أي يوم هذا قالوا يوم الحج الأكبر. قال: فان دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ولا يجنى جان على والده، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى، ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية يوضع لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. وذكر تمام الحديث. وقال أبو داود باب من قال يخطب يوم النحر. حدثنا هارون بن عبد الله ثنا هشام بن عبد الملك ثنا عكرمة - هو ابن عمار - ثنا الهرماس بن زياد الباهلي قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى. ورواه احمد والنسائي من غير وجه عن عكرمة بن عمار عن الهرماس. قال: كان أبى مرد في فرأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى يوم النحر على ناقته العضباء. لفظ احمد وهو من ثلاثيات المسند ولله الحمد. ثم قال أبو داود ثنا مؤمل بن الفضل الحراني ثنا الوليد ثنا ابن جابر ثنا سليم بن عامر سمعت أبا أمامة يقول: سمعت خطبة رسول الله ﷺ بمنى يوم النحر.
وقال الامام احمد ثنا عبد الرحمن عن معاوية بن صالح عن سليم بن عامر الكلاعي. سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله ﷺ وهو يومئذ على الجدعاء واضع رجليه في الغرز يتطاول ليسمع الناس. فقال بأعلى صوته ألا تسمعون؟ فقال رجل من طوائف الناس: يا رسول الله ماذا تعهد إلينا فقال «اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأطيعوا إذا أمرتم تدخلوا جنة ربكم» فقلت يا أبا أمامة مثل من أنت يومئذ. قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة أزاحم البعير أزحزحه قدما لرسول الله ﷺ . ورواه احمد أيضا عن زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح وأخرجه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكوفي عن زيد بن الحباب. وقال حسن صحيح
قال الامام احمد ثنا أبو المغيرة ثنا إسماعيل بن عباس ثنا شرحبيل بن مسلم الخولانيّ سمعت ابا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر وحسابهم على الله. ومن ادعى الى غير أبيه أو انتمى الى غير مواليه فعليه لعنة الله التابعة الى يوم القيامة، لا تنفق امرأة من بيتها إلا بأذن زوجها. فقيل يا رسول الله ولا الطعام. قال: ذاك أفضل أموالنا. ثم قال رسول الله: العارية مؤداة والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم. ورواه أهل السنن الأربعة من حديث إسماعيل بن عياش وقال الترمذي حسن. ثم قال أبو داود ﵀ باب متى يخطب يوم النحر. حدثنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم الدمشقيّ ثنا مروان عن هلال بن عامر المزني حدثني رافع بن عمرو المزني. قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء وعلى يعبر عنه والناس بين قائم وقاعد. ورواه النسائي عن دحيم عن مروان الفزاري به. وقال الامام احمد حدثنا أبو معاوية ثنا هلال بن عامر المزني عن أبيه. قال: رأيت
стр. 1612
رسول الله يخطب الناس بمنى على بغلة وعليه برد أحمر. قال: ورجل من أهل بدر بين يديه يعبر عنه. قال: فجئت حتى أدخلت يدي بين قدمه وشراكه. قال: فجعلت أعجب من بردها. حدثنا محمد بن عبيد ثنا شيخ من بنى فزارة عن هلال بن عامر المزني عن أبيه. قال: رأيت رسول الله على بغلة شهباء وعليّ يعبر عنه. ورواه أبو داود من حديث أبى معاوية عن هلال بن عامر. ثم قال ابو داود باب ما يذكر الامام في خطبته بمنى حدثنا مسدد ثنا عبد الوارث عن حميد الأعرج عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي. قال: خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى ففتحت اسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار فوضع السباحتين ثم قال حصى الخذف. ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد ثم نزل الناس بعد ذلك. وقد رواه احمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه. وأخرجه النسائي من حديث ابن المبارك عن عبد الوارث كذلك. وتقدم رواية الامام احمد له عن عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من الصحابة فالله أعلم.
وثبت في الصحيحين من حديث ابن جريج عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ بينا هو يخطب يوم النحر فقام اليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا وكذا. ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا. فقال: رسول الله ﷺ افعل ولا حرج. وأخرجاه من حديث مالك. زاد مسلم ويونس عن الزهري به وله ألفاظ كثيرة ليس هذا موضع استقصائها. ومحله كتاب الأحكام وبالله المستعان وفي لفظ الصحيحين.
قال فما سئل رسول الله ﷺ في ذلك اليوم عن شيء قدم وإلا أخر إلا قال: افعل ولا حرج.
فصل
ثم نزل ﵇ بمنى حيث المسجد اليوم فيما يقال وأنزل المهاجرين يمنته والأنصار يسرته والناس حولهم من بعدهم.
وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا على بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة ثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري ثنا عبيد الله بن موسى أنبأنا إسرائيل عن إبراهيم ابن مهاجر عن يوسف بن ماهك عن أم مسيكة عن عائشة. قال: قيل يا رسول الله ألا نبنى لك بمنى بناء يظلك. قال: لا منى مناخ من سبق. وهذا إسناد لا بأس به وليس هو في المسند ولا في الكتب الستة من هذا الوجه. وقال أبو داود ثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي ثنا يحيى عن ابن جريج أو أبو حريز الشك من يحيى أنه سمع عبد الرحمن بن فروخ يسأل ابن عمر قال إنا نتبايع بأموال الناس فيأتى أحدنا مكة فيبيت على المال فقال: أما رسول الله ﷺ فبات بمنى وظل. انفرد به أبو داود.
стр. 1613
ثم قال: أبو داود ثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا ابن نمير وأبو اسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال استأذن العباس رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن نمير زاد البخاري وأبى ضمرة أنس بن عياض زاد مسلم وأبى أسامة حماد بن أسامة. وقد علقه البخاري عن أبى اسامة وعقبة بن خالد كلهم عن عبيد الله ابن عمر به. وقد كان ﷺ يصلى بأصحابه بمنى ركعتين كما ثبت عنه ذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود وحارثة بن وهب ﵄. ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أن سبب هذا القصر النسك كما هو قول طائفة من المالكية وغيرهم. قالوا ومن قال: إنه ﵇ كان يقول بمنى لأهل مكة أتموا فإنا قوم سفر فقد غلط إنما قال: ذلك رسول الله ﷺ عام الفتح وهو نازل بالأبطح كما تقدم والله أعلم. وكان ﷺ يرمى الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام منى بعد الزوال كما قال جابر فيما تقدم ماشيا كما قال ابن عمر فيما سلف كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ويقف عند الأولى وعند الثانية يدعو الله ولا يقف عند الثالثة.
قال أبو داود ثنا على بن بحر وعبد الله ابن سعيد المعنى قالا ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع الى منى فمكث بها أيام التشريق يرمى الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة ويقف عند الاولى والثانية فيطيل المقام ويتضرع ويرمى الثالثة لا يقف عندها. انفرد به أبو داود. وروى البخاري من غير وجه عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم ثم يسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمى الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل فيقوم مستقبل القبلة ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمى جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وقال وبرة بن عبد الرحمن قام ابن عمر عند العقبة بقدر قراءة سورة البقرة. وقال أبو مجلز حزرت قيامه بعد قراءة سورة يوسف ذكرهما البيهقي. وقال الامام احمد حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبى بكر عن أبيه عن أبى القداح عن أبيه. أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما. وقال احمد ثنا محمد بن أبى بكر وأما روح ثنا ابن جريج أخبرنى محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمرو عن أبيه عن أبى القداح بن عاصم بن عدي عن أبيه.
أن رسول الله ﷺ أرخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر ثم يدعوا يوما وليلة ثم يرموا الغد.
وقال الامام احمد ثنا عبد الرحمن ثنا مالك عن عبد الله بن بكر عن أبيه عن أبى القداح بن عاصم ابن عدي عن أبيه. أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة بمنى حتى يرمون يوم النحر
стр. 1614
ثم يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر. وكذا رواه عن عبد الرزاق عن مالك بنحوه. وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث مالك ومن حديث سفيان ابن عيينة به. قال الترمذي ورواية مالك أصح وهو حديث حسن صحيح.
فصل
فيما ورد من الأحاديث الدالة على أنه ﵇ خطب الناس بمنى في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو أوسطها. قال أبو داود باب أي يوم يخطب: حدثنا محمد بن العلاء أنبأنا ابن المبارك عن إبراهيم بن نافع عن ابن أبى نجيح عن أبيه عن رجلين من بنى بكر. قالا: رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته وهي خطبة رسول الله ﷺ التي خطب بمنى. انفرد به أبو داود ثم
قال أبو داود ثنا محمد بن بشار ثنا أبو عاصم ثنا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين حدثتني جدتى سراء بنت نبهان - وكانت ربة بيت في الجاهلية -. قالت خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرءوس فقال: أي يوم هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم! قال: أليس أوسط أيام التشريق.
انفرد به أبو داود. قال أبو داود: وكذلك قال عم أبى حرة الرقاشيّ (١) أنه خطب أوسط أيام التشريق وهذا الحديث قد
رواه الامام احمد متصلا مطولا فقال ثنا عثمان ثنا حماد بن سلمة أنبأنا على بن زيد عن أبى حرة الرقاشيّ عن عمه. قال كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس. فقال: يا أيها الناس أتدرون في أي شهر أنتم وفي أي يوم أنتم وفي أي بلد أنتم؟ قالوا: في يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى أن تلقونه. ثم قال: اسمعوا منى تعيشوا، ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه الى يوم القيامة، وإن أول دم يوضع دم (٢) ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل. ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع وإن الله قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، ألا وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض ثم قرأ ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا
стр. 1615
إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكنه في التحريش بينكم، واتقوا الله في النساء فإنّهنّ عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا وإن لهن عليكم حقا ولكم عليهنّ حق أن لا يوطئن فرشكم أحد غيركم، ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه. فان خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهنّ بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها وبسط يده وقال: ألا هل بلغت! ألا هل بلغت! ثم قال: ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ أسعد من سامع.
قال حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة: قد والله بلغوا أقواما كانوا أسعد به. وقد روى أبو داود في كتاب النكاح من سننه عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن أبى حرة الرقاشيّ - واسمه حنيفة - عن عمه ببعضه في النشوز. قال: ابن حزم جاء أنه خطب يوم الرءوس وهو اليوم الثاني من يوم النحر بلا خلاف عن أهل مكة، وجاء أنه أوسط أيام التشريق فيحتمل على أن أوسط بمعنى أشرف كما قال تعالى ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾. وهذا المسلك الّذي سلكه ابن حزم بعيد والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الوليد بن عمرو بن مسكين ثنا أبو همام محمد بن الزبرقان ثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار وصدقة بن يسار عن عبد الله بن عمر. قال: نزلت هذه السورة على رسول الله ﷺ بمنى وهو في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ فعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت له ثم ركب فوقف للناس بالعقبة فاجتمع اليه ما شاء الله من المسلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: أما بعد أيها الناس فان كل دم كان في الجاهلية فهو هدر، وإن أول دمائكم أهدر دم ربيعة ابن الحارث كان مسترضعا في بنى ليث فقتلته هذيل. وكل ربا في الجاهلية فهو موضوع وان أول رباكم أضع ربا العباس بن عبد المطلب، أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر منها أربعة حرم رجب - مضر - الّذي بين جمادى وشعبان، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ كانوا يحلون صفرا عاما ويحرمون المحرم عاما ويحرمون صفر عاما ويحلون المحرم عاما فذلك النسيء.
يا أيها الناس من كان عنده وديعة فليؤدها الى من ائتمنه عليها، أيها الناس إن الشيطان قد يئس ان يعبد ببلادكم آخر الزمان وقد يرضى عنكم بمحقرات الأعمال فاحذروه على بمحقرات الأعمال، أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله لكم عليهنّ حق ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهنّ ان لا يوطئن فرشكم غيركم ولا يعصينكم في
стр. 1616
معروف، فإن فعلن ذلك فليس لكم عليهنّ سبيل ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فإن ضربتم فاضربوا ضربا غير مبرح. ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه، أيها الناس انى قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب الله فاعملوا به، أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام قال: فأى بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام. قال: أي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإن الله حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا اليوم في هذا البلد وهذا الشهر، ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم ثم رفع يديه فقال: اللهمّ اشهد.
ذكر إيراد حديث فيه أن رسول الله ﷺ كان يزور البيت في كل ليلة من ليالي منى
قال البخاري يذكر عن أبى حسان عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يزور البيت في أيام منى هكذا ذكره معلقا بصيغة التمريض. وقد قال الحافظ البيهقي أخبرناه أبو الحسن بن عبدان أنبأنا احمد بن عبيد الصفار ثنا العمرى أنبأنا ابن عرعرة فقال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابا قال سمعته من أبى ولم يقرأه قال فكان فيه عن قتادة عن أبى حسان عن ابن عباس. أن رسول الله ﷺ كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى. قال وما رأيت أحدا واطأه عليه قال: البيهقي وروى الثوري في الجامع عن طاوس عن ابن عباس. أن رسول الله ﷺ : كان يفيض كل ليلة - يعنى ليالي منى - وهذا مرسل.
