← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

بالحج ومن القران بل كلام سعد فيه دلالة على اطلاق التمتع على الاعتمار في أشهر الحج وذلك أنهم اعتمروا ومعاوية بعد كافر بمكة قبل الحج أما عمرة الحديبيّة أو عمرة القضاء وهو الأشبه، فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية أسلم مع أبيه ليلة الفتح وروينا أنه قصّر من شعر النبي ﷺ بمشقص في بعض عمره وهي عمرة الجعرانة لا محالة والله أعلم. ذكر حجة من ذهب الى أنه ﵇ كان قارنا وسرد الأحاديث في ذلك رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: قد تقدم ما رواه البخاري من حديث أبى عمرو الأوزاعي سمعت يحيى بن أبى كثير عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: أتانى آت من ربى فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة. وقال الحافظ البيهقي أنبأنا على بن احمد بن عمر بن حفص المقبري ببغداد أنبأنا احمد بن سليمان قال قرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع حدثنا أبو زيد الهروي ثنا على بن المبارك ثنا يحيي بن أبى كثير ثنا عكرمة حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ : أتانى جبرائيل ﵇ وأنا بالعقيق فقال صل في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل عمرة في حجة فقد دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة. ثم قال البيهقي رواه البخاري عن أبى زيد الهروي. وقال الامام احمد ثنا هاشم ثنا سيار عن أبى وائل أن رجلا كان نصرانيا يقال له الصّبي بن معبد، فأراد الجهاد فقيل له ابدأ بالحج فأتى الأشعري فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعا ففعل، فبينما هو يلبى إذ مر بزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة. فقال أحدهما لصاحبه: لهذا أضل من بعير أهله، فسمعها الصبى فكبر ذلك عليه فلما قدم أتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له. فقال له عمر: هديت لسنة نبيك ﷺ . قال وسمعته مرة أخرى يقول وفّقت لسنة نبيك ﷺ . وقد رواه الامام احمد عن يحيى بن سعيد القطان عن الأعمش عن شقيق عن أبى وائل عن الصبى بن معبد عن عمر بن الخطاب فذكره. وقال: إنهما لم يقولا شيئا، هديت لسنة نبيك ﷺ . ورواه عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن أبى وائل به. ورواه أيضا عن غندر عن شعبة عن الحكم عن أبى وائل وعن سفيان بن عيينة عن عبدة بن أبى لبابة عن أبى وائل. قال قال: الصبى بن مبعد كنت رجلا نصرانيا فأسلمت فأهلكت بحج وعمرة فسمعني زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة وأنا أهل بهما. فقالا: لهذا أضل من بعير أهله، فكأنما حمل على بكلمتهما جبل، فقدمت على عمر فأخبرته فأقبل عليهما فلامهما وأقبل عليّ فقال: هديت لسنة النبي ﷺ . قال عبدة قال أبو وائل كثيرا ما ذهبت وأنا مسروق الى الصبىّ

стр. 1542

ابن معبد (١) نسأله عنه وهذه أسانيد جيدة على شرط الصحيح. وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من طرق عن أبى وائل شقيق بن سلمة به. وقال النسائي في كتاب الحج من سننه حدثنا محمد ابن على بن الحسن بن شقيق ثنا أبى عن جمرة السكرى عن مطرف عن سلمة بن كهيل عن طاوس عن ابن عباس عن عمر. أنه قال: والله إني لأنهاكم عن المتعة وإنها لفي كتاب الله وقد فعلها النبي ﷺ . إسناد جيد. رواية أميرى المؤمنين عثمان وعلى ﵄. قال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب. قال: اجتمع على وعثمان بعسفان وكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال: على ما تريد الى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه. فقال عثمان دعنا منك. هكذا رواه الامام الأحمد مختصرا. وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب. قال اختلف على وعثمان وهما بعسفان في المتعة. فقال: على ما تريد الى أين تنهى عن أمر فعله رسول الله ﷺ فلما رأى ذلك على بن أبى طالب أهل بهما جميعا وهكذا لفظ البخاري. وقال البخاري ثنا محمد بن يسار ثنا غندر عن شعبة عن الحكم عن على بن الحسين عن مروان بن الحكم. قال: شهدت عثمان وعليا وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما، فلما رأى على أهل بهما لبيك بعمرة وحج. قال: ما كنت لأدع سنة النبي ﷺ لقول أحد. ورواه النسائي من حديث شعبة به ومن حديث الأعمش عن مسلم البطين عن على بن الحسين به. وقال الامام احمد ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن قتادة. قال قال عبد الله بن شقيق كان عثمان ينهى عن المتعة وعلى يأمر بها. فقال: عثمان لعلى انك لكذا وكذا. ثم قال: على لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله ﷺ . قال: أجل ولكنا كنا خائفين. ورواه مسلم من حديث شعبة فهذا اعتراف من عثمان رضى الله بما رواه على ﵄ ومعلوم أن عليا ﵁ أحرم عام حجة الوداع بإهلال كإهلال النبي ﷺ وكان قد ساق الهدى وأمره ﵇ أن يمكث حراما وأشركه النبي ﷺ في هديه كما سيأتي بيانه. وروى مالك في الموطإ عن جعفر بن محمد عن أبيه أن المقداد بن الأسود دخل على عليّ بن أبى طالب بالسقيا وهو ينجع بكرات له دقيقا وخبطا فقال: هذا عثمان بن عفان ينهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة فخرج على وعلى يده أمر الدقيق والخبط - ما أنسى أثر الدقيق والخبط على ذراعيه - حتى دخل على عثمان. فقال: أنت تنهى أن يقرن بين الحج والعمرة. فقال عثمان ذلك رأيي فخرج على مغضبا وهو يقول: لبيك اللهمّ لبيك بحجة وعمرة معا. وقد قال: أبو داود في سننه ثنا يحيى بن معين ثنا حجاج ثنا يونس عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب. قال: كنت

стр. 1543

مع على حين أمره رسول الله ﷺ على اليمن فذكر الحديث في قدوم على. قال على: فقال لي رسول الله ﷺ كيف صنعت. قال قلت: إنما أهللت بإهلال النبي ﷺ . قال: إني قد سقت الهدى وقرنت. وقد رواه النسائي من حديث يحيى بن معين باسناده وهو على شرط الشيخين، وعلله الحافظ البيهقي بأنه لم يذكر هذا اللفظ في سياق حديث جابر الطويل وهذا التعليل فيه نظر لأنه قد روى القران من حديث جابر بن عبد الله كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. وروى ابن حبان في صحيحه عن على بن أبى طالب. قال: خرج رسول الله ﷺ من المدينة وخرجت أنا من اليمن. وقلت لبيك بإهلال كإهلال النبي. فقال: النبي ﷺ فانى أهللت بالحج والعمرة جميعا. رواية أنس بن مالك ﵁. وقد رواه عنه جماعة من التابعين ونحن نوردهم مرتبين على حروف المعجم. بكر بن عبد الله المزني عنه. قال: الامام احمد حدثنا هشيم ثنا حميد الطويل أنبأنا بكر بن عبد الله المزني. قال: سمعت أنس بن مالك يحدث قال: سمعت رسول الله ﷺ يلبى بالحج والعمرة جميعا، فحدثت بذلك ابن عمر. فقال: لبى بالحج وحده فلقيت انسا فحدثته بقول ابن عمر. فقال: ما تعدونا الاصبيانا. سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك عمرة وحجا. ورواه البخاري عن مسدد عن بشر بن الفضل عن حميد به. وأخرجه مسلم عن شريح بن يونس عن هشيم به. وعن أمية بن بسطام عن يزيد بن زريع عن حبيب بن الشهيد عن بكر بن عبد الله المزني به. ثابت البناني عن أنس. قال الامام احمد حدثنا وكيع عن ابن أبى ليلى عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ . قال: لبيك بعمرة وحجة معا. تفرد به من هذا الوجه الحسن البصري عنه. قال: الامام احمد ثنا روح ثنا أشعث عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ وأصحابه قدموا مكة وقد لبوا بحج وعمرة، فأمرهم رسول الله ﷺ بعد ما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة أن يحلوا وأن يجعلوها عمرة فكأن القوم هابوا ذلك. فقال: رسول الله ﷺ لولا أنى سقت هديا لأحللت فأحل القوم وتمتعوا. وقال الحافظ أبو بكر البزار ثنا الحسن بن قزعة ثنا سفيان بن حبيب ثنا أشعث عن الحسن عن أنس: أن النبي ﷺ أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة، فلما قدموا مكة طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، أمرهم رسول الله ﷺ أن يحلوا فهابوا ذلك. فقال: رسول الله ﷺ أحلوا فلولا أن معى الهدى لأحللت. فحلوا حتى حلوا الى النساء. ثم قال: البزار لا نعلم رواه عن الحسن إلا أشعث بن عبد الملك. حميد بن تيرويه الطويل عنه. قال الامام احمد حدثنا يحيى عن حميد سمعت انسا سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك بحج وعمرة وحج. هذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولا أحد

стр. 1544

من أصحاب الكتب من هذا الوجه، لكن رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن هشيم عن يحيى بن أبى إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد أنهم سمعوا أنس بن مالك. قال: سمعت رسول الله ﷺ : أهل بهما جميعا لبيك عمرة وحجا لبيك عمرة وحجا. وقال الامام احمد حدثنا يعمر بن يسر ثنا عبد الله أنبأنا حميد الطويل عن أنس بن مالك. قال: ساق رسول الله ﷺ بدنا كثيرة وقال لبيك بعمرة وحج وانى لعند فخذ ناقته اليسرى. تفرد به احمد من هذا الوجه أيضا. حميد بن هلال العدوي البصري عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة حدثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الوهاب عن أيوب عن أبى قلابة عن أنس بن مالك. وحدثناه سلمة بن شبيب ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن أبى قلابة وحميد بن هلال عن أنس. قال: إني ردف أبى طلحة وان ركبته لتمس ركبة رسول الله ﷺ وهو يلبى بالحج والعمرة. وهذا اسناد جيد قوى على شرط الصحيح ولم يخرجوه. وقد تأوله البزار على أن الّذي كان يلبى بالحج والعمرة أبو طلحة قال ولم ينكر عليه النبي ﷺ . وهذا التأويل فيه نظر ولا حاجة اليه لمجيء ذلك من طرق عن أنس كما مضى وكما سيأتي ثم عود الضمير الى أقرب المذكورين أولى وهو في هذه الصورة أقوى دلالة والله أعلم وسيأتي في رواية سالم بن أبى الجعد عن أنس صريح الرد على هذا التأويل. زيد بن أسلم عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار روى سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك. أن النبي ﷺ أهل بحج وعمرة. حدثناه الحسن بن عبد العزيز الجروى ومحمد بن مسكين. قالا: حدثنا بشر بن بكر عن سعيد بن عبد العزيز عن زيد بن أسلم عن أنس. قلت: وهذا اسناد صحيح على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي بأبسط من هذا السياق. فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر احمد بن الحسن القاضي. قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأنا العباس بن الوليد بن يزيد أخبرنى أبى ثنا شعيب بن عبد العزيز عن زيد بن أسلم وغيره. أن رجلا أتى ابن عمر فقال: بم أهل رسول الله ﷺ ؟ قال ابن عمر: أهل بالحج فانصرف، ثم أتاه من العام المقبل. فقال: بم أهل رسول الله؟ قال ألم تأتنى عام أول. قال: بلى! ولكن أنس بن مالك يزعم أنه قرن قال ابن عمر إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء وهن مكشفات الرءوس، وإني كنت تحت ناقة رسول الله ﷺ يمسني لعابها أسمعه يلبى بالحج. سالم بن أبى الجعد الغطفانيّ الكوفي عنه. قال الامام احمد حدثنا يحيى بن آدم ثنا شريك عن منصور عن سالم بن أبى الجعد عن أنس بن مالك يرفعه الى النبي ﷺ : أنه جمع بين الحج والعمرة فقال لبيك بعمرة وحجة معا، حسن ولم يخرجوه وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا أبو عوانة ثنا عثمان

стр. 1545

ابن المغيرة عن سالم بن أبى الجعد عن سعد مولى الحسن بن على. قال: خرجنا مع على فأتينا ذا الحليفة. فقال على: إني أريد أن أجمع بين الحج والعمرة فمن أراد ذلك فليقل كما أقول، ثم لبى قال لبيك بحجة وعمرة معا. قال وقال: سالم وقد أخبرنى أنس بن مالك. قال: والله ان رجلي لتمس رجل رسول الله ﷺ وإنه ليهل بهما جميعا. وهذا أيضا إسناد جيد من هذا الوجه ولم يخرجوه. وهذا السياق يرد على الحافظ البزار ما تأول به حديث حميد بن هلال عن أنس كما تقدم والله أعلم سليمان بن طرخان التيمي عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي ثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبى يحدث عن أنس بن مالك. قال: سمعت النبي ﷺ يلبى بهما جميعا. ثم قال البزار: لم يروه عن التيمي إلا ابنه المعتمر ولم يسمعه إلا من يحيى بن حبيب العربيّ عنه. قلت وهو على شرط الصحيح ولم يخرجوه. سويد بن حجير عنه. قال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبى قزعة سويد بن حجير عن أنس بن مالك قال: كنت رديف أبى طلحة فكانت ركبة أبى طلحة تكاد أن تصيب ركبة رسول الله ﷺ فكان رسول الله ﷺ يهل بهما. وهذا اسناد جيد تفرد به احمد ولم يخرجوه وفيه رد على الحافظ البزار صريح. عبد الله بن زيد أبو قلابة الجرمي عنه. قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن أبى قلابة عن أنس قال: كنت رديف أبى طلحة وهو يساير النبي ﷺ . قال: فان رجلي لتمس غرز النبي ﷺ فسمعته يلبى بالحج والعمرة معا. وقد رواه البخاري من طرق عن أيوب عن أبى قلابة عن أنس قال. صلى ﷺ الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب راحلته حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر، وأهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما جميعا. وفي رواية له: كنت رديف أبى طلحة وأنهم ليصرخون بهما جميعا الحج والعمرة. وفي رواية له عن أيوب عن رجل عن أنس. قال: ثم بات حتى أصبح فصلى الصبح ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج. عبد العزيز بن صهيب تقدمت روايته عنه مع رواية حميد الطويل عنه عند مسلم. على بن زيد بن جدعان عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا إبراهيم بن سعيد ثنا على بن حكيم عن شريك عن على بن زيد عن أنس: أن رسول الله ﷺ لبى بهما جميعا. هذا غريب من هذا الوجه ولم يخرجه أحد من أصحاب السنن وهو على شرطهم. قتادة بن دعامة السدوسي عنه قال الامام احمد حدثنا بهز وعبد الصمد المعنى. قالا: أخبرنا همام بن يحيى ثنا قتادة. قال: سألت أنس بن مالك قلت كم حج النبي ﷺ ؟ قال: حجة واحدة

