عن عبد الله بن عبيد الأنصاري أن رجلا من بنى سلمة تكلم فقال: محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عثمان اللين الرحيم، قال: ولا أدرى أيش قال في عمر * كذا رواه ابن أبى الدنيا في كتابه، وقد قال الحافظ البيهقي: أنا أبو سعيد بن أبى عمرو، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبى طالب، أنا عليّ بن عاصم، أنا حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عبيد الأنصاري قال:
بينما هم يثورون القتلى يوم صفين أو يوم الجمل، إذ تكلم رجل من الأنصار من القتلى، فقال: محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الشهيد عثمان الرحيم ثم سكت * [وقال هشام بن عمار في كتاب البعث.
باب في كلام الأموات وعجائبهم
حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثنا عبد الحكم بن عمير عن ربعي بن خراش العبسيّ قال:
مرض أخى الربيع بن خراش فمرضته ثم مات فذهبنا نجهزه، فلما جئنا رفع الثوب عن وجهه ثم قال:
السلام عليكم، قلنا: وعليك السلام، قدمت، قال: بلى ولكن لقيت بعدكم ربى ولقيني بروح وريحان ورب غير غضبان، ثم كساني ثيابا من سندس أخضر، وإني سألته أن يأذن لي أن أبشركم فأذن لي، وإن الأمر كما ترون، فسددوا وقاربوا، وبشروا ولا تنفروا، فلما قالها كانت كحصاة وقعت في ماء * ثم أورد بأسانيد كثيرة في هذا الباب وهي آخر كتابه]. (١)
حديث غريب جدا
قال البيهقي: أنا عليّ بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا محمد بن يونس الكديمي، ثنا شاصونة بن عبيد أبو محمد اليماني - وانصرفنا من عدن بقرية يقال لها الحردة - حدثني معرض بن عبد الله بن معرض بن معيقيب اليماني عن أبيه عن جده قال: حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول الله ﷺ ووجهه مثل دارة القمر، وسمعت منه عجبا، جاءه رجل بغلام يوم ولد فقال له رسول الله ﷺ : من أنا؟ قال: أنت رسول الله، قال: صدقت، بارك الله فيك، ثم قال: إن الغلام لم يتكلم بعد ذلك حتى شبّ، قال أبى: فكنا نسميه مبارك اليمامة، قال شاصونة: وقد كنت أمرّ على معمر فلا أسمع منه. قلت: هذا الحديث مما تكلم الناس في محمد ابن يونس الكديمي بسببه وأنكروه عليه واستغربوا شيخه هذا، وليس هذا مما ينكر عقلا ولا شرعا، فقد ثبت في الصحيح في قصة جريج العابد أنه أستنطق ابن تلك البغي، فقال له: يا أبا يونس، ابن من أنت؟ قال: ابن الراعي، فعلم بنو إسرائيل براءة عرض جريج مما كان نسب إليه *
стр. 1927
وقد تقدم ذلك. على أنه قد روى هذا الحديث من غير طريق الكديمي إلا أنه باسناد غريب أيضا *
قال البيهقي: أنا أبو سعد عبد الملك بن أبى عثمان الزاهد، أنا أبو الحسين محمد بن أحمد ابن جميع الغساني - بثغر صيدا -، ثنا العباس بن محبوب بن عثمان بن عبيد أبو الفضل، ثنا أبى، ثنا جدي شاصونة بن عبيد، حدثني معرض بن عبد الله بن معيقيب عن أبيه عن جده. قال: حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول الله ﷺ وجهه كدارة القمر، فسمعت منه عجبا أتاه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد وقد لفه في خرقة، فقال له رسول الله ﷺ : يا غلام من أنا؟ قال: أنت رسول الله، فقال له: بارك الله فيك، ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها. قال البيهقي: وقد ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ عن أبى الحسن على بن العباس الوراق عن أبى الفضل أحمد بن خلف بن محمد المقري القزويني عن أبى الفضل العباس بن محمد بن شاصونة به * قال الحاكم: وقد أخبرنى الثقة من أصحابنا عن أبى عمر الزاهد قال: لما دخلت اليمن دخلت حردة. فسألت عن هذا الحديث فوجدت فيها لشاصونة عقبا، وحملت إلى قبره فزرته * قال البيهقي: ولهذا الحديث أصل من حديث الكوفيين باسناد مرسل يخالفه في وقت الكلام. ثم أورد من
حديث وكيع عن الأعمش عن شمر بن عطية، عن بعض أشياخه أن النبي ﷺ أتى بصبىّ قد شب لم يتكلم قط، قال: من أنا؟ قال: أنت رسول الله.
ثم روى عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن الأعمش عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه قال: جاءت امرأة بابن لها قد تحرك فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا لم يتكلم منذ ولد، فقال رسول الله ﷺ : ادنيه منى، فأدنته منه، فقال: من أنا؟ فقال: أنت رسول الله.
قصة الصبى الّذي كان يصرع فدعا له ﵇ فبرأ
قد تقدم ذلك من رواية أسامة بن زيد وجابر بن عبد الله ويعلى بن مرة الثقفي مع قصة الجمل الحديث بطوله. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة عن فرقد السنجى عن سعيد بن جبير بن عباس أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن به لمما وانه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، قال: فمسح رسول الله ﷺ صدره ودعا له فثع ثعة فخرج منه مثل الجر والأسود يسعى، تفرد به أحمد. وفرقد السنجى رجل صالح ولكنه سيئ الحفظ، وقد روى عنه شعبة وغير واحد واحتمل حديثه ولما رواه هاهنا شاهد مما تقدم والله أعلم * وقد تكون هذه القصة هي كما سبق إيرادها ويحتمل أن تكون أخرى غيرها والله أعلم.
حديث آخر في ذلك
قال أبو بكر البزار: ثنا محمد بن مرزوق، ثنا مسلّم بن إبراهيم، ثنا صدقة - يعنى ابن موسى -
стр. 1928
ثنا فرقد - يعنى السنجى - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة فجاءته امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إن هذا الخبيث قد غلبني، فقال لها: إن تصبرى على ما أنت عليه تجيئين يوم القيامة ليس عليك ذنوب ولا حساب، قالت: والّذي بعثك بالحق لأصبرن حتى ألقى الله، قالت: إني أخاف الخبيث أن يجردنى، فدعا لها فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتى أستار الكعبة فتعلق بها وتقول له: اخسأ، فيذهب عنها. قال البزار: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، وصدقة ليس به بأس، وفرقد حدث عنه جماعة من أهل العلم، منهم شعبة وغيره واحتمل حديثه على سوء حفظه فيه.
طريق أخرى عن ابن عباس
قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن عمران أبى بكر، ثنا عطاء بن أبى رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه السوداء أتت رسول الله ﷺ فقالت: إني أصرع وأنكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك، قالت: لا بل أصبر فادع الله ألا أنكشف ولا ينكشف عنى، قال:
فدعا لها * وهكذا رواه البخاري عن مسدد عن يحيى - وهو ابن سعيد القطان - وأخرجه مسلّم عن القواريري عن يحيى القطان وبشر بن الفضل كلاهما عن عمران بن مسلّم أبى بكر الفقيه البصري عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس فذكر مثله * ثم قال البخاري: حدثنا محمد، ثنا مخلد عن ابن جريج قال: أخبرنى عطاء أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة * وقد ذكر الحافظ ابن الأثير في الغاية أن أم زفر هذه كانت مشاطة خديجة بنت خويلد قديما، وأنها عمرت حتى أدركها عطاء بن أبى رباح فالله أعلم.
حديث آخر
قال البيهقي: أنا على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا محمد بن يونس، ثنا قرة بن حبيب الضوى، ثنا إياس بن أبى تميمة عن عطاء عن أبى هريرة قال: جاءت الحمى إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ابعثني إلى أحبّ قومك إليك أو أحب أصحابك إليك، شك قرة، فقال: اذهبي إلى الأنصار، فذهبت إليهم فصرعتهم، فجاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله قد أتت الحمى علينا فادع الله لنا بالشفاء فدعا لهم، فكشفت عنهم، قال: فاتبعته امرأة فقالت: يا رسول الله ادع الله لي، فانى لمن الأنصار فادع الله لي كما دعوت لهم، فقال: أيهما أحب إليك أن أدعو لك فيكشف عنك، أو تصبرين وتجب لك الجنة؟ فقالت: لا والله يا رسول الله بل أصبر ثلاثا ولا أجعل والله لجنته خطرا * محمد بن يونس الكديمي ضعيف *
وقد قال البيهقي: أنا على
стр. 1929
ابن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبى، ثنا هشام ابن لاحق - سنة خمس وثمانين ومائة - ثنا عاصم الأحول عن أبى عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: استأذنت الحمى على رسول الله ﷺ ، فقال: من أنت؟ قالت: أنا الحمى، أبري اللحم، وأمص الدم، قال: اذهبي إلى أهل قباء، فأتتهم فجاءوا إلى رسول الله ﷺ وقد اصفرت وجوههم، فشكوا إليه الحمى فقال لهم: ما شئتم؟ إن شئتم دعوت الله فيكشف عنكم، وإن شئتم تركتموها فأسقطت ذنوبكم، قالوا: بل ندعها يا رسول الله * وهذا الحديث ليس هو في مسند الامام أحمد ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة. وقد ذكرنا في أول الهجرة دعاءه ﵇ لأهل المدينة أن يذهب حماها إلى الجحفة، فاستجاب الله له ذلك فان المدينة كانت من أوبإ أرض الله فصححها الله ببركة حلوله بها، ودعائه لأهلها صلوات الله وسلامه عليه.
حديث آخر في ذلك
قال الامام أحمد: ثنا روح، ثنا شعبة عن أبى جعفر المديني سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف: أن رجلا ضريرا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت لك قال: لا، بل ادع الله لي، قال: فأمره رسول الله ﷺ أن يتوضأ ويصلّى ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهمّ إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك في حاجتي هذه فتقضى وتشفعني فيه وتشفعه فىّ. قال: فكان يقول هذا مرارا. ثم قال بعد: أحسب أن فيها أن تشفعني فيه، قال:
ففعل الرجل فبرأ. وقد رواه أحمد أيضا عن عثمان بن عمرو عن شعبة به. وقال: اللهمّ شفعه فىّ، ولم يقل الأخرى، وكأنها غلط من الراويّ والله أعلم * وهكذا رواه الترمذي والنسائي عن محمود بن غيلان، وابن ماجة عن أحمد بن منصور بن سيار، كلاهما عن عثمان بن عمرو. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن جعفر الخطميّ * ثم رواه أحمد أيضا عن مؤمل بن حماد ابن سلمة بن أبى جعفر الخطميّ عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف فذكر الحديث * وهكذا رواه النسائي عن محمد بن معمر عن حبان عن حماد بن سلمة به * ثم رواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن محمد بن المثنى عن معاذ بن هشام عن أبيه عن أبى جعفر عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف * وهذه الرواية تخالف ما تقدم، ولعله عند أبى جعفر الخطميّ من الوجهين والله عمه عثمان بن حنيف * وهذه الرواية تخالف ما تقدم، ولعله عند أبى جعفر الخطميّ من الوجهين والله أعلم *
وقد روى البيهقي والحاكم من حديث يعقوب بن سفيان عن أحمد بن شبيب عن سعيد الحنطبى عن أبيه عن روح بن القاسم عن أبى جعفر المديني عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف قال: سمعت رسول الله ﷺ وجاءه رجل ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره،
стр. 1930
فقال: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق عليّ، فقال رسول الله ﷺ ائت الميضأة فتوضأ ثم صلّ ركعتين ثم قال: اللهمّ إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربى فينجلي بصرى، اللهمّ فشفعه فىّ وشفعنى في نفسي. قال عثمان: فو الله ما تفرقنا، ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضر قط * قال البيهقي: ورواه أيضا هشام الدستوائى عن أبى جعفر عن أبى أمامة بن سهل عن عمه عثمان بن حنيف.
