← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الله في ذلك وما حملني على معاودته إلا أنى خشيت أن يتشاءم الناس بأبي بكر، وإلا أنى علمت أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به، فأحببت ان يعدل ذلك رسول الله عن أبى بكر الى غيره. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. قال وأخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر عن عائشة قالت: لما دخل رسول الله ﷺ بيتي. قال: مرو أبا بكر فليصل بالناس. قالت قلت يا رسول الله: ان أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبى بكر. قالت والله! ما بى إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله ﷺ قالت فراجعته مرتين أو ثلاثا. فقال: ليصل بالناس أبو بكر فانكنّ صواحب يوسف. وفي الصحيحين من حديث عبد الملك بن عمير عن أبى بردة عن أبى موسى عن أبيه. قال مرض رسول الله ﷺ فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق متى يقم مقامك لا يستطيع يصلى بالناس. قال فقال: مروا أبا بكر يصل بالناس فإنكن صواحب يوسف. قال فصلى أبو بكر حياة رسول الله ﷺ . وقال الامام احمد ثنا عبد الرحمن بن مهدي أنبأنا زائدة عن موسى بن أبى عائشة عن عبيد الله بن عبد الله. قال دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ فقالت بلى! ثقل برسول الله ﷺ وجعه فقال: أصلى الناس؟ قلنا لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال صبوا الىّ ماء في المخضب ففعلنا قالت فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه، ثم أفاق فقال أصلى الناس؟ قلنا لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا لا، هم ينتظرونك يا رسول الله قال ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم افاق فقال: أصلي الناس؟ قلنا لا، هم ينتظرونك يا رسول الله (١) قالت والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء فأرسل رسول الله ﷺ الى أبى بكر بأن يصلى بالناس، وكان أبو بكر رجلا رقيقا. فقال: يا عمر صل بالناس فقال أنت أحق بذلك فصلى بهم تلك الأيام ثم إن رسول الله ﷺ وجد خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ اليه أن لا يتأخر وأمرهما فأجلساه الى جنبه فجعل أبو بكر يصلى قائما ورسول الله ﷺ يصلى قاعدا. قال عبيد الله فدخلت على ابن عباس فقلت: الا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله قال هات فحدثته فما أنكر منه شيئا غير أنه قال: سمت لك الرجل الّذي كان مع العباس قلت لا، قال: هو عليّ وقد رواه البخاري ومسلم جميعا عن احمد بن يونس عن زائدة به. وفي رواية فجعل أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله وهو قائم والناس يصلون بصلاة أبى بكر ورسول الله ﷺ قاعد. قال البيهقي ففي

стр. 1647

هذا أن النبي ﷺ تقدم في هذه الصلاة وعلق أبو بكر صلاته بصلاته. قال: وكذلك رواه الأسود وعروة عن عائشة. وكذلك رواه الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس - يعنى بذلك - ما رواه الامام احمد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة حدثني أبى عن أبى إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس. قال: لما مرض النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يصلى بالناس ثم وجد خفة فخرج فلما أحسّ به أبو بكر أراد أن ينكص فأومأ اليه النبي ﷺ فجلس الى جنب أبى بكر عن يساره واستفتح من الآية التي انتهى اليها أبو بكر ﵁. ثم رواه أيضا عن وكيع عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن أرقم عن ابن عباس بأطول من هذا. وقال وكيع مرة فكان أبو بكر يأتم بالنبيّ ﷺ والناس يأتمون بأبي بكر. ورواه ابن ماجة عن على بن محمد عن وكيع عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس بنحوه. وقد قال الامام احمد ثنا شبابة بن سوار ثنا شعبة عن نعيم بن أبى هند عن أبى وائل عن مسروق عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ خلف أبا بكر قاعدا في مرضه الّذي مات فيه [وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث شعبة وقال الترمذي حسن صحيح] (١). وقال احمد ثنا بكر بن عيسى سمعت شعبة بن الحجاج عن نعيم بن أبى هند عن أبى وائل عن مسروق عن عائشة: أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله ﷺ في الصف. وقال البيهقي أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنبأنا عبد الله بن جعفر أنبأنا يعقوب بن سفيان حدثنا مسلم ابن إبراهيم ثنا شعبة عن سليمان الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. أن رسول الله ﷺ صلى خلف أبا بكر. وهذا اسناد جيد ولم يخرجوه. قال البيهقي: وكذلك رواه حميد عن أنس بن مالك ويونس عن الحسن مرسلا ثم أسند ذلك من طريق هشيم أخبرنا يونس عن الحسن. قال هشيم وأنبأنا حميد عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ خرج وأبو بكر يصلى بالناس فجلس الى جنبه وهو في بردة قد خالف بين طرفيها فصلى بصلاته. قال البيهقي وأخبرنا على بن احمد بن عبدان أنبأنا احمد بن عبيد الصفار ثنا عبيد بن شريك أنبأنا ابن أبى مريم أنبأنا محمد بن جعفر أخبرنى حميد أنه سمع أنسا يقول: آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ مع القوم في ثوب واحد ملتحفا به خلف أبى بكر. قلت وهذا اسناد جيد على شرط الصحيح ولم يخرجوه، وهذا التقييد جيد بأنها آخر صلاة صلاها مع الناس صلوات الله وسلامه عليه. وقد ذكر البيهقي من طريق سليمان بن بلال ويحيى بن أيوب عن حميد عن أنس. أن النبي ﷺ صلى خلف أبى بكر في ثوب واحد برد مخالفا بين طرفيه فلما أراد أن يقوم. قال: أدع لي اسامة بن زيد فجاء فأسند ظهره الى نحره فكانت آخر صلاة صلاها قال: البيهقي ففي هذا دلالة إن هذه الصلاة كانت صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة

стр. 1648

لأنها آخر صلاة صلاها لما ثبت أنه توفى ضحى يوم الاثنين. وهذا الّذي قاله البيهقي أخذه مسلما (١) من مغازي موسى بن عقبة فإنه كذلك ذكر. وكذا روى أبو الأسود عن عروة وذلك ضعيف بل هذه آخر صلاة صلاها مع القوم كما تقدم تقييده في الرواية الأخرى والحديث واحد فيحمل مطلقة على مقيده ثم لا يجوز أن تكون هذه صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة لأن تلك لم يصلها مع الجماعة بل في بيته لما به من الضعف صلوات الله وسلامه عليه والدليل على ذلك ما قال البخاري في صحيحه حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرنى أنس بن مالك وكان تبع النبي ﷺ وخدمه وصحبه أن أبا بكر كان يصلى لهم في وجع النبي ﷺ الّذي توفى فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف تبسم يضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن النبي ﷺ خارج الى الصلاة فأشار إلينا ﷺ أن أتموا صلاتكم وأرخى الستر وتوفى من يومه ﷺ وقد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة وصبيح بن كيسان ومعمر عن الزهري عن أنس. ثم قال: البخاري ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث ثنا عبد العزيز عن أنس بن مالك. قال لم يخرج النبي ﷺ ثلاثا فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فقال: نبي الله عليكم بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي ﷺ ما نظرنا منظرا كان اعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا. فأومأ النبي ﷺ بيده الى أبى بكر أن يتقدم وأرخى النبي ﷺ الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات ﷺ ورواه مسلم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه به فهذا أوضح دليل على أنه ﵇ لم يصل يوم الاثنين صلاة الصبح مع الناس، وأنه كان قد انقطع عنهم لم يخرج اليهم ثلاثا. قلنا فعلى هذا يكون آخر صلاة صلاها معهم الظهر كما جاء مصرحا به في حديث عائشة المتقدم ويكون ذلك يوم الخميس لا يوم السبت ولا يوم الأحد كما حكاه البيهقي عن مغازي موسى بن عقبة وهو ضعيف، ولما قدمنا من خطبته بعدها ولانه انقطع عنهم يوم الجمعة، والسبت، والأحد، وهذه ثلاثة أيام كوامل. وقال الزهري عن أبى بكر بن أبى سبرة. أن أبا بكر صلى بهم سبع عشرة صلاة. وقال غيره عشرين صلاة فالله أعلم. ثم بدا لهم وجهه الكريم صبيحة يوم الاثنين فودعهم بنظرة كادوا يفتتنون بها ثم كان ذلك آخر عهد جمهورهم به ولسان حالهم يقول كما قال بعضهم: وكنت أرى كالموت من بين ساعة … فكيف ببين كان موعده الحشر [والعجب أن الحافظ البيهقي أورد هذا الحديث من هاتين الطريقين. ثم قال: ما حاصله فلعله ﵇ احتجب عنهم في أول ركعة ثم خرج في الركعة الثانية فصلى خلف أبى بكر كما قال عروة

стр. 1649

وموسى بن عقبة وخفي ذلك على أنس بن مالك أو أنه ذكر بعض الخبر وسكت عن آخره. وهذا الّذي [ذكره] أيضا بعيد جدا لان أنسا قال: فلم يقدر عليه حتى مات. وفي رواية قال: فكان ذلك آخر العهد به. وقول الصحابي مقدم على قول التابعي والله أعلم (١)]. والمقصود أن رسول الله ﷺ قدم أبا بكر الصديق إماما للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام العملية. قال الشيخ ابو الحسن الأشعري: وتقديمه له امر معلوم بالضرورة من دين الإسلام. قال: وتقديمه له دليل على انه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء. ان رسول الله ﷺ . قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فان كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فان كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنا، فان كانوا في السن سواء فأقدمهم مسلما (٢) قلت وهذا من كلام الأشعري ﵀ مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ﵁ وأرضاه وصلاة الرسول ﷺ خلفه في بعض الصلوات كما قدمنا بذلك الروايات الصحيحة لا ينافي ما روى في الصحيح ان ابا بكر ائتم به ﵇ لان ذلك في صلاة اخرى كما نص على ذلك الشافعيّ وغيره من الأئمة ﵏ . فائدة: استدل مالك والشافعيّ وجماعة من العلماء ومنهم البخاري بصلاته ﵇ قاعدا وأبو بكر مقتديا به قائما والناس بأبي بكر على نسخ قوله ﵇ في الحديث المتفق عليه حين صلى ببعض أصحابه قاعدا. وقد وقع عن فرس فجحش شقه فصلوا وراءه قياما فأشار اليهم أن اجلسوا فلما انصرف. قال: كذلك والّذي نفسي بيده تفعلون كفعل فارس والروم يقومون على عظمائهم وهم جلوس. وقال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون. قالوا ثم إنه ﵇ أمهم قاعدا وهم قيام في مرض الموت فدل على نسخ ما تقدم والله أعلم. وقد تنوعت مسالك الناس في الجواب عن هذا الاستدلال على وجوه كثيرة موضع ذكرها كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. وملخص ذلك أن من الناس من زعم أن الصحابة جلسوا لأمره المتقدم وإنما استمر أبو بكر قائما لأجل التبليغ عنه ﷺ . ومن الناس من قال: بل كان أبو بكر هو الامام في نفس الأمر كما صرح به بعض الرواة كما تقدم. وكان أبو بكر لشدة أدبه مع الرسول ﷺ لا يبادره بل يقتدى به فكأنه ﵇ صار إمام الامام فلهذا لم يجلسوا لاقتدائهم بأبي بكر وهو قائم ولم يجلس الصديق لأجل انه امام ولأنه يبلغهم عن النبي ﷺ الحركات والسكنات والانتقالات والله أعلم. ومن الناس من قال: فرق بين أن يبتدأ الصلاة خلف الامام في حال القيام فيستمر فيها قائما

стр. 1650

وان طرأ جلوس الامام في أثنائها كما في هذه الحال وبين أن يبتدى الصلاة خلف امام جالس فيجب الجلوس للحديث المتقدم والله أعلم. ومن الناس من قال: هذا الصنيع والحديث المتقدم دليل على جواز القيام والجلوس وان كلا منهما سائغ جائز الجلوس لما تقدم والقيام للفعل المتأخر والله أعلم. فصل في كيفية احتضاره ووفاته ﵇ قال الامام احمد ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد الله هو ابن مسعود. قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك فمسسته. فقلت يا رسول الله انك لتوعك وعكا شديدا. قال أجل! إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم قلت: إن لك أجرين. قال: «نعم! والّذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها». وقد أخرجه البخاري ومسلم من طرق متعددة عن سليمان بن مهران الأعمش به. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسندة: حدثنا إسحاق بن أبى إسرائيل ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم عن رجل عن أبى سعيد الخدريّ. قال: وضع يده على النبي ﷺ فقال والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك. فقال: النبي ﷺ : «إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر، إن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالقمل حتى يقتله، وان كان الرجل ليبتلى بالعرى حتى يأخذ العباءة (١) فيجوبها، وان كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء» فيه رجل مبهم لا يعرف بالكلية فالله أعلم. وقد روى البخاري ومسلم من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج زاد مسلم وجرير ثلاثتهم عن الأعمش عن أبى وائل شقيق بن سلمة عن مسروق عن عائشة. قالت: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله ﷺ . وفي صحيح البخاري من حديث يزيد بن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. قالت: مات رسول الله ﷺ بين حاقنتى وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد بعد النبي ﷺ . وفي الحديث الآخر الّذي رواه [في صحيحه] (٢) قال قال رسول الله: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى لرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلابة شدد عليه في البلاء». وقال الامام احمد حدثنا يعقوب ثنا أبى حدثنا محمد بن إسحاق حدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن محمد بن اسامة بن زيد عن أبيه اسامة بن زيد. قال: لما ثقل رسول الله ﷺ هبطت وهبط الناس معى الى المدينة فدخلت على رسول الله. وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يديه الى السماء ثم يصيبها على وجهه (٣) أعرف أنه يدعو لي. ورواه الترمذي عن أبى كريب عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق وقال حسن غريب. وقال الامام مالك في موطإه عن إسماعيل بن أبى حكيم أنه

