أخبرنى عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا أسنة هو فإن قومك يزعمون أنه سنة قال صدقوا وكذبوا. قلت: فما قولك صدقوا وكذبوا؟ قال إن رسول الله كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد! حتى خرج العواتق من البيوت وكان رسول الله لا يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه الناس ركب. قال ابن عباس: والمشي والسعي أفضل. هذا لفظ مسلم وهو يقتضي أنه إنما ركب في أثناء الحال. وبه يحصل الجمع بين الأحاديث والله اعلم. وأما ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال ثنا محمد بن رافع ثنا يحيى بن آدم ثنا زهير عن عبد الملك بن سعيد عن أبى الطفيل قال قلت لابن عباس أرانى قد رأيت رسول الله ﷺ قال فصفه لي قلت رأيته عند المروة على ناقة وقد كثر الناس عليه فقال ابن عباس ذاك رسول الله ﷺ إنهم كانوا لا يضربون عنه ولا يكرهون. فقد تفرد به مسلم وليس فيه دلالة على انه ﵇ سعى بين الصفا والمروة راكبا إذ لم يقيد ذلك بحجة الوداع ولا غيرها وبتقدير أن يكون ذلك في حجة الوداع فمن الجائز أنه ﵇ بعد فراغه من السعي وجلوسه على المروة وخطبته الناس وأمره إياهم من لم يسق الهدى منهم أن يفسخ الحج إلى العمرة فحل الناس كلهم إلا من ساق الهدى كما تقدم في حديث جابر. ثم بعد هذا كله أتى بناقته فركبها وسار إلى منزله بالأبطح كما سنذكره قريبا وحينئذ رآه أبو الطفيل عامر بن واثلة البكري وهو معدود في صغار الصحابة. قلت قد ذهب طائفة من العراقيين كأبى حنيفة وأصحابه والثوري الى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين وهو مروى عن عليّ وابن مسعود ومجاهد والشعبي. ولهم أن يحتجوا بحديث جابر الطويل ودلالة على أنه سعى بين الصفا والمروة ماشيا وحديثه هذا أن النبي ﷺ سعى بينهما راكبا على تعداد الطواف بينهما مرة ماشيا ومرة راكبا. وقد روى سعيد بن منصور في سند عن على ﵁ أنه أهل بحجة وعمرة فلما قدم مكة طاف بالبيت وبالصفا والمروة لعمرته ثم عاد فطاف بالبيت وبالصفا والمروة لحجته ثم أقام حراما إلى يوم النحر هذا لفظه. ورواه أبو ذر الهروي في مناسكه عن على أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين وقال هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل. وكذلك رواه البيهقي والدار قطنى والنسائي في خصائص على فقال البيهقي في سننه أنبأنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنبأنا على بن عمر الحافظ أنبأنا أبو محمد بن صاعد ثنا محمد بن زنبور ثنا فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن مالك بن الحارث أو منصور عن مالك بن الحارث عن أبى نصر قال لقيت عليا وقد أهللت بالحج وأهل هو بالحج والعمرة فقلت هل أستطيع أن أفعل كما فعلت قال ذلك لو كنت بدأت بالعمرة قلت كيف أفعل إذا أردت ذلك؟ قال تأخذ إداوة من ماء فتفيضها عليك ثم تهل بهما جميعا ثم تطوف لهما طوافين وتسعى لهما سعيين ولا يحل لك حرام دون يوم النحر. قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد قال ما كنا نفئ الا بطواف واحد، فأما الآن
стр. 1577
فلا نفعل. قال الحافظ البيهقي وقد رواه سفيان بن عيينة وسفيان الثوري وشعبة عن منصور فلم يذكر فيه السعي. قال وأبو نصر هذا مجهول وإن صح فيحتمل أنه أراد طواف القدوم وطواف الزيارة قال وقد روى بأسانيد أخر عن على مرفوعا وموقوفا ومدارها على الحسن بن عمارة وحفص ابن أبى داود وعيسى بن عبد الله وحماد بن عبد الرحمن وكلهم ضعيف لا يحتج بشيء مما رووه في ذلك والله اعلم. قلت والمنقول في الأحاديث الصحاح خلاف ذلك فقد قدمنا عن ابن عمر في صحيح البخاري أنه أهل بعمرة وأدخل عليها الحج فصار قارنا وطاف لهما طوافا واحدا بين الحج والعمرة وقال هكذا فعل رسول الله ﷺ .
وقد روى الترمذي وابن ماجة والبيهقي من حديث الدراوَرْديّ عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. قال قال رسول الله ﷺ : من جمع بين الحج والعمرة طاف لهما طوافا واحدا وسعى لهما سعيا واحدا. قال الترمذي وهذا حديث حسن غريب. قلت اسناده على شرط مسلم. وهكذا جرى لعائشة أم المؤمنين فإنّها كانت ممن أهل بعمرة لعدم سوق الهدى معها فلما حاضت أمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل وتهل بحج مع عمرتها فصارت قارنة فلما رجعوا من منى طلبت أن يعمرها من بعد الحج فأعمرها تطييبا لقلبها كما جاء مصرحا به في الحديث.
وقد قال الامام أبو عبد الله الشافعيّ أنبأنا مسلم - هو ابن خالد - الزنجي عن ابن جريج عن عطاء أن رسول الله قال لعائشة طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك. وهذا ظاهره الإرسال وهو مسند في المعنى بدليل ما قال الشافعيّ أيضا أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبى نجيح عن عطاء عن عائشة عن النبي ﷺ قال الشافعيّ وربما قال سفيان عن عطاء عن عائشة وربما قال عن عطاء أن النبي ﷺ قال لعائشة فذكره قال الحافظ البيهقي ورواه ابن أبى عمر عن سفيان بن عيينة موصولا. وقد رواه مسلم من حديث وهيب عن ابن طاوس عن ابن عباس عن أبيه عن عائشة بمثله. وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول دخل رسول الله على عائشة وهي تبكى فقال مالك تبكين قالت أبكى إن الناس حلوا ولم أحل وطافوا بالبيت ولم أطف وهذا الحج قد حضر قال إن هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي وأهلي بحج قالت ففعلت ذلك، فلما طهرت قال طوفي بالبيت وبين الصفا والمروة ثم قد حللت من حجك وعمرتك قالت يا رسول الله انى أجد في نفسي من عمرتي أنى لم أكن طفت حتى حججت قال اذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم.
وله من حديث ابن جريج أيضا أخبرنى أبو الزبير سمعت جابرا قال لم يطف النبي ﷺ وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا، وعند أصحاب أبى حنيفة ﵀ أن النبي ﷺ وأصحابه الذين ساقوا الهدى كانوا قد قرنوا بين الحج والعمرة كما دل عليه الأحاديث المتقدمة والله اعلم.
وقال الشافعيّ أنبأنا إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على قال في القارن يطوف طوافين
стр. 1578
ويسعى سعيين، قال الشافعيّ وقال بعض الناس طوافان وسعيان واحتج فيه برواية ضعيفة عن على قال جعفر يروى عن على قولنا رويناه عن النبي ﷺ لكن قال أبو داود ثنا هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع. قالا: ثنا أبو عاصم عن معروف يعنى ابن خربوذ المكيّ حدثنا أبو الطفيل قال رأيت النبي ﷺ يطوف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجن ثم يقبله، زاد محمد بن رافع ثم خرج الى الصفا والمروة فطاف سبعا على راحلته وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث أبى داود الطيالسي عن معروف بن خربوذ به بدون الزيادة التي ذكرها محمد بن رافع وكذلك رواه عبيد الله بن موسى عن معروف بدونها ورواه الحافظ البيهقي عن أبى سعيد بن أبى عمرو عن الأصم عن يحيى بن أبى طالب عن يزيد بن أبى حكيم عن يزيد بن مالك عن أبى الطفيل بدونها فالله أعلم. وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو بكر بن الحسن وأبو زكريا بن أبى إسحاق قالا ثنا أبو جعفر محمد بن على بن رحيم ثنا احمد ابن حازم أنبأنا عبيد الله بن موسى وجعفر بن عون قالا أنبأنا أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله ابن عمار قال رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة على بعير لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وقال البيهقي كذا قالا. وقد رواه جماعة غير أيمن فقالوا يرمى الجمرة يوم النحر قال ويحتمل أن يكونا صحيحين قلت رواه الامام احمد في مسندة عن وكيع وقران بن تمام وأبى قرة موسى بن طارف قاضى أهل اليمن وأبى احمد محمد بن عبد الله الزبيري ومعتمر بن سليمان عن أيمن بن نابل الحبشي أبى عمران المكيّ نزيل عسقلان مولى أبى بكر الصديق وهو ثقة جليل من رجال البخاري عن قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي أنه رأى رسول الله ﷺ يرمى الجمرة يوم النحر من بطن الوادي على ناقة صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وهكذا رواه الترمذي عن احمد بن منيع عن مروان بن معاوية وأخرجه النسائي عن إسحاق بن راهويه وابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة كلاهما عن وكيع كلاهما عن أيمن بن نابل عن قدامة كما رواه الامام احمد وقال الترمذي حسن صحيح.
فصل
قال جابر في حديثه: حتى إذا كان آخر طوافه عند المروة قال إني لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى. رواه مسلم ففيه دلالة على من ذهب الى أن السعي بين الصفا والمروة أربعة عشر كل ذهاب وإياب يحسب مرة قاله جماعة من أكابر الشافعية. وهذا الحديث رد عليهم لأن آخر الطواف عن قولهم يكون عند الصفا لا عند المروة ولهذا قال احمد في روايته في حديث جابر فلما كان السابع عند المروة قال أيها الناس إني لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة فمن لم يكن معه هدى فليحل وليجعلها عمرة فحل الناس كلهم. وقال مسلم فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدى.
стр. 1579
فصل
روى أمره ﵇ لمن لم يسق الهدى بفسخ الحج الى العمرة خلق من الصحابة يطول ذكرنا لهم ها هنا وموضع سرد ذلك كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله. وقد اختلف العلماء في ذلك فقال: مالك وأبو حنيفة والشافعيّ كان ذلك من خصائص الصحابة ثم نسخ جواز الفسخ لغيرهم وتمسكوا بقول أبى ذر ﵁ لم يكن فسخ الحج الى العمرة إلا لأصحاب محمد ﷺ رواه مسلم وأما الامام احمد فرد ذلك. وقال قد رواه أحد عشر صحابيا فأين تقع هذه الرواية من ذلك وذهب ﵀ الى جواز الفسخ لغير الصحابة. وقال ابن عباس ﵄ بوجوب الفسخ على كل من لم يسق الهدى بل عنده أنه يحل شرعا إذا طاف بالبيت ولم يكن ساق هديا صار حلالا بمجرد ذلك وليس عنه النسك إلا القران لمن ساق الهدى أو التمتع لمن لم يسق فالله أعلم.
قال البخاري ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن عبد الملك بن جريج عن عطاء عن جابر وعن طاوس عن ابن عباس.
قالا: قدم النبي ﷺ وأصحابه صبح رابعة من ذي الحجة يهلون بالحج لا يخلطه شيء فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة وأن نحل الى نسائنا ففشت تلك المقالة. قال عطاء قال جابر: فيروح أحدنا الى منى وذكره يقطر منيا. قال جابر - بكفه - فبلغ النبي ﷺ فقال: بلغني أن قوما يقولون كذا وكذا والله لأنا أبر وأتقى لله منهم ولو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معى الهدى لأحللت فقام سراقة بن جعشم. فقال: يا رسول الله هي لنا أو للأبد فقال بل للأبد. قال مسلم ثنا قتيبة ثنا الليث هو ابن سعد عن أبى الزبير عن جابر. أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله بحج مفرد وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة وأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدى. قال فقلنا حل ماذا قال الحل كله فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال فهذان الحديثان فيهما التصريح بأنه ﵇ قدم مكة عام حجة الوداع لصبح رابعة ذي الحجة وذلك يوم الأحد حين ارتفع النهار وقت الضحاء لأن أول ذي الحجة تلك السنة كان يوم الخميس بلا خلاف لأن يوم عرفة منه كان يوم الجمعة بنص حديث عمر بن الخطاب الثابت في الصحيحين كما سيأتي. فلما قدم ﵇ يوم الأحد رابع الشهر بدأ كما ذكرنا بالطواف بالبيت ثم بالسعي بين الصفا والمروة فلما انتهى طوافه بينهما عند المروة أمر من لم يكن معه هدى أن يحل من إحرامه حتما فوجب ذلك عليهم لا محالة ففعلوه وبعضهم متأسف لأجل أنه ﵇ لم يحل من إحرامه لأجل سوقه الهدى وكانوا يحبون موافقته ﵇ والتأسي به فلما رأى ما عندهم من ذلك. قال: لهم لو استقبلت من
стр. 1580
أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة. أي لو أعلم أن هذا ليشق عليكم لكنت تركت سوق الهدى حتى أحل كما أحللتم ومن ها هنا تتضح الدلالة على أفضلية التمتع كما ذهب اليه الامام احمد أخذا من هذا فإنه قال: لا أشك أن رسول الله ﷺ كان قارنا ولكن التمتع أفضل لتأسفه عليه وجوابه أنه ﵇ لم يتأسف على التمتع لكونه أفضل من القران في حق من ساق الهدى وإنما تأسف عليه لئلا يشق على أصحابه في بقائه على إحرامه وأمره لهم بالإحلال ولهذا والله أعلم لما تأمل الامام احمد هذا السر نص في رواية أخرى عنه على أن التمتع أفضل في حق من لم يسق الهدى لأمره ﵇ من لم يسق الهدى من أصحابه بالتمتع وأن القران أفضل في حق من ساق الهدى كما اختار الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه في حجة الوداع وأمره له بذلك كما تقدم والله أعلم.
