم يقال له الأعشى واسمه عبد الله الأعور

стр. 1487

كانت عنده امرأة يقال لها معاذة خرج في رجب يمير أهله من هجر فهربت امرأته بعده ناشزا عليه فعاذت برجل منهم يقال له مطرف بن نهشل بن كعب بن قميثع بن ذلف بن أهضم بن عبد الله بن الحرماز (١) فجعلها خلف ظهره فلما قدم لم يجدها في بيته وأخبر أنها نشزت عليه وأنها عاذت بمطرف بن نهشل فأتاه فقال يا ابن عم أعندك امرأتي معاذة فادفعها إلى قال ليست عندي ولو كانت عندي لم ادفعها إليك قال وكان مطرف أعز منه قال فخرج الأعشى حتى أنى النبي ﷺ فعاذ به فأنشأ يقول: يا سيد الناس وديان العرب … إليك أشكو ذربة من الذرب كالذئبة العنساء في ظل السرب … خرجت ابغيها الطعام في رجب فخلفتني بنزاع وهرب … أخلفت الوعد ولطت بالذنب وقذفتني بين عصر مؤتشب … وهن شر غالب لمن غلب فقال النبي ﷺ عند ذلك: «وهن شر غالب لمن غلب». فشكى اليه امرأته وما صنعت به وانها عند رجل منهم يقال له مطرف بن نهشل فكتب له النبي ﷺ الى مطرف انظر امرأة هذا معاذة فادفعها اليه، فأتاه كتاب النبي ﷺ فقرئ عليه فقال لها يا معاذة هذا كتاب النبي ﷺ فيك فانا دافعك اليه فقالت خذ لي عليه العهد والميثاق وذمة نبيه أن لا يعاقبني فيما صنعت فاخذ لها ذلك عليه ودفعها مطرف اليه فأنشأ يقول: لعمرك ما حبي معاذة بالذي … يغيره الواشي ولا قدم العهد ولا سوء ما جاءت به إذ أزالها … غواة الرجال إذ يناجونها بعدي قدوم صرد بن عبد الله الأزدي في نفر من قومه ثم وفود أهل جرش بعدهم قال ابن إسحاق وقدم صرد بن عبد الله الأزدي على رسول الله ﷺ في وفد من الأزد فأسلم وحسن إسلامه وأمّره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه وأمره أن يجاهد بمن أسلم من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن فذهب فحاصر جرش وبها قبائل من اليمن وقد صوت اليهم خثعم حين سمعوا بمسيره اليهم فأقام عليهم قريبا من شهر فامتنعوا فيها منه ثم رجع عنهم حتى إذا كان قريبا من جبل يقال له شكر فظنوا أنه قد ولى عنهم منهزما فخرجوا في طلبه فعطف عليهم فقتلهم قتلا شديدا وقد كان أهل جرش بعثوا منهم رجلين إلى رسول الله ﷺ إلى المدينة فبينما هما عنده بعد العصر إذ قال بأي بلاد الله شكر فقام الجرشيان فقالا يا رسول الله ببلادنا جبل يقال له كشر وكذلك تسميه أهل جرش فقال إنه ليس بكشر ولكنه شكر قالا فما شأنه يا رسول الله فقال إن بدن الله لتنحر عنده الآن، قال فجلس الرجلان إلى أبى بكر أو إلى عثمان فقال لهما ويحكما إن رسول الله

стр. 1488

ﷺ الآن لينعى اليكما قومكما فقوما اليه فاسألاه أن يدعو الله فيرفع عن قومكما فقاما اليه فسألاه ذلك فقال: «اللهمّ أرفع عنهم» فرجعا فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أخبر عنهم رسول الله ﷺ وجاء وفد أهل جرش بمن بقي منهم حتى قدموا على رسول الله ﷺ فأسلموا وحسن إسلامهم وحمى لهم حول قريتهم. قدوم رسول ملوك حمير الى رسول الله ﷺ قال الواقدي وكان ذلك في رمضان سنة تسع. قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله كتاب ملوك حمير ورسلهم بإسلامهم مقدمه من تبوك وهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان وبعث اليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله، فكتب اليهم رسول الله ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان، أما بعد ذلكم فانى أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلا هو فإنه قد وقع نبأ رسولكم منقلبنا من أرض الروم فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به وخبرنا ما قبلكم وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين وأن الله قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغانم خمس الله وسهم النبي ﷺ وصفيه وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء وعلى ما سقى الغرب نصف العشر وأن في الإبل في الأربعين ابنة لبون وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر وفي كل خمس من الإبل شاة وفي كل عشر من الإبل شاتان وفي كل أربعين من البقر بقرة وفي كل ثلاثين تبيع جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو خير له ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم وله ذمة الله وذمة رسوله وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها وعليه الجزية على كل حال من ذكر وأنثى حر أو عبد دينار واف (١) من قيمة المعافريّ أو عرضه (٢) ثيابا فمن أدى ذلك إلى رسول الله فان له ذمة الله وذمة رسوله ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله، أما بعد فان رسول الله محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذ أتاك رسلي فأوصيكم بهم خيرا معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن نمر ومالك بن مرة وأصحابهم، وأن أجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم وأبلغوها رسلي وإن أميرهم معاذ بن جبل فلا

стр. 1489

ينقلبن إلا راضيا، أما بعد فان محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله ثم أن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير وقتلت المشركين فأبشر بخير وآمرك بحمير خيرا ولا تخونوا ولا تخاذلوا فان رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم وأن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته وإنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل وإن مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب فآمركم به خيرا وأنى قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولى دينهم وأولى علمهم فآمركم بهم خيرا فإنهم منظور اليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» وقد قال الامام احمد حدثنا حسن حدثنا عمارة عن ثابت عن أنس بن مالك أن مالك ذي يزن أهدى الى رسول الله ﷺ حلة قد أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرا وثلاثة وثلاثين ناقة. ورواه أبو داود عن عمرو بن عون الواسطي عن عمارة بن زاذان الصيدلاني عن ثابت البناني عن أنس به. وقد رواه الحافظ البيهقي ها هنا - حديث كتاب عمرو بن حزم فقال أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو العباس الأصم ثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبى بكر عن أبيه أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم قال هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا الّذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة ويأخذ صدقاتهم فكتب له كتابا وعهدا وأمره فيه أمره، فكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عهدا من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله في أمره كله فان الله مع الذين اتقوه والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين، وأن ينهى الناس فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر، وأن يخبر الناس بالذي لهم والّذي عليهم، ويلين لهم في الحق ويشتد عليهم في الظلم فإن الله حرم الظلم ونهى عنه فقال ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله، وأن يبشر الناس بالجنة وبعملها وينذر الناس النار وعملها ويستألف الناس حتى يتفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه وما أمره الله به والحج الأكبر الحج والحج الأصغر العمرة، وأن ينهى الناس أن يصلى الرجل في ثوب واحد صغير إلا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ويفضي بفرجه إلى السماء ولا ينقض شعر رأسه إذا عفى في قفاه، وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعو الى القبائل والعشائر وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له فمن لم يدع إلى الله ودعى إلى العشائر والقبائل فليعطفوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين وأن يمسحوا رءوسهم كما أمرهم الله ، وأمروا بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود وأن يغلس بالصبح وأن يهجر