حديث آخر
قال أبو بكر بن أبى شيبة: ثنا محمد بن بشر، ثنا عبد العزيز بن عمر، حدثني رجل من بنى سلامان وبنى سعد عن أبيه عن خاله أو أن خاله أو خالها حبيب بن مريط حدثها أن أباه خرج إلى رسول الله ﷺ وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا أصلا، فسأله: ما أصابك؟ فقال كنت أرعى جملا لي فوقعت رجلي على بطن حية فأصبت ببصرى، قال: فنفث رسول الله ﷺ في عينيه فأبصر، فرأيته وإنه ليدخل الخيط في الابرة وإنه لابن ثمانين سنة، وإن عينيه لمبيضتان * قال البيهقي: كذا في كتابه: وغيره يقول، حبيب بن مدرك، قال: وقد مضى في هذا المعنى حديث قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه فسالت حدقته فردها رسول الله إلى موضعها، فكان لا يدرى أيهما أصيبت، قلت:
وقد تقدم ذلك في غزوة أحد، وقد ذكرنا في مقتل أبى رافع مسحه بيده الكريمة على رجل جابر (١) بن عتيك - وقد انكسر ساقه - فبرأ من ساعته * وذكر البيهقي باسناده: أنه ﷺ مسح يد محمد بن حاطب - وقد احترقت يده بالنار - فبرأ من ساعته، وأنه ﵇ نفث في كف شرحبيل الجعفي فذهبت من كفه سلعة كانت به * قلت: وتقدم في غزوة خيبر تفله في عيني على وهو أرمد فبرأ * وروى الترمذي عن عليّ حديثه في تعليمه ﵇ ذلك الدعاء لحفظ القرآن فحفظه * وفي الصحيح أنه قال لأبى هريرة وجماعة: من يبسط رداءه اليوم فإنه لا ينسى شيئا من مقالتي، قال: فبسطته فلم أنس شيئا من مقالته تلك، فقيل: كان ذلك حفظا من أبى هريرة لكل ما سمعه منه في ذلك اليوم، وقيل: وفي غيره فالله أعلم * ودعا لسعد بن أبى وقاص فبرأ * وروى البيهقي أنه دعا لعمه أبى طالب في مرضة مرضها وطلب من رسول الله ﷺ أن يدعو له ربه فدعا له فبرأ من ساعته * والأحاديث في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها. وقد أورد البيهقي من هذا النوع كثيرا طيبا أشرنا إلى أطراف منه وتركنا أحاديث ضعيفة الاسناد واكتفينا بما أوردنا عما تركنا وبالله المستعان.
حديث آخر
ثبت في الصحيحين من حديث زكريا بن أبى زائدة، زاد مسلّم والمغيرة كلاهما عن شراحيل
стр. 1931
الشعبي عن جابر بن عبد الله أنه كان يسير على جمل قد أعيا. فأراد أن يسيبه، قال: فلحقني رسول الله ﷺ فضربه ودعا لي، فسار سيرا لم يسر مثله،
وفي رواية فما زال بين يدي الإبل قدامها حتى كنت أحبس خطامه فلا أقدر عليه، فقال: كيف ترى جملك؟ فقلت: قد أصابته بركتك يا رسول الله، ثم ذكر أن رسول الله ﷺ اشتراه منه، واختلف الرواة في مقدار ثمنه على روايات كثيرة، وأنه استثنى حملانه إلى المدينة، ثم لما قدم المدينة جاءه بالجمل فنقده ثمنه وزاده ثم أطلق له الجمل أيضا، الحديث بطوله.
حديث آخر
روى البيهقي واللفظ له، وهو في صحيح البخاري من حديث حسن بن محمد المروزي عن جرير ابن حازم عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك. قال: فزع الناس فركب رسول الله ﷺ فرسا لأبى طلحة بطيئا ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلف رسول الله ﷺ . فقال:
لن تراعوا إنه لبحر، قال فو الله ما سبق بعد ذلك اليوم.
حديث آخر
قال البيهقي: أنا أبو بكر القاضي، أنا حامد بن محمد الهروي، ثنا على بن عبد العزيز، ثنا محمد بن عبد الله الرقاشيّ، ثنا رافع بن سلمة بن زياد، حدثني عبد الله بن أبى الجعد عن جعيل الأشجعي، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته وأنا على فرس لي عجفاء ضعيفة، قال: فكنت في أخريات الناس، فلحقني رسول الله ﷺ . وقال: سر يا صاحب الفرس، فقلت: يا رسول الله عجفاء ضعيفة، قال: فرفع رسول الله ﷺ مخفقة (١) معه فضربها بها وقال: اللهمّ بارك له، قال: فلقد رأيتني أمسك برأسها أن تقدم الناس، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا * ورواه النسائي عن محمد ابن رافع عن محمد بن عبد الله الرقاشيّ فذكره، وهكذا رواه أبو بكر بن أبى خيثمة عن عبيد بن يعيش عن زيد بن الخباب عن رافع بن سلمة الأشجعي فذكره * وقال البخاري في التاريخ: وقال رافع بن زياد بن الجعد بن أبى الجعد: حدثني أبى عبد الله بن أبى الجعد أخى سالم عن جعيل فذكره.
حديث آخر
قال البيهقي: أنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، أنا أبو سهل بن زياد القطان، ثنا محمد ابن شاذان الجوهري، حدثنا زكريا بن عدي، ثنا مروان بن معاوية عن يزيد بن كيسان عن أبى حازم عن أبى هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة، فقال: هلا نظرت إليها فان في أعين الأنصار شيئا؟ قال: قد نظرت إليها، قال: على كم تزوجتها؟ فذكر شيئا، قال
стр. 1932
كأنهم ينحتون الذهب والفضة من عرض هذه الجبال، ما عندنا اليوم شيء نعطيكه، ولكن سأبعثك في وجه تصيب فيه، فبعث بعثا إلى بنى عبس وبعث الرجل فيهم، فأتاه فقال: يا رسول الله أعيتني ناقتي أن تنبعث، قال: فناوله رسول الله ﷺ يده كالمعتمد عليه للقيام، فأتاها فضربها برجله، قال أبو هريرة: والّذي نفسي بيده لقد رأيتها تسبق به القائد * رواه مسلّم في الصحيح عن يحيى بن معين عن مروان.
حديث آخر
قال البيهقي: أنا أبو زكريا بن أبى إسحاق المزني، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنا أبو جعفر بن عون، أنا الأعمش عن مجاهد أن رجلا اشترى بعيرا فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني اشتريت بعيرا فادع الله أن يبارك لي فيه، فقال: اللهمّ بارك له فيه، فلم يلبث الا يسيرا أن نفق، ثم اشترى بعيرا آخر فأتى به رسول الله ﷺ فقال: إني اشتريت بعيرا فادع الله أن يبارك لي فيه، فقال: اللهمّ بارك له فيه، فلم يلبث حتى نفق، ثم اشترى بعيرا آخر فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قد اشتريت بعيرين فدعوت الله أن يبارك لي فيهما فادع الله أن يحملني عليه، فقال: اللهمّ احمله عليه، فمكث عنده عشرين سنة * قال البيهقي: وهذا مرسل ودعاؤه ﵇ صار إلى أمر الآخرة في المرتين الأوليين.
حديث آخر
قال الحافظ البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا إسماعيل بن عبد الله الميكالى، ثنا على بن سعد العسكري، أنا أبو أمية عبد الله بن محمد بن خلاد الواسطي، ثنا يزيد بن هارون، أنا المستلم بن سعيد، ثنا حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب بن أساف عن أبيه عن جده حبيب بن أساف قال:
أتيت رسول الله ﷺ ، أنا ورجل من قومي في بعض مغازيه فقلنا: إنا نشتهي أن نشهد معك مشهدا، قال: أسلمتم؟ قلنا: لا، قال: فانا لا نستعين بالمشركين على المشركين، قال: فأسلمنا، وشهدت مع رسول الله ﷺ فأصابتني ضربة على عاتقي فجافتنى، فتعلقت يدي، فأتيت رسول الله ﷺ فتفل فيها وألزقها فالتأمت وبرأت وقتلت الّذي ضربني، ثم تزوجت ابنة الّذي قتلته وضربني، فكانت تقول: لا عدمت رجلا وشحك هذا الوشاح، فأقول: لا عدمت رجلا أعجل أباك إلى النار * وقد روى الامام أحمد هذا الحديث عن يزيد بن هارون باسناده مثله ولم يذكر فتفل فيها فبرأت.
حديث آخر
ثبت في الصحيحين من حديث أبى النضر هاشم بن القاسم عن ورقاء بن عمر السكرى عن عبد الله بن يزيد عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله ﷺ الخلاء فوضعت له وضوءا فلما خرج قال:
стр. 1933
من صنع هذا؟ قالوا: ابن عباس، قال: اللهمّ فقهه في الدين *
وروى البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم عن عباس الدورقي عن الحسن بن موسى الأسيب عن زهير عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وضع يده على كتفي - أو قال: منكبى، شك سعيد - ثم قال: اللهمّ فقهه في الدين وعلمه التأويل، وقد استجاب الله لرسوله ﷺ هذه الدعوة في ابن عمه، فكان إماما يهتدى بهداه ويقتدى بسناه في علوم الشريعة، ولا سيما في علم التأويل وهو التفسير، فإنه انتهت إليه علوم الصحابة قبله، وما كان عقله من كلام ابن عمه رسول الله ﷺ * وقد قال الأعمش عن أبى الضحى عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عاشره أحد منا، وكان يقول لهم: نعم ترجمان القرآن ابن عباس * هذا وقد تأخرت وفاة ابن عباس عن وفاة عبد الله بن مسعود ببضع وثلاثين سنة، فما ظنك بما حصله بعده في هذه المدة؟ وقد روينا عن بعض أصحابه أنه قال: خطب الناس ابن عباس في عشية عرفة ففسر لهم سورة البقرة، أو قال سورة، ففسرها تفسيرا لو سمعه الروم والترك والديلم لأسلموا، ﵁ وأرضاه.