стр. 1546

واعتمر أربع مرات عمرته زمن الحديبيّة وعمرته في ذي القعدة من المدينة وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنيمة حنين وعمرته مع حجته. وأخرجاه في الصحيحين من حديث همام ابن يحيى به. مصعب بن سليم الزبيري مولاهم عنه. قال الامام احمد حدثنا وكيع ثنا مصعب بن سليم سمعت أنس بن مالك يقول: أهل رسول الله ﷺ بحجة وعمرة، تفرد به احمد. يحيى بن إسحاق الحضرميّ عنه. قال الامام احمد ثنا هشيم أنبأنا يحيى بن إسحاق وعبد العزيز ابن صهيب وحميد الطويل عن أنس أنهم سمعوه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يلبى بالحج والعمرة جميعا يقول لبيك عمرة وحجا، لبيك عمرة وحجا، وقد تقدم أن مسلما رواه عن يحيى بن يحيى عن هشيم به. وقال الامام احمد أيضا ثنا عبد الأعلى عن يحيى عن أنس. قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ الى مكة قال فسمعته يقول لبيك عمرة وحجا. أبو الصيقل عنه. قال الامام احمد حدثنا حسن ثنا زهير. وحدثنا احمد بن عبد الملك ثنا زهير عن أبى إسحاق عن أبى أسماء الصيقل عن أنس بن مالك. قال: خرجنا نصرخ بالحج فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله ﷺ أن نجعلها عمرة. وقال: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لجعلتها عمرة ولكنى سقت الهدى وقرنت الحج بالعمرة. ورواه النسائي عن هناد عن أبى الأحوص عن أبى إسحاق عن أبى أسماء الصيقل عن أنس بن مالك. قال: سمعت رسول الله ﷺ وسلّم يلبى بهما. أبو قدامة الحنفي ويقال إن اسمه محمد بن عبيد عن أنس. قال الامام احمد ثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة عن يونس بن عبيد عن أبى قدامة الحنفي. قال قلت: لأنس بأي شيء كان رسول الله ﷺ يلبى فقال سمعته سبع مرات يلبى بعمرة وحجة، تفرد به الامام احمد وهو اسناد جيد قوى ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة، وروى ابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك. قال: كان رسول الله ﷺ قرن بين الحج والعمرة وقرن القوم معه. وقد أورد الحافظ البيهقي بعض هذه الطرق عن أنس بن مالك ثم شرع يعلل ذلك بكلام فيه نظر وحاصله أنه. قال: والاشتباه وقع لأنس لا لمن دونه ويحتمل أن يكون سمعه رسول الله ﷺ يعلم غيره كيف يهل بالقران لا أنه يهل بهما عن نفسه والله أعلم. قال: وقد روى ذلك عن غير أنس بن مالك وفي ثبوته نظر قلت ولا يخفى ما في هذا الكلام من النظر الظاهر لمن تأمله وربما أنه كان ترك هذا الكلام أولى منه إذ فيه تطرق احتمال الى حفظ الصحابي مع تواتره عنه كما رأيت آنفا وفتح هذا يفضي الى محذور كبير والله تعالى أعلم. حديث البراء بن عازب في القران. قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو الحسين بن بشران أنبأنا على بن محمد المصري حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى ثنا يزيد بن هارون أنبأنا زكريا بن

стр. 1547

أبى زائدة عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب. قال: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة. فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج معها. قال: البيهقي ليس هذا بمحفوظ قلت سيأتي بإسناد صحيح الى عائشة نحوه. رواية جابر بن عبد الله ﵄. قال الحافظ أبو الحسن الدار قطنى حدثنا أبو بكر بن أبى داود ومحمد بن جعفر بن رميس والقاسم بن إسماعيل أبو عبيد وعثمان بن جعفر اللبان وغيرهم. قالوا: حدثنا احمد بن يحيى الصوفي ثنا زيد بن حباب ثنا سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله. قال: حج النبي ﷺ ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر وحجة قرن معها عمرة. وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجة من حديث سفيان بن سعيد الثوري به، وأما الترمذي فرواه عن عبد الله بن أبى زياد عن زيد بن حباب عن سفيان به ثم قال: غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب. ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن يعنى الرازيّ روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن أبى زياد وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه ورأيته لا يعده محفوظا. قال: وانما روى عن الثوري عن أبى إسحاق عن مجاهد مرسلا. وفي السنن الكبير للبيهقي قال: أبو عيسى الترمذي سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال هذا حديث خطأ وإنما روى هذا عن الثوري مرسلا. قال: البخاري وكان زيد بن الحباب إذا روى خطأ ربما غلط في الشيء وأما ابن ماجة فرواه عن القاسم بن محمد بن عباد المهلبي عن عبد الله بن داود الخريبى عن سفيان به وهذه طريق لم يقف عليها الترمذي ولا البيهقي وربما ولا البخاري حيث تكلم في زيد ابن الحباب ظانا أنه انفرد به وليس كذلك والله أعلم. طريق أخرى عن جابر. قال أبو عيسى الترمذي حدثنا ابن أبى عمر حدثنا أبو معاوية عن حجاج عن أبى الزبير عن جابر. أن رسول الله ﷺ قرن الحج والعمرة وطاف لهما طوافا واحدا. ثم قال: هذا حديث حسن وفي نسخة صحيح ورواه ابن حبان في صحيحه عن جابر قال: لم يطف النبي ﷺ إلا طوافا واحدا لحجة ولعمرته. قلت: حجاج هذا هو ابن أرطاة. وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة ولكن قد روى من وجه آخر عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله أيضا كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة حدثنا مقدم بن محمد حدثني عمى القاسم بن يحيى بن مقدم عن عبد الرحمن ابن عثمان بن خيثم عن أبى الزبير عن جابر. أن رسول الله ﷺ قدم فقرن بين الحج والعمرة وساق الهدى. وقال رسول الله ﷺ : من لم يقلد الهدى فليجعلها عمرة. ثم قال: البزار وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه بهذا الاسناد انفرد بهذه الطريق البزار في مسندة وإسنادها غريبة جدا وليست في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه والله أعلم.

стр. 1548

رواية أبى طلحة زيد بن سهل الأنصاري ﵁. قال الامام احمد حدثنا أبو معاوية ثنا حجاج - هو ابن أرطاة - عن الحسن بن سعد عن ابن عباس. قال: أخبرنى أبو طلحة أن رسول الله ﷺ جمع بين الحج والعمرة. ورواه ابن ماجة عن على بن محمد عن أبى معاوية باسناده ولفظه أن رسول الله ﷺ قرن بين الحج والعمرة. الحجاج بن أرطاة فيه ضعف والله أعلم. رواية سراقة بن مالك بن جعشم. قال الامام احمد حدثنا مكي بن إبراهيم ثنا داود - يعنى ابن سويد - سمعت عبد الملك الزراد. يقول سمعت النزال بن سبرة صاحب عليّ يقول سمعت سراقة يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة. قال وقرن رسول الله ﷺ في حجة الوداع. رواية سعد بن أبى وقاص عن النبي ﷺ أنه تمتع بالحج الى العمرة وهو القران. قال: الامام مالك عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه حدثه أنه سمع سعد بن أبى وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبى سفيان يذكر التمتع بالعمرة الى الحج. فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله. فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخى. فقال الضحاك فان عمر بن الخطاب كان ينهى عنها فقال سعد قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه. ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن مالك به. وقال: الترمذي هذا حديث صحيح. وقال: الامام احمد ثنا يحيى بن سعيد ثنا سليمان - يعنى التيمي - حدثني غنيم. قال سألت ابن أبى وقاص عن المتعة فقال: فعلناها وهذا كافر بالعرش - يعنى معاوية - هكذا رواه مختصرا. وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث سفيان بن سعيد الثوري وشعبة ومروان الفزاري ويحيى بن سعيد القطان أربعتهم عن سليمان بن طرخان التيمي سمعت غنيم بن قيس سألت سعد بن أبى وقاص عن المتعة؟ فقال: قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش. قال: يحيى بن سعيد في روايته - يعنى معاوية - ورواه عبد الرزاق عن معتمر بن سليمان وعبد الله بن المبارك كلاهما عن سليمان التيمي عن غنيم بن قيس سألت سعدا عن التمتع بالعمرة الى الحج. فقال: فعلتها مع رسول الله ﷺ وهذا يومئذ كافر بالعرش - يعنى مكة ويعنى به معاوية - وهذا الحديث الثاني أصح اسنادا وإنما ذكرناه اعتضادا لا اعتمادا والأول صحيح الاسناد وهذا أصرح في المقصود من هذا والله أعلم. رواية عبد الله بن أبى أوفى. قال الطبراني حدثنا سعيد بن محمد بن المغيرة المصري حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا يزيد بن عطاء عن إسماعيل بن أبى خالد عن عبد الله بن أبى أوفى قال: إنما جمع رسول الله ﷺ بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لم يكن حاجا بعد ذلك العام. رواية عبد الله بن عباس في ذلك. قال الامام احمد ثنا أبو النضر ثنا داود - يعنى القطان - عن

стр. 1549

عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر عمرة الحديبيّة وعمرة القضاء والثالثة من الجعرانة والرابعة التي مع حجته. وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من طرق عن داود بن عبد الرحمن العطار المكيّ عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس به وقال الترمذي حسن غريب ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن عكرمة مرسلا. ورواه الحافظ البيهقي من طريق أبى الحسن على بن عبد العزيز البغوي عن الحسن بن الربيع وشهاب بن عباد كلاهما عن داود بن عبد الرحمن العطار فذكره. وقال: الرابعة التي قرنها مع حجته ثم قال: أبو الحسن على بن عبد العزيز ليس أحد يقول في هذا الحديث عن ابن عباس إلا داود ابن عبد الرحمن ثم حكى البيهقي عن البخاري أنه قال داود بن عبد الرحمن صدوق إلا أنه ربما يهم في الشيء. وقد تقدم ما رواه البخاري من طريق ابن عباس عن عمر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول بوادي العقيق أتانى آت من ربى فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة. فلعل هذا مستند ابن عباس فيما حكاه والله أعلم. رواية عبد الله بن عمر ﵄. قد تقدم فيما رواه البخاري ومسلم من طريق الليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. أنه قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع وأهدى فساق الهدى من ذي الحليفة وبدا رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وذكر تمام الحديث في عدم إحلاله بعد السعي فعلم كما قررناه أولا إنه ﵇ لم يكن متمتعا التمتع الخاص وإنما كان قارنا لأنه حكى أنه ﵇ لم يكن متمتعا اكتفى بطواف واحد بين الصفا والمروة عن حجه وعمرته. وهذا شأن القارن على مذهب الجمهور كما سيأتي بيانه والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي ثنا أبو خيثمة ثنا يحيى بن يمان عن سفيان عن عبيد الله عن نافع عن بن عمر. أن رسول الله ﷺ طاف طوافا واحدا لاقرانه لم يحل بينهما واشترى من الطريق - يعنى الهدى - وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات إلا أن يحيى بن يمان وان كان من رجال مسلم في أحاديثه عن الثوري نكارة شديدة والله أعلم، ومما يرجح أن ابن عمر أراد بالإفراد الّذي رواه إفراد أفعال الحج لا الافراد الخاص الّذي يصير اليه أصحاب الشافعيّ وهو الحج ثم الاعتمار بعده في بقية ذي الحجة قول الشافعيّ أنبأنا مالك عن صدقة بن يسار عن ابن عمر. أنه قال: لأن أعتمر قبل الحج وأهدى أحب الى من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة. رواية عبد الله بن عمرو ﵄. قال الامام احمد حدثنا أبو احمد - يعنى الزبيري - حدثنا يونس بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ إنما قرن خشية أن يصد عن البيت وقال إن لم يكن حجة فعمرة وهذا حديث غريب سندا ومتنا تفرد بروايته

стр. 1550

الامام احمد. وقد قال احمد في يونس بن الحارث الثقفي هذا كان مضطرب الحديث وضعفه وكذا ضعفه يحيى بن معين في رواية عنه والنسائي، وأما من حيث المتن فقوله انما قرن رسول الله ﷺ خشية أن يصد عن البيت فمن الّذي كان يصده ﵇ عن البيت وقد أطد الله له (١) الإسلام وفتح البلد الحرام وقد نودي برحاب منى أيام الموسم في العام الماضي أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان وقد كان معه ﵇ في حجة الوداع قريب من أربعين ألفا فقوله: خشية أن يصد عن البيت، وما هذا بأعجب من قول أمير المؤمنين عثمان لعلى بن أبى طالب حين قال له على: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله ﷺ . فقال: أجل ولكنا كنا خائفين ولست أدرى على م يحمل هذا الخوف من أي جهة كان؟ إلا أنه تضمن رواية الصحابي لما رواه وحمله على معنى ظنه فما رواه صحيح مقبول وما أعتقده ليس بمعصوم فيه فهو موقوف عليه وليس بحجة على غيره ولا يلزم منه رد الحديث الّذي رواه: هكذا قول عبد الله بن عمرو. لو صح السند اليه والله أعلم. رواية عمران بن حصين ﵁: قال الامام احمد ثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا ثنا شعبة عن حميد بن هلال سمعت مطرفا قال قال لي عمران بن حصين: إني محدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به أن رسول الله ﷺ قد جمع بين حجته وعمرته ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل قرآن فيه يحرمه وأنه كان يسلم عليّ فلما اكتويت أمسك عنى فلما تركته عاد إليّ. وقد رواه مسلم عن محمد بن المثنى ومحمد بن يسار عن غندر عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه، والنسائي عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث ثلاثتهم عن شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف عن عمران به. ورواه مسلم من حديث شعبة وسعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عمران بن الحصين أن رسول الله ﷺ جمع بين حج وعمرة الحديث. قال الحافظ أبو الحسن الدار قطنى حديث شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف صحيح، وأما حديثه عن قتادة عن مطرف فإنما رواه عن شعبة كذلك بقية بن الوليد. وقد رواه غندر وغيره عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة. قلت: وقد رواه أيضا النسائي في سننه عن عمرو بن عليّ الفلاس عن خالد بن الحارث عن شعبة وفي نسخة عن سعيد بدل شعبة عن قتادة عن مطرف عن عمران بن الحصين فذكره والله أعلم. وثبت في الصحيحين من حديث همام عن قتادة عن مطرف عن عمران بن الحصين قال: تمتعنا على عهد رسول الله ﷺ ثم لم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات رسول الله ﷺ . رواية الهرماس بن زياد الباهلي: قال عبد الله بن الامام احمد حدثنا عبد الله بن عمران بن على أبو محمد من أهل الري وكان أصله أصبهانيّ حدثنا يحيى بن الضريس حدثنا عكرمة بن عمار عن