стр. 1490

بالهاجرة حتى تميل الشمس وصلاة العصر والشمس في الأرض مبدرة والمغرب حبن يقبل الليل لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء والعشاء أول الليل، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله ما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار فيما سقى المغل (١) وفيما سقت السماء العشر وما سقى الغرب فنصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان وفي عشرين أربع شياه وفي أربعين من البقر بقرة وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة فأنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين فمن زاد فهو خير له، ومن أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه فدان دين الإسلام فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يغير عنها وعلى كل حالم ذكر وأنثى حر أو عبد دينار واف أو عرضه من الثياب فمن أدى ذلك فان له ذمة الله ورسوله ومن منع ذلك فأنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته». قال الحافظ البيهقي وقد روى سليمان بن داود عن الزهري عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده هذا الحديث موصولا بزيادات كثيرة ونقصان عن بعض ما ذكرناه في الزكاة والديات وغير ذلك. قلت: ومن هذا الوجه رواه الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في سننه مطولا وأبو داود في كتاب المراسيل وقد ذكرت ذلك بأسانيده وألفاظه في السنن ولله الحمد والمنة، وسنذكر بعد الوفود بعث النبي ﷺ الأمراء إلى اليمن لتعليم الناس وأخذ صدقاتهم واخماسهم معاذ بن جبل وأبو موسى وخالد ابن الوليد وعلى بن أبى طالب ﵃ أجمعين. قدوم جرير بن عبد الله البجلي وإسلامه قال الامام احمد حدثنا أبو قطن حدثني يونس عن المغيرة بن شبل. قال قال جرير: لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي ثم حللت عيبتي ثم لبست حلتى ثم دخلت فإذا رسول الله ﷺ يخطب فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليسى يا عبد الله هل ذكرني رسول الله ﷺ قال نعم! ذكرك باحسن الذكر بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته وقال يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن إلا أن على وجهه مسحة ملك قال جرير فحمدت الله على ما أبلانى قال أبو قطن فقلت له سمعته منه أو سمعته من المغيرة بن شبل. قال نعم! ثم رواه الامام احمد عن أبى نعيم وإسحاق بن يوسف وأخرجه النسائي من حديث الفضل بن موسى ثلاثتهم عن يونس عن أبى إسحاق

стр. 1491

السبيعي عن المغيرة بن شبل - ويقال ابن شبيل - عن عوف البجلي الكوفي عن جرير بن عبد الله وليس له عنه غيره. وقد رواه النسائي عن قتيبة عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن جرير بقصته: «يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك» الحديث وهذا على شرط الصحيحين. وقال الامام احمد حدثنا محمد بن عبيد ثنا إسماعيل عن قيس عن جرير. قال: ما حجبنى رسول الله ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي. وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عنه. وفي الصحيحين زيادة وشكوت إلى رسول الله ﷺ أنى لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري. وقال: «اللهمّ ثبته واجعله هاديا مهديا». ورواه النسائي عن قتيبة عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل عن قيس عنه وزاد فيه - يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك، فذكر نحو ما تقدم. قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عمرو عثمان بن احمد السماك حدثنا الحسن بن سلام السواق حدثنا محمد بن مقاتل الخراساني حدثنا حصين بن عمر الأحمسي حدثنا إسماعيل بن أبى خالد - أو قيس بن أبى حازم - عن جرير بن عبد الله. قال: بعث إليّ رسول الله ﷺ فقال يا جرير لأى شيء جئت قلت أسلم على يديك يا رسول الله قال فالقى على كساء ثم أقبل على أصحابه فقال «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» ثم قال يا جرير أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله وأن تؤمن بالله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وتصلى الصلاة المكتوبة وتؤدى الزكاة المفروضة ففعلت ذلك فكان بعد ذلك لا يراني إلا تبسم في وجهي، هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن جرير بن عبد الله. قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. وأخرجاه في الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبى خالد به وهو في الصحيحين من حديث زياد بن علاثة عن جرير به. وقال الامام احمد حدثنا أبو سعيد حدثنا زائدة ثنا عاصم عن سفيان يعنى - أبا وائل - عن جرير. قال قلت: يا رسول الله اشترط على فأنت أعلم بالشرط قال: «أبايعك على أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتنصح المسلم، وتبرأ من الشرك». ورواه النسائي من حديث شعبة عن الأعمش عن أبى وائل عن جرير وفي طريق أخرى عن الأعمش عن منصور عن أبى وائل عن أبى نخيلة عن جرير به فالله أعلم. ورواه أيضا عن محمد بن قدامة عن جرير عن مغيرة عن أبى وائل والشعبي عن جرير به ورواه عن جرير عبد الله بن عميرة رواه احمد منفردا به وابنه عبيد الله بن جرير احمد أيضا منفردا به وأبو جميلة وصوابه نخيلة ورواه احمد والنسائي ورواه احمد أيضا عن غندر عن شعبة عن منصور عن أبى وائل

стр. 1492

عن رجل عن جرير فذكره، والظاهر أن هذا الرجل هو أبو نخيلة البجلي والله أعلم. وقد ذكرنا بعث النبي ﷺ له حين أسلم إلى ذي الخلصة بيت كان يعبده خثعم وبجيلة وكان يقال له الكعبة اليمانية يضاهون به الكعبة التي بمكة ويقولون للتي ببكة الكعبة الشامية ولبيتهم الكعبة اليمانية فقال له رسول الله ﷺ ألا تريحني من ذي الخلصة فحينئذ شكى إلى النبي ﷺ أنه لا يثبت على الخيل فضرب بيده الكريمة في صدره حتى أثرت فيه وقال: «اللهمّ ثبته وأجعله هاديا مهديا». فلم يسقط بعد ذلك عن فرس ونفر إلى ذي الخلصة في خمسين ومائة راكب من قومه من أحمس فخرب ذلك البيت وحرقة حتى تركه مثل الجمل الأجرب، وبعث إلى النبي ﷺ بشيرا يقال له أبو أرطاة فبشره بذلك فبرك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات والحديث مبسوط في الصحيحين وغيرهما كما قدمناه بعد الفتح استطرادا بعد ذكر تخريب بيت العزى على يدي خالد بن الوليد ﵁ والظاهر أن إسلام جرير ﵁ كان متأخرا عن الفتح بمقدار جيد. فان الامام احمد قال حدثنا هشام بن القاسم حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة بن عبد الكريم بن مالك الجزري عن مجاهد عن جرير بن عبد الله البجلي. قال: إنما أسلمت بعد ما أنزلت المائدة وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعد ما أسلمت. تفرد به احمد وهو اسناد جيد اللهمّ إلا أن يكون منقطعا بين مجاهد وبينه وثبت في الصحيحين أن أصحاب عبد الله بن مسعود كان يعجبهم حديث جرير في مسح الخف لأن إسلام جرير إنما كان بعد نزول المائدة وسيأتي في حجة الوداع أن رسول الله ﷺ قال له استنصت الناس يا جرير وإنما أمره بذلك لأنه كان صبيا وكان ذا شكل عظيم كانت نعله طولها ذراع وكان من أحسن الناس وجها وكان مع هذا من أغض الناس طرفا. ولهذا روينا في الحديث الصحيح عنه أنه قال سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فقال أطرق بصرك. وفادة وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل بن يعمر الحضرميّ ابن هنيد أحد ملوك اليمن على رسول الله ﷺ قال أبو عمر بن عبد البر كان أحد أقيال حضرموت وكان أبوه من ملوكهم، ويقال إن رسول الله ﷺ بشر أصحابه قبل قدومه به وقال يأتيكم بقية أبناء الملوك فلما دخل رحب به وأدناه من نفسه وقرب مجلسه وبسط له رداءه. وقال: «اللهمّ بارك في وائل وولده وولد ولده». واستعمله على الأقيال من حضر موت وكتب معه ثلاث كتب، منها كتاب إلى المهاجر بن أبى أمية، وكتاب إلى الأقيال والعياهلة واقطعه أرضا وأرسل معه معاوية بن أبى سفيان. فخرج معه راجلا فشكى اليه

