← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وفد بنى بكر بن وائل ذكر الواقدي: أنهم لما قدموا سألوا رسول الله ﷺ عن قس بن ساعدة. فقال: ليس ذاك منكم ذاك رجل من إياد تحنف في الجاهلية فوافى عكاظ والناس مجتمعون فكلمهم بكلامه الّذي حفظ عنه. قال: وكان في الوفد بشير بن الخصاصية وعبد الله بن مرثد وحسان بن خوط. فقال رجل من ولد حسان: أنا وحسان بن خوط وأبى … رسول بكر كلها إلى النبي وفد بنى تغلب (١) ذكر أنهم كانوا ستة عشر رجلا مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب، فنزلوا دار رملة بنت الحارث فصالح رسول الله ﷺ النصارى على أن لا يضيعوا أولادهم في النصرانية وأجار المسلمين منهم. وفادات أهل اليمن * وفد نجيب ذكر الواقدي: أنهم قدموا سنة تسع وأنهم كانوا ثلاثة عشر رجلا فأجازهم أكثر ما أجاز غيرهم وأن غلاما منهم قال له رسول الله ﷺ ما حاجتك؟ فقال يا رسول الله أدع الله يغفر لي ويرحمني ويجعل غنائى في قلبي. فقال: «اللهمّ اغفر له وارحمه، واجعل غناه في قلبه». فكان بعد ذلك من أزهد الناس. وفد خولان ذكر أنهم كانوا عشرة وأنهم قدموا في شعبان سنة عشر وسألهم رسول الله ﷺ عن صنمهم الّذي كان يقال له عم أنس فقالوا أبدلناه خيرا منه ولو قد رجعنا لهدمناه، وتعلموا القرآن والسنن فلما رجعوا هدموا الصنم، وأحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله (٢)]. وفد جعفي ذكر أنهم كانوا يحرمون أكل القلب فلما أسلم وفدهم أمرهم رسول الله ﷺ بأكل القلب وأمر به فشوى وناوله رئيسهم وقال لا يتم ايمانكم حتى تأكلوه فأخذه ويده ترعد فأكله وقال: على أنى أكلت القلب كرها … وترعد حين مسته بنانى

стр. 1507

بسم الله الرحمن الرحيم (١) فصل * في قدوم وفد الأزد على رسول الله ﷺ ذكر أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة والحافظ أبو موسى المديني من حديث احمد بن أبى الحواري قال سمعت أبا سليمان الدارانيّ قال حدثني علقمة بن مرثد بن سويد الأزدي قال حدثني أبى عن جدي عن سويد بن الحارث. قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله ﷺ فلما دخلنا عليه وكلمناه فأعجبه ما رأى من سمتنا وزينا فقال: ما أنتم؟ قلنا مؤمنون فتبسم رسول الله ﷺ وقال «إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم» قلنا خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا بها رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا. فقال رسول الله ﷺ : «ما الخمسة التي أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها؟» قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: «وما الخمسة التي أمرتكم أن تعملوا بها؟» قلنا أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله، ونقيم الصلاة، ونؤتى الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت من استطاع اليه سبيلا. فقال: «وما الخمسة الّذي تخلقتم بها في الجاهلية؟». قالوا الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضى بمر القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال رسول الله ﷺ : «حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء» ثم قال: «وأنا أزيدكم خمسا فيتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا تزولون، واتقوا الله الّذي اليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخلدون». فانصرف القوم من عند رسول الله ﷺ وحفظوا وصيته وعملوا بها. ثم ذكر: وفد كندة وأنهم كانوا بضعة عشر راكبا عليهم الأشعث بن قيس وأنه أجازهم بعشر أواق وأجاز الأشعث ثنتى عشرة أوقية وقد تقدم. وفد الصدف قدموا في بضعة عشر راكبا فصادفوا رسول الله ﷺ يخطب على المنبر فجلسوا ولم يسلموا فقال «أمسلمون أنتم؟» قالوا نعم! قال «فهلا سلمتم» فقاموا قياما فقالوا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فقال: «وعليكم السلام، أجلسوا» فجلسوا وسألوا رسول الله ﷺ عن أوقات الصلوات.

стр. 1508

وفد خشين قال: وقدم أبو ثعلبة الخشنيّ ورسول الله يجهز إلى خيبر فشهد معه خيبر، ثم قدم بعد ذلك بضعة عشر رجلا منهم فأسلموا. وفد بنى سعد ثم ذكر وفد بنى سعد هذيم وبلى وبهراء وبنى عذرة وسلامان وجهينة وبنى كلب والجرميين. وقد تقدم حديث عمرو بن سلمة الجرمي في صحيح البخاري. وذكر: وفد الأزد وغسان والحارث بن كعب وهمدان وسعد العشيرة وقيس، ووفد الداريين والزهاويين وبنى عامر والمسجع وبجيلة وخثعم وحضرموت. وذكر فيهم وائل بن حجر وذكر فيهم الملوك الأربعة حميدا ومخوسا ومشرجا وأبضعه. وقد ورد في مسند احمد نعتهم مع أخيهم الغمر وتكلم الواقدي كلاما فيه طول. وذكر وفد أزدعمان وغافق وبارق ودوس وثمالة والحدار وأسلم وجذام ومهرة وحمير ونجران وحيسان. وبسط الكلام على هذه القبائل بطول جدا، وقد قدمنا بعض ما يتعلق بذلك وفيما أوردناه كفاية والله أعلم. ثم قال الواقدي. وافد السباع حدثني شعيب بن عبادة عن عبد المطلب بن عبد الله بن حنظب قال: بينا رسول الله ﷺ جالس بالمدينة في أصحابه أقبل ذئب فوقف بين يديه فعوى. فقال رسول الله ﷺ : «هذا وافد السباع إليكم فان أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره وإن أحببتم تركتموه وتحذرتم منه فما أخذ فهو رزقه». قالوا يا رسول الله ما تطيب أنفسنا له بشيء فأومأ اليه النبي ﷺ بأصابعه الثلاث أي خالسهم فولى وله عسلان. وهذا مرسل من هذا الوجه ويشبه هذا الذئب الذئب الّذي ذكر في الحديث الّذي رواه الامام احمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا القاسم بن الفضل الحراني عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ. قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبها الراعي فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه فقال ألا تتقى الله تنزع منى رزقا ساقه الله إليّ فقال يا عجبا ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الانس. فقال: الذئب ألا أخبرك بأعجب من ذلك محمد رسول الله ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزاواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره فأمر رسول الله ﷺ فنودي الصلاة جامعة ثم خرج فقال للأعرابي أخبرهم فأخبرهم فقال رسول الله ﷺ «صدق والّذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الانس وتكلم

стр. 1509

الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده». وقد رواه الترمذي عن سفيان ابن وكيع بن الجراح عن أبيه عن القاسم بن الفضل به وقال حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل به وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى وابن مهدي. قلت: وقد رواه الامام احمد أيضا حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب هو ابن أبى حمزة حدثني عبد الله بن أبى الحسين حدثني مهران أنبأنا أبو سعيد الخدريّ حدثه، فذكر هذه القصة بطولها بأبسط من هذا السياق. ثم رواه احمد حدثنا أبو النضر ثنا عبد الحميد بن بهرام ثنا شهر قال وحدث أبو سعيد فذكره وهذا السياق أشبه والله أعلم وهو اسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه. فصل وقد تقدم ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة وقد تقصينا الكلام في ذلك عند قوله تعالى في سورة الأحقاف ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ فذكرنا ما ورد من الأحاديث في ذلك والآثار وأوردنا حديث سواد بن قارب الّذي كان كاهنا فأسلم. وما رواه عن رئيه الّذي كان يأتيه بالخبر حين أسلم حين قال له: عجبت للجن وانجاسها … وشدها العيس باحلاسها تهوى إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمن الجن كارجاسها فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى رأسها ثم قوله: عجبت للجن وتطلابها … وشدها العيس بأقتابها تهوى إلى مكة تبغي الهدى … ليس قدامها كأذنابها فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى بابها ثم قوله: عجبت للجن وتخبارها … وشدها العيس بأكوارها تهوى إلى مكة تبغي الهدى … ليس ذوو الشر كاخيارها فانهض إلى الصفوة من هاشم … ما مؤمنو الجن ككفارها وهذا وأمثاله مما يدل على تكرار وفود الجن إلى مكة وقد قررنا ذلك لك بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة وبه التوفيق. وقد أورد الحافظ أبو بكر البيهقي ها هنا حديثا غريبا جدا بل منكرا أو موضوعا ولكن مخرجه

стр. 1510

عزيز أحببنا أن نورده كما أورده والعجب منه فإنه قال في دلائل النبوة: باب قدوم هامة بن الهيثم بن لا قيس بن إبليس على النبي ﷺ وإسلامه. أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلويّ ﵀ أنبأنا أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل القاري المروزي ثنا عبد الله بن حماد الآملي ثنا محمد بن أبى معشر أخبرنى أبى عن نافع عن ابن عمر. قال قال عمر ﵁: بينا نحن قعود مع النبي ﷺ على جبل من جبال تهامة إذ أقبل شيخ بيده عصا فسلم على النبي ﷺ فرد ثم قال: «نغمة جن وغمغمتهم من أنت؟» قال أنا هامة بن الهيثم بن لا قيس بن إبليس. فقال النبي ﷺ : «فما بينك وبين إبليس الا أبوان فكم أتى لك من الدهر» قال قد أفنيت الدنيا عمرها إلا قليلا ليالي قتل قابيل هابيل كنت غلاما ابن أعوام أفهم الكلام وأمر بالآكام وآمر بإفساد الطعام وقطعية الأرحام. فقال رسول الله ﷺ : «بئس عمل الشيخ المتوسم، والشاب المتلوم» قال ذرني من الترداد إني تائب الى الله ، إني كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكانى وقال لا جرم إني على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قال قلت يا نوح إني كنت ممن اشترك في دم السعيد الشهيد هابيل بن آدم فهل تجد لي عندك توبة؟ قال: يا هام هم بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة إني قرأت فيما أنزل الله عليّ أنه ليس من عبد تاب الى الله بالغ أمره ما بلغ إلا تاب الله عليه، قم فتوضأ وأسجد لله سجدتين قال ففعلت من ساعتي ما أمرنى به. فناداني أرفع رأسك فقد نزلت توبتك من السماء فخررت لله ساجدا، قال: وكنت مع هود في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكانى فقال لا جرم إني على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، قال وكنت مع صالح في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكانى وقال أنا على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، وكنت أزور يعقوب، وكنت مع يوسف في المكان الأمين، وكنت القى الياس في الاودية وأنا ألقاه الآن، وإني لقيت موسى بن عمران فعلمني من التوراة وقال إن لقيت عيسى ابن مريم فأقرئه منى السلام. وإني لقيت عيسى ابن مريم فأقرأته عن موسى السلام، وإن عيسى قال إن لقيت محمدا ﷺ فأقره منى السلام فأرسل رسول الله ﷺ عينيه فبكى ثم قال وعلى عيسى السلام ما دامت الدنيا وعليك السلام يا هام بأدائك الأمانة. قال: يا رسول الله افعل بى ما فعل موسى إنه علمني من التوراة قال فعلمه رسول الله ﷺ إذا وقعت الواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت، والمعوذتين، وقل هو الله أحد، وقال: «ارفع إلينا حاجتك يا هامة، ولا تدع زيارتنا». قال عمر فقبض رسول الله ﷺ ولم يعد إلينا فلا ندري الآن أحي هو أم ميت؟ ثم قال البيهقي: ابن أبى معشر هذا قد روى عنه

стр. 1511

الكبار إلا أن أهل العلم بالحديث يضعفونه. وقد روى هذا الحديث من وجه آخر هو أقوى منه والله أعلم. (١) سنة عشر من الهجرة باب بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الاولى سنة عشر إلى بنى الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا فإن استجابوا فاقبل منهم. وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا اليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه ﷺ كما أمره رسول الله إن هم أسلموا ولم يقاتلوا. ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد النبي رسول الله من خالد بن الوليد السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فانى احمد إليك الله الّذي لا إله إلا هو أما بعد يا رسول الله صلّى الله عليك فإنك بعثتني إلى بنى الحارث بن كعب وأمرتنى إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعوهم إلى الإسلام فان أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه وإن لم يسلموا قاتلتهم، وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرنى رسول الله، وبعثت فيهم ركبانا يا بنى الحارث أسلموا تسلموا فأسلموا ولم يقاتلوا وأنا مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبي ﷺ ، حتى يكتب إليّ رسول الله ﷺ والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فكتب اليه رسول الله ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد سلام عليك فانى احمد إليك الله الّذي لا إله إلا هو أما بعد فان كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بنى الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم وأجابوا إلى ما دعوتهم اليه من الإسلام وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه فبشرهم وأنذرهم وأقبل، وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». فاقبل خالد إلى رسول الله ﷺ وأقبل معه وفد بنى الحارث بن كعب، منهم قيس بن الحصين ذو الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادي، وشداد بن عبيد الله القناني، وعمرو بن عبد الله الضبابي. فلما قدموا على رسول ﷺ ورآهم. قال من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟ قيل: يا رسول الله هؤلاء بنو