стр. 1551

الهرماس. قال: كنت ردف أبى فرأيت النبي ﷺ وهو على بعير وهو يقول: «لبيك بحجة وعمرة معا» وهذا على شرط السنن ولم يخرجوه. رواية حفصة بنت عمر أم المؤمنين ﵂. قال الامام احمد: حدثنا عبد الرحمن عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن حفصة أنها قالت للنّبيّ ﷺ : مالك لم تحل من عمرتك؟ قال: «إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر» وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك وعبيد الله بن عمر زاد البخاري وموسى بن عقبة زاد مسلم وابن جريج كلهم عن نافع عن ابن عمر به. وفي لفظهما أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: «إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أنحر» وقال الامام احمد أيضا حدثنا شعيب ابن أبى حمزة. قال قال نافع: كان عبد الله بن عمر يقول: أخبرتنا حفصة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع. فقالت له فلانة: ما يمنعك أن تحل. قال: «إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلست أحل حتى أنحر هديي» وقال احمد أيضا: حدثنا يعقوب ابن إبراهيم حدثنا أبى عن أبى إسحاق حدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن حفصة بنت عمر. أنها قالت: لما أمر رسول الله ﷺ نساءه أن يحللن بعمرة. قلنا: فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا؟ قال: «إني أهديت ولبدت فلا أحل حتى أنحر هديي» ثم رواه احمد عن كثير بن هشام عن جعفر ابن برقان عن نافع عن ابن عمر عن حفصة فذكره فهذا الحديث فيه أن رسول الله ﷺ كان متلبسا بعمرة ولم يحل منها، وقد علم بما تقدم من أحاديث الافراد انه كان قد أهل بحج أيضا فدل مجموع ذلك أنه قارن مع ما سلف من رواية من صرح بذلك والله أعلم. رواية عائشة أم المؤمنين ﵂. قال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة. ثم قال: النبي ﷺ من كان معه هدى فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك الى رسول الله ﷺ فقال انقضى رأسك وامتشطى وأهلي بالحج ودعي العمرة ففعلت فلما قضيت الحج أرسلنى رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبى بكر الى التنعيم فاعتمرت. فقال هذه مكان عمرتك قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا. وكذلك رواه مسلم من حديث مالك عن الزهري فذكره. ثم رواه عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللت بعمرة ولم أكن

стр. 1552

سقت الهدى فقال: رسول الله ﷺ من كان معه هدى فليهل بالحج مع عمرته لا يحل حتى يحل منهما جميعا وذكر تمام الحديث كما تقدم. والمقصود من إيراد هذا الحديث هاهنا قوله ﷺ من كان معه هدى فليهل بحج وعمرة. ومعلوم أنه ﵇ قد كان معه هدى فهو أول وأولى من ائتمر بهذا لأن المخاطب داخل في عموم متعلق خطابه على الصحيح. وأيضا فإنها قالت وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا يعنى بين الصفا والمروة. وقد روى مسلم عنها: أن رسول الله ﷺ إنما طاف بين الصفا والمروة طوافا واحدا فعلم من هذا أنه كان قد جمع بين الحج والعمرة. وقد روى مسلم من حديث حماد بن زيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: فكان الهدى مع النبي ﷺ وأبى بكر وعمر وذوى اليسار، وأيضا فأنها ذكرت أن رسول الله ﷺ لم يتحلل من النسكين فلم يكن متمتعا وذكرت أنها سألت رسول الله ﷺ أن يعمرها من التنعيم. وقالت يا رسول الله ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج فبعثها مع أخيها عبد الرحمن بن أبى بكر فأعمرها من التنعيم ولم يذكر أنه ﵇ اعتمر بعد حجته فلم يكن مفردا. فعلم أنه كان قارنا لأنه كان باتفاق الناس قد اعتمر في حجة الوداع والله أعلم. وقد تقدم ما رواه الحافظ البيهقي من طريق يزيد بن هارون عن زكريا بن أبى زائدة عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب أنه قال اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة فقالت عائشة لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج معها وقال البيهقي في الخلافيات. أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنبأنا أبو محمد (١) بن حبان الأصبهاني أنبأنا إبراهيم ابن شريك أنبأنا احمد بن يونس ثنا زهير ثنا أبو إسحاق عن مجاهد قال سئل ابن عمر كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ فقال مرتين فقالت: عائشة لقد علم ابن عمر أن رسول الله ﷺ اعتمر ثلاثا سوى العمرة التي قرنها مع حجة الوداع. ثم قال: البيهقي وهذا إسناد لا بأس به لكن فيه إرسال - مجاهد لم يسمع من عائشة في قول بعض المحدثين قلت كان شعبة ينكره وأما البخاري ومسلم فإنهما أثبتاه والله أعلم. وقد روى من حديث القاسم بن عبد الرحمن بن أبى بكر وعروة بن الزبير وغير واحد عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان معه الهدى عام حجة الوداع وفي أعمارها من التنعيم ومصادقتها له منهبطا على أهل مكة وبيتوته بالمحصب حتى صلى الصبح بمكة ثم رجع الى المدينة. وهذا كله مما يدل على أنه ﵇ لم يعتمر بعد حجته تلك ولم أعلم أحدا من الصحابة نقله. ومعلوم أنه لم يتحلل بين النسكين ولا روى أحد أنه ﵇ بعد طوافه بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة حلق ولا قصر ولا تحلل بل استمر على إحرامه باتفاق ولم ينقل أنه أهل بحج لما سار الى منى فعلم أنه لم يكن متمتعا. وقد اتفقوا على أنه ﵇ اعتمر عام حجه الوداع فلم يتحلل بين النسكين ولا

стр. 1553

أنشأ إحراما للحج ولا اعتمر بعد الحج فلزم القران وهذا مما يعسر الجواب عنه والله أعلم. وأيضا فان رواية القران مثبتة لما سكت عنه أو نفاه من روى الافراد والتمتع فهي مقدمة عليها كما هو مقرر في علم الأصول وعن أبى عمران أنه حج مع مواليه. قال: فأتيت أم سلمة فقلت يا أم المؤمنين إني لم أحج قط فأيهما أبدأ بالعمرة أم بالحج قالت ابدأ بأيهما شئت. قال ثم أتيت صفية أم المؤمنين فسألنها فقالت: لي مثل ما قالت لي ثم جئت أم سلمة فأخبرتها بقول صفية فقالت لي أم سلمة. سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا آل محمد من حج منكم فليهل بعمرة في حجة رواه ابن حبان في صحيحه وقد رواه ابن حزم في حجة الوداع من حديث الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن أسلم عن أبى عمران عن أم سلمة به. فصل إن قيل: قد رويتم عن جماعة من الصحابة أنه ﵇ أفرد الحج ثم رويتم عن هؤلاء بأعيانهم وعن غيرهم أنه جمع بين الحج والعمرة فما الجمع من ذلك (١) فالجواب: أن رواية من روى أنه أفرد الحج محمولة على أنه أفرد أفعال الحج ودخلت العمرة فيه نية وفعلا ووقتا وهذا يدل على أنه اكتفى بطواف الحج وسعيه عنه وعنها كما هو مذهب الجمهور في القارن خلافا لأبى حنيفة ﵀ حيث ذهب الى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين واعتمد على ما روى في ذلك عن على بن أبى طالب وفي الاسناد اليه نظر. وأما من روى التمتع ثم روى القران فقد قدمنا الجواب عن ذلك بأن التمتع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص والقران بل ويطلقونه على الاعتمار في أشهر الحج وإن لم يكن معه حج. كما قال: سعد بن أبى وقاص تمتعنا مع رسول الله ﷺ وهذا - يعنى معاوية - يومئذ كافر بالعرش - يعنى بمكة - وإنما يريد بهذا احدى العمرتين إما الحديبيّة أو القضاء فاما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية قد أسلم لأنها كانت بعد الفتح وحجة الوداع بعد ذلك سنة عشر وهذا بين واضح والله أعلم. فصل إن قيل: فما جوابها عن الحديث الّذي رواه أبو داود الطيالسي في مسندة. حدثنا هشام عن قتادة عن أبى سيح الهنائى واسمه صفوان بن خالد أن معاوية. قال: لنفر من أصحاب رسول الله ﷺ أتعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن صفف النمور قالوا اللهمّ نعم! قال. وأنا أشهد قال: أتعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا قالوا اللهمّ نعم! قال: أتعلمون أن رسول الله ﷺ

стр. 1554

نهى أن يقرن بين الحج والعمرة قالوا اللهمّ لا! قال: والله إنها لمعهن. وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا همام عن قتادة عن أبى سيح الهنائى قال: كنت في ملاء من أصحاب رسول الله ﷺ عند معاوية فقال: معاوية أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله نهى عن جلود النمور أن يركب عليها قالوا اللهمّ نعم! قال: وتعلمون أنه نهى عن لباس الذهب إلا مقطعا قالوا اللهمّ نعم! قال وتعلمون أنه نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة قالوا اللهمّ نعم! قال وتعلمون أنه نهى عن المتعة - يعنى متعة الحج - قالوا اللهمّ لا! وقال احمد ثنا محمد بن جعفر ثنا سعيد عن قتادة عن أبى سيح الهنائى أنه شهد معاوية وعنده جمع من أصحاب النبي ﷺ فقال لهم معاوية: أتعلمون أن رسول الله نهى عن ركوب جلود النمور قالوا نعم! قال: تعلمون أن رسول الله نهى عن لبس الحرير قالوا اللهمّ نعم! قال أتعلمون أن رسول الله نهى أن يشرب في آنية الذهب والفضة قالوا اللهمّ نعم! قال أتعلمون أن رسول الله نهى عن جمع بين حج وعمرة قالوا اللهمّ لا! قال فو الله إنها لمعهن. وكذا رواه حماد بن سلمة عن قتادة وزاد ولكنكم نسيتم وكذا رواه أشعث بن نزار وسعيد بن أبى عروبة وهمام عن قتادة بأصله. ورواه مطر الوراق وبهيس بن فهدان عن أبى سيح في متعة الحج. فقد رواه أبو داود والنسائي من طرق عن أبى سيح الهنائى به وهو حديث جيد الاسناد ويستغرب منه رواية معاوية ﵁ النهى عن الجمع بين الحج والعمرة ولعل أصل الحديث النهى عن المتعة فاعتقد الراويّ أنها متعة الحج وإنما هي متعة النساء ولم يكن عند أولئك الصحابة رواية في النهى عنها أو لعل النهى عن الاقران في التمر كما في حديث ابن عمر فاعتقد الراويّ أن المراد القران في الحج وليس كذلك أو لعل معاوية ﵁. قال إنما قال أتعلمون أنه نهي عن كذا فبناه بما لم يسم فاعله فصرح الراويّ بالرفع الى النبي ﷺ ووهم في ذلك فان الّذي كان ينهى عن متعة الحج إنما هو عمر بن الخطاب ﵁ ولم يكن نهيه عن ذلك على وجه التحريم والحتم كما قدمنا وانما كان ينهى عنها لتفرد عن الحج بسفر آخر ليكثر زيارة البيت وقد كان الصحابة ﵃ يهابونه كثيرا فلا يتجاسرون على مخالفته غالبا وكان ابنه عبد الله يخالفه فيقال له ان أباك كان ينهى عنها فيقول لقد خشيت أن يقع عليكم حجارة من السماء قد فعلها رسول الله ﷺ أفسنة رسول الله تتبع أم سنة عمر بن الخطاب وكذلك كان عثمان بن عفان ﵁ ينهى عنها وخالفه على بن أبى طالب كما تقدم. وقال لا أدع سنة رسول الله ﷺ لقول أحد من الناس. وقال عمران بن حصين تمتعنا مع رسول الله ﷺ ثم لم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها رسول الله ﷺ حتى مات أخرجاه في الصحيحين. وفي صحيح مسلم عن سعد أنه أنكر على معاوية إنكاره المتعة وقال قد فعلناها مع رسول الله ﷺ وهذا يومئذ كافر بالعرش يعنى معاوية أنه كان حين فعلوها مع رسول الله ﷺ كافرا بمكة يومئذ. قلت: وقد تقدم أنه ﵇ حج قارنا