стр. 1651

سمع عمر بن عبد العزيز يقول: كان من آخر ما تكلّم به رسول الله ﷺ أن قال قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد [لا يبقين دينان بأرض العرب. هكذا رواه مرسلا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀. وقد روى البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة وابن عباس. قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه. فقال: وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا] (١). وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو بكر بن أبى رجاء الأديب أنبأنا أبو العباس الأصم ثنا احمد بن عبد الجبار ثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر بن عبد الله. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: أحسنوا الظن بالله. وفي بعض الأحاديث كما رواه مسلم من حديث الأعمش عن أبى سفيان طلحة بن نافع عن جابر. قال قال رسول الله ﷺ : «لا يموتن (٢) أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى». وفي الحديث الآخر يقول الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بى فليظن بى خيرا». وقال البيهقي أنبأنا الحاكم حدثنا الأصم ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا أبو خيثمة زهير بن حرب ثنا جرير عن سليمان التيمي عن قتادة عن أنس. قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الوفاة: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» حتى جعل يغرغر بها وما يفصح بها لسانه. وقد رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه عن جرير بن عبد الحميد به وابن ماجة عن أبى الأشعث عن معتمر بن سليمان عن أبيه به. وقال الامام احمد حدثنا أسباط بن محمد ثنا التيمي عن قتادة عن أنس بن مالك. قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت الصلاة وما ملكت ايمانكم حتى جعل رسول الله ﷺ يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه. وقد رواه النسائي وابن ماجة من حديث سليمان بن طرخان وهو التيمي عن قتادة عن أنس به. وفي رواية للنسائى عن قتادة عن صاحب له عن أنس به. وقال احمد ثنا بكر بن عيسى الراسبي ثنا عمر بن الفضل عن نعيم بن يزيد عن على بن أبى طالب. قال: أمرنى رسول الله ﷺ أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده قال فخشيت أن تفوتني نفسه. قال قلت: انى أحفظ وأعي. قال: أوصى بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم. تفرد به احمد من هذا الوجه. وقال يعقوب بن سفيان ثنا أبو النعمان محمد بن الفضل ثنا أبو عوانة عن قتادة عن سفينة عن أم سلمة قالت: كان عامة وصية رسول الله ﷺ عند موته الصلاة وما ملكت ايمانكم حتى جعل يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه. وهكذا رواه النسائي عن حميد

стр. 1652

ابن مسعدة عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سفينة عن أم سلمة به [قال البيهقي والصحيح ما رواه عفان عن همام عن قتادة عن أبى الخليل عن سفينة عن أم سلمة به (١)]. وهكذا رواه النسائي أيضا وابن ماجة من حديث يزيد بن هارون عن همام عن قتادة عن صالح أبى الخليل عن سفينة عن أم سلمة به. وقد رواه النسائي أيضا عن قتيبة عن أبى عوانة عن قتادة عن سفينة عن النبي ﷺ فذكره. ثم رواه عن محمد بن عبد الله بن المبارك عن يونس بن محمد قال حدثنا عن سفينة فذكر نحوه. وقال احمد ثنا يونس ثنا الليث عن يزيد بن الهاد عن موسى بن سرجس عن القاسم عن عائشة قالت: رأيت رسول الله ﷺ وهو يموت وعنده قدح فيه ماء فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول اللهمّ اعنى على سكرات الموت. ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث الليث به. وقال الترمذي غريب وقال الامام احمد حدثنا وكيع عن إسماعيل عن مصعب بن إسحاق بن طلحة عن عائشة عن النبي ﷺ انه. قال ليهون عليّ انى رأيت بياض كف عائشة في الجنة. تفرد به احمد واسناده لا بأس به. وهذا دليل على شدة محبته ﵇ لعائشة ﵂. وقد ذكر الناس معاني كثيرة في كثرة المحبة ولم يبلغ أحدهم هذا المبلغ وما ذاك إلا لأنهم يبالغون كلاما لا حقيقة له وهذا كلام حق لا محالة ولا شك فيه. وقال حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبى مليكة. قال قالت: عائشة توفى رسول الله ﷺ في بيتي وتوفى بين سحري ونحري وكان جبريل يعوذه بدعاء إذا مرض فذهبت أعوذه فرفع بصره الى السماء وقال في الرفيق الأعلى في الرفيق الأعلى، ودخل عبد الرحمن بن أبى بكر وبيده جريدة رطبة فنظر اليها فظننت أن له بها حاجة قالت: فأخذتها فنفضتها فدفعتها اليه فاستن بها أحسن ما كان مستنا ثم ذهب يناولنيها فسقطت من يده. قالت فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة. ورواه البخاري عن سليمان بن جرير عن حماد بن زيد به. وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنى أبو نصر احمد بن سهل الفقيه ببخارى ثنا صالح بن محمد الحافظ البغدادي ثنا داود عن عمرو بن زهير الضبيّ ثنا عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبى حسين أنبأنا ابن أبى مليكة أن أبا عمرو ذكوان مولى عائشة أخبره أن عائشة كانت تقول: إن من نعمة الله عليّ أن رسول الله ﷺ توفى في يومى وفي بيتي وبين سحري ونحري وان الله جمع بين ريقي وريقه عند الموت. قالت: دخل عليّ أخى بسواك معه وأنا مسندة رسول الله ﷺ الى صدري فرأيته ينظر اليه. وقد عرفت أنه يحب السواك ويألفه. فقلت: آخذه لك فأشار برأسه أي نعم! فلينته له فأمره على فيه. قالت: وبين يديه ركوة أو علبة فيها ماء فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه. ثم يقول: لا إله إلا الله إن للموت

стр. 1653

لسكرات ثم نصب إصبعه اليسرى وجعل يقول في الرفيق الأعلى في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده في الماء. ورواه البخاري عن محمد عن عيسى بن يونس. وقال أبو داود الطيالسي ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم سمعت عروة يحدث عن عائشة قالت: كنا نحدث أن النبي لا يموت حتى يخير بين الدنيا والآخرة. قالت: فلما كان مرض رسول الله ﷺ الّذي مات فيه عرضت له بحة. فسمعته يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. قالت عائشة: فظننا أنه كان يخير. وأخرجاه من حديث شعبة به. وقال الزهري أخبرنى سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير في رجال من أهل العلم أن عائشة. قالت كان رسول الله ﷺ يقول وهو صحيح: إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير. قالت عائشة: فلما نزل برسول الله ﷺ ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصره الى سقف البيت. وقال اللهمّ الرفيق الأعلى فعرفت أنه الحديث الّذي كان حدثناه وهو صحيح أنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير. قالت عائشة فقلت: إذا لا تختارنا وقالت عائشة كانت تلك الكلمة آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ الرفيق الأعلى أخرجاه من غير وجه عن الزهري به. وقال سفيان هو الثوري عن إسماعيل بن أبى خالد عن أبى بردة عن عائشة قالت أغمى على رسول الله ﷺ وهو في حجري فجعلت أمسح وجهه وأدعو له بالشفاء. فقال لا، بل أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل. رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به. وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وغيره قالوا ثنا أبو العباس الأصم ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ثنا أنس بن عياض عن هشام بن عروة عن عباد بن عبد الله بن الزبير أن عائشة أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ وأصغت اليه قبل أن يموت وهو مسند الى صدرها يقول: اللهمّ اغفر لي وارحمني والحقنى بالرفيق (١). أخرجاه من حديث هشام بن عروة. وقال الامام احمد حدثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد سمعت عائشة تقول: مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري وفي دولتي ولم أظلم فيه أحدا فمن سفهي وحداثة سنى. أن رسول الله ﷺ قبض وهو في حجري ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت الدم مع النساء وأضرب وجهي. وقال الامام احمد حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير ثنا كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله. قال قالت عائشة كان رسول الله ﷺ يقول: ما من نبي إلا تقبض نفسه ثم يرى الثواب ثم ترد اليه فيخير بين أن ترد اليه وبين أن يلحق، فكنت قد حفظت ذلك منه فانى لمسندته الى صدري فنظرت اليه حين مالت عنقه فقلت قد قضى فعرفت الّذي قال، فنظرت اليه

стр. 1654

حين ارتفع فنظر (١) قالت قلت: إذا والله لا يختارنا. فقال: مع الرفيق الأعلى في الجنة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. تفرد به احمد ولم يخرجوه. وقال الامام احمد حدثنا عفان أنبأنا همام أنبأنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت قبض رسول الله ﷺ ورأسه بين سحري ونحري. قالت: فلما خرجت نفسه لم أجد ريحا قط أطيب منها. وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. ورواه البيهقي من حديث حنبل بن إسحاق عن عفان. وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو العباس الأصم ثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس عن أبى معشر عن محمد بن قيس عن أبى (٢) عروة عن أم سلمة قالت: وضعت يدي على صدر رسول الله ﷺ يوم مات فمرت لي جمع آكل وأتوضأ وما يذهب ريح المسك من يدي. وقال احمد حدثنا عفان وبهز قالا: ثنا سليمان بن المغيرة ثنا حميد بن هلال عن أبى بردة. قال دخلت على عائشة فأخرجت إلينا إزارا غليظا مما يصنع باليمن وكساء من التي يدعون الملبدة فقالت: إن رسول الله ﷺ قبض في هذين الثوبين. وقد رواه الجماعة إلا النسائي من طرق عن حميد بن هلال به وقال الترمذي حسن صحيح. وقال الامام احمد حدثنا بهز ثنا حماد بن سلمة أنبأنا أبو عمران الجونى عن يزيد بن بابنوس. قال ذهبت أنا وصاحب لي الى عائشة فاستأذنا عليها فألقت لنا وسادة وجذبت اليها الحجاب. فقال: صاحبي يا أم المؤمنين ما تقولين في العراك قالت وما العراك؟ فضربت منكب صاحبي. قالت مه آذيت أخاك. ثم قالت: ما العراك المحيض! قولوا ما قال الله في المحيض. ثم قالت: كان رسول الله ﷺ يتوشحنى وينال من رأسي وبيني وبينه ثوب وأنا حائض. ثم قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مر ببابي مما يلقى الكلمة ينفعني الله بها فمر ذات يوم فلم يقل شيئا ثم مر فلم يقل شيئا مرتين أو ثلاثا فقلت يا جارية ضعى لي وسادة على الباب وعصبت رأسي فمرّ بي. فقال يا عائشة ما شأنك فقلت: أشتكى رأسي. فقال: أنا وا رأساه فذهب فلم يلبث إلا يسيرا حتى جيء به محمولا في كساء فدخل عليّ وبعث الى النساء فقال إني قد اشتكيت وإني لا أستطيع أن أدور بينكن فأذن لي فلأكن عند عائشة فكنت أمرضه ولم أمرض أحدا قبله فبينما رأسه ذات يوم على منكبى إذ مال رأسه نحو رأسي فظننت أنه يريد من رأسي حاجة فخرجت من فيه نقطة باردة فوقعت على نقرة نحري فاقشعر لها جلدي فظننت أنه غشي عليه فسجيته ثوبا فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا فأذنت لهما وجذبت الى الحجاب فنظر عمر اليه فقال: وا غشياه ما أشد غشي رسول الله ﷺ ثم قاما فلما دنوا من الباب قال المغيرة يا عمر مات رسول الله ﷺ فقلت كذبت بل أنت رجل تحوسك فتنة إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفنى

стр. 1655

الله المنافقين. قالت: ثم جاء أبو بكر فرفعت الحجاب فنظر اليه فقال ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ مات رسول الله ﷺ ثم أتاه من قبل رأسه فحدرناه فقبل جبهته ثم قال وا نبياه ثم رفع رأسه فحدرناه وقبل جهته ثم قال وا صفياه ثم رفع رأسه وحدرناه وقبل جبهته وقال وا خليلاه مات رسول الله ﷺ وخرج الى المسجد وعمر يخطب الناس ويتكلم ويقول إن رسول الله لا يموت حتى يفنى الله المنافقين. فتكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله يقول ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ حتى فرغ من الآية، ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ - حتى فرغ من الآية ثم قال فمن كان يعبد الله فان الله حىّ لا يموت ومن كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات فقال عمر: أو انها في كتاب الله؟ ما شعرت أنها في كتاب الله. ثم قال عمر: يا أيها الناس هذا أبو بكر وهو ذو سبية (١) المسلمين فبايعوه فبايعوه. وقد روى أبو داود والترمذي في الشمائل من حديث مرحوم بن عبد العزيز العطار عن أبى عمران الجونى به ببعضه. وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا احمد بن إبراهيم بن ملحان ثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أخبرنى أبو سلمة عن عبد الرحمن أن عائشة أخبرته: أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فيمم رسول الله ﷺ وهو مسجى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله ثم بكى. ثم قال: بأبي أنت وأمى يا رسول الله والله لا يجمع الله عليك موتتين أبدا أما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها. قال الزهري وحدثني أبو سلمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس. فقال: اجلس يا عمر! فأبى عمر أن يجلس. فقال: اجلس يا عمر! فأبى عمر أن يجلس. فتشهد أبو بكر فأقبل الناس اليه. فقال: أما بعد فمن كان منكم يعبد محمدا فان محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حىّ لا يموت قال الله تعالى ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ الآية. قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم فما سمع بشر من الناس إلا يتلوها. قال الزهري وأخبرنى سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت أنه الحق فعقرت حتى ما تقلني رجلاي وحتى هويت إلى الأرض وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله ﷺ قد مات. ورواه البخاري عن يحيى ابن بكير به وروى الحافظ البيهقي من طريق ابن لهيعة ثنا أبو الأسود عن عروة بن الزبير في ذكر وفاة رسول الله ﷺ . قال: وقام عمر بن الخطاب يخطب الناس ويتوعد من قال مات بالقتل والقطع ويقول: إن رسول الله ﷺ في غشية لو قد قام قتل وقطع وعمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن

стр. 1656

أم مكتوم في مؤخر المسجد يقرأ ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية والناس في المسجد يبكون ويموجون لا يسمعون فخرج عباس بن عبد المطلب على الناس. فقال: يا أيها الناس هل عند أحد منكم من عهد من رسول الله ﷺ في وفاته فليحدثنا. قالوا: لا! قال: هل عندك يا عمر من علم؟ قال: لا! فقال العباس: اشهدوا أيها الناس أن أحدا لا يشهد على رسول الله بعهد عهده اليه في وفاته والله الّذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله ﷺ الموت. قال: وأقبل أبو بكر ﵁ من السنح على دابته حتى نزل بباب المسجد وأقبل مكروبا حزينا فاستأذن في بيت ابنته عائشة فأذنت له فدخل ورسول الله ﷺ قد توفى على الفراش والنسوة حوله فخمرن وجوههن واستترن من أبى بكر إلا ما كان من عائشة فكشف عن رسول الله ﷺ فجثى عليه يقبله ويبكى ويقول: ليس ما يقوله ابن الخطاب شيئا توفى رسول الله والّذي نفسي بيده رحمة الله عليك يا رسول الله ما أطيبك حيا وميتا ثم غشاه بالثوب ثم خرج سريعا إلى المسجد يتخطى رقاب الناس حتى أتى المنبر وجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا إليه وقام أبو بكر إلى جانب المنبر ونادى الناس فجلسوا وأنصتوا فتشهد أبو بكر بما علمه من التشهد. وقال: إن الله نعى نبيه إلى نفسه وهو حىّ بين أظهركم ونعاكم إلى أنفسكم وهو الموت حتى لا يبقى منكم أحد إلا الله . قال تعالى ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية فقال عمر: هذه الآية في القرآن؟ والله ما علمت أن هذه الآية أنزلت قبل اليوم وقد قال الله تعالى لمحمد ﷺ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقال الله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقال تعالى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ وقال ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ وقال: إن الله عمر محمدا ﷺ وأبقاه حتى أقام دين الله وأظهر أمر الله وبلغ رسالة الله وجاهد في سبيل الله ثم توفاه الله على ذلك وقد ترككم على الطريقة فلن يهلك هالك إلا من بعد البينة والشفاء فمن كان الله ربه فان الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمدا وينزله إلها فقد هلك إلهه. فاتقوا الله أيها الناس واعتصموا بدينكم وتوكلوا على ربكم فان دين الله قائم وإن كلمة الله تامة وإن الله ناصر من نصره ومعز دينه وأن كتاب الله بين أظهرنا وهو النور والشفاء وبه هدى الله محمدا ﷺ وفيه حلال الله وحرامه والله لا نبالى من أجلب علينا من خلق الله إن سيوف الله لمسلولة (١) ما وضعناها بعد ولنجاهدنّ من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله ﷺ فلا يبغين أحد إلا على نفسه. ثم انصرف معه المهاجرون إلى رسول الله ﷺ فذكر الحديث في غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه. قلت كما سنذكره مفصلا بدلائله وشواهده إن شاء الله تعالى. وذكر الواقدي عن شيوخه. قالوا: ولما شك في موت النبي

стр. 1657

ﷺ فقال بعضهم مات! وقال بعضهم لم يمت وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفي رسول الله ﷺ . فقالت: قد توفى رسول الله ﷺ وقد رفع الخاتم من بين كتفيه فكان هذا الّذي قد عرف به موته هكذا أورده الحافظ البيهقي في كتابه دلائل النبوة من طريق الواقدي وهو ضعيف وشيوخه لم يسمون ثم هو منقطع بكل حال ومخالف لما صح وفيه غرابة شديدة وهو رفع الخاتم فالله أعلم بالصواب. وقد ذكر الواقدي وغيره في الوفاة أخبارا كثيرة فيها نكارات وغرابة شديدة أضربنا عن أكثرها صفحا لضعف أسانيدها ونكارة متونها ولا سيما ما يورده كثير من القصاص المتأخرين وغيرهم فكثير منه موضوع لا محالة وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة المروية في الكتب المشهورة غنية عن الأكاذيب وما لا يعرف سنده والله أعلم. فصل في ذكر أمور مهمة وقعت بعد وفاته ﷺ وقبل دفنه ومن أعظمها وأجلها وأيمنها بركة على الإسلام وأهله بيعة أبى بكر الصديق ﵁ وذلك لأنه ﵊ لما مات كان الصديق ﵁ قد صلى بالمسلمين صلاة الصبح وكان إذ ذاك قد أفاق رسول الله ﷺ افاقة من غمرة ما كان فيه من الوجع وكشف ستر الحجرة ونظر الى المسلمين وهم صفوف في الصلاة خلف أبى بكر فأعجبه ذلك وتبسم صلوات الله وسلامه عليه حتى هم المسلمون أن يتركوا ما هم فيه من الصلاة لفرحهم به وحتى أراد أبو بكر أن يتأخر ليصل الصف فأشار اليهم أن يمكثوا كما هم وأرخى الستارة وكان آخر العهد به ﵊ فلما انصرف أبو بكر ﵁ من الصلاة دخل عليه وقال لعائشة ما أرى رسول الله ﷺ إلا قد أقلع عنه الوجع وهذا يوم بنت خارجة يعنى إحدى زوجتيه وكانت ساكنة بالسنح شرقى المدينة فركب على فرس له وذهب الى منزله وتوفى رسول الله ﷺ حين اشتد الضحى من ذلك اليوم وقيل عند زوال الشمس والله أعلم. فلما مات واختلف الصحابة فيما بينهم فمن قائل يقول مات رسول الله ﷺ ومن قائل لم يمت فذهب سالم بن عبيد وراء الصديق الى السنح فاعلمه بموت رسول الله ﷺ فجاء الصديق من منزله حين بلغه الخبر فدخل على رسول الله ﷺ منزله وكشف الغطاء عن وجهه وقبله وتحقق أنه قد مات خرج الى الناس فخطبهم الى جانب المنبر وبين لهم وفاة رسول الله ﷺ كما قدمنا وأزاح الجدل وأزال الأشكال ورجع الناس كلهم اليه وبايعه في المسجد جماعة من الصحابة ووقعت شبهة لبعض الأنصار وقام في أذهان بعضهم جواز استخلاف خليفة من الأنصار وتوسط بعضهم بين أن يكون أمير من المهاجرين وأمير من الأنصار حتى بين لهم الصديق أن الخلافة لا تكون إلا في قريش فرجعوا اليه وأجمعوا عليه كما سنبينه وننبه عليه.

стр. 1658

قصة سقيفة بنى ساعدة قال الإمام احمد ثنا إسحاق بن عيسى الطباع ثنا مالك بن أنس حدثني ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن ابن عباس أخبره أن عبد الرحمن بن عوف رجع الى رحله - قال ابن عباس وكنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف فوجدني وأنا انتظره - وذلك بمنى في آخر حجة حجها عمر بن الخطاب فقال عبد الرحمن بن عوف إن رجلا أتى عمر بن الخطاب فقال إن فلانا يقول لو قد مات عمر بايعت فلانا فقال عمر إني قائم العشية إن شاء الله في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. قال عبد الرحمن فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فان الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وأنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمت في الناس فاخشى أن تقول مقالة يطير بها أولئك فلا يعوها ولا يضعوها مواضعها ولكن حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة وتخلص بعلماء الناس وأشرافهم فتقول ما قلت متمكنا فيعون مقالتك ويضعوها مواضعها قال عمر لئن قدمت المدينة صالحا لأكلمن بها الناس في أول مقام أقومه فلما قدمنا المدينة في عقب ذي الحجة وكان يوم الجمعة عجلت الرواح صكة الأعمى قلت لمالك وما صكة الأعمى (١)؟ قال إنه لا يبالي أي ساعة خرج لا يعرف الحر والبرد أو نحو هذا. فوجدت سعيد بن زيد عند ركن المنبر الأيمن قد سبقني فجلست حذاءه تحك ركبتي ركبته فلم أنشب أن طلع عمر فلما رأيته قلت ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة ما قالها عليه أحد قبله. قال فأنكر سعيد بن زيد ذلك وقال ما عسيت أن يقول ما لم يقل أحد؟ فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذن قام فاثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد أيها الناس فإنّي قائل مقالة وقد قدر لي أن أقولها لا أدرى لعلها بين يدي أجلى فمن وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن لم يعها فلا أحل له أن يكذب على، إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها وعقلناها ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده فاخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله فالرجم في كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، ألا وإنا قد كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فان كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ألا وإن رسول الله ﷺ قال لا تطرونى كما أطرى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله وقد بلغني أن قائلا منكم يقول لو قد مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إن بيعة أبى بكر كانت فلتة فتمت ألا وأنها كانت كذلك إلا إن الله وفي شرها وليس فيكم اليوم من تقطع اليه

стр. 1659

الأعناق مثل أبى بكر، وأنه كان من خبرنا حين توفى رسول الله ﷺ إن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ وتخلف عنها الأنصار بأجمعها في سقيفة بنى ساعدة واجتمع المهاجرون الى أبى بكر فقلت له يا أبا بكر انطلق بنا الى إخواننا من الأنصار فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الّذي صنع القوم فقالا أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت نريد إخواننا من الأنصار فقالا لا عليكم أن لا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين فقلت والله لنأتينهم فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بنى ساعدة فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا؟ قالوا سعد بن عبادة فقلت ما له قالوا وجع فلما جلسنا قام خطيبهم فاثنى على الله بما هو أهله وقال أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا وقد دفت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا وتحصنونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبى بكر وكنت أدارى منه بعض الحد وهو كان احكم منى وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتنى في تزويرى الا قالها في بديهته وأفضل حين سكت. فقال أما بعد فما ذكرتم من خير فأنتم أهله وما تعرف العرب هذا الأمر الا لهذا الحىّ من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم وأخذ بيدي ويد أبى عبيدة بن الجراح فلم أكره مما قال غيرها كان والله ان أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك الى اثم أحب الىّ ان أتأمر على قوم فيهم أبو بكر إلا ان تغير نفسي عند الموت. فقال قائل من الأنصار أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش فقلت لمالك ما يعنى أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب قال كأنه يقول انا داهيتها قال فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشينا الاختلاف فقلت أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم قتلتم سعدا فقلت قتل الله سعدا. قال عمر أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أرفق من مبايعة أبى بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فاما نبايعهم على ما لا نرضى وإما أن نخالفهم فيكون فساد فمن بايع أميرا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرة أن يقتلا قال مالك فأخبرني ابن شهاب عن عروة: أن الرجلين اللذين لقياهما عويم بن ساعدة ومعن بن عدي. قال ابن شهاب وأخبرنى سعيد بن المسيب أن الّذي قال أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب هو الحباب بن المنذر. وقد أخرج هذا الحديث الجماعة في كتبهم من طرق عن مالك وغيره عن الزهري به. وقال الامام احمد حدثنا معاوية عن عمرو ثنا زائدة ثنا عاصم ح وحدثني حسين بن على عن زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال لما قبض رسول الله ﷺ . قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر فقال:

стр. 1660

يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر. فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر. ورواه النسائي عن إسحاق بن راهويه وهناد بن السري عن حسين بن على الجعفي عن زائدة به. ورواه على بن المديني عن حسين ابن على وقال صحيح لا أحفظه إلا من حديث زائدة عن عاصم وقد رواه النسائي أيضا من حديث سلمة بن نبيط عن نعيم بن أبى هند عن نبيط بن شريط عن سالم بن عبيد عن عمر مثله وقد روى عن عمر بن الخطاب نحوه من طريق آخر وجاء من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر. أنه قال قلت: يا معشر المسلمين ان أولى الناس بأمر نبي الله ثانى اثنين إذ هما في الغار وأبو بكر السباق المسن ثم أخذت بيده وبدرني رجل من الأنصار فضرب على يده قبل أن أضرب على يده ثم ضربت على يده وتبايع الناس. وقد روى محمد بن سعد عن عارم بن الفضل عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد فذكر نحوا من هذه القصة وسمى هذا الرجل الّذي بايع الصديق قبل عمر بن الخطاب. فقال: هو بشير بن سعد والد النعمان بن بشير. ذكر اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق يوم السقيفة قال الامام احمد [حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن قال: توفى رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ في صائفه من المدينة. قال: فجاء [فكشف] عن وجهه فقبله. وقال فداك أبى وأمى ما أطيبك حيا وميتا، مات محمد ورب الكعبة. فذكر الحديث. قال فانطلق أبو بكر وعمر يتعادان حتى أتوهم فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله من شأنهم إلا ذكره. وقال: لقد علمتم أن رسول الله ﷺ . قال: لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا سلكت وادي الأنصار. ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال: - وأنت قاعد - قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم. فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء. وقال الامام احمد] (١) حدثنا على بن عباس ثنا الوليد بن مسلم أخبرنى يزيد بن سعيد بن ذي عضوان العبسيّ عن عبد الملك بن عمير اللخمي عن رافع الطائي رفيق أبى بكر الصديق في غزوة ذات السلاسل. قال: وسألته عما قيل في بيعتهم. فقال: وهو يحدثه عما تقاولت به الأنصار وما كلمهم به وما كلم به عمر بن الخطاب الأنصار وما ذكرهم به من إمامتي إياهم بأمر رسول الله ﷺ في مرضه فبايعوني لذلك وقبلتها منهم وتخوفت أن

стр. 1661

تكون فتنة بعدها ردة. وهذا اسناد جيد قوى ومعنى هذا أنه ﵁ إنما قبل الإمامة تخوفا أن يقع فتنة أربى من تركه قبولها ﵁ وأرضاه. قلت كان هذا في بقية يوم الاثنين فلما كان الغد صبيحة يوم الثلاثاء اجتمع الناس في المسجد فتممت البيعة من المهاجرين والأنصار قاطبة وكان ذلك قبل تجهيز رسول الله ﷺ تسليما. قال البخاري أنبأنا إبراهيم بن موسى ثنا هشام عن معمر عن الزهري أخبرنى أنس بن مالك أنه سمع خطبة عمر الأخيرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفى رسول الله ﷺ وأبو بكر صامت لا يتكلم. قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا - يريد بذلك أن يكون آخرهم - فان يك محمدا قد مات فان الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به هدى الله محمدا ﷺ وأن أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ وثانى اثنين وانه أولى المسلمين بأموركم، فقدموا فبايعوه وكانت طائفة قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بنى ساعدة وكانت بيعة العامة على المنبر. قال الزهري عن أنس بن مالك سمعت عمر يقول يومئذ لأبى بكر: اصعد المنبر! فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه عامة الناس وقال محمد بن إسحاق حدثني الزهري حدثني أنس بن مالك. قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر وقام عمر فتكلم قبل أبى بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أيها الناس إني قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهدها الى رسول الله ﷺ ولكنى كنت أرى أن رسول الله سيد بر أمرنا - يقول يكون آخرنا - وان الله قد أبقى فيكم كتابه الّذي هدى به رسول الله فان اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله له، وأن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله ﷺ وثانى اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة، ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: أما بعد أيها الناس فانى قد وليت عليكم ولست بخيركم فان أحسنت فأعينونى، وان أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم قوى عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق ان شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعونى ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا الى صلاتكم يرحمكم الله. وهذا إسناد صحيح فقوله ﵁: - وليتكم ولست بخيركم - من باب الهضم والتواضع فإنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم ﵃. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الحافظ الأسفراييني حدثنا أبو على الحسين بن على الحافظ حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وابن إبراهيم بن أبى طالب. قالا: حدثنا ميدار بن يسار. وحدثنا أبو هشام المخزومي حدثنا وهيب حدثنا داود بن أبى هند