стр. 1512

الحارث بن كعب، فلما وقفوا على رسول الله ﷺ سلموا عليه وقالوا نشهد أنك رسول الله وأنه لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله. ثم قال: «أنتم الذين إذا زجروا استقدموا» فسكتوا فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثانية: ثم الثالثة فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الرابعة. قال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله! نحن الذين إذا زجروا استقدموا قالها أربع مرات. فقال رسول الله ﷺ : «لو أن خالدا لم يكتب إلى أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رءوسكم تحت أقدامكم». فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا. قال فمن حمدتم؟ قالوا حمدنا الله الّذي هدانا بك يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ صدقتم. ثم قال: بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا. لم نك نغلب أحدا: قال بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم. قالوا كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله إنا كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحدا بظلم قال «صدقتم» ثم أمر عليهم قيس بن الحصين. قال ابن إسحاق: ثم رجعوا إلى قومهم في بقية شوال أو في صدر ذي القعدة، قال ثم بعث اليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتابا عهد اليه فيه عهده وأمره أمره. ثم أورده ابن إسحاق وقد قدمناه في وفد ملوك حمير من طريق البيهقي وقد رواه النسائي نظير ما ساقه محمد بن إسحاق بغير اسناد. بعث رسول الله ﷺ الأمراء إلى أهل اليمن قبل حجة الوداع يدعونهم إلى الله قال البخاري: باب بعث أبى موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع. حدثنا موسى ثنا أبو عوانة ثنا عبد الملك عن أبى بردة: قال بعث النبي ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال وبعث كل واحد منهما على مخلاف قال واليمن مخلافان. ثم قال: «يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا» وفي رواية: وتطاوعا ولا تختلفا وانطلق كل واحد منهما الى عمله قال وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا [فسلم عليه] فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبى موسى فجاء يسير على بغلته حتى انتهى اليه فإذا هو جالس وقد اجتمع الناس اليه وإذا رجل عنده قد جمعت يداه الى عنقه فقال له معاذ يا عبد الله بن قيس أيم (١) هذا. قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يقتل قال انما جيء به لذلك فانزل قال ما أنزل حتى يقتل فأمر به فقتل ثم نزل. فقال يا عبد الله كيف تقرأ القرآن؟ قال أتفوقه تفوقا قال فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال

стр. 1513

أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئى من النوم فاقرأ ما كتب الله لي فاحتسب نومتي كما احتسب قومتى. انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه ثم قال البخاري ثنا إسحاق ثنا خالد عن الشيباني عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه عن أبى موسى الأشعري. أن رسول الله ﷺ بعثه الى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها فقال ما هي؟ قال: البتع والمزر فقلت لأبي بردة ما البتع؟ قال نبيذ العسل والمزر نبيذ الشعير. فقال: «كل مسكر حرام» رواه جرير وعبد الواحد عن الشيباني عن أبى بردة. ورواه مسلم من حديث سعيد بن أبى بردة. وقال البخاري: حدثنا حبان أنبأنا عبد الله عن زكريا بن أبى إسحاق عن يحيى بن عبد الله ابن صيفي عن أبى معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه الى اليمن: «انك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتّق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق متعددة. وقال الامام احمد ثنا أبو المغيرة ثنا صفوان حدثني راشد بن سعد عن عاصم بن حميد السكونيّ عن معاذ بن جبل. قال: لما بعثه رسول الله ﷺ الى اليمن خرج معه يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشى تحت راحلته فلما فرغ قال: يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدى هذا وقبري، فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله ﷺ ثم التفت بوجهه نحو المدينة فقال: «إن أولى الناس بى المتقون من كانوا وحيث كانوا» ثم رواه عن أبى اليمان عن صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد عن عاصم بن حميد السكونيّ: أن معاذ لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن خرج معه يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله يمشى تحت راحلته، فلما فرغ قال يا معاذ «إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدى هذا وقبري» فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله ﷺ . فقال «لا تبك يا معاذ للبكاء أوان، البكاء من الشيطان». وقال الامام احمد حدثنا أبو المغيرة ثنا صفوان حدثني أبو زياد يحيى بن عبيد الغساني عن يزيد بن قطيب عن معاذ أنه كان يقول: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال «لعلك أن تمر بقبري ومسجدي فقد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم يقاتلون على الحق مرتين، فقاتل بمن أطاعك منهم من عصاك، ثم يفيئون إلى الإسلام حتى تبادر المرأة زوجها والولد والده والأخ أخاه، فانزل بين الحيين السكون والسكلسك». وهذا الحديث فيه إشارة وظهور وإيماء إلى أن معاذا ﵁ لا يجتمع بالنبيّ ﷺ بعد

стр. 1514

ذلك، وكذلك وقع فإنه أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع، ثم كانت وفاته ﵇ بعد أحد وثمانين يوما من يوم الحج الأكبر. فاما الحديث الّذي قال الامام احمد حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبى ظبيان عن معاذ أنه لما رجع من اليمن قال: يا رسول الله رأيت رجالا باليمن يسجد بعضهم لبعض أفلا نسجد لك قال: «لو كنت آمر بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» وقد رواه احمد عن ابن نمير عن الأعمش سمعت أبا ظبيان يحدث عن رجل من الأنصار عن معاذ ابن جبل قال أقبل معاذ من اليمن فقال: يا رسول الله إني رأيت رجالا. فذكر معناه. فقد دار على رجل منهم ومثله لا يحتج به لا سيما وقد خالفه غيره ممن يعتد به فقالوا لما قدم معاذ من الشام كذلك رواه احمد ثنا إبراهيم بن مهدي ثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن أبى حسين عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل. قال قال رسول الله ﷺ : «مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله» وقال احمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن ميمون بن أبى شبيب عن معاذ. أن رسول الله ﷺ قال يا معاذ اتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» قال وكيع وجدته في كتابي عن أبى ذر وهو السماع الأول وقال سفيان مرة عن معاذ ثم قال الامام احمد حدثنا إسماعيل عن ليث عن حبيب بن أبى ثابت عن ميمون بن أبى شبيب عن معاذ. أنه قال يا رسول الله أوصني، فقال: «اتّق الله حيثما كنت، قال زدني قال اتبع السيئة الحسنة تمحها، قال زدني قال خالق الناس بخلق حسن». وقد رواه الترمذي في جامعه عن محمود بن غيلان عن وكيع عن سفيان الثوري به وقال حسن. قال شيخنا في الاطراف وتابعه فضيل بن سليمان عن ليث بن ابى سليم عن الأعمش عن حبيب به. وقال احمد ثنا أبو اليمان ثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرميّ عن معاذ بن جبل. قال أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات قال: «لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقّنّ [والديك] وإن أمراك أن تخرج من مالك وأهلك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرا فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية فإن بالمعصية يحل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت، وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا، وأحبهم في الله » وقال الامام احمد ثنا يونس ثنا بقية عن السري بن ينعم عن شريح عن مسروق عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن. قال: «إياك والتنعم فان عباد الله ليسوا بالمتنعمين» وقال احمد ثنا سليمان بن داود الهاشمي ثنا أبو بكر - يعنى ابن عياش - ثنا عاصم عن أبى وائل عن معاذ قال بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأمرنى أن آخذ من كل حالم دينارا أو عد له من المعافر، وأمرنى أن

стр. 1515

آخذ من كل أربعين بقرة مسنة ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا حوليا وأمرنى فيما سقت السماء العشر وما سقى بالدوالي نصف العشر» وقد رواه أبو داود من حديث أبى معاوية والنسائي من حديث محمد بن إسحاق عن الأعمش كذلك. وقد رواه أهل السنن الأربعة من طرق عن الأعمش عن أبى وائل عن مسروق عن معاذ وقال احمد ثنا معاوية عن عمرو وهارون بن معروف قالا: ثنا عبد الله بن وهب عن حيوة عن يزيد ابن أبى حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم. أن معاذا قال: بعثني رسول الله ﷺ أصدق أهل اليمن، فأمرنى أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا قال هارون - والتبيع الجذع أو جذعة - ومن كل أربعين مسنة، فعرضوا على أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين فأبيت ذلك. وقلت لهم أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقدمت فأخبرت النبي ﷺ فأمرني أن أخذ من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة ومن الستين تبيعين ومن السبعين مسنة وتبيعا ومن الثمانين مسنتين ومن التسعين ثلاثة أتباع ومن المائة مسنة وتبيعين ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا ومن العشرين ومائة ثلاث مسننات أو أربعة اتباع، قال وأمرنى رسول الله ﷺ أن لا أخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن يبلغ مسنة أو جذع وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها وهذا من أفراد احمد، وفيه دلالة على أنه قدم بعد مصيره إلى اليمن على رسول الله ﷺ والصحيح إنه لم ير النبي ﷺ بعد ذلك كما تقدم في الحديث. وقد قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبى بن كعب بن مالك. قال كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه حتى كان عليه دين أغلق ماله فكلم رسول الله في أن يكلم غرماءه ففعل. فلم يضعوا له شيئا فلو ترك لأحد بكلام أحد لترك لمعاذ بكلام رسول الله ﷺ قال فدعاه رسول الله فلم يبرح أن باع ماله وقسمه بين غرمائه. قال فقام معاذ ولا مال له قال فلما حج رسول الله بعث معاذا إلي اليمن قال فكان أول من تجر في هذا المال معاذ، قال فقدم على أبى بكر الصديق من اليمن وقد توفى رسول الله ﷺ فجاء عمر فقال هل لك أن تطيعني فتدفع هذا المال إلى أبى بكر فان أعطاكه فاقبله، قال فقال معاذ: لم أدفعه اليه وإنما بعثني رسول الله ليجبرنى فلما أبى عليه انطلق عمر إلى أبى بكر فقال أرسل إلى هذا الرجل فخذ منه ودع له. فقال أبو بكر ما كنت لا فعل إنما بعثه رسول الله ليجبره فلست آخذ منه شيئا. قال فلما أصبح معاذ انطلق الى عمر فقال ما أرى الا فاعل الّذي قلت إني رأيتني البارحة في النوم - فيما يحسب عبد الرازق قال - أجر الى النار وأنت آخذ بحجزتي، قال فانطلق الى أبى بكر بكل شيء جاء به حتى جاءه بسوطه وحلف له أنه لم يكتمه شيئا. قال فقال أبو بكر ﵁: هو لك لا آخذ منه شيئا. وقد رواه أبو ثور عن معمر عن الزهري

стр. 1516

عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك فذكره إلا أنه قال: حتى إذا كان عام فتح مكة بعثه رسول الله ﷺ على طائفة من اليمن أميرا فمكث حتى قبض رسول الله ثم قدم في خلافة أبى بكر وخرج إلى الشام. قال البيهقي: وقد قدمنا أن رسول الله ﷺ استخلفه بمكة مع عتاب بن أسيد ليعلم أهلها، وأنه شهد غزوة تبوك، فالاشبه أن بعثه إلى اليمن كان بعد ذلك والله أعلم. ثم ذكر البيهقي لقصة منام معاذ شاهدا من طريق الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله وأنه كان من جملة ما جاء به عبيد فأتى بهم أبا بكر فلما رد الجميع عليه رجع بهم، ثم قام يصلى فقاموا كلهم يصلون معه فلما انصرف. قال لمن صليتم.؟ قالوا لله قال فأنتم له عتقاء فأعتقهم. وقال الامام احمد ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبى عون عن الحارث بن عمرو بن أخى المغيرة بن شعبة عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ أن رسول الله ﷺ حين بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال أقضى بما في كتاب الله، قال فان لم يكن في كتاب الله قال فسنة رسول الله ﷺ قال فان لم يكن في سنة رسول الله قال اجتهد وإني لا آلو. قال فضرب رسول الله صدري ثم قال: «الحمد لله الّذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله». وقد رواه احمد عن وكيع عن عفان عن شعبة باسناده ولفظه. وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث شعبة به وقال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس اسناده عندي بمتصل. وقد رواه ابن ماجة من وجه آخر عنه إلا أنه من طريق محمد بن سعد بن حسان - وهو المصلوب أحد الكذابين - عن عياذ بن بشر عن عبد الرحمن عن معاذ به نحوه. وقد روى الامام احمد عن محمد بن جعفر ويحيى بن سعيد عن شعبة عن عمرو بن أبى حكيم عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن معمر عن أبى الأسود الدئلي. قال: كان معاذ باليمن فارتفعوا اليه في يهودي مات وترك أخا مسلما. فقال معاذ: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الإسلام يزيد ولا ينقص» فورثه ورواه أبو داود من حديث ابن بريدة به. وقد حكى هذا المذهب عن معاوية بن أبى سفيان ورواه عن يحيى بن معمر القاضي وطائفة من السلف واليه ذهب إسحاق بن راهويه وخالفهم الجمهور، ومنهم الائمة الأربعة وأصحابهم محتجين بما ثبت في الصحيحين عن أسامة ابن زيد قال قال رسول الله ﷺ «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر» والمقصود أن معاذ ﵁ كان قاضيا للنّبيّ ﷺ باليمن وحاكما في الحروب ومصدّقا اليه تدفع الصدقات كما دل عليه حديث ابن عباس المتقدم وقد كان بارزا للناس يصلى بهم الصلوات الخمس كما قال البخاري حدثنا سليمان بن حرب ثنا شعبة عن حبيب بن أبى ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون أن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: ﴿وَاِتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً﴾ فقال رجل من القوم لقد قرت عين إبراهيم. انفرد به البخاري ثم قال البخاري:

стр. 1517

باب بعث رسول الله ﷺ على بن أبى طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع حدثنا احمد بن عثمان ثنا شريح بن مسلمة ثنا إبراهيم بن يوسف بن أبى إسحاق حدثني أبى عن أبى إسحاق سمعت البراء بن عازب قال: بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن قال ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه قال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل (١) فكنت فيمن عقب معه قال فغنمت أواقي ذات عدد انفرد به البخاري من هذا الوجه ثم قال البخاري حدثنا محمد بن بشار ثنا روح بن عبادة ثنا على بن سويد بن منجوف عن عبد الله ابن بريدة عن أبيه قال بعث النبي ﷺ عليا إلى خالد بن الوليد ليقبض الخمس وكنت أبغض عليا فأصبح وقد أغتسل فقلت لخالد ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي ﷺ ذكرت ذلك له فقال: «يا بريدة تبغض عليا» فقلت نعم! فقال: «لا تبغضه فان له في الخمس أكثر من ذلك». انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه. وقال الامام احمد ثنا يحيى بن سعيد ثنا عبد الجليل قال انتهيت إلى حلقة فيها أبو مجلز وابنا بريدة فقال عبد الله بن بريدة حدثني أبو بريدة قال أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا قط قال وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا قال فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا قال فأصبنا سبيا قال فكتب إلى رسول الله ﷺ أبعث إلينا من يخمسه قال فبعث إلينا عليا وفي السبي وصيفة من أفضل السبي. قال فخمس وقسم فخرج ورأسه يقطر فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا؟ فقال ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي فإنّي قسمت وخمست فصارت في الخمس ثم صارت في أهل بيت النبي ﷺ ثم صارت في آل على ووقعت بها قال فكتب الرجل إلى نبي الله ﷺ فقلت ابعثني فبعثني مصدقا فجعلت أقرأ الكتاب وأقول صدق قال فأمسك يدي والكتاب فقال: «أتبغض عليا» قال: قلت نعم؟ قال «فلا تبغضه وإن كنت تحبه فازدد له حبا فو الّذي نفس محمد بيده لنصيب آل على (٢) في الخمس أفضل من وصيفة» قال: فما كان من الناس أحد بعد قول النبي ﷺ أحب إليّ من على. قال عبد الله بن بريدة فو الّذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي ﷺ في هذا الحديث غير أبى بريدة. تفرد به بهذا السياق عبد الجليل بن عطية الفقيه أبو صالح البصري وثقه ابن معين وابن حبان. وقال البخاري: إنما يهم في الشيء. وقال محمد بن إسحاق ثنا أبان بن صالح عن عبد الله بن نيار (٣) الأسلمي عن خاله عمرو

стр. 1518

ابن شاس الأسلمي وكان من أصحاب الحديبيّة. قال كنت مع على بن أبى طالب في خيله التي بعثه رسول الله ﷺ الى اليمن فجفاني عليّ بعض الجفاء فوجدت في نفسي عليه فلما قدمت المدينة اشتكيته في مجالس المدينة وعند من لقيته، فأقبلت يوما ورسول الله جالس في المسجد فلما رآني انظر الى عينيه نظر إلى حتى جلست اليه فلما جلست اليه قال: «إنه والله يا عمرو بن شاس لقد آذيتني» فقلت ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ أعوذ بالله والإسلام أن أوذى رسول الله. فقال: «من آذى عليا فقد آذاني» وقد رواه البيهقي من وجه آخر عن ابن إسحاق عن أبان بن الفضل بن معقل بن سنان عن عبد الله بن نيار عن خاله عمرو بن شاس فذكره بمعناه. وقال الحافظ البيهقي أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ أنبأنا أبو إسحاق المولى ثنا عبيدة بن أبى السفر سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبى إسحاق عن أبيه عن أبى إسحاق عن البراء: أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه ثم إن رسول الله ﷺ بعث على بن أبى طالب وأمره أن يقفل خالدا إلا رجلا كان ممن مع خالد فأحب أن يعقب مع على فليعقب معه. قال البراء: فكنت فيمن عقب مع عليّ فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا ثم تقدم فصلى بنا على ثم صفنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان جميعا، فكتب على إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: «السلام على همدان السلام على همدان». قال البيهقي: رواه البخاري مختصرا من وجه آخر عن إبراهيم بن يوسف. وقال البيهقي أنبأنا أبو الحسين محمد بن الفضل القطان أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان ثنا إسماعيل بن أبى أويس حدثني أخى عن سليمان بن بلال عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب ابن عجرة عن أبى سعيد الخدريّ. أنه قال: بعث رسول الله على بن أبى طالب إلى اليمن. قال أبو سعيد فكنت فيمن خرج معه فلما أخذ من إبل الصدقة سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا - وكنا قد رأينا في إبلنا خللا - فأبى علينا وقال إنما لكم فيها سهم كما للمسلمين. قال فلما فرغ عليّ وانطفق من اليمن راجعا أمرّ علينا إنسانا وأسرع هو وأدرك الحج فلما قضى حجته قال له النبي ﷺ «ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم» قال أبو سعيد وقد كنا سألنا الّذي استخلفه ما كان عليّ منعنا إياه ففعل، فلما عرف في إبل الصدقة أنها قد ركبت، ورأى أثر الركب قدّم الّذي أمره ولامه. فقلت: أما ان لله على لئن قدمت المدينة لأذكرنّ لرسول الله ولأخبرنه ما لقينا من الغلظة والتضييق. قال فلما قدمنا المدينة غدوت الى رسول الله ﷺ أريد أن أفعل ما كنت حلفت عليه فلقيت أبا بكر خارجا من عند رسول الله ﷺ فلما رآني وقف معى ورحب بى وساءلني وساءلته. وقال متى قدمت؟

стр. 1519

فقلت قدمت البارحة فرجع معى الى رسول الله ﷺ فدخل وقال هذا سعد بن مالك بن الشهيد. فقال: ائذن له فدخلت فحييت رسول الله وحيانى وأقبل على وسألني عن نفسي وأهلي وأحفى المسألة فقلت: يا رسول الله ما لقينا من عليّ من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق، فاتئد رسول الله وجعلت أنا أعدد ما لفينا منه حتى إذا كنت في وسط كلامي ضرب رسول الله على فخذي، وكنت منه قريبا وقال: «يا سعد بن مالك ابن الشهيد مه بعض قولك لأخيك على فو الله لقد علمت أنه أحسن في سبيل الله». قال فقلت في نفسي ثكلتك أمك سعد بن مالك - ألا أرانى كنت فيما يكره منذ اليوم ولا أدرى لا جرم والله لا أذكره بسوء أبدا سرا ولا علانية. وهذا إسناد جيد على شرط النسائي ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة. وقد قال يونس عن محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عبد الله ابن أبى عمر عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال إنما وجد (١) جيش على بن طالب الذين كانوا معه باليمن لأنهم حين أقبلوا خلف عليهم رجلا وتعجل إلى رسول الله ﷺ قال فعمد الرجل فكسى كل رجل حلة فلما دنوا خرج عليهم على يستلقيهم فإذا عليهم الحلل. قال على: ما هذا؟ قالوا كسانا فلان. قال فما دعاك إلى هذا قبل أن تقدم على رسول الله فيصنع ما شاء فنزع الحلل منهم فلما قدموا على رسول الله اشتكوه لذلك وكانوا قد صالحوا رسول الله، وإنما بعث عليا إلى جزية موضوعة. قلت: هذا السياق أقرب من سياق البيهقي وذلك أن عليا سبقهم لأجل الحج وساق معه هديا وأهل بإهلال النبي ﷺ فأمره أن يمكث حراما وفي رواية البراء بن عازب أنه قال له إني سقت الهدى وقرنت. والمقصود أن عليا لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبة وعلى معذور فيما فعل لكن اشتهر الكلام فيه في الحجيج. فلذلك والله أعلم لما رجع رسول الله ﷺ من حجته وتفرغ من مناسكه ورجع إلى المدينة فمر بغدير خم قام في الناس خطيبا فبرأ ساحة عليّ ورفع من قدره ونبّه على فضله ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس، وسيأتي هذا مفصلا في موضعه إن شاء الله وبه الثقة. وقال البخاري: ثنا قتيبة ثنا عبد الواحد عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة حدثني عبد الرحمن بن أبى نعم سمعت أبا سعيد الخدريّ يقول: بعث على بن أبى طالب إلى النبي ﷺ من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل (٢) من ترابها. قال فقسمها بين أربعة، بين عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ألا تأمنونى؟ وأنا أمين من في السماء يأتينى خبر السماء صباحا ومساء». قال فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة

стр. 1520

كث اللحية محلوق الرأس مشمر الازار. فقال [يا رسول الله اتّق الله! فقال: ويلك أو لست أحق الناس ان يتقى الله قال ثم ولى الرجل قال خالد بن الوليد (١)]: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال لا لعله أن يكون يصلى قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله ﷺ إني لم أومر أن انقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم قال ثم نظر اليه وهو مقف فقال: إنه يخرج من ضئضئى (٢) هذا قوم ينلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» - أظنه قال لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود -. وقد رواه البخاري في مواضع أخر من كتابه ومسلم في كتاب الزكاة من صحيحه من طرق متعددة إلى عمارة بن القعقاع به. ثم قال الامام احمد ثنا يحيى عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبى البختري عن على. قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأنا حديث السن قال فقلت تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء. قال: «إن الله سيهدي لسانك ويثبت قلبك» قال فما شككت في قضاء بين اثنين. ورواه ابن ماجة من حديث الأعمش به. وقال الامام احمد حدثنا أسود بن عامر ثنا شريك عن سماك عن حنش عن على. قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال فقلت يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن منى وأنا حدث لا أبصر القضاء. قال فوضع يده على صدري وقال: «اللهمّ ثبت لسانه وأهد قلبه، يا عليّ إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر ما سمعت من الأول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك» قال فما اختلف على قضاء بعد - أو ما أشكل على قضاء بعد. ورواه احمد أيضا وأبو داود من طرق عن شريك والترمذي من حديث زائدة كلاهما عن سماك بن حرب عن حنش بن المعتمر وقيل ابن ربيعة الكناني (٣) الكوفي عن عليّ به. وقال الامام احمد حدثنا سفيان بن عيينة عن الأجلح عن الشعبي عن عبد الله بن أبى الخليل عن زيد بن أرقم أن نفرا وطئوا امرأة في طهر فقال على: لاثنين أتطيبان نفسا لذا (٤) فقالا لا فأقبل على الآخرين فقال أتطيبان نفسا لذا فقالا لا! فقال: أنتم شركاء متشاكسون. فقال إني مقرع بينكم فأيكم قرع أغرمته ثلثي الدية وألزمته الولد قال فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ فقال لا أعلم إلا ما قال عليّ. وقال احمد ثنا شريح بن النعمان ثنا هشيم أنبأنا الأجلح عن الشعبي عن أبى الخليل عن زيد بن أرقم أن عليا أتى في ثلاثة نفر إذ كان في اليمن اشتركوا في ولد فاقرع بينهم فضمن الّذي أصابته القرعة ثلثي الدية وجعل الولد له. قال زيد بن أرقم: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بقضاء على فضحك حتى بدت

стр. 1521

نواجذه. ورواه أبو داود عن مسدد عن يحيى القطان والنسائي عن على بن حجر عن على بن مسهر كلاهما عن الأجلح بن عبد الله عن عامر الشعبي عن عبد الله بن الخليل وقال النسائي في رواية عبد الله بن أبى الخليل عن زيد بن أرقم. قال: كنت عند النبي ﷺ فجاء رجل من أهل اليمن فقال إن ثلاثة نفر أتوا عليا يختصمون في ولد وقعوا على امرأة في طهر واحد فذكر نحو ما تقدم. وقال: فضحك النبي ﷺ . وقد روياه أعنى أبا داود والنسائي من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن الشعبي عن أبى الخليل أو ابن الخليل (١) عن على قوله فأرسله ولم يرفعه. وقد رواه الامام احمد أيضا عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الأجلح عن الشعبي عن عبد خير عن زيد بن أرقم فذكر نحو ما تقدم وأخرجه أبو داود والنسائي جميعا عن حنش بن أصرم وابن ماجة عن إسحاق ابن منصور كلاهما عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن صالح الهمدانيّ عن الشعبي عن عبد خير عن زيد بن أرقم به. قال شيخنا في الاطراف لعل عبد خير هذا هو عبد الله بن الخليل ولكن لم يضبط الراويّ اسمه قلت فعلى هذا يقوى الحديث وإن كان غيره كان أجود لمتابعته له لكن الأجلح ابن عبد الله الكندي فيه كلام ما، وقد ذهب إلى القول بالقرعة في الأنساب الامام احمد وهو من أفراده. وقال الامام احمد ثنا أبو سعيد ثنا إسرائيل ثنا سماك عن حنش عن على قال: بعثني رسول الله إلى اليمن فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية للأسد فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل فتعلق بآخر ثم تعلق آخر بآخر حتى صاروا فيها أربعة فجرحهم الأسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله وماتوا من جراحتهم كلهم. فقام أولياء الأول الى أولياء الآخر فاخرجوا السلاح ليقتتلوا فأتاهم على على تعبية ذلك فقال تريدون أن تقاتلوا ورسول الله ﷺ حىّ انى أقضى بينكم قضاء ان رضيتم فهو القضاء والا أحجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبي ﷺ فيكون هو الّذي يقضى بينكم فمن عدا بعد ذلك فلا حق له، أجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة فللأول الربع لانه هلك والثاني ثلث الدية والثالث نصف الدية والرابع الدية، فأبوا أن يرضوا فاتوا النبي ﷺ وهو عند مقام إبراهيم فقصوا عليه القصة. فقال: أنا أحكم بينكم، فقال رجل من القوم يا رسول الله ان عليّا قضى علينا فقصوا عليه القصة فأجازه رسول الله ﷺ ثم رواه الامام احمد أيضا عن وكيع عن حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن حنش عن على فذكره.