حديث آخر
ثبت في الصحيح أنه ﵇ دعا لأنس بن مالك بكثرة المال والولد، فكان كذلك حتى روى الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبى داود الطيالسي عن أبى خلدة، قال: قلت لأبى العالية: سمع أنس من النبي ﷺ ؟ فقال: خدمه عشر سنين ودعا له، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك * وقد روينا في الصحيح أنه ولد له لصلبه قريب من مائة أو ما ينيف عليها،
وفي رواية: أنه ﷺ ، قال: اللهمّ أطل عمره، فعمر مائة، وقد دعا ﷺ لأم سليم ولأبى طلحة في غابر ليلتهما، فولدت له غلاما سماه رسول الله ﷺ عبد الله، فجاء من صلبه تسعة كلهم قد حفظ القرآن، ثبت ذلك في الصحيح * وثبت في صحيح مسلّم من حديث عكرمة بن عمار عن أبى كثير العنبري عن أبى هريرة أنه سأل من رسول الله ﷺ أن يدعو لأمه فيهديها الله فدعا لها، فذهب أبو هريرة فوجد أمه تغتسل خلف الباب فلما فرغت قالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فجعل أبو هريرة يبكى من الفرح، ثم ذهب فأعلم بذلك رسول الله، وسأل منه أن يدعو لهما أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين فدعا لهما، فحصل ذلك. قال أبو هريرة: فليس مؤمن ولا مؤمنة إلا وهو يحبنا، وقد صدق أبو هريرة في ذلك ﵁ وأرضاه، ومن تمام هذه الدعوة أن الله شهر ذكره في أيام الجمع حيث يذكره الناس بين يدي خطبة الجمعة، وهذا من التقييض القدري والتقدير المعنوي * وثبت في الصحيح أنه ﵇، دعا لسعد بن أبى وقاص وهو مريض فعوفي، ودعا له أن يكون مجاب الدعوة، فقال: اللهمّ أجب دعوته، وسدد
стр. 1934
رميته، فكان كذلك، فنعم أمير السرايا والجيوش كان * وقد دعا على أبى سعدة أسامة بن قتادة حين شهد فيه بالزّور بطول العمر وكثرة الفقر والتعرض للفتن، فكان ذلك، فكان إذا سئل ذلك الرجل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتنى دعوة سعد * وثبت في صحيح البخاري وغيره أنه ﷺ دعا للسائب بن يزيد ومسح بيده على رأسه فطال عمره حتى بلغ أربعا وتسعين سنة وهو تام القامة معتدل، ولم يشب منه موضع أصابت يد رسول الله ﷺ ومتع بحواسه وقواه *
وقال أحمد: ثنا جرير بن عمير، ثنا عروة بن ثابت، ثنا عليّ بن أحمد، حدثني أبو زيد الأنصاري، قال: قال لي رسول الله ﷺ :
ادن منى، فمسح بيد على رأسي ثم قال: اللهمّ جمله وأدم جماله، قال: فبلغ بضعا ومائة - يعنى سنة - وما في لحيته بياض الا نبذة يسيرة، ولقد كان منبسط الوجه لم ينقبض وجهه حتى مات * قال السهيليّ إسناد صحيح موصول * ولقد أورد البيهقي لهذا نظائر كثيرة في هذا المعنى، تشفى القلوب، وتحصل المطلوب * وقد قال الامام أحمد: حدثنا عارم، ثنا معتمر، وقال يحيى بن معين: ثنا عبد الأعلى، ثنا معتمر - هو ابن سليمان -. قال: سمعت أبى يحدث عن أبى العلاء قال: كنت عند قتادة بن ملحان في موضعه الّذي مات فيه، قال: فمر رجل في مؤخر الدار، قال: فرأيته في وجه قتادة، وقال:
كان رسول الله ﷺ قد مسح وجهه، قال: وكنت قبل ما رأيته إلا ورأيت كأن على وجهه الدهان * وثبت في الصحيحين أنه ﵇ دعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة حين رأى عليه ذلك الدرع من الزعفران لأجل العرس، فاستجاب الله لرسوله ﷺ ففتح له في المتجر والمغانم حتى حصل له مال جزيل بحيث إنه لما مات صولحت امرأة من نسائه الأربع عن ربع الثمن على ثمانين ألفا * وثبت في الحديث من طريق شبيب بن غرقد أنه سمع الحي يخبرون عن عروة بن أبى الجعد المازني، أن رسول الله ﷺ أعطاه دينارا ليشترى له به شاة فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينار وأتاه بشاة ودينار، فقال له: بارك الله لك في صفقة يمينك، وفي رواية: فدعا له بالبركة في البيع، فكان لو اشترى التراب لربح فيه * وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أنا ابن وهب، ثنا سعيد بن أبى أيوب عن أبى عقيل أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق فيشترى الطعام فيلقاه ابن الزبير وابن عمر فيقولان: أشركنا في بيعك فان رسول الله ﷺ قد دعا لك بالبركة فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي فبعث بها إلى المنزل *
وقال البيهقي: أنا أبو سعد الماليني، أنا ابن عدي، ثنا على بن محمد بن سليمان الحليمي، ثنا محمد بن يزيد المستملي، ثنا سبابة بن عبد الله، ثنا أيوب بن سيار عن محمد بن المنكدر عن جابر عن أبى بكر عن بلال قال: أذنت في غداة باردة فخرج النبي ﷺ فلم ير في المسجد واحدا، فقال: أين الناس؟ فقلت: منعهم البرد، فقال: اللهمّ أذهب عنهم البرد، فرأيتهم يتروحون * ثم قال البيهقي: تفرد به أيوب بن سيار، ونظيره قد مضى في الحديث المشهور
стр. 1935
عن حذيفة في قصة الخندق.
حديث آخر
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا عبد العزيز بن عبد الله عن محمد بن عبد الله الأصبهاني - إملاء - أنا أبو إسماعيل الترمذي عن محمد بن إسماعيل، ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، ثنا على ابن أبى على اللهبي عن أبى ذئب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج وعمر بن الخطاب معه، فعرضت له امرأة، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة مسلمة محرمة ومعى زوج لي في بيتي مثل المرأة، فقال لها رسول الله ﷺ : ادعى لي زوجك، فدعته وكان خرازا، فقال له: ما تقول في امرأتك يا عبد الله؟ فقال الرجل: والّذي أكرمك ما جف رأسي منها، فقالت امرأته: جاء مرة واحدة في الشهر، فقال لها رسول الله ﷺ : أتبغضينه؟ قالت: نعم، فقال رسول الله ﷺ : ادنيا رءوسكما، فوضع جبهتها على جبهة زوجها ثم قال: اللهمّ ألف بينهما وحبب أحدهما إلى صاحبه * ثم مرّ رسول الله ﷺ بسوق النمط ومعه عمر بن الخطاب فطلعت المرأة تحمل أدما على رأسها، فلما رأت رسول الله ﷺ طرحته وأقبلت فقبلت رجليه، فقال: كيف أنت وزوجك؟ فقالت:
رأت رسول الله ﷺ طرحته وأقبلت فقبلت رجليه، فقال: كيف أنت وزوجك؟ فقالت:
والّذي أكرمك ما طارف ولا تالد أحب إليّ منه، فقال رسول الله ﷺ : أشهد أنى رسول الله، فقال عمر: وأنا أشهد أنك رسول الله * قال أبو عبد الله: تفرد به على بن عليّ اللهبي وهو كثير الرواية للمناكير. قال البيهقي: وقد روى يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر بن عبد الله - يعنى هذه القصة - إلا أنه لم يذكر عمر بن الخطاب.
حديث آخر
قال أبو القاسم البغوي: ثنا كامل بن طلحة، ثنا حماد بن سلمة، ثنا على بن زيد بن جدعان عن أبى الطفيل أن رجلا ولد له غلام فأتى به رسول الله ﷺ ، فدعا له بالبركة وأخذ بجبهته فنبتت شعرة في جبهته كأنها هلبة فرس، فشب الغلام، فلما كان زمن الخوارج أجابهم فسقطت الشعرة عن جبهته. فأخذه أبوه فحبسه وقيده مخافة أن يلحق بهم، قال: فدخلنا عليه فوعظناه وقلنا له: ألم تر إلى بركة رسول الله ﷺ وقعت؟ فلم نزل به حتى رجع عن رأيهم، قال: فرد الله تلك الشعرة إلى جبهته إذ تاب * وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم عن أبى أسامة الكلبي عن سريج بن مسلّم عن أبى يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي، حدثني سيف بن وهب عن أبى الطفيل أن رجلا من بنى ليث يقال له: فراس بن عمرو أصابه صداع شديد فذهب به أبوه إلى رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه، وأخذ بجلدة بين عينيه فجذبها حتى تبعصت فنبتت في موضع أصابع رسول الله ﷺ شعرة، وذهب عنه الصداع فلم يصدع * وذكر بقية القصة في الشعرة كنحو ما تقدم.
стр. 1936
حديث آخر
قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا هاشم بن القاسم الحراني، ثنا يعلى بن الأشدق، سمعت عبد الله ابن حراد العقيلي، حدثني النابغة - يعنى الجعديّ - قال: أتيت رسول الله ﷺ فأنشدته من قولي:
بلغنا السماء عفة وتكرما … وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ قال: قلت: أي الجنة، قال: أجل إن شاء الله، قال: أنشدنى، فأنشدته من قولي:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له … بوادر تحمى صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له … حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
قال: أحسنت لا يفضض الله فاك * هكذا
رواه البزار إسنادا ومتنا، وقد رواه الحافظ البيهقي من طريق أخرى فقال: أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان، أنا أبو بكر بن محمد بن المؤمل، ثنا جعفر بن محمد بن سوار، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السكرى الرقى، حدثني يعلى بن الأشدق قال: سمعت النابغة - نابغة بنى جعدة - يقول: أنشدت رسول الله ﷺ هذا الشعر، فأعجبه:
بلغنا السما مجدنا وتراثنا … وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ قلت: الجنة. قال: كذلك إن شاء الله:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له … بوادر تحمى صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له … حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال النبي ﷺ : أجدت لا يفضض الله فاك، قال يعلى: فلقد رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة وما ذهب له سن * قال البيهقي: وروى عن مجاهد بن سليم عن عبد الله بن حراد سمعت نابغة يقول: سمعني رسول الله ﷺ وأنا أنشد من قولي:
بلغنا السماء عفة وتكرما * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا ثم ذكر الباقي بمعناه، قال: فلقد رأيت سنه كأنها البرد والمنهل ما سقط له سن ولا انفلت.