стр. 1662

حدثنا أبو نضرة عن أبى سعيد الخدريّ. قال: قبض رسول الله ﷺ واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قال فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين، ونحن كنا أنصار رسول الله ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره. قال فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم! أما لو قلتم على (غير) هذا لم نبايعكم، وأخذ بيد أبى بكر. وقال: هذا صاحبكم فبايعوه. فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار قال: فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير. قال فدعا بالزبير فجاء فقال: قلت ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ ، فقلم فبايعه. ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فدعا بعلي بن أبى طالب فجاء. فقال: قلت ابن عم رسول الله ﷺ وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين. قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ فبايعه. هذا أو معناه. وقال أبو على الحافظ سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأته عليه، وهذا حديث يسوى بدنة بل يسوى بدرة! وقد رواه البيهقي عن الحاكم وأبى محمد بن حامد المقري كلاهما عن أبى العباس محمد بن يعقوب الأصم عن جعفر بن محمد بن شاكر عن عفان بن سلم عن وهيب به ولكن ذكر أن الصديق هو القائل لخطيب الأنصار بدل عمر. وفيه: أن زيد بن ثابت أخذ بيد أبى بكر فقال: هذا صاحبكم فبايعوه ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به فذكر نحو ما تقدم، ثم ذكر قصة الزبير بعد على فالله أعلم. وقد رواه على بن عاصم عن الجريريّ عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ فذكر نحو ما تقدم، وهذا اسناد صحيح محفوظ من حديث أبى نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبى سعيد سعد بن مالك بن سنان المنذري وفيه فائدة جليلة وهي مبايعة على بن أبى طالب أما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة. وهذا حق فان على بن أبى طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه كما سنذكره وخرج معه الى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرا سيفه يريد قتال أهل الردة كما سنبينه قريبا، ولكن لما حصل من فاطمة ﵂ عتب على الصديق بسبب ما كانت متوهمة من أنها تستحق ميراث رسول الله ﷺ ولم تعلم بما أخبرها به الصديق ﵁. أنه قال «لا نورث ما تركنا فهو صدقة» فحجبها وغيرها من أزواجه وعمه عن الميراث بهذا النص الصريح كما سنبين ذلك في موضعه، فسألته أن ينظر على في صدقة الأرض التي بخيبر وفدك فلم يجبها الى ذلك. لأنه رأى أنّ حقا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله ﷺ . وهو الصادق البار الراشد النابع للحق ﵁، فحصل لها - وهي امرأة من البشر ليست براجية العصمة - عتب وتغضب ولم تكلم الصديق حتى

стр. 1663

ماتت، وأحتاج على أن يراعى خاطرها بعض الشيء فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها ﷺ رأى على أن يجدد البيعة مع ابى بكر ﵁ كما سنذكره من الصحيحين وغيرهما فيما بعد ان شاء الله تعالى معما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله ﷺ . ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم حدثني أبى أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير. ثم خطب أبو بكر واعتذر الى الناس وقال: ما كنت حريصا على الامارة يوما ولا ليلة، ولا سألتها في سر ولا علانية. فقبل المهاجرون مقالته. وقال على والزبير: ما غضبنا إلا لأنا اخرنا عن المشورة وانا نرى ان ابا بكر أحق الناس بها، انه لصاحب الغار وانا لنعرف شرفه وخبره، ولقد امره رسول الله ﷺ ان يصلى بالناس وهو حي. اسناد جيد ولله الحمد والمنة. فصل ومن تأمل ما ذكرناه ظهر له اجماع الصحابة المهاجرين منهم والأنصار على تقديم أبى بكر، وظهر برهان قوله ﵇: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر». وظهر له أن رسول الله ﷺ لم ينص على الخلافة عينا لأحد من الناس، لا لأبى بكر (١) كما قد زعمه طائفة من أهل السنة، ولا لعلى كما يقوله طائفة من الرافضة. ولكن أشار اشارة [قوية يفهمها كل ذي لب وعقل الى الصدّيق كما قدمنا وسنذكره] (٢) ولله الحمد كما ثبت في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له ألا تستخلف يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن استخلف فقد استخلف من هو خير منى. يعنى - أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير منى، يعنى - رسول الله ﷺ . قال ابن عمر: فعرفت حين ذكر رسول الله ﷺ أنه غير مستخلف. وقال سفيان الثوري عن عمرو بن قيس عن عمرو بن سفيان. قال. لما ظهر عليّ على الناس. قال: يا أيها الناس ان رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الامارة شيئا، حتى رأينا من الرأى أن يستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأى من الرأى أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله - أو قال حتى ضرب الدين بجرانه - الى آخره. وقال الامام احمد ثنا أبو نعيم ثنا شريك عن الأسود ابن قيس عن عمرو بن سفيان. قال: خطب رجل يوم البصرة حين ظهر عليّ فقال عليّ: هذا الخطيب السجسج - سبق رسول الله ﷺ وصلى أبو بكر وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة بعدهم يصنع الله فيها ما يشاء. وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو بكر محمد بن احمد الزكي بمرو ثنا عبد الله ابن روح المدائني ثنا شبابة بن سوار ثنا شعيب بن ميمون عن حصين بن عبد الرحمن عن الشعبي

стр. 1664

عن أبى وائل. قال: قيل لعلى بن أبى طالب، ألا تستخلف علينا؟ فقال ما استخلف رسول الله ﷺ فاستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم. إسناد جيد ولم يخرجوه. وقد قدمنا ما ذكره البخاري من حديث الزهري عن عبد الله ابن كعب بن مالك عن ابن عباس: أن عباسا وعليا لما خرجا من عند رسول الله ﷺ ، فقال رجل كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ فقال عليّ: أصبح بحمد الله بارئا. فقال العباس: انك والله عبد العصا بعد ثلاث، إني لأعرف في وجوه بنى هاشم الموت، وانى لأرى في وجه رسول الله الموت فاذهب بنا اليه فنسأله فيمن هذا الأمر؟ فان كان فينا عرفناه وان كان في غيرنا أمرناه فوصاه بنا. فقال عليّ: انى لا أسأله ذلك، والله ان منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدا. وقد رواه محمد بن إسحاق عن الزهري به فذكره. وقال فيه: فدخلا عليه في يوم قبض ﷺ فذكره. وقال في آخره: فتوفى رسول الله ﷺ حين اشتد الضحى من ذلك اليوم. قلت: فهذا يكون في يوم الاثنين يوم الوفاة، فدل على أنه ﵇ توفى عن غير وصية في الامارة (١). وفي الصحيحين عن ابن عباس أن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب ذلك الكتاب، وقد قدمنا أنه ﵇ كان طلب أن يكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده فلما أكثروا اللغط والاختلاف عنده. قال: «قوموا عنى فما أنا فيه خير مما تدعونني اليه» وقد قدمنا أنه قال بعد ذلك: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر». وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عون (٢) عن إبراهيم التيمي عن الأسود. قال: قيل لعائشة إنهم يقولون ان رسول الله ﷺ أوصى الى عليّ. فقالت: بما أوصى الى عليّ؟ لقد دعا بطست ليبول فيها وأنا مسندته الى صدري فانحنف فمات وما شعرت، فيم يقول هؤلاء انه أوصى الى عليّ؟. وفي الصحيحين من حديث مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال سألت عبد الله بن أبى أوفى، هل أوصى رسول الله ﷺ ؟ قال لا! قلت فلم أمرنا بالوصية، قال أوصى بكتاب الله . قال طلحة بن مصرف وقال هذيل بن شرحبيل! أبو بكر يتأمر على وصى رسول الله ﷺ ودّ أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله ﷺ فخرم أنفه بخرامة. وفي الصحيحين أيضا من حديث الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه. قال: خطبنا عليّ بن أبى طالب ﵁. فقال من زعم أن عندنا شيئا نقرأه ليس في كتاب الله وهذه الصحيفة - لصحيفة معلقة في سيفه فيها اسنان الإبل وأشياء من الجراحات - فقد كذب. وفيها قال قال رسول الله ﷺ : «المدينة حرم ما بين عير الى نور من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا، ومن ادعى الى غير أبيه أو انتمى الى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس

стр. 1665

أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا». وهذا الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما عن عليّ ﵁ يرد على فرقة الرافضة في زعمهم أن رسول الله ﷺ أوصى اليه بالخلافة، ولو كان الأمر كما زعموا لما رد ذلك أحد من الصحابة فإنهم كانوا أطوع لله ولرسوله في حياته وبعد وفاته من أن يفتاتوا عليه فيقدموا غير من قدمه ويؤخروا من قدمه بنصه، حاشا وكلا ولما، ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك فقد نسبهم بأجمعهم الى الفجور والتواطؤ على معاندة الرسول ﷺ ومضادتهم في حكمه ونصه، ومن وصل من الناس الى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام وكفر بإجماع الأئمة الأعلام، وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام. ثم لو كان مع على بن أبى طالب ﵁ نص فلم لا كان يحتج به على الصحابة على إثبات إمارته عليهم وإمامته لهم، فان لم يقدر على تنفيذ ما معه من النص فهو عاجز والعاجز لا يصلح للامارة وان كان يقدر ولم يفصله فهو خائن والخائن الفاسق مسلوب معزول عن الامارة، وان لم يعلم بوجود النص فهو جاهل، ثم وقد عرفه وعلمه من بعده هذا محال وافتراء وجهل وضلال. وإنما يحسن هذا في أذهان الجهلة الطغام والمغترين من الأنام، يزينه لهم الشيطان بلا دليل ولا برهان، بل بمجرد التحكم والهذيان والافك والبهتان، عياذا بالله مما هم فيه من التخليط والخذلان والتخبيط والكفران، وملاذا بالله بالتمسك بالسنة والقرآن والوفاة على الإسلام والايمان، والموافاة على الثبات والإيقان وتثقيل الميزان، والنجاة من النيران والفوز بالجنان انه كريم منان رحيم رحمان. وفي هذا الحديث الثابت في الصحيحين عن على الّذي قدمناه رد على متقولة كثير من الطرقية والقصاص الجهلة في دعواهم ان النبي ﷺ أوصى الى عليّ بأشياء كثيرة يسوقونها مطولة، يا عليّ افعل كذا، يا على لا تفعل كذا، يا على من فعل كذا كان كذا وكذا. بألفاظ ركيكة ومعاني أكثرها سخيفة وكثير منها صحفية لا تساوى تسويد الصحيفة والله أعلم. وقد أورد الحافظ البيهقي من طريق حماد بن عمرو النصيبي - وهو أحد الكذابين الصواغين - عن السري بن خلاد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على بن أبى طالب عن النبي ﷺ . قال: يا على أوصيك بوصية أحفظها فإنك لا تزال بخير ما حفظتها، يا على ان للمؤمن ثلاث علامات الصلاة والصيام والزكاة. قال البيهقي فذكر حديثا طويلا في الرغائب والآداب وهو حديث موضوع وقد شرطت في أول الكتاب أن لا أخرج فيه حديثا أعلمه موضوعا، ثم روى من طريق حماد بن عمرو هذا عن زيد بن رفيع عن مكحول الشامي. قال: هذا ما قال رسول الله ﷺ لعلىّ بن أبى طالب حين رجع من غزوة حنين وأنزلت عليه سورة النصر. قال البيهقي: فذكر حديثا طويلا في الفتنة وهو أيضا حديث منكر ليس له

стр. 1666

أصل، وفي الأحاديث الصحيحة كفاية وبالله التوفيق. ولنذكرها هنا ترجمة حماد بن عمرو أبى إسماعيل النصيبي روى عن الأعمش وغيره وعنه إبراهيم ابن موسى ومحمد بن مهران وموسى بن أيوب وغيرهم. قال يحيى بن معين: هو ممن يكذب ويضع الحديث. وقال عمرو بن على الفلاس وأبو حاتم: منكر الحديث ضعيف جدا. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: كان يكذب. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال ابن حبان: يضع الحديث وضعا. وقال ابن عدي: عامة حديثه مما لا يتابعه أحد من الثقات عليه. وقال الدار قطنى: ضعيف. وقال الحاكم أبو عبد الله: يروى عن الثقات أحاديث موضوعة، وهو ساقط بمرة. فأما الحديث الّذي قال الحافظ البيهقي أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الحافظ أنبأنا حمزة بن العباس العقبي ببغداد ثنا عبد الله بن روح المدائني ثنا سلام بن سليمان المدائني ثنا سلام بن سليم الطويل عن عبد الملك بن عبد الرحمن عن الحسن المقبري عن الأشعث بن طليق عن مرة بن شراحيل عن عبد الله بن مسعود. قال: لما ثقل رسول الله ﷺ اجتمعنا في بيت عائشة فنظر إلينا رسول الله ﷺ فدمعت عيناه، ثم قال لنا: قد دنا الفراق ونعى إلينا نفسه، ثم قال: مرحبا بكم حياكم الله، هذا كم الله، نصركم الله، نفعكم الله، وفقكم الله، سددكم الله، وقاكم الله، أعانكم الله، قبلكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصى الله بكم واستخلفه عليكم، إني لكم منه نذير مبين أن لا تعلوا على الله في عباده وبلاده. فان الله قال لي ولكم: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾. قلنا: فمتى أجلك يا رسول الله؟ قال قد دنا الأجل، والمنقلب الى الله والسدرة المنتهى والكأس الأوفى والفرش الأعلى. قلنا: فمن يغسلك يا رسول الله؟ قال رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم. قلنا: ففيم نكفنك يا رسول الله قال في ثيابي هذه ان شئتم أو في يمنية أو في بياض مصر. قلنا: فمن يصلى عليك يا رسول الله؟ فبكى وبكينا. وقال: مهلا! غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرا، إذا غسلتموني وحنطتموني وكفنتموني فضعوني على شفير قبري ثم أخرجوا عنى ساعة، فان أول من يصلى عليّ خليلاى وجليساى جبريل وميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع جنود من الملائكة ﵈، وليبدأ بالصلاة على رجال أهل بيتي ثم نساؤهم ثم ادخلوا عليّ أفواجا أفواجا وفرادى فرادى، ولا تؤذوني بباكية ولا برنة ولا بضجة ومن كان غائبا من أصحابى فأبلغوه عنى السلام، وأشهدكم بأنى قد سلمت على من دخل في الإسلام ومن تابعنى في ديني هذا منذ اليوم الى يوم القيامة. قلنا: فمن يدخلك قبرك يا رسول الله؟ قال: رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم ثم قال