стр. 1522

كتاب حجة الوداع في سنة عشر ويقال لها حجة البلاغ، وحجة الإسلام، وحجة الوداع لانه ﵊ ودع الناس فيها ولم يحج بعدها، وسميت حجة الإسلام لانه ﵇ لم يحج من المدينة غيرها ولكن حج قبل الهجرة مرات قبل النبوة وبعدها. وقد قيل إن فريضة الحج نزلت عامئذ وقيل سنة تسع وقيل سنة ست وقيل قبل الهجرة وهو غريب، وسميت حجة البلاغ لأنه ﵇ بلّغ الناس شرع الله في الحج قولا وفعلا ولم يكن بقي من دعائم الإسلام وقواعده شيء إلا وقد بينه ﵇ فلما بين لهم شريعة الحج ووضحه وشرحه أنزل الله عليه وهو واقف بعرفة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾. وسيأتي إيضاح لهذا كله والمقصود ذكر حجته ﵇ كيف كانت فإن النقلة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا جدا بحسب ما وصل الى كل منهم من العلم وتفاوتوا في ذلك تفاوتا كثيرا لا سيما من بعد الصحابة ﵃ ونحن نورد بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ما ذكره الأئمة في كتبهم من هذه الروايات ونجمع بينهما جمعا يثلج قلب من تأمله وأنعم النظر فيه وجمع بين طريقتي الحديث وفهم معانيه ان شاء الله وبالله الثقة وعليه التكلان، وقد اعتنى الناس بحجة رسول الله ﷺ اعتناء كثيرا من قدماء الأئمة ومتأخريهم وقد صنف العلامة أبو محمد بن حزم الأندلسى ﵀ مجلدا في حجة الوداع أجاد في أكثره ووقع له فيه أوهام سننبّه عليها في مواضعها وبالله المستعان. باب بيان أنه ﵇ لم يحج من المدينة الا حجة واحدة وإنه اعتمر قبلها ثلاث عمر كما رواه البخاري ومسلّم عن هدبة عن همام عن قتادة عن أنس. قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي في حجته الحديث. وقد رواه يونس بن بكير عن عمر بن ذر عن مجاهد عن أبى هريرة مثله وقال سعد بن منصور عن الدراوَرْديّ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر عمرة في شوال وعمرتين في ذي القعدة وكذا رواه ابن بكير عن مالك عن هشام بن عروة. وروى الامام احمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله اعتمر ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة. وقال أحمد حدثنا أبو النضر ثنا داود - يعنى العطار - عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس. قال: اعتمر رسول الله أربع عمر عمرة الحديبيّة وعمرة القضاء والثالثة من الجعرانة والرابعة التي مع حجته. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث داود العطار وحسنه الترمذي.

стр. 1523

[وقد تقدم هذا الفصل عند عمرة الجعرانة. وسيأتي في فصل من قال إنه ﵇ حج قارنا وبالله المستعان. فالأولى، من هذه العمر] عمرة الحديبيّة التي صد عنها. ثم بعدها عمرة القضاء ويقال عمرة القصاص ويقال عمرة القضية. ثم بعدها عمرة الجعرانة مرجعه من الطائف حين قسم غنائم حنين وقد قدمنا ذلك كله في مواضعه، والرابعة عمرته مع حجته وسنبين اختلاف الناس في عمرته هذه مع الحجة هل كان متمتعا بان أوقع العمرة قبل الحجة وحل منها أو منعه من الإحلال منها سوقه الهدى أو كان قارنا لها مع الحجة كما نذكره من الأحاديث الدالة على ذلك أو كان مفردا لها عن الحجة بأن أوقعها بعد قضاء الحجة قال وهذا هو الّذي يقوله من يقول بالإفراد كما هو المشهور عن الشافعيّ وسيأتي بيان هذا عند ذكرنا إحرامه ﷺ كيف كان مفردا أو متمتعا أو قارنا. قال البخاري: ثنا عمرو بن خالد ثنا زهير ثنا أبو إسحاق حدثني زيد بن أرقم ان النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة وأنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة قال أبو إسحاق وبمكة أخرى وقد رواه مسلّم من حديث زهير وأخرجاه من حديث شعبة. زاد البخاري وإسرائيل ثلاثتهم عن أبى إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي عن زيد به وهذا الّذي قال أبو إسحاق من أنه ﵇ حج بمكة حجة أخرى أي أراد أنه لم يقع منه بمكة إلا حجة واحدة كما هو ظاهر لفظه فهو بعيد فإنه ﵇ كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج ويدعو الناس إلى الله ويقول: «من رجل يؤوينى حتى أبلغ كلام ربى فإن قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى » حتى قيض الله جماعة الأنصار يلقونه ليلة العقبة أي عشية يوم النحر عند جمرة العقبة ثلاث سنين متتاليات حتى إذا كانوا آخر سنة بايعوه ليلة العقبة الثانية وهي ثالث اجتماعه لهم به ثم كانت بعدها الهجرة إلى المدينة كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه والله أعلم. وفي حديث جعفر بن محمد بن على بن الحسين عن أبيه عن جابر بن عبد الله. قال: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس بالحج فاجتمع بالمدينة بشر كثير فخرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة أو لأربع فلما كان بذي الحليفة صلى ثم استوى على راحلته فلما أخذت به في البيداء لبى واهللنا لا ننوى إلا الحج. وسيأتي الحديث بطوله وهو في صحيح مسلّم وهذا لفظ البيهقي من طريق احمد بن حنبل عن إبراهيم بن طهمان عن جعفر بن محمد به. باب تاريخ خروجه ﵇ من المدينة لحجة الوداع بعد ما استعمل عليها أبا دجانة سماك بن حرشة الساعدي، ويقال سباع بن عرفطة الغفاريّ حكاهما عبد الملك بن هشام قال محمد بن إسحاق: فلما دخل على رسول الله ﷺ ذو القعدة من سنة عشر تجهز للحج، وأمر

стр. 1524

الناس بالجهاز له فحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: خرج رسول الله ﷺ إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة وهذا اسناد جيد، وروى الامام مالك في موطإه عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة ورواه الامام احمد عن عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عنها وهو ثابت في الصحيحين وسنن النسائي وابن ماجة ومصنف ابن أبى شيبة من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة. قالت: خرجنا مع رسول الله لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج الحديث بطوله كما سيأتي. وقال البخاري حدثنا محمد بن أبى بكر المقدمي ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة أخبرنى كريب عن ابن عباس. قال: انطلق النبي ﷺ من المدينة بعد ما ترجّل وادّهن ولبس إزاره ورداءه ولم ينه عن شيء من الاردية ولا الأزر إلا المزعفرة التي تردع الجلد (١) فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء وذلك لخمس بقين من ذي القعدة فقدم مكة لخمس خلون من ذي الحجة تفرد به البخاري فقوله - وذلك لخمس بقين من ذي القعدة - إن أراد به صبيحة يومه بذي الحليفة صح قول ابن حزم (٢) في دعواه أنه ﷺ خرج من المدينة يوم الخميس وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة وأصبح بها يوم الجمعة وهو اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة وإن أراد ابن عباس بقوله وذلك لخمس من ذي القعدة يوم انطلاقه ﵇ من المدينة بعد ما ترجل وأدهن ولبس إزاره ورداءه كما قالت عائشة وجابر أنهم خرجوا من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة بعد قول ابن حزم وتعذر المصير اليه وتعين القول بغيره ولم ينطبق ذلك إلا على يوم الجمعة إن كان شهر ذي القعدة كاملا ولا يجوز أن يكون خروجه ﵇ من المدينة كان يوم الجمعة لما روى البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا وهيب ثنا أيوب عن أبى قلابة عن أنس بن مالك. قال: صلّى رسول الله ﷺ ونحن معه الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبح ثم أهل بحج وعمرة. وقد رواه مسلّم والنسائي جميعا عن قتيبة عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبى قلابة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين. وقال احمد حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن محمد - يعنى ابن المنكدر - وإبراهيم بن ميسرة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين. ورواه البخاري عن أبى نعيم عن سفيان الثوري به وأخرجه مسلّم وأبو دواد والنسائي من حديث سفيان بن عيينة عن محمد بن المنذر وإبراهيم بن ميسرة عن أنس به. وقال احمد ثنا محمد بن بكير ثنا ابن جريج عن محمد بن المنذر عن أنس قال: صلى

стр. 1525

بنا رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح فلما ركب راحلته واستوت به أهلّ. وقال احمد ثنا يعقوب ثنا أبى عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن المنذر التيمي عن أنس بن مالك الأنصاري: قال صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر في مسجده بالمدينة أربع ركعات ثم صلى بنا العصر بذي الحليفة ركعتين آمنا لا يخاف في حجة الوداع تفرد به احمد من هذين الوجهين الآخرين وهما على شرط الصحيح وهذه ينفى كون خروجه ﵇ يوم الجمعة قطعا ولا يجوز على هذا أن يكون خروجه يوم الخميس كما قال ابن حزم لانه كان يوم الرابع والعشرين من ذي القعدة لانه لا خلاف أن أول ذي الحجة كان يوم الخميس لما ثبت بالتواتر والإجماع من أنه ﵇ وقف بعرفة يوم الجمعة وهو تاسع ذي الحجة بلا نزاع، فلو كان خروجه يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي القعدة لبقي في الشهر ست ليال قطعا ليلة الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء فهذه ست ليال. وقد قال ابن عباس وعائشة وجابر أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة وتعذر أنه يوم الجمعة لحديث أنس فتعين على هذا أنه ﵇ خرج من المدينة يوم السبت وظن الراويّ أن الشهر يكون تاما فاتفق في تلك السنة نقصانه فانسلخ يوم الأربعاء واستهل شهر ذي الحجة ليلة الخميس ويؤيده ما وقع في رواية جابر لخمس بقين أو أربع وهذا التقرير على هذا التقدير لا محيد عنه ولا بد منه والله أعلم. باب صفة خروجه ﵇ من المدينة إلى مكة للحج قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن المنذر ثنا أنس بن عياض عن عبيد الله هو ابن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرّس وأن رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة يصلى في مسجد الشجرة وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتى يصبح. تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال الحافظ أبو بكر البزار وجدت في كتابي عن عمرو بن مالك عن يزيد بن زريع عن هشام عن عروة عن ثابت عن ثمامة عن أنس. أن النبي ﷺ : حج على رحل رثّ وتحته قطيفة وقال حجة لا رياء فيها ولا سمعة. وقد علقه البخاري في صحيحه فقال وقال محمد بن أبى بكر المقدمي حدثنا يزيد بن زريع عن عروة عن ثابت عن ثمامة قال: حج أنس على رحل رث ولم يكن شحيحا وحدث أن رسول الله ﷺ حج على رحل وكانت زاملته. هكذا ذكره البزار والبخاري معلقا مقطوع الاسناد من أوله وقد أسنده الحافظ البيهقي في سننه فقال أنبأنا أبو الحسن على بن محمد بن على المقرئ أنبأنا أبو الحسن على بن محمد بن

стр. 1526

إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب القاضي ثنا محمد بن ابى بكر ثنا يزيد بن زريع فذكره. وقد رواه الحافظ ابو يعلى الموصلي في مسندة من وجه آخر عن أنس بن مالك. فقال حدثنا على بن الجعد أنبأنا الربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشيّ عن أنس قال: حج رسول الله ﷺ على رحل رث وقطيفة تساوى - أو لا تساوى - أربعة دراهم. فقال: «اللهمّ حجة لا رياء فيها». وقد رواه الترمذي في الشمائل من حديث أبى داود الطيالسي وسفيان الثوري وابن ماجة من حديث وكيع ابن الجراح ثلاثتهم عن الربيع بن صبيح به وهو اسناد ضعيف من جهة يزيد بن أبان الرقاشيّ فإنه غير مقبول الرواية عند الأئمة. وقال الامام احمد حدثنا هاشم ثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه. قال: صدرت مع ابن عمر فمرت بنا رفقة يمانية ورحالهم الأدم وخطم إبلهم الخرز. فقال عبد الله: من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة وردت العام برسول الله ﷺ وأصحابه إذ قدموا في حجة الوداع فلينظر إلى هذه الرفقة. ورواه أبو داود عن هناد عن وكيع عن إسحاق عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن ابن عمر. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبانا أبو عبد الله الحافظ وأبو طاهر الفقيه وأبو زكريا بن أبى إسحاق وأبو بكر بن الحسن وأبو سعيد بن أبى عمرو قالوا ثنا أبو العباس هو الأصم أنبأنا محمد بن عبد الله بن الحكم أنبأنا سعيد بن بشير القرشي حدثنا عبد الله بن حكيم الكناني - رجل من أهل اليمن من مواليهم - عن بشر بن قدامة الضبابي. قال: أبصرت عيناي حبيبي رسول الله ﷺ واقفا بعرفات مع الناس على ناقة له حمراء قصواء تحته قطيفة بولانية وهو يقول: «اللهمّ اجعلها حجة غير رياء ولا مما (١) ولا سمعة». والناس يقولون هذا رسول الله ﷺ . وقال الإمام احمد حدثنا عبد الله بن إدريس ثنا ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه. أن أسماء بنت أبى بكر قالت: خرجنا مع النبي ﷺ حجاجا حتى أدركنا بالعرج نزل رسول الله ﷺ فجلست عائشة إلى جنب رسول الله ﷺ ، وجلست إلى جنب أبى وكانت زمالة رسول الله ﷺ وزمالة أبى بكر واحدة مع غلام أبى بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه فطلع عليه وليس معه بعيره. فقال: أين بعيرك؟ فقال أضللته البارحة فقال أبو بكر بعير واحد تضله فطفق يضر به ورسول الله ﷺ يبتسم ويقول: «انظروا إلى هذا المحرم وما يصنع». وكذا رواه أبو داود عن احمد بن حنبل ومحمد بن عبد العزيز بن أبى رزمة. وأخرجه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة ثلاثتهم عن عبد الله بن إدريس به. فأما الحديث الّذي رواه أبو بكر البزار في مسندة قائلا حدثنا إسماعيل بن حفص ثنا يحيى بن اليمان ثنا حمزة الزيات عن حمران بن أعين عن أبى الطفيل