حديث آخر
قال الحافظ البيهقي: أنا أبو بكر القاضي وأبو سعيد بن يوسف أبى عمرو، قالا: ثنا الأصم، ثنا عباس الدوري، ثنا على بن بحر القطان، ثنا هاشم بن يوسف، ثنا معمر، ثنا ثابت وسليمان التيمي عن أنس أن رسول الله ﷺ ، نظر قبل العراق والشام واليمن - لا أدرى بأيتهن بدأ - ثم قال:
اللهمّ أقبل بقلوبهم إلى طاعتك وحط من أوزارهم *
ثم رواه عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن على بن بحر بن سرى فذكره بمعناه * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا عمران القطان
стр. 1937
عن قتادة عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت قال: نظر رسول الله ﷺ قبل اليمن فقال: اللهمّ أقبل بقلوبهم، ثم نظر قبل الشام فقال: اللهمّ أقبل بقلوبهم، ثم نظر قبل العراق فقال: اللهمّ أقبل بقلوبهم، وبارك لنا في صاعنا ومدنا * وهكذا وقع الأمر، أسلّم أهل اليمن قبل أهل الشام، ثم كان الخير والبركة قبل العراق، ووعد أهل الشام بالدوام على الهداية والقيام بنصرة الدين إلى آخر الأمر * وروى أحمد في مسندة: لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق.
فصل
وروى مسلّم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن زيد بن الحباب عن عكرمة بن عمار: حدثني إياس ابن سلمة بن الأكوع أن أباه حدثه أن رجلا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال له: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما يمنعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه *
وقد رواه أبو داود الطيالسي عن عكرمة عن إياس عن أبيه قال: أبصر رسول الله ﷺ بشر بن راعى العير وهو يأكل بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، قال: فما وصلت يده إلى فيه بعد *
وثبت في صحيح مسلّم من حديث شعبة عن أبى حمزة عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغلمان فجاء رسول الله ﷺ فاختبأت منه، فجاءني فحطاني حطوة أو حطوتين وأرسلنى إلى معاوية في حاجة، فأتيته وهو يأكل، فقلت: أتيته وهو يأكل، فأرسلنى الثانية فأتيته وهو يأكل، فقلت: أتيته وهو يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنه *
وقد روى البيهقي عن الحاكم عن على بن حماد عن هشام ابن على عن موسى بن إسماعيل: حدثني أبو عوانة عن أبى حمزة: سمعت ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلى، فذهبت فاختبأت على باب، فجاء فحطاني خطوة وقال: اذهب فادع لي معاوية - وكان يكتب (١) الوحي - قال: فذهبت فدعوته له فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه لي، فأتيته الثانية، فقيل إنه يأكل، فأتيت رسول الله فأخبرته فقال في الثانية: لا أشبع الله بطنه (٢)، قال: فما شبع بعدها، قلت: وقد كان معاوية ﵁ لا يشبع بعدها، ووافقته هذه الدعوة في أيام إمارته، فيقال:
إنه كان يأكل في اليوم سبع مرات طعاما بلحم، وكان يقول: والله لا أشبع وإنما أعيى * وقدمنا في غزوة تبوك أنه مرّ بين أيديهم وهم يصلون غلام فدعا عليه فأقعد فلم يقم بعدها * وجاء من طرق أوردها البيهقي أن رجلا حاكى النبي ﷺ في كلام واختلج بوجهه، فقال رسول الله ﷺ : كن كذلك، فلم
стр. 1938
يزل يختلج ويرتعش مدة عمره حتى مات * وقد ورد في بعض الروايات أنه الحكم بن أبى العاص، أبو مروان بن الحكم فالله أعلم *
وقال مالك عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بنى أنمار، فذكر الحديث في الرجل الّذي عليه ثوبان قد خلقا، وله ثوبان في القنية، فأمره رسول الله ﷺ فلبسهما ثم ولى، فقال رسول الله: ما له؟ ضرب الله عنقه، فقال الرجل:
في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : في سبيل الله، فقتل الرجل في سبيل الله * وقد ورد من هذا في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : في سبيل الله، فقتل الرجل في سبيل الله * وقد ورد من هذا النوع كثير. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة بطرق متعددة عن جماعة من الصحابة تفيد القطع كما سنوردها قريبا
في باب فضائله ﷺ أنه قال: اللهمّ من سببته أو جلدته أو لعنته وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك قربة له تقربه بها عندك يوم القيامة * وقد قدمنا في أول البعثة
حديث ابن مسعود في دعائه ﷺ على أولئك النفر السبعة، الذين أحدهم أبو جهل بن هشام وأصحابه، حين طرحوا على ظهره ﵇ سلا الجزور، وألقته عنه ابنته فاطمة، فلما انصرف قال: اللهمّ عليك بقريش، اللهمّ عليك بأبي جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ثم سمّى بقية السبعة، قال ابن مسعود: فو الّذي بعثه بالحق لقد رأيتهم صرعى في القليب قليب بدر الحديث. وهو متفق عليه.
حديث آخر
قال الامام أحمد: حدثني هشام، ثنا سليمان - يعنى ابن المغيرة - عن ثابت عن أنس بن مالك قال: كان منا رجل من بنى النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ﷺ ، فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه وقالوا: هذا كان يكتب لمحمد، وأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له وواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذا * ورواه مسلم عن محمد بن راضي عن أبى النضر هاشم بن القاسم به.
طريق أخرى عن أنس
قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا حميد عن أنس أن رجلا كان يكتب للنّبيّ ﷺ وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران عز فينا - يعنى عظم - فكان رسول الله ﷺ يملى عليه: غفورا رحيما، فيكتب: عليما حكيما، فيقول له النبي ﷺ :
اكتب كذا وكذا فيقول: أكتب كيف شئت، ويملى عليه: عليما حكيما، فيكتب: سميعا بصيرا، فيقول: اكتب كيف شئت، قال فارتد ذلك الرجل عن الإسلام فلحق بالمشركين، وقال: أنا أعلمكم بمحمد، وإني كنت لا أكتب إلا ما شئت، فمات ذلك الرجل، فقال النبي ﷺ : إن
стр. 1939
الأرض لا تقبله، قال أنس: فحدثني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها ذلك الرجل فوجده منبوذا، فقال أبو طلحة: ما شأن هذا الرجل؟ قالوا: قد دفناه مرارا فلم تقبله الأرض * وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجوه.
طريق أخرى عن أنس
وقال البخاري: ثنا أبو معمر، ثنا عبد الرزاق، ثنا عبد العزيز عن أنس بن مالك قال: كان رجل نصراني فأسلّم وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنّبيّ ﷺ فعاد نصرانيا، وكان يقول:
لا يدرى محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه - لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه -، فحفروا له فأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه *
باب
المسائل التي سئل عنها رسول الله ﷺ فأجاب عنها بما يطابق الحق الموافق لما يشهد به الكتب المتقدمة الموروثة عن الأنبياء قبله
قد ذكرنا في أول البعثة ما تعنتت به قريش وبعثت إلى يهود المدينة يسألونهم عن أشياء يسألون عنها رسول الله ﷺ ، فقالوا: سلوه عن الروح، وعن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدرى ما صنعوا، وعن رجل طواف في الأرض بلغ المشارق والمغارب، فلما رجعوا سألوا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ وأنزل سورة الكهف يشرح فيها خبر الفتية الذين فارقوا دين قومهم وآمنوا بالله العزيز الحميد، وأفردوه بالعبادة، واعتزلوا قومهم، ونزلوا غارا وهو الكهف، فناموا فيه، ثم أيقظهم الله بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وكان من أمرهم ما قصّ الله علينا في كتابه العزيز، ثم قصّ خبر الرجلين المؤمن والكافر، وما كان من أمرهما، ثم ذكر خبر موسى والخضر وما جرى لهما من الحكم والمواعظ، ثم قال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً﴾، ثم شرح، ثم ذكر خبره وما وصل إليه من المشارق والمغارب، وما عمل من المصالح في العالم، وهذا الإخبار هو الواقع في الواقع، وإنما يوافقه من الكتب التي بأيدي أهل الكتاب، ما كان منها حقا، وأما ما كان محرفا مبدلا فذاك مردود، فان الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب ليبين للناس ما اختلفوا فيه من الأخبار والأحكام، قال الله تعالى بعد ذكر التوراة والإنجيل: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ وذكرنا في أول الهجرة قصة إسلام عبد الله بن سلام، وأنه
стр. 1940
قال لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه قلت (١): إن وجهه ليس بوجه كذاب،
فكان أول ما سمعته يقول: أيها الناس، أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام *
وثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث إسماعيل بن عطية وغيره عن حميد عن أنس قصة سؤاله رسول الله ﷺ : ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه؟ فقال رسول الله ﷺ : أخبرنى بهنّ جبريل آنفا، ثم قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه * وقد رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن أبى معشر عن سعيد المقبري، فذكر مساءلة عبد الله بن سلام إلا أنه قال: فسأله عن السواد الّذي في القمر، بدل أشراط الساعة، فذكر الحديث إلى أن قال: وأما السواد الّذي في القمر فإنهما كانا شمسين فقال الله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ فالسواد الّذي رأيت هو المحو، فقال عبد الله بن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
حديث آخر في معناه
قال الحافظ البيهقي: أنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي، أنا أبو الحسن - أحمد بن محمد بن ابن عيدروس - ثنا عثمان بن سعيد، أنا الربيع بن نافع، أبو توبة، ثنا معاوية بن سلام عن زيد ابن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: أخبرنى أبو أسماء الرجبى أن ثوبان حدثه قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاءه حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، قال: لم تدفعني؟ قال: قلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ قال: إنما سميته باسمه الّذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ : إن اسمى الّذي سماني به أهلي محمد، فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال رسول الله ﷺ : ينفعك شيء إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، فنكت بعود معه، فقال له: سل، فقال له اليهودي: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله ﷺ : في الظلمة دون الجسر، قال: فمن أول الناس إجازة؟ فقال: فقراء المهاجرين، قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد الحوت، قال: وما غذاؤهم على إثره؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الّذي كان يأكل من أطرافها، قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلا، قال:
صدقت، قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال:
стр. 1941
ينفعك إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، قال: جئت أسألك عن الولد، قال: ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل منى المرأة أذكرا بأذن الله، وإذا علا منىّ المرأة منىّ الرجل أنثا بأذن الله، فقال اليهودي: صدقت وإنك لنبي، ثم انصرف، فقال النبي ﷺ : إنه سألني عنه وما أعلم شيئا منه حتى أتانى الله به * وهكذا رواه مسلّم عن الحسن بن على الحلواني عن أبى توبة الربيع ابن نافع به، وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو عبد الله بن سلام، ويحتمل أن يكون غيره والله أعلم.