فصل
اليوم السادس من ذي الحجة. قال بعضهم يقال: له يوم الزينة لأنه يزين فيه البدن بالجلال وغيرها، واليوم السابع يقال له يوم التروية لأنهم يتروون فيه من الماء ويحملون منه ما يحتاجون اليه حال الوقوف وما بعده، واليوم الثامن يقال له يوم منى لأنهم يرحلون فيه من الأبطح الى منى، واليوم التاسع يقال له يوم عرفة لوقوفهم فيه بها، واليوم العاشر يقال له يوم النحر ويوم الأضحى ويوم الحج الأكبر، واليوم الّذي يليه يقال له يوم القر لأنهم يقرون فيه، ويقال له يوم الرءوس لأنهم يأكلون فيه رءوس الأضاحي وهو أول أيام التشريق، وثانى أيام التشريق يقال له يوم النفر الأول لجواز النفر فيه، وقيل هو اليوم الّذي يقال له يوم الرءوس، واليوم الثالث من أيام التشريق يقال له يوم النفر الآخر. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآية فلما كان يوم النفر الآخر وهو اليوم الثالث من أيام التشريق وكان يوم الثلاثاء ركب رسول الله ﷺ والمسلمون معه فنفر بهم من منى فنزل المحصب وهو واد بين مكة ومنى فصلى به العصر. كما قال البخاري حدثنا محمد بن المثنى ثنا إسحاق بن يوسف ثنا سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع.
стр. 1617
قال سألت أنس بن مالك: أخبرنى عن شيء عقلته (١) عن رسول الله ﷺ أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال بالأبطح، افعل كما يفعل امراؤك. وقد روى أنه ﷺ صلى الظهر يوم النفر بالأبطح وهو المحصب فالله أعلم. قال البخاري حدثنا عبد المتعال ابن طالب ثنا ابن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث أن قتادة حدثه أن أنس بن مالك حدثه عن النبي ﷺ : أنه صلى الظهر والعصر والعشاء، ورقد رقدة في المحصب ثم ركب الى البيت فطاف به.
قلت - يعنى طواف الوداع -. وقال البخاري ثنا عبد الله بن عبد الوهاب ثنا خالد بن الحارث. قال سئل عبد الله عن المحصب فحدثنا عبيد الله عن نافع قال: نزل بها رسول الله ﷺ . وعمرو ابن عمرو عن نافع: أن ابن عمر كان يصلى بها - يعنى المحصب - والظهر والعصر أحسبه. قال والمغرب قال: خالد لا أشك في العشاء ثم يهجع هجعة ويذكر ذلك عن النبي ﷺ . وقال الامام احمد ثنا نوح بن ميمون أنبأنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان نزلوا المحصب هكذا رأيته في مسند الامام احمد من حديث عبد الله العمرى عن نافع. وقد روى الترمذي هذا الحديث عن إسحاق بن منصور وأخرجه ابن ماجة عن محمد بن يحيى كلاهما عن عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال: كان رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح. قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة وأبى رافع وابن عباس وحديث ابن عمر حسن غريب وإنما نعرفه من حديث عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر به. وقد رواه مسلم عن محمد بن مهران الرازيّ عن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح. ورواه مسلم أيضا من حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر: أنه كان ينزل المحصب (٢) وكان يصلى الظهر يوم النفر بالحصبة. قال نافع: قد حصب رسول الله ﷺ والخلفاء بعده. وقال الامام احمد حدثنا يونس ثنا حماد - يعنى ابن سلمة - عن أيوب وحميد عن بكر بن عبد الله عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ثم هجع هجعة، ثم دخل - يعنى مكة - فطاف بالبيت. ورواه احمد أيضا عن عفان عن حماد عن حميد عن بكر عن ابن عمر فذكره وزاد في آخره وكان ابن عمر يفعله وكذلك رواه أبو داود عن احمد بن حنبل.
وقال البخاري ثنا الحميدي ثنا الوليد ثنا الأوزاعي حدثني الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة. قال قال رسول الله ﷺ من الغد يوم النحر بمنى: نحن نازلون غدا بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر - يعني بذلك المحصب - الحديث. ورواه مسلم عن زهير بن
стр. 1618
حرب عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي فذكر مثله سواء.
وقال الامام احمد ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن على بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد. قال قلت: يا رسول الله أين تنزل غدا - في حجته -؟ قال: وهل ترك لنا عقيل منزلا، ثم قال: نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بنى كنانة - يعنى المحصب - حيث قاسمت قريشا على الكفر، وذلك أن بنى كنانة حالفت قريشا على بنى هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤوهم - يعنى حتى يسلموا اليهم رسول الله. ثم قال عند ذلك: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» قال الزهري - والخيف - الوادي أخرجاه من حديث عبد الرزاق، وهذان الحديثان فيهما دلالة على أنه ﵇ قصد النزول في المحصب مراغمة لما كان تمالئ عليه كفار قريش لما كتبوا الصحيفة في مصارمة بنى هاشم وبنى المطلب حتى يسلموا اليهم رسول الله ﷺ كما قدمنا بيان ذلك في موضعه. وكذلك نزله عام الفتح فعلى هذا يكون نزوله سنّة مرغبا فيها، وهو أحد قولي العلماء. وقد قال البخاري ثنا أبو نعيم أنبأنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: إنما كان منزلا ينزله النبي ﷺ ليكون أسمح لخروجه - يعنى الأبطح -. وأخرجه مسلم من حديث هشام به ورواه أبو داود عن احمد ابن حنبل عن يحيى بن سعيد عن هشام عن أبيه عن عائشة: إنما نزل رسول الله المحصّب ليكون أسمح لخروجه وليس بسنة، فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله. وقال البخاري حدثنا على بن عبد الله ثنا سفيان. قال قال عمرو عن عطاء عن ابن عباس قال: ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ . ورواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة وغيره عن سفيان وهو ابن عيينة به. وقال أبو داود ثنا احمد بن حنبل وعثمان بن أبى شيبة ومسدد المعنى قالوا ثنا سفيان ثنا صالح بن كيسان عن سليمان بن يسار قال قال أبو رافع: لم يأمرني يعنى رسول الله ﷺ أن أنزله، ولكن ضربت (١) فيه فنزله. قال مسدد وكان على ثقل النبي ﷺ وقال عثمان - يعنى الأبطح -. ورواه مسلم عن قتيبة وأبى بكر وزهير بن حرب عن سفيان بن عيينة به. والمقصود أن هؤلاء كلهم اتفقوا على نزول النبي ﷺ في المحصب لما نفر من منى، ولكن اختلفوا فمنهم من قال لم يقصد نزوله وإنما نزله اتفاقا ليكون أسمح لخروجه، ومنهم من أشعر كلامه بقصده ﵇ نزوله، وهذا هو الأشبه وذلك أنه ﵇ أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، وكانوا قبل ذلك ينصرفون من كل وجه كما قال ابن عباس فأمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت - يعنى طواف الوداع -. فأراد ﵇ أن يطوف هو ومن معه من المسلمين بالبيت طواف الوداع وقد نفر من منى قريب الزوال فلم يكن يمكنه أن يجيء البيت في بقية يومه ويطوف به ويرحل الى ظاهر مكة من جانب المدينة، لأن ذلك قد
стр. 1619
يتعذر على هذا الجم الغفير، فاحتاج أن يبيت قبل مكة ولم يكن منزل أنسب لمبيته من المحصب الّذي كانت قريش قد عاقدت بنى كنانة على بنى هاشم وبنى المطلب فيه فلم يبرم الله لقريش أمرا بل كبتهم وردهم خائبين، وأظهر الله دينه ونصر نبيه وأعلا كلمته، وأتم له الدين القويم، وأوضح به الصراط المستقيم، فحج بالناس وبيّن لهم شرائع الله وشعائره، وقد نفر بعد إكمال المناسك فنزل في الموضع الّذي تقاسمت قريش فيه على الظلم والعدوان والقطيعة، فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء وهجع هجعة، وقد كان بعث عائشة أم المؤمنين مع أخيها عبد الرحمن ليعمرها من التنعيم فإذا فرغت أتته، فلما قضت عمرتها ورجعت أذن في المسلمين بالرحيل الى البيت العتيق. كما قال أبو داود حدثنا وهب بن بقية ثنا خالد عن أفلح عن القاسم عن عائشة قالت: أحرمت من التنعيم بعمرة فدخلت فقضيت عمرتي وانتظرنى رسول الله ﷺ بالأبطح حتى فرغت وأمر الناس بالرحيل. قالت:
وأتى رسول الله ﷺ البيت فطاف به ثم خرج. وأخرجاه في الصحيحين من حديث أفلح بن حميد ثم قال أبو داود ثنا محمد بن بشار ثنا أبو بكر - يعنى الحنفي - ثنا أفلح عن القاسم [عنها]- يعنى عائشة - قالت: خرجت معه يعنى رسول الله ﷺ ، النفر الآخر ونزل المحصب. قال أبو داود فذكر ابن بشار بعثها الى التنعيم قالت: ثم جئت سحرا، فأذن في الصحابة بالرحيل فارتحل فمر بالبيت (١) قبل صلاة الصبح فطاف به حين خرج، ثم انصرف متوجها الى المدينة. ورواه البخاري عن محمد بن بشار به.
قلت: والظاهر أنه ﵇ صلى الصبح يومئذ عند الكعبة بأصحابه وقرأ في صلاته تلك بسورة ﴿وَالطُّورِ * وَكِتابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ السورة بكمالها. وذلك لما رواه البخاري حيث قال حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أبى سلمة عن أم سلمة زوج النبي ﷺ .
قال: شكوت الى رسول الله أتى أشتكى، قال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفت ورسول الله ﷺ يصلى حينئذ الى جنب البيت وهو يقرأ والطور وكتاب مسطور. وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث مالك باسناد نحوه.
وقد رواه البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن زينب عن أم سلمة أن رسول الله قال: وهو بمكة وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت وأرادت الخروج فقال لها: «إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفى على بعيرك والناس يصلون» فذكر الحديث فأما ما رواه الامام احمد حدثنا أبو معاوية ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبى سلمة عن أم سلمة. أن رسول الله ﷺ : أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة فهو اسناد كما
стр. 1620
ترى على شرط الصحيحين ولم يخرجه أحد من هذا الوجه بهذا اللفظ ولعل قوله يوم النحر غلط من الراويّ أو من الناسخ وإنما هو يوم النفر ويؤيده ما ذكرناه من رواية البخاري والله أعلم. والمقصود أنه ﵇ لما فرغ من صلاة الصبح طاف بالبيت سبعا ووقف في الملتزم بين الركن الّذي فيه الحجر الأسود وبين باب الكعبة فدعا الله والزق جسده بجدار الكعبة. قال الثوري عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: رأيت رسول الله ﷺ يلزق وجهه وصدره بالملتزم. المثنى ضعيف.
فصل
ثم خرج ﵇ من أسفل مكة كما قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ دخل مكة من أعلاها وخرج من أسفلها. أخرجاه. وقال ابن عمر دخل رسول الله ﷺ : من الثنية العليا التي بالبطحاء وخرج من الثنية السفلى رواه البخاري ومسلم وفي لفظ دخل من كداء وخرج من كدي. وقد قال الامام احمد ثنا محمد بن فضيل ثنا أجلح بن عبد الله عن أبى الزبير عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ من مكة عند غروب الشمس فلم يصل حتى أتى سرف وهي على تسعة أميال من مكة وهذا غريب جدا، وأجلح فيه نظر، ولعل هذا في غير حجة الوداع فإنه ﵇ كما قدمنا طاف بالبيت بعد صلاة الصبح فماذا أخره الى وقت الغروب هذا غريب جدا، اللهمّ إلا أن يكون ما ادعاه ابن حزم صحيحا من أنه ﵇ رجع الى المحصب من مكة بعد طوافه بالبيت طواف الوداع ولم يذكر دليلا على ذلك إلا قول عائشة حين رجعت من اعتمارها من التنعيم فلقيته بصعدة، وهو مهبط على أهل مكة أو منهبطه، وهو مصعد. قال ابن حزم: الّذي لا شك فيه أنها كانت مصعدة من مكة وهو منهبط لأنها تقدمت الى العمرة وانتظرها حتى جاءت، ثم نهض ﵇ الى طواف الوداع فلقيها منصرفه الى المحصب من مكة. وقال البخاري باب من نزل بذي طوى إذا رجع من مكة، وقال محمد بن عيسى حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر. أنه كان إذا أقبل بات بذي طوى حتى إذا أصبح دخل، وإذا نفر مر بذي طوى وبات بها حتى يصبح، وكان يذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. هكذا ذكر هذا معلقا بصيغة الجزم وقد أسنده هو ومسلم من حديث حماد بن زيد به لكن ليس فيه ذكر المبيت بذي طوى في الرجعة فالله أعلم.
فائدة عزيزة. فيها أن رسول الله ﷺ استصحب معه من ماء زمزم شيئا. قال: الحافظ أبو عيسى الترمذي حدثنا أبو كريب ثنا خلاد بن يزيد الجعفي ثنا زهير بن معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله، ثم قال
стр. 1621
هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقال البخاري ثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله - هو ابن المبارك - ثنا موسى بن عقبة عن سالم ونافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من الغزو أو من الحج أو من العمرة، يبدأ فيكبر ثلاث مرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آئبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. والأحاديث في هذا كثيرة ولله الحمد والمنة.
فصل
في إيراد الحديث الدال على أنه ﵇ خطب بمكان بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة - يقال له غدير خم - فبين فيها فضل على بن أبى طالب وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه اليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا، والصواب كان معه في ذلك، ولهذا لما تفرغ ﵇ من بيان المناسك ورجع الى المدينة بين ذلك في أثناء الطريق، فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ وكان يوم الأحد بغدير خم تحت شجرة هناك، فبين فيها أشياء. وذكر من فضل عليّ وأمانته وعدله وقربه اليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه. ونحن نورد عيون الأحاديث الواردة في ذلك ونبين ما فيها من صحيح وضعيف بحول الله وقوته وعونه، وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ فجمع فيه مجلدين أورد فيهما طرقه وألفاظه، وساق الغث والسمين والصحيح والسقيم، على ما جرت به عادة كثير من المحدثين يوردون ما وقع لهم في ذلك الباب من غير تمييز بين صحيحه وضعيفة. وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة. ونحن نورد عيون ما روى في ذلك مع اعلامنا أنه لا حظ للشيعة فيه ولا متمسك لهم ولا دليل لما سنبينه وننبه عليه، فنقول وبالله المستعان.