стр. 1527

عن أبى سعيد. قال: حج النبي ﷺ وأصحابه مشاة من المدينة الى مكة قد ربطوا أوساطهم ومشيهم خلط الهرولة. فإنه حديث منكر ضعيف الاسناد وحمزة بن حبيب الزيات ضعيف وشيخه متروك الحديث. وقد قال البزار لا يروى إلا من هذا الوجه وإن كان اسناده حسنا عندنا، ومعناه أنهم كانوا في عمرة إن ثبت الحديث لأنه ﵇ إنما حج حجة واحدة وكان راكبا وبعض أصحابه مشاة. قلت: ولم يعتمر النبي ﷺ في شيء من عمره ماشيا لا في الحديبيّة ولا في القضاء ولا الجعرانة ولا في حجة الوداع، وأحواله ﵇ أشهر وأعرف من أن تخفى على الناس بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله والله أعلم. فصل: تقدم أنه ﵇ صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم ركب منها إلى الحليفة وهي وادي العقيق فصلى بها العصر ركعتين، فدل على انه جاء الحليفة نهارا في وقت العصر فصلى بها العصر قصرا وهي من المدينة على ثلاثة أميال ثم صلى بها المغرب والعشاء وبات بها حتى أصبح فصلى بأصحابه وأخبرهم انه جاءه الوحي من الليل بما يعتمده في الإحرام كما قال الامام احمد حدثنا يحيى بن آدم ثنا زهير عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ : أنه أتى في المعرس من ذي الحليفة فقيل له إنك ببطحاء مباركة. وأخرجاه في الصحيحين من حديث موسى بن عقبة به وقال البخاري: حدثنا الحميدي ثنا الوليد وبشر بن بكر. قالا: ثنا الأوزاعي ثنا يحيى حدثني عكرمة أنه سمع ابن عباس أنه سمع ابن عمر يقول سمعت رسول الله بوادي العقيق يقول: «أتانى الليلة آت من ربى فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة» تفرد به دون مسلم فالظاهر إن أمره ﵇ بالصلاة في وادي العقيق هو أمر بالإقامة به إلى أن يصلى صلاة الظهر لأن الأمر إنما جاءه في الليل وأخبرهم بعد صلاة الصبح فلم يبق إلا صلاة الظهر فامر أن يصليها هنالك وأن يوقع الإحرام بعدها ولهذا قال: أتانى الليلة آت من ربى فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة، وقد احتج به على الأمر بالقران في الحج وهو من أقوى الادلة على ذلك كما سيأتي بيانه قريبا والمقصود أنه ﵇ أمر بالإقامة بوادي العقيق إلى صلاة الظهر وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك فأقام هنالك وطاف على نسائه في تلك الصبيحة وكن تسع نسوة وكلهن خرج معه ولم يزل لك حتى صلى الظهر كما سيأتي في حديث أبى حسان الأعرج عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة ثم أشعر بدنته ثم ركب فأهلّ وهو عند مسلم. وهكذا قال الامام احمد حدثنا روح ثنا أشعث - هو ابن عبد الملك عن الحسن عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ صلى الظهر ثم ركب راحلته فلما علا شرف البيداء أهلّ. ورواه أبو داود عن احمد بن حنبل والنسائي عن إسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل عن أشعث بمعناه، وعن احمد بن الأزهر عن محمد بن عبد الله

стр. 1528

الأنصاري عن أشعث أتم منه، وهذا فيه رد على ابن حزم حيث زعم أن ذلك في صدر النهار وله أن يعتضد بما رواه البخاري من طريق أيوب عن رجل عن أنس أن رسول الله بات بذي الحليفة حي أصبح فصلى الصبح ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج ولكن في اسناده رجل مبهم والظاهر أنه أبو قلابة والله أعلم. قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي ثنا خالد - يعنى ابن الحارث ثنا شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر سمعت أبى يحدث عن عائشة أنها قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ ثم يطوف على نسائه ثم يصبح محرما ينضح طيبا. وقد رواه البخاري من حديث شعبة وأخرجاه من حديث أبى عوانة زاد مسلم ومسعر وسفيان ابن سعيد الثوري أربعتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر به. وفي رواية لمسلم عن إبراهيم بن محمد ابن المنتشر عن أبيه قال: سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرما. قال: ما أحب أنى أصبح محرما أنضح طيبا لأن أطلي القطران أحب إليّ من أن أفعل ذلك. فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله عند إحرامه ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرما. وهذا اللفظ الّذي رواه مسلم يقتضي أنه كان ﷺ يتطيب قبل أن يطوف على نسائه ليكون ذلك أطيب لنفسه وأحب إليهن، ثم لما اغتسل من الجنابة وللإحرام تطيب أيضا للإحرام طيبا آخر. كما رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه رأى رسول الله ﷺ تجرد لاهلاله واغتسل. وقال الترمذي حسن غريب. وقال الإمام احمد حدثنا زكريا بن عدي أنبأنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأشنان ودهنه بشيء من زيت غير كثير. الحديث تفرد به احمد وقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ ﵀ أنبأنا سفيان بن عيينة عن عثمان بن عروة سمعت أبى يقول سمعت عائشة تقول: طيبت رسول الله ﷺ لحرمة ولحله قلت لها بأي طيب؟ قالت بأطيب الطيب وقد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة وأخرجه البخاري من حديث وهب عن هشام بن عروة عن أخيه عثمان عن أبيه عروة عن عائشة به. وقال البخاري من حديث وهب ابن يوسف أنبأنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وقال مسلم حدثنا عبد بن حميد أنبأنا محمد بن أبى بكر أنبأنا ابن جريج أخبرنى عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبرانه عن عائشة قالت: طيبت رسول الله بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام. وروى مسلم من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين لحرمة حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت.

стр. 1529

وقال مسلم حدثني احمد بن منيع ويعقوب الدورقي. قالا: ثنا هشيم أنبأنا منصور عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: كنت أطيب النبي ﷺ قبل أن يحرم ويحل ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك. وقال مسلم حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وزهير بن حرب. قالا: ثنا وكيع ثنا الأعمش عن أبى الضحى عن مسروق عن عائشة قالت: كأنى انظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ وهو يلبى. ثم رواه مسلم من حديث الثوري وغيره عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: كأنى انظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم. ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري ومسلم من حديث الأعمش كلاهما عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عنها. وأخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم بن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. وقال أبو داود الطيالسي: أنبأنا أشعث عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. قالت كأنى انظر إلى وبيص الطيب في أصول شعر رسول الله ﷺ وهو محرم. وقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن إبراهيم النخعي عن الأسود عن عائشة. قالت: كأنى انظر إلى وبيص الطيب في مفرق النبي ﷺ ﷺ بعد أيام وهو محرم. وقال عبد الله بن الزبير الحميدي ثنا سفيان ابن عيينة ثنا عطاء بن السائب عن إبراهيم النخعي عن الأسود عن عائشة. قالت: رأيت الطيب في مفرق رسول الله بعد ثالثة وهو محرم. فهذه الأحاديث دالة على أنه ﵇ تطيب بعد الغسل إذ لو كان الطيب قبل الغسل لذهب به الغسل ولما بقي له أثر ولا سيما بعد ثلاثة أيام من يوم الإحرام. وقد ذهب طائفة من السلف منهم: ابن عمر إلى كراهة التطيب عند الإحرام وقد روينا هذا الحديث من طريق ابن عمر عن عائشة فقال الحافظ البيهقي انبأنا ابو الحسين بن بشران - ببغداد - أنبأنا ابو الحسن على بن محمد المصري ثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا عبد الرحمن بن ابى العمر ثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن عائشة. أنها قالت: طيبت رسول الله ﷺ بالغالية الجيدة عند إحرامه. وهذا اسناد غريب عزيز المخرج ثم انه ﵇ لبد رأسه ليكون احفظ لما فيه من الطيب واصون له من استقرار التراب والغبار. قال مالك عن نافع عن ابن عمر. ان حفصة زوج النبي ﷺ قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك. قال: «إني لبدت رأسي وقلدت هدى فلا أحل حتى أنحر». وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك وله طرق كثيرة عن نافع. قال البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأنا الأصم أنبأنا يحيى ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ثنا عبد الأعلى ثنا محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ لبد رأسه بالعسل. وهذا اسناد جيد

стр. 1530

ثم أنه ﵇ أشعر الهدى وقلده وكان معه بذي الحليفة. قال الليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدى من ذي الحليفة. وسيأتي الحديث بتمامه وهو في الصحيحين والكلام عليه إن شاء الله. وقال مسلم حدثنا محمد بن المثنى ثنا معاذ بن هشام هو الدستوائى حدثني أبى عن قتادة عن أبى حسان عن ابن عباس. أن رسول الله ﷺ لما أتى ذا الحليفة دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته. وقد رواه أهل السنن الأربعة من طرق عن قتادة وهذا يدل على أنه ﵇ تعاطى هذا الاشعار والتقليد بيده الكريمة في هذه البدنة وتولى إشعار بقية الهدى وتقليده غيره فإنه قد كان هدى كثير إما مائة بدنة أو أقل منها بقليل وقد ذبح بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة وأعطى عليا فذبح ما غبر وفي حديث جابر أن عليا قدم من اليمن ببدن للنّبيّ ﷺ وفي سياق ابن إسحاق أنه ﵇ أشرك عليا في بدنه والله أعلم. وذكر غيره أنه ذبح هو وعليّ يوم النحر مائة بدنة فعلى هذا يكون قد ساقها معه من ذي الحليفة وقد يكون اشترى بعضها بعد ذلك وهو محرم. باب بيان الموضع الّذي أهلّ منه ﵇ واختلاف الناقلين لذلك وترجيح الحق في ذلك ذكر من قال إنه ﵇ أحرم من المسجد الّذي بذي الحليفة بعد الصلاة تقدم الحديث الّذي رواه البخاري من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر. سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: أتانى آت من ربى فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة. وقال البخاري باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة حدثنا على بن عبد الله ثنا سفيان ثنا موسى بن عقبة سمعت سالم بن عبد الله. وحدثنا عبد الله بن مسلمة ثنا مالك عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد - يعنى مسجد ذي الحليفة. وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن موسى ابن عقبة وفي رواية لمسلم عن موسى بن عقبة عن سالم ونافع وحمزة بن عبد الله بن عمر ثلاثتهم عن عبد الله بن عمر فذكره. وزاد فقال لبيك. وفي رواية لهما من طريق مالك عن موسى بن عقبة عن سالم قال قال عبد الله بن عمر: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ، أهلّ رسول الله من عند المسجد وقد روى عن ابن عمر خلاف هذا كما يأتى في الشق الآخر وهو ما أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج عن ابن عمر فذكر حديثا فيه أن عبد الله قال وأما الإهلال فانى لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته.

стр. 1531

وقال الامام احمد: حدثنا يعقوب حدثنا أبى عن ابن إسحاق حدثني خصيف بن عبد الرحمن الجزري عن سعيد بن جبير. قال قلت: لعبد الله بن عباس يا أبا العباس عجبا لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلال رسول الله ﷺ حين أوجب. فقال: إني لأعلم الناس بذلك إنما كانت من رسول الله ﷺ حجة واحدة فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله ﷺ حاجا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه قوم فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك ذلك منه أقوام وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون إرسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا إنما أهل رسول الله حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله فلما علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا إنما أهل رسول الله حين علا شرف البيداء، وايم الله لقد أوجب في مصلاّه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا شرف البيداء. فمن أخذ بقول عبد الله بن عباس [انه] أهل في مصلاّه إذا فرغ من ركعتيه. وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن عبد السلام بن حرب عن خصيف به نحوه وقال الترمذي حسن غريب لا نعرف أحد رواه غير عبد السلام كذا قال وقد تقدم رواية الامام احمد له من طريق محمد ابن إسحاق عنه - وكذلك رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن القطيعي عن عبد الله بن احمد عن أبيه ثم قال خصيف الجزري غير قوى، وقد رواه الواقدي باسناد له عن ابن عباس. قال البيهقي: الا أنه لا ينفع متابعة الواقدي والأحاديث التي وردت في ذلك عن عمر وغيره مسانيدها قوية ثابتة والله تعالى أعلم. قلت فلو صح هذا الحديث لكان فيه جمع لما بين الأحاديث من الاختلاف وبسط لعذر من نقل خلاف الواقع ولكن في اسناده ضعف ثم قد روى عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما تقدم عنهما كما سننبه عليه ونبينه وهكذا ذكر من قال أنه ﵇ أهل حين استوت به راحلته. قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد ثنا هشام بن يوسف أنبأنا ابن جريج حدثني محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك. قال: صلى النبي ﷺ بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة فلما ركب راحلته واستوت به أهل. وقد رواه البخاري ومسلم وأهل السنن من طرق عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة عن أنس وثابت في الصحيحين من حديث مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج عن ابن عمر. قال: وأما الإهلال فانى لم أر رسول الله يهل حتى تنبعث به راحلته واخرجا في الصحيحين من رواية ابن وهب عن يونس عن الزهري عن سالم عن أبيه. ان رسول الله كان يركب راحلته بذي الحليفة ثم يهل حين تستوي به قائمة. وقال البخاري: باب من أهل حين استوت به راحلته حدثنا ابو عاصم ثنا ابن جريج أخبرنى صالح بن كيسان عن نافع