стр. 1555

بما ذكرناه من الأحاديث الواردة في ذلك ولم يكن بين حجة الوداع وبين وفاة رسول الله ﷺ إلا أحد وثمانون يوما وقد شهد الحجة ما ينيف عن أربعين ألف صحابى قولا منه وفعلا فلو كان قد نهى عن القران في الحج الّذي شهده منه الناس لم ينفرد به واحد من الصحابة ويرده عليه جماعة منهم ممن سمع منه ولم يسمع فهذا كله مما يدل على أن هذا هكذا ليس محفوظا عن معاوية ﵁ والله أعلم. وقال أبو داود ثنا احمد بن صالح ثنا ابن وهب أخبرنى حيوة أخبرنى أبو عيسى الخراساني عن عبد الله بن القاسم خراسانى عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ أنى عمر ابن الخطاب فشهد أنه سمع رسول الله ﷺ في مرضه الّذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج وهذا الاسناد لا يخلو عن نظر ثم ان كان هذا الصحابي عن معاوية فقد تقدم الكلام على ذلك ولكن في هذا النهى عن المتعة لا القران. وان كان في غيره فهو مشكل في الجملة لكن لا على القران والله أعلم. ذكر مستند من قال: أنه ﵊ أطلق الإحرام ولم يعين حجا ولا عمرة أولا ثم بعد ذلك صرفه إلى معين وقد حكى عن الشافعيّ أنه الأفضل إلا أنه قول ضعيف. قال الشافعيّ ﵀: أنبأنا سفيان أنبأنا ابن طاوس وإبراهيم بن ميسرة وهشام بن حجير سمعوا طاوسا. يقول: خرج رسول الله ﷺ من المدينة لا يسمى حجا ولا عمرة ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة فأمر أصحابه من كان منهم من أهل بالحج ولم يكن معه هدى أن يجعلها عمرة. وقال: «لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى ولكن لبدت رأسي وسقت هديي فليس لي محل إلا محل هديي فقام اليه سراقة بن مالك. فقال: يا رسول الله اقض لنا قضاء كأنما ولدوا اليوم أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد. فقال رسول الله ﷺ : «بل للأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» قال: فدخل عليّ من اليمن فسأله النبي ﷺ بم أهللت؟ فقال: أحدهما لبيك إهلال النبي ﷺ . وقال الآخر: لبيك حجة النبي ﷺ وهذا مرسل طاوس وفيه غرابة وقاعدة الشافعيّ ﵀ أنه لا يقبل المرسل بمجرده حتى يعتضد بغيره اللهمّ إلا أن يكون عن كبار التابعين كما عول عليه كلامه في الرسالة لأن الغالب أنهم لا يرسلون إلا عن الصحابة والله أعلم وهذا المرسل ليس من هذا القبيل بل هو مخالف للأحاديث المتقدمة كلها أحاديث الافراد وأحاديث التمتع وأحاديث القران وهي مسندة صحيحة كما تقدم فهي مقدمة عليه ولأنها مثبتة أمرا نفاه هذا المرسل والمثبت مقدم على النافي لو تكافئا فكيف والمسند صحيح والمرسل من حيث لا ينهض حجة لانقطاع سنده والله تعالى أعلم: وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو العباس الأصم حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا محاضر حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. قالت: خرجنا مع رسول

стр. 1556

الله ﷺ لا نذكر حجا ولا عمرة فلما قدمنا أمرنا أن نحل فلما كانت ليلة النفر حاضت صفية بنت حيي. فقال النبي ﷺ : «حلقي عقرى» ما أراها إلا حابستكم. قال: هل كنت طفت يوم النحر قالت: نعم! قال: فانفرى. قالت قلت: يا رسول الله إني لم أكن أهللت قال: «فاعتمرى من التنعيم» قال فخرج معها أخوها قالت: فلقينا مدلجا. فقال: موعدكنّ كذا وكذا هكذا رواه البيهقي. وقد رواه البخاري عن محمد قيل هو ابن يحيى الذهلي عن محاضر بن المورع به إلا أنه. قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج وهذا أشبه بأحاديثها المتقدمة لكن روى مسلم عن سويد بن سعيد عن على بن مسهر عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر حجا ولا عمرة: وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث منصور عن إبراهيم عن الأسود عنها. قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نرى إلا أنه الحج وهذا أصح وأثبت والله أعلم. وفي رواية لها من هذا الوجه خرجنا نلبي ولا نذكر حجا ولا عمرة وهو محمول على أنهم لا يذكرون ذلك مع التلبية وإن كانوا قد سموه حال الإحرام كما في حديث أنس سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لبيك اللهمّ حجا وعمرة». وقال أنس: وسمعتهم يصرخون بهما جميعا. فأما الحديث الّذي رواه مسلم من حديث داود بن أبى هند عن أبى نضرة عن جابر وأبى سعيد الخدريّ. قالا: قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نصرخ بالحج صراخا فإنه حديث مشكل على هذا والله أعلم. ذكر تلبية رسول الله ﷺ قال الشافعيّ: أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن تلبية رسول الله ﷺ : «لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك، والملك لك لا شريك لك» وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك لك وسعديك، والخير في يديك لبيك، والرغباء إليك والعمل. ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك به. وقال مسلم حدثنا محمد بن عباد ثنا حاتم بن إسماعيل عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن نافع مولى عبد الله بن عمرو حمزة بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ : كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل، فقال: «لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لك لا شريك لك». قالوا: وكان عبد الله يقول في تلبية رسول الله. قال نافع: وكان عبد الله يزيد مع هذا لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك [لبيك] والرغباء إليك والعمل. حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله أخبرنى نافع عن ابن عمر قال تلقفت التلبية من رسول الله ﷺ فذكر بمثل حديثهم حدثني حرملة ابن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرنى يونس عن ابن شهاب. قال قال سالم بن عبد الله بن عمر أخبرنى

стр. 1557

عن أبيه. قال سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبيا (١) يقول: «لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» لا يزيد على هؤلاء الكلمات وان عبد الله ابن عمر كان يقول: كان رسول الله ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين فإذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات. وقال عبد الله بن عمر: كان عمر بن الخطاب يهل بإهلال النبي ﷺ من هؤلاء الكلمات وهو يقول: لبيك اللهمّ لبيك، وسعديك والخير في يديك لبيك والرغباء إليك والعمل. هذا لفظ مسلم وفي حديث جابر من التلبية كما في حديث ابن عمر وسيأتي مطولا قريبا رواه مسلم منفردا به. وقال البخاري بعد إيراده من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر ما تقدم حدثنا محمد بن يوسف ثنا سفيان عن الأعمش عن عمارة عن أبى عطية عن عائشة. قالت: إني لأعلم كيف كان النبي ﷺ يلبى: «لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك» تابعه أبو معاوية عن الأعمش وقال شعبة أخبرنا سليمان سمعت خيثمة عن أبى عطية سمعت عائشة تفرد به البخاري وقد رواه الامام احمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن سليمان بن مهران الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبى عطية الوادي عن عائشة فذكر مثل ما رواه البخاري سواء ورواه احمد عن أبى معاوية وعبد الله بن نمير عن الأعمش كما ذكره البخاري سواء ورواه أيضا عن محمد بن جعفر وروح بن عبادة عن شعبة عن سليمان بن مهران الأعمش به كما ذكره البخاري وكذلك رواه أبو داود الطيالسي في مسندة عن شعبة سواء وقال الامام احمد حدثنا محمد بن فضيل حدثنا الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبى عطية. قال قالت عائشة: إني لأعلم كيف كان رسول الله ﷺ يلبى. قال: ثم سمعتها تلبي. فقالت: لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. فزاد في هذا السياق وحده والملك لا شريك لك. وقال البيهقي أخبرنا الحاكم أنبأنا الأصم ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنبأنا ابن وهب أخبرنى عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة أن عبد الله بن الفضل حدثه عن عبد الرحمن الأعرج عن أبى هريرة. أنه قال: كان من تلبية رسول الله ﷺ : «لبيك إله الحق». وقد رواه النسائي عن قتيبة عن حميد بن عبد الرحمن عن عبد العزيز بن أبى سلمة وابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة وعلى بن محمد كلاهما عن وكيع عن عبد العزيز به. قال: النسائي ولا أعلم أحدا أسنده عن عبد الله ابن الفضل إلا عبد العزيز ورواه إسماعيل بن أمية مرسلا. وقال الشافعيّ أنبأنا سعيد بن سالم القداح عن ابن جريج أخبرنى حميد الأعرج عن مجاهد. أنه قال: كان النبي ﷺ يظهر من التلبية لبيك اللهمّ لبيك فذكر التلبية. قال حتى إذا كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه فزاد

стр. 1558

فيها لبيك ان العيش عيش الآخرة. قال ابن جريج وحسبت أن ذلك يوم عرفة. هذا مرسل من هذا الوجه. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا عبد الله الحافظ أخبرنى أبو احمد يوسف بن محمد بن محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ثنا نصر بن على الجهضمي ثنا محبوب بن الحسن ثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خطب بعرفات فلما. قال: لبيك اللهمّ لبيك. قال: إنما الخير خير الآخرة. وهذا إسناد غريب وإسناده على شرط السنن ولم يخرجوه. وقال الامام أحمد حدثنا روح ثنا اسامة بن زيد حدثني عبد الله بن أبى لبيد عن المطلب ابن عبد الله بن حنطب سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ أمرنى جبرائيل برفع الصوت في الإهلال فإنه من شعائر الحج. تفرد به احمد وقد رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن ابن وهب عن اسامة بن زيد عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وعبد الله بن أبى لبيد عن المطلب عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ فذكره وقد قال عبد الرزاق أخبرنا الثوري عن ابن أبى لبيد عن المطلب بن حنطب عن خلاد عن السائب عن زيد بن خالد. قال: جاء جبريل الى النبي ﷺ فقال مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنّها شعار الحج. وكذا رواه ابن ماجة عن على بن محمد عن وكيع عن الثوري به. وكذلك رواه شعبة وموسى بن عقبة عن عبد الله بن أبى لبيد به وقال الامام احمد حدثنا وكيع ثنا سليمان عن عبد الله بن أبى لبيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد الجهنيّ. قال قال رسول الله ﷺ جاءني جبرائيل فقال: يا محمد مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فأنها شعار الحج. قال شيخنا أبو الحجاج المزي في كتابه الاطراف. وقد رواه معاوية عن هشام وقبيصة عن سفيان الثوري عن عبد الله بن أبى لبيد عن المطلب عن خلاد بن السائب عن أبيه عن زيد بن خالد به. وقال احمد ثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبى بكر عن عبد الملك بن أبى بكر بن الحارث بن هشام عن خلاد بن السائب بن خلاد عن أبيه عن النبي ﷺ . قال أتانى جبرائيل فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالإهلال. وقال احمد قرأت على عبد الرحمن بن مهدي عن مالك وحدثنا روح ثنا مالك يعنى ابن أنس عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه أن رسول الله ﷺ . قال: أتانى جبرائيل فأمرنى أن آمر أصحابى - أو من معى - أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال - يريد أحدهما وكذلك رواه الشافعيّ عن مالك ورواه أبو داود عن القعنبي عن مالك به. ورواه الامام احمد أيضا من حديث ابن جريج والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبى بكر به. وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وقال الحافظ البيهقي

стр. 1559

ورواه ابن جريج. قال: كتب الى عبد الله بن أبى بكر فذكره ولم يذكر أبا خلاد في إسناده قال والصحيح رواية مالك وسفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبى بكر عن عبد الملك عن خلاد بن السائب عن أبيه عن النبي ﷺ كذلك قال البخاري وغيره كذا قال. وقد قال الامام احمد في مسندة: حدثنا السائب بن خلاد بن سويد أبى سهلة الأنصاري ثنا محمد بن بكر أنبأنا ابن جريج. وثنا روح ثنا ابن جريج. قال: كتب الى عبد الله بن أبى بكر محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك ابن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه السائب ابن خلاد. أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: أتانى جبرائيل فقال إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية والإهلال. وقال روح بالتلبية أو الإهلال. قال: لا أدرى أينا وهل أنا أو عبد الله أو خلاد في الإهلال أو التلبية هذا لفظ احمد في مسندة. وكذلك ذكره شيخنا في أطرافه عن ابن جريج كرواية مالك وسفيان بن عيينة فالله أعلم. فصل في إيراد حديث جابر بن عبد الله ﵁ في حجة رسول الله ﷺ وهو وحده منسك مستقل رأينا أن إيراده هاهنا أنسب لتضمنه التلبية وغيرها كما سلف وما سيأتي فنورد طرقه وألفاظه ثم نتبعه بشواهده من الأحاديث الواردة في معناه وبالله المستعان. قال: الامام احمد حدثنا يحيى بن سعيد ثنا جعفر بن محمد حدثني أبى. قال: أتينا جابر بن عبد الله وهو في بنى سلمة فسألناه عن حجة رسول الله ﷺ فحدثنا أن رسول الله ﷺ مكث في المدينة تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس أن رسول الله ﷺ حاج في هذا العام. قال: فنزل المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويفعل ما يفعل فخرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة وخرجنا معه حتى إذا أتى ذا الحليفة نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبى بكر فأرسلت الى رسول الله ﷺ كيف أصنع قال اغتسلي ثم استثفري بثوب ثم أهلي فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد لبيك اللهمّ لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. ولبى الناس والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي ﷺ يسمع فلم يقل لهم شيئا فنظرت مد بصرى بين يدي رسول الله ﷺ من راكب وماش ومن خلفه كذلك وعن يمينه مثل ذلك وعن شماله مثل ذلك. قال: جابر ورسول الله ﷺ بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء علمناه فخرجنا لا ننوى إلا الحج حتى إذا أتينا الكعبة فاستلم نبي الله ﷺ الحجر الأسود ثم رمل ثلاثة ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد الى مقام إبراهيم فصلى خلفه