стр. 1493

حر الرمضاء فقال انتعل ظل الناقة فقال وما يغنى عنى ذلك لو جعلتني ردفا. فقال له وائل: اسكت فلست من أرداف الملوك ثم عاش وائل بن حجر حتى وفد على معاوية وهو أمير المؤمنين فعرفه معاوية فرحب به وقر به وأدناه وأذكره الحديث وعرض عليه جائزة سنية فأبى أن يأخذها، وقال أعطها من هو أحوج اليها منى. وأورد الحافظ البيهقي بعض هذا وأشار إلى أن البخاري في التاريخ روى في ذلك شيئا. وقد قال الامام احمد حدثنا حجاج أنبأنا شعبة عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أقطعه أرضا قال وأرسل معى معاوية أن أعطيها إياه - أو قال أعلمها إياه - قال فقال معاوية أردفنى خلفك فقلت لا تكون من أرداف الملوك قال فقال أعطنى نعلك فقلت انتعل ظل الناقة قال فلما استخلف معاوية أتيته فأقعدني معه على السرير فذكرني الحديث - قال سماك - فقال وددت أنى كنت حملته بين يدي. وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث شعبة وقال الترمذي صحيح. وفادة لقيط بن عامر بن المنتفق أبي رزين العقيلي الى رسول الله ﷺ قال عبد الله بن الامام احمد كتب إليّ إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري: كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك فحدث بذلك عنى. قال حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي حدثني عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري القبائي من بنى عمرو بن عوف عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي [عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر قال دلهم وحدثنيه أبى الأسود عن عاصم بن لقيط أن لقيطا خرج وافدا إلى رسول الله ﷺ ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق] (١) قال لقيط فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله ﷺ المدينة انسلاخ رجب فأتينا رسول الله ﷺ فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الناس خطيبا. فقال: «أيها الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ألا لأسمنكم ألا فهل من امرئ بعثه قومه» فقالوا أعلم لنا ما يقول رسول الله ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال ألا إني مسئول هل بلغت ألا فاسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا أجلسوا (قال) فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت يا رسول الله ما عندك من علم الغيب فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أنى ابتغى لسقطه. فقال: «ضنّ ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله» وأشار بيده قلت وما هي؟ قال علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم (المنى حين يكون في

стр. 1494

الرحم قد علمه ولا تعلمون وعلم) ما في غد وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مسنتين (١) فيظل يضحك قد علم أن غيركم الى قريب». قال لقيط: قلت لن نعدم من رب يضحك خيرا - وعلم يوم الساعة. قلنا يا رسول علمنا مما لا يعلم الناس ومما تعلم فانا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحد، من مذحج التي تربوا علينا وخثعم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن منها (٢) قال: تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك فأصبح ربك يطوف بالأرض وقد خلت عليه البلاد فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلقه من عند رأسه فيستوي جالسا فيقول ربك مهيم - لما كان فيه - فيقول يا رب أمس اليوم فلعهده بالحياة يتحسبه حديثا بأهله. قلت: يا رسول الله كيف يجمعنا بعد ما تفرقنا الرياح والبلى والسباع. فقال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت لا تحيا أبدا ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك (إلا) أياما حتى أشرفت عليها وهي شرية (٣) واحدة فلعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض فتخرجون من الاصواء (٤) ومن مصارعكم فتنظرون اليه وينظر إليكم. قال: قلت يا رسول الله وكيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر اليه فقال أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما. قلت: يا رسول الله فما يفعل (بنا) ربنا إذا لقيناه؟ قال تعرضون عليه بادية له صحائفكم لا يخفى عليه منكم خافية فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح قبلكم بها فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحدكم منها قطرة فاما المسلم فتدع على وجهه مثل الريطة (٥) البيضاء وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم الأسود ألا ثم ينصرف نبيكم وينصرف على أثره الصالحون فتسلكون جسرا من النار فيطأ أحدكم الجمر (ة) فيقول حس فيقول ربك أو انه (٦) فتطلعون

стр. 1495

على حوض الرسول على اطماء (١) والله ناهلة عليها ما رأيتها قط فلعمر إلهك لا يبسط واحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف (٢) والبول والأذى وتحبسن الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا قال قلت: يا رسول الله فيم نبصر؟ قال مثل بصرك ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال. قال قلت: يا رسول فيم نجزي من سيئاتنا وحسناتنا. قال: الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يعفو. قال قلت: يا رسول الله اما الجنة واما النار. قال لعمر إلهك إن للنار سبعة أبواب ما منهن (بابان) الا يسير الراكب بينهما سبعين عاما (وان للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان الا يسير الراكب بينهما سبعين عاما). قلت: يا رسول الله فعلام نطلع من الجنة قال: على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه وأزواج مطهرة. قلت: يا رسول الله ولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات قال الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد. قال لقيط: قلت أقصى ما نحن بالغون ومنتهون اليه (فلم يجبه النبي ﷺ قلت: يا رسول الله علام أبايعك فبسط (النبي) يده وقال على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال الشرك وأن لا تشرك بالله إلها غيره. قال قلت: وإن لنا ما بين المشرق والمغرب فقبض النبي ﷺ يده وبسط أصابعه وظن أنى مشترط شيئا لا يعطينيه. قال قلت: نحل منها حيث شئنا ولا يجنى منها أمرؤ إلا على نفسه، فبسط يده وقال ذلك لك تحل حيث شئت ولا تجنى عليك إلا نفسك قال فانصرفنا عنه. ثم قال: إن هذين من أتقى الناس (لعمر إلهك) (في) الأولى والآخرة فقال: له كعب بن الحدارية أحد بنى كلاب منهم: يا رسول الله بنو المنتفق أهل ذلك منهم؟ قال: فانصرفنا وأقبلت عليه وذكر تمام الحديث إلى أن قال فقلت: يا رسول الله هل لأحد ممن مضى خير في جاهليته قال فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار قال فلكأنه وقع حر بين جلدتى وجهي ولحمى مما قال، لأني على رءوس الناس فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله ثم إذا الأخرى اجمل فقلت يا رسول الله وأهلك قال وأهلي لعمر الله، ما أتيت (عليه) من قبر عامرى أو قرشي من مشرك فقل أرسلنى إليك محمد فأبشرك بما يسوءك تجر على وجهك وبطنك في النار. قال قلت: يا رسول الله ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه وقد كانوا يحسبون أنهم مصلحون. قال: ذلك بان الله يبعث في آخر كل سبع أمم - يعنى نبيا - فمن عصى نبيه كان من الضالين ومن أطاع نبيه كان من المهتدين. هذا حديث غريب جدا وألفاظه في بعضها نكارة وقد