حديث آخر
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب، حدثني ابن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود يوما عند رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله حدثنا عن خلال نسألك عنها لا يعلمها إلا نبي، قال: سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه إن أنا حدثتكم بشيء تعرفونه صدقا لتتابعنى على الإسلام، قالوا: لك ذلك، قال: سلوا عما شئتم، قالوا: أخبرنا عن أربع خلال ثم نسألك، أخبرنا عن الطعام الّذي حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وأخبرنا عن ماء الرجل كيف يكون الذكر منه حتى يكون ذكرا، وكيف تكون الأنثى حتى تكون الأنثى، وأخبرنا عن هذا النبي في النوم ومن وليك من الملائكة، قال: فعليكم عهد الله لئن أنا حدثتكم لتتابعنى، فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، قال: أنشدكم بالله الّذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل - يعقوب - مرض مرضا شديدا طال سقمه فيه، فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحبّ الشراب إليه ألبان الإبل، وأحب الطعام إليه لحمان الإبل؟ قالوا: اللهمّ نعم، فقال رسول الله: اللهمّ اشهد عليهم، قال: فأنشدكم الله الّذي لا إله إلا هو، الّذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا كان له الولد والشبه باذن الله، وإن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرا باذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى باذن الله؟ قالوا:
اللهمّ نعم، قال رسول الله: اللهمّ اشهد عليهم، قال: وأنشدكم بالله الّذي لا إله إلا هو، الّذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ قالوا، اللهمّ نعم، قال: اللهمّ اشهد عليهم، قالوا: أنت الآن حدثنا عن وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك، قال:
وليي جبريل ﵇، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه، فقالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك غيره من الملائكة لبايعناك وصدقناك، قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا من الملائكة، فأنزل الله ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ الآية، ونزلت ﴿فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ الآية.
стр. 1942
حديث آخر
قال الامام أحمد، ثنا يزيد، ثنا شعبة عن عمرو بن مرة، سمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادي، قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فقال: لا تقل له شيئا، فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين، فسألاه: فقال النبي ﷺ لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة، أو قال: لا تفروا من الزحف - شعبة الشاك - وأنتم يا معشر يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت، قال: فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكما أن تتبعانى؟ قالا: إن داود ﵇ دعا أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود * وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم والبيهقي من طرق عن شعبة به، وقال الترمذي:
حسن صحيح * قلت: وفي رجاله من تكلم فيه، وكأنه اشتبه على الراويّ التسع الآيات بالعشر الكلمات، وذلك أن الوصايا التي أوصاها الله إلى موسى وكلمه بها ليلة القدر بعد ما خرجوا من ديار مصر وشعب بنى إسرائيل حول الطور حضور، وهارون ومن معه وقوف على الطور أيضا، وحينئذ كلم الله موسى تكليما آمرا له بهذه العشر كلمات، وقد فسرت في هذا الحديث، وأما التسع الآيات فتلك دلائل وخوارق عادات أيد بها موسى ﵇، وأظهرها الله على يديه بديار مصر، وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والجدب ونقص الثمرات، وقد بسطت القول على ذلك في التفسير بما فيه الكفاية والله أعلم.
فصل
وقد ذكرنا في التفسير عند قوله تعالى في سورة البقرة ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ومثلها في سورة الجمعة وهي قوله: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وذكرنا أقوال المفسرين في ذلك وأن الصواب أنه دعاهم إلى المباهلة وأن يدعو بالموت على المبطل منهم أو المسلمين، فنكلوا عن ذلك لعلمهم بظلم أنفسهم، وأن الدعوة تنقلب عليهم، ويعود وبالها إليهم، وهكذا دعا النصارى من أهل نجران حين حاجوه في عيسى بن مريم، فأمره الله أن يدعوهم إلى المباهلة في قوله ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ﴾
стр. 1943
وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ وهكذا دعا على المشركين على وجه المباهلة في قوله ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ وقد بسطنا القول في ذلك عند هذه الآيات في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة.
حديث آخر يتضمن اعتراف اليهود بأنه رسول الله ويتضمن تحاكمهم إليه ورجوعهم إلى ما يحكم به ولكن بقصد منهم مذموم
وذلك أنهم ائتمروا بينهم أنه إن حكم بما يوافق هواهم اتبعوه، وإلا فاحذروا ذلك، وقد ذمهم الله في كتابه العزيز على هذا القصد *
قال عبد الله بن المبارك: ثنا معمر عن الزهري قال: كنت جالسا عند سعيد بن المسيب وعند سعيد رجل وهو يوقره، وإذا هو رجل من مزينة، كان أبوه شهد الحديبيّة وكان من أصحاب أبى هريرة، قال: قال أبو هريرة: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ ، إذ جاء نفر من اليهود - وقد زنا رجل منهم وامرأة - فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بالتخفيف، فان أفتانا حدا دون الرجم فعلناه واحتججنا عند الله حين نلقاه بتصديق نبي من أنبيائه، قال مرة عن الزهري، وإن أمرنا بالرجم عصيناه فقد عصينا الله فيما كتب علينا من الرجم في التوراة، فأتوا رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل منا زنا بعد ما أحصن؟ فقام رسول الله ﷺ ولم يرجع إليهم شيئا، وقام معه رجال من المسلمين، حتى أتوا بيت مدراس اليهود فوجدوهم يتدارسون التوراة، فقال لهم رسول الله ﷺ : يا معشر اليهود، أنشدكم بالله الّذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة من العقوبة على من زنا إذا أحصن؟ قالوا:
نجبيه، والتجبية أن يحملوا اثنين على حمار فيولوا ظهر أحدهما ظهر الآخر، قال: وسكت حبرهم وهو فتى شاب، فلما رآه رسول الله ﷺ صامتا ألظ به النشدة، فقال حبرهم: أما إذ نشدتهم فانا نجد في التوراة الرجم على من أحصن، قال النبي ﷺ : فما أول ما ترخصتم أمر الله ؟ فقال:
زنى رجل منا ذو قرابة بملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، فزنى بعده آخر في أسرة من الناس فأراد ذلك الملك أن يرجمه فقام قومه دونه، فقالوا: لا والله لا نرجمه حتى يرجم فلانا ابن عمه، فاصطلحوا بينهم على هذه العقوبة، فقال رسول الله ﷺ : فانى أحكم بما حكم في التوراة، فأمر رسول الله ﷺ بهما فرجما * قال الزهري: وبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ وله شاهد في الصحيح عن ابن عمر، قلت: وقد ذكرنا ما ورد في هذا السياق من الأحاديث عند قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ﴾ يعنى الجلد
стр. 1944
والتحميم الّذي اصطلحوا عليه وابتدعوه من عند أنفسهم، يعنى إن حكم لكم محمد بهذا فخذوه، (وإن لم تؤتوه فاحذروا)، يعنى وإن لم يحكم لكم بذلك فاحذروا قبوله، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ إلى أن قال ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ فذمهم الله تعالى على سوء ظنهم وقصدهم بالنسبة إلى اعتقادهم في كتابهم، وأن فيه حكم الله بالرجم، وهم مع ذلك يعلمون صحته، ثم يعدلون عنه إلى ما ابتدعوه من التحميم والتجبيه *
وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن الزهري قال: سمعت رجلا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثهم فذكره، وعنده فقال رسول الله ﷺ لابن صوريا: أنشدك بالله وأذكرك أيامه عند بنى إسرائيل، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنا بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟ فقال: اللهمّ نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم يعرفون أنك نبيّ مرسل، ولكنهم يحسدونك، فخرج رسول الله ﷺ فأمر بهما فرجما عند باب مسجده في بنى تميم عند مالك بن النجار، قال: ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ الآيات * وقد ورد ذكر عبد الله بن صوريا الأعور في حديث ابن عمير وغيره بروايات صحيحة قد بيناها في التفسير.
حديث آخر
قال حماد بن سلمة: ثنا ثابت عن أنس أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه رسول الله ﷺ يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول الله ﷺ : يا يهودي، أنشدك بالله الّذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون في التوراة نعتي وصفتي ومخرجي؟ فقال: لا، فقال الفتى: بلى والله يا رسول الله، إنا نجد في التوراة نعتك وصفتك ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبي لأصحابه: أقيموا هذا من عند رأسه، ولوا أخاكم * ورواه البيهقي من هذا الوجه بهذا اللفظ.
حديث آخر
قال أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبى عبيدة بن عبد الله عن أبيه قال: إن الله ابتعث نبيه ﷺ لا لإدخال رجل الجنة، فدخل النبي ﷺ كنيسة وإذا يهودي يقرأ التوراة، فلما أتى على صفته أمسك، قال: وفي ناحيتها رجل مريض، فقال النبي ﷺ : ما لكم أمسكتم؟ فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا، ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة وقال: ارفع يدك، فقرأ حتى أتى على صفته، فقال: هذه صفتك وصفة أمتك،
стр. 1945
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ثم مات، فقال النبي ﷺ : لوا أخاكم.
حديث آخر
إن النبي ﷺ : وقف على مدراس اليهود فقال: يا معشر يهود أسلموا، فو الّذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنى رسول الله إليكم، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال: ذلك أريد.
