أبيه عن سالم بن عبيد - وكان من أصحاب الصفة -. قال دخل أبو بكر على رسول الله ﷺ حين مات ثم خرج، فقيل له توفى رسول الله ﷺ قال: نعم! فعلموا أنه كما قال وقيل له:
أنصلي عليه وكيف نصلي عليه؟ قال: تجيئون عصبا عصبا فتصلون فعلموا انه كما قال. قالوا: هل يدفن واين؟ قال حيث قبض الله روحه فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب، فعلموا أنه كما قال.
وروى البيهقي من حديث سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب.
قال: عرضت عائشة على أبيها رؤيا وكان من اعبر الناس، قالت رأيت ثلاثة أقمار وقعن في حجري، فقال لها: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك من خير أهل الأرض ثلاثة، فلما قبض رسول الله ﷺ قال يا عائشة: هذا خير أقمارك. ورواه مالك عن يحيى بن سعيد عن عائشة منقطعا. وفي الصحيحين عنها أنها قالت: توفى النبي ﷺ في بيتي وفي يومى وبين سحري ونحري وجمع الله بين ريقي وريقه في آخر ساعة من الدنيا وأول ساعة من الآخرة.
وفي صحيح البخاري من حديث أبى عوانة عن هلال الوراق عن عروة عن عائشة. قالت سمعت رسول الله ﷺ في مرضه الّذي مات فيه يقول:
«لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة، ولولا ذلك لا برز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. وقال ابن ماجة حدثنا محمود بن غيلان ثنا هاشم بن القاسم ثنا مبارك بن فضالة حدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك. قال: لما توفى رسول الله ﷺ وكان بالمدينة رجل يلحد والآخر يضرح فقالوا نستخير الله ونبعث اليهما فأيهما سبق تركناه، فأرسل اليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنّبيّ ﷺ . تفرد به ابن ماجة وقد رواه الامام احمد عن أبى النضر هاشم بن القاسم به. وقال ابن ماجة أيضا حدثنا عمر بن شبة عن عبيدة بن يزيد ثنا عبيد بن طفيل ثنا عبد الرحمن بن أبى مليكة حدثني ابن أبى مليكة عن عائشة. قالت: لما مات رسول الله ﷺ اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم. فقال عمر: لا تصخبوا عند رسول الله ﷺ حيا ولا ميتا - أو كلمة نحوها - فأرسلوا الى الشقاق واللاحد جميعا فجاء اللاحد فلحد لرسول الله ﷺ ثم دفن، تفرد به ابن ماجة وقال الامام احمد حدثنا وكيع ثنا العمرى عن نافع عن ابن عمرو عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. ان رسول الله ﷺ ألحد له لحد تفرد به احمد من هذين الوجهين. وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن شعبة وابن جعفر ثنا شعبة حدثني أبو حمزة عن ابن عباس. قال: جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء، وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن شعبة به. وقد رواه وكيع عن شعبة. وقال وكيع: كان هذا خاصا برسول الله ﷺ رواه ابن عساكر. وقال ابن سعد أنبأنا محمد بن عبد الله الأنصاري ثنا أشعث بن عبد الملك الحمرانى عن الحسن: ان رسول الله ﷺ بسط تحته قطيفة حمراء كان يلبسها، قال: وكانت
стр. 1682
أرضا ندية. وقال هشيم بن منصور عن الحسن قال: جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء كان أصابها يوم حنين قال الحسن: جعلها لأن المدينة ارض سبخة.
وقال محمد بن سعد ثنا حماد بن خالد الخياط عن عقبة بن أبى الصهباء سمعت الحسن يقول قال رسول الله ﷺ : «افرشوا لي قطيفة في لحدي فان الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء».
وروى الحافظ البيهقي من حديث مسدد ثنا عبد الواحد ثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال قال عليّ: غسلت النبي ﷺ فذهبت انظر الى ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا قال وولى دفنه ﵊ وإجنانه دون الناس أربعة، عليّ والعباس والفضل وصالح مولى النبي ﷺ ، ولحد للنّبيّ ﷺ لحدا، ونصب عليه اللبن نصبا. وذكر البيهقي عن بعضهم: أنه نصب على لحده ﵇ تسع لبنات. وروى الواقدي عن ابن أبى سبرة عن عبد الله بن معبد عن عكرمة عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ موضوعا على سريره من حين زاغت الشمس من يوم الاثنين الى ان زاغت الشمس يوم الثلاثاء، يصلّى الناس عليه وسريره على شفير قبره. فلما أرادوا أن يقبروه ﵇ نحوا السرير قبل رجليه فادخل من هناك. ودخل في حفرته العباس وعلى وقثم والفضل وشقران. وروى البيهقي من حديث إسماعيل السدي عن عكرمة عن ابن عباس. قال: دخل قبر رسول الله ﷺ العباس وعليّ والفضل وسوى لحده رجل من الأنصار وهو الّذي سوى لحود قبور الشهداء يوم بدر. قال ابن عساكر:
صوابه يوم أحد، وقد تقدم رواية ابن إسحاق عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس.
قال: كان الذين نزلوا في قبر رسول الله عليّ والفضل وقثم وشقران، وذكر الخامس وهو أوس بن خولى، وذكر قصة القطيفة التي وضعها في القبر شقران. وقال الحافظ البيهقي أخبرنا أبو طاهر المحمدآبادي ثنا أبو قلابة ثنا أبو عاصم ثنا سفيان بن سعيد هو الثوري عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي قال حدثني أبو مرحب. قال: كأنى انظر اليهم في قبر النبي ﷺ أربعة أحدهم عبد الرحمن بن عوف وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن الصباح عن سفيان عن إسماعيل بن أبى خالد به ثم رواه احمد بن يونس عن زهير عن إسماعيل عن الشعبي حدثني مرحب أو أبو مرحب: أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن ابن عوف، فلما فرغ عليّ قال إنما يلي الرجل اهله. وهذا حديث غريب جدا واسناده جيد قوى ولا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد قال أبو عمر بن عبد البر في استيعابه أبو مرحب اسمه سويد بن قيس، وذكر أبا مرحب آخر وقال لا أعرف خبره. قال ابن الأثير في الغابة: (١) فيحتمل أن يكون راوي هذا الحديث أحدهما أو ثالثا غيرهما ولله الحمد
стр. 1683
ذكر من كان آخر الناس به عهدا ﵊
قال الامام احمد ثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن إسحاق حدثني أبى إسحاق بن يسار عن مقسم أبى القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل عن مولاه عبد الله بن الحارث. قال: اعتمرت مع عليّ في زمان عمر أو زمان عثمان فنزل على أخته أم هاني بنت أبى طالب فلما فرغ من عمرته رجع فسكبت له غسلا فاغتسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق فقالوا: يا أبا حسن جئناك نسألك عن امر نحب ان تخبرنا عنه. قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله ﷺ ، قالوا: أجل! عن ذلك جئنا نسألك. قال: أحدث الناس عهدا برسول الله ﷺ قثم بن عباس. تفرد به احمد من هذا الوجه وقد رواه يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به مثله سواء إلا أنه قال قبله عن ابن إسحاق قال وكان المغيرة بن شعبة يقول: أخذت خاتمي فألقيته في قبر رسول الله ﷺ وقلت حين خرج القوم: إن خاتمي قد سقط في القبر، وانما طرحته عمدا لأمس رسول الله ﷺ فأكون آخر الناس عهدا به. قال ابن إسحاق فحدثني والدي إسحاق بن يسار عن مقسم عن مولاه عن عبد الله بن الحارث. قال: اعتمرت مع عليّ فذكر ما تقدم وهذا الّذي ذكر عن المغيرة بن شعبة لا يقتضي أنه حصل له ما أمله فإنه قد يكون عليّ ﵁ لم يمكنه من النزول في القبر بل امر غيره فناوله إياه، وعلى ما تقدم يكون الّذي امره بمناولته له قثم بن عباس.
وقد قال الواقدي حدثني عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. قال: القى المغيرة بن شعبة خاتمه في قبر رسول الله ﷺ . فقال عليّ: إنما ألقيته لتقول نزلت في قبر النبي ﷺ فنزل فأعطاه أوامر رجلا فأعطاه. وقد قال الامام احمد حدثنا بهز وأبو كامل. قالا: ثنا حماد بن سلمة عن أبى عمران الجونى عن أبى عسيب أو أبى غنم قال بهز: إنه شهد الصلاة على النبي ﷺ قالوا كيف نصلي؟ قال: ادخلوا إرسالا إرسالا، فكانوا يدخلون من هذا الباب فيصلون عليه ثم يخرجون من الباب الآخر، قال فلما وضع في لحده قال المغيرة قد بقي من رجليه شيء لم تصلحوه قالوا فادخل فأصلحه فدخل وادخل يده فمس قدميه ﵇. فقال: أهيلوا على التراب فأهالوا عليه حتى بلغ الى انصاف ساقيه ثم خرج فكان يقول: انا أحدثكم عهدا برسول الله ﷺ .
متى وقع دفنه ﵊
وقال يونس عن ابن إسحاق حدثتني فاطمة بنت محمد امرأة عبد الله بن أبى بكر وادخلنى عليها حتى سمعته منها عن عمرة عن عائشة. أنها قالت: ما علمنا بدفن النبي ﷺ حتى سمعنا صوة المساحي في جوف ليلة الأربعاء. وقال الواقدي حدثنا ابن أبى سبرة عن الحليس بن هشام عن عبد الله بن وهب عن أم سلمة. قالت بينا نحن مجتمعون نبكي لم نتم ورسول الله ﷺ في بيوتنا ونحن نتسلى
стр. 1684
برؤيته على السرير، إذ سمعنا صوت الكرارين في السحر. قالت أم سلمة: فصحنا وصاح أهل المسجد فارتجت المدينة صيحة واحدة، واذن بلال بالفجر فلما ذكر النبي ﷺ بكى وانتحب فزادنا حزنا (١) وعالج الناس الدخول الى قبره فغلق دونهم، فيا لها من مصيبة ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت إذا ذكرنا مصيبتنا به ﷺ . وقد روى الامام احمد من حديث محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: ان رسول الله ﷺ توفى يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء وقد تقدم مثله في غير ما حديث. وهو الّذي نص عليه غير واحد من الأئمة سلفا وخلفا، منهم سليمان بن طرخان التيمي، وجعفر بن محمد الصادق، وابن إسحاق، وموسى بن عقبة وغيرهم. وقد روى يعقوب بن سفيان عن عبد الحميد عن بكار عن محمد بن شعيب عن الأوزاعي. انه قال: توفى رسول الله ﷺ يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار، ودفن يوم الثلاثاء. وهكذا روى الامام احمد عن عبد الرزاق عن ابن جريج. قال: أخبرت أن رسول الله ﷺ مات في الضحى يوم الاثنين ودفن من الغد في الضحى. وقال يعقوب حدثنا سفيان ثنا سعيد بن منصور ثنا سفيان عن جعفر ابن محمد عن أبيه وعن ابن جريج عن أبى جعفر: ان رسول الله توفى يوم الاثنين، فلبث ذلك اليوم وتلك الليلة ويوم الثلاثاء الى آخر النهار، فهو قول غريب والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من انه ﵇ توفى يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء. ومن الأقوال الغريبة في هذا أيضا ما رواه يعقوب ابن سفيان عن عبد الحميد بن بكار عن محمد بن شعيب عن أبى النعمان عن مكحول. قال: ولد رسول الله يوم الاثنين، واوحى اليه يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين لثنتين وستين سنة ونصف، ومكث ثلاثة أيام لا يدفن يدخل عليه الناس أرسالا أرسالا يصلون لا يصفون ولا يؤمهم عليه أحد. فقوله إنه مكث ثلاثة أيام لا يدفن غريبا، والصحيح أنه مكث بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء بكماله ودفن ليلة الأربعاء كما قدمنا والله أعلم. وضده ما رواه سيف عن هشام عن أبيه قال: توفى رسول الله يوم الاثنين، وغسل يوم الاثنين ودفن ليلة الثلاثاء. قال سيف وحدثنا يحيى بن سعيد مرة بجميعه عن عائشة به، وهذا غريب جدا. وقال الواقدي حدثنا عبد الله ابن جعفر عن ابن أبى عون عن أبى عتيق عن جابر بن عبد الله. قال: رش على قبر النبي ﷺ الماء رشا، وكان الّذي رشه بلال بن رباح بقربة، بدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى الى رجليه، ثم ضرب بالماء الى الجدار لم يقدر على أن يدور من الجدار. وقال سعيد بن منصور عن الدراوَرْديّ عن يزيد (٢) بن عبد الله بن أبى يمن عن أم سلمة. قالت: توفى رسول الله يوم الإثنين،
стр. 1685
ودفن يوم الثلاثاء. وقال ابن خزيمة حدثنا مسلم بن حماد عن أبيه عن عبد الله بن عمر عن كريب عن ابن عباس. قال: توفى رسول الله يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء. وقال الواقدي حدثني أبى ابن عياش بن سهل بن سعيد عن أبيه. قال: توفى رسول الله ﵌ يوم الاثنين، ودفن ليلة الثلاثاء وقال أبو بكر بن أبى الدنيا عن محمد بن سعد: توفى رسول الله يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ودفن يوم الثلاثاء. وقال عبد الله بن محمد بن أبى الدنيا ثنا الحسن بن إسرائيل أبو محمد النهرتيري ثنا عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبى خالد سمعت عبد الله بن أبى أوفى يقول.
مات رسول الله ﷺ يوم الإثنين، فلم يدفن إلا يوم الثلاثاء. وهكذا قال سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو جعفر الباقر.
فصل في صفة قبره ﵊
قد علم بالتواتر أنه ﵊ دفن في حجرة عائشة التي كانت تختص بها شرقى مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة، ثم دفن بعده فيها أبو بكر ثم عمر ﵄. وقد قال البخاري ثنا محمد بن مقاتل ثنا أبو بكر بن عياش عن سفيان التمار: أنه حدثه أنه رأى قبر النبي ﵌ مسنما، تفرد به البخاري. وقال أبو داود ثنا احمد بن صالح ثنا ابن أبى فديك أخبرنى عمرو بن عثمان بن هاني عن القاسم. قال: دخلت على عائشة وقلت لها: يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله ﵌ وصاحبيه. فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.