فصل
ثم سار صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه من طوافه بين الصفا والمروة وأمره بالفسخ لمن لم يسق الهدى والناس معه حتى نزل بالأبطح شرقى مكة فأقام لك بقية يوم الأحد ويوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء حتى صلى الصبح من يوم الخميس كل ذلك يصلى بأصحابه لك ولم يعد الى الكعبة من تلك الأيام كلها قال البخاري: باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف حتى يخرج الى عرفة ويرجع بعد الطواف الأول حدثنا محمد بن أبى بكر ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة قال أخبرنى كريب عن عبد الله بن عباس قال: قدم النبي ﷺ مكة فطاف سبعا وسعى بين الصفا والمروة ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة انفرد به البخاري.
فصل
وقدم - في هذا الوقت ورسول الله ﷺ منيخ بالبطحاء خارج مكة - عليّ من اليمن وكان النبي ﷺ قد بعثه كما قدمنا الى اليمن أميرا بعد خالد بن الوليد ﵄ فلما قدم وجد زوجته فاطمة بنت رسول الله ﷺ قد حلت كما حل أزواج رسول الله ﷺ والذين لم يسوقوا الهدى واكتحلت ولبست ثيابا صبيغا
فقال من أمرك بهذا قالت أبى فذهب محرشا عليها الى رسول الله ﷺ وسلم فأخبره أنها حلت ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت وزعمت أنك أمرتها بذلك يا رسول الله فقال صدقت صدقت صدقت. ثم قال له رسول الله ﷺ : بم أهللت حين أوجبت الحج؟ قال:
بإهلال كإهلال النبي ﷺ . قال: فان معى الهدى فلا تحل فكان جماعة الهدى الّذي جاء به على من اليمن والّذي أتى به رسول الله ﷺ من المدينة واشتراه في الطريق مائة من الإبل واشتركا في
стр. 1581
الهدى جميعا وقد تقدم هذا كله في صحيح مسلم ﵀. وهذا التقرير يرد الرواية التي ذكرها الحافظ أبو القاسم الطبراني ﵀ من حديث عكرمة عن ابن عباس. أن عليا تلقى النبي ﷺ الى الجحفة والله أعلم. وكان أبو موسى في جملة من قدم مع على ولكنه لم يسق هديا فأمره رسول الله ﷺ بأن يحل بعد ما طاف للعمرة وسعى ففسخ حجه الى العمرة وصار متمتعا فكان يفتى بذلك في أثناء خلافة عمر بن الخطاب فلما رأى عمر بن الخطاب أن يفرد الحج عن العمرة ترك فتياه مهابة لأمير المؤمنين عمر ﵁ وأرضاه. وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا سفيان عن عون بن أبى جحيفة عن أبيه. قال: رأيت بلالا يؤذن ويدور ويتبع فاه ها هنا وها هنا وإصبعاه في أذنه. قال: ورسول الله ﷺ في قبة له حمراء أراها من أدم. قال: فخرج بلال بين يديه بالعنزة فركزها فصلى رسول الله ﷺ . قال عبد الرزاق وسمعته بمكة قال: بالبطحاء يمر بين يديه الكلب والمرأة والحمار وعليه حلة حمراء كأنى انظر الى بريق ساقيه قال: سفيان نراها حبرة. وقال احمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن عون ابن أبى جحيفة عن أبيه. قال: أتيت النبي ﷺ بالأبطح وهو في قبة له حمراء فخرج بلال بفضل وضوئه فمن ناضح ونائل. قال: فأذن بلال فكنت أتتبع فاه هكذا وهكذا - يعنى يمينا وشمالا - قال ثم ركزت له عنزة فخرج رسول الله ﷺ وعليه جبة له حمراء أو حلة حمراء وكأنى انظر الى بريق ساقيه فصلى بنا الى عنزة فخرج رسول الله ﷺ وعليه جبة له حمراء أو حلة حمراء وكأنى انظر الى بريق ساقيه فصلى بنا الى عنزة الظهر أو العصر ركعتين تمر المرأة والكلب والحمار لا يمنع ثم لم يزل يصلى ركعتين حتى أتى المدينة. وقال مرة فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري. وقال احمد أيضا ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة وحجاج عن الحكم سمعت أبا جحيفة قال: خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة الى البطحاء فتوضأ وصلى الظهر ركعتين وبين يديه عنزة وزاد فيه عون عن أبيه عن أبى جحيفة وكان يمر من ورائنا الحمار والمرأة. قال: حجاج في الحديث ثم قام الناس فجعلوا يأخذون يده فيمسحون بها وجوههم. قال:
فأخذت يده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك. وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة بتمامه.
فصل
فأقام ﵇ بالأبطح كما قدمنا يوم الأحد ويوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء.
وقد حل الناس إلا من ساق الهدى وقدم في هذه الأيام على بن أبى طالب من اليمن بمن معه من المسلمين وما معه من الأموال ولم يعد ﵇ إلى الكعبة بعد ما طاف بها فلما أصبح ﵇ يوم الخميس صلى بالأبطح الصبح من يومئذ وهو يوم التروية ويقال له يوم منى لأنه يسار
стр. 1582
فيه اليها. وقد روى أن النبي ﷺ خطب قبل هذا اليوم. ويقال للذي قبله فيما رأيته في بعض التعاليق يوم الزينة لأنه يزين فيه البدن بالجلال ونحوها فالله أعلم. قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا احمد بن محمد بن جعفر الجلودي ثنا محمد بن إسماعيل بن مهران ثنا محمد بن يوسف ثنا أبو قرة عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. قال كان: رسول الله ﷺ إذا خطب يوم التروية خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم، فركب ﵇ قاصدا الى منى قبل الزوال وقيل بعده وأحرم الذين كانوا قد حلوا بالحج من الأبطح حين توجهوا الى منى وانبعثت رواحلهم نحوها.
قال: عبد الملك عن عطاء عن جابر بن عبد الله قدمنا مع رسول الله ﷺ فأحللنا حتى كان يوم التروية وجعلنا مكة منّا بظهر، لبينا بالحج. ذكره البخاري تعليقا مجزوما. وقال مسلم ثنا محمد بن حاتم ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج أخبرنى أبو الزبير عن جابر. قال: أمرنا رسول الله ﷺ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا الى منى. قال: وأهللنا من الأبطح. وقال عبيد بن جريج لابن عمر رأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت حتى يوم التروية. فقال لم أر النبي ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته. رواه البخاري في جملة حديث طويل. قال البخاري وسئل عطاء عن المجاوز منى يلبى بالحج. فقال: كان ابن عمر يلبى يوم التروية إذا صلى الظهر واستوى على راحلته قلت هكذا كان ابن عمر يصنع إذا حج معتمرا يحل من العمرة فإذا كان يوم التروية لا يلبى حتى تنبعث به راحلته متوجها الى منى كما أحرم رسول الله ﷺ من ذي الحليفة بعد ما صلى الظهر وانبعثت به راحلته، لكن يوم التروية لم يصل النبي ﷺ الظهر بالأبطح وإنما صلاها يومئذ بمنى وهذا مما لا نزاع فيه. قال البخاري: باب أين يصل الظهر يوم التروية. حدثنا عبد الله بن محمد ثنا إسحاق الأزرق ثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع. قال: سألت أنس بن مالك قال قلت:
أخبرنى بشيء علقت من رسول الله ﷺ أين يصلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال بمنى قلت:
فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح. ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن إسحاق بن يوسف الأزرق عن سفيان الثوري به. وكذلك رواه الامام احمد عن إسحاق بن يوسف الأزرق به. وقال الترمذي حسن صحيح يستغرب من حديث الأزرق عن الثوري. ثم قال البخاري أنبأنا على سمع أبا بكر بن عياش ثنا عبد العزيز بن رفيع. قال لقيت أنس بن مالك وحدثني إسماعيل بن أبان ثنا أبو بكر بن عياش عن عبد العزيز. قال:
خرجت الى منى يوم التروية فلقيت أنسا ذاهبا على حمار فقلت أين صلى النبي ﷺ هذا اليوم الظهر؟ فقال انظر حيث يصلى أمراؤك فصل. وقال احمد ثنا أسود بن عامر ثنا أبو كدينة عن الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. أن رسول الله ﷺ صلى خمس صلوات بمنى. وقال
стр. 1583
احمد أيضا حدثنا أسود بن عامر ثنا أبو محياة يحيى بن يعلى التيمي عن الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. أن النبي ﷺ صلى الظهر يوم التروية بمنى وصلى الغداة يوم عرفة بها. وقد رواه أبو داود عن زهير بن حرب عن أحوص عن جواب عن عمار بن رزيق عن سليمان بن مهران الأعمش به ولفظه صلى رسول الله ﷺ الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى. وأخرجه الترمذي عن الأشج عن عبد الله بن الأجلح عن الأعمش بمعناه. وقال ليس هذا مما عده شعبة فيما سمعه الحكم عن مقسم. وقال الترمذي ثنا أبو سعيد الأشج ثنا عبد الله بن الأجلح عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن ابن عباس قال: صلى بنا رسول الله بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم غدا الى عرفات. ثم قال: وإسماعيل بن مسلم قد تكلم فيه. وفي الباب عن عبد الله بن الزبير وأنس ابن مالك. وقال الامام احمد (١) عمن رأى النبي ﷺ أنه راح الى منى يوم التروية والى جانبه بلال بيده عود عليه ثوب يظلل به رسول الله ﷺ يعنى من الحر - تفرد به احمد وقد نص الشافعيّ على أنه ﵇ ركب من الأبطح الى منى بعد الزوال ولكنه إنما صلى الظهر بمنى فقد يستدل له بهذا الحديث والله أعلم. وتقدم في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. قال: فحلّ الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدى فلما كان يوم التروية توجهوا الى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة له من شعر فضربت له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس. وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث وكان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحد تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد إنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال: بإصبعه السبابة يرفعها الى السماء وينكتها على الناس، اللهمّ اشهد اللهمّ اشهد اللهمّ اشهد ثلاث مرات.
وقال أبو عبد الرحمن النسائي أنبأنا على بن
стр. 1584
حجر عن مغيرة عن موسى بن زياد بن حذيم بن عمرو السعدي عن أبيه عن جده. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع: اعلموا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا كحرمة شهركم هذا كحرمة بلدكم هذا. وقال أبو داود باب الخطبة على المنبر بعرفة. حدثنا هناد عن ابن أبى زائدة ثنا سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلّم عن رجل من بنى ضمرة عن أبيه أو عمه، قال رأيت رسول الله ﷺ وهو على المنبر بعرفة وهذا الاسناد ضعيف.
لأن فيه رجلا مبهما ثم تقدم في حديث جابر الطويل أنه ﵇ خطب على ناقته القصواء. ثم قال: أبو داود ثنا مسدد ثنا عبد الله بن داود عن سلمة بن نبيط عن رجل من الحي عن أبيه نبيط:
أنه رأى رسول الله ﷺ واقفا بعرفة على بعير أحمر يخطب. وهذا فيه مبهم أيضا. ولكن حديث جابر شاهد له. ثم قال أبو داود حدثنا هناد بن السري وعثمان بن أبى شيبة. قالا: ثنا وكيع عن عبد المجيد بن أبى عمرو. قال حدثني العداء بن خالد بن هوذة. وقال هناد عن عبد المجيد حدثني خالد بن العداء بن هوذة. قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائما في الركابين. قال: أبو داود رواه ابن العلاء عن وكيع كما قال هناد. وحدثنا عباس بن عبد العظيم ثنا عثمان بن عمر ثنا عبد المجيد أبو عمرو عن العداء بن خالد بمعناه. وفي الصحيحين عن ابن عباس.
قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات: من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل للمحرم.
وقال محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد. قال كان الرجل الّذي يصرخ في الناس بقول رسول الله وهو بعرفة ربيعة بن أمية بن خلف. قال رسول الله ﷺ قل أيها الناس إن رسول الله يقول: هل تدرون أي شهر هذا فيقولون الشهر الحرام فيقول قل لهم إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة شهركم هذا. ثم يقول قل أيها الناس إن رسول الله يقول هل تدرون أي بلد هذا. وذكر تمام الحديث. وقال محمد بن إسحاق حدثني ليث بن أبى سليم عن شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة. قال بعثني عتاب بن أسيد الى رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة في حاجة فبلغته ثم وقفت تحت ناقته وإن لعابها ليقع على رأسي فسمعته يقول: أيها الناس إن الله أدى الى كل ذي حق حقه، وإنه لا يجوز وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، ومن أدعى الى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا. ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة به. وقال الترمذي حسن صحيح قلت وفيه اختلاف على قتادة والله أعلم. وسنذكر الخطبة التي خطبها ﵇ بعد هذه الخطبة يوم النحر وما فيها من الحكم والمواعظ والتفاصيل والآداب النبويّة إن شاء الله. قال البخاري باب
стр. 1585
التلبية والتكبير إذا غدا من منى الى عرفة حدثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن محمد بن أبى بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى الى عرفة كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه.