стр. 1667

البيهقي تابعه احمد بن يونس عن سلام الطويل وتفرد به سلام الطويل قلت: وهو سلام بن مسلم ويقال ابن سليم ويقال ابن سليمان والأول أصح التميمي السعدي الطويل. يروى عن جعفر الصادق وحميد الطويل وزيد العمى وجماعة، وعنه جماعة أيضا منهم: احمد بن عبد الله بن يونس، وأسد بن موسى، وخلف بن هشام البزار، وعلى بن الجعد، وقبيصة بن عقبة. وقد ضعفه على بن المديني واحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم وأبو زرعة والجوزجاني والنسائي وغير واحد، وكذبه بعض الأئمة، وتركه آخرون. لكن روى هذا الحديث بهذا السياق بطوله الحافظ أبو بكر البزار من غير طريق سلام هذا فقال: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن ابن الأصبهاني أنه أخبره عن مرة عن عبد الله فذكر الحديث بطوله. ثم قال البزار: وقد روى هذا عن مرة من غير وجه بأسانيد متقاربة وعبد الرحمن ابن الأصبهاني (١) لم يسمع هذا من مرة وانما هو عمن أخبره عن مرة، ولا أعلم أحدا رواه عن عبد الله عن مرة. فصل في ذكر الوقت الّذي توفى فيه رسول الله ﷺ ، ومبلغ سنه حال وفاته، وفي كيفية غسله ﵇ والصلاة عليه ودفنه، وموضع قبره صلوات الله وسلامه عليه لا خلاف أنه ﵇ توفى يوم الاثنين. قال ابن عباس ولد نبيكم ﷺ يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ومات يوم الاثنين رواه الامام احمد والبيهقي. وقال سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال لي أبو بكر أي يوم توفى رسول الله ﷺ ؟ قلت يوم الاثنين. فقال: انى لأرجو أن أموت فيه فمات فيه. رواه البيهقي من حديث الثوري به. وقال الامام احمد حدثنا أسود ابن عامر ثنا هريم حدثني ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. قالت: توفى رسول الله ﷺ يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء تفرد به احمد. وقال عروة بن الزبير في مغازيه وموسى بن عقبة عن ابن شهاب: لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه أرسلت عائشة الى أبى بكر، وأرسلت حفصة الى عمر، وأرسلت فاطمة الى عليّ، فلم يجتمعوا حتى توفى رسول الله ﷺ وهو في صدر عائشة وفي يومها، يوم الاثنين حين زاغت الشمس لهلال ربيع الأول. وقد قال أبو يعلى ثنا أبو خيثمة ثنا ابن عيينة عن الزهري عن أنس. قال: آخر نظرة نظرتها الى رسول الله يوم الاثنين كشف الستارة والناس خلف أبى بكر فنظرت الى وجهه كأنه ورقة مصحف، فأراد الناس أن

стр. 1668

ينحرفوا فأشار اليهم أن امكثوا والقى السجف، وتوفى من آخر ذلك اليوم. وهذا الحديث في الصحيح وهو يدل عل أن الوفاة وقعت بعد الزوال والله أعلم. وروى يعقوب بن سفيان عن عبد الحميد بن بكار عن محمد بن شعيب وعن صفوان عن عمر بن عبد الواحد جميعا عن الأوزاعي. أنه قال: توفى رسول الله ﷺ يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار. وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا احمد بن حنبل ثنا الحسن بن على البزار ثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه وهو سليمان بن طرخان التيمي في كتاب المغازي. قال: ان رسول الله ﷺ مرض لاثنتين وعشرين ليلة من صفر، وبدأه وجعه عند وليدة له يقال لها ريحانة كانت من سبى اليهود، وكان أول يوم مرض يوم السبت، وكانت وفاته ﵇ يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه ﵇ المدينة. وقال الواقدي: حدثنا أبو معشر عن محمد بن قيس. قال: اشتكى رسول الله ﷺ يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة إحدى عشرة في بيت زينب بنت جحش شكوى شديدة، فاجتمع عنده نساؤه كلهن فاشتكى ثلاثة عشر يوما، وتوفى يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. وقال الواقدي: وقالوا بدئ رسول الله ﷺ يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر وتوفى يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. وهذا جزم به محمد بن سعد كاتبه، وزاد - ودفن يوم الثلاثاء. قال الواقدي: وحدثني سعيد بن عبد الله بن أبى الأبيض عن المقبري عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ بدئ في بيت ميمونة. وقال يعقوب بن سفيان حدثنا احمد بن يونس ثنا أبو معشر عن محمد بن قيس. قال: اشتكى رسول الله ﷺ ثلاثة عشر يوما فكان إذا وجد خفة صلى وإذا ثقل صلى أبو بكر ﵁. وقال محمد بن إسحاق: توفى رسول الله ﷺ لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول في اليوم الّذي قدم فيه المدينة مهاجرا، واستكمل رسول الله ﷺ في هجرته عشر سنين كوامل. قال الواقدي وهو المثبت عندنا وجزم به محمد بن سعد كاتبه. وقال يعقوب بن سفيان عن يحيى بن بكير عن الليث. أنه قال: توفى رسول الله يوم الاثنين لليلة خلت من ربيع الأول وفيه قدم المدينة على رأس عشر سنين من مقدمه. وقال سعد بن إبراهيم الزهري: توفى رسول الله ﷺ يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة، رواه ابن عساكر. ورواه الواقدي عن أبى معشر عن محمد بن قيس مثله سواء. وقاله خليفة بن خياط أيضا. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: توفى رسول الله يوم الاثنين مستهل ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مقدمه المدينة، ورواه ابن عساكر أيضا. وقد تقدم قريبا عن عروة وموسى بن عقبة والزهري مثله فيما نقلناه عن مغازيهما فالله أعلم والمشهور قول ابن إسحاق والواقدي. ورواه الواقدي عن ابن عباس عن عائشة ﵂

стр. 1669

فقال: حدثني إبراهيم بن يزيد عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس. وحدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة عن عائشة قالا: توفى رسول الله ﷺ يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. ورواه ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر بن حزم عن أبيه مثله - وزاد ودفن ليلة الأربعاء. وروى سيف بن عمر عن محمد بن عبيد الله العرزميّ عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. قال: لما قضى رسول الله ﷺ حجة الوداع ارتحل فأتى المدينة فأقام بها بقيا ذي الحجة والمحرم وصفرا، ومات يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول. وروى أيضا عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة. وفي حديث فاطمة عن عمرة عن عائشة مثله إلا أن ابن عباس قال في أوله لأيام مضين منه وقالت عائشة بعد ما مضى أيام منه. «فائدة» قال أبو القاسم السهيليّ في الروض ما مضمونه. لا يتصور وقوع وفاته ﵇ يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأول من سنة احدى عشرة وذلك لأنه ﵇ وقف في حجة الوداع سنة عشر يوم الجمعة فكان أول ذي الحجة يوم الخميس فعلى تقدير أن تحسب الشهور تامة أو ناقصة أو بعضها تام وبعضها ناقص، لا يتصور أن يكون يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأول وقد اشتهر هذا الإيراد على هذا القول. وقد حاول جماعة الجواب عنه ولا يمكن الجواب عنه إلا بمسلك واحد وهو اختلاف المطالع بأن يكون أهل مكة رأوا هلال ذي الحجة ليلة الخميس وأما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة الجمعة ويؤيد هذا قول عائشة وغيرها خرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة - يعنى من المدينة - الى حجة الوداع ويتعين بما ذكرناه انه خرج يوم السبت وليس كما زعم ابن حزم انه خرج يوم الخميس لأنه قد بقي أكثر من خمس بلا شك ولا جائز أن يكون خرج يوم الجمعة لأن أنسا قال صلى رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين. فتعين أنه خرج يوم السبت لخمس بقين فعلى هذا انما رأى أهل المدينة هلال ذي الحجة ليلة الجمعة وإذا كان أول ذي الحجة عند أهل المدينة الجمعة وحسبت الشهور بعده كوامل يكون أول ربيع الأول يوم الخميس فيكون ثانى عشره يوم الاثنين والله أعلم وثبت في الصحيحين من حديث مالك عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن أنس بن مالك. قال: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير وليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم ولا بالجعد القطط ولا بالسبط بعثه الله على رأس أربعين سنة فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. وهكذا رواه ابن وهب عن عروة عن الزهري عن أنس وعن قرة بن ربيعة عن أنس مثل ذلك. قال الحافظ ابن عساكر. حديث قرة عن الزهري غريب وأما من رواية ربيعة عن أنس فرواها عنه جماعة كذلك ثم أسند من طريق سليمان بن بلال

стр. 1670

من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد وربيعة عن أنس: أن رسول الله ﷺ توفى وهو ابن ثلاث وستين وكذلك رواه ابن البربري ونافع بن أبى نعيم عن ربيعة عن أنس به قال: والمحفوظ عن ربيعة عن أنس ستون ثم أورده ابن عساكر من طريق مالك والأوزاعي ومسعر وإبراهيم بن طهمان وعبد الله بن عمر وسليمان بن بلال وأنس بن عياض والدراوَرْديّ ومحمد بن قيس المدني كلهم عن ربيعة عن أنس. قال: توفى رسول الله ﷺ وهو ابن ستين سنة. وقال البيهقي أنبأنا أبو الحسين بن بشران ثنا أبو عمرو بن السماك ثنا حنبل بن إسحاق ثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو حدثنا عبد الوارث ثنا أبو غالب الباهلي قال قلت لأنس بن مالك: ابن أي الرجال رسول الله إذ بعث؟ قال: كان ابن أربعين سنة قال ثم كان ماذا قال كان بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين فتمت له ستون سنة يوم قبضه الله وهو كأشد الرجال وأحسنهم وأجملهم وألحمهم. ورواه الامام احمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه به وقد روى مسلم عن أبى غسان محمد بن عمرو الرازيّ الملقب برشح عن حكام بن مسلم عن عثمان بن زائدة عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: قبض النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين وقبض عمر وهو ابن ثلاث وستين انفرد به مسلم. وهذا لا ينافي ما تقدم عن أنس لأن العرب كثيرا ما تحذف الكسر وثبت في الصحيحين من حديث الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة. قالت: توفى رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال الزهري وأخبرنى سعيد بن المسيب مثله وروى موسى بن عقبة وعقيل ويونس ابن يزيد وابن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة. قالت: توفى رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. قال الزهري وأخبرنى سعيد بن المسيب مثل ذلك. وقال البخاري: ثنا أبو نعيم ثنا شيبان عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن عائشة وابن عباس: أن رسول الله ﷺ مكث بمكة عشر سنين يتنزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرا لم يخرجه مسلم. وقال أبو داود الطيالسي في مسندة ثنا شعبة عن أبى إسحاق عن عامر بن سعد عن جرير بن عبد الله عن معاوية بن أبى سفيان. قال: قبض النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين. وهكذا رواه مسلم من حديث غندر عن شعبة وهو من افراده دون البخاري. ومنهم من يقول عن عامر بن سعد عن معاوية والصواب ما ذكرناه عن عامر بن سعد عن جرير عن معاوية فذكره. وروينا من طريق عامر بن شراحيل عن الشعبي عن جرير بن عبد الله البجلي عن معاوية فذكره. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق القاضي أبى يوسف عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس. قال: توفى رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وتوفى أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وتوفى عمر وهو ابن ثلاث وستين. وقال ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة عن عائشة قالت: تذاكر

стр. 1671

رسول الله وأبو بكر ميلادهما عندي فكان رسول الله أكبر من أبى بكر فتوفى رسول الله وهو ابن ثلاث وسنين، وتوفى أبو بكر بعده وهو ابن ثلاث وستين. وقال الثوري عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن. قال: توفى رسول الله وأبو بكر وعمرو هم بنو ثلاث وستين. وقال حنبل حدثنا الامام احمد ثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب. قال: انزل على النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين فأقام بمكة عشرا وبالمدينة عشرا، وهذا غريب عنه وصحيح اليه. وقال احمد ثنا هشيم ثنا داود بن أبى هند عن الشعبي قال: نبئ رسول الله وهو ابن أربعين سنة فمكث ثلاث سنين، ثم بعث اليه جبريل بالرسالة ثم مكث بعد ذلك عشر سنين ثم هاجر الى المدينة، فقبض وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال الامام أبو عبد الله احمد بن حنبل الثابت عندنا ثلاث وستون قلت وهكذا: روى مجاهد عن الشعبي وروى من حديث إسماعيل بن أبى خالد عنه. وفي الصحيحين من حديث روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ مكث بمكة ثلاث عشرة وتوفى وهو ابن ثلاث وستين سنة. وفي صحيح البخاري من حديث روح بن عبادة أيضا عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس. قال: بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين ثم مات وهو ابن ثلاث وستين. وكذلك رواه الامام احمد عن روح بن عبادة ويحيى بن سعيد ويزيد بن هارون كلهم عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس به. وقد رواه أبو يعلى الموصلي عن الحسن بن عمر بن شقيق عن جعفر بن سليمان عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن ابن عباس فذكر مثله. ثم أورده من طرق عن ابن عباس مثل ذلك. ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن أبى حمزة عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أقام بمكة ثلاث عشرة يوحى اليه: وبالمدينة عشرا ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقد أسند الحافظ ابن عساكر من طريق مسلم بن جنادة عن عبد الله بن عمر عن كريب عن ابن عباس. قال: توفى رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. ومن حديث أبى نضرة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس مثله وهذا القول هو الأشهر وعليه الأكثر. وقال الامام احمد ثنا إسماعيل عن خالد الحذاء حدثني عمار مولى بنى هاشم سمعت ابن عباس يقول: توفى رسول الله ﷺ وهو ابن خمس وستين سنة. ورواه مسلم من حديث خالد الحذاء به. وقال احمد ثنا حسن بن موسى ثنا حماد بن سلمة عن عمارة بن أبى عمار عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أقام بمكة خمس عشرة سنة ثماني سنين - أو سبع - يرى الضوء ويسمع الصوت، وثمانية أو سبعا يوحى اليه، وأقام بالمدينة عشرا. ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به. وقال احمد أيضا حدثنا عفان ثنا يزيد بن زريع ثنا يونس عن عمار مولى بنى هاشم. قال: سألت ابن عباس كم أتى لرسول الله ﷺ يوم مات؟ قال: ما كنت أرى مثلك في