النبي ﷺ أبو بكر ﵁ عمر ﵁ تفرد به أبو داود. وقد رواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن أبى فديك عن عمرو بن عثمان عن القاسم. قال: فرأيت النبي ﵇ مقدما، وأبو بكر رأسه بين كتفي النبي ﵌، وعمر رأسه عند رجل النبي ﵌. قال البيهقي وهذه الرواية تدل على أن قبورهم مسطحة لأن الحصباء لا تثبت الا على المسطح. وهذا عجيب من البيهقي ﵀ فإنه ليس في الرواية ذكر الحصباء بالكلية، وبتقدير ذلك فيمكن أن يكون مسنما وعليه الحصباء مغروزة بالطين ونحوه. وقد روى الواقدي عن الدراوَرْديّ عن جعفر بن محمد عن أبيه. قال: جعل قبر النبي ﵌ مسطحا. وقال البخاري ثنا فروة بن أبى المغراء ثنا على بن مسهر عن هشام عن عروة عن أبيه قال: لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه فبدت لهم قدم ففزعوا فظنوا أنها قدم النبي ﵌ فما وجد واحد يعلم ذلك حتى قال لهم عروة لا والله ما هي قدم النبي ﵌، ما هي إلا قدم
стр. 1686
عمر. وعن هشام عن أبيه عن عائشة: أنها أوصت عبد الله بن الزبير لا تدفني معهم وادفني مع صواحبي بالبقيع لا أزكى به ابدا.
قلت: كان الوليد بن عبد الملك حين ولى الامارة في سنة ست وثمانين قد شرع في بناء جامع دمشق وكتب الى نائبة بالمدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز أن يوسع في مسجد المدينة فوسعه حتى من ناحية الشرق (١) فدخلت الحجرة النبويّة فيه. وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن زاذان مولى الفرافصة، وهو الّذي بنى المسجد النبوي أيام [ولاية] عمر بن عبد العزيز على المدينة، فذكر عن سالم بن عبد الله نحو ما ذكره البخاري، وحكى صفة القبور كما رواه أبو داود.
ذكر ما أصاب المسلمين من المصيبة العظيمة بوفاته ﵊
قال البخاري ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد ثنا ثابت عن أنس. قال: لما ثقل النبي ﵌ جعل يتغشاه الكرب. فقالت فاطمة: وا كرب أبتاه. فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» فلما مات قالت: وا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه الى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﵌ التراب؟ تفرد به البخاري ﵀.
وقال الامام احمد حدثنا يزيد ثنا حماد بن زيد ثنا ثابت البناني. قال أنس: فلما دفن النبي ﵌ قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن دفنتم رسول الله ﵌ في التراب ورجعتم.
وهكذا رواه ابن ماجة مختصرا من حديث حماد بن زيد به. وعنده قال حماد: فكان ثابت إذا حدث بهذا الحديث بكى حتى تختلف أضلاعه. وهذا لا يعد نياحة بل هو من باب ذكر فضائله الحق (٢) عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنما قلنا هذا لأن رسول الله ﵌ نهى عن النياحة. وقد روى الامام احمد والنسائي من حديث شعبة سمعت قتادة سمعت مطرفا يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه - فيما أوصى به الى بنيه - أنه قال: ولا تنوحوا عليّ فان رسول الله ﵌ لم ينح عليه.
وقد رواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في النوادر عن عمرو بن ميمون عن شعبة به. ثم رواه عن على بن المديني عن المغيرة بن سلمة عن الصعق بن حزن عن القاسم بن مطيب عن الحسن البصري عن قيس بن عاصم به. قال: لا تنوحوا عليّ فان رسول الله ﵌ لم ينح عليه، وقد سمعته ينهى عن النياحة. ثم رواه عن على عن محمد بن الفضل عن الصعق عن القاسم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عاصم به. وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا عقبة بن سنان ثنا عثمان بن عثمان ثنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة: أن رسول الله ﵌ لم ينح عليه. وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا جعفر بن سليمان ثنا ثابت عن أنس. قال: لما كان اليوم الّذي قدم فيه رسول الله ﵌ المدينة أضاء
стр. 1687
منها كل شيء، فلما كان اليوم الّذي مات فيه أظلم منها كل شيء. قال: وما نفضنا عن رسول الله ﵌ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا. وهكذا رواه الترمذي وابن ماجة جميعا عن بشر بن هلال الصواف عن جعفر بن سليمان الضبعي به وقال الترمذي هذا حديث صحيح (١) غريب.
قلت: وإسناده على شرط الصحيحين، ومحفوظ من حديث جعفر بن سليمان وقد أخرج له الجماعة رواه الناس عنه كذلك. وقد أغرب الكديمي وهو محمد بن يونس ﵀ في روايته له حيث قال ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس. قال: لما قبض رسول الله ﵌ أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا الى بعض، وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها - أو لا يبصرها، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. رواه البيهقي من طريقه كذلك، وقد رواه من طريق غيره من الحفاظ عن أبى الوليد الطيالسي كما قدمنا وهو المحفوظ والله أعلم. وقد روى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر من طريق أبى حفص بن شاهين ثنا حسين ابن احمد بن بسطام بالابلة ثنا محمد بن يزيد الرواسي ثنا سلمة بن علقمة عن داود بن أبى هند عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ. قال: لما دخل رسول الله ﵌ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الّذي مات فيه أظلم منها كل شيء. وقال ابن ماجة ثنا إسحاق بن منصور ثنا عبد الوهاب ابن عطاء العجليّ عن ابن عون عن الحسن عن أبى بن كعب. قال: كنا مع رسول الله ﵌ وإنما وجهنا واحد، فلما قبض نظرنا هكذا وهكذا. وقال أيضا ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا خالي محمد ابن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبى وداعة السهمي حدثني موسى بن عبد الله بن أبى أمية المخزومي حدثني مصعب بن عبد الله عن أم سلمة بنت أبى أمية زوج النبي ﵌. أنها قالت: كان الناس في عهد رسول الله ﵌ إذا قام المصلى يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فتوفى رسول الله ﵌ (وكان أبو بكر) فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه، فتوفى أبو بكر وكان عمر فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، فتوفى عمرو كان عثمان وكانت الفتنة فتلفت الناس يمينا وشمالا. وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد ثنا حماد عن ثابت عن أنس: أن أم أيمن بكت لما قبض رسول الله ﵌ فقيل لها ما يبكيك؟ على النبي ﵌؟ فقالت:
إني قد علمت أن رسول الله سيموت، ولكنى إنما أبكى على الوحي الّذي رفع عنا. هكذا رواه مختصرا. وقد قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن نعيم ومحمد بن النضر الجارودي. قالا: ثنا الحسن بن على الخولانيّ ثنا عمرو بن عاصم الكلابي ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس. قال: ذهب رسول الله ﵌ الى أم أيمن زائرا وذهبت معه،
стр. 1688
فقربت اليه شرابا. فاما كان صائما وأما كان لا يريده فرده. فأقبلت على رسول الله ﵌ تضاحكه.
فقال أبو بكر بعد وفاة النبي ﵌ لعمر: انطلق بنا الى أم أيمن نزورها، فلما انتهينا اليها بكت. فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله قالت: والله ما أبكى أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكى أن الوحي انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان. ورواه مسلم منفردا به عن زهير بن حرب عن عمرو بن عاصم به. وقال موسى بن عقبة في قصة وفاة رسول الله ﷺ وخطبة أبى بكر فيها. قال: ورجع الناس حين فرغ أبو بكر من الخطبة وأم أيمن قاعدة تبكى، فقيل لها ما يبكيك؟ قد أكرم الله نبيه ﵌ فأدخله جنته، وأراحه من نصب الدنيا. فقالت إنما أبكى على خبر السماء كان يأتينا غضا جديدا كل يوم وليلة، فقد انقطع ورفع، فعليه أبكى.
فعجب الناس من قولها. وقد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه وحدثت عن أبى اسامة.
وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري ثنا أبو اسامة حدثني يزيد بن عبد الله عن أبى بردة عن أبى موسى عن النبي ﵌. قال: «إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا يشهد لها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي فأهلكها وهو ينظر اليها فأقر عينه بهلكها حين كذبوه وعصوا أمره». تفرد به مسلم اسنادا ومتنا.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف ابن موسى ثنا عبد الحميد بن عبد العزيز بن أبى رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله - هو ابن مسعود عن النبي ﵌. قال: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتى السلام».
قال وقال رسول الله ﵌: «حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض عليّ أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم».
ثم قال البزار لم نعرف آخره يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه.
قلت: وأما أوله وهو
قوله ﵇: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتى السلام» فقد رواه النسائي من طرق متعددة عن سفيان الثوري وعن الأعمش كلاهما عن عبد الله بن السائب عن أبيه به.
وقد قال الامام احمد حدثنا حسين بن على الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبى الأسود الصنعاني عن أوس بن أوس. قال قال رسول الله ﵌: «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فان صلاتكم معروضة عليّ». قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت - يعنى قد بليت -. قال:
«إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ﵈». وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن عبد الله وعن الحسن بن على، والنسائي عن إسحاق بن منصور ثلاثتهم عن حسين بن على به. ورواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن حسين بن على عن جابر عن أبى الأشعث
стр. 1689
عن شداد بن أوس فذكره. قال شيخنا أبو الحجاج المزي وذلك وهم من ابن ماجة، والصحيح أوس بن أوس وهو الثقفي ﵁.
قلت. وهو عندي في نسخة جيدة مشهورة على الصواب كما
رواه احمد وأبو داود النسائي عن أوس ابن أوس ثم قال ابن ماجة حدثنا عمرو بن سواد المصري ثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبى هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبى الدرداء. قال قال رسول الله ﵌: «أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا ليصل عليّ إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ منها». قال قلت. وبعد الموت؟ قال: «إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ﵈ نبي الله حي ويرزق» وهذا من أفراد ابن ماجة ﵀. وقد عقد الحافظ ابن عساكر ها هنا بابا في إيراد الأحاديث المروية في زيارة قبره الشريف صلوات الله وسلامه عليه دائما الى يوم الدين، وموضع استقصاء ذلك في كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله تعالى.
ذكر ما ورد من التعزية به ﵊
قال ابن ماجة: حدثنا الوليد بن عمرو بن السكين ثنا أبو همام وهو محمد بن الزبرقان الأهوازي ثنا موسى بن عبيدة ثنا مصعب بن محمد عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة. قالت: فتح رسول الله ﵌ بابا بينه وبين الناس - أو كشف سترا - فإذا الناس يصلون وراء أبى بكر، فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم رجاء أن يخلفه فيهم بالذي رآهم. فقال: «يا أيها الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بى عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فانّ أحدا من أمتى لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي» تفرد به ابن ماجة.
وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفقيه ثنا شافع بن محمد ثنا أبو جعفر بن سلامة الطحاوي ثنا المزني ثنا الشافعيّ عن القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن رجالا من قريش دخلوا على أبيه على بن الحسين. فقال ألا أحدثكم عن رسول الله ﵌؟ قالوا بلى! فحدثنا عن أبى القاسم. قال: لما أن مرض رسول الله ﵌ أتاه جبريل فقال يا محمد إن الله أرسلنى إليك تكريما لك وتشريفا لك، وخاصة لك، أسألك عما هو أعلم به منك يقول كيف تجدك؟ قال: «أجدنى يا جبريل مغموما، وأجدنى يا جبريل مكروبا» ثم جاءه اليوم الثاني فقال له ذلك فرد عليه النبي ﵌ كما رد أول يوم، ثم جاءه اليوم الثالث فقال له كما قال أول يوم ورد عليه كما رد، وجاء معه ملك يقال له إسماعيل (١) على مائة ألف ملك كل ملك على مائة ألف ملك، فاستأذن عليه فسأل عنه ثم قال
стр. 1690
جبريل: هذا ملك الموت يستأذن عليك ما استأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك فقال عليه. السلام ائذن له فأذن له فدخل فسلّم عليه ثم قال: يا محمد إن الله أرسلنى إليك فان أمرتنى أن اقبض روحك قبضت، وان أمرتنى ان اتركه تركته. فقال رسول الله: «أو تفعل يا ملك الموت؟» قال نعم! وبذلك أمرت، وأمرت أن أطيعك. قال فنظر النبي ﷺ الى جبريل فقال له جبريل: يا محمد إن الله قد اشتاق الى لقائك، فقال رسول الله ﷺ لملك الموت: «امض لما أمرت به» فقبض روحه، فلما توفى النبي ﷺ وجاءت التعزية سمعوا صوتا من ناحية البيت، السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب. فقال عليّ ﵁: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر ﵇. وهذا الحديث مرسلا وفي اسناده ضعف بحال القاسم العمرى هذا فإنه قد ضعفه غير واحد من الأئمة، وتركه بالكلية آخرون. وقد رواه الربيع عن الشافعيّ عن القاسم عن جعفر عن أبيه عن جده فذكر منه قصة التعزية - فقط موصولا - وفي الاسناد العمرى المذكور قد نبهنا على أمره لئلا يغتر به. على أنه قد رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن أبى جعفر البغدادي
حدثنا عبد الله بن الحارث أو عبد الرحمن بن المرتعد الصغاني ثنا أبو الوليد المخزومي ثنا أنس بن عياض عن جعفر بن محمد عن جابر بن عبد الله. قال: لما توفى رسول الله ﷺ (١) يسمعون الحس ولا يرون الشخص. فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل فائت، ودركا من كل هالك، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المحروم من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم قال البيهقي هذان الاسنادان وان كانا ضعيفين فأحدهما يتأكد بالآخر ويدل على أن له أصلا من حديث جعفر والله أعلم. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو بكر احمد بن بالويه ثنا محمد بن بشر بن مطر ثنا كامل ابن طلحة ثنا عباد بن عبد الصمد عن أنس بن مالك. قال: لما قبض رسول الله ﷺ أحدق به أصحابه فبكوا حوله واجتمعوا فدخل رجل اشهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكى ثم التفت الى أصحاب رسول الله ﷺ فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضا من كل فائت، وخلفا من كل هالك، فإلى الله فأنيبوا واليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلايا فانظروا، فان المصاب من لم يجبر، فانصرف. فقال بعضهم لبعض تعرفون الرجل؟ فقال أبو بكر وعلى: نعم! هذا أخو رسول الله ﷺ الخضر، ثم قال البيهقي عباد بن عبد الصمد ضعيف وهذا منكر بمرة. وقد روى الحارث بن أبى أسامة عن محمد بن سعد أنبأنا هشام بن القاسم ثنا صالح المري عن أبى حازم المدني: أن رسول الله
стр. 1691
حين قبضه الله دخل المهاجرون فوجا فوجا يصلون عليه ويخرجون، ثم دخلت الأنصار على مثل ذلك، ثم دخل أهل المدينة حتى إذا فرغت الرجال دخلت النساء فكان منهن صوت وجزع كبعض ما يكون منهن، فسمعن هزة في البيت يعرفنا (١) فسكتن، فإذا قائل يقول: إن في الله عزاء من كل هالك، وعوض من كل مصيبة، وخلف من كل فائت، والمجبور من جبره الثواب والمصاب من لم يحبره الثواب.