стр. 1560

ركعتين ثم قرأ ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: احمد وقال أبو عبد الله - يعنى جعفر - فقرأ فيهما بالتوحيد وقل يا أيها الكافرون ثم استلم الحجر وخرج الى الصفا ثم قرأ ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾. ثم قال: نبدأ بما بدأ الله به فرقى على الصفا حتى إذا نظر الى البيت كبر. ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده وصدق وعده وهزم - أو غلب - الأحزاب وحده. ثم دعا ثم رجع الى هذا الكلام ثم نزل حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى حتى إذا أتى المروة فرقى عليها حتى نظر الى البيت فقال عليها كما قال على الصفا فلما كان السابع عند المروة. قال: يا أيها الناس إني لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة فمن لم يكن معه هدى فليحل وليجعلها عمرة. فحل الناس كلهم فقال سراقة بن مالك بن جعثم وهو في أسفل الوادي يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد فشبك رسول الله ﷺ أصابعه فقال للأبد ثلاث مرات. ثم قال: دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة. قال وقدم عليّ من اليمن بهدى وساق رسول الله ﷺ معه من هدى المدينة هديا فإذا فاطمة قد حلت ولبست ثيابا صبيغا (١) واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت: أمرنى به أبى. قال قال على بالكوفة: قال جعفر قال الى هذا الحرف لم يذكره جابر فذهبت محرشا أستفتى رسول الله ﷺ في الّذي ذكرت فاطمة قلت إن فاطمة لبست ثيابا صبيغا واكتحلت وقالت أمرنى أبى. قال: صدقت صدقت أنا أمرتها به. وقال جابر وقال لعلى بم؟ أهللت: قال قلت: اللهمّ إني أهل بما أهل به رسولك قال ومعى الهدى قال فلا تحل. قال: وكان جماعة الهدى الّذي أتى به عليّ من اليمن والّذي أتى به رسول الله ﷺ مائة فنحر رسول الله ﷺ بيده ثلاثا وستين ثم أعطى عليا فنحر ما غبر (٢) وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم قال رسول الله قد نحرت هاهنا ومنى كلها منحر ووقف بعرفة فقال وقفت هاهنا. وعرفة كلها موقف ووقف بالمزدلفة. وقال وقفت هاهنا. والمزدلفة كلها موقف. هكذا أورد الامام احمد هذا الحديث وقد اختصر آخره جدا. ورواه الامام مسلم بن الحجاج في المناسك من صحيحه عن أبى بكر بن أبى شيبة وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب عن أبيه عن جابر بن عبد الله فذكره. وقد أعلمنا على الزيادات المتفاوتة من سياق احمد ومسلم الى قوله ﵇ لعلى صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج. قال قلت: اللهمّ إني أهل بما أهل به رسولك ﷺ . قال [على]: فان معى الهدى. قال: فلا تحل قال فكان جماعة الهدى الّذي قدم به على من اليمن والّذي أتى به رسول الله ﷺ مائة. قال: فحل الناس كلهم

стр. 1561

وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدى فلما كان يوم التروية توجهوا الى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة له من شعر فضربت له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس. وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أضع من دمائنا دم ابن (١) ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل. ورباء الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله واتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهم أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده ان اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها الى السماء وينكتها الى الناس (٢) اللهمّ اشهد اللهمّ اشهد ثلاث مرات. ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصوى الى الصخرات وجعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وأردف اسامة بن زيد خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق القصواء الزمام حتى أن رأسها لتصيب مورك رجله ويقول بيده اليمنى. أيها الناس السكينة السكينة. كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان واقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا فحمد الله وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ودفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن العباس وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول الله ﷺ مرت ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل فحول الفضل يده الى الشق الآخر فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى إذا أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع

стр. 1562

حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف الى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض الى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بنى عبد المطلب وهم يستقون على زمزم فقال أنزعوا بنى عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم. فناولوه دلوا فشرب منه. ثم رواه مسلم عن عمر بن حفص عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر فذكره بنحوه. وذكر قصة أبى سنان وأنه كان يدفع بأهل الجاهلية على حمار عرى وأن رسول الله ﷺ . قال: نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف. وقد رواه أبو داود بطوله عن النفيلى وعثمان بن أبى شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن وربما زاد بعضهم على بعض الكلمة والشيء أربعتهم عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بنحو من رواية مسلم وقد رمزنا لبعض زياداته عليه ورواه أبو داود أيضا والنسائي عن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى بن سعيد القطان عن جعفر به ورواه النسائي أيضا عن محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد ببعضه عن إبراهيم بن هارون البلخي عن حاتم بن إسماعيل ببعضه. ذكر الأماكن التي صلى فيها رسول الله ﷺ وهو ذاهب من المدينة الى مكة في عمرته وحجته قال البخاري باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ حدثنا محمد ابن أبى بكر المقدمي قال ثنا فضيل بن سليمان قال ثنا موسى بن عقبة. قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلى فيها وأنه رأى النبي ﷺ يصلى في تلك الأمكنة. وحدثني نافع عن ابن عمر ﵄ أنه كان يصلى في تلك الأمكنة وسألت سالما فلا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء قال حدثنا إبراهيم بن المنذر ثنا أنس بن عياض قال ثنا موسى بن عقبة عن نافع أن عبد الله أخبره أن رسول الله ﷺ كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الّذي بذي الحليفة وكان إذا رجع من غزو كان في تلك الطريق أو في حج أو عمرة هبط من بطن واد فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية فعرس ثمّ حتى يصبح ليس عند المسجد الّذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد كان ثم خليج يصلى عبد الله عنده في بطنه كثب كان رسول الله ﷺ ثم يصلى فدحا السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الّذي كان

стр. 1563

عبد الله يصلى فيه، وان عبد الله بن عمر حدثه أن النبي ﷺ صلى حيث المسجد الصغير الّذي دون المسجد الّذي بشرف الروحاء وقد كان عبد الله يعلم المكان الّذي كان صلى فيه النبي ﷺ يقول: ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلى وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى وأنت ذاهب الى مكة بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر أو نحو ذلك، وان ابن عمر كان يصلى الى العرق الّذي عند منصرف الروحاء وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق دون المسجد الّذي بينه وبين المنصرف وأنت ذاهب الى مكة، وقد ابتنى ثم مسجد فلم يكن عبد الله يصلى في ذلك المسجد كان يتركه عن يساره ووراءه ويصلى أمامه الى العرق نفسه، وكان عبد الله يروح من الروحاء فلا يصلى الظهر حتى يأتى ذلك المكان فيصلي فيه الظهر وإذا أقبل من مكة فان مر به قبل الصبح بساعة أو من آخر السحر عرس حتى يصلى بها الصبح، وأن عبد الله حدثه أن النبي ﷺ كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق ووجاه الطريق في مكان بطح سهل حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها وهي قائمة على ساق وفي ساقها كثب كثيرة. وان عبد الله بن عمر حدثه أن النبي ﷺ صلى في طرف تلعة من وراء العرج وأنت ذاهب الى هضبة عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة على القبور رضم من حجارة عن يمين الطريق عند سلمات الطريق بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة فيصلي الظهر في ذلك المسجد. وان عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله ﷺ نزل عند سرحات عن يسار الطريق في مسيل دون هرشى ذلك المسيل لاصق بكراع هرشى بينه وبين الطريق قريب من غلوة وكان عبد الله يصلى الى سرحة هي أقرب السرحات الى الطريق وهي أطولهن. وان عبد الله ابن عمر حدثه أن رسول الله ﷺ كان ينزل في المسيل الّذي في أدنى مر الظهران قبل المدينة حين يهبط من الصفراوات ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق وأنت ذاهب الى مكة ليس بين منزل رسول الله ﷺ وبين الطريق إلا رمية بحجر، وان عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله ﷺ كان ينزل بذي طوى ويبيت حتى يصبح يصلى الصبح حين يقدم مكة ومصلى رسول الله ﷺ ذلك على أكمة غليظة ليس في المسجد الّذي بنى ثم ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة. وأن عبد الله حدثه أن رسول الله ﷺ استقبل فرضتى الجبل الّذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة فجعل المسجد الّذي بنى ثم يسار المسجد بطرف الأكمة ومصلى النبي ﷺ أسفل منه على الأكمة السوداء تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها ثم تصلى مستقبل الفرضتين من الجبل الّذي بينك وبين الكعبة. تفرد البخاري ﵀ بهذا الحديث بطوله وسياقه إلا أن مسلما روى منه عند قوله في آخره وأن عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله ﷺ كان ينزل بذي طوى الى آخر الحديث عن

стр. 1564

محمد بن إسحاق المسيبي عن أنس بن عياض عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر فذكره. وقد رواه الامام احمد بطوله عن أبى قرة موسى بن طارق عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر به نحوه. وهذه الأماكن لا يعرف اليوم كثير منها أو أكثرها لأنه قد غير أسماء أكثر هذه البقاع اليوم عند هؤلاء الأعراب الذين هناك فان الجهل قد غلب على أكثرهم. وانما أوردها البخاري ﵀ في كتابه لعل أحدا يهتدى اليها بالتأمل والتفرس والتوسم أو لعل أكثرها أو كثيرا منها كان معلوما في زمان البخاري والله تعالى أعلم. باب دخول النبي ﷺ الى مكة شرفها الله قال البخاري حدثنا مسدد ثنا يحيى بن عبد الله حدثني نافع عن ابن عمر. قال: بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح ثم دخل مكة وكان ابن عمر يفعله. ورواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان به. وزاد حتى صلى الصبح أو قال حتى أصبح. وقال مسلم ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله. ورواه البخاري من حديث حماد بن زيد عن أيوب به. ولهما من طريق أخرى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى وذكره. وتقدم آنفا ما أخرجاه من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يبيت بذي طوى حتى يصبح فيصلي الصبح حين يقدم مكة ومصلى رسول الله ﷺ عند أكمة غليظة وأن رسول الله ﷺ استقبل فرضتى الجبل الّذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة فجعل المسجد الّذي بنى ثم يسار المسجد بطرف الأكمة ومصلى رسول الله ﷺ أسفل منه على الأكمة السوداء يدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها ثم يصلى مستقبل الفرضتين من الجبل الّذي بينك وبين الكعبة. أخرجاه في الصحيحين. وحاصل هذا كله أنه ﵇ لما انتهى في مسيره إلى ذي طوى وهو قريب من مكة متاخم للحرم أمسك عن التلبية لأنه قد وصل الى المقصود وبات بذلك المكان حتى أصبح فصلى لك الصبح في المكان الّذي وصفوه بين فرضتى الجبل الطويل لك. ومن تأمل هذه الأماكن المشار اليها بعين البصيرة عرفها معرفة جيدة وتعين له المكان الّذي صلى فيه رسول الله ﷺ . ثم اغتسل صلوات الله وسلامه عليه لأجل دخول مكة ثم ركب ودخلها نهارا جهرة علانية من الثنية العليا التي بالبطحاء. ويقال كذا ليراه الناس ويشرف عليهم وكذلك دخل منها يوم الفتح كما ذكرناه، قال مالك عن نافع عن

стр. 1565

ابن عمر إن رسول الله ﷺ دخل مكة من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى أخرجاه في الصحيحين من حديثه ولهما من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ دخل مكة من الثنية العليا التي في البطحاء وخرج من الثنية السفلى. ولهما أيضا من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مثل ذلك. ولما وقع بصره ﵇ على البيت. قال: ما رواه الشافعيّ في مسندة أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال اللهمّ زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من شرّفه وكرمه فمن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا. قال الحافظ البيهقي هذا منقطع وله شاهد مرسل عن سفيان الثوري عن أبى سعيد الشامي عن مكحول. قال كان النبي ﷺ إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبر وقال: اللهمّ أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام، اللهمّ زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرا وزد من حجه أو اعتمره تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا. وقال الشافعيّ أنبأنا سعيد بن سالم عن ابن جريج قال: حدثت عن مقسم عن ابن عباس عن النبي ﷺ . قال: ترفع الأيدي في الصلاة وإذا رأى البيت وعلى الصفا والمروة وعشية عرفة وبجمع وعند الجمرتين وعلى الميت. قال الحافظ البيهقي وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس وعن نافع عن ابن عمر مرة موقوفا عليهما ومرة مرفوعا الى النبي ﷺ دون ذكر الميت. قال وابن أبى ليلى هذا غير قوى. ثم أنه ﵇ دخل المسجد من باب بنى شيبة قال الحافظ البيهقي روينا عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح قال يدخل المحرم من حيث شاء. قال: ودخل النبي ﷺ من باب بنى شيبة وخرج من باب بنى مخزوم الى الصفا. ثم قال البيهقي: وهذا مرسل جيد. وقد استدل البيهقي على استحباب دخول المسجد من باب بنى شيبة بما رواه من طريق أبى داود الطيالسي ثنا حماد بن سلمة وقيس بن سلام كلهم عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن على ﵁. قال لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب، فدخل رسول الله ﷺ من باب بنى شيبة فأمر رسول الله ﷺ بثوب فوضع الحجر في وسطه وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه وأخذه رسول الله ﷺ فوضعه وقد ذكرنا هذا مبسوطا في باب بناء الكعبة قبل البعثة. وفي الاستدلال على استحباب الدخول من باب بنى شيبة بهذا نظر والله أعلم. صفة طوافه صلوات الله وسلامه عليه قال البخاري حدثنا أصبغ بن الفرج عن ابن وهب أخبرنى عمرو بن محمد عن محمد بن عبد الرحمن. قال ذكرت لعروة قال أخبرتنى عائشة: أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي ﷺ أنه

стр. 1566

توضأ ثم طاف ثم لم تكن عمرة ثم حج أبو بكر وعمر مثله. ثم حججت مع أبى الزبير فأول شيء بدأ به الطواف. ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلونه. وقد أخبرتنى أمى أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة فلما مسحوا الركن حلوا. هذا لفظه. وقد رواه في موضع آخر عن احمد بن عيسى ومسلم عن هارون بن سعيد ثلاثتهم عن ابن وهب به. وقولها ثم لم تكن عمرة يدل على أنه ﵇ لم يتحلل بين النسكين ثم كان أول ما ابتدأ به ﵇ استلام الحجر الأسود قبل الطواف كما قال جابر: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا. وقال البخاري ثنا محمد ابن كثير ثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة عن عمر أنه جاء إلى الحجر فقبله وقال إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وأبى بكر بن أبى شيبة وزهير بن حرب وابن أبى نمير جميعا عن أبى معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. وقال الامام احمد حدثنا محمد بن عبيد وأبو معاوية. قالا: حدثنا الأعمش عن إبراهيم بن عابس بن ربيعة. قال: رأيت عمر أتى الحجر فقال أما والله لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك ثم دنا فقبله. فهذا السياق يقتضي أنه قال ما قال ثم قبله بعد ذلك بخلاف سياق صاحبي الصحيح فالله أعلم. وقال احمد ثنا وكيع ويحيى واللفظ لوكيع عن هشام عن أبيه أن عمر بن الخطاب أتى الحجر فقال إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك وقال ثم قبله. وهذا منقطع بين عروة بن الزبير وبين عمر. وقال البخاري أيضا ثنا سعيد بن أبى مريم ثنا محمد بن جعفر بن أبى كثير أخبرنى زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب. قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله ﷺ استلمك ما استلمتك فاستلمه. ثم قال وما لنا والرمل إنما كنا راءينا به المشركين ولقد أهلكهم الله. ثم قال: شيء صنعه رسول الله ﷺ فلا نحب أن نتركه. وهذا يدل على أن الاستلام تأخر عن القول. وقال البخاري ثنا احمد بن سنان ثنا يزيد بن هارون ثنا ورقاء ثنا زيد بن أسلم عن أبيه. قال: رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وقال لولا أنى رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. وقال مسلم بن الحجاج ثنا حرملة ثنا ابن وهب أخبرنى يونس هو - ابن يزيد الأيلي - وعمرو - هو - ابن دينار. وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي أنبأنا ابن وهب أخبرنى عمرو عن ابن شهاب عن سالم أن أباه حدثه أنه قال قبل عمر بن الخطاب الحجر. ثم قال: أما والله لقد علمت أنك حجر ولولا أنى رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. زاد هارون في روايته قال عمرو وحدثني بمثلها زيد بن أسلم عن أبيه أسلم - يعنى -