وأخرجه مسلم من حديث مالك وموسى بن عقبة كلاهما عن محمد بن أبى بكر بن عوف بن رباح الثقفي الحجازي عن أنس به. وقال البخاري ثنا عبد الله بن مسلمة ثنا مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الملك بن مروان. كتب الى الحجاج بن يوسف أن يأتم بعبد الله بن عمر في الحج فلما كان يوم عرفة جاء ابن عمر وأنا معه حين زاغت الشمس - أو زالت الشمس - فصاح عن فسطاطه أين هذا فخرج اليه. فقال ابن عمر الرواح فقال: الآن قال نعم! فقال: أنظرني حتى أفيض عليّ ماء فنزل ابن عمر حتى خرج فسار بيني وبين أبى فقلت إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فأقصر الخطبة وعجل الوقوف فقال: ابن عمر صدق. ورواه البخاري أيضا عن القعنبي عن مالك وأخرجه النسائي من حديث أشهب وابن وهب عن مالك. ثم قال البخاري بعد روايته هذا الحديث. وقال الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب عن سالم أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله كيف تصنع في هذا الموقف فقال: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة فقال ابن عمر صدق إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة فقلت لسالم افعل ذلك رسول الله ﷺ فقال: هل تبتغون بذلك إلا سنة. وقال أبو داود ثنا احمد بن حنبل ثنا يعقوب ثنا أبى عوف عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ غدا من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة فنزل بنمرة وهي منزل الامام الّذي ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله ﷺ مهجرا فجمع بين الظهر والعصر. وهكذا ذكر جابر في حديثه بعد ما أورد الخطبة المتقدمة قال ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا. وهذا يقتضي أنه ﵇ خطب أولا ثم أقيمت الصلاة ولم يتعرض للخطبة الثانية. وقد قال الشافعيّ أنبأنا إبراهيم بن محمد وغيره عن جعفر بن محمد عن أبيه وعن جابر في حجة الوداع. قال: فراح النبي ﷺ الى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الأولى ثم أذن بلال ثم أخذ النبي ﷺ في الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان ثم أقام بلال فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر. قال البيهقي تفرد به إبراهيم ابن محمد بن أبى يحيى. قال: مسلم عن جابر ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء الى الصخرات وجعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة. وقال البخاري ثنا يحيى ابن سليمان عن ابن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث عن بكير عن كريب عن ميمونة: أن الناس شكوا في صيام النبي ﷺ فأرسلت اليه بحلاب وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون
стр. 1586
وأخرجه مسلم عن هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب به. وقال البخاري أنبأنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عمير مولى ابن عباس عن أم الفضل بنت الحارث أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ فقال بعضهم هو صائم وقال بعضهم ليس بصائم فأرسلت اليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه ورواه مسلم من حديث مالك أيضا. وأخرجاه من طرق أخر عن أبى النضر به. قلت أم الفضل هي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين وقصتهما واحدة والله أعلم. وصح اسناد الإرسال اليها لأنه من عندها اللهمّ إلا أن يكون بعد ذلك أو تعدد الإرسال من هذه ومن هذه والله أعلم. وقال الامام احمد ثنا إسماعيل ثنا أيوب قال: لا أدرى أسمعته من سعيد بن جبير أم عن بنيه عنه. قال: أتيت على ابن عباس وهو بعرفة وهو يأكل رمانا. وقال: أفطر رسول الله ﷺ بعرفة وبعثت اليه أم الفضل بلبن فشربه. وقال احمد ثنا وكيع ثنا ابن أبى ذئب عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس: أنهم تماروا في صوم النبي ﷺ يوم عرفة فأرسلت أم فضل الى رسول الله بلبن فشربه. وقال الامام احمد ثنا عبد الرزاق وأبو بكر قالا: أنبأنا ابن جريج قال قال عطاء دعا عبد الله بن عباس الفضل بن عباس الى الطعام يوم عرفة فقال إني صائم فقال عبد الله لا تصم فإن رسول الله قرب اليه حلاب فيه لبن يوم عرفة فشرب منه فلا تصم فان الناس مستنون بكم وقال ابن بكير وروح ان الناس يستنون بكم
وقال البخاري ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بينا رجل واقف مع النبي ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال فأوقصته فقال النبي ﷺ اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فان الله يبعثه يوم القيامة ملبيا.
ورواه مسلم عن أبى الربيع الزهراني عن حماد بن زيد.
وقال النسائي أنبأنا إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه أخبرنا وكيع أنبأنا سفيان الثوري عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديليّ قال: شهدت رسول الله ﷺ بعرفة وأتاه أناس من أهل نجد فسألوه عن الحج فقال رسول الله ﷺ (الحج عرفة) فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه. وقد رواه بقية أصحاب السنن من حديث سفيان الثوري زاد النسائي وشعبة عن بكير بن عطاء به وقال النسائي أنبأنا قتيبة أنبأنا سفيان عن عمرو بن دينار أخبرنى عمرو بن عبد الله بن صفوان أن يزيد بن شيبان قال كنا وقوفا بعرفة مكانا بعيدا من الموقف فأتانا ابن مربع الأنصاري فقال إني رسول رسول الله إليكم يقول لكم كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم. وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة به. وقال الترمذي هذا حديث حسن ولا نعرفه الا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار. وابن مربع اسمه زيد بن مربع الأنصاري، وانما يعرف له هذا
стр. 1587
الحديث الواحد. قال وفي الباب عن على وعائشة وجبير بن مطعم والشريد بن سويد:
وقد تقدم من رواية مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف زاد مالك في موطئه وارفعوا عن بطن عرفة (١).
فصل
فيما حفظ من دعائه ﵇ وهو واقف بعرفة: قد تقدم أنه ﵇ أفطر يوم عرفة فدل على أن الإفطار هناك أفضل من الصيام لما فيه من التقوى على الدعاء لأنه المقصود الأهم هناك، ولهذا وقف ﵇ وهو راكب على الراحلة من لدن الزوال إلى أن غربت الشمس.
وقد روى أبو داود الطيالسي في مسندة عن حوشب بن عقيل عن مهدي الهجريّ عن عكرمة عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة وقال الامام احمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا حوشب بن عقيل حدثني مهدي المحاربي حدثني عكرمة مولى ابن عباس قال دخلت على أبى هريرة في بيته فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات
فقال نهى رسول الله ﷺ عن صوم عرفة بعرفات. وقال عبد الرحمن مرة عن مهدي العبديّ: وكذلك رواه احمد عن وكيع عن حوشب عن مهدي العبديّ فذكره، وقد رواه أبو داود عن سليمان بن حرب عن حوشب. والنسائي عن سليمان ابن معبد عن سليمان بن حرب به. وعن الفلاس عن ابن مهدي به. وابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة وعلى بن محمد كلاهما عن وكيع عن حوشب.
وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أبو اسامة الكلبي ثنا حسن بن الربيع ثنا الحارث بن عبيد عن حوشب بن عقيل عن مهدي الهجريّ عن عكرمة عن ابن عباس قال: نهى النبي ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة قال البيهقي: كذا قال الحارث بن عبيد، والمحفوظ عن عكرمة عن أبى هريرة. وروى أبو حاتم محمد بن حبان البستي في صحيحه عن عبد الله بن عمرو أنه سئل عن صوم يوم عرفة فقال حججت مع رسول الله فلم يصمه ومع أبى بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه وأنا فلا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه.
قال الامام مالك عن زياد بن أبى زياد مولى ابن عباس عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله ﷺ قال: أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له. قال البيهقي هذا مرسل. وقد روى عن مالك باسناد آخر موصولا وإسناده ضعيف.
وقد روى الامام احمد والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. أن رسول الله ﷺ قال: أفضل الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من
стр. 1588
قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
وللإمام احمد أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
وقال أبو عبد الله بن مندة أنبأنا احمد بن إسحاق بن أيوب النيسابورىّ ثنا احمد بن داود بن جابر الأحمسي ثنا احمد بن إبراهيم الموصلي ثنا فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر. قال قال رسول الله ﷺ :
دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وقال الامام احمد ثنا يزيد يعنى ابن عبد ربه الجرجسى ثنا بقية بن الوليد حدثني جبير بن عمرو القرشي عن أبى سعيد الأنصاري عن أبى يحيى مولى آل الزبير بن العوام عن الزبير بن العوام ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في مناسكه ثنا الحسن بن مثنى بن معاذ العنبري ثنا عفان ابن مسلم ثنا قيس بن الربيع عن الأغر بن الصباح عن خليفة عن عليّ قال: قال رسول الله ﷺ أفضل ما قلت أنا والأنبياء قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وقال الترمذي في الدعوات ثنا محمد بن حاتم المؤدب ثنا على بن ثابت ثنا قيس ابن الربيع وكان من بنى أسد عن الأغر بن الصباح عن خليفة بن حصين عن على ﵁ قال كان أكثر ما دعا به رسول الله ﷺ يوم عرفة في الموقف اللهمّ لك الحمد كالذي نقول وخير مما نقول اللهمّ لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ولك رب تراثي، أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر. اللهمّ إني أعوذ بك من شر ما تهب به الريح. ثم قال غريب من هذا الوجه وليس اسناده بالقوى.
وقد رواه الحافظ البيهقي من طريق موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة عن عليّ قال قال رسول الله ﷺ إن أكثر دعاء من كان قبلي ودعائي يوم عرفة أن أقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهمّ اجعل في بصرى نورا وفي سمعي نورا وفي قلبي نورا. اللهمّ اشرح لي صدري ويسر لي أمرى اللهمّ إني أعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الأمر وشر فتنة القبر وشر ما يلج في الليل وشر ما يلج في النهار وشر ما تهب به الرياح وشر بوائق الدهر. ثم قال: تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف واخوه عبد الله لم يدرك عليا:
وقال الطبراني في مناسكه حدثنا يحيى بن عثمان النصري ثنا يحيى بن بكير ثنا يحيى بن صالح الأيلي عن إسماعيل بن أمية عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال: كان فيما دعا به رسول الله ﷺ في حجة الوداع: اللهمّ إنك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سرى وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من
стр. 1589
أمرى، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسالك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته، وذل لك جسده ورغم لك أنفه. اللهمّ لا تجعلني بدعائك رب شقيا وكن بى رءوفا رحيما، يا خير المسئولين ويا خير المعطين. وقال الامام احمد حدثنا هشيم أنبأنا عبد الملك ثنا عطاء. قال قال أسامة بن زيد: كنت رديف النبي ﷺ بعرفات فرفع يديه: يدعو فمالت به ناقته فسقط خطامها قال فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى. وهكذا رواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم. وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا على ابن الحسن ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز ثنا ابن جريج عن حسين بن عبد الله الهاشمي عن عكرمة عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ يدعو بعرفة يداه الى صدره كاستطعام المسكين،
وقال أبو داود الطيالسي في مسندة حدثنا عبد القاهر بن السري حدثني ابن كنانة بن العباس بن مرداس عن أبيه عن جده عباس بن مرداس أن رسول الله ﷺ دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء، فأوحى الله اليه إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا، وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها فقال يا رب إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته وتغفر لهذا الظالم فلم يجبه تلك العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء فأجابه الله تعالى انى قد غفرت لهم. فتبسم رسول الله ﷺ . فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها. قال تبسمت من عدو الله إبليس إنه لما علم أن الله قد استجاب لي في أمتى أهوى يدعو بالويل والثبور ويحثو التراب على رأسه. ورواه أبو داود السجستاني في سننه عن عيسى بن إبراهيم البركي وأبى الوليد الطيالسي كلاهما عن عبد القاهر بن السري عن ابن كنانة بن عباس بن مرداس عن أبيه عن جده مختصرا. ورواه ابن ماجة عن أيوب بن محمد الهاشمي بن عبد القاهر بن السري عن عبد الله بن كنانة بن عباس عن أبيه عن جده به مطولا: ورواه ابن جرير في تفسيره عن إسماعيل بن سيف العجليّ عن عبد القاهر بن السري عن ابن كنانة يقال له أبو لبابة عن أبيه عن جده العباس بن مرداس فذكره
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبرى ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عمن سمع قتادة يقول ثنا جلاس بن عمرو عن عبادة بن الصامت. قال قال رسول الله ﷺ يوم عرفة أيها الناس إن الله تطوّل عليكم في هذا اليوم فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم. وأعطى محسنكم ما سأل. فادفعوا بسم الله. فلما كانوا يجمع. قال إن الله قد غفر لصالحكم وشفع لصالحيكم في طالحيكم، تنزل الرحمة فتعمهم ثم تفرق الرحمة في الأرض فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده. وإبليس وجنوده على جبال عرفات
стр. 1590
ينظرون ما يصنع الله بهم، فإذا نزلت الرحمة دعا هو وجنوده بالويل والثبور، كنت أستفرهم حقبا من الدهر (١) المغفرة فغشيتهم، فيتفرقون يدعون بالويل والثبور.
ذكر ما نزل على رسول الله من الوحي المنيف في هذا الموقف الشريف
قال الامام احمد ثنا جعفر بن عون ثنا أبو العميس عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب. قال جاء رجل من اليهود الى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين إنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال وأي آية هي؟ قال: قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الّذي نزلت على رسول الله ﷺ ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله ﷺ عشية عرفة في يوم جمعة. ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون. وأخرجه أيضا ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن قيس بن مسلم به.
ذكر إفاضته ﵇ من عرفات الى المشعر الحرام
قال جابر في حديثه الطويل: فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا قليلا حين غاب القرص فأردف اسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق ناقته القصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رجله، ويقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة!! كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا. رواه مسلم. وقال البخاري باب السير إذا دفع من عرفة. حدثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه. قال: سئل اسامة وأنا جالس كيف كان النبي ﷺ يسير في حجة الوداع حين دفع. قال: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص. قال: هشام - والنص - فوق العنق. ورواه الامام احمد وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن اسامة بن زيد.