стр. 1496

أخرجه الحافظ البيهقي في كتاب البعث والنشور وعبد الحق الإشبيلي في العاقبة والقرطبي في كتاب التذكرة في أحوال الآخرة وسيأتي في كتاب البعث والنشور إن شاء الله تعالى (١) وفادة زياد بن الحارث ﵁ قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو احمد الأسدآباذي بها أنبأنا أبو بكر بن مالك القطيعي حدثنا ابو عبد الرحمن المقرئ عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم حدثني زياد بن نعيم الحضرميّ سمعت زياد بن الحارث الصدائى يحدث. قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته على الإسلام فأخبرت أنه قد بعث جيشا إلى قومي فقلت يا رسول الله أردد الجيش وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم. فقال لي اذهب فردهم فقلت: يا رسول الله إن راحلتي قد كلت فبعث رسول الله ﷺ رجلا فردهم قال الصدائى وكتبت اليهم كتابا فقدم وفدهم بإسلامهم فقال لي رسول الله ﷺ : يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك فقلت بل الله هداهم للإسلام فقال: «أفلا أؤمّرك عليهم» قلت بلى يا رسول الله قال فكتب لي كتابا أمّرنى فقلت يا رسول الله مر لي بشيء من صدقاتهم قال نعم! فكتب لي كتابا آخر قال الصدائى وكان ذلك في بعض أسفاره فنزل رسول الله ﷺ منزلا فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم ويقولون أخذنا بشيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية. فقال رسول الله أو فعل ذلك؟ قالوا نعم! فالتفت رسول الله ﷺ إلى أصحابه وأنا فيهم فقال لا خير في الامارة لرجل مؤمن، قال الصدائى فدخل قوله في نفسي ثم أتاه آخر فقال يا رسول الله أعطنى فقال رسول الله ﷺ : «من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن». فقال السائل: أعطنى من الصدقة فقال رسول الله إن [الله] لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء فان كنت من تلك الاجزاء أعطيتك قال الصدائى: فدخل ذلك في نفسي أنى غنى وانى سألته من الصدقة، قال ثم إن رسول الله اعتشى من أول الليل فلزمته وكنت قريبا فكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون منه ولم يبق معه أحد غيري، فلما كان أوان صلاة الصبح أمرنى فأذنت فجعلت أقول أقيم يا رسول الله فجعل ينظر ناحية المشرق إلى الفجر ويقول لا حتى إذا طلع الفجر نزل فتبرز ثم انصرف إلى وهو متلاحق أصحابه فقال: هل من ماء يا أخا صداء قلت لا إلا شيء قليل لا يكفيك فقال اجعله في إناء ثم ائتني به ففعلت فوضع كفه في الماء قال فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور فقال رسول الله ﷺ : «لولا أنى استحى من ربى لسقينا واستقينا» ناد في أصحابى من له حاجة في الماء فناديت فيهم فاخذ من أراد منهم شيئا ثم قام رسول الله ﷺ إلى الصلاة فأراد بلال أن يقيم فقال له رسول الله إن أخا صداء أذن ومن

стр. 1497

أذن فهو يقيم». قال الصدائى فأقمت فلما قضى رسول الله الصلاة أتيته بالكتابين فقلت يا رسول الله أعفنى من هذين. فقال: ما بدا لك؟ فقلت سمعتك يا رسول الله تقول: لا خير في الامارة لرجل مؤمن وأنا أومن بالله وبرسوله. وسمعتك تقول للسائل: من سأل الناس عن ظهر غنى فهو صداع في الرأس وداء في البطن، وسألتك وأنا غنى. فقال: هو ذاك فان شئت فاقبل وإن شئت فدع فقلت أدع فقال لي رسول الله فدلني على رجل أؤمره عليكم فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمره عليهم، ثم قلنا يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها وإذا كان الصيف قل ملؤها فتفرقنا على مياه حولنا فقد أسلمنا وكل من حولنا عدو فادع الله لنا في بئرنا فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه ولا نتفرق! فدعا سبع حصيات فعركهن بيده ودعا فيهن ثم قال اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر فالقوا واحدة واحدة واذكر والله. قال الصدائى: ففعلنا ما قال لنا فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها - يعنى البئر. وهذا الحديث له شواهد في سنن أبى داود والترمذي وابن ماجة. وقد ذكر الواقدي أن رسول الله ﷺ كان بعث بعد عمرة الجعرانة قيس بن سعد بن عبادة في أربعمائة الي بلاد صداء فيوطئها، فبعثوا رجلا منهم فقال جئتك لترد عن قومي الجيش وأنا لك بهم ثم قدم وفدهم خمسة عشر رجلا، ثم رأى منهم حجة الوداع مائة رجل، ثم روى الواقدي عن الثوري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائى قصته في الأذان. وفادة الحارث بن حسان البكري إلى رسول الله ﷺ قال الامام احمد حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحويّ حدثنا عاصم ابن أبى النجود عن أبى وائل عن الحارث البكري. قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرميّ إلى رسول الله ﷺ فمررت بالربذة فإذا عجوز من بنى تميم منقطع بها. فقالت: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله حاجة فهل أنت مبلغي اليه قال فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله وإذا راية سوداء تخفق وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله ﷺ فقلت ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو ابن العاص وجها. قال فجلست فدخل منزله أو قال رحله فاستأذنت عليه فاذن لي فدخلت فسلمت فقال هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قلت نعم! وكانت الدائرة عليهم ومررت بعجوز من بنى تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب فاذن لها فدخلت. فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت وقالت يا رسول الله أين يضطر مضرك قال قلت إن مثلي ما قال الأول معزى حملت حتفها حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قالت: هي وما وافد عاد؟ وهي أعلم بالحديث منه

стр. 1498

ولكن تستطعمه قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له قيل فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال: اللهمّ إنك تعلم لم أجيء الى مريض فأداويه، ولا الى أسير فافاديه، اللهمّ اسق عادا ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأومأ الى سحابة منها سوداء فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تبقى من عاد أحدا. قال: فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح الا بقدر ما يجرى في خاتمي هذا حتى هلكوا قال - أبو وائل وصدق - وكانت المرأة أو الرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا لا يكن كوافد عاد. وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث أبى المنذر سلام بن سليمان به. ورواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن أبى بكر بن عياش عن عاصم بن أبى النجود عن الحارث البكري ولم يذكر أبا وائل وهكذا رواه الامام احمد عن أبى بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث والصواب عن عاصم عن أبى وائل عن الحارث كما تقدم. وفادة عبد الرحمن بن أبى عقيل مع قومه قال أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي أنبأنا أبو جعفر محمد ابن محمد بن عبد الله البغدادي أنبأنا على بن الجعد [ثنا] عبد العزيز ثنا احمد بن يونس ثنا زهير ثنا أبو خالد يزيد الأسدي ثنا عون بن أبى جحيفة عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي عن عبد الرحمن ابن أبى عقيل. قال: انطلقت في وفد الى رسول الله ﷺ فأتيناه فانخنا بالباب وما في الناس رجل أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فلما دخلنا وخرجنا فما في الناس رجل أحب إلينا من رجل دخلنا عليه. قال فقال قائل منا: يا رسول الله ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان قال فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: «فلعل صاحبك عند الله أفضل من ملك سليمان إن الله لم يبعث نبيا الا أعطاه دعوة فمنهم من اتخذها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فاهلكوا بها، وان الله أعطانى دعوة فاختبأتها عند ربى شفاعة لا متى يوم القيامة». قدوم طارق بن عبد الله وأصحابه روى الحافظ البيهقي من طريق أبى خباب الكلبي عن جامع بن شداد المحاربي حدثني رجل من قومي يقال له طارق بن عبد الله. قال: إني لقائم بسوق ذي المجاز إذ أقبل رجل عليه جبة وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ورجل يتبعه يرميه بالحجارة» وهو يقول «يا أيها الناس إنه كذاب» فقلت من هذا؟ فقالوا هذا غلام من بنى هاشم يزعم أنه رسول الله قال قلت من هذا الّذي يفعل به هذا. قالوا: هذا عمه عبد العزى قال فلما أسلم الناس وهاجروا خرجنا من الرَّبَذَة