قال محمد بن إسحاق - في سياق حجة الوداع - حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمرة عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة. قال: لما أقبل على من اليمن ليلقى رسول الله ﷺ بمكة، تعجل الى رسول الله واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسى كل رجل من القوم حلّة من البز الّذي كان مع عليّ، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل. قال: ويلك ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس. قال ويلك:
стр. 1622
انزع قبل أن ينتهى به الى رسول الله ﷺ . قال فانتزع الحلل من الناس فردها في البز، قال وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم.
قال ابن إسحاق فحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب - وكانت عند أبى سعيد الخدريّ - عن أبى سعيد. قال: اشتكى الناس عليا فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبا، فسمعته يقول: أيها الناس لا تشكوا عليا فو الله إنه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله [من أن يشكى]
ورواه الامام احمد من حديث محمد بن إسحاق به وقال انه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله.
وقال الامام احمد حدثنا الفضل بن دكين ثنا ابن أبى غنية؟ (١) عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن بريدة قال: غزوت مع على اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله ﷺ ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله يتغير. فقال: يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قلت بلى يا رسول الله! قال: «من كنت مولاه فعلى مولاه» وكذا رواه النسائي عن أبى داود الحراني عن أبى نعيم الفضل بن دكين عن عبد الملك بن أبى غنية باسناده نحوه وهذا اسناد جيد قوى رجاله كلهم ثقات.
وقد روى النسائي في سننه عن محمد بن المثنى عن يحيى بن حماد عن أبى معاوية عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى الطفيل عن زيد بن أرقم. قال: لما رجع رسول الله من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن (٢) ثم قال: «كأنى قد دعيت فأجبت، انى قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، ثم قال الله مولاي وأنا ولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد على فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» فقلت لزيد سمعته من رسول الله ﷺ فقال ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه باذنيه تفرد به النسائي من هذا الوجه. قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي وهذا حديث صحيح.
وقال ابن ماجة حدثنا على بن محمد أنا أبو الحسين أنبانا حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب. قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع التي حج فنزل في الطريق، فأمر الصلاة جامعة فأخذ بيد عليّ فقال: «ألست بأولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا بلى! قال ألست بأولى بكل مؤمن من نفسه، قالوا بلى! قال فهذا ولى من أنا مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن على بن زيد بن جدعان عن عدي عن البراء
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان ثنا هدبة ثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد وأبى هارون عن عدي بن ثابت عن البراء. قال: كنا مع رسول الله ﷺ في حجة
стр. 1623
الوداع فلما أتينا على غدير خم كشح لرسول الله ﷺ تحت شجرتين، ونودي في الناس الصلاة جامعة، ودعا رسول الله ﷺ عليا وأخذ بيده فأقامه عن يمينه فقال: «ألست أولى بكل امرئ من نفسه، قالوا بلى! قال فان هذا مولى من أنا مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» فلقيه عمر بن الخطاب فقال هنيئا لك أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. ورواه ابن جرير عن أبى زرعة عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن على بن زيد وأبى هارون العبديّ - وكلاهما ضعيف - عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب به. وروى ابن جرير هذا الحديث من حديث موسى بن عثمان الحضرميّ - وهو ضعيف جدا - عن أبى إسحاق السبيعي عن البراء وزيد بن أرقم فالله أعلم.
وقال الامام احمد حدثنا ابن نمير ثنا عبد الملك عن أبى عبد الرحيم الكندي عن زاذان أبى عمر قال سمعت عليا بالرحبة وهو ينشد الناس من شهد رسول الله ﷺ يوم غدير خم وهو يقول ما قال؟ قال فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا من رسول الله ﷺ وهو يقول: «من كنت مولاه فعلى مولاه» تفرد به احمد وأبو عبد الرحيم هذا لا يعرف.
وقال عبد الله بن الامام احمد في مسند أبيه حديث على بن حكيم الأودي أخبرنا شريك عن أبى إسحاق عن سعيد بن وهب وعن زيد بن يثيغ قال نشد على الناس في الرحبة من سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم [ما قال] إلا قام؟ قال:
فقام من قبل سعيد ستة ومن قبل زيد ستة فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله ﷺ يقول لعلى يوم غدير خم «أليس الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا بلى! قال: اللهمّ من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه»
قال عبد الله وحدثني على بن حكيم انا شريك عن أبى إسحاق عن عمرو ذي أمر مثل حديث أبى إسحاق يعنى عن سعيد وزيد وزاد فيه: «وانصر من نصره واخذل من خذله» قال عبد الله وحدثنا عليّ ثنا شريك عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى الطفيل عن زيد بن أرقم عن النبي ﷺ مثله.
وقال النسائي في كتاب خصائص عليّ حدثنا الحسين بن حرب ثنا الفضل بن موسى عن الأعمش عن أبى إسحاق عن سعيد بن وهب. قال قال عليّ في الرحبة أنشد بالله رجلا سمع رسول الله ﷺ يوم غدير خم يقول: «ان الله ولى المؤمنين ومن كنت وليه فهذا وليه، اللهمّ وال من والاه، وعاد عاداه، وانصر من نصره» وكذلك رواه شعبة عن أبى إسحاق وهذا إسناد جيد
ورواه النسائي أيضا من حديث إسرائيل عن أبى إسحاق عن عمرو ذي أمر. قال نشد عليّ الناس بالرحبة فقام أناس فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول يوم غدير خم: «من كنت مولاه فان عليا مولاه. اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه. وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه وانصر من نصره» ورواه ابن جرير عن احمد بن منصور عن عبد الرزاق عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن زيد بن وهب وعبد خير عن عليّ. وقد رواه ابن جرير عن احمد بن منصور عن
стр. 1624
عبيد الله بن موسى وهو شيعي ثقة عن فطر بن خليفة عن أبى إسحاق عن زيد بن وهب وزيد بن يثيغ وعمرو ذي أمر: أن عليا أنشد الناس بالكوافة وذكر الحديث.
وقال عبد الله بن احمد حدثني عبيد الله بن عمر القواريري ثنا يونس بن أرقم ثنا يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى شهدت عليا في الرحبة ينشد الناس فقال: أشهد الله من سمع رسول الله ﷺ يوم غدير خم يقول «من كنت مولاه فعلى مولاه» لما قام فشهد. قال عبد الرحمن فقام اثنا عشر رجلا بدريا كأنى انظر الى أحدهم فقالوا نشهد أنا سمعنا رسول الله يقول يوم غدير خم «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجى أمهاتهم، فقلنا بلى يا رسول الله! قال من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه» اسناد ضعيف غريب.
وقال عبد الله بن احمد حدثنا احمد بن عمير الوكيعى ثنا زيد بن الحباب ثنا الوليد بن عقبة بن ضرار القيسي أنبأنا سماك عن عبيد بن الوليد القيسي قال دخلت على عبد الرحمن بن أبى ليلى فحدثني أنه شهد عليا في الرحبة قال: أنشد بالله رجلا سمع رسول الله ﷺ وشهده يوم غدير خم إلا قام ولا يقوم إلا من قد رآه فقام اثنا عشر رجلا فقالوا قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول «اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» فقام إلا ثلاثة لم يقوموا فدعا عليهم فاصابتهم دعوته. وروى أيضا عن عبد الأعلى بن عامر التغلبي وغيره عن عبد الرحمن بن أبى ليلى به وقال ابن جرير ثنا احمد بن منصور ثنا أبو عامر العقدي
وروى ابن أبى عاصم عن سليمان الغلابي عن أبى عامر العقدي ثنا كثير بن زيد حدثني محمد بن عمر بن على عن أبيه عن على: أن رسول الله حضر الشجرة بخم فذكر الحديث وفيه. من كنت مولاه فان عليا مولاه. وقد رواه بعضهم عن أبى عامر عن كثير عن محمد بن عمر بن على عن على منقطعا
وقال إسماعيل بن عمرو البجلي وهو ضعيف عن مسعر عن طلحة بن مصرف عن عميرة ابن سعد: أنه شهد عليا على المنبر يناشد أصحاب رسول الله من سمع رسول الله يوم غدير خم فقام اثنا عشر رجلا منهم أبو هريرة وأبو سعيد وأنس بن مالك فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول:
«من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه» وقد رواه عبيد الله بن موسى عن هاني بن أيوب وهو ثقة عن طلحة بن مصرف به.
وقال عبد الله بن احمد حدثني حجاج بن الشاعر ثنا شبابة ثنا نعيم بن حكيم حدثني أبو مريم ورجل من جلساء عليّ عن على. أن رسول الله ﷺ قال يوم غدير خم: «من كنت مولاه فعلى مولاه». قال فزاد الناس بعد - وال من والاه، وعاد من عاداه. روى أبو داود بهذا السند حديث المخرج.
وقال الامام احمد حدثنا حسين بن محمد وأبو نعيم المعنى. قالا: ثنا قطن عن أبى الطفيل. قال جمع على الناس في الرحبة - يعنى رحبة مسجد الكوفة - فقال: أنشد الله كل من سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام
стр. 1625
ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده فقال للناس: «أتعلمون أنى أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا نعم! يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه» قال فخرجت كأن في نفسي شيئا فلقيت زيد بن أرقم. فقلت له إني سمعت عليا يقول: كذا وكذا. قال فما تنكر؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك له. هكذا ذكره الامام احمد في مسند زيد بن أرقم ﵁. ورواه النسائي من حديث الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى الطفيل عن زيد بن أرقم به وقد تقدم.
وأخرجه الترمذي عن بندار عن غندر عن شعبة عن سلمة بن كهيل سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبى سريحة - أو زيد بن أرقم - شك شعبة. أن رسول الله ﷺ قال: من كنت مولاه فعلى مولاه. ورواه ابن جرير عن احمد بن حازم عن أبى نعيم عن كامل أبى العلاء عن حبيب بن أبى ثابت عن يحيى بن جعدة عن زيد بن أرقم.
وقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبى عبيد عن ميمون أبى عبد الله. قال قال زيد بن أرقم وأنا أسمع نزلنا مع رسول الله منزلا يقال له وادي خم فأمر بالصلاة فصلاها بهجير. قال فخطبنا وظلّ رسول الله بثوب على شجرة ستره من الشمس. فقال: «ألستم تعلمون - أو ألستم تشهدون - أنى أولى بكل مؤمن من نفسه قالوا بلى! قال فمن كنت مولاه فان عليا مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه».
ثم رواه احمد عن غندر عن شعبة عن ميمون أبى عبد الله عن زيد بن أرقم الى قوله من كنت مولاه فعلى مولاه.
قال ميمون حدثني بعض القوم عن زيد أن رسول الله ﷺ قال: «اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه».
وهذا إسناد جيد رجاله ثقات على شرط السنن. وقد صحح الترمذي بهذا السند حديثا في الريث.
وقال الامام احمد ثنا يحيى بن آدم ثنا حنش بن الحارث بن لقيط الأشجعي عن رباح بن الحارث قال جاء رهط الى على بالرحبة فقالوا السلام عليك يا مولانا قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب. قالوا سمعنا رسول الله ﷺ يوم غدير خم يقول: من كنت مولاه فهذا مولاه. قال رباح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار منهم أبو أيوب الأنصاري. وقال الامام احمد ثنا حنش عن رباح بن الحارث. قال رأيت قوما من الأنصار قدموا على عليّ في الرحبة فقال: من القوم؟ فقالوا مواليك يا أمير المؤمنين فذكر معناه هذا لفظه وهو من أفراده.
وقال ابن جرير ثنا احمد بن عثمان أبو الجوزاء ثنا محمد بن خالد بن عثمة ثنا موسى بن يعقوب الزمعى وهو صدوق حدثني مهاجر بن مسمار عن عائشة بنت سعد سمعت أباها يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: يوم الجحفة وأخذ بيد عليّ فخطب. ثم قال: «أيها الناس إني وليكم قالوا صدقت! فرفع يد عليّ فقال هذا وليي والمؤدي عنى وإن الله موالي من والاه، ومعادي من عاداه». قال: شيخنا الذهبي وهذا حديث حسن غريب.
ثم رواه ابن جرير من حديث يعقوب بن جعفر بن أبى كبير عن مهاجر بن مسمار فذكر الحديث وأنه
стр. 1626
﵇ وقف حتى لحقه من بعده وأمر برد من كان تقدم فخطبهم الحديث.
وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في الجزء الأول من كتاب غدير خم - قال: شيخنا أبو عبد الله الذهبي وجدته في نسخة مكتوبة عن ابن جرير - حدثنا محمود بن عوف الطائي ثنا عبيد الله بن موسى أنبأنا إسماعيل بن كشيط عن جميل بن عمارة عن سالم بن عبد الله بن عمر قال ابن جرير أحسبه قال عن عمر وليس في كتابي سمعت رسول الله ﷺ وهو آخذ بيد عليّ «من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه». وهذا حديث غريب. بل منكر وإسناده ضعيف قال البخاري في جميل بن عمارة هذا فيه نظر.
وقال المطلب بن زياد عن عبد الله بن محمد بن عقيل سمع جابر بن عبد الله يقول: كنا بالجحفة بغدير خم فخرج علينا رسول الله ﷺ من خباء أو فسطاط فأخذ بيد عليّ. فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه». قال: شيخنا الذهبي هذا حديث حسن وقد رواه ابن لهيعة عن بكر بن سوادة وغيره عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بنحوه.
وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن آدم وابن أبى بكير. قالا: ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن حبشي بن جنادة. قال يحيى بن آدم وكان قد شهد حجة الوداع. قال قال: رسول الله ﷺ عليّ منى وأنا منه ولا يؤدى عنى إلا أنا أو عليّ وقال ابن أبى بكير لا يقضى عنى ديني إلا أنا أو على. وكذا رواه احمد أيضا عن أبى احمد الزبيري عن إسرائيل قال الامام احمد وحدثناه الزبيري ثنا شريك عن أبى إسحاق عن حبشي بن جنادة مثله. قال فقلت: لأبى إسحاق أين سمعت منه؟ قال: وقف علينا على فرس في مجلسنا في جبانة السبيع. وكذا رواه احمد عن أسود بن عامر ويحيى بن آدم عن شريك. ورواه الترمذي عن إسماعيل بن موسى عن شريك، وابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة وسويد بن سعيد وإسماعيل بن موسى ثلاثتهم عن شريك به. ورواه النسائي عن احمد بن سليمان عن يحيى بن آدم عن إسرائيل به.
وقال الترمذي حسن صحيح غريب.
ورواه سليمان بن قرم - وهو متروك - عن أبى إسحاق عن حبش بن جنادة سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم: «من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». وذكر الحديث.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي ثنا أبو بكر بن أبى شيبة أنبأنا شريك عن أبى يزيد الأودي عن أبيه. قال: دخل أبو هريرة المسجد فاجتمع الناس اليه فقام اليه شاب. فقال أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» قال نعم! ورواه ابن جرير عن أبى كريب عن شاذان عن شريك به تابعه إدريس الأودي عن أخيه أبى يزيد واسمه داود بن يزيد به. ورواه ابن جرير أيضا من حديث إدريس وداود عن أبيهما عن أبى هريرة فذكره. فأما الحديث الّذي
رواه ضمرة عن ابن شوذب عن مطر الوراق عن شهر بن حوشب عن أبى هريرة. قال لما أخذ رسول الله ﷺ بيد
стр. 1627
عليّ قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه فأنزل الله اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي. قال: أبو هريرة وهو يوم غدير خم من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا. فإنه حديث منكر جدا بل كذب لمخالفته لما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن هذه الآية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة. ورسول الله ﷺ واقف بها كما قدمنا وكذا قوله إن صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو يوم غدير خم يعدل صيام ستين شهرا لا يصح لأنه قد ثبت ما معناه في الصحيح أن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهرا هذا باطل. وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي بعد إيراده هذا الحديث هذا حديث منكر جدا. ورواه حبشون الخلال واحمد بن عبد الله بن احمد النيرى وهما صدوقان عن عليّ بن سعيد الرمليّ عن ضمرة. قال ويروى هذا الحديث من حديث عمر بن الخطاب ومالك بن الحويرث وأنس بن مالك وأبى سعيد وغيرهم بأسانيد واهية. قال: وصدر الحديث متواتر أتيقن أن رسول الله ﷺ قاله وأما اللهمّ وال من والاه فزيادة قوية الاسناد وأما هذا الصوم فليس بصحيح ولا والله ما نزلت هذه الآية إلا يوم عرفة قبل غدير خم بأيام والله تعالى أعلم. [وقال الطبراني حدثنا على بن إسحاق الوزير الأصبهاني حدثنا على بن محمد المقدمي حدثنا محمد بن عمر بن على المقدمي حدثنا على بن محمد بن يوسف بن شبان بن مالك بن مسمع حدثنا سهل بن حنيف بن سهل بن مالك أخى كعب بن مالك عن أبيه عن جده. قال لما قدم رسول الله ﷺ المدينة من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤنى قط، فاعرفوا ذلك له. أيها الناس إني عن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين راض فاعرفوا ذلك لهم. أيها الناس احفظوني في أصحابى وأصهارى وأحبابى لا يطلبكم الله بمظلمة أحد منهم. أيها الناس ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيرا بسم الله الرحمن الرحيم].
سنة احدى عشرة من الهجرة
استهلت هذه السنة وقد استقر الركاب الشريف النبوي بالمدينة النبويّة المطهرة مرجعه من حجة الوداع، وقد وقعت في هذه السنة أمور عظام من أعظمها خطبا وفاة رسول الله ﷺ ولكنه ﵇ نقله الله من هذه الدار الفانية الى النعيم الأبدي في محلة عالية رفيعة ودرجة في الجنة لا أعلى منها ولا أسنى كما قال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ وذلك بعد ما أكمل أداء الرسالة التي أمره الله تعالى بإبلاغها، ونصح أمته ودلهم على خير ما يعلمه لهم، وحذرهم ونهاهم عما فيه مضرة عليهم في دنياهم وأخراهم. وقد قدمنا ما رواه صاحبا
стр. 1628
الصحيح من حديث عمر بن الخطاب أنه قال نزل قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ يوم الجمعة ورسول الله ﷺ واقف بعرفة. وروينا من طريق جيد: أن عمر بن الخطاب حين نزلت هذه الآية بكى فقيل ما يبكيك؟ فقال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان، وكأنه استشعر وفاة النبي ﷺ وقد أشار ﵇ الى ذلك فيما
رواه مسلم من حديث ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر: أن رسول الله ﷺ وقف عند جمرة العقبة وقال لنا. خذوا عنى مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا. وقدمنا ما رواه الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة الرَّبَذيّ عن صدقة بن يسار عن ابن عمر. قال: نزلت هذه السورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ في أوسط أيام التشريق فعرف رسول الله ﷺ أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت ثم ذكر خطبته في ذلك اليوم كما تقدم وهكذا قال عبد الله بن عباس ﵄ لعمر بن الخطاب حين سأله عن تفسير هذه السورة بمحضر كثير من الصحابة ليريهم فضل ابن عباس وتقدمه وعلمه حين لامه بعضهم على تقديمه واجلاسه له مع مشايخ بدر. فقال: إنه من حيث تعلمون ثم سألهم وابن عباس حاضر عن تفسير هذه السورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ فقالوا أمرنا إذا فتح لنا أن نذكر الله ونحمده ونستغفره فقال ما تقول يا ابن عباس؟ فقال هو أجل رسول الله ﷺ نعى اليه. فقال: عمر لا أعلم منها الا ما تعلم. وقد ذكرنا في تفسير هذه السورة ما يدل على قول ابن عباس من وجوه وان كان لا ينافي ما فسر به الصحابة ﵃. وكذلك ما
رواه الامام احمد حدثنا وكيع عن ابن أبى ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبى هريرة. أن رسول الله ﷺ لما حج بنسائه قال: «إنما هي هذه الحجة ثم الزمن ظهور الحصر». تفرد به احمد من هذا الوجه. وقد رواه أبو داود في سننه من وجه آخر جيد.
والمقصود أن النفوس استشعرت بوفاته ﵇ في هذه السنة ونحن نذكر ذلك ونورد ما روى فيما يتعلق به من الأحاديث والآثار وبالله المستعان ولنقدم على ذلك ما ذكره الأئمة محمد بن إسحاق بن يسار وأبو جعفر بن جرير وأبو بكر البيهقي في هذا الموضع قبل الوفاة من تعداد حججه وغزواته وسراياه وكتبه ورسله الى الملوك فلنذكر ذلك ملخصا مختصرا ثم نتبعه بالوفاة.
ففي الصحيحين من حديث أبى إسحاق السبيعي عن زيد بن أرقم: أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وحج بعد ما هاجر حجة الوداع ولم يحج بعدها قال أبو إسحاق وواحدة بمكة كذا قال أبو إسحاق السبيعي. وقد قال زيد بن الحباب عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: أن رسول الله ﷺ حج ثلاث حجات حجتين قبل أن يهاجر وواحدة بعد ما هاجر
стр. 1629
معها عمرة وساق ستا وثلاثين بدنة وجاء على بتمامها من اليمن (١) وقد قدمنا عن غير واحد من الصحابة منهم أنس بن مالك في الصحيحين أنه ﵇: اعتمر أربع عمر عمرة الحديبيّة وعمرة القضاء وعمرة الجعرانة والعمرة التي مع حجة الوداع. وأما الغزوات فروى البخاري عن أبى عاصم النبيل عن يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع. قال: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات ومع زيد بن حارثة تسع غزوات يؤمره علينا رسول الله ﷺ . وفي الصحيحين عن قتيبة عن حاتم بن إسماعيل عن زيد عن سلمة. قال: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات وفيما يبعث من البعوث تسع غزوات مرة علينا أبو بكر ومرة علينا اسامة بن زيد. وفي صحيح البخاري من حديث إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء. قال: غزا رسول الله خمس عشرة غزوة. وفي الصحيحين من حديث شعبة عن أبى إسحاق عن البراء: أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة غزوة وشهد معه منها سبع عشرة أولها العشير أو العسير. وروى مسلم عن احمد بن حنبل عن معتمر عن كهمس بن الحسن عن ابن بريدة عن أبيه: أنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة. وفي رواية لمسلم من طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أنه غزا مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة قاتل منها في ثمان. وفي رواية عنه بهذا الاسناد وبعث أربعا وعشرين سرية قاتل يوم بدر وأحد والأحزاب والمريسيع وخيبر ومكة وحنين. وفي صحيح مسلم من حديث أبى الزبير عن جابر: أن رسول الله ﷺ غزا إحدى وعشرين غزوة غزوت معه منها تسع عشرة غزوة ولم أشهد بدرا ولا أحدا منعني أبى فلما قتل أبى يوم أحد لم أتخلف عن غزاة غزاها. وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري. قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: غزا رسول الله ثمان عشرة غزوة. قال وسمعته مرة يقول أربعا وعشرين غزوة فلا أدرى أكان ذلك وهما أو شيئا سمعته بعد ذلك. وقال قتادة: غزا رسول الله تسع عشرة قاتل في ثمان منها، وبعث من البعوث أربعا وعشرين. فجميع غزواته وسراياه ثلاث وأربعون. وقد ذكر عروة بن الزبير والزهري وموسى بن عقبة ومحمد إسحاق بن يسار وغير واحد من أئمة هذا الشأن: أنه ﵇ قاتل يوم بدر في رمضان من سنة اثنتين، ثم في أحد في شوال سنة ثلاث، ثم الخندق وبنى قريظة في شوال أيضا من سنة أربع وقيل خمس، ثم في بنى المصطلق بالمريسيع في شعبان سنة خمس، ثم في خيبر في صفر سنة سبع ومنهم من يقول سنة ست والتحقيق أنه في أول سنة سبع وآخر سنة ست، ثم قاتل أهل مكة في رمضان سنة ثمان وقاتل هوازن وحاصر أهل الطائف في شوال وبعض ذي الحجة سنة ثمان كما تقدم تفصيله، وحج في سنة ثمان بالناس عتاب بن أسيد نائب مكة، ثم في سنة تسع أبو بكر الصديق، ثم حج رسول الله ﷺ بالمسلمين سنة عشر. وقال محمد
стр. 1630
ابن إسحاق وكان جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة سبعا وعشرين غزوة: غزوة ودان وهي غزوة الأبواء، ثم غزوة بواط من ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى بطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر العظمى الّذي قتل الله فيها صناديد قريش، ثم غزوة بنى سليم حتى بلغ الكدر (١)، ثم غزوة السويق بطلب أبا سفيان بن حرب، ثم غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمر (٢)، ثم غزوة نجران معدن بالحجاز، ثم غزوة أحد، ثم حمراء الأسد، ثم غزوة بنى النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل، ثم غزوة بدر الآخرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بنى قريظة، ثم غزوة بنى لحيان من هذيل، ثم غزوة ذي قرد، ثم غزوة بنى المصطلق من خزاعة، ثم غزوة الحديبيّة لا يريد قتالا فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم غزوة الفتح، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك. قال ابن إسحاق: قاتل منها في تسع غزوات. غزوة بدر وأحد والخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف.
قلت: وقد تقدم ذلك كله مبسوطا في أماكنه بشواهده وأدلته ولله الحمد.