وقال الامام احمد ثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن اسامة بن زيد. قال: كنت رديف رسول الله ﷺ عشية عرفة. قال: فلما وقعت الشمس دفع رسول الله ﷺ فلما سمع حطمة الناس خلفه. قال: رويدا أيها الناس عليكم السكينة إن البر ليس بالايضاع (٢). قال: فكان رسول الله ﷺ إذا التحم عليه الناس أعنق وإذا، وجد فرجة نص، حتى أتى المزدلفة فجمع فيها بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة. ثم رواه الامام احمد من طريق محمد بن إسحاق حدثني إبراهيم بن عقبة عن كريب عن اسامة بن زيد فذكر مثله.
وقال:
стр. 1591
الامام احمد ثنا أبو كامل ثنا حماد عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن عباس عن اسامة بن زيد قال: أفاض رسول الله ﷺ من عرفة وأنا رديفه فجعل يكبح راحلته حتى إن ذفراها (١) ليكاد يصيب قادمة الرحل. ويقول: يا أيها الناس عليكم السكينة والوقار فإن البر ليس في إيضاع الإبل.
وكذا رواه عن عفان عن حماد بن سلمة به ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به. ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن يزيد بن هارون عن عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء عن ابن عباس عن اسامة بنحوه. قال وقال: اسامة فما زال يسير على هينة حتى أتى جمعا. وقال الامام احمد حدثنا احمد بن الحجاج ثنا ابن أبى فديك عن ابن أبى ذئب عن شعبة عن ابن عباس عن اسامة ابن زيد. أنه ردف رسول الله ﷺ يوم عرفة حتى دخل الشعب ثم أهراق الماء وتوضأ ثم ركب ولم يصل. وقال الامام احمد ثنا عبد الصمد ثنا همام عن قتادة عن عروة عن الشعبي عن اسامة بن زيد أنه حدثه. قال: كنت رديف رسول الله ﷺ حين أفاض من عرفات فلم ترفع راحلته رجلها غادية حتى بلغ جمعا.
وقال الامام احمد ثنا سفيان عن إبراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس أخبرنى اسامة بن زيد: أن النبي ﷺ أردفه من عرفة فلما أتى الشعب نزل فبال ولم يقل أهراق الماء فصببت عليه فتوضأ وضوءا خفيفا فقلت الصلاة؟ فقال الصلاة أمامك. قال: ثم أتى المزدلفة فصلى المغرب ثم حلوا رحالهم ثم صلى العشاء. كذا رواه الامام احمد عن كريب عن ابن عباس عن اسامة بن زيد فذكره. ورواه النسائي عن الحسين بن حرب عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن عقبة ومحمد بن أبى حرملة كلاهما عن كريب عن ابن عباس عن اسامة. قال: شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه والصحيح كريب عن اسامة.
وقال البخاري ثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن موسى بن عقبة عن كريب عن اسامة بن زيد. أنه سمعه يقول دفع: رسول الله ﷺ من عرفة فنزل الشعب فبال ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء، فقلت له الصلاة؟ فقال الصلاة أمامك. فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة فصلى العشاء ولم يصل بينهما. وهكذا رواه البخاري أيضا عن القعنبي، ومسلم عن يحيى بن يحيى، والنسائي عن قتيبة عن مالك عن موسى بن عقبة به وأخرجاه من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن موسى بن عقبة أيضا. ورواه مسلم من حديث إبراهيم بن عقبة ومحمد بن عقبة عن كريب كنحو رواية أخيهما موسى بن عقبة عنه.
وقال البخاري أيضا ثنا قتيبة ثنا إسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبى حرملة عن كريب عن اسامة بن زيد. أنه قال: ردفت رسول الله ﷺ فلما بلغ رسول الله ﷺ الشعب الأيسر الّذي دون المزدلفة أناخ فبال ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا. فقلت الصلاة
стр. 1592
يا رسول الله؟ قال: الصلاة أمامك، فركب رسول الله ﷺ حتى أتى المزدلفة فصلى ثم ردف الفضل رسول الله ﷺ غداة جمع. قال: كريب فأخبرني عبد الله بن عباس عن الفضل: أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبى حتى بلغ الجمرة. ورواه مسلم عن قتيبة ويحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وعلى بن حجر أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر به. وقال الامام احمد ثنا وكيع ثنا عمر بن ذر عن مجاهد عن اسامة بن زيد. أن رسول الله أردفه من عرفة. قال فقال: الناس سيخبرنا صاحبنا ما صنع. قال فقال: اسامة لما دفع من عرفة فوقف، كف رأس راحلته حتى أصاب رأسها واسطة الرحل أو كاد يصيبه يشير الى الناس بيده السكينة السكينة السكينة!! حتى أتى جمعا ثم أردف الفضل بن عباس قال فقال: الناس سيخبرنا صاحبنا بما صنع رسول الله فقال الفضل: لم يزل يسير سيرا لينا كسيره بالأمس حتى أتى على وادي محسر فدفع فيه حتى استوت به الأرض. وقال البخاري ثنا سعيد بن أبى مريم ثنا إبراهيم بن سويد حدثني عمرو بن أبى عمرو مولى المطلب أخبرنى سعيد بن جبير مولى والبة الكوفي حدثني ابن عباس. أنه دفع النبي ﷺ يوم عرفة فسمع النبي ﷺ وراءه زجرا شديدا وضربا للإبل فأشار بسوطه اليهم وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة! فإن البر ليس بالايضاع تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقد تقدم رواية الامام احمد ومسلم والنسائي هذا من طريق عطاء ابن أبى رباح عن ابن عباس عن اسامة بن زيد فالله أعلم.
وقال الامام احمد حدثنا إسماعيل بن عمر ثنا المسعودي عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. قال: لما أفاض رسول من عرفات أوضع الناس فأمر رسول الله مناديا ينادى: أيها الناس ليس البر بايضاع الخيل ولا الركاب. قال فما رأيت من رافعة يديها غادية حتى نزل جمعا. وقال الامام احمد ثنا حسين وأبو نعيم. قالا: ثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع قال حدثني من سمع ابن عباس يقول: لم ينزل رسول الله ﷺ من عرفات وجمع إلا أريق الماء. وقال الامام احمد ثنا يزيد بن هارون أخبرنا عبد الملك عن أنس بن سيرين قال. كنت مع ابن عمر بعرفات فلما كان حين راح رحت معه حتى الامام فصلى معه الأولى والعصر ثم وقف وأنا وأصحاب لي حتى أفاض الامام فأفضنا معه حتى انتهينا إلى المضيق دون المأزمين فأناخ وأنخنا ونحن نحسب أنه يريد أن يصلى فقال غلامه الّذي يمسك راحلته إنه ليس يريد الصلاة ولكنه ذكر أن النبي ﷺ لما انتهى الى هذا المكان قضى حاجته فهو يحب أن يقضى حاجته. وقال البخاري ثنا موسى ثنا جويرية عن نافع. قال: كان عبد الله بن عمر يجمع بين المغرب والعشاء بجمع غير أنه يمر بالشعب الّذي أخذه رسول الله ﷺ فيدخل فينتقص ويتوضأ ولا يصلى حتى يجيء جمعا تفرد به البخاري ﵀ من هذا الوجه. وقال البخاري ثنا آدم بن أبى ذئب عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر. قال: جمع النبي ﷺ المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة ولم
стр. 1593
يسبّح بينهما ولا على إثر واحدة منهما. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا. ثم قال: مسلم حدثني حرملة حدثني ابن وهب أخبرنى يونس عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره أن أباه. قال: جمع رسول الله بين المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة فصلى المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين فكان عبد الله يصلى بجمع كذلك حتى لحق بالله. ثم روى مسلم من حديث شعبة عن الحكم وسلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير. أنه صلى المغرب بجمع والعشاء بإقامة واحدة ثم حدث عن ابن عمر أنه صلى مثل ذلك. وحدث ابن عمر أن رسول الله ﷺ صنع مثل ذلك. ثم رواه من طريق الثوري عن سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. قال: جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة. ثم قال مسلم ثنا أبو بكر ابن أبى شيبة ثنا عبد الله بن جبير ثنا إسماعيل بن أبى خالد عن أبى إسحاق. قال قال: سعيد بن جبير أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعا فصلى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة ثم انصرف، فقال:
هكذا صلى بنا رسول الله ﷺ في هذا المكان. وقال البخاري ثنا خالد بن مخلد ثنا سليمان بن بلال حدثني يحيى بن سعيد حدثني عدي بن ثابت حدثني عبد الله بن يزيد الخطميّ حدثني أبو يزيد الأنصاري أن رسول الله ﷺ جمع في حجة الوداع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة. ورواه البخاري أيضا في المغازي عن القعنبي عن مالك ومسلم من حديث سليمان بن بلال والليث بن سعد ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عدي بن ثابت. ورواه النسائي أيضا عن الفلاس عن يحيى القطان عن شعبة عن عدي بن ثابت به. ثم قال البخاري باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما. حدثنا عمرو بن خالد ثنا زهير بن حرب ثنا أبو إسحاق سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: حج عبد الله فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبا من ذلك، فأمر رجلا فأذن وأقام ثم صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر رجلا فأذن وأقام. قال عمرو: - لا أعلم الشك إلا من زهير ثم صلى العشاء ركعتين فلما طلع الفجر. قال: إن النبي ﷺ كان لا يصلى هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. قال عبد الله هما صلاتان تحولان عن وقتهما صلاة المغرب بعد ما يأتى الناس المزدلفة والفجر حين يبرغ الفجر. قال: رأيت النبي ﷺ يفعله وهذا اللفظ وهو قوله والفجر حين يبزغ الفجر أبين وأظهر من الحديث الآخر الّذي رواه البخاري عن حفص بن عمر بن غياث عن أبيه عن الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء وصلاة الفجر قبل ميقاتها. ورواه مسلم من حديث أبى معاوية وجرير عن الأعمش به. وقال جابر في حديثه ثم اضطجع رسول الله ﷺ
стр. 1594
حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان واقامة. وقد شهد معه هذه الصلاة عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي.
قال الامام احمد ثنا هشيم ثنا ابن أبى خالد وزكريا عن الشعبي أخبرنى عروة بن مضرس. قال: أتيت النبي ﷺ وهو بجمع فقلت: يا رسول الله جئتك من جبلي طيِّئ أتعبت نفسي وأنضيت راحلتي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال: من شهد معنا هذه الصلاة يعنى صلاة الفجر بجمع ووقف معنا حتى يفيض منه. وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه. وقد رواه الامام احمد أيضا وأهل السنن الأربعة من طرق عن الشعبي عن عروة بن مضرس وقال الترمذي حسن صحيح.
فصل
وقد كان رسول الله ﷺ قدم طائفة من أهله بين يديه من الليل قبل حطمة الناس من المزدلفة الى منى. قال البخاري باب من قدم ضعفة أهله بالليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر. حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب. قال قال: سالم كان عبد الله بن عمر يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بليل فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يدفعون قبل أن يقف الامام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ . حدثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس. قال: بعثني رسول الله ﷺ من جمع بليل.
وقال البخاري ثنا على بن عبد الله ثنا سفيان أخبرنى عبد الله بن أبى يزيد سمع ابن عباس يقول:
أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله. وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرنى عطاء عن ابن عباس. قال: بعث بى رسول الله ﷺ من جمع بسحر مع ثقله. وقال الامام احمد ثنا سفيان الثوري ثنا سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس. قال: قدّمنا رسول الله أغيلمة بنى عبد المطلب على حراثنا فجعل يلطح (١) أفخاذنا بيده ويقول أبني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس. قال: ابن عباس ما أخال أحدا يرمى الجمرة حتى تطلع الشمس. وقد رواه احمد أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري فذكره. وقد رواه أبو داود عن محمد بن كثير عن الثوري به والنسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري به.
وأخرجه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة وعلى بن محمد كلاهما عن وكيع عن مسعر وسفيان الثوري كلاهما عن سلمة بن كهيل به. وقال احمد ثنا يحيى بن آدم ثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن الحكم
стр. 1595
ابن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس. قال: مر بنا رسول الله ليلة النحر وعلينا سواد من الليل فجعل يضرب أفخاذنا ويقول أبني أفيضوا لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس. ثم رواه الامام احمد من حديث المسعودي عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. قال: قدم رسول الله ﷺ ضعفة أهله من المزدلفة بليل فجعل يوصيهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس. وقال أبو داود ثنا عثمان ابن أبى شيبة ثنا الوليد بن عقبة ثنا حمزة الزيات بن حبيب عن عطاء عن ابن عباس. قال: كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفة أهله بغلس ويأمرهم - يعنى أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس -.