стр. 1499

نريد المدنية نمتار من تمرها فلما دنونا من حيطانها ونخلها قلت لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه إذا رجل في طمرين فسلم علينا وقال من أين أقبل القوم قلنا من الرَّبَذَة قال وأين تريدون قلنا نريد هذه المدينة. قال ما حاجتكم منها قلنا نمتار من تمرها قال ومعنا ظعينة لنا ومعنا جمل أحمر مخطوم فقال: أتبيعونى جملكم هذا قلنا نعم! بكذا وكذا صاعا من تمر قال فما استوضعنا مما قلنا شيئا وأخذ بخطام الجمل وانطلق، فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها قلنا ما صنعنا والله ما بعنا جملنا ممن يعرف ولا أخذنا له ثمنا قال تقول المرأة التي معنا والله لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر أنا ضامنة لثمن جملكم، إذ أقبل الرجل فقال [أنا] رسول الله إليكم هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا فاستوفينا ثم دخلنا المدينة فدخلنا المسجد فإذا هو قائم على المنبر يخطب الناس فأدركنا من خطبته وهو يقول: «تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى، أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك، إذ أقبل رجل من بنى يربوع أو قال رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية. فقال: «إن أبا لا يجنى على ولد ثلاث مرات (١)». وقد روى النسائي فضل الصدقة منه عن يوسف بن عيسى عن الفضل بن موسى عن يزيد بن زياد بن أبى الجعد عن جامع بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي ببعضه. ورواه الحافظ البيهقي أيضا عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن يزيد ابن زياد عن جامع بن طارق بطوله كما تقدم وقال فيه فقالت: الظعينة لا تلاوموا فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه. قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان بإسلامه على رسول الله ﷺ وأظن ذلك إما بتبوك أو بعدها قال ابن إسحاق وبعث فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي ثم النفاثى إلى رسول الله ﷺ رسولا بإسلامه واهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام، فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذه فحبسوه عندهم. فقال في محبسه ذلك: طرقت سليمى موهنا أصحابى … والروم بين الباب والقروان صد الخيال وساءه ما قد رأى … وهممت أن أغفى وقد أبكانى

стр. 1500

لا تكحلن العين بعدي إثمدا … سلمى ولا تدين للإتيان (١) ولقد علمت أبا كبيشة أننى … وسط الأعزة لا يحص لساني فلئن هلكت لتفقدنّ أخاكم … ولئن بقيت ليعرفن مكاني ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى … من جودة وشجاعة وبيان قال فلما أجمعت الروم على صلبه على ماء لهم يقال له عفري بفلسطين. قال: ألا هل أتى سلمى بان حليلها … على ماء عفري فوق احدى الرواحل على ناقة لم يضرب الفحل أمها … يشدّ به (٢) أطرافها بالمناجل قال وزعم الزهري أنهم لما قدموه ليقتلوه قال: بلّغ سراة المسلمين بأنني … سلم لربي أعظمى ومقامي قال ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء ﵀ ورضى عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه. قدوم تميم الداريّ على رسول الله ﷺ وإخباره إياه بأمر الجساسة وما سمع من الدجال في خروج النبي ﷺ وإيمان من آمن به أخبرنا أبو عبد الله سهل بن محمد بن نصرويه المروزي بنيسابور أنبأنا أبو بكر محمد بن احمد ابن الحسن القاضي أنبأنا أبو سهل احمد بن محمد بن زياد القطان حدثنا يحيى بن جعفر بن الزبير أنبأنا وهب بن جرير حدثنا أبى سمعت غيلان بن جرير يحدث عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس. قالت: قدم على رسول الله ﷺ تميم الداريّ فأخبر رسول الله ﷺ أنه ركب البحر فتاهت به سفينته فسقطوا إلى جزيرة فخرجوا اليها يلتمسون الماء فلقى إنسانا يجر شعره فقال له من أنت؟ قال أنا الجساسة قالوا فأخبرنا قال لا أخبركم ولكن عليكم بهذه الجزيرة، فدخلناها فإذا رجل مقيد فقال من أنتم؟ قلنا ناس من العرب قال ما فعل هذا النبي الّذي خرج فيكم؟ قلنا: قد آمن به الناس واتبعوه وصدقوه. قال: ذلك خير لهم قال أفلا تخبرونى عن عين زعر ما فعلت؟ فأخبرناه عنها فوثب وثبة كاد أن يخرج من وراء الجدار ثم قال ما فعل نخل بيسان هل اطعم بعد فأخبرناه أنه قد أطعم فوثب مثلها ثم قال أما لو قد أذن لي في الخروج لوطئت البلاد كلها غير طيبة. قالت: فأخرجه رسول الله ﷺ فحدث الناس فقال هذه طيبة وذاك الدجال. وقد روى هذا الحديث الامام احمد ومسلم وأهل السنن من طرق عن عامر بن شراحيل الشعبي عن فاطمة بنت قيس وقد أورد له الامام احمد شاهدا من رواية أبى هريرة وعائشة أم المؤمنين وسيأتي هذا الحديث بطرقه وألفاظه في كتاب الفتن. وذكر الواقدي وفد الدارس من لخم وكانوا عشرة.

стр. 1501

وفد بنى أسد وهكذا ذكر الواقدي: أنه قدم على رسول الله ﷺ في أول سنة تسع وفد بنى أسد وكانوا عشرة، منهم ضرار بن الأزور، ووابصة بن معبد، وطليحة بن خويلد الّذي ادعى النبوة بعد ذلك ثم أسلم وحسن إسلامه، ونفادة بن عبد الله بن خلف (١). فقال له رئيسهم: حضرمى بن عامر يا رسول الله أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء ولم تبعث إلينا بعثا. فنزل فيهم ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾. وكان فيهم قبيلة يقال لهم بنو الزنية فغير اسمهم فقال أنتم بنو الرشدة، وقد أستهدي رسول الله ﷺ من نفادة بن عبد الله بن خلف ناقة تكون جيدة للركوب وللحلب من غير أن يكون لها ولد معها فطلبها فلم يجدها الا عند ابن عم له فجاء بها فأمره رسول الله ﷺ بحلبها فشرب منها وسقاه سؤره ثم قال: «اللهمّ بارك فيها وفيمن منحها». فقال: يا رسول الله وفيمن جاء بها فقال «وفيمن جاء بها». وفد بنى عبس ذكر الواقدي: أنهم كانوا تسعه نفر وسماهم الواقدي فقال لهم النبي ﷺ : «انا عاشركم» وأمر طلحة بن عبيد الله فعقد لهم لواء وجعل شعارهم يا عشرة، وذكر أن رسول الله ﷺ سألهم عن خالد ابن سنان العبسيّ الّذي قدمنا ترجمته في أيام الجاهلية فذكروا أنه لا عقب له وذكر أن رسول الله ﷺ بعثهم يرصدون عيرا لقريش قدمت من الشام وهذا يقتضي تقدم وفادتهم على الفتح والله أعلم. وفد بنى فزارة قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر الجمحيّ عن أبى وجزة السعدي. قال: لما رجع رسول الله من تبوك وكان سنة تسعة قدم عليه وفد بنى فزارة بضعة عشر رجلا فيهم، خارجة بن حصن، والحارث بن قيس بن حصن، وهو أصغرهم على ركاب عجاف فجاءوا مقرين بالإسلام وسألهم رسول الله عن بلادهم. فقال أحدهم: يا رسول الله أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا وأجدب جناتنا وغرث عيالنا، فادع الله لنا فصعد رسول الله المنبر ودعا فقال: «اللهمّ اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت، اللهمّ اسقنا غيثا مغيثا مريا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار، اللهمّ اسقنا سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا هدم، ولا غرق، ولا محق، اللهمّ اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء». قال فمطرت فما رأوا السماء سبتا فصعد رسول الله المنبر فدعا فقال: «اللهمّ حوالينا