قال ابن إسحاق وكانت بعوثه ﵇ وسراياه ثمانيا وثلاثين من بين بعث وسرية، ثم شرع ﵀ في ذكر تفصيل ذلك. وقد قدمنا ذلك كله أو أكثره مفصلا في مواضعه ولله الحمد والمنة. ولنذكر ملخص ما ذكره ابن إسحاق: بعث عبيدة بن الحارث الى أسفل ثنية المرة، ثم بعث حمزة بن عبد المطلب الى الساحل من ناحية العيص، ومن الناس من يقدم هذا على بعث عبيدة كما تقدم فالله أعلم، بعث سعد بن أبى وقاص الى الجرار، بعث عبد الله بن جحش الى بجيلة، بعث زيد بن حارثة الى القردة، بعث محمد بن مسلمة الى كعب بن الأشرف، بعث مرثد بن أبى مرثد الى الرجيع، بعث المنذر بن عمرو الى بئر معونة، بعث أبى عبيدة الى ذي القصة، بعث عمر بن الخطاب الى برية في أرض بنى عامر، بعث عليّ الى اليمن، بعث غالب بن عبد الله الكلبي الى الكديد فأصاب بنى الملوح أغار عليهم في الليل فقتل طائفة منهم فاستاق نعمهم فجاء نفرهم في طلب النعم فلما اقتربوا حال بينهم واد من السيل وأسروا في مسيرهم هذا الحارث بن مالك بن البرصاء. وقد حرر ابن إسحاق هذا ها هنا وقد تقدم بيانه، بعث عليّ بن أبى طالب الى أرض فدك، بعث أبى العوجاء السلمي الى بنى سليم أصيب هو وأصحابه، بعث عكاشة الى الغمرة، بعث أبى سلمة بن عبد الأسد الى قطن وهو ماء بنجد لبني أسد، بعث محمد بن مسلمة الى القرطاء من هوازن، بعث بشير بن سعد الى بنى مرة بفدك، وبعثه أيضا الى ناحية حنين، بعث زيد بن حارثة الى الجموم من أرض بنى سليم،
стр. 1631
بعث زيد بن حارثة الى جذام من أرض بنى خشين. قال: ابن هشام وهي من أرض حسمى وكان سبيها فيما ذكره ابن إسحاق وغيره: أن دحية بن خليفة لما رجع من عند قيصر وقد أبلغه كتاب رسول الله ﷺ يدعوه الى الله فأعطاه من عنده تحفا وهدايا فلما بلغ واديا في أرض بنى جذام يقال له شنار أغار عليه الهنيد بن عوص وابنه عوص بن الهنيد الصليعيان والصليع بطن من جذام فأخذا ما معه فنفر حي منهم قد أسلموا فاستنقذوا ما كان أخذ لدحية فردوه عليه فلما رجع دحية الى رسول الله ﷺ أخبره الخبر واستسقاه دم الهنيد وابنه عوص فبعث حينئذ زيد بن حارثة في جيش اليهم فساروا اليهم من ناحية الاولاج فأغار بالماقض من ناحية الحرة فجمعوا ما وجدوا من مال وناس وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين من بنى الأحنف ورجلا من بنى خصيب فلما احتاز زيد أموالهم وذراريهم اجتمع نفر منهم برفاعة بن زيد. وكان قد جاءه كتاب من رسول الله ﷺ يدعوهم الى الله فقرأه عليهم رفاعة فاستجاب له طائفة منهم ولم يكن زيد بن حارثة يعلم ذلك فركبوا الى رسول الله ﷺ الى المدينة في ثلاثة أيام فأعطوه الكتاب فأمر بقراءته جهرة على الناس. ثم قال: رسول الله كيف أصنع بالقتلى ثلاث مرات. فقال: رجل منهم يقال له أبو زيد بن عمرو أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمي هذه فبعث معهم رسول الله ﷺ على بن أبى طالب
فقال عليّ: إن زيدا لا يطيعني فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه علامة فسار معهم على جمل لهم فلقوا زيدا وجيشه ومعهم الأموال والذراري بفيفاء الفحلتين فسلمهم عليّ جميع ما كان أخذ لهم لم يفقدوا منه شيئا، بعث زيد بن حارثة أيضا الى بنى فزارة بوادي القرى فقتل طائفة من أصحابه وارتث هو من بين القتلى، فلما رجع آلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزوهم أيضا، فلما استبل من جراحة بعثه رسول الله ﷺ ثانيا في جيش فقتلهم بوادي القرى وأسر أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر وكانت عند مالك بن حذيفة بن بدر ومعها ابنة لها، فأمر زيد بن حارثة قيس بن المسحر اليعمري فقتل أم قرفة واستبقى ابنتها وكانت من بيت شرف يضرب بأم قرفة المثل في عزها، وكانت بنتها مع سلمة بن الأكوع فاستوهبها منه رسول الله ﷺ فأعطاه إياها، فوهبها رسول الله لخاله حزن بن أبى وهب فولدت له ابنه عبد الرحمن، بعث عبد الله بن رواحة الى خيبر مرتين: إحداهما التي أصاب فيها اليسير بن رزام وكان يجمع غطفان لغزو رسول الله ﷺ فبعث رسول الله عبد الله بن رواحة في نفر منهم عبد الله بن أنيس فقدموا عليه فلم يزالوا يرغبونه ليقدموه على رسول الله ﷺ فسار معهم فلما كانوا بالقرقرة على ستة أميال من خيبر ندم اليسير على مسيره ففطن له عبد الله بن أنيس - وهو يريد السيف - فضربه بالسيف فأطن قدمه وضربه اليسير بمخرش (١) من شوحط في رأسه فأمّه،
стр. 1632
ومال كل رجل من المسلمين على صاحبه من اليهود فقتله إلا رجلا واحدا أفلت على قدميه، فلما قدم ابن أنيس تفل في رأسه رسول الله ﷺ فلم يقح (١) جرحه ولم يؤذه. قلت وأظن البعث الآخر الى خيبر لما بعثه ﵇ خارصا على نخيل خيبر والله أعلم، بعث عبد الله بن عتيك وأصحابه الى خيبر فقتلوا أبا رافع اليهودي، بعث عبد الله بن أنيس الى خالد بن سفيان بن نبيح فقتله بعرنة.
وقد روى ابن إسحاق قصته ها هنا مطولة وقد تقدم ذكرها في سنة خمس والله أعلم، بعث زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة الى مؤتة من أرض الشام فأصيبوا كما تقدم، بعث كعب بن عمير (٢) الى ذات أطلاح من أرض الشام فأصيبوا جميعا أيضا، بعث عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الى بنى العنبر من تميم فأغار عليهم فأصاب منهم أناسا ثم ركب وفدهم الى رسول الله ﷺ في أسراهم فأعتق بعضا وفدى بعضا، بعث غالب بن عبد الله أيضا الى أرض بنى مرة فأصيب بها مرداس بن نهيك حليف لهم من الحرقة من جهنية قتله اسامة بن زيد ورجل من الأنصار أدركاه فلما شهرا السلاح قال: لا إله إلا الله فلما رجعا لامهما رسول الله ﷺ أشد اللوم فاعتذرا بأنه ما قال ذلك إلا تعوذا من القتل. فقال لاسامة هلا شققت عن قلبه وجعل يقول لاسامة: من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة.
قال: اسامة فما زال يكررها حتى لوددت أن لم أكن أسلمت قبل ذلك. وقد تقدم الحديث بذلك، بعث عمرو بن العاص الى ذات السلاسل من أرض بنى عذرة يستنفر العرب الى الشام وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بلى فلذلك بعث عمرا يستنفرهم ليكون أنجع فيهم فلما وصل الى ماء لهم يقال له السلسل خافهم فبعث يستمد رسول الله فبعث رسول الله ﷺ سرية فيهم أبو بكر وعمر وعليها أبو عبيدة بن الجراح فلما انتهوا اليه تأمر عليهم كلهم عمرو وقال إنما بعثتم مددا لي فلم يمانعه أبو عبيدة لأنه كان رجلا سهلا لينا هينا عند أمر الدنيا فسلم له وانقاد معه، فكان عمرو يصلى بهم كلهم ولهذا لما رجع.
قال: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال فمن الرجال؟ قال: أبوها، بعث عبد الله بن أبى حدرد الى بطن أضم وذلك قبل فتح مكة وفيها قصة محلم بن جثامة وقد تقدم مطولا في سنة سبع، بعث ابن أبى حدرد أيضا الى الغابة، بعث عبد الرحمن بن عوف الى دومة الجندل. قال: محمد بن إسحاق حدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبى رباح. قال: سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم. قال فقال عبد الله: أخبرك إن شاء الله عن ذلك تعلم أنى كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب النبي ﷺ في مسجده أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود ومعاذ بن جبل وحذيفة
стр. 1633
ابن اليمان وأبو سعيد الخدريّ وأنا مع رسول الله ﷺ إذ أقبل فتى من الأنصار فسلم على رسول الله ثم جلس.
فقال: يا رسول الله أي المؤمنين أفضل؟ قال: أحسنهم خلقا. قال فأى المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم استعدادا له قبل أن ينزل به أولئك الأكياس، ثم سكت الفتى. وأقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا نزلن بكم - وأعوذ بالله أن تدركوهن - أنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يغلبوا عليها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء فلولا البهائم ما مطروا، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ويجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم. قال: ثم أمر عبد الرحمن ابن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء فأدناه رسول الله ﷺ ثم نقضها ثم عمّمه بها وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك. ثم قال: هكذا يا ابن عوف فاعتم فإنه أحسن وأعرف، ثم أمر بلالا أن يدفع اليه اللواء فدفعه اليه فحمد الله وصلى على نفسه ثم قال: خذه يا ابن عوف اغزوا جميعا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا فهذا عهد الله وسيرة نبيكم فيكم. فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء. قال: ابن هشام فخرج الى دومة الجندل، بعث أبى عبيدة بن الجراح وكانوا قريبا من ثلاثمائة راكب الى سيف البحر وزوده ﵇ جرابا من تمر و [فيها] قصة العنبر وهي الحوت العظيم الّذي دسره البحر (١) وأكلهم كلهم منه قريبا من شهر حتى سمنوا وتزودوا منه وشائق أي شرائح حتى رجعوا الى رسول الله ﷺ فأطعموه منه فأكل منه كما تقدم بذلك الحديث. قال: ابن هشام ومما لم يذكر ابن إسحاق من البعوث - يعنى ها هنا -، بعث عمرو بن أمية الضمريّ لقتل أبى سفيان صخر بن حرب بعد مقتل خبيب بن عدي وأصحابه، فكان من أمره ما قدمناه وكان مع عمرو بن أمية جبار بن صخر ولم يتفق لهما قتل أبى سفيان بل قتلا رجلا غيره وأنزلا خبيبا عن جذعه، وبعث سالم بن عمير أحد البكاءين الى أبى عفك أحد بنى عمرو بن عوف وكان قد نجم نفاقه حين قتل رسول الله الحارث بن سويد بن الصامت كما تقدم. فقال يرثيه ويذم - قبحه الله - الدخول في الدين:
لقد عشت دهرا وما أن أرى … من الناس دارا ولا مجمعا
أبر عهودا وأوفى لمن … يعاقد فيهم إذا ما دعا
من أولاد قيلة في جمعهم … يهد (٢) الجبال ولم يخضعا
стр. 1634
فصدّعهم راكب جاءهم … حلال حرام لشتى معا
فلو أن بالعز صدقتم … أو الملك تابعتم تبعا
فقال رسول الله ﷺ من لي بهذا الخبيث، فانتدب له سالم بن عمير هذا فقتله فقالت امامة المريدية في ذلك:
تكذب دين الله والمرء احمدا … لعمرو الّذي أمناك بئس الّذي يمنى
حباك حنيف (١) آخر الليل طعنة … أبا عفك خذها على كبر السن
وبعث عمير بن عدي الخطميّ لقتل العصماء بنت مروان من بنى أمية بن زيد كانت تهجو الإسلام وأهله، ولما قتل أبو عفك المذكور أظهرت النفاق وقالت في ذلك:
باست بنى مالك والنبيت … وعوف وباست بنى الخزرج
أطعتم أتاوى من غيركم … فلا من مراد ولا مذحج
ترجونه بعد قتل الرءوس … كما يرتجى ورق المنضج
ألا آنف يبتغى غرة … فيقطع من أمل المرتجى
قال فأجابها حسان بن ثابت فقال:
بنو وائل وبنو واقف … وخطمة دون بنى الخزرج
متى ما دعت سفها ويحها … بعولتها والمنايا تجى
فهزت فتى ماجدا عرفه … كريم المدخل والمخرج
فضرجها من نجيع الدماء … بعيد الهدو فلم يحرج
فقال رسول الله ﷺ حين بلغه ذلك: ألا آخذ لي من ابنة مروان، فسمع ذلك عمير بن عدي فلما أمسى من تلك الليلة سرى عليها فقتلها. ثم أصبح فقال: يا رسول الله قتلتها. فقال: نصرت الله ورسوله يا عمير. قال: يا رسول الله هل عليّ من شأنها. قال: لا تنتطح فيها عنزان. فرجع عمير الى قومه وهم يختلفون في قتلها وكان لها خمسة بنون. فقال: أنا قتلتها فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون فذلك أول يوم عز الإسلام في بنى خطمة فأسلم منهم بشر كثير لما رأوا من عز الإسلام. ثم ذكر البعث الذين أسروا ثمامة بن أثال الحنفي وما كان من أمره في إسلامه. وقد تقدم ذلك في الأحاديث الصحاح.
وذكر ابن هشام أنه هو الّذي قال فيه رسول الله ﷺ : المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء. لما كان من قلة أكله بعد إسلامه، وأنه لما انفصل عن المدينة دخل مكة معتمرا وهو يلبى فنهاه أهل مكة عن ذلك فأبى عليهم وتوعدهم بقطع الميرة عنهم من اليمامة فلما
стр. 1635
عاد الى اليمامة منعهم الميرة حتى كتب اليه رسول الله ﷺ فأعادها اليهم. وقال بعض بنى حنيفة:
ومنّا الّذي لبى بمكة محرما … برغم أبى سفيان في الأشهر الحرم
وبعث علقمة بن مجزز المدلجي ليأخذ بثأر أخيه وقاص بن مجزز يوم قتل بذي قرد فاستأذن رسول الله ليرجع في آثار القوم فأذن له وأمره على طائفة من الناس فلما قفلوا أذن لطائفة منهم في التقدم واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة وكانت فيه دعابة فاستوقد نارا وأمرهم أن يدخلوها فلما عزم بعضهم على الدخول. قال إنما كنت أضحك
فلما بلغ النبي ﷺ . قال: من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه. والحديث في هذا ذكره ابن هشام عن الدراوَرْديّ عن محمد بن عمرو بن علقمة عن عمرو ابن الحكم بن ثوبان عن أبى سعيد الخدريّ وبعث كرز بن جابر لقتل أولئك النفر الذين قدموا المدينة وكانوا من قيس من بجيلة فاستوخموا المدينة واستوبئوها فأمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا الى ابله فيشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا راعيها وهو يسار مولى رسول الله ﷺ ذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه واستاقوا اللقاح فبعث في آثارهم كرز بن جابر في نفر من الصحابة فجاءوا بأولئك النفر من بجيلة مرجعه ﵇ من غزوة ذي قرد فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم، وهؤلاء النفر إن كانوا هم المذكورين في حديث أنس المتفق عليه أن نفرا ثمانية من عكل أو عرينة قدموا المدينة الحديث، والظاهر أنهم هم فقد تقدم قصتهم مطولة وان كانوا غيرهم فها قد أوردنا عيون ما ذكره ابن هشام والله أعلم قال: ابن هشام وغزوة على بن أبى طالب التي غزاها مرتين. قال: أبو عمرو المدني بعث رسول الله عليا الى اليمن وخالدا في جند آخر. وقال إن اجتمعتم فالأمير على بن أبى طالب. قال: وقد ذكر ابن إسحاق. بعث خالد ولم يذكره في عدد البعوث والسرايا فينبغي أن تكون العدة في قوله تسعا وثلاثين. قال: ابن إسحاق وبعث رسول الله ﷺ اسامة بن زيد بن حارثة الى الشام وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين فتجهز الناس وأوعب مع اسامة المهاجرون الأولون. قال: ابن هشام وهو آخر بعث بعثه رسول الله ﷺ .