وكذا رواه النسائي عن محمود بن غليلان عن بشر بن السري عن سفيان عن حبيب. قال:
الطبراني وهو ابن أبى ثابت عن عطاء عن ابن عباس فخرج حمزة الزيات من عهدته وجاد اسناد الحديث والله أعلم وقد قال البخاري ثنا مسدد عن يحيي عن ابن جريج حدثني عبد الله مولى أسماء عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلى فصلت ساعة ثم قالت يا بنى هل غاب القمر قلت لا فصلت ساعة ثم قالت هل غاب القمر؟ قلت نعم! قالت فارتحلوا فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا فقالت: يا بنى إن رسول الله ﷺ أذن للظعن. ورواه مسلم من حديث ابن جريج به فان كانت أسماء بنت الصديق رمت الجمار قبل طلوع الشمس كما ذكر ها هنا عن توقيف فروايتها مقدمة على رواية ابن عباس لأن اسناد حديثها أصح من اسناد حديثه اللهمّ إلا أن يقال إن الغلمان أخف حالا من النساء وأنشط فلهذا أمر الغلمان بأن لا يرموا قبل طلوع الشمس وأذن للظعن في الرمي قبل طلوع الشمس لأنهم أثقل حالا وأبلغ في التستر والله أعلم. وإن كانت أسماء لم تفعله عن توقيف فحديث ابن عباس مقدم على فعلها. لكن يقوى الأول قول أبى داود ثنا محمد بن خلاد الباهلي ثنا يحيى عن ابن جريج أخبرنى عطاء أخبرنى مخبر عن أسماء أنها رمت الجمرة بليل قلت إنا رمينا الجمرة بليل قالت إنا كنا نصنع هذا على عهد النبي ﷺ . وقال البخاري ثنا أبو نعيم ثنا أفلح بن حميد عن القاسم عن محمد عن عائشة قالت: نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبي ﷺ سودة أن تدفع قبل حطمة الناس وكانت امرأة بطيئة فأذن لها فدفعت قبل حطمة الناس وأقمنا نحن حتى أصبحنا ثم دفعنا بدفعه فلأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة أحب إلى من مفروح به. وأخرجه مسلم عن القعنبي عن أفلح بن حميد به. وأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة به. وقال أبو داود ثنا هارون بن عبد الله ثنا ابن أبى فديك عن الضحاك - يعنى ابن عثمان - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. أنها قالت أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم الّذي يكون رسول الله ﷺ . قال
стр. 1596
أبو داود - يعنى عندها -. انفرد به أبو داود وهو اسناد جيد قوى رجاله ثقات.
ذكر تلبيته ﵇ بالمزدلفة
قال مسلم ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا أبو الأحوص عن حصين عن كثير بن مدرك عن عبد الرحمن بن يزيد. قال: قال عبد الله ونحن بجمع سمعت الّذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام، لبيك اللهمّ لبيك.
فصل
في وقوفه ﵇ بالمشعر الحرام ودفعه من المزدلفة قبل طلوع الشمس وإيضاعه في وادي محسّر قال الله تعالى ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾ الآية. وقال جابر في حديثه: فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ودفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس وراءه. وقال البخاري ثنا حجاج بن منهال ثنا شعبة عن ابن إسحاق. قال سمعت عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون أشرق ثبير، وإن رسول الله ﷺ أفاض قبل أن تطلع الشمس.
وقال البخاري ثنا عبد الله بن رجاء ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد. قال: خرجت مع عبد الله الى مكة ثم قدمنا جمعا فصلى صلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر. قائل يقول طلع الفجر وقائل يقول لم يطلع الفجر. ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب، فلا تقدم الناس جمعا حتى يقيموا وصلاة الفجر هذه الساعة ثم وقف حتى أسفر. ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنّة فلا أدرى أقوله كان أسرع أو دفع عثمان فلم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر. وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني ثنا يحيى بن محمد بن يحيى ثنا عبد الرحمن بن المبارك العبسيّ ثنا عبد الوارث بن سعيد عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة. قال: خطبنا رسول الله بعرفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من ها هنا عند غروب الشمس حتى تكون الشمس على رءوس الجبال مثل عمائم الرجال على رءوسها، هدينا مخالف لهديهم. وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رءوس الجبال مثل عمائم الرجال على رءوسها، هدينا مخالف لهديهم. قال ورواه عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن محمد
стр. 1597
ابن قيس بن مخرمة مرسلا. وقال الامام احمد ثنا أبو خالد سليمان بن حيان سمعت الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. أن رسول الله ﷺ أفاض من المزدلفة قبل طلوع الشمس وقال البخاري ثنا زهير بن حرب ثنا وهب بن جرير ثنا أبى عن يونس الأيلي عن الزهري عن عبيد الله ابن عبد الله بن عباس. أن اسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة الى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى. قال فكلاهما قال لم يزل النبي ﷺ يلبى حتى رمى جمرة العقبة. ورواه ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وروى مسلم من حديث الليث بن سعد عن أبى الزبير عن أبى معبد عن ابن عباس عن الفضل بن عباس. وكان رديف رسول الله ﷺ أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا عليكم بالسكينة وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا وهو من منى. قال:
عليكم بحصى الخذف الّذي يرمى به الجمرة. قال: ولم يزل رسول الله ﷺ يلبى حتى رمى الجمرة. وقال الحافظ البيهقي باب الإيضاع في وادي محسر. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنى أبو عمرو المقري وأبو بكر الوراق أنبأنا الحسن بن سفيان ثنا هشام بن عمار وأبو بكر بن أبى شيبة. قالا: ثنا حاتم بن إسماعيل ثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في حج النبي ﷺ . قال: حتى إذا أتى محسرا حرك قليلا. رواه مسلم في الصحيح عن أبى بكر بن شيبة. ثم روى البيهقي من حديث سفيان الثوري عن أبى الزبير عن جابر. قال: أفاض رسول الله ﷺ وعليه السكينة وأمرهم بالسكينة وأوضع في وادي محسر، وأمرهم أن يرموا الجمار بمثل حصى الخذف وقال خذوا عنى مناسككم لعلى لا أراكم بعد عامي هذا. ثم روى البيهقي من حديث الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن على عن أبيه عن عبيد الله بن أبى رافع عن على أن رسول الله ﷺ أفاض من جمع حتى أتى محسرا فقرع ناقته حتى جاوز الوادي فوقف، ثم أردف الفضل ثم أتى الجمرة فرماها. هكذا رواه مختصرا
وقد قال الامام احمد ثنا أبو احمد محمد بن عبد الله الزبيري ثنا سفيان بن عبد الرحمن بن الحارث ابن عياش بن أبى ربيعة عن زيد بن على عن أبيه عن عبيد الله بن أبى رافع عن على. قال وقف رسول الله ﷺ بعرفة فقال: إن هذا الموقف وعرفة كلها موقف وأفاض حين غابت الشمس وأردف اسامة فجعل يعنق على بعيره والناس يضربون يمينا وشمالا لا يلتفت اليهم ويقول السكينة أيها الناس ثم أتى جمعا فصلى بهم الصلاتين المغرب والعشاء ثم بات حتى أصبح ثم أتى قزح فوقف على قزح فقال هذا الموقف وجمع كلها موقف ثم سار حتى أتى محسرا فوقف عليه فقرع دابته فخبت حتى جاز الوادي ثم حبسها، ثم أردف الفضل وسار حتى أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر. فقال: هذا المنحر ومنى كلها منحر. قال واستفتته جارية شابة من خثعم. فقالت: أن أبى شيخ كبير قد أفند (١).
стр. 1598
وقد أدركته فريضة الله في الحج فهل يجزئ عنه أن أودى عنه؟ قال: نعم! فأدى عن أبيك. قال ولوى عنق الفضل فقال: له العباس يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما. قال ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن أنحر. قال أنحر ولا حرج. ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله إني أفضت قبل أن أحلق قال احلق أو قصر ولا حرج. ثم أتى البيت فطاف ثم أتى زمزم فقال: يا بنى عبد المطلب سقايتكم ولولا أن يغلبكم الناس عليها انزعت معكم. وقد رواه أبو داود عن احمد بن حنبل عن يحيى بن آدم عن سفيان الثوري. ورواه الترمذي عن بندار عن أبى احمد الزبيري. وابن ماجة عن عليّ بن محمد عن يحيى بن آدم. وقال الترمذي حسن صحيح لا نعرفه من حديث على إلا من هذا الوجه. قلت وله شواهد من وجوه صحيحة مخرجة في الصحاح وغيرها فمن ذلك قصة الخثعمية وهو في الصحيحين من طريق الفضل وتقدمت في حديث جابر وسنذكر من ذلك ما تيسر وقد حكى البيهقي باسناد عن ابن عباس أنه أنكر الاسراع في وادي محسر وقال إنما كان ذلك من الأعراب. قال: والمثبت مقدم على النافي قلت وفي ثبوته عنه نظر والله أعلم. وقد صح ذلك عن جماعة من الصحابة عن رسول الله وصح من صنيع الشيخين أبى بكر وعمر أنهما كانا يفعلان ذلك فروى البيهقي عن الحاكم عن النجاد وغيره عن أبى على محمد ابن معاذ بن المستهل المعروف بدران عن القعنبي عن أبيه عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور ابن مخرمة أن عمر كان يوضع ويقول:
إليك تعدوا قلقا وضينها … مخالف دين النصارى دينها
ذكر رميه ﵇ جمرة العقبة وحدها يوم النحر وكيف رماها ومتى رماها ومن أي موضع رماها وبكم رماها وقطعه التلبية حين رماها
قد تقدم من حديث اسامة والفضل وغيرهما من الصحابة ﵃ أجمعين أنه ﵇ لم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة. وقال البيهقي أنبأنا الامام أبو عثمان أنبأنا أبو طاهر بن خزيمة أنبأنا جدي - يعنى امام الأئمة - محمد بن إسحاق بن خزيمة ثنا على بن حجر ثنا شريك عن عامر بن شقيق عن أبى وائل عن عبد الله. قال: رمقت النبي ﷺ فلم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة. وبه عن ابن خزيمة ثنا عمر بن حفص الشيباني ثنا حفص بن غياث ثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن على بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل. قال: أفضت مع رسول الله من عرفات فلم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر حصاة. قال البيهقي وهذه زيادة غريبة ليست في الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل وان كان ابن خزيمة قد اختارها.
стр. 1599
وقال محمد بن إسحاق حدثني أبان بن صالح عن عكرمة. قال: أفضت مع الحسين بن على فما أزال أسمعه يلبى حتى رمى جمرة العقبة فلما قذفها أمسك. فقلت ما هذا فقال: رأيت أبى على بن أبى طالب يلبى حتى رمى جمرة العقبة وأخبرنى أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. وتقدم من حديث الليث عن أبى الزبير عن أبى معبد عن ابن عباس عن أخيه الفضل. أن النبي ﷺ أمر الناس في وادي محسر بحصى الخذف الّذي يرمى به الجمرة
رواه مسلم. وقال أبو العالية عن ابن عباس حدثني الفضل. قال قال لي رسول الله ﷺ غداة يوم النحر هات فألقط لي حصا فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف فوضعهن في يده فقال: بأمثال هؤلاء بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين. رواه البيهقي وقال جابر في حديثه حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي رواه مسلم.
وقال البخاري وقال جابر ﵁ رمى النبي ﷺ يوم النحر ضحى، ورمى بعدد ذلك بعد الزوال.
وهذا الحديث الّذي علقه البخاري أسنده مسلم من حديث ابن جريج أخبرنى أبو الزبير سمع جابرا. قال: رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فإذا زالت الشمس. وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد. قال: رمى عبد الله من بطن الوادي فقلت يا أبا عبد الرحمن إن ناسا يرمونها من فوقها. فقال: والّذي لا إله غيره هذا مقام الّذي أنزلت عليه سورة البقرة لفظ البخاري. وفي لفظ له من حديث شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود: أنه أتى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى بسبع. وقال هكذا أرمى الّذي أنزلت عليه سورة البقرة. ثم قال البخاري باب من رمى الحمار بسبع يكبر مع كل حصاة قاله ابن عمر عن النبي ﷺ وهذا إنما يعرف في حديث جابر من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر كما تقدم أنه أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف. وقد روى البخاري في هذه الترجمة من حديث الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ثم قال من ها هنا والّذي لا إله غيره قام الّذي أنزلت عليه سورة البقرة.
وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرنى أبو الزبير سمع جابر بن عبد الله. قال: رأيت رسول الله يرمى الجمرة بسبع مثل حصى الخذف.
وقال الامام احمد ثنا يحيى بن زكريا ثنا حجاج عن الحكم عن أبى القاسم - يعنى مقسما - عن ابن عباس. أن النبي ﷺ رمى الجمرة جمرة العقبة يوم النحر راكبا. ورواه الترمذي عن احمد بن منيع عن يحيى ابن زكريا بن أبى زائدة وقال حسن. وأخرجه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن أبى خالد
стр. 1600
الأحمر عن الحجاج بن أرطاة به.
وقد روى احمد وأبو داود وابن ماجة والبيهقي من حديث يزيد ابن زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه أم جندب الأزدية. قالت: رأيت رسول الله ﷺ يرمى الجمار من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة ورجل من خلفه يستره فسألت عن الرجل فقالوا الفضل بن عباس فازدحم الناس. فقال النبي ﷺ : يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا رميتم الجمرة فارموه بمثل حصى الخذف. لفظ أبى داود وفي رواية له قالت: رأيته عند جمرة العقبة راكبا ورأيت بين أصابعه حجرا فرمى ورمى الناس ولم يقم عندها. ولابن ماجة قالت:
رأيت رسول الله ﷺ يوم النحر عند جمرة العقبة وهو راكب على بغلة. وذكر الحديث وذكر البغلة ها هنا غريب جدا.
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث ابن جريج أخبرنى أبو الزبير سمعت جابر بن عبد الله يقول: رأيت رسول الله ﷺ يرمى الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول لتأخذوا مناسككم فإنّي لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتي هذه.
وروى مسلم أيضا من حديث زيد ابن أبى أنيسة عن يحيى بن الحصين عن جدته أم الحصين سمعتها تقول: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته يوم النحر وهو يقول:
لتأخذوا مناسككم فإنّي لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتي هذه. وفي رواية قالت حججت مع رسول الله حجة الوداع فرأيت اسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. وقال الامام احمد ثنا أبو احمد محمد بن عبد الله الزبيري ثنا أيمن بن نابل ثنا قدامة بن عبد الله الكلابي. أنه رأى رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر على ناقة له صهباء، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. ورواه احمد أيضا عن وكيع ومعتمر ابن سليمان وأبى قرة موسى بن طارق الزبيدي ثلاثتهم عن أيمن بن نائل به. ورواه أيضا عن أبى قرة عن سفيان الثوري عن أيمن. وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث وكيع به. ورواه الترمذي عن احمد بن منيع عن مروان بن معاوية عن أيمن بن نابل به. وقال هذا حديث حسن صحيح.