стр. 1502

ولا علينا على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب». وفد بنى مرة قال الواقدي: إنهم قدموا سنة تسع عند مرجعه من تبوك وكانوا ثلاثة عشر رجلا منهم الحارث ابن عوف، فأجازهم ﵇ بعشر أواق من فضة وأعطى الحارث بن عوف ثنتى عشرة أوقية، وذكروا أن بلادهم مجدبة فدعا لهم. فقال: «اللهمّ اسقهم الغيث». فلما رجعوا إلى بلادهم وجدوها قد مطرت ذلك اليوم الّذي دعا لهم فيه رسول الله ﷺ . وفد بنى ثعلبة قال الواقدي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن رجل من بنى ثعلبة عن أبيه. قال: لما قدم رسول الله ﷺ من الجعرانة سنة ثمان، قدمنا عليه أربعة نفر فقلنا نحن رسل من خلفنا من قومنا وهم يقرون بالإسلام، فأمر لنا بضيافة وأقمنا أياما ثم جئناه لنودعه فقال لبلال أجزهم كما تجيز الوفد فجاء ببقر من فضة فاعطى كل رجل منا خمس أواق وقال ليس عندنا دراهم وانصرفنا إلى بلادنا. وفادة بنى محارب قال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن أبى وجزة السعدي. قال: قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع وهم عشرة نفر فيهم سواء بن الحارث، وابنه خزيمة بن سواء فانزلوا دار رملة بنت الحارث، وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء فأسلموا وقالوا نحن على من وراءنا ولم يكن أحد في تلك المواسم أفظ ولا أغلظ على رسول الله منهم، وكان في الوفد رجل منهم فعرفه رسول الله ﷺ فقال الحمد لله الّذي أبقانى حتى صدقت بك. فقال رسول الله ﷺ : «إن هذه القلوب بيد الله » ومسح رسول الله وجه خزيمة بن سواء فصارت غرة بيضاء وأجازهم كما يجيز الوفد وانصرفوا إلى بلادهم. وفد بنى كلاب ذكر الواقدي: أنهم قدموا سنة تسع وهم ثلاثة عشر رجلا، منهم لبيد بن ربيعة الشاعر، وجبار بن سلمى وكان بينه وبين كعب بن مالك خلة فرحب وأكرمه وأهدى اليه، وجاءوا معه إلى رسول الله ﷺ فسلموا عليه بسلام الإسلام وذكروا له أن الضحاك بن سفيان الكلابي سار فيهم بكتاب الله وسنة رسوله التي أمره الله بها ودعاهم إلى الله فاستجابوا له وأخذ صدقاتهم من أغنيائهم فصرفها على فقرائهم.

стр. 1503

وفد بنى رؤاس من كلاب (١) ثم ذكر الواقدي: أن رجلا يقال له عمرو بن مالك بن قيس بن يجيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قدم على رسول الله ﷺ فأسلم ثم رجع إلى قومه فدعاهم إلى الله فقالوا حتى نصيب من بنى عقيل مثل ما أصابوا منا فذكر مقتلة كانت بينهم وأن عمرو بن مالك هذا قتل رجلا من بنى عقيل قال فشددت يدي في غل وأتيت رسول الله ﷺ وبلغه ما صنعت فقال لئن أتانى لأضرب ما فوق الغل من يده فلما جئت سلمت فلم يرد على السلام وأعرض فأتيته عن يمينه فأعرض عنى فأتيته عن يساره فأعرض عنى فأتيته من قبل وجهه فقلت يا رسول الله إن الرب ليرتضى فيرضى فأرض عنى رضى الله عنك. قال: «قد رضيت». وفد بنى عقيل بن كعب ذكر الواقدي: أنهم قدموا على رسول الله ﷺ فاقطعهم العقيق - عقيق بنى عقيل - وهي أرض فيها نخيل وعيون وكتب بذلك كتابا: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعا ومطرفا وأنسا، أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وسمعوا وطاعوا ولم يعطهم حقا لمسلم». فكان الكتاب في يد مطرف. قال: وقدم عليه أيضا لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر ابن عقيل وهو أبو رزين فأعطاه ماء يقال له النظيم وبايعه على قومه وقد قدمنا قدومه وقصته وحديثه بطوله ولله الحمد المنة. وفد بنى قشير بن كعب وذلك قبل حجة الوداع، وقبل حنين. فذكر فيهم، قرة بن بيرة بن [عامر بن] سلمة الخير ابن قشير فأسلم فأعطاه رسول الله ﷺ وكساه بردا وأمره أن يلي صدقات قومه فقال قرة حين رجع: حباها رسول الله إذ نزلت به … وأمكنها من نائل غير منفد فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة … وقد أنجحت حاجاتها من محمد عليها فتى لا يردف الذم رحله … يروى لأمر العاجز المتردد (٢) وفد بنى البكاء ذكر أنهم قدموا سنة تسع وأنهم كانوا ثلاثين رجلا، فيهم معاوية بن ثور بن [معاوية

стр. 1504

ابن] (١) عبادة بن البكاء وهو يومئذ ابن مائة سنة ومعه ابن له يقال له بشر فقال: يا رسول الله إني أتبرك بمسّك وقد كبرت وابني هذا برّ بي فأمسح وجهه، فمسح رسول الله ﷺ وجهه وأعطاه أعنزا عفرا وبرّك عليهنّ فكانوا لا يصيبهم بعد ذلك قحط ولا سنة. وقال: محمد بن بشر بن معاوية في ذلك: وأبى الّذي مسح الرسول برأسه … ودعا له بالخير والبركات أعطاه احمد إذ أتاه أعنزا … عفرا نواحل لسن باللحيات يملأن وفد الحي كل عشية … ويعود ذاك المليء بالغدوات بوركن من منح وبورك مانحا … وعليه منى ما حييت صلاتي وفد كنانة روى الواقدي بأسانيده: أن واثلة بن الأسقع الليثي قدم على رسول الله ﷺ وهو يتجهز إلى تبوك فصلى معه الصبح ثم رجع إلى قومه فدعاهم وأخبرهم عن رسول الله ﷺ . فقال أبوه: والله لا أحملك أبدا وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهزته حتى سار مع رسول الله ﷺ إلى تبوك وهو راكب على بعير لكعب بن عجرة، وبعثه رسول الله ﷺ مع خالد إلى أكيدر دومة فلما رجعوا عرض واثلة على كعب بن عجرة ما كان شارطه عليه من سهم الغنيمة فقال له كعب إنما حملتك لله . وفد أشجع ذكر الواقدي: أنهم قدموا عام الخندق وهم مائة رجل ورئيسهم مسعود بن رخيلة فنزلوا شعب سلع فخرج اليهم رسول الله وأمر لهم بأحمال التمر، ويقال بل قدموا بعد ما فرغ من بنى قريظة وكانوا سبع مائة رجل فوادعهم ورجعوا ثم أسلموا بعد ذلك. وفد باهلة قدم رئيسهم مطرف بن الكاهن بعد الفتح فأسلم. وأخذ لقومه أمانا وكتب له كتابا فيه الفرائض وشرائع الإسلام كتبه عثمان بن عفان ﵁.