فصل فيما روى من معرفة أهل الكتاب بيوم وفاته ﵇
قال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا عبد الله بن إدريس عن إسماعيل بن خالد عن قيس بن أبى حازم عن جرير بن عبد الله البجلي. قال: كنت باليمن فلقينا رجلين من أهل اليمن ذا كلاع وذا عمرو، فجعلت أحدثهما عن رسول الله ﷺ . قال فقالا لي: إن كان ما تقول حقا فقد مضى صاحبك على أجله منذ ثلاث. قال فأقبلت وأقبلا حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من المدينة فسألناهم فقالوا: قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر والناس صالحون. قال فقالا لي: أخبر صاحبك أنا قد جئنا ولعلنا سنعود إن شاء الله . قال ورجعا الى اليمن فلما أتيت أخبرت أبا بكر بحديثهم قال أفلا جئت بهم. فلما كان بعد قال لي ذو عمرو: يا جرير ان لك على كرامة وإني مخبرك خبرا، أنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمرتم في آخر، وإذا كانت بالسيف كنتم ملوكا تغضبون غضب الملوك وترضون رضى الملوك. هكذا رواه الامام احمد والبخاري عن أبى بكر بن أبى شيبة. وهكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن سفيان عنه. وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم أنبأنا على بن المتوكل ثنا محمد بن يونس ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرميّ ثنا زائدة عن زياد بن علاقة عن جرير. قال: لقيني حبر باليمن وقال لي ان كان صاحبكم نبيا فقد مات يوم الاثنين، هكذا رواه البيهقي وقد قال الامام احمد حدثنا أبو سعيد ثنا زائدة ثنا زياد بن علاقة عن جرير. قال قال لي حبر باليمن: إن كان صاحبكم نبيا فقد مات اليوم. قال جرير:
فمات يوم الاثنين، وقال البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بشران المعدل ببغداد أنبأنا أبو جعفر محمد بن عمرو ثنا محمد بن الهيثم ثنا سعيد بن أبى كبير بن عفير حدثني عبد الحميد بن كعب بن علقمة بن كعب بن عدي التنوخي عن عمرو بن الحارث عن ناعم بن أجيل عن كعب بن عدي. قال: أقبلت في وفد من أهل الحيرة الى النبي ﷺ . فعرض علينا الإسلام فأسلمنا ثم انصرفنا الى الحيرة، فلم
стр. 1692
نلبث أن جاءتنا وفاة النبي ﷺ فارتاب أصحابى وقالوا لو كان نبيا لم يمت. فقلت: قد مات الأنبياء قبله، وثبت على إسلامي ثم خرجت أريد المدينة فمررت براهب كنا لا نقطع أمرا دونه، فقلت له أخبرنى عن أمر أردته نفخ في صدري منه شيء، فقال ائت باسم من الأسماء فأتيته بكعب فقال القه في هذا السفر لسفر أخرجه فألقيت الكعب فيه فصفح فيه فإذا بصفة النبي ﷺ كما رأيته وإذا هو يموت في الحين الّذي مات فيه، قال فاشتدت بصيرتي في إيماني وقدمت على أبى بكر ﵁ فأعلمته وأقمت عنده، فوجهني الى المقوقس فرجعت، ووجهني أيضا عمر بن الخطاب فقدمت عليه بكتابه، فأتيته وكانت وقعة اليرموك ولم أعلم بها فقال لي: أعلمت أن الروم قتلت العرب وهزمتهم؟ فقلت كلا قال ولم؟ قلت إن الله وعد نبيه أن يظهره على الدين كله وليس بمخلف الميعاد. قال فان نبيكم قد صدقكم قتلت الروم والله قتل عاد. قال: ثم سألني عن وجوه أصحاب رسول الله ﷺ فأخبرته وأهدى الى عمر وإليهم. وكان ممن أهدى اليه عليّ وعبد الرحمن والزبير - وأحسبه ذكر العباس - قال كعب وكنت شريكا لعمر في البز في الجاهلية، فلما أن فرض الديوان فرض لي في بنى عدي ابن كعب. وهذا أثر غريب وفيه نبأ عجيب وهو صحيح.
فصل
قال محمد بن إسحاق: ولما توفى رسول الله ﷺ ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم، حتى جمعهم الله على أبى بكر ﵁. قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم أن أكثر أهل مكة لما توفى رسول الله ﷺ هموا بالرجوع عن الإسلام وأرادوا ذلك، حتى خافهم عتاب بن أسيد ﵁ فتوارى. فقام سهيل بن عمرو ﵁، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله ﷺ ، وقال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه، فتراجع الناس وكفوا عما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد. فهذا المقام الّذي أراد رسول الله ﷺ في قوله لعمر بن الخطاب - يعنى حين أشار بقلع ثنيته حين وقع في الأسارى يوم بدر - إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمنه.
قلت: وسيأتي عما قريب إن شاء الله ذكر ما وقع بعد وفاة رسول الله ﷺ من الردة في أحياء كثيرة من العرب، وما كان من أمر مسيلمة بن حبيب المتنبئ باليمامة، والأسود العنسيّ باليمن، وما كان من أمر الناس حتى فاءوا ورجعوا الى الله تائبين نازعين عما كانوا عليه في حال ردتهم من السفاهة والجهل العظيم الّذي استفزهم الشيطان به، حتى نصرهم الله وثبتهم وردهم الى دينه الحق على يدي الخليفة الصديق أبى بكر ﵁ وأرضاه، كما سيأتي مبسوطا مبينا مشروحا ان شاء الله
стр. 1693
فصل
وقد ذكر ابن إسحاق وغيره قصائد لحسان بن ثابت ﵁ في وفاة رسول الله ﷺ ومن أجلّ ذلك وأفصحه وأعظمه، ما رواه عبد الملك بن هشام ﵀ عن أبى زيد الأنصاري أن حسان بن ثابت ﵁ قال يبكى رسول الله ﷺ :
بطيبة رسم للرسول ومعهد … منير وقد تعفو الرسوم وتمهد (١)
ولا تمتحى الآيات من دار حرمة … بها منبر الهادي الّذي كان يصعد
وواضح آيات وباقي معالم … وربع له فيه مصلى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها … من الله نور يستضاء ويوقد
معارف لم تطمس على العهد آيها … أتاها البلا فالآى منها تجدد
عرفت بها رسم الرسول وعهده … وقبرا بها وأراه في الترب ملحد
ظللت بها أبكى الرسول فأسعدت … عيون ومثلاها من الجن تسعد
يذكرن آلاء الرسول ولا أرى … لها محصيا نفسي فنفسي تبلد
مفجعة قد شفها فقد احمد … فظلت لآلاء الرسول تعدد
وما بلغت من كل أمر عشيرة … ولكن لنفسي بعد ما قد توجد
أطالت وقوفا تذرف العين جهدها … على طلل القبر الّذي فيه احمد
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت … بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد (٢)
تهيل عليه الترب أيد وأعين … عليه - وقد غارت بذلك - أسعد
لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة … عشية علّوه الثرى لا يوسد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم … وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
ويبكون من تبكى السموات يومه … ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد
وهل عدلت يوما رزية هالك … رزية يوم مات فيه محمد
تقطع فيه منزل الوحي عنهم … وقد كان ذا نور يغور وينجد
يدل على الرحمن من يقتدى به … وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهدا … معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا
стр. 1694
عفو عن الزلات يقبل عذرهم … وإن يحسنوا فالله بالخير أجود
وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله … فمن عنده تيسير ما يتشدد
فبينا هم في نعمة الله وسطهم … دليل به نهج الطريقة يقصد
عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى … حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
عطوف عليهم لا يثنى جناحه … الى كنف يحنو عليهم ويمهد
فبينا هم في ذلك النور إذ غدا … إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محمودا إلى الله راجعا … يبكيه جفن المرسلات ويحمد
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها … لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
قفارا سوى معمورة اللحد ضافها … فقيد يبكيه بلاط وغرقد
ومسجده فالموحشات لفقده … خلاء له فيها (١) مقام ومقعد
وبالجمرة الكبرى له ثم أوحشت … ديار وعرصات وربع ومولد
فبكى رسول الله يا عين عبرة … ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد
ومالك لا تبكين ذا النعمة التي … على الناس منها سابغ يتغمد
فجودي عليه بالدموع وأعولى … لفقد الّذي لا مثله الدهر يوجد
وما فقد الماضون مثل محمد … ولا مثله حتى القيامة يفقد
أعف وأوفى ذمة بعد ذمة … وأقرب منه نائلا لا ينكد
وأبذل منه للطريف وتالد … إذا ضن معطاء بما كان يتلد
وأكرم حيا في البيوت إذا انتمى … وأكرم جدا أبطحيا يسود
وأمنع ذروات وأثبت في العلا … دعائم عز شاهقات تشيد
وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا (٢) … وعودا غذاه المزن فالعود أغيد
رباه وليدا فاستتم تمامه … على أكرم الخيرات رب ممجد
تناهت وصاة المسلمين بكفه … فلا العلم محبوس ولا الرأى يفند
أقول ولا يلفى لما قلت (٣) عائب … من الناس إلا عازب القول مبعد
وليس هوائي نازعا عن ثنائه … لعلى به في جنة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجو بذاك جواره … وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
وقال الحافظ أبو القاسم السهيليّ في آخر كتابه الروض: وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب
стр. 1695
يبكى رسول الله ﷺ :
أرقت فبات ليلى لا يزول … وليل أخى المصيبة فيه طول
وأسعدنى البكاء وذاك فيما … أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتنا وجلت … عشية قيل قد قبض الرسول
وأضحت أرضنا ممّا عراها … تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحي والتنزيل فينا … يروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحق ما سالت عليه … نفوس الناس أو كربت (١) تسيل
نبي كان يجلو الشك عنا … بما يوحى اليه وما يقول
ويهدينا فلا تخشى ضلالا … علينا والرسول لنا دليل
أفاطم إن جزعت فذاك عذر … وإن لم تجزعي ذاك السبيل
فقبر أبيك سيد كل قبر … وفيه سيد الناس الرسول
باب
بيان أن النبي ﷺ لم يترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا ولا شيئا يورث عنه، بل أرضا جعلها كلها صدقة لله ، فان الدنيا بحذافيرها كانت أحقر عنده - كما هي عند الله - من أن يسعى لها أو يتركها بعده ميراثا صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين وسلّم تسليما كثيرا دائما الى يوم الدين.
قال البخاري: حدثنا قتيبة ثنا أبو الأحوص عن أبى إسحاق عن عمرو بن الحارث. قال:
ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة. انفرد به البخاري دون مي سلم فرواه في أماكن من صحيحه من طرق متعددة عن أبى الأحوص وسفيان الثوري وزهير بن معاوية، ورواه الترمذي من حديث إسرائيل والنسائي أيضا من حديث يونس بن أبى إسحاق كلهم عن أبى إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي عن عمرو بن الحارث بن المصطلق بن أبى ضرار أخى جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵄ به. وقد رواه الامام احمد: حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش وابن نمير عن الأعمش عن شقيق عن مسروق عن عائشة. قالت: ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء. وهكذا رواه مي سلم منفردا به عن البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة من طرق متعددة
стр. 1696
عن سليمان بن مهران الأعمش عن شقيق بن سلمة أبى وائل عن مسروق بن الأجدع عن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من فوق سبع سماوات ﵂ وأرضاها وقال الامام احمد: حدثنا إسحاق بن يوسف عن سفيان عن عاصم عن ذر بن حبيش عن عائشة.
قالت: ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا أمة ولا عبدا ولا شاة ولا بعيرا. وحدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عاصم عن ذر عن عائشة: ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا. قال سفيان: وأكثر علمي وأشك في العبد والأمة. وهكذا رواه الترمذي في الشمائل عن بندار عن عبد الرحمن بن مهدي به. قال الامام احمد. وحدثنا وكيع ثنا مسعر عن عاصم بن أبى النجود عن ذر عن عائشة. قالت: ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا. هكذا رواه الامام احمد من غير شك. وقد رواه البيهقي عن أبى زكريا بن أبى إسحاق المزكي عن أبى عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الوهاب أنبأنا جعفر بن عون أنبأنا مسعر عن عاصم عن ذر. قال قالت عائشة: تسألونى عن ميراث رسول الله ﷺ ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة، قال مسعر: أراه قال ولا شاة ولا بعيرا.
قال وأنبأنا مسعر عن عدي بن ثابت عن على بن الحسين. قال: ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة وقد ثبت في الصحيحين من حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة:
أن رسول الله ﷺ اشترى طعاما من يهودي الى أجل، ورهنه درعا من حديد. وفي لفظ للبخاريّ رواه عن قبيصة عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂. قالت:
توفى النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين. ورواه البيهقي من حديث يزيد بن هارون عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عنها. قالت: توفى النبي ﷺ ودرعه مرهونة بثلاثين صاعا من شعير. ثم قال رواه البخاري عن محمد بن كثير عن سفيان. ثم قال البيهقي أنبأنا على بن احمد بن عبدان أنبأنا أبو بكر محمد بن حمويه العسكري ثنا جعفر بن محمد القلانسي ثنا آدم ثنا شيبان عن قتادة عن أنس. قال: لقد دعي رسول الله ﷺ على خبز شعير وإهالة سنخة (١).