стр. 1567

عن عمر به. وهذا صريح في أن التقبيل يقدم على القول فالله أعلم. وقال الامام احمد ثنا عبد الرزاق أنبأنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر أن عمر قبل الحجر. ثم قال: قد علمت أنك حجر ولولا أنى رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك. هكذا رواه الامام احمد. وقد أخرجه مسلم في صحيحه عن محمد بن أبى بكر المقدمي عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر قبل الحجر وقال: إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ولكنى رأيت رسول الله ﷺ يقبلك. ثم قال: مسلم ثنا خلف ابن هشام والمقدمي وأبو كامل وقتيبة كلهم عن حماد قال خلف ثنا حماد بن زيد عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس. قال: رأيت الأصلع - يعنى - عمر يقبل الحجر ويقول والله إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. وفي رواية المقدمي وأبى كامل رأيت الأصلع وهذا من أفراد مسلم دون البخاري وقد رواه الامام احمد عن أبى معاوية عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس به. ورواه احمد أيضا عن غندر عن شعبة عن عاصم الأحول به. وقال الامام احمد ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن إبراهيم ابن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة قال رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكنى رأيت أبا القاسم ﷺ بك حفيا. ثم رواه احمد عن وكيع عن سفيان الثوري به. وزاد فقبله والتزمه وهكذا رواه مسلم من حديث عبد الرحمن بن مهدي بلا زيادة. ومن حديث وكيع بهذه الزيادة قبّل الحجر والتزمه. وقال رأيت رسول الله ﷺ بك حفيا. وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا وهيب ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن عمر ابن الخطاب أكب على الركن: وقال إني لأعلم أنك حجر ولو لم أر حبيبي ﷺ قبلك واستلمك ما استلمتك ولا قبلتك ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وهذا إسناد جيد قوى ولم يخرجوه وقال أبو داود الطيالسي ثنا جعفر بن عثمان القرشي من أهل مكة قال رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه. ثم قال: رأيت خالك ابن عباس قبله وسجد عليه. وقال ابن عباس رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه. ثم قال عمر لو لم أر النبي ﷺ قبله ما قبلته. وهذا أيضا إسناد حسن ولم يخرجه إلا النسائي عن عمرو بن عثمان عن الوليد بن مسلم عن حنظلة بن أبى سفيان عن طاوس عن ابن عباس عن عمر فذكر نحوه. وقد روى هذا الحديث عن عمر الامام احمد أيضا من حديث يعلى بن أمية عنه. وأبو يعلى الموصلي في مسندة من طريق هشام بن حشيش (١) بن الأشقر عن عمر. وقد أوردنا ذلك كله بطرقه وألفاظه وعزوه وعلله في الكتاب الّذي جمعناه في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ولله الحمد والمنة. وبالجملة فهذا الحديث مروى من طرق

стр. 1568

متعددة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وهي تفيد القطع عند كثير من أئمة هذا الشأن وليس في هذه الروايات أنه ﵇ سجد على الحجر إلا ما أشعر به رواية أبى داود الطيالسي عن جعفر بن عثمان وليست صريحة في الرفع. ولكن رواه الحافظ البيهقي من طريق أبى عاصم النبيل ثنا جعفر بن عبد الله. قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه ثم قال: رأيت خالك ابن عباس قبله وسجد عليه. وقال ابن عباس رأيت عمر قبله وسجد عليه. ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هكذا ففعلت. وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو الحسن على بن احمد بن عبدان أنبأنا الطبراني أنبأنا أبو الزنباع ثنا يحيى بن سليمان الجعفي ثنا يحيى بن يمان ثنا سفيان بن أبى حسين عن عكرمة عن ابن عباس. قال: رأيت رسول الله ﷺ سجد على الحجر. قال الطبراني لم يروه عن سفيان إلا يحيى بن يمان. وقال البخاري ثنا مسدد ثنا حماد عن الزبير ابن عربي قال سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر. قال: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله قال أرأيت إن زحمت أرأيت إن غلبت؟ قال اجعل أرأيت باليمن. رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله تفرد به دون مسلم وقال البخاري ثنا مسدد ثنا يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال ما تركت استلام هذين الركنين في شدة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما فقلت لنافع أكان ابن عمر يمشى بين الركنين قال إنما كان يمشى ليكون أيسر لاستلامه. وروى أبو داود والنسائي من حديث يحيى بن سعيد القطان عن عبد العزيز بن أبى رواد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ «كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفه». وقال. البخاري ثنا أبو الوليد ثنا ليث عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه. قال: لم أر النبي ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وقتيبة عن الليث بن سعد به. وفي رواية عنه أنه قال ما أرى النبي ﷺ ترك استلام الركنين الشاميين إلا أنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم. وقال البخاري وقال محمد بن بكر أنبأنا ابن جريج أخبرنى عمرو بن دينار عن أبى الشعثاء أنه قال: ومن يتقى شيئا من البيت. وكان معاوية يستلم الأركان فقال له ابن عباس إنه لا يستلم هذان الركنان فقال له ليس من البيت شيء مهجورا وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن. انفرد بروايته البخاري رحمه الله تعالى. وقال مسلم في صحيحه حدثني أبو الطاهر ثنا ابن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث أن قتادة بن دعامة حدثه أن أبا الطفيل البكري حدثه أنه سمع ابن عباس يقول لم أر رسول الله ﷺ يستلم غير الركنين اليمانيين. انفرد به مسلم فالذي رواه ابن عمر موافق لما قاله ابن عباس أنه لا يستلم الركنان الشاميان لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم لأن قريشا قصرت بهم النفقة فأخرجوا الحجر من البيت حين بنوه كما تقدم بيانه. وود النبي ﷺ أن لو بناه فتممه على قواعد إبراهيم

стр. 1569

ولكن خشي من حداثة عهد الناس بالجاهلية فتنكره قلوبهم فلما كانت إمرة عبد الله بن الزبير هدم الكعبة وبناها على ما أشار اليه ﷺ كما أخبرته خالته أم المؤمنين عائشة بنت الصديق. فان كان ابن الزبير استلم الأركان كلها بعد بنائه إياها على قواعد إبراهيم فحسن جدا وهو والله المظنون به. وقال: أبو داود ثنا مسدد ثنا يحيى عن عبد العزيز بن أبى رواد عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ «لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوافه» ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن يحيى وقال النسائي ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ثنا يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج عن يحيى بن عبيد عن أبيه عن عبد الله بن السائب. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: بين الركن اليماني والحجر ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾. ورواه أبو داود عن مسدد عن عيسى بن يونس عن ابن جريج به. وقال الترمذي ثنا محمود بن غيلان ثنا يحيى بن آدم ثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. قال: لما قدم النبي ﷺ مكة دخل المسجد فاستلم الحجر ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم أتى المقام فقال ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى الحجر بعد الركعتين فاستلمه ثم خرج إلى الصفا أظنه. قال: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم. وهكذا رواه إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم. ورواه الطبراني عن النسائي وغيره عن عبد الأعلى بن واصل عن يحيى بن آدم به. ذكر رمله ﵊ في طوافه واضطباعه قال البخاري حدثنا أصبغ بن الفرج أخبرنى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه. قال: رأيت رسول الله ﷺ حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أشواط من السبع. ورواه مسلم عن أبى الطاهر بن السرح وحرملة كلاهما عن ابن وهب به. وقال البخاري ثنا محمد بن سلام ثنا شريح بن النعمان ثنا فليح عن نافع عن ابن عمر. قال: سعى النبي ﷺ ثلاثة أشواط ومشى أربعة في الحج والعمرة تابعه الليث. حدثني كثير بن فرقد عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ انفرد به البخاري. وقد روى النسائي عن محمد وعبد الرحمن ابني عبد الله بن عبد الحكم كلاهما عن شعيب بن الليث عن أبيه الليث بن سعد عن كثير بن فرقد عن نافع عن ابن عمر به. وقال البخاري ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا أبو ضمرة أنس بن عياض ثنا موسى بن عقبة عن نافع عن عبد الله بن عمر. أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة ثم سجد سجدتين ثم يطوف بين الصفا والمروة. ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة. وقال البخاري ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا أنس عن عبيد الله بن عمر عن

стр. 1570

نافع عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ : «كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف ويمشى أربعة، وأنه كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة». ورواه مسلم من حديث عبيد الله بن عمر قال مسلم أنبأنا عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي أنبأنا ابن المبارك أنبأنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. قال: رمل رسول الله ﷺ من الحجر الى الحجر ثلاثا ومشى أربعا. ثم رواه من حديث سليم بن أخضر عن عبيد الله بنحوه. وقال مسلم أيضا حدثني أبو طاهر حدثني عبد الله ابن وهب أخبرنى مالك وابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله. أن رسول الله ﷺ : رمل ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر. وقال: عمر بن الخطاب فيم الرملان (١) والكشف عن المناكب، وقد أطد الله الإسلام ونفى الكفر ومع ذلك لا نترك شيئا كنا نفعله مع رسول الله ﷺ . رواه احمد وأبو داود وابن ماجة والبيهقي من حديث هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن أبيه عنه. وهذا كله رد على ابن عباس ومن تابعه من أن المرسل ليس بسنة لأن رسول الله إنما فعله لما قدم هو وأصحابه صبيحة رابعة - يعنى في عمرة القضاء - وقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم رسول الله ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا خشية الإبقاء عليهم. وهذا ثابت عنه في الصحيحين وتصريحه لعذر سببه في صحيح مسلم أظهر فكان ابن عباس ينكر وقوع الرمل في حجة الوداع. وقد صح بالنقل الثابت كما تقدم بل فيه زيادة تكميل الرمل من الحجر الى الحجر ولم يمش ما بين الركنين اليمانيين لزوال تلك العلة المشار اليها وهي الضعف. وقد ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس أنهم رملوا في عمرة الجعرانة واضطبعوا وهو رد عليه فإن عمرة الجعرانة لم يبق في أيامها خوف لأنها بعد الفتح كما تقدم. رواه حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت واضطبعوا ووضعوا أرديتهم تحت آباطهم وعلى عواتقهم. ورواه أبو داود من حديث حماد بنحوه. ومن حديث عبد الله بن خثيم عن أبى الطفيل عن ابن عباس به فأما الاضطباع في حجة الوداع فقد قال قبيصة والفريابي عن سفيان الثوري عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة عن يعلى بن أمية عن أمية. قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت مضطبعا. رواه الترمذي من حديث الثوري وقال حسن صحيح. وقال أبو داود ثنا محمد بن كثير ثنا سفيان عن ابن جريج عن ابن يعلى عن أبيه. قال: طاف رسول الله مضطبعا برداء أخضر. وهكذا رواه الامام احمد عن وكيع عن الثوري عن ابن جريج عن ابن يعلى عن أبيه. أن النبي ﷺ لما قدم طاف بالبيت وهو مضطبع ببرد له أخضر.

стр. 1571

وقال جابر في حديثه المتقدم حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا. ثم تقدم الى مقام إبراهيم فقرأ ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت فذكر أنه صلى ركعتين قرأ فيهما قل هو الله أحد. وقل يا أيها الكافرون فان قيل فهل كان ﵇ في هذا الطواف راكبا أو ماشيا؟ فالجواب أنه قد ورد نقلان قد يظن أنهما متعارضان ونحن نذكرهما ونشير إلى التوفيق بينهما ورفع اللبس عند من يتوهم فيهما تعارضا وبالله التوفيق وعليه الاستعانة وهو حسبنا ونعم الوكيل. قال البخاري ﵀ حدثنا احمد بن صالح ويحيى بن سليمان قالا ثنا ابن وهب أخبرنى يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس. قال: طاف النبي ﷺ على بعيره في حجة الوداع يستلم الركن بمحجن. وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عن ابن وهب. قال البخاري تابعه الدراوَرْديّ عن ابن أخى الزهري عن عمه. وهذه المتابعة غريبة جدا. وقال البخاري ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الوهاب ثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس. قال طاف النبي ﷺ بالبيت على بعير كلما أتى الركن أشار اليه. وقد رواه الترمذي من حديث عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وعبد الوارث كلاهما عن خالد بن مهران الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس. قال طاف رسول الله ﷺ على راحلته فإذا انتهى إلى الركن أشار اليه. وقال حسن صحيح ثم قال البخاري ثنا مسدد ثنا خالد بن عبد الله عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال طاف النبي ﷺ بالبيت على بعير فلما أتى الركن أشار اليه بشيء كان عنده وكبر. تابعه إبراهيم بن طهمان عن خالد الحذاء. وقد أسند هذا التعليق ها هنا في كتاب الطواف عن عبد الله بن محمد عن أبى عامر عن إبراهيم بن طهمان به. وروى مسلم عن الحكم بن موسى عن شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ طاف في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن كراهية أن يضرب عنه الناس. فهذا إثبات أنه ﵇ طاف في حجة الوداع على بعير ولكن حجة الوداع كان فيها ثلاثة أطواف الأول طواف القدوم والثاني طواف الافاضة وهو طواف الفرض وكان يوم النحر والثالث طواف الوداع فلعل ركوبه ﷺ كان في أحد الآخرين أو في كليهما. فأما الأول وهو طواف القدوم فكان ماشيا فيه. وقد نص الشافعيّ على هذا كله والله أعلم وأحكم. والدليل على ذلك ما قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه السنن الكبير أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنى أبو بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى ثنا الفضل بن محمد بن المسيب ثنا نعيم بن حماد ثنا عيسى بن يونس عن محمد بن إسحاق هو - ابن يسار ﵀ عن أبى جعفر وهو محمد بن على ابن الحسين عن جابر بن عبد الله قال: دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى فأتى النبي ﷺ باب المسجد فأناخ راحلته ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه وفاضت عيناه بالبكاء ثم رمل ثلاثا ومشى