فصل
فالذي يقطع به من كتاب الله وسنة رسوله، ومن حيث المعنى، أن رسول الله ﷺ قد بشرت به الأنبياء قبله، وأتباع الأنبياء يعلمون ذلك، ولكن أكثرهم يكتمون ذلك ويخفونه، قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ، بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * * قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وقال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ وقال تعالى:
﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ وقال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ فذكر تعالى بعثته إلى الأميين وأهل الكتاب وسائر الخلق من عربهم وعجمهم، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له،
قال ﷺ : والّذي نفسي بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بى إلا دخل النار *
رواه مسلّم، وفي الصحيحين: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، «نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت السماحة، (١) وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة. وفيهما:
بعثت إلى الأسود والأحمر، قيل: إلى العرب والعجم، وقيل: إلى الأنس والجن، والصحيح أعم من ذلك، والمقصود أن البشارات به ﷺ موجودة في الكتب الموروثة عن الأنبياء قبله حتى تناهت النبوة إلى آخر أنبياء بنى إسرائيل، وهو عيسى بن مريم، وقد قام بهذه البشارة في بنى
стр. 1946
إسرائيل، وقص الله خبره في ذلك فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ فأخبار محمد صلوات الله وسلامه عليه بأن ذكره موجود في الكتب المتقدمة، فيما جاء به من القرآن، وفيما ورد عنه من الأحاديث الصحيحة كما تقدم، وهو مع ذلك من أعقل الخلق باتفاق الموافق والمفارق، يدل على صدقه في ذلك قطعا، لأنه لو لم يكن واثقا بما أخبر به من ذلك، لكان ذلك من أشد المنفرات عنه، ولا يقدم على ذلك عاقل، والغرض أنه من أعقل الخلق حتى عند من يخالفه، بل هو أعقلهم في نفس الأمر * ثم إنه قد انتشرت دعوته في المشارق والمغارب، وعمت دولة أمته في أقطار الآفاق عموما لم يحصل لأمة من الأمم قبلها، فلو لم يكن محمد ﷺ نبيا، لكان ضرره أعظم من كل أحد، ولو كان كذلك لحذر عنه الأنبياء أشد التحذير، ولنفروا أممهم منه أشد التنفير، فإنهم جميعهم قد حذروا من دعاة الضلالة في كتبهم، ونهوا أممهم عن اتباعهم والاقتداء بهم، ونصوا على المسيح الدجال، الأعور الكذاب، حتى قد أنذر نوح - وهو أول الرسل - قومه، ومعلوم أنه لم ينص نبي من الأنبياء على التحذير من محمد، ولا التنفير عنه، ولا الأخبار عنه بشيء خلاف مدحه، والثناء عليه، والبشارة بوجوده، والأمر باتباعه، والنهى عن مخالفته، والخروج من طاعته، قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ، * فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ قال ابن عباس ﵄: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وليتبعنه، رواه البخاري * وقد وجدت البشارات به ﷺ في الكتب المتقدمة وهي أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر * وقد قدمنا قبل مولده ﵇ طرفا صالحا من ذلك، وقررنا في كتاب التفسير عند الآيات المقتضية لذلك آثارا كثيرة، ونحن نورد هاهنا شيئا مما وجد في كتبهم التي يعترفون بصحتها، ويتدينون بتلاوتها، مما جمعه العلماء قديما وحديثا ممن آمن منهم، واطلع على ذلك من كتبهم التي بأيديهم، ففي السفر الأول من التوراة التي بأيديهم في قصة إبراهيم الخليل ﵇ ما مضمونه وتعريبه: إن الله أوحى إلى إبراهيم ﵇، بعد ما سلمه من نار النمروذ: أن قم فاسلك الأرض مشارقها ومغاربها لولدك، فلما قص ذلك على سارة طمعت أن يكون ذلك لولدها منه، وحرصت على إبعاد هاجر وولدها، حتى ذهب بهما الخليل إلى برية الحجاز وجبال فاران، وظن إبراهيم ﵇ أن هذه البشارة تكون لولده إسحاق، حتى أوحى الله إليه ما مضمونه: أما ولدك إسحاق فإنه يرزق ذرية عظيمة، وأما ولدك إسماعيل فانى باركته وعظمته،
стр. 1947
وكثرت ذريته، وجعلت من ذريته ماذماذ، يعنى محمدا ﷺ ، وجعلت في ذريته اثنا عشر إماما، وتكون له أمة عظيمة، وكذلك بشرت هاجر حين وضعها الخليل عند البيت فعطشت وحزنت على ولدها، وجاء الملك فأنبع زمزم، وأمرها بالاحتفاظ بهذا الولد، فإنه سيولد له منه عظيم، له ذرية عدد نجوم السماء * ومعلوم أنه لم يولد من ذرية إسماعيل، بل من ذرية آدم، أعظم قدرا ولا أوسع جاها، ولا أعلى منزلة، ولا أجل منصبا، من محمد ﷺ ، وهو الّذي استولت دولة أمته على المشارق والمغارب، وحكموا على سائر الأمم * وهكذا في قصة إسماعيل من السفر الأول: أن ولد إسماعيل تكون يده على كل الأمم، وكل الأمم تحت يده وبجميع مساكن إخوته يسكن، وهذا لم يكن لأحد يصدق على الطائفة إلا لمحمد ﷺ * وأيضا في السفر الرابع في قصة موسى، أن الله أوحى إلى موسى ﵇: أن قل لبني إسرائيل: سأقيم لهم نبيا من أقاربهم مثلك يا موسى، وأجعل وحيي بفيه وإياه تسمعون * وفي السفر الخامس - وهو سفر الميعاد - أن موسى ﵇ خطب بنى إسرائيل في آخر عمره - وذلك في السنة التاسعة والثلاثين من سنى التيه - وذكرهم بأيام الله وأياديه عليهم، في آخر عمره - وذلك في السنة التاسعة والثلاثين من سنى التيه - وذكرهم بأيام الله وأياديه عليهم، وإحسانه إليهم، وقال لهم فيما قال: واعلموا أن الله سيبعث لكم نبيا من أقاربكم مثل ما أرسلنى إليكم، يأمركم بالمعروف، وينهاكم عن المنكر، ويحل لكم الطيبات، ويحرم عليكم الخبائث، فمن عصاه فله الخزي في الدنيا، والعذاب في الآخرة * وأيضا في آخر السفر الخامس وهو آخر التوراة التي بأيديهم: جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران: وظهر من ربوات قدسه، عن يمينه نور، وعن شماله نار، عليه تجتمع الشعوب. أي جاء أمر الله وشرعه من طور سيناء - وهو الجبل الّذي كلم الله موسى ﵇ عنده - وأشرق من ساعير وهي جبال بيت المقدس - المحلة التي كان بها عيسى بن مريم ﵇ واستعلن أي ظهر وعلا أمره من جبال فاران، وهي جبال الحجاز بلا خلاف، ولم يكن ذلك إلا على لسان محمد ﷺ * فذكر تعالى هذه الأماكن الثلاثة على الترتيب الوقوعي، ذكر محلة موسى، ثم عيسى، ثم بلد محمد ﷺ ، ولما أقسم تعالى بهذه الأماكن الثلاثة ذكر الفاضل أولا، ثم الأفضل منه، ثم الأفضل منه، على قاعدة القسم فقال تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ والمراد بها محلة بيت المقدس حيث كان عيسى ﵇ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ وهو الجبل الّذي كلم الله عليه موسى ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ وهو البلد الّذي ابتعث منه محمدا ﷺ * قاله غير واحد من المفسرين في تفسير هذه الآيات الكريمات * وفي زبور داود ﵇ صفة هذه الأمة بالجهاد والعبادة، وفيه مثل ضربه لمحمد ﷺ ، بأنه ختام القبة المبنية،
كما ورد به الحديث في الصحيحين: «مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأكملها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطيفون بها ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟» ومصداق ذلك أيضا في
стр. 1948
قوله تعالى ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وفي الزبور صفة محمد ﷺ بأنه ستنبسط نبوته ودعوته وتنفذ كلمته من البحر إلى البحر، وتأتيه الملوك من سائر الأقطار طائعين بالقرابين والهدايا، وأنه يخلص المضطر، ويكشف الضر عن الأمم، وينقذ الضعيف الّذي لا ناصر له، ويصلى عليه في كل وقت، ويبارك الله عليه في كل يوم، ويدوم ذكره إلى الأبد. وهذا إنما ينطبق على محمد ﷺ * وفي صحف شعيا في كلام طويل فيه معاتبة لبني إسرائيل، وفيه فانى أبعث إليكم وإلى الأمم نبيا أميا ليس بفظ ولا غليظ القلب ولا سخاب في الأسواق، أسدده لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى في ضميره، والحكمة معقولة، والوفاء طبيعته، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى ملته، والإسلام دينه، والقرآن كتابه، أحمد اسمه، أهدى به من الضلالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين القلوب المختلفة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، قرا بينهم دماؤهم، أنا جيلهم في صدورهم، رهبانا بالليل، ليوثا بالنهار ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وفي الفصل الخامس (١) من كلام شعيا:
يدوس الأمم كدوس البيادر، وينزل البلاء بمشركي العرب، وينهزمون قدامه * وفي الفصل السادس والعشرين منه: ليفرح أرض البادية العطشى، ويعطى أحمد محاسن لبنان، ويرون جلال الله بمهجته * وفي صحف إلياس ﵇: أنه خرج مع جماعة من أصحابه سائحا، فلما رأى العرب بأرض الحجاز قال لمن معه: انظروا إلى هؤلاء فإنهم هم الذين يملكون حصونكم العظيمة، فقالوا: يا نبي الله فما الّذي يكون معبودهم؟ فقال: يعظمون رب العزة فوق كل رابية عالية * ومن صحف حزقيل: إن عبدي خيرتي أنزل عليه وحيي، يظهر في الأمم عدلي، اخترته واصطفيته لنفسي، وأرسلته إلى الأمم بأحكام صادقة * ومن كتاب النبوات: أن نبيا من الأنبياء مرّ بالمدينة فأضافه بنو قريظة والنضير، فلما رآهم بكى، فقالوا له: ما الّذي يبكيك يا نبي الله؟ فقال: نبي يبعثه الله من الحرة، يخرب دياركم ويسبى حريمكم، قال: فأراد اليهود قتله فهرب منهم * ومن كلام حزقيل ﵇: يقول الله: من قبل أن صورتك في الأحشاء قدستك وجعلتك نبيا، وأرسلتك إلى سائر الأمم * وفي صحف شعيا أيضا، مثل مضروب لمكة شرفها الله: افرحى يا عاقر بهذا الولد الّذي يهبه لك ربك، فان ببركته تتسع لك الأماكن، وتثبت أوتادك في الأرض وتعلو أبواب مساكنك، ويأتيك ملوك الأرض عن يمينك وشمالك بالهدايا والتقادم، وولدك هذا يرث جميع الأمم، ويملك سائر المدن والأقاليم، ولا تخافي ولا تحزني فما بقي يلحقك ضيم من عدو أبدا، وجميع أيام ترملك تنسيها * وهذا كله إنما حصل على يدي محمد ﷺ * وإنما المراد بهذه العاقر مكة، ثم صارت كما ذكر
стр. 1949
في هذا الكلام لا محالة * ومن أراد من أهل الكتاب أن يصرف هذا ويتأوله على بيت المقدس وهذا (١) لا يناصبه من كل وجه والله أعلم * وفي صحف أرميا: كوكب ظهر من الجنوب، أشعته صواعق، سهامه خوارق، دكت له الجبال. وهذا المراد به محمد ﷺ * وفي الإنجيل يقول عيسى ﵇: إني مرتق إلى جنات العلى، ومرسل إليكم الفارقليط روح الحق يعلمكم كل شيء، ولم يقل شيئا من تلقاء نفسه. والمراد بالفارقليط محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كما تقدم عن عيسى أنه قال ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ * وهذا باب متسع، ولو تقصينا جميع ما ذكره الناس لطال هذا الفصل جدا، وقد أشرنا إلى نبذ من ذلك يهتدى بها من نور الله بصيرته وهداه إلى صراطه المستقيم، وأكثر هذه النصوص يعلمها كثير من علمائهم وأحبارهم، وهم مع ذلك يتكاتمونها ويخفونها *