وقال البخاري حدثنا إسماعيل ثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ بعث بعثا وأمرّ عليهم اسامة بن زيد فطعن الناس في إمارته، فقام النبي ﷺ فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في امارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للامارة وإن كان لمن أحب الناس الىّ وإن هذا لمن أحب الناس الىّ بعده. ورواه الترمذي من حديث مالك. وقال حديث صحيح حسن. وقد انتدب كثير من الكبار من المهاجرين الأولين والأنصار في جيشه فكان من أكبرهم عمر بن الخطاب ومن قال إن أبا بكر كان فيهم فقد غلط فإن رسول الله ﷺ اشتد به المرض وجيش اسامة مخيم بالجرف. وقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلى بالناس كما سيأتي فكيف يكون في الجيش
стр. 1636
وهو إمام المسلمين باذن الرسول من رب العالمين، ولو فرض أنه كان قد انتدب معهم فقد استثناه الشارع من بينهم بالنص عليه للامامة في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، ثم لما توفى ﵊ استطلق الصديق من اسامة عمر بن الخطاب فأذن له في المقام عند الصديق ونفذ الصديق جيش اسامة كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه إن شاء الله.
فصل في الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله ﷺ وكيف ابتدئ رسول الله ﷺ بمرضه الّذي مات فيه
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ وقال تعالى:
﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ … ﴿وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾. وهذه الآية هي التي تلاها الصديق يوم وفاة رسول الله ﷺ فلما سمعها الناس كأنهم لم يسمعوها قبل. وقال تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾. قال: عمر بن الخطاب وابن عباس هو أجل رسول الله نعى اليه. وقال ابن عمر نزلت أوسط أيام التشريق في حجة الوداع فعرف رسول الله أنه الوداع فخطب الناس خطبة أمرهم فيها ونهاهم، الخطبة المشهورة كما تقدم.
وقال جابر رأيت رسول الله يرمى الجمار فوقف. وقال: «لتأخذوا (١) عنى مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا».
وقال ﵇ لابنته فاطمة كما سيأتي: «إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة وإنه عارضني به العام مرتين وما أرى ذلك إلا اقتراب أجلى». وفي صحيح البخاري من حديث أبى بكر بن عياش عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة. قال: كان رسول الله يعتكف في كل شهر رمضان عشرة أيام فلما كان من العام الّذي توفى فيه اعتكف عشرين يوما وكان يعرض عليه القرآن في كل رمضان، فلما كان العام الّذي توفى فيه عرض عليه القرآن مرتين. وقال محمد بن إسحاق رجع رسول الله ﷺ من حجة الوداع في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفرا وبعث اسامة بن زيد فبينا الناس على ذلك ابتدئ رسول الله ﷺ بشكواه الّذي قبضه الله فيه الى ما أراده الله من رحمته
стр. 1637
وكرامته في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الأول، فكان أول ما ابتدئ به رسول الله من ذلك فيما ذكر لي أنه خرج الى بقيع الغرقد من جوف الليل فاستغفر لهم ثم رجع الى أهله فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك.
قال: ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن جعفر عن عبيد بن جبر مولى الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبى مويهبة مولى رسول الله ﷺ . قال بعثني رسول الله من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن استغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معى فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم. قال: السلام عليكم يا أهل المقابر ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها. الآخرة شر من الأولى، ثم أقبل عليّ فقال: يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنة. قال قلت: بأبي أنت وأمى فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة. قال: لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربى والجنة، ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف فبدئ برسول الله وجعه الّذي قبضه الله فيه لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب. وإنما رواه احمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن إسحاق به.
وقال الامام احمد ثنا أبو النضر ثنا الحكم ابن فضيل ثنا يعلى بن عطاء عن عبيد بن جبر عن أبى مويهبة. قال: أمر رسول الله أن يصلى على أهل البقيع فصلى عليهم ثلاث مرات فلما كانت الثالثة. قال: يا أبا مويهبة أسرج لي دابتي. قال فركب ومشيت حتى انتهى اليهم فنزل عن دابته وأمسكت الدابة فوقف. أو قال - قام عليهم - فقال:
- ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس أتت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا، الآخرة أشد من الأولى فليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس. ثم رجع فقال: يا أبا مويهبة إني أعطيت. أو قال: خيرت بين مفاتيح ما يفتح على أمتى من بعدي والجنة أو لقاء ربى. قال فقلت: بأبي أنت وأمى فاخترنا.
قال: لأن ترد على عقبها ما شاء الله فاخترت لقاء ربى فما لبث بعد ذلك إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض
وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه. قال قال: رسول الله نصرت بالرعب وأعطيت الخزائن وخيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتى وبين التعجيل فاخترت التعجيل. قال:
البيهقي وهذا مرسل وهو شاهد لحديث أبى مويهبة.
قال ابن إسحاق وحدثني يعقوب بن عتبة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود عن عائشة. قالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول وا رأساه. فقال بل أنا والله يا عائشة وا رأساه قالت: ثم قال: وما ضرك لومت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك.
قالت قلت: والله لكأنّي بك لو فعلت ذلك لقد رجعت الى بيتي فاعرست فيه ببعض نسائك.
قالت: فتبسم رسول الله ﷺ ونام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استعز به في بيت ميمونة فدعا
стр. 1638
نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيتي فأذن له. قالت: فخرج رسول الله بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن عباس ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتي. قال عبيد الله فحدثت به ابن عباس فقال: أتدري من الرجل الآخر؟ هو على بن أبى طالب. وهذا الحديث له شواهد ستأتي قريبا
وقال البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأنا الأصم أنبأنا احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة. قالت:
دخل عليّ رسول الله وهو يصدع وأنا أشتكى رأسي فقلت: وا رأساه! فقال بل أنا والله يا عائشة وا رأساه! ثم قال وما عليك لومت قبلي فوليت أمرك وصليت عليك وواريتك. فقلت: والله إني لأحسب لو كان ذلك لقد خلوت ببعض نسائك في بيتي من آخر النهار، فضحك رسول الله ثم تمادى به وجعه فاستعز (١) به وهو يدور على نسائه في بيت ميمونة، فاجتمع اليه أهله. فقال: العباس إنا لنرى برسول الله ذات الجنب فهلموا فلنلده، فلدوه فأفاق رسول الله. فقال: من فعل هذا؟ فقالوا عمك العباس تخوف أن يكون بك ذات الجنب. فقال: رسول الله إنها من الشيطان وما كان الله ليسلطه عليّ لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه إلا عمى العباس، فلد أهل البيت كلهم حتى ميمونة وإنها لصائمة وذلك بعين رسول الله ﷺ ، ثم استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج وهو بين العباس ورجل آخر - لم تسمه - تخط قدماه بالأرض. قال عبيد الله قال: ابن عباس الرجل الآخر على بن أبى طالب. قال البخاري حدثنا سعيد بن عفير ثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرنى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما ثقل رسول الله واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له، فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه الأرض بين عباس قال بن عبد المطلب وبين رجل آخر. قال عبيد الله فأخبرت عبد الله - يعنى ابن عباس - بالذي قالت عائشة. فقال: لي عبد الله بن عباس هل تدري من الرجل الآخر الّذي لم تسم عائشة؟ قال قلت: لا! ابن عباس هو عليّ، فكانت عائشة زوج النبي ﷺ تحدث أن رسول الله لما دخل بيتي واشتد به وجعه. قال: هريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلى أعهد الى الناس فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي ﷺ ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن. قالت عائشة ثم خرج الى الناس فصلى لهم وخطبهم. وقد رواه البخاري أيضا في مواضع أخر من صحيحه ومسلم من طرق عن الزهري به. وقال البخاري حدثنا إسماعيل ثنا سليمان بن بلال قال هشام بن عروة أخبرنى أبى عن عائشة. أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الّذي مات فيه أين أنا غدا أين أنا غدا؟ يريد يوم عائشة فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء فكان في بيت
стр. 1639
عائشة حتى مات عندها. قالت عائشة ﵂: فمات في اليوم الّذي كان يدور عليّ فيه في بيتي وقبضه الله وإن رأسه لبين سحري ونحري وخالط ريقه ريقي. قالت: ودخل عبد الرحمن بن أبى بكر ومعه سواك يستن به فنظر اليه رسول الله ﷺ . فقلت له: أعطنى هذا السواك يا عبد الرحمن فأعطانيه فقضمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله ﷺ فاستن به وهو مسند الى صدري. انفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال البخاري أخبرنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث حدثني ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. قالت: مات النبي ﷺ وأنه لبين حاقنتى وذاقنتي فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد النبي ﷺ . وقال البخاري حدثنا حيان أنبأنا عبد الله أنبأنا يونس عن ابن شهاب قال أخبرنى عروة أن عائشة أخبرته. أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الّذي توفى فيه طفقت أنفث عليه (١) بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي ﷺ عنه. ورواه مسلم من حديث ابن وهب عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به. والفلاس ومسلم عن محمد بن حاتم كلهم [وثبت في الصحيحين من حديث أبى عوانة عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: اجتمع نساء رسول الله ﷺ عنده لم يغادر منهن امرأة فجاءت فاطمة تمشى لا تخطئ مشيتها مشية أبيها. فقال: مرحبا بابنتي فأقعدها عن يمينه أو شماله، ثم سارّها بشيء فبكت، ثم سارّها فضحكت فقلت لها خصك رسول الله ﷺ بالسرار وأنت تبكين فلما أن قامت. قلت أخبرينى ما سارك فقالت: ما كنت لأفشى سر رسول الله ﷺ فلما توفى. قلت لها: أسألك لما لي عليك من الحق لما أخبرتينى.
قالت: أما الآن فنعم! قالت سارني في الأول قال لي إن جبريل كان يعارضني في القرآن كل سنة مرة وقد عارضني في هذا العام مرتين ولا أرى ذلك إلا لاقتراب أجلى فاتقى الله واصبري فنعم السلف أنا لك، فبكيت. ثم سارني فقال: أما ترضيني أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة فضحكت. وله طرق عن عائشة (٢)]. وقد روى البخاري عن على بن عبد الله عن يحيى ابن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن موسى بن أبى عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة. قالت: لددنا رسول الله ﷺ في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدونى، فقلنا كراهية المريض للدواء. فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن لا تلدونى قلنا كراهية المريض للدواء. فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا انظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم. قال البخاري ورواه ابن أبى الزناد عن هشام عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ .
وقال البخاري وقال يونس عن الزهري قال عروة قالت عائشة: كان النبي ﷺ يقول في مرضه الّذي مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الّذي أكلت
стр. 1640
بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهرى من ذلك السم. هكذا ذكره البخاري معلقا. وقد أسنده الحافظ البيهقي عن الحاكم عن أبى بكر بن محمد بن احمد بن يحيى الأشقر عن يوسف بن موسى عن احمد بن صالح عن عنبسة عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به. وقال البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأنا الأصم أنبأنا احمد بن عبد الجبار عن أبى معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن أبى الأحوص عن عبد الله بن مسعود. قال: لئن أحلف تسعا أن رسول الله ﷺ قتل قتلا أحب الىّ من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل، وذلك أن الله اتخذه نبيا واتخذه شهيدا. وقال البخاري ثنا إسحاق بن بشر حدثنا شعيب عن أبى حمزة حدثني أبى عن الزهري.
قال أخبرنى عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري وكان كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تيب عليهم أن عبد الله بن عباس أخبره أن عليّ بن أبى طالب خرج من عند رسول الله في وجعه الّذي توفى فيه فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب. فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله ﷺ سوف يتوفى من وجعه هذا إني لأعرف وجوه بنى عبد المطلب عند الموت اذهب بنا الى رسول الله فلنسأله فيمن هذا الأمر؟ إن كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال: عليّ إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ . انفرد به البخاري وقال البخاري ثنا قتيبة ثنا سفيان عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير. قال قال: ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس؟ اشتد برسول الله ﷺ وجعه. فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع - فقالوا: ما شأنه يهجر استفهموه فذهبوا يردون عنه. فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني اليه، فأوصاهم بثلاث. قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها ورواه البخاري في موضع آخر ومسلم من حديث سفيان بن عيينة به. ثم
قال البخاري حدثنا على بن عبد الله ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال لما حضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فقال النبي ﷺ : هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فقال بعضهم: إن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. ومنهم من يقول غير ذلك.
فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال: رسول الله ﷺ قوموا. قال: عبيد الله قال: ابن عباس إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم. ورواه مسلم عن محمد بن رافع وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق بنحوه. وقد أخرجه
стр. 1641
البخاري في مواضع من صحيحه من حديث معمر ويونس عن الزهري به. وهذا الحديث مما قد توهم به بعض الأغبياء من أهل البدع من الشيعة وغيرهم كل مدع أنه كان يريد أن يكتب في ذلك الكتاب ما يرمون اليه من مقالاتهم، وهذا هو التمسك بالمتشابه. وترك المحكم وأهل السنة يأخذون بالمحكم. ويردون ما تشابه اليه، وهذه طريقة الراسخين في العلم كما وصفهم الله في كتابه، وهذا الموضع مما زل فيه أقدام كثير من أهل الضلالات، وأما أهل السنة فليس لهم مذهب إلا اتباع الحق يدورون معه كيفما دار، وهذا الّذي كان يريد ﵊ أن يكتبه قد جاء في الأحاديث الصحيحة التصريح بكشف المراد منه. فإنه قد
قال الامام احمد حدثنا مؤمل ثنا نافع عن ابن عمرو ثنا ابن أبى مليكة عن عائشة. قالت لما كان وجع رسول الله ﷺ الّذي قبض فيه قال «ادعوا لي أبا بكر وابنه لكي لا يطمع في أمر أبى بكر طامع ولا يتمناه متمن. ثم قال: يأبى الله ذلك والمؤمنون». مرتين. قالت عائشة: فأبى الله ذلك والمؤمنون، انفرد به احمد من هذا الوجه
وقال احمد حدثنا أبو معاوية ثنا عبد الرحمن بن أبى بكر القرشي عن ابن أبى مليكة عن عائشة. قالت لما ثقل رسول الله قال لعبد الرحمن بن أبى بكر: «ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبى بكر كتابا لا يختلف عليه أحد، فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم. قال: «أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر». انفرد به احمد من هذا الوجه أيضا.