قال أنس ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والّذي نفس محمد بيده ما أصبح عند آل محمد صاع بر ولا صاع تمر». وإن له يومئذ تسع نسوة، ولقد رهن درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه طعاما فما وجد ما يفتكها به حتى مات ﷺ . وقد روى ابن ماجة بعضه من حديث شيبان بن عبد الرحمن النحويّ عن قتادة به.
وقال الامام احمد: حدثنا عبد الصمد ثنا ثابت ثنا هلال عن عكرمة عن ابن عباس، أن النبي ﷺ نظر الي أحد. فقال: «والّذي نفسي بيده ما يسرني أحدا لآل محمد ذهبا
стр. 1697
أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت وعندي منه ديناران إلا أن أرصدهما لدين». قال فمات فما ترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة، فترك درعه رهنا عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير وقد روى آخره ابن ماجة عن عبد الله بن معاوية الجمحيّ عن ثابت بن يزيد عن هلال بن خباب العبديّ الكوفي به. ولأوله شاهد في الصحيح من حديث أبى ذر ﵁.
وقد قال الامام احمد حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان. قالوا: حدثنا ثابت - هو ابن يزيد - ثنا هلال - هو ابن خباب - عن عكرمة عن ابن عباس. أن النبي ﷺ دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه. فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا؟ فقال: «ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها». تفرد به احمد وإسناده جيد. وله شاهد من حديث ابن عباس عن عمر في المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ ، وقصة الإيلاء. وسيأتي الحديث مع غيره مما شاكله في بيان زهده ﵇ وتركه الدنيا، وإعراضه عنها، واطراحه لها، وهو مما يدل على ما قلناه من أنه ﵇ لم تكن الدنيا عنده ببال وقال الامام احمد: حدثنا سفيان ثنا عبد العزيز بن رفيع. قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس فقال ابن عباس: ما ترك رسول الله ﷺ إلا ما بين هذين اللوحين. قال ودخلنا على محمد بن على فقال مثل ذلك. وهكذا رواه البخاري عن قتيبة عن سفيان بن عيينة به. وقال البخاري حدثنا أبو نعيم ثنا مالك بن مغول عن طلحة قال سألت عبد الله بن أبى أوفى أأوصى النبي ﷺ ؟ فقال لا. فقلت كيف كتب على الناس الوصية، أو أمروا بها؟ قال أوصى بكتاب الله . وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأهل السنن إلا أبا داود من طرق عن مالك بن مغول به.
وقال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول.
تنبيه: قد ورد أحاديث كثيرة سنوردها قريبا بعد هذا الفصل في ذكر أشياء كان يختص بها صلوات الله وسلامه عليه في حياته من دور ومساكن لنسائه وإماء وعبيد وخيول وإبل وغنم وسلاح وبغلة وحمار وثياب وأثاث وخاتم وغير ذلك مما سنوضحه بطرقه ودلائله، فلعله ﵇ تصدق بكثير منها في حياته منجزا، وأعتق من أعتق من إمائه وعبيده، وأرصد ما أرصده من أمتعته، مع ما خصه الله به من الأرضين من بنى النضير وخيبر وفدك في مصالح المسلمين على ما سنبينه إن شاء الله، إلا أنه لم يخلف من ذلك شيئا يورث عنه قطعا لما سنذكره قريبا وبالله المستعان.
стр. 1698
باب بيان أنه ﵇ قال لا نورث
قال الامام احمد: حدثنا سفيان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة يبلغ به، وقال مرة قال قال رسول الله ﷺ : «لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة».
وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من طرق عن مالك بن أنس عن أبى الزناد عبد الله ابن ذكوان عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبى هريرة. أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة» لفظ البخاري. ثم
قال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: أن أزواج النبي ﷺ حين توفى رسول الله ﷺ أردن أن يبعثن عثمان الى أبى بكر ليسألنه ميراثهن، فقالت عائشة:
أليس قد قال رسول الله ﷺ : «لا نورث، ما تركنا صدقة؟» وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى وأبو داود عن القعنبي والنسائي عن قتيبة كلهم عن مالك به فهذه إحدى النساء الوارثات - إن لو قدّر ميراث - قد اعترفت أن رسول الله ﷺ جعل ما تركه صدقة لا ميراثا، والظاهر أن بقية أمهات المؤمنين وافقنها على ما روت، وتذكرن ما قالت لهن من ذلك فان عبارتها تؤذن بأن هذا أمر مقرر عندهن والله أعلم.
وقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن أبان ثنا عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة. أن النبي ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة». وقال البخاري باب قول رسول الله لا نورث ما تركنا صدقة:
حدثنا عبد الله بن محمد ثنا هشام أنبأنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر ﵁ يلتمسان ميراثهما من رسول الله ﷺ وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر. فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال». قال أبو بكر والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيه إلا صنعته، قال فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت. وهكذا
رواه الامام احمد عن عبد الرزاق عن معمر، ثم رواه احمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ميراثها مما ترك مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله ﷺ . قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» فغضبت فاطمة وهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت. قال وعاشت فاطمة بعد وفاة رسول الله ﷺ ستة أشهر، وذكر تمام الحديث هكذا قال الامام احمد. وقد روى البخاري هذا الحديث في كتاب المغازي من صحيحه عن ابن أبى بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري
стр. 1699
عن عروة عن عائشة كما تقدم، وزاد، فلما توفيت دفنها عليّ ليلا ولم يؤذن أبا بكر وصلى عليها، وكان لعلى من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر عليّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبى بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الأشهر، فأرسل الى أبى بكر ايتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر. فقال عمر: والله لا تدخل عليهم وحدك. قال أبو بكر: وما عسى أن يصنعوا بى؟ والله لآتينهم. فانطلق أبو بكر ﵁ وقال إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك، ولكنكم استبددتم بالأمر وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله ﷺ أن لنا في هذا الأمر نصيبا، فلم يزل على يذكر حتى بكى أبو بكر ﵁. وقال:
والّذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب الىّ أن أصل من قرابتي، وأما الّذي شجر بينكم في هذه الأموال فانى لم آل فيها عن الخير، ولم أترك أمرا صنعه رسول الله ﷺ إلا صنعته. فلما صلى أبو بكر ﵁ الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن عليّ وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر به، وتشهد على ﵁ فعظم حق أبى بكر وذكر فضيلته وسابقته، وحدث أنه لم يحمله على الّذي صنع نفاسة على أبى بكر، ثم قام الى أبى بكر ﵄ فبايعه. فأقبل الناس على عليّ فقالوا أحسنت. وكان الناس الى على قريبا حين راجع الأمر بالمعروف (١). وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق متعددة عن الزهري عن عروة عن عائشة بنحوه. فهذه البيعة التي وقعت من على ﵁، لأبى بكر ﵁، بعد وفاة فاطمة ﵂، بيعة مؤكدة للصلح الّذي وقع بينهما، وهي ثانية للبيعة التي ذكرناها أولا يوم السقيفة كما رواه ابن خزيمة وصححه مسلم بن الحجاج، ولم يكن على مجانبا لأبى بكر هذه الستة الأشهر، بل كان يصلى وراءه ويحضر عنده للمشورة، وركب معه الى ذي القصة كما سيأتي. وفي صحيح البخاري أن أبا بكر ﵁ صلى العصر بعد وفاة رسول الله ﷺ بليال، ثم خرج من المسجد فوجد الحسن بن على يلعب مع الغلمان، فاحتمله على كاهله وجعل يقول: يا بأبي شبه النبي، ليس شبيها بعلي. وعلى يضحك. ولكن لما وقعت هذه البيعة الثانية اعتقد بعض الرواة أن عليا لم يبايع قبلها فنفى ذلك، والمثبت مقدم على النافي كما تقدم وكما تقرر والله أعلم. وأما تغضب فاطمة ﵂ وأرضاها على أبى بكر ﵁ وأرضاه فما أدرى ما وجهه، فان كان لمنعه إياها ما سألته من الميراث فقد اعتذر اليها بعذر يجب قبوله وهو ما
رواه عن أبيها رسول الله ﷺ أنه قال «لا نورث ما تركنا صدقة» وهي ممن تنقاد لنص الشارع الّذي خفي عليها قبل سؤالها الميراث كما خفي على أزواج النبي ﷺ
стр. 1700
حتى أخبرتهن عائشة بذلك، ووافقنها عليه، وليس يظن بفاطمة ﵂ أنها اتهمت الصديق ﵁ فيما أخبرها به، حاشاها وحاشاه من ذلك، كيف وقد وافقه على رواية هذا الحديث عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبى طالب، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن ابن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص، وأبو هريرة، وعائشة ﵃ أجمعين كما سنبينه قريبا. ولو تفرد بروايته الصديق ﵁ لوجب على جميع أهل الأرض قبول روايته والانقياد له في ذلك، وإن كان غضبها لأجل ما سألت الصديق إذ كانت هذه الأراضي صدقة لا ميراثا أن يكون زوجها ينظر فيها، فقد اعتذر بما حاصله أنه لما كان خليفة رسول الله ﷺ فهو يرى أن فرضا عليه أن يعمل بما كان يعمله رسول الله ﷺ ، ويلي ما كان يليه رسول الله، ولهذا قال: وإني والله لا أدع امرا كان يصنعه فيه رسول الله ﷺ إلا صنعته، قال فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت. وهذا الهجران والحالة هذه فتح على فرقة الرافضة شرا عريضا، وجهلا طويلا، وأدخلوا أنفسهم بسببه فيما لا يعنيهم ولو تفهموا الأمور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله، وقبلوا عنه عذره الّذي يجب على كل أحد قبوله، ولكنهم طائفة مخذولة، وفرقة مرذولة، يتمسكون بالمتشابه، ويتركون الأمور المحكمة المقدرة عند أئمة الإسلام، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الاعصار والأمصار ﵃ وأرضاهم أجمعين.
بيان رواية الجماعة لما رواه الصديق وموافقتهم على ذلك
قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرنى مالك ابن أوس بن الحدثان وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذكرا من حديثه ذلك فانطلقت حتى دخلت عليه فسألته فقال انطلقت حتى أدخل على عمر فأتاه حاجبه يرفا فقال هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ قال نعم! فأذن لهم ثم قال: هل لك في عليّ وعباس؟ قال نعم! قال عباس: يا أمير المؤمنين أقض بيني وبين هذا، قال أنشدكم بالله الّذي باذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون
أن رسول الله ﷺ . قال: «لا نورث ما تركنا صدقة؟» يريد رسول الله ﷺ نفسه؟ قال الرهط قد قال ذلك، فأقبل على عليّ وعباس فقال: هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قد قال ذلك؟ قالا قد قال ذلك قال عمر بن الخطاب فانى أحدثكم عن هذا الأمر إن الله كان قد خص لرسول الله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، قال (ما أفاء الله على رسوله) الى قوله (قدير) فكانت خالصة لرسول الله ﷺ ، والله ما احتازها دونكم، ولا استأثرها عليكم، لقد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ثم
стр. 1701
يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله حياته أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا نعم! ثم قال لعلى وعباس: أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك! فتوفى الله نبيه فقال أبو بكر ﵁: أنا ولى رسول الله ﷺ فقبضها فعمل بما عمل به رسول الله ﷺ ، ثم توفى الله أبا بكر فقلت أنا ولى ولي رسول الله ﷺ فقبضتها سنتين أعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ وأبو بكر، ثم جئتمانى وكلمتكما واحدة وأمركما جميع، حتى جئتني تسألنى نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا ليسألنى نصيب امرأته من أبيها، فقلت إن شئتما دفعتها اليكما بذلك، فتلتمسان منى قضاء غير ذلك! فو الله الّذي باذنه تقوم السماء والأرض لا أقضى فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فان عجزتما فادفعاها الىّ فأنا أكفيكماها. وقد رواه البخاري في أماكن متفرقة من صحيحه، ومسلم وأهل السنن من طرق عن الزهري به. وفي رواية في الصحيحين فقال عمر: فوليها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ والله يعلم أنه صادق بارّ راشد تابع للحق، ثم وليتها فعملت فيها بما عمل رسول الله ﷺ وأبو بكر، والله يعلم أنى صادق بارّ راشد تابع للحق. ثم جئتمانى فدفعتا إليكما لتعملا فيها بما عمل رسول الله وأبو بكر وعملت فيها أنا، أنشدكم بالله أدفعتها اليهما بذلك؟ قالوا نعم. ثم قال لهما. أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا نعم، قال أفتلتمسان منى قضاء غير ذلك! لا والّذي باذنه تقوم السماء والأرض. وقال الامام احمد حدثنا سفيان عن عمرو عن الزهري عن مالك بن أوس قال سمعت عمر يقول لعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد: نشدتكم بالله الّذي تقوم السماء والأرض بأمره أعلمتم
أن رسول الله ﷺ . قال: «لا نورث ما تركنا صدقة؟» قالوا نعم! على شرط الصحيحين.
قلت: وكان الّذي سألاه - بعد تفويض النظر اليهما والله أعلم - هو أن يقسم بينهما النظر فيجعل لكل واحد منهما نظر ما كان يستحقه بالأرض لو قدر أنه كان وارثا، وكأنهما قدما بين أيديهما جماعة من الصحابة منهم عثمان وابن عوف وطلحة والزبير وسعد، وكان قد وقع بينهما خصومة شديدة بسبب اشاعة النظر بينهما، فقالت الصحابة الذين قدموهم بين أيديهما: يا أمير المؤمنين اقض بينهما، أو أرح أحدهما من الآخر. فكأن عمر ﵁ تحرج من قسمة النظر بينهما بما يشبه قسمة الميراث ولو في الصورة الظاهرة محافظة على امتثال
قوله ﷺ «لا نورث ما تركنا صدقة» فامتنع عليهم كلهم وأبى من ذلك أشد الاباء ﵁ وأرضاه. ثم إن عليا والعباس استمرا على ما كان عليه ينظران فيها جميعا الى زمان عثمان بن عفان، فغلبه عليها على وتركها له العباس بإشارة ابنه عبد الله ﵄ بين يدي عثمان، كما رواه احمد في مسندة. فاستمرت في أيدي العلويين. وقد تقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في مسندي الشيخين أبى بكر وعمر ﵄، فانى ولله الحمد جمعت لكل واحد منهما مجلدا ضخما مما رواه عن رسول الله ﷺ ، ورآه
стр. 1702
من الفقه النافع الصحيح، ورتبته على أبواب الفقه المصطلح عليها اليوم. وقد روينا أن فاطمة ﵂ احتجت أولا بالقياس وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي، وأنها سلمت له ما قال. وهذا هو المظنون بها ﵂.
وقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة أن فاطمة قالت لأبى بكر: من يرثك إذا مت؟ قال ولدى وأهلي، قالت فما لنا لا نرث رسول الله ﷺ ؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن النبي لا يورث» ولكنى أعول من كان رسول الله ﷺ يعول وأنفق على من كان رسول الله ﷺ ينفق. وقد رواه الترمذي في جامعه عن محمد بن المثنى عن أبى الوليد الطيالسي عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة، فذكره بوصل الحديث. وقال الترمذي حسن صحيح غريب. فأما الحديث الّذي
قال الامام احمد حدثنا عبد الله بن محمد بن أبى شيبة ثنا محمد بن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبى الطفيل. قال: لما قبض رسول الله ﷺ أرسلت فاطمة الى أبى بكر أأنت ورثت رسول الله أم أهله؟ فقال: لا بل أهله، فقالت فأين سهم رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده» فرأيت أن أرده على المسلمين. قالت فأنت وما سمعت من رسول الله ﷺ . وهكذا رواه أبو داود عن عثمان بن أبى شيبة عن محمد بن فضيل به. ففي لفظ هذا الحديث غرابة ونكارة، ولعله روى بمعنى ما فهمه بعض الرواة، وفيهم من فيه تشيع فليعلم ذلك. وأحسن ما فيه
قولها أنت وما سمعت من رسول الله ﷺ ، وهذا هو الصواب والمظنون بها، واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها، ﵂، وكأنها سألته بعد هذا أن يجعل زوجها ناظرا على هذه الصدقة فلم يجبها إلى ذلك لما قدمناه، فتعتبت عليه بسبب ذلك وهي امرأة من بنات آدم تأسف كما يأسفون وليست بواجبة العصمة مع وجود نص رسول الله ﷺ ، ومخالفة أبى بكر الصديق ﵂ وقد روينا عن أبى بكر ﵁: أنه ترضى فاطمة وتلاينها قبل موتها فرضيت ﵂.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عبد الوهاب ثنا عبدان بن عثمان العتكيّ بنيسابور أنبأنا أبو حمزة عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي. قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال على يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ فقالت أتحب أن آذن له؟ قال نعم! فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت. وهذا إسناد جيد قوى، والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من عليّ، أو ممن سمعه من على، وقد اعترف علماء أهل البيت بصحة ما حكم به أبو بكر في ذلك. قال الحافظ البيهقي أنبأنا محمد
стр. 1703
ابن عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله الصفار ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا نصر بن على ثنا ابن داود عن فضيل بن مرزوق. قال قال زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب: أما أنا فلو كنت مكان أبى بكر لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك.
فصل
وقد تكلمت الرافضة في هذا المقام بجهل، وتكلفوا ما لا علم لهم به، وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، ولما يأتهم تأويله، وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم، وحاول بعضهم أن يرد خبر أبى بكر ﵁ فيما ذكرناه بأنه مخالف للقرآن حيث يقول الله تعالى ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ الآية. وحيث قال تعالى إخبارا عن زكريا أنه قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾. واستدلالهم بهذا باطل من وجوه، أحدها أن قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ إنما يعنى بذلك في الملك والنبوة، أي جعلناه قائما بعده فيما كان يليه من الملك وتدبير الرعايا، والحكم بين بنى إسرائيل، وجعلناه نبيا كريما كأبيه وكما جمع لأبيه الملك والنبوة كذلك جعل ولده بعده، وليس المراد بهذا وراثة المال لأن داود كما ذكره كثير من المفسرين كان له أولاد كثيرون يقال مائة، فلم اقتصر على ذكر سليمان من بينهم لو كان المراد وراثة المال؟ إنما المراد وراثة القيام بعده في النبوة والملك، ولهذا قال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ وما بعدها من الآيات. وقد أشبعنا الكلام على هذا في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة كثيرا.
وأما قصة زكريا فإنه ﵇ من الأنبياء الكرام، والدنيا كانت عنده أحقر من أن يسأل الله ولدا ليرثه في ماله، كيف؟ وإنما كان نجارا يأكل من كسب يده كما رواه البخاري، ولم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل الله ولدا يرث عنه ماله - أن لو كان له مال - وإنما سأل ولدا صالحا يرثه في النبوة والقيام بمصالح بنى إسرائيل، وحملهم على السداد. ولهذا قال تعالى: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا * إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا، * قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ القصة بتمامها. فقال وليا يرثني ويرث من آل يعقوب، يعنى النبوة كما قررنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة. وقد تقدم
في رواية أبى سلمة عن أبى هريرة عن أبى بكر. أن رسول الله ﷺ قال: «النبي لا يورث» وهذا اسم جنس يعم كل الأنبياء وقد حسنه الترمذي.
وفي الحديث الآخر «نحن معشر الأنبياء لا نورث».
стр. 1704
والوجه الثاني: أن رسول الله ﷺ قد خص من بين الأنبياء بأحكام لا يشاركونه فيها كما سنعقد له بابا مفردا في آخر السيرة إن شاء الله، فلو قدر أن غيره من الأنبياء يورثون - وليس الأمر كذلك - لكان ما رواه من ذكرنا من الصحابة الذين منهم الأئمة الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى مبينا لتخصيصه بهذا الحكم دون ما سواه.
والثالث: أنه يجب العمل بهذا الحديث والحكم بمقتضاه كما حكم به الخلفاء، واعترف بصحته العلماء، سواء كان من خصائصه أم لا. فإنه
قال: «لا نورث ما تركناه صدقة» إذ يحتمل من حيث اللفظ أن يكون
قوله ﵇ «ما تركنا صدقة» أن يكون خبرا عن حكمه أو حكم سائر الأنبياء معه على ما تقدم وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون إنشاء وصيته كأنه يقول لا نورث لأن جميع ما تركناه صدقة، ويكون تخصيصه من حيث جواز جعله ماله كله صدقة، والاحتمال الأول أظهر. وهو الّذي سلكه الجمهور. وقد يقوى المعنى الثاني بما تقدم من
حديث مالك وغيره عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة. أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة» وهذا اللفظ مخرج في الصحيحين، وهو يرد تحريف من قال من الجهلة من طائفة الشيعة في رواية هذا الحديث ما تركنا صدقة بالنصب، جعل - ما - نافية، فكيف يصنع بأول الحديث وهو قوله لا نورث؟! وبهذه الرواية
«ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة» وما شأن هذا إلا كما حكى عن بعض المعتزلة أنه قرأ على شيخ من أهل السنة ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ بنصب الجلالة، فقال له الشيخ: ويحك كيف تصنع بقوله تعالى ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ والمقصود أنه يجب العمل
بقوله ﷺ «لا نورث ما تركنا صدقة» على كل تقدير احتمله اللفظ والمعنى فإنه مخصص لعموم آية الميراث، ومخرج له ﵇ منها، إما وحده أو مع غيره من إخوانه الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام.
باب ذكر زوجاته صلوات الله وسلامه عليه ورضى عنهن وأولاده ﷺ
قال الله تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً، * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، * وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ لا خلاف أنه ﵇ توفى عن تسع وهن، عائشة بنت أبى بكر الصديق التيمية، وحفصة بنت عمر بن الخطاب
стр. 1705
العدوية، وأم حبيبة رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب بن أبى أمية الأموية، وزينب بنت جحش الأسدية، وأم سلمة هند بنت أبى أمية المخزومية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وسودة بنت زمعة العامرية، وجويرية بنت الحارث بن أبى ضرار المصطلقية، وصفية بنت حيىّ بن أخطب النضرية الإسرائيلية الهارونية، ﵅ وأرضاهن. وكانت له سريتان وهما، مارية بنت زمعة العامرية، وجويرية بنت الحارث بن أبى ضرار المصطلقية، وصفية بنت حيىّ بن أخطب النضرية الإسرائيلية الهارونية، ﵅ وأرضاهن. وكانت له سريتان وهما، مارية بنت شمعون القبطية المصرية من كورة انصنا وهي أم ولده إبراهيم ﵇، وريحانة بنت (١) شمعون القرظية أسلمت ثم أعتقها فلحقت بأهلها. ومن الناس من يزعم أنها احتجبت عندهم والله أعلم. وأما الكلام على ذلك مفصلا ومرتبا من حيث ما وقع أولا فأولا مجموعا من كلام الأئمة ﵏ فنقول وبالله المستعان.
روى الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة قال: تزوج رسول الله ﷺ بخمس عشرة امرأة، دخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده احدى عشرة، ومات عن تسع. ثم ذكر هؤلاء التسع اللاتي ذكرناهن ﵅. ورواه سيف بن عمر عن سعيد عن قتادة عن أنس والأول أصح (٢). ورواه سيف بن عمر التميمي عن سعيد عن قتادة عن أنس وابن عباس مثله. وروى عن سعيد بن عبد الله عن عبد الله بن أبى مليكة عن عائشة مثله. قالت فالمرأتان اللتان لم يدخل بهما فهما، عمرة بنت يزيد الغفارية والشنباء، (٣) فأما عمرة فإنه خلا بها وجردها فرأى بها وضحا فردها وأوجب لها الصداق وحرمت على غيره، وأما الشنباء فلما أدخلت عليه لم تكن يسيرة فتركها ينتظر بها اليسر (٤) فلما مات ابنه إبراهيم على بغتة ذلك قالت: لو كان نبيا لم يمت ابنه، فطلقها وأوجب لها الصداق وحرمت على غيره، قالت فاللاتى اجتمعن عنده، عائشة وسودة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة وزينب بنت جحش وزينب بنت خزيمة وجويرية وصفية وميمونة وأم شريك.
قلت: وفي صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يطوف على نسائه وهن إحدى عشرة امرأة. والمشهور أن أم شريك لم يدخل بها كما سيأتي بيانه ولكن المراد بالإحدى عشرة اللاتي كان يطوف عليهنّ التسع المذكورات والجاريتان مارية وريحانة. وروى يعقوب بن سفيان
стр. 1706
الفسورى عن الحجاج بن أبى منيع عن جده عبيد الله بن أبى زياد الرصافيّ عن الزهري - وقد علقه البخاري في صحيحه عن الحجاج هذا - وأورد له الحافظ ابن عساكر طرفا عنه أن أول امرأة تزوجها رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، زوجه إياها أبوها قبل البعثة. وفي رواية قال الزهري: وكان عمر رسول الله ﷺ يوم تزوج خديجة إحدى وعشرين سنة، وقيل خمسا وعشرين سنة، زمان بنيت الكعبة. وقال الواقدي وزاد ولها خمس وأربعون سنة. وقال آخرون من أهل العلم: كان عمره ﵇ يومئذ ثلاثين سنة. وعن حكيم بن حزام. قال: كان عمر رسول الله يوم تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة، وعمرها أربعون سنة. وعن ابن عباس كان عمرها ثمانيا وعشرين سنة. رواهما ابن عساكر. وقال ابن جريج: كان ﵇ ابن عباس كان عمرها ثمانيا وعشرين سنة. رواهما ابن عساكر. وقال ابن جريج: كان ﵇ ابن سبع وثلاثين سنة، فولدت له القاسم وبه كان يكنى والطيب والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.
قلت: وهي أم أولاده كلهم سوى إبراهيم فمن مارية كما سيأتي بيانه. ثم تكلم على كل بنت من بنات رسول الله ﷺ ومن تزوجها، وحاصله: أن زينب تزوجها العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف وهو ابن أخت خديجة أمه هالة بنت خويلد فولدت له ابنا اسمه على، وبنتا اسمها امامة بنت زينب، وقد تزوجها على بن أبى طالب بعد وفاة فاطمة ومات وهي عنده، ثم تزوجت بعده بالمغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. وأما رقية فتزوجها عثمان ابن عفان فولدت له ابنه عبد الله وبه كان يكنى أولا، ثم اكتنى بابنه عمرو، وماتت رقية ورسول الله ﷺ ببدر، ولما قدم زيد بن حارثة بالبشارة وجدهم قد ساووا التراب عليها، وكان عثمان قد أقام عندها يمرضها، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره. ثم زوجه بأختها أم كلثوم، ولهذا كان يقال له ذو النورين، فتوفيت عنده أيضا في حياة رسول الله ﷺ ، وأما فاطمة فتزوجها ابن عمه عليّ بن أبى طالب بن عبد المطلب فدخل بها بعد وقعة بدر كما قدمنا، فولدت له حسنا وبه كان يكنى، وحسينا وهو المقتول شهيدا بأرض العراق.
قلت: ويقال ومحسنا. قال وزينب وأم كلثوم، وقد تزوج زينب هذه ابن عمها عبد الله بن جعفر فولدت له عليا وعونا وماتت عنده، وأما أم كلثوم فتزوجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فولدت له زيدا ومات عنها، فتزوجت بعده ببني عمها جعفر واحدا بعد واحد، تزوجت بعون بن جعفر فمات عنها، فخلف عليها أخوه محمد فمات عنها، فخلف عليها أخوهما عبد الله بن جعفر فماتت عنده. قال الزهري: وقد كانت خديجة بنت خويلد تزوجت قبل رسول الله ﷺ برجلين، الأول منهما عتيق بن عابد (١) بن محزوم فولدت منه جارية وهي أم محمد بن صيفي، والثاني أبو هالة التميمي
стр. 1707
فولدت له هند بن هند وفد سماه ابن إسحاق فقال ثم خلف عليها بعد هلاك عابد أبو هالة النباش بن زرارة أحد بنى عمرو بن تميم حليف بنى عبد الدار فولدت له رجلا وامرأة ثم هلك عنها، فخلف عليها رسول الله ﷺ فولدت له بناته الأربع، ثم بعدهن القاسم والطيب والطاهر، فذهب الغلمة جميعا وهم يرضعون.