стр. 1672

قومه يخفى عليك ذلك. قال قلت: إني قد سألت فاختلف عليّ فأحببت أن أعلم قولك فيه. قال أتحسب؟ قلت نعم! قال: أمسك أربعين بعث لها وخمس عشرة أقام بمكة يأمن ويخاف وعشرا مهاجرا بالمدينة. وهكذا رواه مسلم من حديث يزيد بن زريع وشعبة بن الحجاج كلاهما عن يونس ابن عبيد عن عمار عن ابن عباس بنحوه. وقال الامام احمد ثنا ابن نمير ثنا العلاء بن صالح ثنا المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير. أن رجلا أتى ابن عباس فقال: أنزل على النبي ﷺ عشرا بمكة وعشرا بالمدينة. فقال من يقول ذلك؟ لقد أنزل عليه بمكة خمس عشرة وبالمدينة عشرا خمسا وستين وأكثر وهذا من افراد احمد اسنادا ومتنا. وقال الامام احمد ثنا هشيم ثنا على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس. قال: قبض النبي ﷺ وهو ابن خمس وستين سنة تفرد به احمد وقد روى الترمذي في كتاب الشمائل وأبو يعلى الموصلي والبيهقي من حديث قتادة عن الحسن البصري عن دغفل بن حنظلة الشيباني النسابة: أن النبي ﷺ قبض وهو ابن خمس وستين. ثم قال: الترمذي دغفل لا يعرف له سماعا عن النبي ﷺ وقد كان في زمانه رجلا. وقال البيهقي وهذا يوافق رواية عمار ومن تابعه عن ابن عباس. ورواية الجماعة عن ابن عباس في ثلاث وستين أصح فهم أوثق وأكثر وروايتهم توافق الرواية الصحيحة عن عروة عن عائشة وإحدى الروايتين عن أنس والرواية الصحيحة عن معاوية وهي قول سعيد بن المسيب وعامر الشعبي وأبى جعفر محمد بن على ﵃. قلت: وعبد الله بن عقبة والقاسم بن عبد الرحمن والحسن البصري وعلى بن الحسين وغير واحد. ومن الأقوال الغريبة ما رواه خليفة بن خياط عن معاذ بن هشام حدثني أبى عن قتادة. قال: توفى رسول الله ﷺ وهو ابن اثنتين وستين سنة. ورواه يعقوب بن سفيان عن محمد بن المثنى عن معاذ ابن هشام عن أبيه عن قتادة مثله. ورواه زيد العمى عن يزيد عن أنس. ومن ذلك ما رواه محمد بن عابد عن القاسم بن حميد عن النعمان بن المنذر الغساني عن مكحول. قال: توفى رسول الله وهو ابن اثنتين وستين سنة وأشهر ورواه يعقوب بن سفيان عن عبد الحميد بن بكار عن محمد بن شعيب عن النعمان بن المنذر عن مكحول. قال: توفى رسول الله ﷺ وهو ابن اثنتين وستين سنة ونصف. وأغرب من ذلك كله ما رواه الامام احمد عن روح عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن. قال: نزل القرآن على رسول الله ﷺ ثماني سنين بمكة وعشرا بعد ما هاجر. فان كان الحسن ممن يقول بقول الجمهور وهو أنه ﵇ أنزل عليه القرآن وغمره أربعون سنة فقد ذهب الى أنه ﵇ عاش ثمانيا وخمسين سنة. وهذا غريب جدا لكن روينا من طريق مسدد عن هشام بن حسان عن الحسن. أنه قال: توفى رسول الله ﷺ وهو ابن ستين سنة. وقال خليفة بن خياط حدثنا أبو عاصم عن أشعث عن الحسن قال: بعث رسول الله وهو ابن خمس وأربعين، فأقام

стр. 1673

بمكة عشرا وبالمدينة ثمانيا وتوفى وهو ابن ثلاث وستين. وهذا بهذا الصفة غريب جدا والله أعلم. صفة غسله ﵇ قد قدمنا أنهم ﵃ اشتغلوا ببيعة الصديق بقية يوم الاثنين وبعض يوم الثلاثاء فلما تمهدت وتوطئت وتمت شرعوا بعد ذلك في تجهيز رسول الله ﷺ مقتدين في كل ما أشكل عليهم بأبي بكر الصديق ﵁. قال: ابن إسحاق فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء وقد تقدم من حديث ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله توفى يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء. وقال أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا أبو معاوية ثنا أبو بردة عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه. قال: لما أخذوا في غسل رسول الله ﷺ ناداهم مناد من الداخل أن لا تجردوا عن رسول الله ﷺ قميصه. ورواه ابن ماجة من حديث أبى معاوية عن أبى بردة - واسمه عمرو بن يزيد التميمي كوفى. وقال محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه سمعت عائشة تقول: لما أرادوا غسل النبي ﷺ ، قالوا: ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا القى الله عليهم النوم حتى ما منهم أحد إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن غسلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا الى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميص يصبون الماء فوق القميص فيد لكونه بالقميص دون أيديهم. فكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه. رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق. وقال الامام احمد حدثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن إسحاق حدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس. قال: اجتمع القوم لغسل رسول الله ﷺ وليس في البيت إلا أهله، عمه العباس بن عبد المطلب وعلى بن أبى طالب والفضل بن عباس وقثم بن العباس واسامة بن زيد بن حارثة وصالح مولاه. فلما اجتمعوا لغسله نادى من وراء الناس أوس ابن خولى الأنصاري أحد بنى عوف بن الخزرج - وكان بدريا - على بن أبى طالب. فقال: يا على ننشدك الله وحظنا من رسول الله ﷺ . فقال له على: أدخل فدخل فحضر غسل رسول الله ﷺ ولم يل من غسله شيئا، فأسنده عليّ الى صدره وعليه قميصه، وكان العباس وفضل وقثم يقلبونه مع عليّ، وكان اسامة بن زيد وصالح مولاه هما يصبان الماء، وجعل عليّ يغسله ولم ير من رسول الله ﷺ شيئا مما يرى من الميت. وهو يقول: بأبي وأمى ما أطيبك حيا وميتا، حتى إذا فرغوا من غسل رسول الله، - وكان يغسل بالماء والسدر - جففوه ثم صنع به ما يصنع بالميت.

стр. 1674

ثم أدرج في ثلاثة أثواب ثوبين أبيضين وبرد حبرة، قال ثم دعا العباس رجلين. فقال: ليذهب أحدكما الى أبى عبيده بن الجراح - وكان أبو عبيدة يضرح لأهل مكة. وليذهب الآخر الى أبى طلحة ابن سهل الأنصاري - وكان أبو طلحة يلحد لأهل المدينة. قال ثم قال العباس حين سرحهما: اللهمّ خر لرسولك؟ قال فذهبا فلم يجد صاحب أبى عبيدة أبا عبيدة ووجد صاحب أبى طلحة أبا طلحة فلحد لرسول الله ﷺ انفرد به احمد. وقال يونس بن بكير عن المنذر بن ثعلبة عن الصلت عن (١) العلباء بن احمر قال: كان على والفضل يغسلان رسول الله. فنودي عليّ ارفع طرفك الى السماء وهذا منقطع. قلت: وقد روى بعض أهل السنن عن عليّ بن أبى طالب. أن رسول الله ﷺ قال له: «يا على لا تبد فخذك، ولا تنظر الى فخذ حىّ ولا ميت». وهذا فيه إشعار بأمره له في حق نفسه والله أعلم وقال الحافظ أبو بكر البيهقي انبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا محمد بن يعقوب ثنا يحيى ابن محمد بن يحيى ثنا ضمرة ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب. قال قال عليّ غسلت رسول الله ﷺ فذهبت انظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا ﷺ . وقد رواه أبو داود في المراسيل وابن ماجة من حديث معمر به، زاد البيهقي في روايته قال سعيد بن المسيب: وقد ولى دفنه ﵇ أربعة عليّ والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله ﷺ ، لحدوا له لحدا ونصبوا عليه اللبن نصبا. وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين منهم عامر الشعبي ومحمد بن قيس وعبد الله بن الحارث وغيرهم بألفاظ مختلفة يطول بسطها ها هنا. وقال البيهقي وروى أبو عمرو بن كيسان عن يزيد بن بلال سمعت عليا يقول: أوصى رسول الله ﷺ أن لا يغسله أحد غيري، فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه. قال على: فكان العباس واسامة يناولانى الماء من وراء الستر. قال عليّ فما تناولت عضوا إلا كأنه يقلبه معى ثلاثون رجلا حتى فرغت من غسله. وقد أسند هذا الحديث الحافظ أبو بكر البزار في مسندة. فقال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم ثنا عبد الصمد بن النعمان ثنا كيسان أبو عمرو عن يزيد بن بلال. قال قال عليّ ابن أبى طالب: أوصاني النبي ﷺ أن لا يغسله أحد غيري فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمت عيناه. قال على: فكان العباس واسامة يناولانى الماء من وراء الستر. قلت: هذا غريب جدا. وقال البيهقي انبأنا محمد بن موسى بن الفضل ثنا أبو العباس الأصم ثنا أسيد بن عاصم ثنا الحسين بن حفص عن سفيان عن عبد الملك بن جريج سمعت محمد بن على ابا جعفر. قال: غسل النبي ﷺ بالسدر ثلاثا، وغسل وعليه قميص، وغسل من بئر كان يقال لها الغرس بقباء كانت لسعد بن خيثمة وكان رسول الله يشرب منها، وولى غسله عليّ والفضل يحتضنه، والعباس

стр. 1675

يصب الماء فجعل الفضل يقول أرحني قطعت وتيني انى لأجد شيئا يترطل عليّ. وقال الواقدي ثنا عاصم بن عبد الله الحكمي عن عمر بن عبد الحكم. قال قال رسول الله ﷺ : «نعم البئر بئر غرس هي من عيون الجنة وماؤها أطيب المياه». وكان رسول الله يستعذب له منها وغسل من بئر غرس. وقال سيف بن عمر عن محمد بن عون عن عكرمة عن ابن عباس. قال: لما فرغ من القبر وصلّى الناس الظهر، أخذ العباس في غسل رسول الله ﷺ فضرب عليه كلّة من ثياب يمانية صفاق في جوف البيت، فدخل الكلة ودعا عليا والفضل فكان إذا ذهب الى الماء ليعاطيهما دعا أبا سفيان بن الحارث فأدخله ورجال من بنى هاشم من وراء الكلة، ومن أدخل من الأنصار حيث ناشدوا أبى وسألوه منهم أوس بن خولى ﵃ أجمعين. ثم قال سيف عن الضحاك بن يربوع الحنفي عن ماهان الحنفي عن ابن عباس، فذكر ضرب الكلة وأن العباس أدخل فيها عليا والفضل وأبا سفيان واسامة، ورجال من بنى هاشم من وراء الكلة في البيت، فذكر أنهم القى عليهم النعاس فسمعوا قائلا يقول لا تغسلوا رسول الله فإنه كان طاهرا فقال العباس ألا بلى وقال أهل البيت صدق فلا تغسلوه، فقال العباس: لا ندع سنة لصوت لا ندري ما هو؟ وغشيهم النعاس ثانية فناداهم أن غسلوه وعليه ثيابه. فقال أهل البيت ألا لا. وقال العباس إلا نعم! فشرعوا في غسله وعليه قميص ومجول مفتوح، فغسلوه بالماء القراح وطيبوه بالكافور في مواضع سجوده ومفاصله، واعتصر قميصه ومجوله ثم أدرج في أكفانه، وجمروه عودا وندا ثم احتملوه حتى وضعوه على سريره وسجوه وهذا السياق فيه غرابة جدا. صفة كفنه ﵊ قال الامام احمد ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي حدثني الزهري عن القاسم عن عائشة. قالت: أدرج رسول الله ﷺ في ثوب حبرة ثم أخر عنه. قال القاسم: ان بقايا ذلك الثوب لعندنا بعد. وهذا الاسناد على شرط الشيخين. وانما رواه أبو داود عن احمد بن حنبل والنسائي عن محمد ابن مثنى ومجاهد بن موسى فرواهما كلهم عن الوليد بن مسلم به. وقال الامام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ ثنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. وكذا رواه البخاري عن إسماعيل بن إدريس عن مالك. وقال الامام احمد حدثنا سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب سحولية بيض. وأخرجه مسلم من حديث سفيان بن عيينة. وأخرجه البخاري عن أبى نعيم عن سفيان الثوري كلاهما عن هشام بن عروة به. وقال أبو داود ثنا قتيبة ثنا حفص