وقال الامام احمد ثنا نوح بن ميمون ثنا عبد الله - يعنى العمرى - عن نافع قال كان ابن عمر برمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان لا يأتى سائرها بعد ذلك إلا ماشيا. وزعم أن النبي ﷺ كان لا يأتيها إلا ماشيا ذاهبا وراجعا. ورواه أبو داود عن القعنبي عن عبد الله العمرى به.
فصل
قال جابر ثم انصرف الى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها.
стр. 1601
وسنتكلم على هذا الحديث.
وقال الامام احمد بن حنبل ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن حميد الأعرج عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب النبي ﷺ :
قال: خطب النبي ﷺ بمنى ونزّلهم منازلهم فقال: لينزل المهاجرون ها هنا وأشار الى ميمنة القبلة والأنصار ها هنا وأشار إلى ميسرة القبلة. ثم لينزل الناس حولهم. قال: وعلمهم مناسكهم ففتحت أسماع أهل منى حتى سمعوه في منازلهم. قال فسمعته يقول: أرموا الجمرة بمثل حصى الخذف. وكذا رواه أبو داود عن احمد بن حنبل الى قوله ثم لينزل الناس حولهم. وقد رواه الامام احمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه، وأبو داود عن مسدد عن عبد الوارث، وابن ماجة من حديث ابن المبارك عن عبد الوارث عن حميد بن قيس الأعرج عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمن ابن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كأنا نسمع ما يقول الحديث. ذكر جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ أشرك على بن أبى طالب في الهدى وأن جماعة الهدى الّذي قدم به عليّ من اليمن والّذي جاء به رسول الله ﷺ مائة من الإبل، وأن رسول الله ﷺ نحر بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة. قال: ابن حبان وغيره وذلك مناسب لعمره ﵇ فإنه كان ثلاثا وستين سنة. وقد قال الامام احمد ثنا يحيى بن آدم ثنا زهير ثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. قال: نحر رسول الله ﷺ في الحج مائة بدنة نحر منها بيده ستين وأمر ببقيتها فنحرت وأخذ من كل بدنة بضعة فجمعت في قدر فأكل منها وحسي من مرقها. قال: ونحر يوم الحديبيّة سبعين فيها جمل أبى جهل فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها. وقد روى ابن ماجة بعضه عن أبى بكر بن أبى شيبة وعلى بن محمد عن وكيع عن سفيان الثوري عن ابن أبى ليلى به. وقال الامام احمد ثنا يعقوب ثنا أبى عن محمد بن إسحاق حدثني رجل عن عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس. قال: أهدى رسول الله في حجة الوداع مائة بدنة نحر منها ثلاثين بدنة بيده ثم أمر عليا فنحر ما بقي منها. وقال قسم - لحومها وجلودها وجلالها بين الناس، ولا تعطين جزارا منها شيئا وخذ لنا من كل بعير جدية من لحم، واجعلها في قدر واحدة حتى نأكل من لحمها ونحسو من مرقها ففعل.
وثبت في الصحيحين من حديث مجاهد عن ابن أبى ليلى عن عليّ. قال: أمرنى رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها وأن لا أعطى الجزار منها شيئا وقال نحن نعطيه من عندنا.
وقال أبو داود ثنا محمد بن حاتم ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا عبد الله بن المبارك عن حرملة بن عمران عن عبد الله بن الحارث الأزدي سمعت عرفة بن الحارث الكندي. قال شهدت رسول الله ﷺ وأتى بالبدن فقال: أدع لي أبا حسن فدعى له عليّ. فقال: خذ بأسفل الحربة وأخذ رسول الله ﷺ
стр. 1602
بأعلاها ثم طعنا بها البدن، فلما فرغ ركب بغلته وأردف عليا. تفرد به أبو داود وفي اسناده ومتنه غرابة والله أعلم.
وقال الامام احمد حدثنا احمد بن الحجاج أنبأنا عبد الله أنبأنا الحجاج بن أرطاة عن الحكم عن أبى القاسم - يعنى مقسما - عن ابن عباس. قال: رمى رسول الله ﷺ جمرة العقبة ثم ذبح ثم حلق. وقد ادعى ابن حزم أنه ضحى عن نسائه بالبقر وأهدى بمنى بقرة وضحى هو بكبشين أملحين.
صفة حلقه رأسه الكريم عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم
قال الامام احمد ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ حلق في حجته. ورواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - عن عبد الرزاق.
وقال البخاري ثنا أبو اليمان ثنا شعيب قال قال نافع كان عبد الله بن عمر يقول: حلق رسول الله ﷺ في حجته. ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة عن نافع به.
وقال البخاري ثنا عبد الله بن محمد ابن أسماء ثنا جويرية بن أسماء عن نافع أن عبد الله بن عمر. قال: حلق رسول الله ﷺ وطائفة من أصحابه وقصر بعضهم.
ورواه مسلم من حديث الليث عن نافع به وزاد قال عبد الله قال: رسول الله ﷺ يرحم الله المحلقين مرة أو مرتين. قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين. وقال مسلم ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا وكيع وأبو داود الطيالسي عن يحيى بن الحصين عن جدته أنها سمعت رسول الله في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة ولم يقل وكيع في حجة الوداع. وهكذا روى هذا الحديث مسلم من حديث مالك وعبد الله (١) عن نافع عن ابن عمر وعمارة عن أبى زرعة عن أبى هريرة والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة.
وقال مسلم ثنا يحيى بن يحيى ثنا حفص ابن غياث عن هشام عن ابن سيرين عن أنس بن مالك. أن رسول الله ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر. ثم قال للحلاق: خذ وأشار الى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس. وفي رواية أنه حلق شقه الأيمن فقسمه بين الناس من شعرة وشعرتين وأعطى شقه الأيسر لأبى طلحة. وفي رواية له أنه أعطى الأيمن لأبى طلحة وأعطاه الأيسر وأمره أن يقسمه بين الناس. وقال الامام احمد حدثنا سليمان بن حرب ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس.
قال: رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه وقد أطاف به أصحابه ما يريدون أن يقع شعرة إلا في يد رجل. انفرد به احمد.
فصل
ثم لبس ﵇ ثيابه وتطيب بعد ما رمى جمرة العقبة ونحر هديه وقبل أن يطوف بالبيت
стр. 1603
طيبته عائشة أم المؤمنين.
قال البخاري ثنا على بن عبد الله بن المديني ثنا سفيان - هو ابن عيينة - ثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد وكان أفضل أهل زمانه. أنه سمع أباه وكان أفضل أهل زمانه يقول: إنه سمع عائشة تقول طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها.
وقال مسلم ثنا يعقوب الدورقي واحمد بن منيع. قالا: ثنا هشيم أنبأنا منصور عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ قبل أن يحرم ويحل يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك.
وروى النسائي من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة. قالت: طيبت رسول الله لحرمة حين أحرم ولحله بعد ما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت.
وقال الشافعيّ أنبأنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم. قال قالت: عائشة أنا طيبت رسول الله لحله وإحرامه.
ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن عائشة فذكره. وفي الصحيحين من حديث ابن جريج أخبرنى عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبرا عن عائشة. أنها قالت: طيبت رسول الله بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام. ورواه مسلم من حديث الضحاك بن عثمان عن أبى الرحال عن أمه عمرة عن عائشة به. وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الحسن العوفيّ عن ابن عباس. أنه قال: إذا رميتم الجمرة فقد حللتم من كل شيء كان عليكم حراما إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت. فقال رجل والطيب يا أبا العباس فقال له. إني رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك أفطيب هو أم لا؟
وقال محمد بن إسحاق حدثني أبو عبيدة عن عبد الله بن زمعة عن أبيه وأمه زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت: كانت الليلة التي يدور فيها رسول الله ﷺ ليلة النحر فكان رسول الله عندي فدخل وهب بن زمعة ورجل من آل أبى أمية متقمصين. فقال لهما رسول الله ﷺ : أفضتما قالا لا. قال فانزعا قميصكما فنزعاهما. فقال: له وهب ولم يا رسول الله؟ فقال هذا يوم أرخص لكم فيه إذا رميتم الجمرة ونحرتم هديا إن كان لكم فقد حللتم من كل شيء حرمتم منه إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت فإذا رميتم ولم تفيضوا صرتم حرما كما كنتم أول مرة حتى تطوفوا بالبيت.
وهكذا رواه أبو داود عن احمد بن حنبل ويحيى بن معين كلاهما عن ابن أبى عدي عن ابن إسحاق فذكره. وأخرجه البيهقي عن الحاكم عن أبى بكر بن أبى إسحاق عن أبى المثنى العنبري عن يحيى بن معين وزاد في آخره. قال أبو عبيدة وحدثتني أم قيس بنت محصن. قالت: خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بنى أسد متقمصين عشية يوم النحر ثم رجعوا إلينا عشيا وقمصهم على أيديهم يحملونها فسألتهم فأخبروها بمثل ما قال رسول الله ﷺ لوهب بن زمعة وصاحبه وهذا الحديث غريب جدا لا أعلم أحدا من العلماء قال به.
стр. 1604
ذكر إفاضته ﵇ الى البيت العتيق
قال جابر ثم ركب رسول الله ﷺ الى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بنى عبد المطلب وهم يسقون على زمزم. فقال: انزعوا بنى عبد المطلب فلولا أن تغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه. رواه مسلم ففي هذا السياق ما يدل على أنه ﵇ ركب الى مكة قبل الزوال فطاف بالبيت ثم لما فرغ صلى الظهر هناك. وقال مسلم أيضا أخبرنا محمد بن رافع أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وهذا خلاف حديث جابر وكلاهما عند مسلم، فإن عللنا بهما أمكن أن يقال إنه ﵇ صلى الظهر بمكة ثم رجع الى منى فوجد الناس ينتظرونه فصلى بهم والله أعلم. ورجوعه ﵇ الى منى في وقت الظهر ممكن لأن ذلك الوقت كان صيفا والنهار طويل وإن كان قد صدر منه ﵇ أفعال كثيرة في صدر هذا النهار فإنه دفع فيه من المزدلفة بعد ما أسفر الفجر جدا ولكنه قبل طلوع الشمس، ثم قدم منى فبدأ برمي جمرة العقبة بسبع حصيات. ثم جاء فنحر بيده ثلاثا وستين بدنة ونحر عليّ بقية المائة، ثم أخذت من كل بدنة بضعة ووضعت في قدر وطبخت حتى نضجت فأكل من ذلك اللحم وشرب من ذلك المرق. وفي غبون (١) ذلك حلق رأسه ﵇ وتطيب، فلما فرغ من هذا كله ركب الى البيت وقد خطب ﵇ في هذا اليوم خطبة عظيمة ولست أدرى أكانت قبل ذهابه الى البيت أو بعد رجوعه منه الى منى فالله أعلم. والقصد أنه ركب الى البيت فطاف به سبعة أطواف راكبا ولم يطف بين الصفا والمروة كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر وعائشة ﵄، ثم شرب من ماء زمزم ومن نبيذ تمر من ماء زمزم. فهذا كله مما يقوى قول من قال: إنه ﵇ صلى الظهر بمكة كما رواه جابر. ويحتمل أنه رجع الى منى في آخر وقت الظهر فصلى بأصحابه بمنى الظهر أيضا. وهذا هو الّذي أشكل على ابن حزم فلم يدر ما يقول فيه وهو معذور لتعارض الروايات الصحيحة فيه والله أعلم.
وقال أبو داود ثنا على بن بحر وعبد الله بن سعيد المعنى. قالا: ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع الى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمى الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. قال: ابن حزم فهذا جابر وعائشة قد اتفقا على أنه ﵇ صلى الظهر يوم النحر بمكة وهما والله أعلم أضبط لذلك من ابن عمر. كذا قال وليس بشيء فإن رواية عائشة هذه ليست ناصة أنه
стр. 1605
﵇ صلى الظهر بمكة بل محتملة إن كان المحفوظ في الرواية حتى صلى الظهر وإن كانت الرواية حين صلى الظهر وهو الأشبه فان ذلك دليل على أنه ﵇ صلى الظهر بمنى قبل أن يذهب الى البيت وهو محتمل والله أعلم. وعلى هذا فيبقى مخالفا لحديث جابر فان هذا يقتضي أنه صلى الظهر بمنى قبل أن يركب الى البيت وحديث جابر يقتضي أنه ركب الى البيت قبل أن يصلى الظهر وصلاها بمكة. وقد قال البخاري وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس أخر النبي ﷺ يعنى طواف الزيارة الى الليل - وهذا والّذي علقه البخاري فقد
رواه الناس من حديث يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وفرج بن ميمون عن سفيان الثوري عن أبى الزبير عن عائشة وابن عباس: أن النبي ﷺ أخر الطواف يوم النحر الى الليل. ورواه أهل السنن الأربعة من حديث سفيان به. وقال الترمذي حسن. وقال الامام احمد حدثنا محمد بن عبد الله ثنا سفيان عن أبى الزبير عن عائشة وابن عمر: أن رسول الله ﷺ وسلّم زار ليلا. فإن حمل هذا على أنه أخر ذلك الى ما بعد الزوال كأنه يقول الى العشي صح ذلك. وأما إن حمل على ما بعد الغروب فهو بعيد جدا ومخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة من أنه ﵇ طاف يوم النحر نهارا، وشرب من سقاية زمزم. وأما الطواف الّذي ذهب في الليل الى البيت بسببه فهو طواف الوداع. ومن الرواة من يعبر عنه بطواف الزيارة كما سنذكره إن شاء الله. أو طواف زيارة محضة قبل طواف الوداع وبعد طواف الصدر الّذي هو طواف الفرض. وقد ورد حديث سنذكره في موضعه. أن رسول الله كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى وهذا بعيد أيضا والله أعلم.