قلت: ولم يتزوج عليها رسول الله ﷺ مدة حياتها امرأة، كذلك رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت ذلك. وقد قدمنا تزويجها في موضعه وذكرنا شيئا من فضائلها بدلائلها. قال الزهري: ثم تزوج رسول الله ﷺ بعد خديجة بعائشة بنت أبى بكر عبد الله بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤيّ ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، ولم يتزوج بكرا غيرها.
قلت: ولم يولد له منها ولد، وقيل بل أسقطت منه ولدا سماه رسول الله ﷺ عبد الله، ولهذا كانت تكنى بأم عبد الله، وقيل إنما كانت تكنى بعبد الله ابن أختها أسماء من الزبير بن العوام ﵃.
قلت: وقد قيل إنه تزوج سودة قبل عائشة، قاله ابن إسحاق وغيره كما قدمنا ذكر الخلاف في ذلك فالله أعلم. وقد قدمنا صفة تزويجه ﵇ بهما قبل الهجرة وتأخر دخوله بعائشة الى ما بعد الهجرة، قال وتزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن حدافة بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ، مات عنها مؤمنا. قال وتزوج أم سلمة هند بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانت قبله تحت ابن عمها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قال وتزوج سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ وكانت قبله تحت السكران بن عمرو أخى سهيل بن عمرو بن عبد شمس مات عنها مسلما بعد رجوعه وإياها من أرض الحبشة الى مكة ﵄، قال وتزوج أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان بن حرب بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي وكانت قبله تحت عبد الله (١) بن جحش بن رئاب من بنى أسد بن خزيمة مات بأرض الحبشة نصرانيا، بعث اليها رسول الله عمرو بن أمية الضمريّ الى أرض الحبشة فحطبها عليه فزوجها منه عثمان بن عفان، كذا قال والصواب عثمان بن أبى العاص وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وقد قدمنا ذلك كله مطولا ولله الحمد.
стр. 1708
قال وتزوج [زينب] بنت جحش بن رئاب بن أسد بن خزيمة وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ وكانت قبله تحت زيد بن حارثة مولاه ﵊، وهي أول نسائه لحوفا به، وأول من عمل عليها النعش صنعته أسماء بنت عميس عليها كما رأت ذلك بأرض الحبشة، قال وتزوج زينب بنت خزيمة وهي من بنى عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة ويقال لها أم المساكين، وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش بن رئاب قتل يوم أحد فلم تلبث عنده ﵇ إلا يسيرا حتى توفيت ﵂، وقال يونس عن محمد بن إسحاق كانت قبله عند الحصين ابن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، أو عند أخيه الطفيل بن الحارث (١). قال الزهري:
وتزوج رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة قال وهي التي وهبت نفسها.
قلت: الصحيح أنه خطبها وكان السفير بينهما أبو رافع مولاه كما بسطنا ذلك في عمرة القضاء.
قال الزهري. وقد تزوجت قبله رجلين أولهما ابن عبد يا ليل، وقال سيف بن عمر في روايته كانت تحت عمير بن عمرو أحد بنى عقدة بن ثقيف بن عمرو الثقفي مات عنها، ثم خلف عليها أبو رهم ابن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ (٢). قال وسبى رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار بن الحارث بن عامر بن مالك بن المصطلق من خزاعة يوم المريسيع فأعتقها وتزوجها، ويقال بل قدم أبوها الحارث وكان ملك خزاعة فأسلّم ثم تزوجها منه، وكانت قبله عند ابن عمها صفوان بن أبى السفر (٣) قال قتادة عن سعيد بن المسيب والشعبي ومحمد بن إسحاق وغيرهم قالوا: وكان هذا البطن من خزاعة حلفاء لأبى سفيان على رسول الله ﷺ . ولهذا يقول حسان:
وحلف الحارث بن أبى ضرار … وحلف قريظة فيكم سواء
وقال سيف بن عمر في روايته عن سعيد بن عبد الله عن ابن أبى مليكة عن عائشة قالت:
وكانت جويرية تحت ابن عمها مالك بن صفوان بن تولب ذي الشفر بن أبى السرح بن مالك بن المصطلق. قال وسبى صفية بنت حيي بن أخطب من بنى النضير يوم خيبر وهي عروس بكنانة بن أبى الحقيق، وقد زعم سيف بن عمر في روايته أنها كانت قبل كنانة عند سلام بن مشكم فالله أعلم.
قال فهذه إحدى عشرة امرأة دخل بهن، قال وقد قسم عمر بن الخطاب في خلافته لكل امرأة من
стр. 1709
أزواج النبي ﷺ اثنا عشر ألفا، وأعطى جويرية وصفية ستة آلاف ستة آلاف، بسبب أنهما سبيتا. قال الزهري: وقد حجبهما رسول الله ﷺ وقسم لهما.
قلت: وقد بسطنا الكلام فيما تقدم في تزويجه ﵇ كل واحدة من هذه النسوة ﵅ في موضعه.
قال الزهري: وقد تزوج العالية بنت ظبيان بن عمرو من بنى بكر بن كلاب ودخل بها وطلقها. قال البيهقي: كذا في كتابي وفي رواية غيره ولم يدخل بها فطلقها. وقد قال محمد بن سعد عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي حدثني رجل من بنى أبى بكر بن كلاب أن رسول الله ﷺ تزوج العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف بن كعب بن عبد بن أبى بكر بن كلاب فمكثت عنده دهرا ثم طلقها، وقد روى يعقوب بن سفيان عن حجاج بن أبى منيع عن جده عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن الضحاك بن سفيان الكلابي هو الّذي دل رسول الله ﷺ عليها وأنا أسمع من وراء الحجاب، قال يا رسول الله هل لك في أخت امّ شبيب، وأمّ شبيب امرأة الضحاك وبه قال الزهري تزوج رسول الله ﷺ امرأة من بنى عمرو بن كلاب فأنبئ أن بها بياضا فطلقها ولم يدخل بها.
قلت. الظاهر أن هذه هي التي قبلها والله أعلم. قال وتزوج أخت بنى الجون الكندي (١) وهم حلفاء بنى فزارة فاستعاذت منه
فقال: «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك» فطلقها ولم يدخل بها.
قال وكانت لرسول الله ﷺ سرية يقال لها مارية فولدت له غلاما اسمه إبراهيم، فتوفى وقد ملأ المهد، وكانت له وليدة يقال لها ريحانة بنت شمعون من أهل الكتاب من خنافة وهم بطن من بنى قريظة أعتقها رسول الله ﷺ ، ويزعمون أنها قد احتجبت. وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن على بن مجاهد أن رسول الله تزوج خولة بنت الهذيل بن هبيرة التغلبي وأمها خرنق بنت خليفة أخت دحية بن خليفة فحملت اليه من الشام فماتت في الطريق، فتزوج خالتها شراف بنت فضالة بن خليفة فحملت اليه من الشام فماتت في الطريق أيضا. وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق:
وقد كان رسول الله ﷺ تزوج أسماء بنت كعب الجونية (١) فلم يدخل بها حتى طلقها، وتزوج عمرة بنت زيد إحدى نساء بنى كلاب ثم من بنى الوحيد وكانت قبله عند الفضل بن عباس بن عبد المطلب فطلقها ولم يدخل بها. قال البيهقي: فهاتان هما اللتان ذكرهما الزهري ولم يسمهما، إلا أن ابن إسحاق لم يذكر العالية. وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم أنبأنا الأصم أنبأنا احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن زكريا بن أبى زائدة عن الشعبي قال: وهبن لرسول الله ﷺ نساء أنفسهن
стр. 1710
فدخل ببعضهن وأرجى بعضهن، فلم يقربهن حتى توفى، ولم ينكحن بعده، منهن أم شريك فذلك قوله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ اِبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾.
قال البيهقي: وقد روينا عن هشام بن عروة عن أبيه. قال: كانت خولة - يعنى بنت حكيم - ممن وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ . وقال البيهقي: وروينا في حديث أبى رشيد الساعدي في قصة الجونية التي استعاذت فألحقها بأهلها أن اسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل، كذا قال.
وقد قال الامام احمد حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري ثنا عبد الرحمن بن الغسيل عن حمزة بن أبى أسيد عن أبيه وعباس بن سهل عن أبيه قالا: مر بنا النبي ﷺ وأصحاب له فخرجنا معه حتى انطلقنا الى حائط يقال له الشوط حتى انتهينا الى حائطين فجلسنا بينهما، فقال رسول الله ﷺ «اجلسوا» ودخل هو وقد أتى بالجونية فعزلت في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها داية لها، فلما دخل عليها رسول الله ﷺ قال هبي لي نفسك، قالت وهل تهب الملكة نفسها للسوقة، وقالت إني أعوذ بالله منك قال لقد عذت بمعاذ. ثم خرج علينا فقال: «يا أبا أسيد اكسها دراعتين وألحقها بأهلها». وقال غير أبى احمد امرأة من بنى الجون يقال لها أمينة.
وقال البخاري حدثنا أبو نعيم ثنا عبد الرحمن بن الغسيل عن حمزة بن أبى أسيد عن أبى أسيد قال: خرجنا مع رسول الله حتى انطلقنا الى حائط يقال له الشوط، حتى انتهينا الى حائطين جلسنا بينهما فقال «اجلسوا ها هنا» فدخل وقد أتى بالجونية فأنزلت في محل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها دايتها حاضنة لها، فلما دخل عليها رسول الله ﷺ . قال: «هبي لي نفسك». قالت: وهل تهب الملكة نفسها لسوقة؟! قال فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت أعوذ بالله منك. قال: «لقد عذت بمعاذ». ثم خرج علينا فقال: «يا أبا أسيد أكسها رازقتين وألحقها بأهلها». قال البخاري وقال الحسين بن الوليد عن عبد الرحمن بن الغسيل عن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه وأبى أسيد. قالا: تزوج النبي ﷺ أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده اليها، فكأنها كرهت ذلك. فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقتين. ثم قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد ثنا إبراهيم ابن الوزير ثنا عبد الرحمن بن حمزة عن أبيه وعن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه بهذا. انفرد البخاري بهذه الروايات من بين أصحاب الكتب.
وقال البخاري ثنا الحميدي ثنا الوليد ثنا الأوزاعي سألت الزهري أي أزواج النبي ﷺ استعاذت منه؟ فقال: أخبرنى عروة عن عائشة أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله قالت: أعوذ بالله منك، فقال: «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك» وقال ورواه حجاج بن أبى منيع عن جده عن الزهري أن عروة أخبره أن عائشة قالت (الحديث) انفرد به دون مسلم. قال البيهقي ورأيت في كتاب المعرفة لابن مندة أن اسم التي استعاذت منه أميمة بنت
стр. 1711
النعمان بن شراحيل. ويقال فاطمة بنت الضحاك، والصحيح أنها أميمة والله أعلم. وزعموا أن الكلابية اسمها عمرة وهي التي وصفها أبوها بأنها لم تمرض قط، فرغب عنها رسول الله ﷺ . وقد روى محمد ابن سعد عن محمد بن عبد الله عن الزهري. قال: هي فاطمة بنت الضحاك بن سفيان استعاذت منه فطلقها، فكانت تلقط البعر وتقول: أنا الشقية. قال وتزوجها في ذي القعدة سنة ثمان، وماتت سنة ستين. وذكر يونس عن ابن إسحاق فيمن تزوجها ﵇ ولم يدخل بها أسماء بنت كعب الجونية (١) وعمرة بنت يزيد الكلابية. وقال ابن عباس وقتادة أسماء بنت النعمان بن أبى الجون فالله أعلم. قال ابن عباس لما استعاذت منه خرج من عندها مغضبا، فقال له الأشعث: لا يسؤك ذلك يا رسول الله فعندي أجمل منها، فزوجه أخته قتيلة. وقال غيره كان ذلك في ربيع سنة تسع. وقال سعيد بن أبى عروبة عن قتادة: تزوج رسول الله ﷺ خمس عشرة امرأة، فذكر منهن أم شريك الأنصارية النجارية. قال
وقد قال رسول الله ﷺ : «إني لأحب أن أتزوج من الأنصار ولكنى أكره غيرتهن» ولم يدخل بها. قال وتزوج أسماء بنت الصلت من بنى حرام ثم من بنى سليم ولم يدخل بها، وخطب حمزة (٢) بنت الحارث المزنية. وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابورىّ وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوج رسول الله ثماني عشرة امرأة، فذكر منهن قتيلة بنت قيس أخت الأشعث ابن قيس، فزعم بعضهم أنه تزوجها قبل وفاته بشهرين، وزعم آخرون أنه تزوجها في مرضه. قال ولم يكن قدمت عليه ولا رآها ولم يدخل بها. قال وزعم آخرون أنه ﵇ أوصى أن تخير قتيلة فان شاءت يضرب عليها الحجاب وتحرم على المؤمنين، وإن شاءت فلتنكح من شاءت، فاختارت النكاح فتزوجها عكرمة بن أبى جهل بحضر موت، فبلغ ذلك أبا بكر فقال: لقد هممت أن أحرق عليهما. فقال عمر بن الخطاب: ما هي من أمهات المؤمنين، ولا دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب.