стр. 1676

ابن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله كفن في ثلاثة أثواب بيض يمانية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة. قال: فذكر لعائشة قولهم في ثوبين وبرد حبرة، فقالت قد أتى بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه. وهكذا رواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن حفص ابن غياث به. وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ انبأنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم ثنا احمد بن مسلم ثنا هناد بن السري ثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة، فاما الحلة فإنما شبه على الناس فيها إنما اشتريت له حلّة ليكفن فيها فتركت. وأخذها عبد الله بن أبى بكر فقال: لأحبسنها حتى أكفن فيها. ثم قال: لو رضيها الله لنبيه ﷺ لكفنه فيها فباعها وتصدق بثمنها. رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى وغيره عن أبى معاوية، ثم رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن أبى معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة. قالت: كفن رسول الله في برد حبرة كانت لعبد الله بن أبى بكر ولف فيها ثم نزعت عنه، فكان عبد الله بن أبى بكر قد أمسك تلك الحلة لنفسه حتى يكفن فيها إذا مات. ثم قال بعد أن أمسكها: ما كنت أمسك لنفسي شيئا منع الله رسول الله ﷺ أن يكفن فيه فتصدق بثمنها عبد الله. وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب سحولية بيض. ورواه النسائي عن إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق. قال الامام احمد حدثنا مسكين بن بكير عن سعيد يعنى ابن عبد العزيز قال قال مكحول حدثني عروة عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب رياط يمانية. انفرد به احمد. وقال أبو يعلى الموصلي ثنا سهل بن حبيب الأنصاري ثنا عاصم بن هلال امام مسجد أيوب ثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر. قال: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية. وقال سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر: ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية. وقال سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب، ووقع في بعض الروايات، ثوبين صحاريين وبرد حبرة. وقال الامام احمد ثنا ابن إدريس ثنا يزيد عن مقسم عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب في قميصه الّذي مات فيه، وحلة نجرانية - الحلة ثوبان - ورواه أبو داود عن احمد بن حنبل وعثمان بن أبى شيبة وابن ماجة عن على بن محمد ثلاثتهم عن عبد الله بن إدريس عن يزيد بن أبى زياد عن مقسم عن ابن عباس بنحوه. وهذا غريب جدا. وقال الإمام احمد أيضا حدثنا عبد الرزاق ثنا سفيان عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. قال: كفن رسول الله ﷺ في ثوبين أبيضين وبرد حمراء. انفرد به احمد من هذا الوجه. وقال أبو بكر الشافعيّ ثنا على بن الحسن ثنا حميد بن الربيع ثنا بكر - يعنى ابن عبد الرحمن - ثنا عيسى - يعنى ابن المختار - عن

стр. 1677

محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبى ليلى عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس. قال: كفن رسول الله في ثوبين أبيضين وبرد حمراء. وقال أبو يعلى ثنا سليمان الشاذكوني ثنا يحيى بن أبى الهيثم ثنا عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس عن الفضل. قال: كفن رسول الله ﷺ في ثوبين أبيضين سحوليين، زاد فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى وبرد احمر. وقد رواه غير واحد عن إسماعيل المؤدب عن يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس عن الفضل. قال: كفن رسول الله ﷺ في ثوبين أبيضين. وفي رواية سحولية فالله أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق أبى طاهر المخلص ثنا احمد بن إسحاق البهلول ثنا عباد بن يعقوب ثنا شريك عن أبى إسحاق. قال: وقعت على مجلس بنى عبد المطلب وهم متوافرون، فقلت لهم: في كم كفن رسول الله ﷺ ؟ قالوا: في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا قباء ولا عمامة قلت: كم أسر منكم يوم بدر؟ قالوا: العباس ونوفل وعقيل. وقد روى البيهقي من طريق الزهري عن على بن الحسين زين العابدين أنه قال: كفن رسول الله في ثلاثة أثواب أحدها برد حمراء حبرة. وقد ساقه الحافظ ابن عساكر من طريق في صحتها نظر عن على بن أبى طالب. قال: كفنت رسول الله ﷺ في ثوبين سحوليين وبرد حبرة. وقد قال أبو سعيد ابن الأعرابي حدثنا إبراهيم بن الوليد ثنا محمد بن كثير ثنا هشام عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة. قال: كفن رسول الله ﷺ في ريطتين وبرد نجرانى. وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن هشام وعمران القطان عن قتادة عن سعيد عن أبى هريرة به. وقد رواه الربيع بن سليمان عن أسد بن موسى ثنا نصر بن طريف عن قتادة ثنا ابن المسيب عن أم سلمة: أن رسول الله كفن في ثلاثة أثواب أحدها برد نجرانى. وقال البيهقي: وفيما روينا عن عائشة بيان سبب الاشتباه على الناس وأن الحبرة أخرت عنه والله أعلم، ثم روى الحافظ البيهقي من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسى عن حسن بن صالح عن هارون بن سعيد. قال: كان عند على مسك فأوصى أن يحنط به، وقال هو من فضل حنوط رسول الله ﷺ . ورواه من طريق إبراهيم بن موسى عن حميد عن حسن عن هارون عن أبى وائل عن على فذكره. كيفية الصلاة عليه ﷺ وقد تقدم الحديث الّذي رواه البيهقي من حديث الأشعث بن طليق، والبزار من حديث الأصبهاني كلاهما عن مرة عن ابن مسعود: في وصية النبي ﷺ أن يغسله رجال أهل بيته، وأنه قال كفنوني في ثيابي هذه أو في يمانية أو بياض مصر، وأنه إذا كفنوه يضعونه على شفير قبره ثم

стр. 1678

ثم يخرجون عنه حتى تصلى عليه الملائكة، ثم يدخل عليه رجال أهل بيته فيصلون عليه، ثم الناس بعدهم فرادى. الحديث بتمامه وفي صحته نظر كما قدمنا والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس. قال: لما مات رسول الله ﷺ أدخل الرجال فصلوا عليه بغير امام أرسالا حتى فرغوا، ثم أدخل النساء فصلين عليه، ثم ادخل الصبيان فصلوا عليه، ثم أدخل العبيد فصلوا عليه أرسالا، لم يأمهم على رسول الله ﷺ أحد. وقال الواقدي حدثني أبى بن عياش بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده. قال: لما أدرج رسول الله ﷺ في أكفانه وضع على سريره، ثم وضع على شفير حفرته، ثم كان الناس يدخلون عليه رفقاء رفقاء لا يؤمهم عليه أحد. قال الواقدي حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم قال وجدت كتابا بخط أبى فيه انه لما كفن رسول الله ﷺ ووضع على سريره، دخل أبو بكر وعمر ﵄ ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار بقدر ما يسع البيت. فقالا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وسلّم المهاجرون والأنصار كما سلّم أبو بكر وعمر ثم صفوا صفوفا لا يؤمهم أحد. فقال أبو بكر وعمر - وهما في الصف الأول حيال رسول الله ﷺ اللهمّ إنا نشهد أنه قد بلغ ما انزل اليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته، وأومن به وحده لا شريك له، فاجعلنا إلهنا ممن يتبع القول الّذي انزل معه، وأجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا وتعرفنا به فإنه كان بالمؤمنين رءوفا رحيما، لا نبتغى بالايمان به بديلا ولا نشتري به ثمنا أبدا، فيقول الناس: آمين آمين ويخرجون ويدخل آخرون حتى صلّى الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان. وقد قيل إنهم صلوا عليه من بعد الزوال يوم الاثنين الى مثله من يوم الثلاثاء، وقيل إنهم مكثوا ثلاثة أيام يصلون عليه كما سيأتي بيان ذلك قريبا والله أعلم. وهذا الصنيع، وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه أمر مجمع عليه لا خلاف فيه، وقد اختلف في تعليله. فلو صح الحديث الّذي أوردناه عن ابن مسعود لكان نصا في ذلك ويكون من باب التعبد الّذي يعسر تعقل (١) معناه. وليس لأحد أن يقول لأنه لم يكن لهم امام لأنا قد قدمنا أنهم إنما شرعوا في تجهيزه ﵇ بعد تمام بيعة أبى بكر ﵁ وأرضاه، وقد قال بعض العلماء إنما لم يؤمهم أحد ليباشر كل واحد من الناس الصلاة عليه منه اليه، ولتكرّر صلاة المسلمين عليه مرة بعد مرة من كل فرد فرد من آحاد الصحابة رجالهم ونساءهم وصبيانهم حتى العبيد والإماء. وأما السهيليّ فقال ما حاصله: إن الله قد أخبر أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر كل واحد من المؤمنين أن يباشر الصلاة عليه منه اليه، والصلاة عليه بعد موته من هذا القبيل، قال وأيضا: فان

стр. 1679

الملائكة لنا في ذلك أئمة فالله أعلم. وقد اختلف المتأخرون من أصحاب الشافعيّ في مشروعية الصلاة على قبره لغير الصحابة. فقيل نعم! لأن جسده ﵇ طرى في قبره لأن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء كما ورد بذلك الحديث في السنن وغيرها فهو كالميت اليوم، وقال آخرون: لا يفعل لأن السلف ممن بعد الصحابة لم يفعلوه، ولو كان مشروعا لبادروا اليه ولثابروا عليه والله أعلم. صفة دفنه ﵇، وأين دفن، وذكر الخلاف في وقته ليلا كان أم نهارا قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج أخبرنى أبى - وهو عبد العزيز بن جريج: أن أصحاب النبي ﷺ ، لم يدروا أين يقبروا النبي ﷺ . حتى قال أبو بكر: سمعت النبي ﷺ يقول لم يقبر نبي الا حيث يموت، فأخروا فراشه وحفروا تحت فراشه ﷺ . وهذا فيه انقطاع بين عبد العزيز بن جريج وبين الصديق فإنه لم يدركه لكن رواه الحافظ أبو يعلى من حديث ابن عباس وعائشة عن أبى بكر الصديق ﵃. فقال حدثنا أبو موسى الهروي ثنا أبو معاوية ثنا عبد الرحمن بن أبى بكر عن ابن أبى مليكة عن عائشة. قالت: اختلفوا في دفن النبي ﷺ حين قبض، فقال أبو بكر سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يقبض النبي إلا في أحب الامكنة اليه» فقال أدفنوه حيث قبض. وهكذا رواه الترمذي عن أبى كريب عن أبى معاوية عن عبد الرحمن بن أبى بكر المليكي عن ابن أبى مليكة عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر سمعت من رسول الله شيئا ما نسيته. قال: «ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الّذي يحب أن يدفن فيه». ادفنوه في موضع فراشه، ثم ان الترمذي ضعف المليكي ثم قال وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه رواه ابن عباس عن أبى بكر الصديق عن النبي ﷺ . وقال الأموي عن أبيه عن ابن إسحاق عن رجل حدثه عن عروة عن عائشة: ان أبا بكر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه لم يدفن نبي قط الا حيث قبض» قال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثني محمد بن سهل التميمي ثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان بالمدينة حفاران فلما مات النبي ﷺ قالوا أين ندفنه؟ فقال أبو بكر ﵁ في المكان الّذي مات فيه، وكان أحدهما يلحد والآخر يشق، فجاء الّذي يلحد فلحد للنّبيّ ﷺ . وقد رواه مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه منقطعا. وقال أبو يعلى حدثنا جعفر بن مهران ثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق حدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال لما أرادوا أن يحفروا للنّبيّ ﷺ وكان أبو عبيدة الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل

стр. 1680

هو الّذي كان يحفر لأهل المدينة وكان يلحد، فدعا العباس رجلين فقال لأحدهما اذهب الى أبى عبيدة وقال للآخر أذهب الى أبى طلحة. اللهمّ خره لرسولك. قال فوجد صاحب أبى طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله ﷺ فلما فرغ من جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه. فقال قائل: ندفنه في مسجده. وقال قائل: ندفنه مع أصحابه. فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض». فرفع فراش رسول الله ﷺ الّذي توفى فيه فحفروا له تحته، ثم ادخل الناس على رسول الله ﷺ يصلون عليه إرسالا الرجال حتى إذا فرغ منهم، ادخل النساء حتى إذا فرغ النساء، ادخل الصبيان ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ أحد. فدفن رسول الله ﷺ من أوسط الليل ليلة الأربعاء. وهكذا رواه ابن ماجة عن نصر بن على الجهضمي عن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن إسحاق فذكر باسناده مثله. وزاد في آخره ونزل في حفرته على بن أبى طالب والفضل وقثم ابنا عباس وشقران مولى رسول الله ﷺ . قال أوس بن خولى - وهو أبو ليلى - لعلى بن أبى طالب: أنشدك الله! وحظنا من رسول الله ﷺ ، قال له على: انزل وكان شقران مولاه أخذ قطيفة كان رسول الله ﷺ يلبسها فدفنها في القبر وقال والله لا يلبسها أحد بعدك! فدفنت مع رسول الله ﷺ . وقد رواه الامام احمد عن حسين بن محمد عن جرير بن حازم عن ابن إسحاق مختصرا، وكذلك رواه يونس بن بكير وغيره عن إسحاق به. وروى الواقدي عن ابن أبى حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عن أبى بكر الصديق عن رسول الله ﷺ : «ما قبض الله نبيا إلا ودفن حيث قبض». وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين أو محمد بن جعفر بن الزبير. قال: لما مات رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه فقالوا كيف ندفنه مع الناس أو في بيوته؟ فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما قبض الله نبيا إلا دفن حيث قبض». فدفن حيث كان فراشه رفع الفراش وحفر تحته. وقال الواقدي حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن عثمان بن محمد الاخنسى عن عبد الرحمن بن سعيد - يعنى ابن يربوع - قال: لما توفى النبي ﷺ اختلفوا في موضع قبره. فقال قائل: في البقيع فقد كان يكثر الاستغفار لهم، وقال قائل: عند منبره، وقال قائل: في مصلاه. فجاء أبو بكر فقال ان عندي من هذا خبرا وعلما، سمعت رسول الله يقول: «ما قبض نبي إلا دفن حيث توفى». قال الحافظ البيهقي وهو في حديث يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد وفي حديث ابن جريج عن أبيه كلاهما عن أبى بكر الصديق عن النبي ﷺ مرسلا. وقال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن سلمة بن نبيط بن شريط عن