стр. 1532

عن ابن عمر. قال: أهل النبي ﷺ حين استوت به راحلته قائمة. وقد رواه مسلم والنسائي من حديث ابن جريج به. وقال مسلم حدثنا ابو بكر بن ابى شيبة ثنا على بن مسهر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا وضع رجله في الغرز وانبعثت به راحلته قائمة أهلّ من ذي الحليفة. انفرد به مسلم من هذا الوجه وأخرجاه من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه. ثم قال البخاري باب الإهلال مستقبل القبلة قال ابو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن نافع. قال: كان ابن عمر إذ صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ثم ركب فإذا استوت به استقبل القبلة قائما ثم يلبى حتى يبلغ الحرم، ثم يمسك حتى إذا جاء ذا طوى بات به حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، وزعم ان رسول الله ﷺ فعل ذلك ثم قال تابعه إسماعيل عن أيوب في الغسل. وقد علق البخاري أيضا هذا الحديث في كتاب الحج عن محمد بن عيسى عن حماد بن زيد وأسنده فيه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن إسماعيل هو ابن علية. ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن إسماعيل وعن أبى الربيع الزهراني وغيره عن حماد بن زيد ثلاثتهم عن أيوب عن أبى تميمة السختياني به. ورواه أبو داود عن احمد بن حنبل عن إسماعيل بن علية به. ثم قال البخاري حدثنا سليمان أبو الربيع ثنا فليح عن نافع قال: كان ابن عمر إذا أراد الخروج إلى مكة ادّهن بدهن ليس له رائحة طيبة ثم يأتى مسجد ذي الحليفة فيصلي ثم يركب فإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل. تفرد به البخاري من هذا الوجه. وروى مسلم عن قتيبة عن حاتم بن إسماعيل عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ ، فيها والله ما أهلّ رسول الله ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره. وهذا الحديث يجمع بين رواية ابن عمر الأولى وهذه الروايات عنه، وهو أن الإحرام كان من عند المسجد ولكن بعد ما ركب راحلته واستوت به على البيداء يعنى الأرض وذلك قبل أن يصل إلى المكان المعروف بالبيداء، ثم قال البخاري في موضع آخر حدثنا محمد بن أبى بكر المقدمي ثنا فضيل ابن سليمان ثنا موسى بن عقبة حدثني كريب عن عبد الله بن عباس قال: انطلق النبي ﷺ من المدينة بعد ما ترجل وادّهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه ولم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد، فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهلّ هو وأصحابه وقلد بدنه وذلك لخمس بقين من ذي الحجة. فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ولم يحل من أجل بدنه لانه قلدها، لم تزل بأعلى مكة عند الحجون وهو مهل بالحج ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يقصروا من رءوسهم ثم يحلوا، وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها، ومن كانت معه امرأته فهي له حلال

стр. 1533

والطيب والثياب. انفرد به البخاري. وقد روى الامام احمد عن بهز بن أسد وحجاج وروح بن عبادة وعفان بن مسلم كلهم عن شعبة قال أخبرنى قتادة قال سمعت أبا حسان الأعرج الأجرد وهو مسلم بن عبد الله البصري عن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر بذي الحليفة ثم دعا ببدنته فاشعر صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين، ثم دعا براحلته فلما استوت على البيداء أهل بالحج. ورواه أيضا عن هشيم أنبأنا أصحابنا منهم شعبة فذكر نحوه ثم رواه الامام احمد أيضا عن روح وأبى داود الطيالسي ووكيع بن الجراح كلهم عن هشام الدستوائى عن قتادة به نحوه ومن هذا الوجه رواه مسلم في صحيحه وأهل السنن في كتبهم فهذه الطرق عن ابن عباس من أنه ﵇ أهل حين استوت به راحلته أصح وأثبت من رواية خصيف الجزري عن سعيد بن جبير عنه والله أعلم. وهكذا الرواية المثبتة المفسرة أنه أهل حين استوت به الراحلة مقدمة على الأخرى لاحتمال أنه أحرم من عند المسجد حين استوت به راحلته ويكون رواية ركوبه الراحلة فيها زيادة علم على الأخرى والله أعلم. ورواية أنس في ذلك سالمة عن المعارض وهكذا رواية جابر بن عبد الله في صحيح مسلم من طريق جعفر الصادق عن أبيه عن أبى الحسين زين العابدين عن جابر في حديثه الطويل الّذي سيأتي أن رسول الله ﷺ أهلّ حين استوت به راحلته سالمة عن المعارض والله أعلم. وروى البخاري من طريق الأوزاعي سمعت عطاء عن جابر بن عبد الله: أن إهلال رسول الله ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته. فأما الحديث الّذي رواه محمد بن إسحاق بن يسار عن أبى الزناد عن عائشة بنت سعد. قالت قال سعد: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ طريق الفرع أهلّ إذا استقلت به راحلته وإذا أخذ طريقا أخرى أهل إذا علا على شرف البيداء. فرواه أبو دواد والبيهقي من حديث ابن إسحاق وفيه غرابة ونكارة والله أعلم. فهذه الطرق كلها دالة على القطع أو الظن الغالب أنه ﵇ أحرم بعد الصلاة وبعد ما ركب راحلته وابتدأت به السير زاد ابن عمر في روايته وهو مستقبل القبلة. باب بسط البيان لما أحرم به ﵇ في حجته هذه من الافراد أو التمتع أو القران ذكر الأحاديث الواردة بانه ﵇ كان مفردا رواية عائشة أم المؤمنين في ذلك. قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ: أنبأنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج. ورواه مسلم عن إسماعيل

стр. 1534

عن أبى أويس ويحيى بن يحيى عن مالك. ورواه الإمام احمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك به. وقال احمد حدثنا إسحاق بن عيسى حدثني المنكدر بن محمد عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن القاسم بن محمد عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج. وقال الإمام احمد ثنا شريح ثنا ابن أبى الزناد عن أبيه عن عروة عن عائشة. وعن علقمة بن أبى علقمة عن أمه عن عائشة. وعن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة: ان رسول الله ﷺ أفرد الحج. تفرد به احمد من هذه الوجوه عنها. وقال الإمام احمد حدثني عبد الأعلى بن حماد قال قرأت على مالك بن أنس عن أبى الأسود عن عروة عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج. وقال: حدثنا روح ثنا مالك عن أبى الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل - وكان يتيما في حجر عروة - عن عروة بن الزبير عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج. ورواه ابن ماجة عن أبى مصعب عن مالك كذلك. ورواه النسائي عن قتيبة عن مالك عن أبى الأسود عن عروة عن عائشة: أن رسول الله أهلّ بالحج. وقال احمد أيضا ثنا عبد الرحمن عن مالك عن أبى الأسود عن عروة عن عائشة. قالت: خرجنا مع رسول رسول الله ﷺ فمنّا من أهل بالحج ومنا من أهلّ بالعمرة ومنا من أهلّ بالحج والعمرة وأهلّ رسول الله بالحج، فاما من أهلّ بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة وأما من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم يحلوا إلى يوم النحر. وهكذا رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف والقعيني وإسماعيل ابن أبى أويس عن مالك. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به. وقال احمد حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة: أهلّ رسول الله ﷺ بالحج وأهل ناس بالحج والعمرة وأهل ناس بالعمرة. ورواه مسلم عن ابن أبى عمر عن سفيان بن عيينة به نحوه. فاما الحديث الّذي قال الامام احمد ثنا قتيبة بن سعيد ثنا عبد العزيز بن محمد عن علقمة بن أبى علقمة عن امه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أمر الناس في حجة الوداع فقال من أحب أن يبدأ بعمرة قبل الحج فليفعل، وأفرد رسول الله ﷺ الحج ولم يعتمر. فإنه حديث غريب جدا تفرد به احمد بن حنبل واسناده لا بأس به ولكن لفظه فيه نكارة شديدة وهو قوله: فلم يعتمر. فان أريد بهذا أنه لم يعتمر مع الحج ولا قبله هو قول من ذهب إلى الافراد وإن أريد أنه لم يعتمر. فان أريد بهذا أنه لم يعتمر مع الحج ولا قبله هو قول من ذهب إلى الافراد وإن أريد أنه لم يعتمر بالكلية لا قبل الحج ولا معه ولا بعده، فهذا مما لا أعلم أحدا من العلماء قال به ثم هو مخالف لما صح عن عائشة وغيرها من أنه ﷺ اعتمر اربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته. وسيأتي تقرير هذا في فصل القران مستقصى والله اعلم. وهكذا الحديث الّذي رواه الامام احمد قائلا في مسندة حدثنا روح ثنا صالح بن ابى الأخضر ثنا ابن شهاب ان عروة أخبره ان عائشة زوج النبي ﷺ قالت: أهل رسول الله بالحج والعمرة في حجة الوداع وساق معه الهدى، وأهل ناس معه بالعمرة وساقوا الهدى، وأهل ناس بالعمرة ولم يسوقوا هديا. قالت

стр. 1535

عائشة: وكنت ممن أهل بالعمرة ولم أسق هديا، فلما قدم رسول الله ﷺ [قال]: من كان منكم أهل بالعمرة فساق معه الهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ولا يحل منه شيء حرم منه حتى يقضى حجه وينحر هديه يوم النحر، ومن كان منكم أهل بالعمرة ولم يسق معه هديا فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم ليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. قالت عائشة فقدّم رسول الله الحج الّذي خاف فوته وأخر العمرة. فهو حديث من أفراد الامام احمد وفي بعض ألفاظه نكارة ولبعضه شاهد في الصحيح، وصالح بن أبى الأخضر ليس من علية أصحاب الزهري لا سيما إذا خالفه غيره كما هاهنا في بعض ألفاظ سياقه هذا. وقوله فقدم الحج الّذي يخاف فوته وأخرّ العمرة لا يلتئم مع أول الحديث أهل بالحج والعمرة، فإن أراد أنه أهل بهما في الجملة وقدم أفعال الحج ثم بعد فراغه أهل بالعمرة كما يقوله من ذهب إلى الافراد فهو مما نحن فيه هاهنا، وإن أراد أنه أخر العمرة بالكلية بعد إحرامه بها فهذا لا أعلم أحدا من العلماء صار اليه، وإن أراد أنه المقضى بافعال الحج عن أفعال العمرة ودخلت العمرة في الحج، فهذا قول من ذهب إلى القران وهم يؤولون قول من روى أنه ﵊ أفرد الحج أي أفرد أفعال الحج وإن كان قد نوى معه العمرة قالوا لأنه قد روى القران كل من روى الافراد كما سيأتي بيانه والله تعالى أعلم. رواية جابر بن عبد الله في الافراد. قال الامام احمد حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن أبى سفيان عن جابر بن عبد الله. قال: أهل رسول الله ﷺ في حجته بالحج. اسناده جيد على شرط مسلم. ورواه البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن أبى معاوية عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر. قال: أهل رسول الله في حجته بالحج ليس معه عمرة، وهذه الزيادة غريبة جدا ورواية الامام احمد بن حنبل أحفظ والله اعلم. وفي صحيح مسلم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. قال: وأهللنا بالحج لسنا نعرف العمرة. وقد روى ابن ماجة عن هشام بن عمار عن الدراوَرْديّ وحاتم بن إسماعيل كلاهما عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: ان رسول الله ﷺ أفرد الحج، وهذا اسناد جيد. وقال الامام احمد ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا حبيب - يعنى المعلم - عن عطاء حدثني جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ أهل هو وأصحابه بالحج ليس مع أحد منهم هدى إلا النبي ﷺ وطلحة وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري بطوله كما سيأتي عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب. رواية عبد الله بن عمر للافراد. قال الامام احمد حدثنا إسماعيل بن محمد ثنا عباد - يعنى ابن عباد - حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال: أهللنا مع النبي ﷺ بالحج مفردا. ورواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عون عن عباد بن عباد عن عبيد الله بن عمر

стр. 1536

عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أهل بالحج مفردا. وقال الحافظ أبو بكر البزار ثنا الحسن ابن عبد العزيز ومحمد بن مسكين. قالا: ثنا بشر بن بكر ثنا سعيد بن عبد العزيز بن زيد بن أسلم عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أهل بالحج - يعنى مفردا - إسناده جيد ولم يخرجوه. رواية ابن عباس للافراد. روى الحافظ البيهقي من حديث روح بن عبادة عن شعبة عن أيوب عن أبى العالية البراء عن ابن عباس. أنه قال: أهل رسول الله ﷺ بالحج، فقدم لأربع مضين من ذي الحجة فصلى بنا الصبح بالبطحاء. ثم قال: من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها. ثم قال رواه مسلم عن إبراهيم بن دينار عن ابن روح وتقدم من رواية قتادة عن أبى حسان الأعرج عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة ثم أتى ببدنة فاشعر صفحة سنامها الأيمن ثم أتى براحلته فركبها فلما استوت به على البيداء أهل بالحج، وهو في صحيح مسلم أيضا. وقال الحافظ أبو الحسن الدار قطنى ثنا الحسين بن إسماعيل ثنا أبو هشام ثنا أبو بكر بن عياش ثنا أبو حصين عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه. قال: حججت مع أبى بكر فجرد، ومع عمر فجرد، ومع عثمان فجرد تابعه الثوري عن أبى حصين وهذا إنما ذكرناه هاهنا لأن الظاهر أن هؤلاء الأئمة ﵃ إنما يفعلون هذا عن توقيف والمراد بالتجريد هاهنا الافراد والله أعلم. وقال الدار قطنى ثنا أبو عبيد الله القاسم بن إسماعيل ومحمد بن مخلد. قالا: ثنا عليّ بن محمد بن معاوية الرزاز ثنا عبد الله بن نافع عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ استعمل عتاب بن أسيد على الحج فأفرد، ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج، ثم حج النبي ﷺ سنة عشر فأفرد الحج، ثم توفى رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر فبعث عمر فأفرد الحج، ثم حج أبو بكر فأفرد الحج، وتوفى أبو بكر واستخلف عمر فبعث عبد الرحمن بن عوف فأفرد الحج، ثم حج فأفرد الحج، ثم حصر عثمان فأقام عبد الله بن عباس للناس فأفرد الحج. في إسناده عبد الله بن عمر العمرى وهو ضعيف لكن قال الحافظ البيهقي له شاهد باسناد صحيح. ذكر من قال إنه ﵊ حج متمتعا قال الامام احمد حدثنا حجاج ثنا ليث حدثني عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة الى الحج، وأهل فساق الهدى من ذي الحليفة، وبدا رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وكان من الناس من أهدى فساق الهدى من ذي الحليفة ومنهم من لم يهد. فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضى حجه ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت

стр. 1537

وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع الى أهله». وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة، استلم [الحجر] أول شيء ثم خب ثلاثة أشواط من السبع ومشى أربعة أطواف ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى فساق الهدى من الناس. قال الامام احمد وحدثنا حجاج ثنا ليث حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير: أن عائشة أخبرته عن رسول الله ﷺ في تمتعه بالعمرة الى الحج وتمتع الناس معه بمثل الّذي أخبرنى سالم ابن عبد الله عن عبد الله عن رسول الله ﷺ ، وقد روى هذا الحديث البخاري عن يحيى بن بكير، ومسلم وأبو داود عن عبد الملك بن شعيب عن الليث عن أبيه، والنسائي عن محمد بن عبد الله ابن المبارك المخرمي عن حجين بن المثنى ثلاثتهم عن الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة كما ذكره الامام احمد ﵀. وهذا الحديث من المشكلات على كل من الأقوال الثلاثة، أما قول الافراد ففي هذا إثبات عمرة أما قبل الحج أو معه، وأما على قول التمتع الخاص فلأنه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعد ما طاف بالصفا والمروة. وليس هذا شأن المتمتع، ومن زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدى كما قد يفهم من حديث ابن عمر عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك فقال إني لبدت رأسي وقلدت هدى فلا أحل حتى انحر. فقولهم بعيد لأن الأحاديث الواردة في إثبات القران ترد هذا القول وتأبى كونه ﵇ انما أهل أولا بعمرة ثم بعد سعيه بالصفا والمروة أهل بالحج فان هذا على هذه الصفة لم ينقله أحد باسناد صحيح بل ولا حسن ولا ضعيف. وقوله في هذا الحديث: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة الى الحج، إن أريد بذلك التمتع الخاص وهو الّذي يحل منه بعد السعي فليس كذلك فان في سياق الحديث ما يرده ثم في إثبات العمرة المقارنة لحجة ﵇ ما يأباه، وان أريد به التمتع العام دخل فيه القران وهو المراد. وقوله: وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، إن أريد به بدأ بلفظ العمرة على لفظ الحج بأن قال لبيك اللهمّ عمرة وحجا فهذا سهل ولا ينافي القران وان أريد به أنه أهل بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج متراخ ولكن قبل الطواف قد صار قارنا أيضا، وان أريد به أنه أهل بالعمرة ثم فرغ من أفعالها تحلل أو لم يتحلل بسوق الهدى كما زعمه زاعمون ولكنه أهل بحج بعد قضاء مناسك العمرة وقبل خروجه الى منى، فهذا لم ينقله أحد من الصحابة كما قدمنا، ومن ادعاه من الناس فقوله مردود لعدم نقله ومخالفته الأحاديث الواردة في

стр. 1538

إثبات القران كما سيأتي، بل والأحاديث الواردة في الافراد كما سبق والله أعلم. والظاهر والله أعلم أن حديث الليث هذا عن عقيل عن الزهري عن سالم عن ابن عمر يروى من الطريق الأخرى عن ابن عمر حين أفرد الحج ومن محاصرة الحجاج لابن الزبير فقيل له ان الناس كائن بينهم شيء فلو أخرت الحج عامك هذا. فقال: إذا أفعل كما فعل النبي ﷺ يعنى زمن حصر عام الحديبيّة فأحرم بعمرة من ذي الحليفة ثم لما علا شرف البيداء قال ما أرى أمرهما إلا واحدا فأهل بحج معها فأعتقد الراويّ أن رسول الله ﷺ هكذا فعل سواء، بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فرووه كذلك وفيه نظر لما سنبينه وبيان هذا في الحديث الّذي رواه عبد الله بن وهب أخبرنى مالك بن أنس وغيره أن نافعا حدثهم أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة (١) معتمرا وقال ان صددت عن البيت صنعنا كما صنع رسول الله ﷺ ﷺ . فخرج فأهل بالعمرة وسار حتى إذا ظهر على ظاهر البيداء التفت الى أصحابه فقال ما أمرهما إلا واحد أشهدكم أنى قد أوجبت الحج مع العمرة، فخرج حتى جاء البيت فطاف به وطاف بين الصفا والمروة سبعا لم يزد عليه، ورأى أن ذلك مجزيا عنه وأهدى. وقد أخرجه صاحب الصحيح من حديث مالك. وأخرجاه من حديث عبيد الله عن نافع به. ورواه عبد الرزاق عن عبيد الله وعبد العزيز بن أبى رواد عن نافع به نحوه، وفيه ثم قال في آخره: هكذا فعل رسول الله ﷺ . وفيما رواه البخاري حيث قال حدثنا قتيبة ثنا ليث عن نافع: أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: ان الناس كائن بينهم قتال وانا نخاف أن يصدوك. قال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة إذا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ ، إني أشهدكم أنى قد أوجبت عمرة. ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال ما أرى شأن الحج والعمرة إلا واحدا أشهدكم أنى أوجبت حجا مع عمرتي فاهدى هديا اشتراه بقديد ولم يزد على ذلك ولم ينحر ولم يحل من شيء حرم منه ولم يحلق ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال ابن عمر كذلك فعل رسول الله ﷺ . وقال البخاري حدثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا ابن علية عن أيوب عن نافع: أن ابن عمر دخل [عليه] ابنه عبد الله بن عبد الله وظهره في المدار فقال: انى لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال فيصدوك عن البيت فلو أقمت. قال: قد خرج رسول الله ﷺ فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فان يحل بيني وبينه أفعل كما فعل رسول الله ﷺ . فقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إذا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ انى أشهدكم انى قد أوجبت مع عمرتي حجا ثم قدم فطاف لهما طوافا واحدا. وهكذا رواه البخاري عن أبى النعمان عن حماد بن زيد عن أيوب بن أبى تميمة السختياني عن نافع به. ورواه مسلم من حديثهما

стр. 1539

عن أيوب به. فقد اقتدى ابن عمر ﵁ برسول الله ﷺ في التحلل عند حصر العدو والاكتفاء بطواف واحد عن الحج والعمرة وذلك لأنه كان قد أحرم أولا بعمرة ليكون متمتعا فخشي أن يكون حصر فجمعهما وأدخل الحج قبل العمرة قبل الطواف فصار قارنا، وقال: ما أرى أمرهما إلا واحدا - يعنى لا فرق بين أن يحصر الإنسان عن الحج أو العمرة أو عنهما - فلما قدم مكة اكتفى عنهما بطوافه الأول كما صرح به في السياق الأول الّذي أفردناه، وهو قوله: ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. قال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله ﷺ يعنى أنه اكتفى عن الحج والعمرة بطواف واحد - يعنى بين الصفا والمروة، وفي هذا دلالة على أن ابن عمر روى القران ولهذا روى النسائي عن محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن نافع: أن ابن عمر قرن الحج والعمرة فطاف طوافا واحدا، ثم رواه النسائي عن على بن ميمون الرقى عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وأيوب السختياني، وعبد الله بن عمر أربعتهم عن نافع: أن ابن عمر أتى ذا الحليفة فأهل بعمرة فخشي أن يصد عن البيت. فذكر تمام الحديث من إدخاله الحج على العمرة وصيرورته قارنا. والمقصود أن بعض الرواة لما سمع قول ابن عمر إذا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ ، وقوله كذلك فعل رسول الله ﷺ . اعتقد أن رسول الله ﷺ بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فأدخله عليها قبل الطواف فرواه بمعنى ما فهم، ولم يرد ابن عمر ذلك وانما أراد ما ذكرناه والله أعلم بالصواب، ثم بتقدير أن يكون أهل بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف فإنه يصير قارنا لا متمتعا التمتع الخاص فيكون فيه دلالة لمن ذهب الى أفضلية التمتع والله تعالى أعلم. وأما الحديث الّذي رواه البخاري في صحيحه حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا همام عن قتادة حدثني مطرف عن عمران. قال: تمتعنا على عهد النبي ﷺ ونزل القران قال رجل برأيه ما شاء. فقد رواه مسلم عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد ابن عبد الوارث عن همام عن قتادة به، والمراد به المتعة التي أعم من القران والتمتع الخاص ويدل على ذلك ما رواه مسلم من حديث شعبة وسعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن مطرف عن عبد الله بن الشخير عن عمران بن الحصين: أن رسول الله ﷺ جمع بين حج وعمرة وذكر تمام الحديث. وأكثر السلف يطلقون المتعة على القران كما قال البخاري حدثنا قتيبة ثنا حجاج بن محمد الأعور عن شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب. قال: اختلف عليّ وعثمان ﵄ وهما بعسفان في المتعة، فقال عليّ: ما تريد الى أن تنهى عن أمر فعله رسول الله ﷺ ، فلما رأى ذلك على بن أبى طالب أهل بهما جميعا. ورواه مسلم من حديث شعبة أيضا عن الحكم بن عيينة عن على ابن الحسين عن مروان بن الحكم عنهما به. وقال على: ما كنت لأدع سنة رسول الله ﷺ بقول

стр. 1540

أحد من الناس. ورواه مسلم من حديث شعبة أيضا عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عنهما فقال له على: لقد علمت إنما تمتعنا مع رسول الله ﷺ ؟ قال أجل! ولكنا كنا خائفين. وأما الحديث الّذي رواه مسلم من حديث غندر عن شعبة وعن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن مسلم بن مخراق المقبري سمع ابن عباس يقول: أهل رسول الله ﷺ بعمرة وأهل أصحابه بحج فلم يحل رسول الله ولا من ساق الهدى من أصحابه وحل بقيتهم. فقد رواه أبو داود الطيالسي في مسندة وروح بن عبادة عن شعبة عن مسلم المقبري عن ابن عباس. قال: أهل رسول الله ﷺ بالحج - وفي رواية أبى داود - أهل رسول الله وأصحابه بالحج فمن كان منهم لم يكن له متعة هدى حل ومن كان معه هدى لم يحل الحديث. فان صححنا الروايتين جاء القران وان توقفنا في كل منهما وقف الدليل، وان رجحنا رواية مسلم في صحيحه في رواية العمرة فقد تقدم عن ابن عباس أنه روى الافراد وهو الإحرام بالحج فتكون هذه زيادة على الحج فيجيء القول بالقران لا سيما وسيأتي عن ابن عباس ما يدل على ذلك. وروى مسلم من حديث غندر ومعاذ بن معاذ عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس: أن رسول الله قال هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن معه هدى فليحل الحل كله فقد دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة، وروى البخاري عن آدم بن أبى اياس ومسلم من حديث غندر كلاهما عن شعبة عن أبى جمرة قال: تمتعت فنهاني ناس فسألت ابن عباس فأمرنى بها فرأيت في المنام كأن رجلا يقول حج مبرور ومتعة متقبلة، فأخبرت ابن عباس فقال الله أكبر سنة أبى القاسم صلوات الله وسلامه عليه، والمراد بالمتعة هاهنا القران. وقال القعيني وغيره عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه حدثه أنه سمع سعد بن أبى وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبى سفيان يذكر التمتع بالعمرة الى الحج. فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله. فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخى فقال الضحاك فان عمر بن الخطاب كان ينهى عنها. فقال سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه. ورواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن مالك وقال الترمذي صحيح. وقال عبد الرزاق عن معتمر بن سليمان وعبد الله بن المبارك كلاهما عن سليمان التيمي حدثني غنيم بن قيس سألت سعد بن أبى وقاص: عن التمتع بالعمرة الى الحج قال فعلتها مع رسول الله ﷺ وهذا يومئذ كافر في العرش - يعنى مكة - ويعنى به معاوية. ورواه مسلم من حديث شعبة وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد ومروان الفزاري أربعتهم عن سليمان التيمي سمعت غنيم بن قيس سألت سعدا عن المتعة فقال: قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش. وفي رواية يحيى بن سعيد - يعنى معاوية - وهذا كله من باب اطلاق التمتع على ما هو أعم من التمتع الخاص وهو الإحرام بالعمرة والفراغ منها ثم الإحرام