قال أبو عبيدة: وزعم بعضهم أن رسول الله ﷺ لم يوص فيها بشيء، وأنها ارتدت بعده فاحتج عمر على أبى بكر بارتدادها أنها ليست من أمهات المؤمنين. وذكر ابن مندة أن التي ارتدت هي البرحاء (٣) من بنى عوف بن سعد بن ذبيان. وقد روى الحافظ ابن عساكر من طرق عن داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله تزوج قتيلة أخت الأشعث بن قيس، فمات قبل أن يخيرها فبرأها الله منه. وروى حماد بن سلمة عن داود بن أبى هند عن الشعبي أن عكرمة بن أبى جهل لما تزوج قتيلة أراد أبو بكر أن يضرب عنقه، فراجعه عمر بن الخطاب فقال: إن رسول الله ﷺ لم يدخل بها وأنها ارتدت مع أخيها، فبرئت من الله ورسوله. فلم يزل به حتى كف عنه. قال الحاكم
стр. 1712
وزاد أبو عبيدة في العدد فاطمة بنت شريح، وسبأ (١) بنت أسماء بن الصلت السلمية. هكذا روى ذلك ابن عساكر من طريق ابن مندة بسنده عن قتادة فذكره. وقال محمد بن سعد عن ابن الكلبي مثل ذلك. قال ابن سعد: وهي سبأ. قال ابن عساكر: ويقال سبأ بنت الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن سماك بن عوف السلمي. قال ابن سعد: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي حدثني العرزميّ عن نافع عن ابن عمر قال: كان في نساء رسول الله ﷺ سبأ بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبى بكر بن كلاب. وقال ابن عمر: إن رسول الله بعث أبا أسيد يخطب عليه امرأة من بنى عامر يقال لها عمرة بنت يزيد بن عبيد بن كلاب، فتزوجها فبلغه أن بها بياضا فطلقها. وقال محمد بن سعد عن الواقدي حدثني أبو معشر. قال: تزوج رسول الله مليكة بنت كعب وكانت تذكر بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة فقالت ألا تستحين أن تنكحى قاتل أبيك؟ فاستعاذت منه فطلقها، فجاء قومها فقالوا يا رسول الله إنها صغيرة ولا رأى لها، وإنها خدعت فارتجعها، فأبى. فاستأذنوه أن يزوجوها بقريب لها من بنى عذرة فأذن لهم، قال وكان أبوها قد قتله خالد بن الوليد يوم الفتح. قال الواقدي: وحدثني عبد العزيز الجندعي عن أبيه عن عطاء ابن يزيد قال: دخل بها رسول الله في رمضان سنة ثمان، وماتت عنده. قال الواقدي وأصحابنا ينكرون ذلك. وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أنبأنا أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد الماهاني أنبأنا شجاع بن على بن شجاع أنبأنا أبو عبد الله بن مندة أنبأنا الحسن بن محمد بن حكيم المروزي ثنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه الفزاري أنبأنا عبد الله بن عثمان أنبأنا عبد الله بن المبارك أنبأنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب الزهري قال: تزوج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد بن أسد بمكة، وكانت قبله تحت عتيق بن عائذ المخزومي، ثم تزوج بمكة عائشة بنت أبى بكر، ثم تزوج بالمدينة حفصة بنت عمر، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي، ثم تزوج سودة بنت زمعة وكانت قبله تحت السكران بن عمرو أخى بنى عامر بن لؤيّ، ثم تزوج أم حبيبة بنت أبى سفيان وكانت قبله تحت عبيد الله بن جحش الأسدي أحد بنى خزيمة، ثم تزوج أم سلمة بنت أبى أمية وكان اسمها هند وكانت قبله تحت أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد العزى، ثم تزوج زينب بنت خزيمة الهلالية، وتزوج العالية بنت ظبيان من بنى بكر بن عمرو بن كلاب، وتزوج امرأة من بنى الجون من كندة، وسبى جويرية - في الغزوة التي هدم فيها مناة غزوة المريسيع - ابنة الحارث بن أبى ضرار من بنى المصطلق من خزاعة، وسبى صفية بنت حيي بن أخطب من بنى النضير وكانتا مما أفاء الله عليه فقسمهما له، واستسر مارية القبطية فولدت له إبراهيم، واستسر ريحانة من بنى قريظة ثم
стр. 1713
أعتقها فلحقت بأهلها واحتجبت وهي عند أهلها، وطلق رسول الله ﷺ العالية بنت ظبيان، وفارق أخت بنى عمرو بن كلاب، وفارق أخت بنى الجون الكندية من أجل بياض كان بها، وتوفيت زينب بنت خزيمة الهلالية ورسول الله ﷺ حىّ، وبلغنا أن العالية بنت ظبيان التي طلقت تزوجت قبل أن يحرم الله النساء، فنكحت ابن عم لها من قومها وولدت فيهم. سقناه بالسند لغرابة ما فيه من ذكره تزويج سودة بالمدينة، والصحيح أنه كان بمكة قبل الهجرة كما قدمناه والله أعلم.
قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق. قال: فماتت خديجة بنت خويلد قبل أن يهاجر رسول الله ﷺ بثلاث سنين لم يتزوج عليها امرأة حتى ماتت هي وأبو طالب في سنة، فتزوج رسول الله ﷺ بعد خديجة سودة بنت زمعة، ثم تزوج بعد سودة عائشة بنت أبى بكر لم يتزوج بكرا غيرها ولم يصب منها ولدا حتى مات، ثم تزوج بعد عائشة حفصة بنت عمر، ثم تزوج بعد حفصة زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين، ثم تزوج بعدها أم حبيبة بنت أبى سفيان، ثم تزوج بعدها أم سلمة هند بنت أبى أمية، ثم تزوج بعدها زينب بنت جحش، ثم تزوج بعدها جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، قال ثم تزوج بعد جويرية صفية بنت حيي بن أخطب، ثم تزوج بعدها ميمونة بنت الحارث الهلالية. فهذا الترتيب أحسن وأقرب مما رتبه الزهري والله أعلم.
وقال يونس ابن بكير عن أبى يحيى عن حميل بن زيد الطائي عن سهل بن زيد الأنصاري قال: تزوج رسول الله ﷺ امرأة من بنى غفار، فدخل بها فأمرها فنزعت ثوبها، فرأى بها بياضا من برص عند ثدييها، فانماز رسول الله ﷺ وقال: «خذي ثوبك» وأصبح فقال لها «الحقي بأهلك» فأكمل لها صداقها. (١) [وقد رواه أبو نعيم من حديث حميل بن زيد عن سهل بن زيد الأنصاري وكان ممن رأى النبي ﷺ قال تزوج رسول الله ﷺ امرأة من غفار فذكر مثله.
قلت: وممن تزوجها ﷺ ولم يدخل بها أم شريك الأزدية. قال الواقدي والمثبت أنها دوسية وقيل الأنصارية، ويقال عامرية وأنها خولة بنت حكيم السلمي. وقال الواقدي اسمها غزية بنت جابر بن حكيم.
قال محمد بن إسحاق عن حكيم بن حكيم عن محمد بن على بن الحسين عن أبيه قال.
كان جميع ما تزوج رسول الله ﷺ خمس عشرة امرأة، منهن أم شريك الأنصارية وهبت نفسها للنّبيّ ﷺ . وقال سعيد بن أبى عروبة عن قتادة: وتزوج أم شريك الأنصارية من بنى النجار.
وقال «إني أحب أن أتزوج من الأنصار لكنى أكره غيرتهن» ولم يدخل بها.
وقال ابن إسحاق
стр. 1714
عن حكيم عن محمد بن على عن أبيه قال: تزوج ﷺ ليلى بنت الحطيم الأنصارية وكانت غيورا فخافت نفسها عليه فاستقالته فأقالها].
فصل فيمن خطبها ﵇ ولم يعقد عليها
قال إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي عن أم هانئ فاختة بنت أبى طالب أن رسول الله ﷺ خطبها فذكرت أن لها صبية صغارا فتركها، وقال: «خير نساء ركبن الإبل، صالح نساء قريش، أحناه على ولد طفل في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» [وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ خطب أم هانئ بنت أبى طالب فقالت: يا رسول الله إني قد كبرت ولى عيال. وقال الترمذي حدثنا عبد بن حميد حدثنا عبد الله ابن موسى حدثنا إسرائيل عن السدي عن أبى صالح عن أم هانئ بنت أبى طالب قالت خطبنى رسول الله ﷺ فاعتذرت اليه فعذرني. ثم أنزل الله ﴿إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ الآية. قالت فلم أكن أحل له لانى لم أهاجر كنت من الطلقاء. ثم قال هذا حديث حسن لا نعرفه الا من حديث السدي فهذا يقتضي أن من لم تكن من المهاجرات لا تحل له ﷺ . وقد نقل هذا المذهب مطلقا القاضي الماوردي في تفسيره عن بعض العلماء. وقيل المراد بقوله ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أي من القرابات المذكورات. وقال قتادة ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أي أسلمن معك فعلى هذا لا يحرم عليه إلا الكفار وتحل له جميع المسلمات، فلا ينافي تزويجه من نساء الأنصار إن ثبت ذلك، ولكن لم يدخل بواحدة منهن أصلا. وأما حكاية الماوردي عن الشعبي أن زينب بنت خزيمة أم المساكين أنصارية فليس بجيد. فإنها هلالية بلا خلاف كما تقدم بيانه والله أعلم]
وروى محمد بن سعد عن هشام بن الكلبي عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عباس. قال: أقبلت ليلى بنت الحطيم الى رسول الله وهو مول ظهره الى الشمس، فضربت منكبه فقال: «من هذا أكله الأسود» فقالت أنا بنت مطعم الطير، ومبارى الريح، أنا ليلى بنت الحطيم جئتك لأعرض عليك نفسي تزوجني؟ قال: «قد فعلت» فرجعت الى قومها فقالت: قد تزوجت النبي ﷺ ، فقالوا بئس ما صنعت أنت امرأة غيري ورسول الله صاحب نساء تغارين عليه، فيدعو الله عليك فاستقيليه، فرجعت فقالت: أقلني يا رسول الله. فأقالها. فتزوجها مسعود بن أوس بن سواد بن ظفر فولدت له، فبينما هي يوما تغتسل في بعض حيطان المدينة إذ وثب عليها ذئب أسود فأكل بعضها، فماتت. وبه عن ابن عباس أن ضباعة بنت عامر بن قرط كانت تحت عبد الله بن جدعان
стр. 1715
فطلقها، فتزوجها بعده هشام بن المغيرة فولدت له سلمة، وكانت امرأة ضخمة جميلة لها شعر غزير يجلل جسمها، فخطبها رسول الله من ابنها سلمة، فقال: حتى استأمرها؟ فاستأذنها فقالت يا بنى أفي رسول الله ﷺ تستأذن؟ فرجع ابنها فسكت ولم يرد جوابا، وكأنه رأى أنها قد طعنت في السن، وسكت النبي ﷺ عنها. وبه
عن ابن عباس قال: خطب رسول الله ﷺ صفية بنت بشامة بن نضلة العنبري، وكان أصابها سبى فخيرها رسول الله فقال: «إن شئت أنا وإن شئت زوجك» فقالت: بل زوجي فأرسلها فلعنتها بنو تميم. وقال محمد بن سعد أنبأنا الواقدي ثنا موسى بن محمد ابن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كانت أم شريك امرأة من بنى عامر بن لؤيّ قد وهبت نفسها من رسول الله، فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت؟ قال محمد بن سعد وأنبأنا وكيع عن شريك عن جابر عن الحكم عن على بن الحسين أن رسول الله ﷺ تزوج أم شريك الدوسية. قال الواقدي:
الثبت عندنا أنها من دوس من الأزد. قال محمد بن سعد: واسمها غزية بنت جابر بن حكيم. وقال الليث بن سعد: عن هشام بن محمد عن أبيه قال متحدث أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنّبيّ ﷺ ، وكانت امرأة صالحة [وممن خطبها ولم يعقد عليها حمزة بنت الحارث بن عون بن أبى حارثة المري فقال أبوها: إن بها سوءا - ولم يكن بها - فرجع اليها وقد تبرصت وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر هكذا ذكره سعيد بن أبى عروبة عن قتادة. قال: وخطب حبيبة بنت العباس بن عبد المطلب فوجد أباها أخوه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبى لهب] فهؤلاء نساؤه وهن ثلاثة أصناف، صنف دخل بهن ومات عنهن وهن التسع المبدإ بذكرهن، وهن حرام على الناس بعد موته ﵇ بالإجماع المحقق المعلوم من الدين ضرورة، وعدتهن بانقضاء أعمارهن. قال الله تعالى:
﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً﴾ وصنف دخل بهن وطلقهن في حياته فهل يحل لأحد أن يتزوجهن بعد انقضاء عدتهن منه ﵇؟ فيه قولان للعلماء، أحدهما لا لعموم الآية التي ذكرناها. والثاني نعم بدليل آية التخيير وهي قوله ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً، * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ قالوا فلولا أنها تحل لغيره أن يتزوجها بعد فراقه إياها لم يكن في تخييرها بين الدنيا والآخرة فائدة إذ لو كان فراقه لها لا يبحها لغيره لم يكن فيه فائدة لها، وهذا قوى والله تعالى أعلم. وأما الصنف الثالث وهي من تزوجها وطلقها قبل أن يدخل بها، فهذه تحل لغيره أن يتزوجها، ولا أعلم في هذا القسم نزاعا. وأما من خطبها ولم يعقد عقده عليها فأولى لها أن تتزوج، وأولى. وسيجيء فصل في كتاب الخصائص يتعلق بهذا المقام والله أعلم.
стр. 1716
فصل في ذكر سراريه ﵇
كانت له ﵇ سريتان، إحداهما مارية بنت شمعون القبطية أهداها له صاحب اسكندرية واسمه جريج بن مينا، وأهدى معها أختها شيرين [وذكر أبو نعيم أنه أهداها في أربع جواري والله أعلم] وغلاما خصيا اسمه مابور، وبغلة يقال لها الدلدل فقبل هديته واختار لنفسه مارية وكانت من قرية ببلاد مصر يقال لها حفن من كورة انصنا، وقد وضع عن أهل هذه البلدة معاوية بن أبى سفيان في أيام إمارته الخراج إكراما لها من أجل أنها حملت من رسول الله ﷺ بولد ذكر وهو إبراهيم ﵇، قالوا وكانت مارية جميلة بيضاء أعجب بها رسول الله ﷺ وأحبها وحضيت عنده، ولا سيما بعد ما وضعت إبراهيم ولده. وأما أختها شيرين فوهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان، وأما الغلام الخصى وهو مابور فقد كان يدخل على مارية وشيرين بلا إذن كما جرت به عادته بمصر، فتكلم بعض الناس فيها بسبب ذلك ولم يشعروا أنه خصىّ حتى انكشف الحال على ما سنبينه قريبا إن شاء الله، وأما البغلة فكان ﵇ بركبها، والظاهر والله أعلم أنها التي كان راكبها يوم حنين. وقد تأخرت هذه البغلة فكان ﵇ بركبها، والظاهر والله أعلم أنها التي كان راكبها يوم حنين. وقد تأخرت هذه البلغة وطالت مدتها حتى كانت عند على بن أبى طالب في أيام إمارته، ومات فصارت الى عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، وكبرت حتى كان يجش لها الشعير لتأكله. قال أبو بكر بن خزيمة حدثنا محمد بن زياد بن عبيد الله أنبأنا سفيان بن عيينة عن بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة بن الخصيب عن أبيه قال: أهدى أمير القبط الى رسول الله جاريتين أختين، وبغلة فكان يركب البغلة بالمدينة، واتخذ إحدى الجاريتين فولدت له إبراهيم ابنه، ووهب الأخرى. وقال الواقدي حدثنا يعقوب بن محمد بن أبى صعصعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة قال: كان رسول الله ﷺ يعجب بمارية القبطية، وكانت بيضاء جعدة جميلة، فأنزلها وأختها على أم سليم بنت ملحان، فدخل عليهما رسول الله ﷺ [فعرض عليهما الإسلام] فأسلمتا هناك، فوطئ مارية بالملك، وحولها الى مال له بالعالية كان من أموال بنى النضير، فكانت فيه في الصيف، وفي خرافة النخل. فكان يأتيها هناك، وكانت حسنة الدين، ووهب أختها شيرين لحسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن، وولدت مارية لرسول الله ﷺ غلاما سماه إبراهيم، وعق عنه بشاة يوم سابعه، وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدفن في الأرض، وسماه إبراهيم، وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله ﷺ ، فخرجت الى زوجها أبى رافع فأخبرته بأنها قد ولدت غلاما، فجاء أبو رافع
стр. 1717
الى رسول الله فبشره فوهب له عقدا، وغار نساء رسول الله ﷺ واشتد عليهنّ حين رزق منها الولد.