стр. 1572

أربعا حتى فرغ فلما فرغ قبل الحجر ووضع يده عليه ومسح بهما وجهه. وهذا إسناد جيد. فأما ما رواه أبو داود حدثنا مسدد ثنا خالد بن عبد الله ثنا يزيد بن أبى زياد عن عكرمة عن ابن عباس. أن رسول الله ﷺ قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته فلما أتى على الركن استلمه بمحجن فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين. تفرد به يزيد بن أبى زياد وهو ضعيف. ثم لم يذكر أنه في حجة الوداع ولا ذكر أنه في الطواف الأول من حجة الوداع ولم يذكر ابن عباس في الحديث الصحيح عنه عند مسلم. وكذا جابر أن النبي ﷺ ركب في طوافه لضعفه. وإنما ذكر لكثرة الناس وغشيانهم له وكان لا يحب أن يضربوا بين يديه كما سيأتي تقريره قريبا إن شاء الله. ثم هذا التقبيل الثاني الّذي ذكره ابن إسحاق في روايته بعد الطواف وبعد ركعتيه أيضا ثابت في صحيح مسلم من حديث جابر. قال: فيه بعد ذكر صلاة ركعتي الطواف ثم رجع إلى الركن فاستلمه. وقد قال مسلم بن الحاج في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وابن نمير جميعا عن أبى خالد قال أبو بكر حدثنا أبو خالد الأحمر عن عبيد الله عن نافع. قال: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده قال وما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله. فهذا يحتمل أنه رأى رسول الله ﷺ في بعض الطوافات أو في آخر استلام فعل هذا لما ذكرنا. أو أن ابن عمر لم يصل الى الحجر لضعف كان به أو لئلا يزاحم غيره فيحصل لغيره أذى به. وقد قال رسول الله ﷺ لوالده ما رواه احمد في مسندة حدثنا وكيع ثنا سفيان عن أبى يعفور العبديّ. قال: سمعت شيخا بمكة في إمارة الحجاج يحدث عن عمر بن الخطاب. أن رسول الله ﷺ قال له: يا عمر إنك رجل قوى لا تزاحم على الحجر فتؤذى الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وكبر. وهذا إسناد جيد لكن راويه عن عمر مهم لم يسم والظاهر أنه ثقة جليل. فقد رواه الشافعيّ عن سفيان بن عيينة عن أبى يعفور العبديّ واسمه وقدان سمعت رجلا من خزاعة حين قتل ابن الزبير وكان أميرا على مكة يقول: قال رسول الله لعمر يا أبا حفص إنك رجل قوى فلا تزاحم على الركن فإنك تؤذى الضعيف ولكن إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فكبر وامض. قال سفيان بن عيينة هو عبد الرحمن بن الحارث كان الحجاج استعمله عليها منصرفه منها حين قتل ابن الزبير. قلت وقد كان عبد الرحمن هذا جليلا نبيلا كبير القدر وكان أحد النفر الأربعة الذين ندبهم عثمان بن عفان في كتابة المصاحف التي نفذها إلى الآفاق ووقع على ما فعله الإجماع والاتفاق. ذكر طوافه ﵇ بين الصفا والمروة روى مسلم في صحيحه عن جابر في حديثه الطويل المتقدم بعد ذكره طوافه ﵇ بالبيت سبعا وصلاته عند المقام ركعتين. قال ثم رجع الى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب الى الصفا فلما

стр. 1573

دنا من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ أبدأ بما بدأ الله به. فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة فرقى عليها حتى نظر الى البيت فقال عليها كما قال على الصفا. وقال الامام احمد ثنا عمر ابن هارون البلخي أبو حفص ثنا ابن جريج عن بعض بنى يعلى بن أمية عن أبيه. قال: رأيت النبي ﷺ مضطبعا بين الصفا والمروة ببرد له نجرانى. وقال الامام احمد ثنا يونس ثنا عبد الله بن المؤمل عن عمر بن عبد الرحمن ثنا عطية عن حبيبة بنت أبى تجزأة قالت دخلت دار حصين في نسوة من قريش (١) والنبي ﷺ يطوف بين الصفا والمروة قالت وهو يسعى يدور به إزاره من شدة السعي وهو يقول لأصحابه اسعوا إن الله كتب عليكم السعي. وقال احمد أيضا ثنا شريح ثنا عبد الله ابن المؤمل ثنا عطاء بن أبى رباح عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبى تجزأة قالت رأيت النبي ﷺ يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يكور به إزاره وهو يقول اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي. تفرد به احمد. وقد رواه احمد أيضا عن عبد الرزاق عن معمر عن واصل مولى أبى عيينة عن موسى بن عبيدة عن صفية بنت شيبة. أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: كتب عليكم السعي فاسعوا. وهذه المرأة هي حبيبة بنت أبى تجزأة المصرح بذكرها في الاسنادين الأولين وعن أم ولد شيبة بن عثمان. أنها أبصرت النبي ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول: «لا يقطع الأبطح الأسدا». رواه النسائي والمراد بالسعي ها هنا هو الذهاب من الصفا الى والمروة ومنها اليها وليس المراد بالسعي هاهنا الهرولة والاسراع فإن الله لم يكتبه علينا حتما بل لو مشى الإنسان على هينة في السبع الطوافات بينهما ولم يرمل في المسيل أجزأه ذلك عند جماعة العلماء لا نعرف بينهم اختلافا في ذلك. وقد نقله الترمذي ﵀ عن أهل العلم. ثم قال ثنا يوسف بن عيسى ثنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن كثير بن جهمان قال رأيت ابن عمر يمشى في المسعى فقلت أتمشي في السعي بين الصفا والمروة فقال لئن سعيت فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى ولئن مشيت لقد رأيت رسول الله ﷺ يمشى وأنا شيخ كبير. ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وقد روى سعيد ابن جبير عن ابن عباس نحو هذا. وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عطاء بن السائب عن كثير بن جهمان السلمي الكوفي عن ابن عمر فقول ابن عمر إنه شاهد الحالين منه ﷺ

стр. 1574

يحتمل شيئين أحدهما أنه رآه يسعى في وقت ماشيا لم يمزجه برمل فيه بالكلية، والثاني أنه رآه يسعى في بعض الطريق ويمشى في بعضه، وهذا له قوة لأنه قد روى البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر العمرى عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة. وتقدم في حديث جابر أنه ﵇: نزل من الصفا فلما انصبت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة وهذا هو الّذي تستحبه العلماء قاطبة أن الساعي بين الصفا والمروة - وتقدم في حديث جابر - يستحب له أن يرمل في بطن الوادي في كل طوافه في بطن المسيل الّذي بينهما وحددوا ذلك بما بين الأميال الخضر فواحد مفرد من ناحية الصفا مما يلي المسجد واثنان مجتمعان من ناحية المروة مما يلي المسجد أيضا. وقال بعض العلماء ما بين هذه الأميال اليوم أوسع من بطن المسيل الّذي رمل فيه رسول الله ﷺ فالله اعلم: وأما قول محمد بن حزم في الكتاب الّذي جمعه في حجة الوداع ثم خرج ﵇ إلى الصفا فقرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله، أبدأ بما بدأ الله به فطاف بين الصفا والمروة أيضا سبعا راكبا على بعير يخب ثلاثا ويمشى أربعا فإنه لم يتابع على هذا القول ولم يتفوه به أحد قبله من أنه ﵇ خب ثلاثة أشواط بين الصفا والمروة ومشى أربعا ثم مع هذا الغلط الفاحش لم يذكر عليه دليلا بالكلية بل لما انتهى إلى موضع الاستدلال عليه قال ولم نجد عدد الرمل بين الصفا والمروة منصوصا ولكنه متفق عليه هذا لفظه. فان أراد بأن الرمل في الثلاث التطوافات الأول على ما ذكر متفق عليه فليس بصحيح بل لم يقله أحد، وان أراد أن الرمل في الثلاث الأول في الجملة متفق عليه فلا يجدي له شيئا ولا يحصل له شيئا مقصودا، فإنهم كما اتفقوا على الرمل في الثلاث الأول في بعضها على ما ذكرناه كذلك اتفقوا على استحبابه في الأربع الأخر أيضا. فتخصيص ابن حزم الثلاث الأول باستحباب الرمل فيها مخالف لما ذكره العلماء والله اعلم. وأما قول ابن حزم انه ﵇ كان راكبا بين الصفا والمروة فقد تقدم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يسعى بطن المسيل أخرجاه وللترمذي عنه إن أسعى فقد رأيت رسول الله يسعى وإن مشيت فقد رأيت رسول الله يمشى. وقال جابر: فلما انصبت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى رواه مسلم. وقالت حبيبة بنت أبى مجزأة يسعى يدور به إزاره من شدة السعي رواه احمد. وفي صحيح مسلم عن جابر كما تقدم أنه رقى على الصفا حتى رأى البيت. وكذلك على المروة. وقد قدمنا من حديث محمد بن إسحاق عن أبى جعفر الباقر عن جابر أن رسول الله ﷺ أناخ بعيره على باب المسجد يعنى حتى طاف ثم لم يذكر أنه ركبه حال ما خرج الى الصفا وهذا كله مما يقتضي أنه ﵇ سعى بين الصفا والمروة ماشيا ولكن قال مسلم ثنا عبد بن حميد ثنا محمد - يعنى ابن بكر - انا ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول طاف

стр. 1575

النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة على بعير ليراه الناس وليشرف وليسألوه فان الناس غشوه، ولم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة الا طوافا واحدا. ورواه مسلم أيضا عن أبى بكر بن أبى شيبة عن على بن مسهر وعن على بن خشرم عن عيسى بن يونس وعن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد كلهم عن ابن جريج به وليس في بعضها وبين الصفا والمروة. وقد رواه أبو داود عن احمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة. ورواه النسائي عن الفلاس عن يحيى، وعن عمران بن يزيد عن سعيد بن إسحاق كلاهما عن ابن جريج به. فهذا محفوظ من حديث ابن جريج وهو مشكل جدا لأن. بقية الروايات عن جابر وغيره تدل على أنه ﵇ كان ماشيا بين الصفا والمروة، وقد تكون رواية أبى الزبير عن جابر وغيره تدل على أنه ﵇ كان ماشيا بين الصفا والمروة، وقد تكون رواية أبى الزبير عن جابر لهذه الزيادة وهي قوله وبين الصفا والمروة مقحمة أو مدرجة ممن بعد الصجابى والله اعلم. أو أنه ﵇ طاف بين الصفا والمروة بعض الطوفان على قدميه وشوهد منه ما ذكر فلما ازدحم الناس عليه وكثروا ركب كما يدل عليه حديث ابن عباس الآتي قريبا وقد سلم ابن حزم أن طوافه الأول بالبيت كان ماشيا وحمل ركوبه في الطواف على ما بعد ذلك وادعى أنه كان راكبا في السعي بين الصفا والمروة قال: لأنه لم يطف بينهما الامرة واحدة ثم تأول قول جابر حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل بأنه لم يصدق ذلك وان كان راكبا فإنه إذا انصب بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه مع سائر جسده. قال وكذلك ذكر الرمل يعنى به رمل الدابة براكبها وهذا التأويل بعيد جدا والله اعلم. وقال أبو داود ثنا أبو سلمة موسى ثنا حماد أنبأنا أبو عاصم الغنوي عن أبى الطفيل قال قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله ﷺ قد رمل بالبيت وأن ذلك من سنته قال صدقوا وكذبوا فقلت ما صدقوا وما كذبوا؟ قال صدقوا رمل رسول الله وكذبوا ليس بسنة: ان قريشا قالت زمن الحديبيّة دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف، فلما صالحوه على ان يحجوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام فقدم رسول الله ﷺ والمشركون من قبل قعيقعان فقال رسول الله لأصحابه ارملوا بالبيت ثلاثا وليس بسنة. قالت: يزعم قومك أن رسول الله طاف بين الصفا والمروة على بعير وأن ذلك سنة قال صدقوا وكذبوا قلت ما صدقوا وما كذبوا قال صدقوا قد طاف رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة على بعير، وكذبوا ليست بسنة، كان الناس لا يدفعون عن رسول الله ﷺ ولا يصرفون عنه فطاف على بعير ليسمعوا كلامه وليروا مكانه ولا تناله أيديهم هكذا رواه أبو داود وقد رواه مسلم عن أبى كامل عن عبد الواحد بن زياد عن الجريريّ عن أبى الطفيل عن ابن عباس فذكر فضل الطواف بالبيت بنحو ما تقدم. ثم قال قلت لابن عباس:

стр. 1576

أخبرنى عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا أسنة هو فإن قومك يزعمون أنه سنة قال صدقوا وكذبوا. قلت: فما قولك صدقوا وكذبوا؟ قال إن رسول الله كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد! حتى خرج العواتق من البيوت وكان رسول الله لا يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه الناس ركب. قال ابن عباس: والمشي والسعي أفضل. هذا لفظ مسلم وهو يقتضي أنه إنما ركب في أثناء الحال. وبه يحصل الجمع بين الأحاديث والله اعلم. وأما ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال ثنا محمد بن رافع ثنا يحيى بن آدم ثنا زهير عن عبد الملك بن سعيد عن أبى الطفيل قال قلت لابن عباس أرانى قد رأيت رسول الله ﷺ قال فصفه لي قلت رأيته عند المروة على ناقة وقد كثر الناس عليه فقال ابن عباس ذاك رسول الله ﷺ إنهم كانوا لا يضربون عنه ولا يكرهون. فقد تفرد به مسلم وليس فيه دلالة على انه ﵇ سعى بين الصفا والمروة راكبا إذ لم يقيد ذلك بحجة الوداع ولا غيرها وبتقدير أن يكون ذلك في حجة الوداع فمن الجائز أنه ﵇ بعد فراغه من السعي وجلوسه على المروة وخطبته الناس وأمره إياهم من لم يسق الهدى منهم أن يفسخ الحج إلى العمرة فحل الناس كلهم إلا من ساق الهدى كما تقدم في حديث جابر. ثم بعد هذا كله أتى بناقته فركبها وسار إلى منزله بالأبطح كما سنذكره قريبا وحينئذ رآه أبو الطفيل عامر بن واثلة البكري وهو معدود في صغار الصحابة. قلت قد ذهب طائفة من العراقيين كأبى حنيفة وأصحابه والثوري الى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين وهو مروى عن عليّ وابن مسعود ومجاهد والشعبي. ولهم أن يحتجوا بحديث جابر الطويل ودلالة على أنه سعى بين الصفا والمروة ماشيا وحديثه هذا أن النبي ﷺ سعى بينهما راكبا على تعداد الطواف بينهما مرة ماشيا ومرة راكبا. وقد روى سعيد بن منصور في سند عن على ﵁ أنه أهل بحجة وعمرة فلما قدم مكة طاف بالبيت وبالصفا والمروة لعمرته ثم عاد فطاف بالبيت وبالصفا والمروة لحجته ثم أقام حراما إلى يوم النحر هذا لفظه. ورواه أبو ذر الهروي في مناسكه عن على أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين وقال هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل. وكذلك رواه البيهقي والدار قطنى والنسائي في خصائص على فقال البيهقي في سننه أنبأنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنبأنا على بن عمر الحافظ أنبأنا أبو محمد بن صاعد ثنا محمد بن زنبور ثنا فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن مالك بن الحارث أو منصور عن مالك بن الحارث عن أبى نصر قال لقيت عليا وقد أهللت بالحج وأهل هو بالحج والعمرة فقلت هل أستطيع أن أفعل كما فعلت قال ذلك لو كنت بدأت بالعمرة قلت كيف أفعل إذا أردت ذلك؟ قال تأخذ إداوة من ماء فتفيضها عليك ثم تهل بهما جميعا ثم تطوف لهما طوافين وتسعى لهما سعيين ولا يحل لك حرام دون يوم النحر. قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد قال ما كنا نفئ الا بطواف واحد، فأما الآن

стр. 1577

فلا نفعل. قال الحافظ البيهقي وقد رواه سفيان بن عيينة وسفيان الثوري وشعبة عن منصور فلم يذكر فيه السعي. قال وأبو نصر هذا مجهول وإن صح فيحتمل أنه أراد طواف القدوم وطواف الزيارة قال وقد روى بأسانيد أخر عن على مرفوعا وموقوفا ومدارها على الحسن بن عمارة وحفص ابن أبى داود وعيسى بن عبد الله وحماد بن عبد الرحمن وكلهم ضعيف لا يحتج بشيء مما رووه في ذلك والله اعلم. قلت والمنقول في الأحاديث الصحاح خلاف ذلك فقد قدمنا عن ابن عمر في صحيح البخاري أنه أهل بعمرة وأدخل عليها الحج فصار قارنا وطاف لهما طوافا واحدا بين الحج والعمرة وقال هكذا فعل رسول الله ﷺ . وقد روى الترمذي وابن ماجة والبيهقي من حديث الدراوَرْديّ عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. قال قال رسول الله ﷺ : من جمع بين الحج والعمرة طاف لهما طوافا واحدا وسعى لهما سعيا واحدا. قال الترمذي وهذا حديث حسن غريب. قلت اسناده على شرط مسلم. وهكذا جرى لعائشة أم المؤمنين فإنّها كانت ممن أهل بعمرة لعدم سوق الهدى معها فلما حاضت أمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل وتهل بحج مع عمرتها فصارت قارنة فلما رجعوا من منى طلبت أن يعمرها من بعد الحج فأعمرها تطييبا لقلبها كما جاء مصرحا به في الحديث. وقد قال الامام أبو عبد الله الشافعيّ أنبأنا مسلم - هو ابن خالد - الزنجي عن ابن جريج عن عطاء أن رسول الله قال لعائشة طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك. وهذا ظاهره الإرسال وهو مسند في المعنى بدليل ما قال الشافعيّ أيضا أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبى نجيح عن عطاء عن عائشة عن النبي ﷺ قال الشافعيّ وربما قال سفيان عن عطاء عن عائشة وربما قال عن عطاء أن النبي ﷺ قال لعائشة فذكره قال الحافظ البيهقي ورواه ابن أبى عمر عن سفيان بن عيينة موصولا. وقد رواه مسلم من حديث وهيب عن ابن طاوس عن ابن عباس عن أبيه عن عائشة بمثله. وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول دخل رسول الله على عائشة وهي تبكى فقال مالك تبكين قالت أبكى إن الناس حلوا ولم أحل وطافوا بالبيت ولم أطف وهذا الحج قد حضر قال إن هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي وأهلي بحج قالت ففعلت ذلك، فلما طهرت قال طوفي بالبيت وبين الصفا والمروة ثم قد حللت من حجك وعمرتك قالت يا رسول الله انى أجد في نفسي من عمرتي أنى لم أكن طفت حتى حججت قال اذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم. وله من حديث ابن جريج أيضا أخبرنى أبو الزبير سمعت جابرا قال لم يطف النبي ﷺ وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا، وعند أصحاب أبى حنيفة ﵀ أن النبي ﷺ وأصحابه الذين ساقوا الهدى كانوا قد قرنوا بين الحج والعمرة كما دل عليه الأحاديث المتقدمة والله اعلم. وقال الشافعيّ أنبأنا إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على قال في القارن يطوف طوافين

стр. 1578

ويسعى سعيين، قال الشافعيّ وقال بعض الناس طوافان وسعيان واحتج فيه برواية ضعيفة عن على قال جعفر يروى عن على قولنا رويناه عن النبي ﷺ لكن قال أبو داود ثنا هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع. قالا: ثنا أبو عاصم عن معروف يعنى ابن خربوذ المكيّ حدثنا أبو الطفيل قال رأيت النبي ﷺ يطوف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجن ثم يقبله، زاد محمد بن رافع ثم خرج الى الصفا والمروة فطاف سبعا على راحلته وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث أبى داود الطيالسي عن معروف بن خربوذ به بدون الزيادة التي ذكرها محمد بن رافع وكذلك رواه عبيد الله بن موسى عن معروف بدونها ورواه الحافظ البيهقي عن أبى سعيد بن أبى عمرو عن الأصم عن يحيى بن أبى طالب عن يزيد بن أبى حكيم عن يزيد بن مالك عن أبى الطفيل بدونها فالله أعلم. وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو بكر بن الحسن وأبو زكريا بن أبى إسحاق قالا ثنا أبو جعفر محمد بن على بن رحيم ثنا احمد ابن حازم أنبأنا عبيد الله بن موسى وجعفر بن عون قالا أنبأنا أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله ابن عمار قال رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة على بعير لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وقال البيهقي كذا قالا. وقد رواه جماعة غير أيمن فقالوا يرمى الجمرة يوم النحر قال ويحتمل أن يكونا صحيحين قلت رواه الامام احمد في مسندة عن وكيع وقران بن تمام وأبى قرة موسى بن طارف قاضى أهل اليمن وأبى احمد محمد بن عبد الله الزبيري ومعتمر بن سليمان عن أيمن بن نابل الحبشي أبى عمران المكيّ نزيل عسقلان مولى أبى بكر الصديق وهو ثقة جليل من رجال البخاري عن قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي أنه رأى رسول الله ﷺ يرمى الجمرة يوم النحر من بطن الوادي على ناقة صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وهكذا رواه الترمذي عن احمد بن منيع عن مروان بن معاوية وأخرجه النسائي عن إسحاق بن راهويه وابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة كلاهما عن وكيع كلاهما عن أيمن بن نابل عن قدامة كما رواه الامام احمد وقال الترمذي حسن صحيح. فصل قال جابر في حديثه: حتى إذا كان آخر طوافه عند المروة قال إني لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى. رواه مسلم ففيه دلالة على من ذهب الى أن السعي بين الصفا والمروة أربعة عشر كل ذهاب وإياب يحسب مرة قاله جماعة من أكابر الشافعية. وهذا الحديث رد عليهم لأن آخر الطواف عن قولهم يكون عند الصفا لا عند المروة ولهذا قال احمد في روايته في حديث جابر فلما كان السابع عند المروة قال أيها الناس إني لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة فمن لم يكن معه هدى فليحل وليجعلها عمرة فحل الناس كلهم. وقال مسلم فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدى.

стр. 1579

فصل روى أمره ﵇ لمن لم يسق الهدى بفسخ الحج الى العمرة خلق من الصحابة يطول ذكرنا لهم ها هنا وموضع سرد ذلك كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله. وقد اختلف العلماء في ذلك فقال: مالك وأبو حنيفة والشافعيّ كان ذلك من خصائص الصحابة ثم نسخ جواز الفسخ لغيرهم وتمسكوا بقول أبى ذر ﵁ لم يكن فسخ الحج الى العمرة إلا لأصحاب محمد ﷺ رواه مسلم وأما الامام احمد فرد ذلك. وقال قد رواه أحد عشر صحابيا فأين تقع هذه الرواية من ذلك وذهب ﵀ الى جواز الفسخ لغير الصحابة. وقال ابن عباس ﵄ بوجوب الفسخ على كل من لم يسق الهدى بل عنده أنه يحل شرعا إذا طاف بالبيت ولم يكن ساق هديا صار حلالا بمجرد ذلك وليس عنه النسك إلا القران لمن ساق الهدى أو التمتع لمن لم يسق فالله أعلم. قال البخاري ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن عبد الملك بن جريج عن عطاء عن جابر وعن طاوس عن ابن عباس. قالا: قدم النبي ﷺ وأصحابه صبح رابعة من ذي الحجة يهلون بالحج لا يخلطه شيء فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة وأن نحل الى نسائنا ففشت تلك المقالة. قال عطاء قال جابر: فيروح أحدنا الى منى وذكره يقطر منيا. قال جابر - بكفه - فبلغ النبي ﷺ فقال: بلغني أن قوما يقولون كذا وكذا والله لأنا أبر وأتقى لله منهم ولو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معى الهدى لأحللت فقام سراقة بن جعشم. فقال: يا رسول الله هي لنا أو للأبد فقال بل للأبد. قال مسلم ثنا قتيبة ثنا الليث هو ابن سعد عن أبى الزبير عن جابر. أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله بحج مفرد وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة وأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدى. قال فقلنا حل ماذا قال الحل كله فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال فهذان الحديثان فيهما التصريح بأنه ﵇ قدم مكة عام حجة الوداع لصبح رابعة ذي الحجة وذلك يوم الأحد حين ارتفع النهار وقت الضحاء لأن أول ذي الحجة تلك السنة كان يوم الخميس بلا خلاف لأن يوم عرفة منه كان يوم الجمعة بنص حديث عمر بن الخطاب الثابت في الصحيحين كما سيأتي. فلما قدم ﵇ يوم الأحد رابع الشهر بدأ كما ذكرنا بالطواف بالبيت ثم بالسعي بين الصفا والمروة فلما انتهى طوافه بينهما عند المروة أمر من لم يكن معه هدى أن يحل من إحرامه حتما فوجب ذلك عليهم لا محالة ففعلوه وبعضهم متأسف لأجل أنه ﵇ لم يحل من إحرامه لأجل سوقه الهدى وكانوا يحبون موافقته ﵇ والتأسي به فلما رأى ما عندهم من ذلك. قال: لهم لو استقبلت من

стр. 1580

أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة. أي لو أعلم أن هذا ليشق عليكم لكنت تركت سوق الهدى حتى أحل كما أحللتم ومن ها هنا تتضح الدلالة على أفضلية التمتع كما ذهب اليه الامام احمد أخذا من هذا فإنه قال: لا أشك أن رسول الله ﷺ كان قارنا ولكن التمتع أفضل لتأسفه عليه وجوابه أنه ﵇ لم يتأسف على التمتع لكونه أفضل من القران في حق من ساق الهدى وإنما تأسف عليه لئلا يشق على أصحابه في بقائه على إحرامه وأمره لهم بالإحلال ولهذا والله أعلم لما تأمل الامام احمد هذا السر نص في رواية أخرى عنه على أن التمتع أفضل في حق من لم يسق الهدى لأمره ﵇ من لم يسق الهدى من أصحابه بالتمتع وأن القران أفضل في حق من ساق الهدى كما اختار الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه في حجة الوداع وأمره له بذلك كما تقدم والله أعلم. فصل ثم سار صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه من طوافه بين الصفا والمروة وأمره بالفسخ لمن لم يسق الهدى والناس معه حتى نزل بالأبطح شرقى مكة فأقام لك بقية يوم الأحد ويوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء حتى صلى الصبح من يوم الخميس كل ذلك يصلى بأصحابه لك ولم يعد الى الكعبة من تلك الأيام كلها قال البخاري: باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف حتى يخرج الى عرفة ويرجع بعد الطواف الأول حدثنا محمد بن أبى بكر ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة قال أخبرنى كريب عن عبد الله بن عباس قال: قدم النبي ﷺ مكة فطاف سبعا وسعى بين الصفا والمروة ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة انفرد به البخاري. فصل وقدم - في هذا الوقت ورسول الله ﷺ منيخ بالبطحاء خارج مكة - عليّ من اليمن وكان النبي ﷺ قد بعثه كما قدمنا الى اليمن أميرا بعد خالد بن الوليد ﵄ فلما قدم وجد زوجته فاطمة بنت رسول الله ﷺ قد حلت كما حل أزواج رسول الله ﷺ والذين لم يسوقوا الهدى واكتحلت ولبست ثيابا صبيغا فقال من أمرك بهذا قالت أبى فذهب محرشا عليها الى رسول الله ﷺ وسلم فأخبره أنها حلت ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت وزعمت أنك أمرتها بذلك يا رسول الله فقال صدقت صدقت صدقت. ثم قال له رسول الله ﷺ : بم أهللت حين أوجبت الحج؟ قال: بإهلال كإهلال النبي ﷺ . قال: فان معى الهدى فلا تحل فكان جماعة الهدى الّذي جاء به على من اليمن والّذي أتى به رسول الله ﷺ من المدينة واشتراه في الطريق مائة من الإبل واشتركا في
следующие страницы →