стр. 1541

بالحج ومن القران بل كلام سعد فيه دلالة على اطلاق التمتع على الاعتمار في أشهر الحج وذلك أنهم اعتمروا ومعاوية بعد كافر بمكة قبل الحج أما عمرة الحديبيّة أو عمرة القضاء وهو الأشبه، فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية أسلم مع أبيه ليلة الفتح وروينا أنه قصّر من شعر النبي ﷺ بمشقص في بعض عمره وهي عمرة الجعرانة لا محالة والله أعلم. ذكر حجة من ذهب الى أنه ﵇ كان قارنا وسرد الأحاديث في ذلك رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: قد تقدم ما رواه البخاري من حديث أبى عمرو الأوزاعي سمعت يحيى بن أبى كثير عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: أتانى آت من ربى فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة. وقال الحافظ البيهقي أنبأنا على بن احمد بن عمر بن حفص المقبري ببغداد أنبأنا احمد بن سليمان قال قرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع حدثنا أبو زيد الهروي ثنا على بن المبارك ثنا يحيي بن أبى كثير ثنا عكرمة حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ : أتانى جبرائيل ﵇ وأنا بالعقيق فقال صل في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل عمرة في حجة فقد دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة. ثم قال البيهقي رواه البخاري عن أبى زيد الهروي. وقال الامام احمد ثنا هاشم ثنا سيار عن أبى وائل أن رجلا كان نصرانيا يقال له الصّبي بن معبد، فأراد الجهاد فقيل له ابدأ بالحج فأتى الأشعري فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعا ففعل، فبينما هو يلبى إذ مر بزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة. فقال أحدهما لصاحبه: لهذا أضل من بعير أهله، فسمعها الصبى فكبر ذلك عليه فلما قدم أتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له. فقال له عمر: هديت لسنة نبيك ﷺ . قال وسمعته مرة أخرى يقول وفّقت لسنة نبيك ﷺ . وقد رواه الامام احمد عن يحيى بن سعيد القطان عن الأعمش عن شقيق عن أبى وائل عن الصبى بن معبد عن عمر بن الخطاب فذكره. وقال: إنهما لم يقولا شيئا، هديت لسنة نبيك ﷺ . ورواه عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن أبى وائل به. ورواه أيضا عن غندر عن شعبة عن الحكم عن أبى وائل وعن سفيان بن عيينة عن عبدة بن أبى لبابة عن أبى وائل. قال قال: الصبى بن مبعد كنت رجلا نصرانيا فأسلمت فأهلكت بحج وعمرة فسمعني زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة وأنا أهل بهما. فقالا: لهذا أضل من بعير أهله، فكأنما حمل على بكلمتهما جبل، فقدمت على عمر فأخبرته فأقبل عليهما فلامهما وأقبل عليّ فقال: هديت لسنة النبي ﷺ . قال عبدة قال أبو وائل كثيرا ما ذهبت وأنا مسروق الى الصبىّ

стр. 1542

ابن معبد (١) نسأله عنه وهذه أسانيد جيدة على شرط الصحيح. وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من طرق عن أبى وائل شقيق بن سلمة به. وقال النسائي في كتاب الحج من سننه حدثنا محمد ابن على بن الحسن بن شقيق ثنا أبى عن جمرة السكرى عن مطرف عن سلمة بن كهيل عن طاوس عن ابن عباس عن عمر. أنه قال: والله إني لأنهاكم عن المتعة وإنها لفي كتاب الله وقد فعلها النبي ﷺ . إسناد جيد. رواية أميرى المؤمنين عثمان وعلى ﵄. قال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب. قال: اجتمع على وعثمان بعسفان وكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال: على ما تريد الى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه. فقال عثمان دعنا منك. هكذا رواه الامام الأحمد مختصرا. وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب. قال اختلف على وعثمان وهما بعسفان في المتعة. فقال: على ما تريد الى أين تنهى عن أمر فعله رسول الله ﷺ فلما رأى ذلك على بن أبى طالب أهل بهما جميعا وهكذا لفظ البخاري. وقال البخاري ثنا محمد بن يسار ثنا غندر عن شعبة عن الحكم عن على بن الحسين عن مروان بن الحكم. قال: شهدت عثمان وعليا وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما، فلما رأى على أهل بهما لبيك بعمرة وحج. قال: ما كنت لأدع سنة النبي ﷺ لقول أحد. ورواه النسائي من حديث شعبة به ومن حديث الأعمش عن مسلم البطين عن على بن الحسين به. وقال الامام احمد ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن قتادة. قال قال عبد الله بن شقيق كان عثمان ينهى عن المتعة وعلى يأمر بها. فقال: عثمان لعلى انك لكذا وكذا. ثم قال: على لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله ﷺ . قال: أجل ولكنا كنا خائفين. ورواه مسلم من حديث شعبة فهذا اعتراف من عثمان رضى الله بما رواه على ﵄ ومعلوم أن عليا ﵁ أحرم عام حجة الوداع بإهلال كإهلال النبي ﷺ وكان قد ساق الهدى وأمره ﵇ أن يمكث حراما وأشركه النبي ﷺ في هديه كما سيأتي بيانه. وروى مالك في الموطإ عن جعفر بن محمد عن أبيه أن المقداد بن الأسود دخل على عليّ بن أبى طالب بالسقيا وهو ينجع بكرات له دقيقا وخبطا فقال: هذا عثمان بن عفان ينهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة فخرج على وعلى يده أمر الدقيق والخبط - ما أنسى أثر الدقيق والخبط على ذراعيه - حتى دخل على عثمان. فقال: أنت تنهى أن يقرن بين الحج والعمرة. فقال عثمان ذلك رأيي فخرج على مغضبا وهو يقول: لبيك اللهمّ لبيك بحجة وعمرة معا. وقد قال: أبو داود في سننه ثنا يحيى بن معين ثنا حجاج ثنا يونس عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب. قال: كنت

стр. 1543

مع على حين أمره رسول الله ﷺ على اليمن فذكر الحديث في قدوم على. قال على: فقال لي رسول الله ﷺ كيف صنعت. قال قلت: إنما أهللت بإهلال النبي ﷺ . قال: إني قد سقت الهدى وقرنت. وقد رواه النسائي من حديث يحيى بن معين باسناده وهو على شرط الشيخين، وعلله الحافظ البيهقي بأنه لم يذكر هذا اللفظ في سياق حديث جابر الطويل وهذا التعليل فيه نظر لأنه قد روى القران من حديث جابر بن عبد الله كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. وروى ابن حبان في صحيحه عن على بن أبى طالب. قال: خرج رسول الله ﷺ من المدينة وخرجت أنا من اليمن. وقلت لبيك بإهلال كإهلال النبي. فقال: النبي ﷺ فانى أهللت بالحج والعمرة جميعا. رواية أنس بن مالك ﵁. وقد رواه عنه جماعة من التابعين ونحن نوردهم مرتبين على حروف المعجم. بكر بن عبد الله المزني عنه. قال: الامام احمد حدثنا هشيم ثنا حميد الطويل أنبأنا بكر بن عبد الله المزني. قال: سمعت أنس بن مالك يحدث قال: سمعت رسول الله ﷺ يلبى بالحج والعمرة جميعا، فحدثت بذلك ابن عمر. فقال: لبى بالحج وحده فلقيت انسا فحدثته بقول ابن عمر. فقال: ما تعدونا الاصبيانا. سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك عمرة وحجا. ورواه البخاري عن مسدد عن بشر بن الفضل عن حميد به. وأخرجه مسلم عن شريح بن يونس عن هشيم به. وعن أمية بن بسطام عن يزيد بن زريع عن حبيب بن الشهيد عن بكر بن عبد الله المزني به. ثابت البناني عن أنس. قال الامام احمد حدثنا وكيع عن ابن أبى ليلى عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ . قال: لبيك بعمرة وحجة معا. تفرد به من هذا الوجه الحسن البصري عنه. قال: الامام احمد ثنا روح ثنا أشعث عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ وأصحابه قدموا مكة وقد لبوا بحج وعمرة، فأمرهم رسول الله ﷺ بعد ما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة أن يحلوا وأن يجعلوها عمرة فكأن القوم هابوا ذلك. فقال: رسول الله ﷺ لولا أنى سقت هديا لأحللت فأحل القوم وتمتعوا. وقال الحافظ أبو بكر البزار ثنا الحسن بن قزعة ثنا سفيان بن حبيب ثنا أشعث عن الحسن عن أنس: أن النبي ﷺ أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة، فلما قدموا مكة طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، أمرهم رسول الله ﷺ أن يحلوا فهابوا ذلك. فقال: رسول الله ﷺ أحلوا فلولا أن معى الهدى لأحللت. فحلوا حتى حلوا الى النساء. ثم قال: البزار لا نعلم رواه عن الحسن إلا أشعث بن عبد الملك. حميد بن تيرويه الطويل عنه. قال الامام احمد حدثنا يحيى عن حميد سمعت انسا سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك بحج وعمرة وحج. هذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولا أحد

стр. 1544

من أصحاب الكتب من هذا الوجه، لكن رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن هشيم عن يحيى بن أبى إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد أنهم سمعوا أنس بن مالك. قال: سمعت رسول الله ﷺ : أهل بهما جميعا لبيك عمرة وحجا لبيك عمرة وحجا. وقال الامام احمد حدثنا يعمر بن يسر ثنا عبد الله أنبأنا حميد الطويل عن أنس بن مالك. قال: ساق رسول الله ﷺ بدنا كثيرة وقال لبيك بعمرة وحج وانى لعند فخذ ناقته اليسرى. تفرد به احمد من هذا الوجه أيضا. حميد بن هلال العدوي البصري عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة حدثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الوهاب عن أيوب عن أبى قلابة عن أنس بن مالك. وحدثناه سلمة بن شبيب ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن أبى قلابة وحميد بن هلال عن أنس. قال: إني ردف أبى طلحة وان ركبته لتمس ركبة رسول الله ﷺ وهو يلبى بالحج والعمرة. وهذا اسناد جيد قوى على شرط الصحيح ولم يخرجوه. وقد تأوله البزار على أن الّذي كان يلبى بالحج والعمرة أبو طلحة قال ولم ينكر عليه النبي ﷺ . وهذا التأويل فيه نظر ولا حاجة اليه لمجيء ذلك من طرق عن أنس كما مضى وكما سيأتي ثم عود الضمير الى أقرب المذكورين أولى وهو في هذه الصورة أقوى دلالة والله أعلم وسيأتي في رواية سالم بن أبى الجعد عن أنس صريح الرد على هذا التأويل. زيد بن أسلم عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار روى سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك. أن النبي ﷺ أهل بحج وعمرة. حدثناه الحسن بن عبد العزيز الجروى ومحمد بن مسكين. قالا: حدثنا بشر بن بكر عن سعيد بن عبد العزيز عن زيد بن أسلم عن أنس. قلت: وهذا اسناد صحيح على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي بأبسط من هذا السياق. فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر احمد بن الحسن القاضي. قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأنا العباس بن الوليد بن يزيد أخبرنى أبى ثنا شعيب بن عبد العزيز عن زيد بن أسلم وغيره. أن رجلا أتى ابن عمر فقال: بم أهل رسول الله ﷺ ؟ قال ابن عمر: أهل بالحج فانصرف، ثم أتاه من العام المقبل. فقال: بم أهل رسول الله؟ قال ألم تأتنى عام أول. قال: بلى! ولكن أنس بن مالك يزعم أنه قرن قال ابن عمر إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء وهن مكشفات الرءوس، وإني كنت تحت ناقة رسول الله ﷺ يمسني لعابها أسمعه يلبى بالحج. سالم بن أبى الجعد الغطفانيّ الكوفي عنه. قال الامام احمد حدثنا يحيى بن آدم ثنا شريك عن منصور عن سالم بن أبى الجعد عن أنس بن مالك يرفعه الى النبي ﷺ : أنه جمع بين الحج والعمرة فقال لبيك بعمرة وحجة معا، حسن ولم يخرجوه وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا أبو عوانة ثنا عثمان

стр. 1545

ابن المغيرة عن سالم بن أبى الجعد عن سعد مولى الحسن بن على. قال: خرجنا مع على فأتينا ذا الحليفة. فقال على: إني أريد أن أجمع بين الحج والعمرة فمن أراد ذلك فليقل كما أقول، ثم لبى قال لبيك بحجة وعمرة معا. قال وقال: سالم وقد أخبرنى أنس بن مالك. قال: والله ان رجلي لتمس رجل رسول الله ﷺ وإنه ليهل بهما جميعا. وهذا أيضا إسناد جيد من هذا الوجه ولم يخرجوه. وهذا السياق يرد على الحافظ البزار ما تأول به حديث حميد بن هلال عن أنس كما تقدم والله أعلم سليمان بن طرخان التيمي عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي ثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبى يحدث عن أنس بن مالك. قال: سمعت النبي ﷺ يلبى بهما جميعا. ثم قال البزار: لم يروه عن التيمي إلا ابنه المعتمر ولم يسمعه إلا من يحيى بن حبيب العربيّ عنه. قلت وهو على شرط الصحيح ولم يخرجوه. سويد بن حجير عنه. قال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبى قزعة سويد بن حجير عن أنس بن مالك قال: كنت رديف أبى طلحة فكانت ركبة أبى طلحة تكاد أن تصيب ركبة رسول الله ﷺ فكان رسول الله ﷺ يهل بهما. وهذا اسناد جيد تفرد به احمد ولم يخرجوه وفيه رد على الحافظ البزار صريح. عبد الله بن زيد أبو قلابة الجرمي عنه. قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن أبى قلابة عن أنس قال: كنت رديف أبى طلحة وهو يساير النبي ﷺ . قال: فان رجلي لتمس غرز النبي ﷺ فسمعته يلبى بالحج والعمرة معا. وقد رواه البخاري من طرق عن أيوب عن أبى قلابة عن أنس قال. صلى ﷺ الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب راحلته حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر، وأهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما جميعا. وفي رواية له: كنت رديف أبى طلحة وأنهم ليصرخون بهما جميعا الحج والعمرة. وفي رواية له عن أيوب عن رجل عن أنس. قال: ثم بات حتى أصبح فصلى الصبح ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج. عبد العزيز بن صهيب تقدمت روايته عنه مع رواية حميد الطويل عنه عند مسلم. على بن زيد بن جدعان عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا إبراهيم بن سعيد ثنا على بن حكيم عن شريك عن على بن زيد عن أنس: أن رسول الله ﷺ لبى بهما جميعا. هذا غريب من هذا الوجه ولم يخرجه أحد من أصحاب السنن وهو على شرطهم. قتادة بن دعامة السدوسي عنه قال الامام احمد حدثنا بهز وعبد الصمد المعنى. قالا: أخبرنا همام بن يحيى ثنا قتادة. قال: سألت أنس بن مالك قلت كم حج النبي ﷺ ؟ قال: حجة واحدة
следующие страницы →