стр. 1505

وفد بنى سليم (١) قال وقدم على رسول الله ﷺ رجل من بنى سليم يقال له قيس بن نشبة فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه ووعى (٢) ذلك كله، ودعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأسلم ورجع إلى قومه بنى سليم فقال سمعت ترجمة الروم وهينمة فارس وأشعار العرب وكهانة الكهان وكلام مقاول حمير فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم فلقوا رسول الله ﷺ بقديد وهم سبع مائة. ويقال كانوا الفا وفيهم العباس بن مرداس وجماعة من أعيانهم فأسلموا وقالوا اجعلنا في مقدمتك واجعل لواءنا احمر وشعارنا مقدما ففعل ذلك بهم. فشهدوا معه الفتح والطائف وحنينا وقد كان راشد بن عبد ربه السلمي يعبد صنما فرآه يوما وثعلبان يبولان عليه فقال: أرب يبول الثعلبان برأسه … لقد زل من بالت عليه الثعالب ثم شد عليه فكسره ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فأسلم وقال له رسول الله ﷺ ما اسمك؟ قال غاوى بن عبد العزى. فقال بل أنت راشد بن عبد ربه واقطعه موضعا يقال له رهاط فيه عين تجرى يقال لها عين الرسول وقال هو خير بنى سليم وعقد له على قومه وشهد الفتح وما بعدها. وفد بنى هلال بن عامر وذكر في وفدهم: عبد عوف بن أصرم فأسلم وسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وقبيصة بن مخارق الّذي له حديث في الصدقات، وذكر في وفد بنى هلال زياد بن عبد الله بن مالك بن نجير بن الهدم ابن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر فلما دخل المدينة يمم منزل خالته ميمونة بنت الحارث فدخل عليها فلما دخل رسول الله ﷺ منزله رآه فغضب ورجع. فقالت يا رسول الله انه ابن أختى فدخل ثم خرج إلى المسجد ومعه زياد فصلى الظهر ثم أدنا زيادا فدعا له ووضع يده على رأسه ثم حدرها على طرف أنفه فكانت بنو هلال تقول ما زلنا نتعرف البركة في وجه زياد. وقال الشاعر لعلى بن زياد: إن الّذي مسح الرسول برأسه … ودعا له بالخير عند المسجد أعنى زيادا لا أريد سواءه … من عابر أو متهم أو منجد ما زال ذاك النور في عرنينه … حتى تبوأ بيته في ملحد

стр. 1506

وفد بنى بكر بن وائل ذكر الواقدي: أنهم لما قدموا سألوا رسول الله ﷺ عن قس بن ساعدة. فقال: ليس ذاك منكم ذاك رجل من إياد تحنف في الجاهلية فوافى عكاظ والناس مجتمعون فكلمهم بكلامه الّذي حفظ عنه. قال: وكان في الوفد بشير بن الخصاصية وعبد الله بن مرثد وحسان بن خوط. فقال رجل من ولد حسان: أنا وحسان بن خوط وأبى … رسول بكر كلها إلى النبي وفد بنى تغلب (١) ذكر أنهم كانوا ستة عشر رجلا مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب، فنزلوا دار رملة بنت الحارث فصالح رسول الله ﷺ النصارى على أن لا يضيعوا أولادهم في النصرانية وأجار المسلمين منهم. وفادات أهل اليمن * وفد نجيب ذكر الواقدي: أنهم قدموا سنة تسع وأنهم كانوا ثلاثة عشر رجلا فأجازهم أكثر ما أجاز غيرهم وأن غلاما منهم قال له رسول الله ﷺ ما حاجتك؟ فقال يا رسول الله أدع الله يغفر لي ويرحمني ويجعل غنائى في قلبي. فقال: «اللهمّ اغفر له وارحمه، واجعل غناه في قلبه». فكان بعد ذلك من أزهد الناس. وفد خولان ذكر أنهم كانوا عشرة وأنهم قدموا في شعبان سنة عشر وسألهم رسول الله ﷺ عن صنمهم الّذي كان يقال له عم أنس فقالوا أبدلناه خيرا منه ولو قد رجعنا لهدمناه، وتعلموا القرآن والسنن فلما رجعوا هدموا الصنم، وأحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله (٢)]. وفد جعفي ذكر أنهم كانوا يحرمون أكل القلب فلما أسلم وفدهم أمرهم رسول الله ﷺ بأكل القلب وأمر به فشوى وناوله رئيسهم وقال لا يتم ايمانكم حتى تأكلوه فأخذه ويده ترعد فأكله وقال: على أنى أكلت القلب كرها … وترعد حين مسته بنانى

стр. 1507

بسم الله الرحمن الرحيم (١) فصل * في قدوم وفد الأزد على رسول الله ﷺ ذكر أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة والحافظ أبو موسى المديني من حديث احمد بن أبى الحواري قال سمعت أبا سليمان الدارانيّ قال حدثني علقمة بن مرثد بن سويد الأزدي قال حدثني أبى عن جدي عن سويد بن الحارث. قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله ﷺ فلما دخلنا عليه وكلمناه فأعجبه ما رأى من سمتنا وزينا فقال: ما أنتم؟ قلنا مؤمنون فتبسم رسول الله ﷺ وقال «إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم» قلنا خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا بها رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا. فقال رسول الله ﷺ : «ما الخمسة التي أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها؟» قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: «وما الخمسة التي أمرتكم أن تعملوا بها؟» قلنا أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله، ونقيم الصلاة، ونؤتى الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت من استطاع اليه سبيلا. فقال: «وما الخمسة الّذي تخلقتم بها في الجاهلية؟». قالوا الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضى بمر القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال رسول الله ﷺ : «حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء» ثم قال: «وأنا أزيدكم خمسا فيتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا تزولون، واتقوا الله الّذي اليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخلدون». فانصرف القوم من عند رسول الله ﷺ وحفظوا وصيته وعملوا بها. ثم ذكر: وفد كندة وأنهم كانوا بضعة عشر راكبا عليهم الأشعث بن قيس وأنه أجازهم بعشر أواق وأجاز الأشعث ثنتى عشرة أوقية وقد تقدم. وفد الصدف قدموا في بضعة عشر راكبا فصادفوا رسول الله ﷺ يخطب على المنبر فجلسوا ولم يسلموا فقال «أمسلمون أنتم؟» قالوا نعم! قال «فهلا سلمتم» فقاموا قياما فقالوا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فقال: «وعليكم السلام، أجلسوا» فجلسوا وسألوا رسول الله ﷺ عن أوقات الصلوات.