وروى البخاري عن يحيى بن يحيى عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن عائشة. قالت قال: رسول الله لقد هممت أن أرسل الى أبى بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون. فقال: يأبى الله - أو يدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون.
وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه. قال: أتت امرأة الى رسول الله ﷺ فأمرها أن ترجع اليه. فقالت:
أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت - قال: «إن لم تجديني فات أبا بكر». والظاهر والله أعلم أنها إنما قالت ذلك له ﵇ في مرضه الّذي مات فيه صلوات الله وسلامه عليه، وقد خطب ﵊ في يوم الخميس قبل أن يقبض ﵇ بخمس أيام خطبة عظيمة بين فيها فضل الصديق من سائر الصحابة مع ما كان قد نص عليه أن يؤم الصحابة أجمعين كما سيأتي بيانه مع حضورهم كلهم. ولعل خطبته هذه كانت عوضا عما أراد أن يكتبه في الكتاب، وقد اغتسل ﵇ بين يدي هذه الخطبة الكريمة فصبوا عليه من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن وهذا من باب الاستشفاء بالسبع كما وردت بها الأحاديث في غير هذا الموضع، والمقصود أنه ﵇ اغتسل ثم خرج فصلى بالناس ثم خطبهم كما تقدم في حديث عائشة ﵂.
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك.
قال: البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأنا الأصم عن احمد بن
стр. 1642
عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أيوب بن بشير. أن رسول الله قال في مرضه: أفيضوا عليّ من سبع قرب من سبع آبار شتى حتى أخرج فأعهد الى الناس. ففعلوا فخرج فجلس على المنبر فكان أول ما ذكر بعد حمد الله والثناء عليه ذكر أصحاب أحد فاستغفر لهم ودعا لهم. ثم قال: يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تزيدون والأنصار على هيئتها لا تزيد وإنهم عيبتي التي أويت اليها، فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم. ثم قال ﵇: أيها الناس إن عبدا من عباد الله قد خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله، ففهمها أبو بكر ﵁ من بين الناس فبكى. وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا وأموالنا. فقال: رسول الله ﷺ على رسلك يا أبا بكر! انظروا إلى هذه الأبواب الشارعة في المسجد فسدوها إلا ما كان من بيت أبى بكر فانى لا أعلم أحدا عندي أفضل في الصحبة منه. هذا مرسل له شواهد كثيرة.
وقال الواقدي حدثني فروة بن زبيد بن طوسا عن عائشة بنت سعد عن أم ذرة عن أم سلمة زوج النبي ﷺ . قالت: خرج رسول الله عاصبا رأسه بخرقة فلما استوى على المنبر تحدق الناس بالمنبر - واستكفوا. فقال: والّذي نفسي بيده إني لقائم على الحوض الساعة ثم تشهد فلما قضى تشهده كان أول ما تكلم به أن أستغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد. ثم قال: إن عبدا من عباد الله خير بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه. وقال: بأبي وأمى نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا. فكان رسول الله ﷺ هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله ﷺ . وجعل رسول الله يقول له: على رسلك!
وقال الامام احمد حدثنا أبو عامر ثنا فليح عن سالم أبى النضر عن بشر بن سعيد عن أبى سعيد. قال خطب رسول الله الناس فقال: إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله. قال: فبكى أبو بكر. قال فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله عن عبد، فكان رسول الله هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به.
فقال: رسول الله إن أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، لو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الإسلام ومودته لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبى بكر.
وهكذا رواه البخاري من حديث أبى عامر العقدي به. ثم رواه الامام احمد عن يونس عن فليح عن سالم أبى النضر عن عبيد بن حنين وبشر بن سعيد عن أبى سعيد به. وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث فليح ومالك بن أنس عن سالم عن بشر بن سعيد وعبيد بن حنين كلاهما عن أبى سعيد بنحوه. وقال الامام احمد حدثنا أبو الوليد ثنا هشام ثنا أبو عوانة عن عبد الملك عن ابن أبى المعلى عن أبيه. أن رسول الله خطب يوما فقال: إن رجلا خيره ربه بين أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش فيها يأكل من الدنيا ما شاء أن يأكل منها، وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه فبكى أبو بكر.
стр. 1643
فقال: أصحاب رسول الله ﷺ ألا تعجبون من هذا الشيخ أن ذكر رسول الله رجلا صالحا خيره ربه بين البقاء في الدنيا وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه،
فكان أبو بكر أعلمهم بما قال رسول الله. فقال أبو بكر بل نفديك بأموالنا وأبنائنا. فقال: رسول الله ﷺ ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته وذات يده من ابن أبى قحافة، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت ابن أبى قحافة، ولكن ود وإخاء وإيمان ولكن ود وإخاء وإيمان. مرتين وإن صاحبكم خليل الله . تفرد به احمد قالوا وصوابه أبو سعيد بن المعلى فالله أعلم.
وقد روى الحافظ البيهقي من طريق إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - ثنا زكريا بن عدي ثنا عبيد الله بن عمرو الرقى عن زيد بن أبى أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث حدثني جندب. أنه سمع رسول الله ﷺ قبل أن يتوفى بخمس وهو يقول:
قد كان لي منكم إخوة وأصدقاء وإني أبرأ الى كل خليل من خلته ولو كنت منخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وإن ربى اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإن قوما ممن كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد فلا تتخذوا القبور مساجد فانى أنهاكم عن ذلك. وقد رواه مسلم في صحيحه عن إسحاق بن راهويه بنحوه، وهذا اليوم الّذي كان قبل وفاته ﵇ بخمسة أيام هو يوم الخميس الّذي ذكره ابن عباس فيما تقدم. وقد روينا هذه الخطبة من طريق ابن عباس.
قال: الحافظ البيهقي أنبأنا أبو الحسن على بن محمد المقرئ أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق حدثنا يوسف بن يعقوب - هو ابن عوانة الأسفراييني (١) -. قال ثنا محمد بن أبى بكر ثنا وهب بن جرير ثنا أبى سمعت يعلى بن حكيم يحدث عن عكرمة عن ابن عباس. قال: خرج النبي ﷺ في مرضه الّذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: إنه ليس من الناس أحدا منّ على بنفسه وماله من أبى بكر، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عنى كل خوخة في المسجد غير خوخة أبى بكر. رواه البخاري عن عبيد الله بن محمد الجعفي عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه به. وفي
قوله ﵇ سدوا عنى كل خوخة - يعنى الأبواب الصغار - الى المسجد غير خوخة أبى بكر اشارة الى الخلافة أي ليخرج منها الى الصلاة بالمسلمين. وقد رواه البخاري أيضا من حديث عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة بن الغسيل عن عكرمة عن ابن عباس. أن رسول الله خرج في مرضه الّذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ملتحفا بملحفة على منكبيه فجلس على المنبر فذكر الخطبة، وذكر فيها الوصاة بالأنصار الى أن. قال: فكان آخر مجلس جلس فيه رسول الله ﷺ حتى قبض - يعنى آخر خطبة خطبها
стр. 1644
﵇. وقد روى من وجه آخر عن ابن عباس باسناد غريب ولفظ غريب.
فقال الحافظ البيهقي أنبأنا على بن احمد بن عبدان أنبأنا احمد بن عبيد الصفار ثنا ابن أبى قماش وهو محمد بن عيسى ثنا موسى بن إسماعيل أبو عمران الجبليّ ثنا معن بن عيسى القزاز عن الحارث بن عبد الملك ابن عبد الله بن أناس الليثي عن القاسم بن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبيه عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس. قال أتانى رسول الله ﷺ وهو يوعك وعكا شديدا، وقد عصب رأسه فقال: خذ بيدي يا فضل. قال: فأخذت بيده حتى قعد على المنبر. ثم قال: نادى في الناس يا فضل فناديت الصلاة جامعة. قال فاجتمعوا فقام رسول الله ﷺ خطيبا فقال: أما بعد أيها الناس إنه قد دنا منى خلوف من بين أظهركم ولن تروني في هذا المقام فيكم، وقد كنت أرى أن غيره غير مغن عنى حتى أقومه فيكم (١) ألا فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد، ولا يقولن قائل أخاف الشحناء من قبل رسول الله، ألا وإن الشحناء ليست من شأنى ولا من خلقي، وان أحبكم الىّ من أخذ حقا إن كان له عليّ أو حللني فلقيت الله وليس لأحد عندي مظلمة. قال فقام منهم رجل فقال: يا رسول الله لي عندك ثلاثة دراهم. فقال: أما أنا فلا أكذب قائلا ولا مستحلفه على يمين فيم كانت لك عندي؟ قال: أما تذكر أنه مر بك سائل فأمرتنى فأعطيته ثلاثة دراهم. قال:
أعطه يا فضل. قال: وأمر به فجلس. قال: ثم عاد رسول الله ﷺ في مقالته الأولى. ثم قال: يا أيها الناس من عنده من الغلول شيء فليرده، فقام رجل. فقال: يا رسول الله عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله. قال فلم غللتها؟ قال: كنت اليها محتاجا. قال: خذها منه يا فضل. ثم عاد رسول الله ﷺ في مقالته الأولى وقال: يا أيها الناس من أحسّ من نفسه شيئا فليقم أدعو الله له. فقام اليه رجل فقال: يا رسول الله إني لمنافق وإني لكذوب وإني لشئوم. فقال: عمر بن الخطاب ويحك أيها الرجل لقد سترك الله لو سترت على نفسك. فقال: رسول الله ﷺ مه يا ابن الخطاب فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، اللهمّ ارزقه صدقا وإيمانا وأذهب عنه الشؤم إذا شاء. ثم قال: رسول الله ﷺ عمر معى وأنا مع عمر والحق بعدي مع عمر. وفي اسناده ومتنه غرابة شديدة.
ذكر أمره ﵇ أبا بكر الصديق ﵁ أن يصلى بالصحابة أجمعين مع حضورهم كلهم وخروجه ﵇ فصلى وراءه مقتديا به في بعض الصلوات على ما سنذكره واماما له ولمن بعده من الصحابة
قال الامام احمد ثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن إسحاق قال وقال ابن شهاب الزهري: حدثني
стр. 1645
عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه عن عبد الله بن هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد قال لما استعز برسول الله وأنا عنده في نفر من المسلمين دعا بلال للصلاة فقال: مروا من يصلى بالناس. قال فخرجت فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائبا فقلت: قم يا عمر فصل بالناس. قال فقام فلما كبر عمر سمع رسول الله ﷺ صوته وكان عمر رجلا مجهرا فقال: رسول الله فأين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون يأبى الله ذلك والمسلمون. قال:
فبعث إلى أبى بكر فجاء بعد ما صلى عمر تلك الصلاة فصلّى بالناس. وقال عبد الله بن زمعة. قال لي عمر: ويحك ماذا صنعت يا ابن زمعة والله ما ظننت حين أمرتنى إلا أن رسول الله أمرنى بذلك ولولا ذلك ما صليت. قال قلت: والله ما أمرنى رسول الله ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة. وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق حدثني الزهري. ورواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة عن أبى بكر بن عبد الرحمن عن عبد الله بن زمعة فذكره.
وقال أبو داود ثنا احمد بن صالح ثنا ابن أبى فديك حدثني موسى بن يعقوب عن عبد الرحمن بن إسحاق عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن زمعة أخبره بهذا الخبر. قال: لما سمع النبي ﷺ صوت عمر. قال: ابن زمعة خرج النبي ﷺ حتى أطلع رأسه من حجرته ثم قال:
لا لا لا يصلى للناس إلا ابن أبى قحافة، يقول ذلك مغضبا.
وقال البخاري ثنا عمر بن حفص ثنا أبى ثنا الأعمش عن إبراهيم. قال الأسود كنا عند عائشة فذكرنا المواظبة على الصلاة والمواظبة لها.
قالت لما مرض النبي ﷺ مرضه الّذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن بلال. فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقيل له إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلى بالناس، وأعاد فأعادوا له فأعاد الثالثة. فقال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس. فخرج أبو بكر فوجد النبي ﷺ في نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين كأنى انظر الى رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ اليه النبي ﷺ أن مكانك. ثم أتى به حتى جلس الى جنبه. قيل للأعمش: فكان النبي ﷺ يصلى وأبو بكر يصلى بصلاته والناس يصلون بصلاة أبى بكر؟ فقال برأسه نعم! ثم قال البخاري رواه أبو داود عن شعبة بعضه وزاد أبو معاوية عن الأعمش: جلس عن يسار أبى بكر فكان أبو بكر يصلى قائما. وقد رواه البخاري في غير ما موضع من كتابه ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق متعددة عن الأعمش به. منها ما رواه البخاري عن قتيبة ومسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة ويحيي بن يحيى عن ابى معاوية به.
وقال البخاري ثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت إن رسول الله ﷺ . قال في مرضه: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قال ابن شهاب فأخبرني عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أنها قالت: لقد عاودت رسول
стр. 1646
الله في ذلك وما حملني على معاودته إلا أنى خشيت أن يتشاءم الناس بأبي بكر، وإلا أنى علمت أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به، فأحببت ان يعدل ذلك رسول الله عن أبى بكر الى غيره.