وروى الحافظ أبو الحسن الدار قطنى عن أبى عبيد القاسم بن إسماعيل عن زياد بن أيوب عن سعيد بن زكريا المدائني عن ابن أبى سارة عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما ولدت مارية قال رسول الله ﷺ «أعتقها ولدها». ثم قال الدار قطنى: تفرد به زياد بن أيوب وهو ثقة. وقد رواه ابن ماجة من حديث حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس بمثله.
ورويناه من وجه آخر. وقد أفردنا لهذه المسألة وهي بيع أمهات الأولاد مصنفا مفردا على حدته، وحكينا فيه أقوال العلماء بما حاصله يرجع الى ثمانية أقوال، وذكرنا مستند كل قول ولله الحمد والمنة.
وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن إبراهيم بن محمد بن على بن أبى طالب عن أبيه عن جده على بن أبى طالب قال: أكثروا على مارية أم إبراهيم في قبطى ابن عم لها يزورها ويختلف اليها، فقال رسول الله ﷺ «خذ هذا السيف فانطلق فان وجدته عندها فأقتله» قال قلت يا رسول الله أكون في أمرك إذا أرسلتنى كالسكة المحماة لا يثنيني شيء حتى أمضى لما أمرتنى به، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال رسول الله ﷺ «بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» فأقبلت متوشحا السيف فوجدته عندها، فاخترطت السيف فلما رآني عرف أنى أريده، فأتى نخلة فرقى فيها ثم رمى بنفسه على قفاه، ثم شال رجليه فإذا به أجبّ أمسح ماله مما للرجال لا قليل ولا كثير، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: «الحمد لله الّذي صرف عنا أهل البيت».
وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن سعيد ثنا سفيان حدثني محمد بن عمر بن على بن أبى طالب عن على قال: قلت يا رسول الله إذا بعثتني أكون كالسكة المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ قال «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» هكذا رواه مختصرا. وهو أصل الحديث الّذي أوردناه وإسناده رجال ثقات. [وقال الطبراني حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني حدثنا أبى حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب وعقيل عن الزهري عن أنس قال: لما ولدت مارية إبراهيم كاد أن يقع في النبي ﷺ منه شيء حتى نزل جبريل ﵇ فقال السلام عليك يا أبا إبراهيم. وقال أبو نعيم:
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أبو بكر بن أبى عاصم حدثنا محمد بن يحيى الباهلي حدثنا يعقوب بن محمد عن رجل سماه عن الليث بن سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أهدى ملك من بطارقة الروم يقال له المقوقس جارية قبطية من بنات الملوك يقال لها مارية وأهدى معها ابن عم لها شابا، فدخل رسول الله ﷺ منها ذات يوم يدخل خلوته فأصابها حملت بإبراهيم، قالت عائشة فلما استبان حملها جزعت من ذلك فسكت رسول الله ﷺ ، فلم يكن لها لبن فاشترى لها ضأنة لبونا تغذى منها الصبى، فصلح اليه جسمه وحسن لونه، وصفا لونه، فجاءته ذات يوم تحمله على عاتقها فقال: «يا عائشة كيف
стр. 1718
ترين الشبه؟ «فقلت أنا وغيري: ما أرى شبها، فقال «ولا اللحم؟» فقلت لعمري من تغذى بألبان الضأن ليحسن لحمه]. قال الواقدي: ماتت مارية في المحرم سنة خمس عشرة فصلى عليها عمر ودفنها في البقيع، وكذا قال المفضل بن غسان الغلابي. وقال خليفة وأبو عبيدة ويعقوب بن سفيان:
ماتت سنة ست عشرة رحمها الله.
ومنهن ريحانة بنت زيد من بنى النضير ويقال من بنى قريظة. قال الواقدي: كانت ريحانة بنت زيد من بنى النضير ويقال من بنى قريظة. قال الواقدي: كانت ريحانة بنت زيد من بنى النضير وكانت مزوجة فيهم، وكان رسول الله ﷺ قد أخذها لنفسه صفيا، وكانت جميلة فعرض عليها رسول الله ﷺ أن تسلّم فأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله ﷺ ووجد في نفسه، فأرسل الى ابن شعبة (١) فذكر له ذلك فقال ابن شعبة فداك أبى وأمى هي تسلّم، فخرج حتى جاءها فجعل يقول لها: لا تتبعى قومك فقد رأيت ما أدخل عليهم حيي بن أخطب فاسلمى يصطفيك رسول الله ﷺ لنفسه،
فبينا رسول الله ﷺ في أصحابه إذ سمع وقع نعلين فقال: «إن هاتين لنعلا ابن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة» فجاء يقول: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة، فسر بذلك. [وقال محمد ابن إسحاق: لما فتح رسول الله ﷺ قريظة اصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة فكانت عنده حتى توفى عنها وهي في ملكه، وكان عرض عليها الإسلام ويتزوجها فأبت إلا اليهودية ثم ذكر من إسلامها ما تقدم]
قال الواقدي فحدثني عبد الملك بن سليمان عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة عن أيوب بن بشير المعاوي قال: فأرسل بها رسول الله الى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر، فكانت عندها حتى حاضت حيضة ثم طهرت من حيضها، فجاءت أم المنذر فأخبرت رسول الله، فجاءها في منزل أم المنذر فقال لها «إن أحببت أن أعتقك وأتزوجك فعلت، وإن أحببت أن تكوني في ملكي أطأك بالملك فعلت» فقالت: يا رسول الله إن أخف عليك وعليّ أن أكون في ملكك، فكانت في ملك رسول الله ﷺ يطأها حتى ماتت. قال الواقدي:
وحدثني ابن أبى ذئب. قال سألت الزهري عن ريحانة فقال: كانت أمة رسول الله فأعتقها وتزوجها، فكانت تحتجب في أهلها وتقول: لا يراني أحد بعد رسول الله ﷺ قال الواقدي:
وهذا أثبت الحديثين عندنا، وكان زوجها قبله ﵇ الحكم. وقال الواقدي ثنا عاصم بن عبد الله بن الحكم عن عمر بن الحكم قال: أعتق رسول الله ﷺ ريحانة بنت زيد ابن عمرو بن خنافة، وكانت عند زوج لها، وكان محبا لها مكرما، فقالت لا أستخلف بعده أحدا أبدا، وكانت ذات جمال. فلما سبيت بنو قريظة عرض السبي على رسول الله صلّى الله عليه
стр. 1719
وسلّم، قالت فكنت فيمن عرض عليه فأمر بى فعزلت، وكان يكون له صفىّ في كل غنيمة فلما عزلت خار الله لي فأرسل بى الى منزل أم المنذر بنت قيس أياما حتى قتل الأسرى وفرق السّبى فدخل عليّ رسول الله ﷺ فتجنبت منه حياء، فدعاني فأجلسنى بين يديه فقال [إن اخترت الله ورسوله اختارك رسول الله لنفسه فقلت:] إني أختار الله ورسوله فلما أسلمت أعتقنى رسول الله ﷺ وتزوجني وأصدقني اثنتي عشرة أوقية ونشّا كما كان يصدق نساءه، وأعرس بى في بيت أم المنذر، وكان يقسم [لي كما يقسم] لنسائه، وضرب عليّ الحجاب. قال وكان رسول الله ﷺ معجبا بها، وكانت لا تسأله شيئا إلا أعطاها، فقيل لها لو كنت سألت رسول الله ﷺ بنى قريظة لأعتقهم، فكانت تقول: لم يخل بى حتى فرق السبي، ولقد كان يخلو بها ويستكثر منها، فلم تزل عنده حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع. فدفنها بالبقيع. وكان تزويجه إياها في المحرم سنة ست من الهجرة.
وقال ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري قال: واستسر رسول الله ريحانة من بني قريظة ثم أعتقها فلحقت بأهلها، وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى كانت ريحانة بنت زيد بن شمعون من بنى النضير. وقال بعضهم من بنى قريظة وكانت تكون في نخل من نخل الصدقة، فكان رسول الله ﷺ يقيل عندها أحيانا، وكان سباها في شوال سنة أربع. وقال أبو بكر بن أبى خيثمة ثنا احمد ابن المقدام ثنا زهير عن سعيد عن قتادة قال: كانت لرسول الله وليدتان، مارية القبطية وريحه أو ريحانة بنت شمعون بن زيد بن خنافة من بنى عمرو بن قريظة، كانت عند ابن عم لها يقال له عبد الحكم فيما بلغني، وماتت قبل وفاة النبي ﷺ . وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كانت لرسول الله ﷺ أربع ولائد، مارية القبطية، وريحانة القرظية، وكانت له جارية أخرى جميلة فكادها نساؤه وخفن أن تغلبهن عليه، وكانت له جارية نفيسة وهبتها له زينب، وكان هجرها في شأن صفية بنت حيي ذا الحجة والمحرم وصفر، فلما كان شهر ربيع الأول الّذي قبض فيه رضى عن زينب ودخل عليها، فقالت ما أدرى ما أجزيك؟ فوهبتها له ﷺ . وقد روى سيف بن عمر عن سعيد بن عبد الله عن ابن أبى مليكة عن عائشة. أن رسول الله ﷺ كان يقسم لمارية وريحانة مرة، ويتركهما مرة. [وقال أبو نعيم: قال أبو محمد بن عمر الواقدي توفيت ريحانة سنة عشرة وصلى عليها عمر بن الخطاب ودفنها بالبقيع ولله الحمد].
فصل في ذكر أولاده عليه وعليهم الصلاة والسلام
لا خلاف أن جميع أولاده من خديجة بنت خويلد سوى إبراهيم فمن مارية بنت شمعون القبطية،
стр. 1720
قال محمد بن سعد: أنبأنا هشام بن الكلبي أخبرنى أبى عن أبى صالح عن ابن عباس. قال: كان أكبر ولد رسول الله ﷺ القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، فمات القاسم - وهو أول ميت من ولده بمكة - ثم مات عبد الله فقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ * إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ قال ثم ولدت له مارية بالمدينة إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، فمات ابن ثمانية عشر شهرا. وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريريّ ثنا عبد الباقي بن نافع ثنا محمد بن زكريا ثنا العباس بن بكار حدثني محمد بن زياد والفرات بن السائب عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: ولدت خديجة من النبي ﷺ عبد الله بن محمد، ثم أبطأ عليه الولد من بعده، فبينا رسول الله يكلم رجلا والعاص بن وائل ينظر اليه إذ قال له رجل من هذا؟ قال له هذا الأبتر. وكانت قريش إذا ولد للرجل ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا هذا الأبتر، فأنزل الله ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي مبغضك هو الأبتر من كل خير. قال ثم ولدت له زينب، ثم ولدت له رقية، ثم ولدت له القاسم، ثم ولدت الطاهر، ثم ولدت المطهر، ثم ولدت الطيب، ثم ولدت المطيب، ثم ولدت أم كلثوم، ثم ولدت فاطمة. وكانت أصغرهم. وكانت خديجة إذا ولدت ولدا دفعته الى من يرضعه. فلما ولدت فاطمة لم يرضعها غيرها وقال الهيثم بن عدي حدثنا هشام بن عروة عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: كان للنّبيّ ﷺ ابنان، طاهر والطيب. وكان يسمى أحدهما عبد شمس، والآخر عبد العزى وهذا فيه نكارة والله أعلم. وقال محمد بن عائذ أخبرنى الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أن خديجة ولدت القاسم والطيب والطاهر ومطهر وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم. وقال الزبير بن بكار أخبرنى عمى مصعب بن عبد الله قال: ولدت خديجة القاسم والطاهر وكان يقال له الطيب، وولد الطاهر بعد النبوة، ومات صغيرا واسمه عبد الله، وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم. قال الزبير وحدثني إبراهيم بن المنذر عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبى الأسود أن خديجة ولدت القاسم والطاهر والطيب وعبد الله وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم. وحدثني محمد بن فضالة عن بعض من أدرك من المشيخة قال: ولدت خديجة القاسم وعبد الله، فأما القاسم فعاش حتى مشى، وأما عبد الله فمات وهو صغير. وقال الزبير بن بكار كانت خديجة تذكر في الجاهلية الطاهرة بنت خويلد، وقد ولدت لرسول الله ﷺ القاسم وهو أكبر ولده وبه كان يكنى، ثم زينب، ثم عبد الله وكان يقال له الطيب، ويقال له الطاهر، ولد بعد النبوة ومات صغيرا. ثم ابنته أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية. هكذا الأول فالأول. ثم مات القاسم بمكة - وهو أول ميت من ولده - ثم مات عبد الله، ثم ولدت له مارية بنت شمعون إبراهيم وهي القبطية التي أهداها المقوقس صاحب اسكندرية، وأهدى