стр. 1508

وفد خشين قال: وقدم أبو ثعلبة الخشنيّ ورسول الله يجهز إلى خيبر فشهد معه خيبر، ثم قدم بعد ذلك بضعة عشر رجلا منهم فأسلموا. وفد بنى سعد ثم ذكر وفد بنى سعد هذيم وبلى وبهراء وبنى عذرة وسلامان وجهينة وبنى كلب والجرميين. وقد تقدم حديث عمرو بن سلمة الجرمي في صحيح البخاري. وذكر: وفد الأزد وغسان والحارث بن كعب وهمدان وسعد العشيرة وقيس، ووفد الداريين والزهاويين وبنى عامر والمسجع وبجيلة وخثعم وحضرموت. وذكر فيهم وائل بن حجر وذكر فيهم الملوك الأربعة حميدا ومخوسا ومشرجا وأبضعه. وقد ورد في مسند احمد نعتهم مع أخيهم الغمر وتكلم الواقدي كلاما فيه طول. وذكر وفد أزدعمان وغافق وبارق ودوس وثمالة والحدار وأسلم وجذام ومهرة وحمير ونجران وحيسان. وبسط الكلام على هذه القبائل بطول جدا، وقد قدمنا بعض ما يتعلق بذلك وفيما أوردناه كفاية والله أعلم. ثم قال الواقدي. وافد السباع حدثني شعيب بن عبادة عن عبد المطلب بن عبد الله بن حنظب قال: بينا رسول الله ﷺ جالس بالمدينة في أصحابه أقبل ذئب فوقف بين يديه فعوى. فقال رسول الله ﷺ : «هذا وافد السباع إليكم فان أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره وإن أحببتم تركتموه وتحذرتم منه فما أخذ فهو رزقه». قالوا يا رسول الله ما تطيب أنفسنا له بشيء فأومأ اليه النبي ﷺ بأصابعه الثلاث أي خالسهم فولى وله عسلان. وهذا مرسل من هذا الوجه ويشبه هذا الذئب الذئب الّذي ذكر في الحديث الّذي رواه الامام احمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا القاسم بن الفضل الحراني عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ. قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبها الراعي فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه فقال ألا تتقى الله تنزع منى رزقا ساقه الله إليّ فقال يا عجبا ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الانس. فقال: الذئب ألا أخبرك بأعجب من ذلك محمد رسول الله ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزاواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره فأمر رسول الله ﷺ فنودي الصلاة جامعة ثم خرج فقال للأعرابي أخبرهم فأخبرهم فقال رسول الله ﷺ «صدق والّذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الانس وتكلم

стр. 1509

الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده». وقد رواه الترمذي عن سفيان ابن وكيع بن الجراح عن أبيه عن القاسم بن الفضل به وقال حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل به وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى وابن مهدي. قلت: وقد رواه الامام احمد أيضا حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب هو ابن أبى حمزة حدثني عبد الله بن أبى الحسين حدثني مهران أنبأنا أبو سعيد الخدريّ حدثه، فذكر هذه القصة بطولها بأبسط من هذا السياق. ثم رواه احمد حدثنا أبو النضر ثنا عبد الحميد بن بهرام ثنا شهر قال وحدث أبو سعيد فذكره وهذا السياق أشبه والله أعلم وهو اسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه. فصل وقد تقدم ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة وقد تقصينا الكلام في ذلك عند قوله تعالى في سورة الأحقاف ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ فذكرنا ما ورد من الأحاديث في ذلك والآثار وأوردنا حديث سواد بن قارب الّذي كان كاهنا فأسلم. وما رواه عن رئيه الّذي كان يأتيه بالخبر حين أسلم حين قال له: عجبت للجن وانجاسها … وشدها العيس باحلاسها تهوى إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمن الجن كارجاسها فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى رأسها ثم قوله: عجبت للجن وتطلابها … وشدها العيس بأقتابها تهوى إلى مكة تبغي الهدى … ليس قدامها كأذنابها فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى بابها ثم قوله: عجبت للجن وتخبارها … وشدها العيس بأكوارها تهوى إلى مكة تبغي الهدى … ليس ذوو الشر كاخيارها فانهض إلى الصفوة من هاشم … ما مؤمنو الجن ككفارها وهذا وأمثاله مما يدل على تكرار وفود الجن إلى مكة وقد قررنا ذلك لك بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة وبه التوفيق. وقد أورد الحافظ أبو بكر البيهقي ها هنا حديثا غريبا جدا بل منكرا أو موضوعا ولكن مخرجه

стр. 1510

عزيز أحببنا أن نورده كما أورده والعجب منه فإنه قال في دلائل النبوة: باب قدوم هامة بن الهيثم بن لا قيس بن إبليس على النبي ﷺ وإسلامه. أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلويّ ﵀ أنبأنا أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل القاري المروزي ثنا عبد الله بن حماد الآملي ثنا محمد بن أبى معشر أخبرنى أبى عن نافع عن ابن عمر. قال قال عمر ﵁: بينا نحن قعود مع النبي ﷺ على جبل من جبال تهامة إذ أقبل شيخ بيده عصا فسلم على النبي ﷺ فرد ثم قال: «نغمة جن وغمغمتهم من أنت؟» قال أنا هامة بن الهيثم بن لا قيس بن إبليس. فقال النبي ﷺ : «فما بينك وبين إبليس الا أبوان فكم أتى لك من الدهر» قال قد أفنيت الدنيا عمرها إلا قليلا ليالي قتل قابيل هابيل كنت غلاما ابن أعوام أفهم الكلام وأمر بالآكام وآمر بإفساد الطعام وقطعية الأرحام. فقال رسول الله ﷺ : «بئس عمل الشيخ المتوسم، والشاب المتلوم» قال ذرني من الترداد إني تائب الى الله ، إني كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكانى وقال لا جرم إني على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قال قلت يا نوح إني كنت ممن اشترك في دم السعيد الشهيد هابيل بن آدم فهل تجد لي عندك توبة؟ قال: يا هام هم بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة إني قرأت فيما أنزل الله عليّ أنه ليس من عبد تاب الى الله بالغ أمره ما بلغ إلا تاب الله عليه، قم فتوضأ وأسجد لله سجدتين قال ففعلت من ساعتي ما أمرنى به. فناداني أرفع رأسك فقد نزلت توبتك من السماء فخررت لله ساجدا، قال: وكنت مع هود في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكانى فقال لا جرم إني على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، قال وكنت مع صالح في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكانى وقال أنا على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، وكنت أزور يعقوب، وكنت مع يوسف في المكان الأمين، وكنت القى الياس في الاودية وأنا ألقاه الآن، وإني لقيت موسى بن عمران فعلمني من التوراة وقال إن لقيت عيسى ابن مريم فأقرئه منى السلام. وإني لقيت عيسى ابن مريم فأقرأته عن موسى السلام، وإن عيسى قال إن لقيت محمدا ﷺ فأقره منى السلام فأرسل رسول الله ﷺ عينيه فبكى ثم قال وعلى عيسى السلام ما دامت الدنيا وعليك السلام يا هام بأدائك الأمانة. قال: يا رسول الله افعل بى ما فعل موسى إنه علمني من التوراة قال فعلمه رسول الله ﷺ إذا وقعت الواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت، والمعوذتين، وقل هو الله أحد، وقال: «ارفع إلينا حاجتك يا هامة، ولا تدع زيارتنا». قال عمر فقبض رسول الله ﷺ ولم يعد إلينا فلا ندري الآن أحي هو أم ميت؟ ثم قال البيهقي: ابن أبى معشر هذا قد روى عنه
следующие страницы →