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الطفيل قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبيد الله بن أبى داود المنادي، ثنا يونس ابن محمد المؤدب، ثنا صالح بن عمر، ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن الغليان (٢) بن عاصم قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، إذ شخص ببصره إلى رجل فدعاه فأقبل رجل من اليهود مجتمع عليه قميص وسراويل ونعلان، فجعل يقول: يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ يقول: أتشهد أنى رسول الله؟ فجعل لا يقول شيئا إلا قال: يا رسول الله، فيقول: أتشهد أنى رسول الله؟ فيأبى، فقال رسول الله ﷺ : أتقرأ التوراة؟ قال: نعم، قال: والإنجيل؟ قال: نعم، والفرقان ورب محمد لو شئت لقرأته، قال: فأنشدك بالذي أنزل التوراة والإنجيل وأنشأ خلقه بها، تجدني فيهما؟ قال: نجد مثل نعتك، يخرج من مخرجك، كنا نرجو أن يكون فينا، فلما خرجت رأينا أنك هو، فلما نظرنا إذا أنت لست به، قال: من أين؟ قال: نجد من أمتك سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وإنما أنتم قليل، قال: فهلل رسول الله ﷺ وكبر، وهلل وكبر، ثم قال: والّذي نفس محمد بيده إنني لأنا هو، وإن من أمتى لأكثر من سبعين ألفا وسبعين وسبعين
حديث في جوابه ﷺ لمن سأل عما سأل قبل أن يسأله عن شيء منه
قال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا الزبير بن عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز - ولم يسمعه منه - قال: حدثني جلساؤه وقد رأيته عن وابصة الأسدي، وقال عفان: ثنا غير مرة ولم يقل: حدثني جلساؤه، قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والإثم إلا سألته عنه، وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه، فجعلت أتخطاهم، فقالوا:
إليك وابصة عن رسول الله، فقلت: دعوني فأدنو منه، فإنه أحب الناس إلى أن أدنو منه، قال:
стр. 1950
دعوا وابصة، ادن يا وابصة، مرتين أو ثلاثا، قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، فقال:
يا وابصة أخبرك أم تسألنى؟ فقلت: لا، بل أخبرنى: فقال، جئت تسأل عن البر والإثم، فقلت:
نعم، فجمع أنامله فجعل ينكت بهن في صدري ويقول يا وابصة استفت قلبك واستفت نفسك (ثلاث مرات) البر ما اطمأنت اليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك
باب
ما أخبر به ﷺ من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده فوقعت طبق ما أخبر به سواء بسواء
وهذا باب عظيم لا يمكن استقصاء جميع ما فيه لكثرتها، ولكن نحن نشير إلى طرف منها وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. وذلك منتزع من القرآن ومن الأحاديث، أما القرآن فقال تعالى في سورة المزمل - وهي من أوائل ما نزل بمكة - ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ومعلوم أن الجهاد لم يشرع إلا بالمدينة بعد الهجرة. وقال تعالى في سورة اقترب - وهي مكية - ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ووقع هذا يوم بدر، وقد تلاها رسول الله ﷺ وهو خارج من العريش ورماهم بقبضة من الحصباء فكان النصر والظفر، وهذا مصداق ذاك * وقال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ * سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ * وَاِمْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ فأخبر أن عمه عبد العزى بن عبد المطلب الملقب بأبي لهب سيدخل النار هو وامرأته، فقدر الله أنهما ماتا على شركهما لم يسلما، حتى ولا ظاهرا، وهذا من دلائل النبوة الباهرة، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ الآية، فأخبر أن جميع الخليقة لو اجتمعوا وتعاضدوا وتناصروا وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته وبلاغته، وحلاوته وإحكام أحكامه، وبيان حلاله وحرامه، وغير ذلك من وجوه إعجازه، لما استطاعوا ذلك، ولما قدروا عليه، ولا على عشر سور منه، بل ولا سورة، وأخبر أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا، ولن لنفى التأبيد في المستقبل، ومثل هذا التحدي، وهذا القطع، وهذا الاخبار الجازم، لا يصدر إلا عن واثق بما يخبر به، عالم بما يقوله، قاطع أن أحدا لا يمكنه أن يعارضه، ولا يأتى بمثل ما جاء به عن ربه ، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ﴾
стр. 1951
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً الآية، وهكذا وقع سواء بسواء، مكن الله هذا الدين وأظهره، وأعلاه ونشره في سائر الآفاق، وأنفذه وأمضاه، وقد فسر كثير من السلف هذه الآية بخلافة الصديق، ولا شك في دخوله فيها، ولكن لا تختص به، بل تعمه كما تعم غيره،
كما ثبت في الصحيح «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والّذي نفسي بيده لننفقنّ كنوزهما في سبيل الله»، وقد كان ذلك في زمن الخلفاء الثلاثة أبى بكر وعمر وعثمان ﵃ وأرضاهم، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ وهكذا وقع وعم هذا الدين، وغلب وعلا على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمته في زمن الصحابة ومن بعدهم، وذلت لهم سائر البلاد، ودان لهم جميع أهلها، على اختلاف أصنافهم، وصار الناس إما مؤمن داخل في الدين، وإما مهادن باذل الطاعة والمال، وإما محارب خائف وجل من سطوة الإسلام وأهله * وقد ثبت في الحديث: إن الله زوى لي مشارق الأرض ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ الآية، وسواء كان هؤلاء هوازن أو أصحاب مسيلمة، أو الروم، فقد وقع ذلك، وقال تعالى ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً * وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ وسواء كانت هذه الأخرى خيبر أو مكة فقد فتحت وأخذت كما وقع به الوعد سواء بسواء، وقال تعالى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ فكان هذا الوعد في سنة الحديبيّة عام ست، ووقع إنجازه في سنة سبع عام عمرة القضاء كما تقدم.
وذكرنا هناك الحديث بطوله،
وفيه أن عمر قال: يا رسول الله ألم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قال: لا، قال فإنك تأتيه وتطوف به. وقال تعالى:
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ وهذا الوعد كان في وقعة بدر لما خرج رسول الله ﷺ من المدينة ليأخذ عير قريش، فبلغ قريشا خروجه إلى عيرهم، فنفروا في قريب من ألف مقاتل، فلما تحقق رسول الله ﷺ وأصحابه قدومهم وعده الله إحدى الطائفتين أن سيظفره بها، إما العير وإما النفير، فود كثير من الصحابة - ممن كان معه - أن يكون الوعد للعير، لما فيه من الأموال وقلة الرجال، وكرهوا لقاء النفير لما فيه من العدد والعدد، فخار الله لهم وأنجز لهم وعده في النفير فأوقع بهم بأسه الّذي لا يرد، فقتل من سراتهم سبعون وأسر سبعون
стр. 1952
وفادوا أنفسهم بأموال جزيلة، فجمع لهم بين خيرى الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ وقد تقدم بيان هذا في غزوة بدر، وقال تعالى ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى (١) إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهكذا وقع فان الله عوض من أسلّم منهم بخير الدنيا والآخرة *
ومن ذلك ما ذكره البخاري أن العباس جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أعطنى، فانى فأديت نفسي، وفاديت عقيلا، فقال له: خذ، فأخذ في ثوب مقدارا لم يمكنه أن يقله، ثم وضع منه مرة بعد مرة حتى أمكنه أن يحمله على كاهله، وانطلق به كما ذكرناه في موضعه مبسوطا * وهذا من تصديق هذه الآية الكريمة، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ﴾ الآية، وهكذا وقع عوضهم الله عما كان يغدو إليهم مع حجاج المشركين، بما شرعه لهم من قتال أهل الكتاب، وضرب الجزية عليهم، وسلب أموال من قتل منهم على كفره، كما وقع بكفار أهل الشام من الروم ومجوس الفرس، بالعراق وغيرها من البلدان التي انتشر الإسلام على أرجائها، وحكم على مدائنها وفيفائها، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ الآية، وهكذا وقع، لما رجع ﷺ من غزوة تبوك كان قد تخلف عنه طائفة من المنافقين، فجعلوا يحلفون بالله لقد كانوا معذورين في تخلفهم، وهم في ذلك كاذبون، فأمر الله رسوله أن يجرى أحوالهم على ظاهرها، ولا يفضحهم عند الناس، وقد أطلعه الله على أعيان جماعة منهم أربعة عشر رجلا كما قدمناه لك في غزوة تبوك، فكان حذيفة بن اليمان ممن يعرفهم بتعريفه إياه ﷺ .
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ وهكذا وقع، لما اشتوروا عليه ليثبتوه: أو يقتلوه أو يخرجوه من بين أظهرهم، ثم وقع الرأى على القتل، فعند ذلك أمر الله رسوله بالخروج من بين أظهرهم، فخرج هو وصديقه أبو بكر، فكمنا في غار ثور ثلاثا، ثم ارتحلا بعدها كما قدمنا، وهذا هو المراد بقوله ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وهو المراد من قوله ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ ولهذا قال: ﴿وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ وقد وقع كما أخبر فان الملأ الذين اشتوروا على ذلك لم يلبثوا بمكة بعد هجرته ﷺ إلا ريثما استقر ركابه الشريف بالمدينة
стр. 1953
وتابعه المهاجرون والأنصار، ثم كانت وقعة بدر فقتلت تلك النفوس، وكسرت تلك الرءوس، وقد كان ﷺ يعلم ذلك قبل كونه من إخبار الله له بذلك، ولهذا قال سعد بن معاذ لأمية بن خلف:
أما إني سمعت محمدا ﷺ يذكر أنه قاتلك، فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: فإنه والله لا يكذب، وسيأتي الحديث في بابه. وقد قدمنا أنه ﵇ جعل يشير لأصحابه قبل الوقعة إلى مصارع القتلى، فما تعدى أحد منهم موضعه الّذي أشار إليه، صلوات الله وسلامه عليه * وقال تعالى:
﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهذا الوعد وقع كما أخبر به، وذلك أنه لما غلبت فارس الروم فرح المشركون، واغتم بذلك المؤمنون، لأن النصارى أقرب إلى الإسلام من المجوس، فأخبر الله رسوله ﷺ بأن الروم ستغلب الفرس بعد هذه المدة بسبع سنين، وكان من أمر مراهنة الصديق رءوس المشركين على أن ذلك سيقع في هذه المدة، ما هو مشهور كما قررنا في كتابنا التفسير، فوقع الأمر كما أخبر به القرآن، غلبت الروم فارس بعد غلبهم غلبا عظيما جدا، وقصتهم في ذلك يطول بسطها، وقد شرحناها في التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة * وقال تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وكذلك وقع، أظهر الله من آياته ودلائله في أنفس البشر وفي الآفاق بما أوقعه من الناس بأعداء النبوة، ومخالفي الشرع ممن كذب به من أهل الكتابين، والمجوس والمشركين، ما دل ذوى البصائر والنّهى على أن محمدا رسول الله حقا، وأن ما جاء به من الوحي عن الله صدق، وقد أوقع له في صدور أعدائه وقلوبهم رعبا ومهابة وخوفا،
كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وهذا من التأييد والنصر الّذي آتاه الله ، وكان عدوه يخافه وبينه وبينه مسيرة شهر، وقيل:
كان إذا عزم على غزو قوم أرعبوا قبل مجيئه إليهم، ووروده عليهم بشهر، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
فصل
وأما الأحاديث الدالة على إخباره بما وقع كما أخبر، فمن ذلك ما أسلفناه في قصة الصحيفة التي تعاقدت فيها بطون قريش، وتمالئوا على بنى هاشم وبنى المطلب أن لا يؤووهم، ولا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، فدخلت بنو هاشم وبنو المطلب، بمسلمهم وكافرهم شعب أبى طالب آنفين لذلك ممتنعين منه أبدا، ما بقوا دائما، ما تناسلوا وتعاقبوا، وفي ذلك عمل
стр. 1954
أبو طالب قصيدته اللامية التي يقول فيها:
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا … ولما نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرّع حوله … ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وما ترك قوم لا أبا لك سيدا … يحوط الذمار غير ذرب مواكل
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاّك من آل هاشم … فهم عنده في نعمة وفواضل