وقد روى الحافظ البيهقي من حديث عمرو ابن قيس عن عبد الرحمن عن القاسم عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله أذن لأصحابه فزار والبيت يوم النحر ظهيرة وزار رسول الله ﷺ مع نسائه ليلا. وهذا حديث غريب جدا أيضا وهذا قول طاوس وعروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ أخر الطواف يوم النحر الى الليل. والصحيح من الروايات وعليه الجمهور أنه ﵇ طاف يوم النحر بالنهار والأشبه أنه كان قبل الزوال ويحتمل أن يكون بعده والله أعلم.
والمقصود أنه ﵇ لما قدم مكة طاف بالبيت سبعا وهو راكب ثم جاء زمزم وبنو عبد المطلب يستقون منها ويسقون الناس، فتناول منها دلوا فشرب منه وأفرغ عليه منه. كما
قال:
مسلم أخبرنا محمد بن منهال الضرير ثنا يزيد بن زريع ثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني سمع ابن عباس يقول وهو جالس معه عند الكعبة: قدم النبي ﷺ على راحلته وخلفه اسامة فأتيناه بإناء فيه نبيذ فشرب وسقى فضله اسامة. وقال: أحسنتم وأجملتم هكذا فاصنعوا. قال ابن عباس فنحن لا نريد أن نغير ما أمر به رسول الله ﷺ . وفي رواية عن بكر أن أعرابيا قال لابن عباس:
стр. 1606
ما لي أرى بنى عمكم يسقون اللبن والعسل وأنتم تسقون النبيذ، أمن حاجة بكم أم من بخل؟ فذكر له ابن عباس هذا الحديث.
وقال احمد حدثنا روح ثنا حماد عن حميد عن بكر عن عبد الله أن أعرابيا قال لابن عباس. ما شأن آل معاوية يسقون الماء والعسل، وآل فلان يسقون اللبن، وأنتم تسقون النبيذ. أمن بخل بكم أم حاجة؟ فقال ابن عباس ما بنا بخل ولا حاجة ولكن رسول الله ﷺ جاءنا ورديفه اسامة بن زيد فاستسقى فسقيناه من هذا - يعنى نبيذ السقاية - فشرب منه وقال أحسنتم هكذا فاصنعوا. ورواه احمد عن روح ومحمد بن بكر عن ابن جريج عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وداود بن على بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس فذكره.
وروى البخاري عن إسحاق بن سليمان عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس. أن رسول الله جاء إلى السقاية فاستقى، فقال: العباس يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله بشراب من عندها. فقال:
اسقني! فقال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: اسقني! فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها. فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح. ثم قال لولا أن تغلبوا لنزعت حتى أضع الحبل على هذه - يعنى عاتقه - وأشار اليه عاتقه. وعنده من حديث عاصم عن الشعبي أن ابن عباس قال: سقيت النبي ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم. قال عاصم فحلف عكرمة - ما كان يومئذ إلا على بعير. وفي رواية ناقته.
وقال الامام احمد ثنا هشيم ثنا يزيد بن أبى زياد عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت وهو على بعير واستلم الحجر بمحجن كان معه. قال وأتى السقاية فقال: اسقوني! فقالوا إن هذا يخوضه الناس ولكنا نأتيك به من البيت. فقال: لا حاجة لي فيه اسقوني مما يشرب الناس. وقد روى أبو داود عن مسدد عن خالد الطحان عن يزيد بن أبى زياد عن عكرمة عن ابن عباس. قال: قدم رسول الله مكة ونحن نستقى فطاف على راحلته الحديث. وقال الامام احمد حدثنا روح وعفان. قالا: ثنا حماد عن قيس وقال عفان في حديثه أنبأنا قيس عن مجاهد عن ابن عباس. أنه قال: جاء النبي ﷺ إلى زمزم فنزعنا له دلوا فشرب، ثم مج فيها ثم أفر - غناها في زمزم. ثم قال: لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي - انفرد به احمد واسناده على شرط مسلم.
فصل
ثم إنه ﷺ لم يعد الطواف بين الصفا والمروة مرة ثانية بل اكتفى بطوافه الأول. كما
روى مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج أخبرنى أبو الزبير سمعت جابر بن عبد الله يقول: لم يطف النبي ﷺ وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا. قلت والمراد بأصحابه ها هنا الذين ساقوا الهدى وكانوا قارنين. كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ . قال لعائشة: - وكانت أدخلت
стр. 1607
الحج على العمرة فصارت قارنة -: يكفيك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك. وعند أصحاب الامام احمد أن قول جابر وأصحابه عام في القارنين والمتمتعين. ولهذا نص الامام احمد على أن المتمتع يكفيه طواف واحد عن حجه وعمرته وان تحلل بينهما تحلل. وهو قول غريب مأخذه ظاهر عموم الحديث والله أعلم. وقال أصحاب أبى حنيفة في المتمتع كما قال المالكية والشافعية إنه يجب عليه طوافان وسعيان حتى طردت الحنفية ذلك في القارن وهو من افراد مذهبهم أنه يطوف طوافين ويسعى سعيين ونقلوا ذلك عن على موقوفا. وروى عنه مرفوعا الى النبي ﷺ وقد قدمنا الكلام على ذلك كله عند الطواف وبينا أن أسانيد ذلك ضعيفة مخالفة للأحاديث الصحيحة والله أعلم.
فصل
ثم رجع ﵇ الى منى بعد ما صلى الظهر بمكة كما دل عليه حديث جابر. وقال: ابن عمر رجع فصلى الظهر بمنى رواهما مسلم كما تقدم قريبا ويمكن الجمع بينهما بوقوع ذلك بمكة وبمنى والله أعلم وتوقف ابن حزم في هذا المقام فلم يجزم فيه بشيء وهو معذور لتعارض النقلين الصحيحين فيه فالله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع الى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمى الجمرات إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ورواه أبو داود منفردا به. وهذا يدل على أن ذهابه ﵇ الى مكة يوم النحر كان بعد الزوال. وهذا ينافي حديث ابن عمر قطعا وفي منافاته لحديث جابر نظر والله أعلم.
فصل
وقد خطب رسول الله ﷺ في هذا اليوم الشريف خطبة عظيمة تواترت بها الأحاديث ونحن نذكر منها ما يسره الله .
قال البخاري باب الخطبة أيام منى. حدثنا على بن عبد الله ثنا يحيى بن سعيد ثنا فضيل بن غزوان ثنا عكرمة عن ابن عباس. أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر. فقال: يا أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا يوم حرام قال: فأى بلد هذا؟ قالوا بلد حرام.
قال: فأى شهر هذا؟ قالوا شهر حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. قال فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال: اللهمّ هل بلغت اللهمّ قد بلغت قال: ابن عباس فو الّذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته - فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ورواه الترمذي عن الفلاس عن يحيى القطان به. وقال حسن صحيح.
وقال البخاري أيضا حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو عامر ثنا قرة عن محمد بن سيرين
стр. 1608
أخبرنى عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن حميد بن عبد الرحمن عن أبى بكرة ﵁. قال خطبنا النبي ﷺ يوم النحر فقال: أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس هذا يوم النحر قلنا بلى! قال: أي شهر هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال:
أليس ذو الحجة قلنا بلى! قال: أي بلد هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس بالبلدة الحرام قلنا بلى! قال: فان دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم. ألا هل بلغت قالوا نعم! قال: اللهمّ اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.
ورواه البخاري ومسلم من طرق عن محمد بن سيرين به. ورواه مسلم من حديث عبد الله بن عون عن ابن سيرين عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه فذكره. وزاد في آخره ثم انكفأ الى كبشين أملحين فذبحهما والى جذيعة من الغنم فقسمها بيننا.
وقال الامام احمد ثنا إسماعيل أنبأنا أيوب عن محمد بن سيرين عن أبى بكرة. أن رسول الله ﷺ خطب في حجته فقال: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنى عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الّذي بين جمادى وشعبان. ثم قال: ألا أي يوم هذا! قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر قلنا بلى! ثم قال أي شهر هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس ذا الحجة قلنا بلى! ثم قال أي بلد هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليست البلدة قلنا بلى! قال: فان دماءكم وأموالكم - لأحسبه - قال وإعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت. ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه. هكذا وقع في مسند الامام احمد عن محمد بن سيرين عن أبى بكرة. وهكذا رواه أبو داود عن مسدد. والنسائي عن عمرو بن زرارة كلاهما عن إسماعيل - وهو ابن علية - عن أيوب عن ابن سيرين عن أبى بكرة به. وهو منقطع لأن صاحبا الصحيح أخرجاه من غير وجه عن أيوب وغيره عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه به.
وقال البخاري أيضا ثنا محمد ابن المثنى ثنا يزيد بن هارون أنبأنا عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر. قال قال النبي ﷺ بمنى: أتدرون أي يوم هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: فان هذا يوم حرام، أفتدرون أي بلد هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: بلد حرام. قال: أفتدرون أي شهر هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم.
стр. 1609
قال: شهر حرام. قال: فان الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. وقد أخرجه البخاري في أماكن متفرقة من صحيحه وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن جده عبد الله بن عمر فذكره
قال البخاري. وقال هشام بن الغاز أخبرنى نافع عن ابن عمر وقف النبي ﷺ يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا. وقال هذا يوم الحج الأكبر فطفق النبي ﷺ يقول: اللهمّ اشهد وودع الناس فقالوا هذه حجة الوداع. وقد أسند هذا الحديث أبو داود عن مؤمل بن الفضل عن الوليد بن مسلم. وأخرجه ابن ماجة عن هشام بن عمار عن صدقة بن خالد كلاهما عن هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشى أبى العباس الدمشقيّ به (١). وقيامه ﵇ بهذه الخطبة عند الجمرات يحتمل أنه بعد رميه الجمرة يوم النحر وقبل طوافه. ويحتمل أنه بعد طوافه ورجوعه الى منى ورميه بالجمرات لكن يقوى الأول ما رواه النسائي حيث قال: حدثنا عمرو بن هشام الحراني ثنا محمد بن سلمة عن أبى عبد الرحيم عن زيد بن أبى أنيسة عن يحيى بن حصين الأحمسي عن جدته أم حصين قالت: حججت في حجة النبي ﷺ فرأيت بلالا آخذا بقود راحلته وأسامة بن زيد رافع عليه ثوبه يظله من الحر وهو محرم حتى رمى جمرة العقبة. ثم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وذكر قولا كثيرا. وقد رواه مسلم من حديث زيد بن أبى أنيسة عن يحيى بن الحصين عن جدته أم الحصين قالت حججت مع رسول الله حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. قالت فقال: رسول الله قولا كثيرا. ثم سمعته يقول: إن أمر عليكم عبد مجدع - حسبتها - قالت أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا.
وقال الامام احمد ثنا محمد بن عبيد الله ثنا الأعمش عن أبى صالح - وهو - ذكوان السمان عن جابر. قال خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: أي يوم أعظم حرمة؟ قالوا يومنا هذا. قال: أي شهر أعظم حرمة؟ قالوا شهرنا هذا.
قال: أي بلد أعظم حرمة؟ قالوا بلدنا هذا. قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا هل بلغت قالوا نعم. قال اللهمّ اشهد. انفرد به احمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيحين. ورواه أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى معاوية عن الأعمش به. وقد تقدم حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في خطبته ﵇ يوم عرفة فالله أعلم. قال: الامام احمد ثنا على بن بحر ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد الخدريّ. قال قال:
رسول الله ﷺ في حجة الوداع فذكر معناه. وقد رواه ابن ماجة عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس به وإسناده على شرط الصحيحين فالله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا أبو هشام
стр. 1610
ثنا حفص عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة وأبى سعيد. أن رسول الله ﷺ خطب فقال أي يوم هذا؟ قالوا يوم حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ثم قال البزار رواه أبو معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة وأبى سعيد. وجمعهما لنا أبو هشام عن حفص بن غياث عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة وأبى سعيد قلت وتقدم رواية أحمد له عن محمد بن عبيد الطنافسي عن الأعمش عن أبى صالح عن جابر ابن عبد الله فلعله عند أبى صالح عن الثلاثة والله أعلم.
وقال هلال بن يساف عن سلمة بن قيس الأشجعي. قال قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: إنما هن أربع، لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تسرقوا. قال فما أنا بأشح عليهنّ منى حين سمعتهن من رسول الله ﷺ . وقد رواه احمد والنسائي من حديث منصور عن هلال بن يساف. وكذلك رواه سفيان بن عيينة والثوري عن منصور. وقال ابن حزم في حجة الوداع.
حدثنا احمد بن عمر ابن أنس العذري ثنا أبو ذر عبد الله بن احمد الهروي الأنصاري ثنا احمد بن عبدان الحافظ بالأهواز ثنا سهل بن موسى بن شيرزاد ثنا موسى بن عمرو بن عاصم ثنا أبو العوام ثنا محمد بن جحادة عن زياد بن علاقة عن اسامة بن شريك. قال: شهدت رسول الله في حجة الوداع وهو يخطب وهو يقول: أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك قال فجاء قوم فقالوا يا رسول الله قبلنا بنو يربوع فقال رسول الله ﷺ لا تجنى نفس على أخرى ثم سأله رجل نسي أن يرمى الجمار. فقال: ارم ولا حرج.
ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله نسيت الطواف فقال طف ولا حرج. ثم أتاه آخر حلق قبل أن يذبح قال: اذبح ولا حرج. فما سألوه يومئذ عن شيء إلا قال لا حرج لا حرج. ثم قال: قد أذهب الله الحرج إلا رجلا اقترض امرأ مسلما فذلك الّذي حرج وهلك. وقال ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء إلا الهرم. وقد روى الامام احمد وأهل السنن بعض هذا السياق من هذه الطريق. وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال الامام احمد ثنا حجاج حدثني شعبة عن على بن مدرك سمعت أبا زرعة يحدث عن جرير وهو جده عن النبي ﷺ . قال: في حجة الوداع يا جرير استنصت الناس.
ثم قال: في خطبته لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ثم رواه احمد عن غندر وعن ابن مهدي كل منهما عن شعبة به. وأخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به.
وقال احمد ثنا ابن نمير ثنا إسماعيل عن قيس قال بلغنا أن جريرا قال قال رسول الله: استنصت الناس ثم قال عند ذلك لا أعرفن بعد ما أرى ترجعون كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ورواه النسائي من حديث عبد الله بن نمير به.
وقال النسائي ثنا هناد بن السري عن أبى الأحوص عن ابن غرقدة عن سليمان بن عمرو عن أبيه. قال شهدت رسول الله في حجة الوداع يقول: أيها الناس ثلاث مرات
стр. 1611
أي يوم هذا قالوا يوم الحج الأكبر. قال: فان دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ولا يجنى جان على والده، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى، ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية يوضع لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. وذكر تمام الحديث. وقال أبو داود باب من قال يخطب يوم النحر. حدثنا هارون بن عبد الله ثنا هشام بن عبد الملك ثنا عكرمة - هو ابن عمار - ثنا الهرماس بن زياد الباهلي قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى. ورواه احمد والنسائي من غير وجه عن عكرمة بن عمار عن الهرماس. قال: كان أبى مرد في فرأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى يوم النحر على ناقته العضباء. لفظ احمد وهو من ثلاثيات المسند ولله الحمد. ثم قال أبو داود ثنا مؤمل بن الفضل الحراني ثنا الوليد ثنا ابن جابر ثنا سليم بن عامر سمعت أبا أمامة يقول: سمعت خطبة رسول الله ﷺ بمنى يوم النحر.
وقال الامام احمد ثنا عبد الرحمن عن معاوية بن صالح عن سليم بن عامر الكلاعي. سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله ﷺ وهو يومئذ على الجدعاء واضع رجليه في الغرز يتطاول ليسمع الناس. فقال بأعلى صوته ألا تسمعون؟ فقال رجل من طوائف الناس: يا رسول الله ماذا تعهد إلينا فقال «اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأطيعوا إذا أمرتم تدخلوا جنة ربكم» فقلت يا أبا أمامة مثل من أنت يومئذ. قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة أزاحم البعير أزحزحه قدما لرسول الله ﷺ . ورواه احمد أيضا عن زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح وأخرجه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكوفي عن زيد بن الحباب. وقال حسن صحيح
قال الامام احمد ثنا أبو المغيرة ثنا إسماعيل بن عباس ثنا شرحبيل بن مسلم الخولانيّ سمعت ابا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر وحسابهم على الله. ومن ادعى الى غير أبيه أو انتمى الى غير مواليه فعليه لعنة الله التابعة الى يوم القيامة، لا تنفق امرأة من بيتها إلا بأذن زوجها. فقيل يا رسول الله ولا الطعام. قال: ذاك أفضل أموالنا. ثم قال رسول الله: العارية مؤداة والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم. ورواه أهل السنن الأربعة من حديث إسماعيل بن عياش وقال الترمذي حسن. ثم قال أبو داود ﵀ باب متى يخطب يوم النحر. حدثنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم الدمشقيّ ثنا مروان عن هلال بن عامر المزني حدثني رافع بن عمرو المزني. قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء وعلى يعبر عنه والناس بين قائم وقاعد. ورواه النسائي عن دحيم عن مروان الفزاري به. وقال الامام احمد حدثنا أبو معاوية ثنا هلال بن عامر المزني عن أبيه. قال: رأيت
стр. 1612
رسول الله يخطب الناس بمنى على بغلة وعليه برد أحمر. قال: ورجل من أهل بدر بين يديه يعبر عنه. قال: فجئت حتى أدخلت يدي بين قدمه وشراكه. قال: فجعلت أعجب من بردها. حدثنا محمد بن عبيد ثنا شيخ من بنى فزارة عن هلال بن عامر المزني عن أبيه. قال: رأيت رسول الله على بغلة شهباء وعليّ يعبر عنه. ورواه أبو داود من حديث أبى معاوية عن هلال بن عامر. ثم قال ابو داود باب ما يذكر الامام في خطبته بمنى حدثنا مسدد ثنا عبد الوارث عن حميد الأعرج عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي. قال: خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى ففتحت اسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار فوضع السباحتين ثم قال حصى الخذف. ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد ثم نزل الناس بعد ذلك. وقد رواه احمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه. وأخرجه النسائي من حديث ابن المبارك عن عبد الوارث كذلك. وتقدم رواية الامام احمد له عن عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من الصحابة فالله أعلم.
وثبت في الصحيحين من حديث ابن جريج عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ بينا هو يخطب يوم النحر فقام اليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا وكذا. ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا. فقال: رسول الله ﷺ افعل ولا حرج. وأخرجاه من حديث مالك. زاد مسلم ويونس عن الزهري به وله ألفاظ كثيرة ليس هذا موضع استقصائها. ومحله كتاب الأحكام وبالله المستعان وفي لفظ الصحيحين.
قال فما سئل رسول الله ﷺ في ذلك اليوم عن شيء قدم وإلا أخر إلا قال: افعل ولا حرج.
فصل
ثم نزل ﵇ بمنى حيث المسجد اليوم فيما يقال وأنزل المهاجرين يمنته والأنصار يسرته والناس حولهم من بعدهم.
وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا على بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة ثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري ثنا عبيد الله بن موسى أنبأنا إسرائيل عن إبراهيم ابن مهاجر عن يوسف بن ماهك عن أم مسيكة عن عائشة. قال: قيل يا رسول الله ألا نبنى لك بمنى بناء يظلك. قال: لا منى مناخ من سبق. وهذا إسناد لا بأس به وليس هو في المسند ولا في الكتب الستة من هذا الوجه. وقال أبو داود ثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي ثنا يحيى عن ابن جريج أو أبو حريز الشك من يحيى أنه سمع عبد الرحمن بن فروخ يسأل ابن عمر قال إنا نتبايع بأموال الناس فيأتى أحدنا مكة فيبيت على المال فقال: أما رسول الله ﷺ فبات بمنى وظل. انفرد به أبو داود.
стр. 1613
ثم قال: أبو داود ثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا ابن نمير وأبو اسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال استأذن العباس رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن نمير زاد البخاري وأبى ضمرة أنس بن عياض زاد مسلم وأبى أسامة حماد بن أسامة. وقد علقه البخاري عن أبى اسامة وعقبة بن خالد كلهم عن عبيد الله ابن عمر به. وقد كان ﷺ يصلى بأصحابه بمنى ركعتين كما ثبت عنه ذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود وحارثة بن وهب ﵄. ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أن سبب هذا القصر النسك كما هو قول طائفة من المالكية وغيرهم. قالوا ومن قال: إنه ﵇ كان يقول بمنى لأهل مكة أتموا فإنا قوم سفر فقد غلط إنما قال: ذلك رسول الله ﷺ عام الفتح وهو نازل بالأبطح كما تقدم والله أعلم. وكان ﷺ يرمى الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام منى بعد الزوال كما قال جابر فيما تقدم ماشيا كما قال ابن عمر فيما سلف كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ويقف عند الأولى وعند الثانية يدعو الله ولا يقف عند الثالثة.
قال أبو داود ثنا على بن بحر وعبد الله ابن سعيد المعنى قالا ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع الى منى فمكث بها أيام التشريق يرمى الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة ويقف عند الاولى والثانية فيطيل المقام ويتضرع ويرمى الثالثة لا يقف عندها. انفرد به أبو داود. وروى البخاري من غير وجه عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم ثم يسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمى الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل فيقوم مستقبل القبلة ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمى جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وقال وبرة بن عبد الرحمن قام ابن عمر عند العقبة بقدر قراءة سورة البقرة. وقال أبو مجلز حزرت قيامه بعد قراءة سورة يوسف ذكرهما البيهقي. وقال الامام احمد حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبى بكر عن أبيه عن أبى القداح عن أبيه. أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما. وقال احمد ثنا محمد بن أبى بكر وأما روح ثنا ابن جريج أخبرنى محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمرو عن أبيه عن أبى القداح بن عاصم بن عدي عن أبيه.
أن رسول الله ﷺ أرخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر ثم يدعوا يوما وليلة ثم يرموا الغد.
وقال الامام احمد ثنا عبد الرحمن ثنا مالك عن عبد الله بن بكر عن أبيه عن أبى القداح بن عاصم ابن عدي عن أبيه. أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة بمنى حتى يرمون يوم النحر
стр. 1614
ثم يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر. وكذا رواه عن عبد الرزاق عن مالك بنحوه. وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث مالك ومن حديث سفيان ابن عيينة به. قال الترمذي ورواية مالك أصح وهو حديث حسن صحيح.
فصل
فيما ورد من الأحاديث الدالة على أنه ﵇ خطب الناس بمنى في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو أوسطها. قال أبو داود باب أي يوم يخطب: حدثنا محمد بن العلاء أنبأنا ابن المبارك عن إبراهيم بن نافع عن ابن أبى نجيح عن أبيه عن رجلين من بنى بكر. قالا: رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته وهي خطبة رسول الله ﷺ التي خطب بمنى. انفرد به أبو داود ثم
قال أبو داود ثنا محمد بن بشار ثنا أبو عاصم ثنا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين حدثتني جدتى سراء بنت نبهان - وكانت ربة بيت في الجاهلية -. قالت خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرءوس فقال: أي يوم هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم! قال: أليس أوسط أيام التشريق.
انفرد به أبو داود. قال أبو داود: وكذلك قال عم أبى حرة الرقاشيّ (١) أنه خطب أوسط أيام التشريق وهذا الحديث قد
رواه الامام احمد متصلا مطولا فقال ثنا عثمان ثنا حماد بن سلمة أنبأنا على بن زيد عن أبى حرة الرقاشيّ عن عمه. قال كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس. فقال: يا أيها الناس أتدرون في أي شهر أنتم وفي أي يوم أنتم وفي أي بلد أنتم؟ قالوا: في يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى أن تلقونه. ثم قال: اسمعوا منى تعيشوا، ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه الى يوم القيامة، وإن أول دم يوضع دم (٢) ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل. ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع وإن الله قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، ألا وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض ثم قرأ ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا
стр. 1615
إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكنه في التحريش بينكم، واتقوا الله في النساء فإنّهنّ عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا وإن لهن عليكم حقا ولكم عليهنّ حق أن لا يوطئن فرشكم أحد غيركم، ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه. فان خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهنّ بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها وبسط يده وقال: ألا هل بلغت! ألا هل بلغت! ثم قال: ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ أسعد من سامع.
قال حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة: قد والله بلغوا أقواما كانوا أسعد به. وقد روى أبو داود في كتاب النكاح من سننه عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن أبى حرة الرقاشيّ - واسمه حنيفة - عن عمه ببعضه في النشوز. قال: ابن حزم جاء أنه خطب يوم الرءوس وهو اليوم الثاني من يوم النحر بلا خلاف عن أهل مكة، وجاء أنه أوسط أيام التشريق فيحتمل على أن أوسط بمعنى أشرف كما قال تعالى ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾. وهذا المسلك الّذي سلكه ابن حزم بعيد والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الوليد بن عمرو بن مسكين ثنا أبو همام محمد بن الزبرقان ثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار وصدقة بن يسار عن عبد الله بن عمر. قال: نزلت هذه السورة على رسول الله ﷺ بمنى وهو في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ فعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت له ثم ركب فوقف للناس بالعقبة فاجتمع اليه ما شاء الله من المسلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: أما بعد أيها الناس فان كل دم كان في الجاهلية فهو هدر، وإن أول دمائكم أهدر دم ربيعة ابن الحارث كان مسترضعا في بنى ليث فقتلته هذيل. وكل ربا في الجاهلية فهو موضوع وان أول رباكم أضع ربا العباس بن عبد المطلب، أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر منها أربعة حرم رجب - مضر - الّذي بين جمادى وشعبان، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ كانوا يحلون صفرا عاما ويحرمون المحرم عاما ويحرمون صفر عاما ويحلون المحرم عاما فذلك النسيء.
يا أيها الناس من كان عنده وديعة فليؤدها الى من ائتمنه عليها، أيها الناس إن الشيطان قد يئس ان يعبد ببلادكم آخر الزمان وقد يرضى عنكم بمحقرات الأعمال فاحذروه على بمحقرات الأعمال، أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله لكم عليهنّ حق ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهنّ ان لا يوطئن فرشكم غيركم ولا يعصينكم في