стр. 1681

أبيه عن سالم بن عبيد - وكان من أصحاب الصفة -. قال دخل أبو بكر على رسول الله ﷺ حين مات ثم خرج، فقيل له توفى رسول الله ﷺ قال: نعم! فعلموا أنه كما قال وقيل له: أنصلي عليه وكيف نصلي عليه؟ قال: تجيئون عصبا عصبا فتصلون فعلموا انه كما قال. قالوا: هل يدفن واين؟ قال حيث قبض الله روحه فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب، فعلموا أنه كما قال. وروى البيهقي من حديث سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب. قال: عرضت عائشة على أبيها رؤيا وكان من اعبر الناس، قالت رأيت ثلاثة أقمار وقعن في حجري، فقال لها: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك من خير أهل الأرض ثلاثة، فلما قبض رسول الله ﷺ قال يا عائشة: هذا خير أقمارك. ورواه مالك عن يحيى بن سعيد عن عائشة منقطعا. وفي الصحيحين عنها أنها قالت: توفى النبي ﷺ في بيتي وفي يومى وبين سحري ونحري وجمع الله بين ريقي وريقه في آخر ساعة من الدنيا وأول ساعة من الآخرة. وفي صحيح البخاري من حديث أبى عوانة عن هلال الوراق عن عروة عن عائشة. قالت سمعت رسول الله ﷺ في مرضه الّذي مات فيه يقول: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة، ولولا ذلك لا برز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. وقال ابن ماجة حدثنا محمود بن غيلان ثنا هاشم بن القاسم ثنا مبارك بن فضالة حدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك. قال: لما توفى رسول الله ﷺ وكان بالمدينة رجل يلحد والآخر يضرح فقالوا نستخير الله ونبعث اليهما فأيهما سبق تركناه، فأرسل اليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنّبيّ ﷺ . تفرد به ابن ماجة وقد رواه الامام احمد عن أبى النضر هاشم بن القاسم به. وقال ابن ماجة أيضا حدثنا عمر بن شبة عن عبيدة بن يزيد ثنا عبيد بن طفيل ثنا عبد الرحمن بن أبى مليكة حدثني ابن أبى مليكة عن عائشة. قالت: لما مات رسول الله ﷺ اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم. فقال عمر: لا تصخبوا عند رسول الله ﷺ حيا ولا ميتا - أو كلمة نحوها - فأرسلوا الى الشقاق واللاحد جميعا فجاء اللاحد فلحد لرسول الله ﷺ ثم دفن، تفرد به ابن ماجة وقال الامام احمد حدثنا وكيع ثنا العمرى عن نافع عن ابن عمرو عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. ان رسول الله ﷺ ألحد له لحد تفرد به احمد من هذين الوجهين. وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن شعبة وابن جعفر ثنا شعبة حدثني أبو حمزة عن ابن عباس. قال: جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء، وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن شعبة به. وقد رواه وكيع عن شعبة. وقال وكيع: كان هذا خاصا برسول الله ﷺ رواه ابن عساكر. وقال ابن سعد أنبأنا محمد بن عبد الله الأنصاري ثنا أشعث بن عبد الملك الحمرانى عن الحسن: ان رسول الله ﷺ بسط تحته قطيفة حمراء كان يلبسها، قال: وكانت

стр. 1682

أرضا ندية. وقال هشيم بن منصور عن الحسن قال: جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء كان أصابها يوم حنين قال الحسن: جعلها لأن المدينة ارض سبخة. وقال محمد بن سعد ثنا حماد بن خالد الخياط عن عقبة بن أبى الصهباء سمعت الحسن يقول قال رسول الله ﷺ : «افرشوا لي قطيفة في لحدي فان الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء». وروى الحافظ البيهقي من حديث مسدد ثنا عبد الواحد ثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال قال عليّ: غسلت النبي ﷺ فذهبت انظر الى ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا قال وولى دفنه ﵊ وإجنانه دون الناس أربعة، عليّ والعباس والفضل وصالح مولى النبي ﷺ ، ولحد للنّبيّ ﷺ لحدا، ونصب عليه اللبن نصبا. وذكر البيهقي عن بعضهم: أنه نصب على لحده ﵇ تسع لبنات. وروى الواقدي عن ابن أبى سبرة عن عبد الله بن معبد عن عكرمة عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ موضوعا على سريره من حين زاغت الشمس من يوم الاثنين الى ان زاغت الشمس يوم الثلاثاء، يصلّى الناس عليه وسريره على شفير قبره. فلما أرادوا أن يقبروه ﵇ نحوا السرير قبل رجليه فادخل من هناك. ودخل في حفرته العباس وعلى وقثم والفضل وشقران. وروى البيهقي من حديث إسماعيل السدي عن عكرمة عن ابن عباس. قال: دخل قبر رسول الله ﷺ العباس وعليّ والفضل وسوى لحده رجل من الأنصار وهو الّذي سوى لحود قبور الشهداء يوم بدر. قال ابن عساكر: صوابه يوم أحد، وقد تقدم رواية ابن إسحاق عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس. قال: كان الذين نزلوا في قبر رسول الله عليّ والفضل وقثم وشقران، وذكر الخامس وهو أوس بن خولى، وذكر قصة القطيفة التي وضعها في القبر شقران. وقال الحافظ البيهقي أخبرنا أبو طاهر المحمدآبادي ثنا أبو قلابة ثنا أبو عاصم ثنا سفيان بن سعيد هو الثوري عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي قال حدثني أبو مرحب. قال: كأنى انظر اليهم في قبر النبي ﷺ أربعة أحدهم عبد الرحمن بن عوف وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن الصباح عن سفيان عن إسماعيل بن أبى خالد به ثم رواه احمد بن يونس عن زهير عن إسماعيل عن الشعبي حدثني مرحب أو أبو مرحب: أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن ابن عوف، فلما فرغ عليّ قال إنما يلي الرجل اهله. وهذا حديث غريب جدا واسناده جيد قوى ولا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد قال أبو عمر بن عبد البر في استيعابه أبو مرحب اسمه سويد بن قيس، وذكر أبا مرحب آخر وقال لا أعرف خبره. قال ابن الأثير في الغابة: (١) فيحتمل أن يكون راوي هذا الحديث أحدهما أو ثالثا غيرهما ولله الحمد

стр. 1683

ذكر من كان آخر الناس به عهدا ﵊ قال الامام احمد ثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن إسحاق حدثني أبى إسحاق بن يسار عن مقسم أبى القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل عن مولاه عبد الله بن الحارث. قال: اعتمرت مع عليّ في زمان عمر أو زمان عثمان فنزل على أخته أم هاني بنت أبى طالب فلما فرغ من عمرته رجع فسكبت له غسلا فاغتسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق فقالوا: يا أبا حسن جئناك نسألك عن امر نحب ان تخبرنا عنه. قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله ﷺ ، قالوا: أجل! عن ذلك جئنا نسألك. قال: أحدث الناس عهدا برسول الله ﷺ قثم بن عباس. تفرد به احمد من هذا الوجه وقد رواه يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به مثله سواء إلا أنه قال قبله عن ابن إسحاق قال وكان المغيرة بن شعبة يقول: أخذت خاتمي فألقيته في قبر رسول الله ﷺ وقلت حين خرج القوم: إن خاتمي قد سقط في القبر، وانما طرحته عمدا لأمس رسول الله ﷺ فأكون آخر الناس عهدا به. قال ابن إسحاق فحدثني والدي إسحاق بن يسار عن مقسم عن مولاه عن عبد الله بن الحارث. قال: اعتمرت مع عليّ فذكر ما تقدم وهذا الّذي ذكر عن المغيرة بن شعبة لا يقتضي أنه حصل له ما أمله فإنه قد يكون عليّ ﵁ لم يمكنه من النزول في القبر بل امر غيره فناوله إياه، وعلى ما تقدم يكون الّذي امره بمناولته له قثم بن عباس. وقد قال الواقدي حدثني عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. قال: القى المغيرة بن شعبة خاتمه في قبر رسول الله ﷺ . فقال عليّ: إنما ألقيته لتقول نزلت في قبر النبي ﷺ فنزل فأعطاه أوامر رجلا فأعطاه. وقد قال الامام احمد حدثنا بهز وأبو كامل. قالا: ثنا حماد بن سلمة عن أبى عمران الجونى عن أبى عسيب أو أبى غنم قال بهز: إنه شهد الصلاة على النبي ﷺ قالوا كيف نصلي؟ قال: ادخلوا إرسالا إرسالا، فكانوا يدخلون من هذا الباب فيصلون عليه ثم يخرجون من الباب الآخر، قال فلما وضع في لحده قال المغيرة قد بقي من رجليه شيء لم تصلحوه قالوا فادخل فأصلحه فدخل وادخل يده فمس قدميه ﵇. فقال: أهيلوا على التراب فأهالوا عليه حتى بلغ الى انصاف ساقيه ثم خرج فكان يقول: انا أحدثكم عهدا برسول الله ﷺ . متى وقع دفنه ﵊ وقال يونس عن ابن إسحاق حدثتني فاطمة بنت محمد امرأة عبد الله بن أبى بكر وادخلنى عليها حتى سمعته منها عن عمرة عن عائشة. أنها قالت: ما علمنا بدفن النبي ﷺ حتى سمعنا صوة المساحي في جوف ليلة الأربعاء. وقال الواقدي حدثنا ابن أبى سبرة عن الحليس بن هشام عن عبد الله بن وهب عن أم سلمة. قالت بينا نحن مجتمعون نبكي لم نتم ورسول الله ﷺ في بيوتنا ونحن نتسلى

стр. 1684

برؤيته على السرير، إذ سمعنا صوت الكرارين في السحر. قالت أم سلمة: فصحنا وصاح أهل المسجد فارتجت المدينة صيحة واحدة، واذن بلال بالفجر فلما ذكر النبي ﷺ بكى وانتحب فزادنا حزنا (١) وعالج الناس الدخول الى قبره فغلق دونهم، فيا لها من مصيبة ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت إذا ذكرنا مصيبتنا به ﷺ . وقد روى الامام احمد من حديث محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: ان رسول الله ﷺ توفى يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء وقد تقدم مثله في غير ما حديث. وهو الّذي نص عليه غير واحد من الأئمة سلفا وخلفا، منهم سليمان بن طرخان التيمي، وجعفر بن محمد الصادق، وابن إسحاق، وموسى بن عقبة وغيرهم. وقد روى يعقوب بن سفيان عن عبد الحميد عن بكار عن محمد بن شعيب عن الأوزاعي. انه قال: توفى رسول الله ﷺ يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار، ودفن يوم الثلاثاء. وهكذا روى الامام احمد عن عبد الرزاق عن ابن جريج. قال: أخبرت أن رسول الله ﷺ مات في الضحى يوم الاثنين ودفن من الغد في الضحى. وقال يعقوب حدثنا سفيان ثنا سعيد بن منصور ثنا سفيان عن جعفر ابن محمد عن أبيه وعن ابن جريج عن أبى جعفر: ان رسول الله توفى يوم الاثنين، فلبث ذلك اليوم وتلك الليلة ويوم الثلاثاء الى آخر النهار، فهو قول غريب والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من انه ﵇ توفى يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء. ومن الأقوال الغريبة في هذا أيضا ما رواه يعقوب ابن سفيان عن عبد الحميد بن بكار عن محمد بن شعيب عن أبى النعمان عن مكحول. قال: ولد رسول الله يوم الاثنين، واوحى اليه يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين لثنتين وستين سنة ونصف، ومكث ثلاثة أيام لا يدفن يدخل عليه الناس أرسالا أرسالا يصلون لا يصفون ولا يؤمهم عليه أحد. فقوله إنه مكث ثلاثة أيام لا يدفن غريبا، والصحيح أنه مكث بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء بكماله ودفن ليلة الأربعاء كما قدمنا والله أعلم. وضده ما رواه سيف عن هشام عن أبيه قال: توفى رسول الله يوم الاثنين، وغسل يوم الاثنين ودفن ليلة الثلاثاء. قال سيف وحدثنا يحيى بن سعيد مرة بجميعه عن عائشة به، وهذا غريب جدا. وقال الواقدي حدثنا عبد الله ابن جعفر عن ابن أبى عون عن أبى عتيق عن جابر بن عبد الله. قال: رش على قبر النبي ﷺ الماء رشا، وكان الّذي رشه بلال بن رباح بقربة، بدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى الى رجليه، ثم ضرب بالماء الى الجدار لم يقدر على أن يدور من الجدار. وقال سعيد بن منصور عن الدراوَرْديّ عن يزيد (٢) بن عبد الله بن أبى يمن عن أم سلمة. قالت: توفى رسول الله يوم الإثنين،

стр. 1685

ودفن يوم الثلاثاء. وقال ابن خزيمة حدثنا مسلم بن حماد عن أبيه عن عبد الله بن عمر عن كريب عن ابن عباس. قال: توفى رسول الله يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء. وقال الواقدي حدثني أبى ابن عياش بن سهل بن سعيد عن أبيه. قال: توفى رسول الله ﵌ يوم الاثنين، ودفن ليلة الثلاثاء وقال أبو بكر بن أبى الدنيا عن محمد بن سعد: توفى رسول الله يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ودفن يوم الثلاثاء. وقال عبد الله بن محمد بن أبى الدنيا ثنا الحسن بن إسرائيل أبو محمد النهرتيري ثنا عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبى خالد سمعت عبد الله بن أبى أوفى يقول. مات رسول الله ﷺ يوم الإثنين، فلم يدفن إلا يوم الثلاثاء. وهكذا قال سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو جعفر الباقر. فصل في صفة قبره ﵊ قد علم بالتواتر أنه ﵊ دفن في حجرة عائشة التي كانت تختص بها شرقى مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة، ثم دفن بعده فيها أبو بكر ثم عمر ﵄. وقد قال البخاري ثنا محمد بن مقاتل ثنا أبو بكر بن عياش عن سفيان التمار: أنه حدثه أنه رأى قبر النبي ﵌ مسنما، تفرد به البخاري. وقال أبو داود ثنا احمد بن صالح ثنا ابن أبى فديك أخبرنى عمرو بن عثمان بن هاني عن القاسم. قال: دخلت على عائشة وقلت لها: يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله ﵌ وصاحبيه. فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. النبي ﷺ أبو بكر ﵁ عمر ﵁ تفرد به أبو داود. وقد رواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن أبى فديك عن عمرو بن عثمان عن القاسم. قال: فرأيت النبي ﵇ مقدما، وأبو بكر رأسه بين كتفي النبي ﵌، وعمر رأسه عند رجل النبي ﵌. قال البيهقي وهذه الرواية تدل على أن قبورهم مسطحة لأن الحصباء لا تثبت الا على المسطح. وهذا عجيب من البيهقي ﵀ فإنه ليس في الرواية ذكر الحصباء بالكلية، وبتقدير ذلك فيمكن أن يكون مسنما وعليه الحصباء مغروزة بالطين ونحوه. وقد روى الواقدي عن الدراوَرْديّ عن جعفر بن محمد عن أبيه. قال: جعل قبر النبي ﵌ مسطحا. وقال البخاري ثنا فروة بن أبى المغراء ثنا على بن مسهر عن هشام عن عروة عن أبيه قال: لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه فبدت لهم قدم ففزعوا فظنوا أنها قدم النبي ﵌ فما وجد واحد يعلم ذلك حتى قال لهم عروة لا والله ما هي قدم النبي ﵌، ما هي إلا قدم
следующие страницы →