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. قال وأخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر عن عائشة قالت: لما دخل رسول الله ﷺ بيتي. قال: مرو أبا بكر فليصل بالناس. قالت قلت يا رسول الله: ان أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبى بكر. قالت والله! ما بى إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله ﷺ قالت فراجعته مرتين أو ثلاثا. فقال: ليصل بالناس أبو بكر فانكنّ صواحب يوسف.
وفي الصحيحين من حديث عبد الملك بن عمير عن أبى بردة عن أبى موسى عن أبيه. قال مرض رسول الله ﷺ فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق متى يقم مقامك لا يستطيع يصلى بالناس. قال فقال: مروا أبا بكر يصل بالناس فإنكن صواحب يوسف. قال فصلى أبو بكر حياة رسول الله ﷺ .
وقال الامام احمد ثنا عبد الرحمن بن مهدي أنبأنا زائدة عن موسى بن أبى عائشة عن عبيد الله بن عبد الله. قال دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ فقالت بلى! ثقل برسول الله ﷺ وجعه فقال: أصلى الناس؟ قلنا لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال صبوا الىّ ماء في المخضب ففعلنا قالت فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه، ثم أفاق فقال أصلى الناس؟ قلنا لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا لا، هم ينتظرونك يا رسول الله قال ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم افاق فقال: أصلي الناس؟ قلنا لا، هم ينتظرونك يا رسول الله (١) قالت والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء فأرسل رسول الله ﷺ الى أبى بكر بأن يصلى بالناس، وكان أبو بكر رجلا رقيقا. فقال: يا عمر صل بالناس فقال أنت أحق بذلك فصلى بهم تلك الأيام ثم إن رسول الله ﷺ وجد خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ اليه أن لا يتأخر وأمرهما فأجلساه الى جنبه فجعل أبو بكر يصلى قائما ورسول الله ﷺ يصلى قاعدا. قال عبيد الله فدخلت على ابن عباس فقلت: الا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله قال هات فحدثته فما أنكر منه شيئا غير أنه قال: سمت لك الرجل الّذي كان مع العباس قلت لا، قال: هو عليّ وقد رواه البخاري ومسلم جميعا عن احمد بن يونس عن زائدة به. وفي رواية فجعل أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله وهو قائم والناس يصلون بصلاة أبى بكر ورسول الله ﷺ قاعد. قال البيهقي ففي
стр. 1647
هذا أن النبي ﷺ تقدم في هذه الصلاة وعلق أبو بكر صلاته بصلاته. قال: وكذلك رواه الأسود وعروة عن عائشة. وكذلك رواه الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس - يعنى بذلك - ما رواه الامام احمد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة حدثني أبى عن أبى إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس. قال: لما مرض النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يصلى بالناس ثم وجد خفة فخرج فلما أحسّ به أبو بكر أراد أن ينكص فأومأ اليه النبي ﷺ فجلس الى جنب أبى بكر عن يساره واستفتح من الآية التي انتهى اليها أبو بكر ﵁. ثم رواه أيضا عن وكيع عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن أرقم عن ابن عباس بأطول من هذا. وقال وكيع مرة فكان أبو بكر يأتم بالنبيّ ﷺ والناس يأتمون بأبي بكر. ورواه ابن ماجة عن على بن محمد عن وكيع عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس بنحوه. وقد قال الامام احمد ثنا شبابة بن سوار ثنا شعبة عن نعيم بن أبى هند عن أبى وائل عن مسروق عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ خلف أبا بكر قاعدا في مرضه الّذي مات فيه [وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث شعبة وقال الترمذي حسن صحيح] (١). وقال احمد ثنا بكر بن عيسى سمعت شعبة بن الحجاج عن نعيم بن أبى هند عن أبى وائل عن مسروق عن عائشة: أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله ﷺ في الصف. وقال البيهقي أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنبأنا عبد الله بن جعفر أنبأنا يعقوب بن سفيان حدثنا مسلم ابن إبراهيم ثنا شعبة عن سليمان الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. أن رسول الله ﷺ صلى خلف أبا بكر. وهذا اسناد جيد ولم يخرجوه. قال البيهقي: وكذلك رواه حميد عن أنس بن مالك ويونس عن الحسن مرسلا ثم أسند ذلك من طريق هشيم أخبرنا يونس عن الحسن. قال هشيم وأنبأنا حميد عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ خرج وأبو بكر يصلى بالناس فجلس الى جنبه وهو في بردة قد خالف بين طرفيها فصلى بصلاته. قال البيهقي وأخبرنا على بن احمد بن عبدان أنبأنا احمد بن عبيد الصفار ثنا عبيد بن شريك أنبأنا ابن أبى مريم أنبأنا محمد بن جعفر أخبرنى حميد أنه سمع أنسا يقول: آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ مع القوم في ثوب واحد ملتحفا به خلف أبى بكر. قلت وهذا اسناد جيد على شرط الصحيح ولم يخرجوه، وهذا التقييد جيد بأنها آخر صلاة صلاها مع الناس صلوات الله وسلامه عليه. وقد ذكر البيهقي من طريق سليمان بن بلال ويحيى بن أيوب عن حميد عن أنس. أن النبي ﷺ صلى خلف أبى بكر في ثوب واحد برد مخالفا بين طرفيه فلما أراد أن يقوم. قال: أدع لي اسامة بن زيد فجاء فأسند ظهره الى نحره فكانت آخر صلاة صلاها قال: البيهقي ففي هذا دلالة إن هذه الصلاة كانت صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة
стр. 1648
لأنها آخر صلاة صلاها لما ثبت أنه توفى ضحى يوم الاثنين. وهذا الّذي قاله البيهقي أخذه مسلما (١) من مغازي موسى بن عقبة فإنه كذلك ذكر. وكذا روى أبو الأسود عن عروة وذلك ضعيف بل هذه آخر صلاة صلاها مع القوم كما تقدم تقييده في الرواية الأخرى والحديث واحد فيحمل مطلقة على مقيده ثم لا يجوز أن تكون هذه صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة لأن تلك لم يصلها مع الجماعة بل في بيته لما به من الضعف صلوات الله وسلامه عليه والدليل على ذلك ما قال البخاري في صحيحه حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرنى أنس بن مالك وكان تبع النبي ﷺ وخدمه وصحبه أن أبا بكر كان يصلى لهم في وجع النبي ﷺ الّذي توفى فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف تبسم يضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن النبي ﷺ خارج الى الصلاة فأشار إلينا ﷺ أن أتموا صلاتكم وأرخى الستر وتوفى من يومه ﷺ وقد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة وصبيح بن كيسان ومعمر عن الزهري عن أنس. ثم قال: البخاري ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث ثنا عبد العزيز عن أنس بن مالك. قال لم يخرج النبي ﷺ ثلاثا فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فقال: نبي الله عليكم بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي ﷺ ما نظرنا منظرا كان اعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا. فأومأ النبي ﷺ بيده الى أبى بكر أن يتقدم وأرخى النبي ﷺ الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات ﷺ ورواه مسلم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه به فهذا أوضح دليل على أنه ﵇ لم يصل يوم الاثنين صلاة الصبح مع الناس، وأنه كان قد انقطع عنهم لم يخرج اليهم ثلاثا.
قلنا فعلى هذا يكون آخر صلاة صلاها معهم الظهر كما جاء مصرحا به في حديث عائشة المتقدم ويكون ذلك يوم الخميس لا يوم السبت ولا يوم الأحد كما حكاه البيهقي عن مغازي موسى بن عقبة وهو ضعيف، ولما قدمنا من خطبته بعدها ولانه انقطع عنهم يوم الجمعة، والسبت، والأحد، وهذه ثلاثة أيام كوامل. وقال الزهري عن أبى بكر بن أبى سبرة. أن أبا بكر صلى بهم سبع عشرة صلاة. وقال غيره عشرين صلاة فالله أعلم. ثم بدا لهم وجهه الكريم صبيحة يوم الاثنين فودعهم بنظرة كادوا يفتتنون بها ثم كان ذلك آخر عهد جمهورهم به ولسان حالهم يقول كما قال بعضهم:
وكنت أرى كالموت من بين ساعة … فكيف ببين كان موعده الحشر
[والعجب أن الحافظ البيهقي أورد هذا الحديث من هاتين الطريقين. ثم قال: ما حاصله فلعله ﵇ احتجب عنهم في أول ركعة ثم خرج في الركعة الثانية فصلى خلف أبى بكر كما قال عروة
стр. 1649
وموسى بن عقبة وخفي ذلك على أنس بن مالك أو أنه ذكر بعض الخبر وسكت عن آخره. وهذا الّذي [ذكره] أيضا بعيد جدا لان أنسا قال: فلم يقدر عليه حتى مات. وفي رواية قال: فكان ذلك آخر العهد به. وقول الصحابي مقدم على قول التابعي والله أعلم (١)]. والمقصود أن رسول الله ﷺ قدم أبا بكر الصديق إماما للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام العملية.
قال الشيخ ابو الحسن الأشعري: وتقديمه له امر معلوم بالضرورة من دين الإسلام. قال: وتقديمه له دليل على انه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء. ان رسول الله ﷺ . قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فان كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فان كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنا، فان كانوا في السن سواء فأقدمهم مسلما (٢) قلت وهذا من كلام الأشعري ﵀ مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ﵁ وأرضاه وصلاة الرسول ﷺ خلفه في بعض الصلوات كما قدمنا بذلك الروايات الصحيحة لا ينافي ما روى في الصحيح ان ابا بكر ائتم به ﵇ لان ذلك في صلاة اخرى كما نص على ذلك الشافعيّ وغيره من الأئمة ﵏ .
فائدة: استدل مالك والشافعيّ وجماعة من العلماء ومنهم البخاري بصلاته ﵇ قاعدا وأبو بكر مقتديا به قائما والناس بأبي بكر على نسخ قوله ﵇ في الحديث المتفق عليه حين صلى ببعض أصحابه قاعدا. وقد وقع عن فرس فجحش شقه فصلوا وراءه قياما فأشار اليهم أن اجلسوا فلما انصرف. قال: كذلك والّذي نفسي بيده تفعلون كفعل فارس والروم يقومون على عظمائهم وهم جلوس. وقال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون. قالوا ثم إنه ﵇ أمهم قاعدا وهم قيام في مرض الموت فدل على نسخ ما تقدم والله أعلم. وقد تنوعت مسالك الناس في الجواب عن هذا الاستدلال على وجوه كثيرة موضع ذكرها كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. وملخص ذلك أن من الناس من زعم أن الصحابة جلسوا لأمره المتقدم وإنما استمر أبو بكر قائما لأجل التبليغ عنه ﷺ . ومن الناس من قال: بل كان أبو بكر هو الامام في نفس الأمر كما صرح به بعض الرواة كما تقدم. وكان أبو بكر لشدة أدبه مع الرسول ﷺ لا يبادره بل يقتدى به فكأنه ﵇ صار إمام الامام فلهذا لم يجلسوا لاقتدائهم بأبي بكر وهو قائم ولم يجلس الصديق لأجل انه امام ولأنه يبلغهم عن النبي ﷺ الحركات والسكنات والانتقالات والله أعلم. ومن الناس من قال: فرق بين أن يبتدأ الصلاة خلف الامام في حال القيام فيستمر فيها قائما
стр. 1650
وان طرأ جلوس الامام في أثنائها كما في هذه الحال وبين أن يبتدى الصلاة خلف امام جالس فيجب الجلوس للحديث المتقدم والله أعلم. ومن الناس من قال: هذا الصنيع والحديث المتقدم دليل على جواز القيام والجلوس وان كلا منهما سائغ جائز الجلوس لما تقدم والقيام للفعل المتأخر والله أعلم.
فصل في كيفية احتضاره ووفاته ﵇
قال الامام احمد ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد الله هو ابن مسعود. قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك فمسسته. فقلت يا رسول الله انك لتوعك وعكا شديدا. قال أجل! إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم قلت: إن لك أجرين.
قال: «نعم! والّذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها». وقد أخرجه البخاري ومسلم من طرق متعددة عن سليمان بن مهران الأعمش به. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسندة:
حدثنا إسحاق بن أبى إسرائيل ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم عن رجل عن أبى سعيد الخدريّ. قال: وضع يده على النبي ﷺ فقال والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك. فقال: النبي ﷺ : «إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر، إن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالقمل حتى يقتله، وان كان الرجل ليبتلى بالعرى حتى يأخذ العباءة (١) فيجوبها، وان كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء» فيه رجل مبهم لا يعرف بالكلية فالله أعلم. وقد روى البخاري ومسلم من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج زاد مسلم وجرير ثلاثتهم عن الأعمش عن أبى وائل شقيق بن سلمة عن مسروق عن عائشة. قالت: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله ﷺ . وفي صحيح البخاري من حديث يزيد بن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. قالت: مات رسول الله ﷺ بين حاقنتى وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد بعد النبي ﷺ .
وفي الحديث الآخر الّذي رواه [في صحيحه] (٢) قال قال رسول الله: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى لرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلابة شدد عليه في البلاء».
وقال الامام احمد حدثنا يعقوب ثنا أبى حدثنا محمد بن إسحاق حدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن محمد بن اسامة بن زيد عن أبيه اسامة بن زيد. قال: لما ثقل رسول الله ﷺ هبطت وهبط الناس معى الى المدينة فدخلت على رسول الله. وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يديه الى السماء ثم يصيبها على وجهه (٣) أعرف أنه يدعو لي. ورواه الترمذي عن أبى كريب عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق وقال حسن غريب.
وقال الامام مالك في موطإه عن إسماعيل بن أبى حكيم أنه