وكانت قريش قد علقت صحيفة الزعامة في سقف الكعبة، فسلط الله عليها الأرضة فأكلت ما فيها من أسماء الله، لئلا يجتمع بما فيها من الظلم والفجور، وقيل: إنها أكلت ما فيها إلا أسماء الله ، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ عمه أبا طالب، فجاء أبو طالب إلى قريش فقال: إن ابن أخى قد أخبرنى بخبر عن صحيفتكم، فان الله قد سلط عليها الأرضة فأكلتها إلا ما فيها من أسماء الله، أو كما قال: فأحضروها، فأن كان كما قال وإلا أسلمته إليكم، فأنزلوها ففتحوها فإذا الأمر كما أخبر به رسول الله ﷺ ، فعند ذلك نقضوا حكمها ودخلت بنو هاشم وبنو المطلب مكة، ورجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، كما أسلفنا ذكره ولله الحمد * ومن ذلك حديث خباب بن الأرت، حين جاء هو وأمثاله من المستضعفين يستنصرون النبي ﷺ ، وهو يتوسد رداءه في ظل الكعبة فيدعو لهم لما هم فيه من العذاب والإهانة، فجلس محمرّا وجهه وقال: إن من كان قبلكم كان أحدهم يشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ الله هذا الأمر ولكنكم تستعجلون * ومن ذلك الحديث الّذي رواه البخاري: ثنا محمد بن العلاء، ثنا حماد بن أسامة عن يزيد بن عبد الله بن أبى بردة عن أبيه عن جده أبى بردة عن أبى موسى، أراه عن النبي ﷺ قال: رأيت في المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض فيها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أنى هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرا والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الّذي أتانا بعد يوم بدر * ومن ذلك قصة سعد بن معاذ مع أمية بن خلف حين قدم عليه مكة. قال البخاري: ثنا أحمد بن إسحاق، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بن خلف، أبى صفوان، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمرّ بالمدينة نزل على سعد، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت، فبينا سعد يطوف فإذا أبو جهل، فقال: من
стр. 1955
هذا الّذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه؟ فقال: نعم، فتلاحيا بينهما، فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبى الحكم فإنه سيد أهل الوادي، ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعنّ متجرك بالشام، قال:
فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، وجعل يمسكه، فغضب سعد فقال: دعنا عنك، فانى سمعت محمدا ﷺ يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟ قال: نعم، قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخى اليثربي؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي، قالت: فو الله ما يكذب محمد، قال: فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ، قالت له امرأته: ما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي، فسر يوما أو يومين، فسار معهم فقتله الله * وهذا الحديث من أفراد البخاري، وقد تقدم بأبسط من هذا السياق *
ومن ذلك قصة أبىّ بن خلف الّذي كان يعلف حصانا له، فإذا مر برسول الله ﷺ يقول: إني سأقتلك عليه، فيقول له رسول الله ﷺ : بل أنا أقتلك إن شاء الله، فقتله يوم أحد كما قدمنا بسطه * ومن ذلك إخباره عن مصارع القتلى يوم بدر كما تقدم الحديث في الصحيح أنه جعل يشير قبل الوقعة إلى محلها ويقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان، قال: فو الّذي بعثه بالحق ما حاد أحد منهم عن مكانه الّذي أشار إليه رسول الله ﷺ * ومن ذلك قوله لذلك الرجل الّذي كان لا يترك للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها ففراها بسيفه، وذلك يوم أحد، وقيل: خيبر وهو الصحيح، وقيل: في يوم حنين، فقال الناس: ما أغنى أحد اليوم ما أغنى فلان، يقال: إنه قرمان، فقال: إنه من أهل النار، فقال بعض الناس: أنا صاحبه، فاتبعه فجرح فاستعجل الموت فوضع ذباب سيفه في صدره ثم تحامل عليه حتى أنفذه، فرجع ذلك الرجل فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: وما ذاك؟ فقال: إن الرجل الّذي ذكرت آنفا كان من أمره كيت وكيت، فذكر الحديث كما تقدم * ومن ذلك إخباره عن فتح مدائن كسرى وقصور الشام وغيرها من البلاد يوم حفر الخندق، لما ضرب بيده الكريمة تلك الصخرة فبرقت من ضربه، ثم أخرى، ثم أخرى كما قدمناه * ومن ذلك إخباره ﷺ عن ذلك الذراع أنه مسموم، فكان كما أخبر به، اعترف اليهود بذلك، ومات من أكل معه - بشر بن البراء بن معرور - *
ومن ذلك ما ذكره عبد الرزاق عن معمر أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم: اللهمّ نج أصحاب السفينة، ثم مكث ساعة، ثم قال: قد استمرت * والحديث بتمامه في دلائل النبوة للبيهقي، وكانت تلك السفينة قد أشرفت على الغرق وفيها الأشعريون الذين قدموا عليه وهو بخيبر * ومن ذلك إخباره عن قبر أبى رغال، حين مرّ عليه وهو ذاهب إلى الطائف وأن معه غصنا من ذهب، فحفروه فوجدوه كما أخبر،
стр. 1956
صلوات الله وسلامه عليه * رواه أبو داود من حديث أبى إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن بحر بن أبى بحر عن عبد الله بن عمرو به * ومن ذلك
قوله ﵇ للأنصار، لما خطبهم تلك الخطبة مسليا لهم عما كان وقع في نفوس بعضهم من الإيثار عليهم في القسمة لما تألف قلوب من تألف من سادات العرب، ورءوس قريش، وغيرهم، فقال: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى رحالكم؟ * وقال: إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض * وقال: إن الناس يكثرون وتقل الأنصار * وقال لهم في الخطبة قبل هذه على الصفا: بل المحيا محياكم، والممات مماتكم * وقد وقع جميع ذلك كما أخبر به سواء بسواء.
وقال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: وأخبرنى سعيد ابن المسيب عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والّذي نفس محمد بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله * ورواه مسلم عن حرملة عن أبى وهب عن يونس به *
وقال البخاري: ثنا قبيصة، ثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة رفعه: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وقال:
لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله * وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث جرير، وزاد البخاري وابن عوانة ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير به، وقد وقع مصداق ذلك بعده في أيام الخلفاء الثلاثة أبى بكر، وعمر، وعثمان، استوثقت هذه الممالك فتحا على أيدي المسلمين، وأنفقت أموال قيصر ملك الروم، وكسرى ملك الفرس، في سبيل الله، على ما سنذكره بعد إن شاء الله. وفي هذا الحديث بشارة عظيمة للمسلمين، وهي أن ملك فارس قد انقطع فلا عودة له، وملك الروم للشام قد زال عنها، فلا يملكوها بعد ذلك، ولله الحمد والمنة * وفيه دلالة على صحة خلافة أبى بكر، وعمر، وعثمان، والشهادة لهم بالعدل، حيث أنفقت الأموال المغنومة في زمانهم في سبيل الله على الوجه المرضى الممدوح *
وقال البخاري: ثنا محمد بن الحكم، ثنا النضر، ثنا إسرائيل، ثنا سعد الطائي، أنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: فأن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ما تخاف أحدا إلا الله قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيِّئ الذين قد سعروا البلاد؟ ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له فيقولن له: ألم أبعث
стр. 1957
إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالا [وولدا] وأفضلت عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم، قال عدي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فأن لم تجد فبكلمة طيبة، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة فلا تخاف إلا الله ، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ يخرج ملء كفه * ثم رواه البخاري عن عبيد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبى شيبة - عن أبى عاصم النبيل عن سعد بن بشر عن أبى مجاهد - سعد الطائي - عن محل عنه به، وقد تفرد به البخاري من هذين الوجهين، ورواه النسائي من حديث شعبة عن محل عنه: اتقوا النار ولو بشق تمرة * وقد رواه البخاري من حديث شعبة، ومسلم من حديث زهير، كلاهما عن أبى إسحاق عن عبد الله بن مغفل عن عدي مرفوعا اتقوا النار ولو بشق تمرة * وكذلك أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش عن خيثمة عن عبد الرحمن عن عدي، وفيها من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن خيثمة عن عدي به * وهذه كلها شواهد لأصل هذا الحديث الّذي أوردناه، وقد تقدم في غزوة الخندق الأخبار بفتح مدائن كسرى وقصوره وقصور الشام وغير ذلك من البلاد *
وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، ثنا إسماعيل عن قيس عن خباب قال: أتينا رسول الله ﷺ وهو في ظل الكعبة متوسدا بردة له، فقلنا: يا رسول الله، ادع الله لنا واستنصره، قال: فاحمر لونه أو تغير، فقال: لقد كان من قبلكم تحفر له الحفيرة ويجاء بالميشار فيوضع على رأسه فيشق ما يصرفه عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظم أو لحم أو عصب ما يصرفه عن دينه، وليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت ما يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون * وهكذا رواه البخاري عن مسدد، ومحمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبى خالد به *
ثم قال البخاري في كتاب علامات النبوة: حدثنا سعيد بن شرحبيل، ثنا ليث عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الحسين عن عتبة عن النبي ﷺ أنه خرج يوما فصلّى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: أنا فرطكم، وأنا شهيد عليكم، إني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف بعدي أن تشركوا، ولكنى أخاف أن تنافسوا فيها * وقد رواه البخاري أيضا من حديث حيوة بن شريح، ومسلم من حديث يحيى بن أيوب، كلاهما عن يزيد بن أبى حبيب كرواية الليث عنه * ففي هذا الحديث مما نحن بصدده أشياء، منها أنه أخبر الحاضرين أنه فرطهم، أي المتقدم عليهم في الموت، وهكذا وقع، فأن هذا كان في مرض موته ﵇، ثم أخبر أنه شهيد عليهم وإن تقدم وفاته
стр. 1958
عليهم، وأخبر أنه أعطى مفاتيح خزائن الأرض، أي فتحت له البلاد كما جاء في حديث أبى هريرة المتقدم، قال أبو هريرة: فذهب رسول الله ﷺ وأنتم تفتحونها كفرا كفرا، أي بلدا بلدا، وأخبر أن أصحابه لا يشركون بعده، وهكذا وقع ولله الحمد والمنة، ولكن خاف عليهم أن ينافسوا في الدنيا، وقد وقع هذا في زمان على ومعاوية ﵄ ثم من بعدهما، وهلم جرا إلى وقتنا هذا *
ثم قال البخاري: ثنا على بن عبد الله، أنا أزهر بن سعد، أنا ابن عون، أنبأنى موسى بن أنس بن مالك عن أنس أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أعلم لك علمه؟ فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شرا كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ ، فقد حبط عمله وهو من أهل النار، فأتى الرجل فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة، تفرد به البخاري * وقد قتل ثابت بن قيس بن شماس شهيدا يوم اليمامة كما سيأتي تفصيله، وهكذا ثبت في الحديث الصحيح البشارة لعبد الله بن سلام أنه يموت على الإسلام، ويكون من أهل الجنة، وقد مات ﵁ على أكمل أحواله وأجملها، وكان الناس يشهدون له بالجنة في حياته لأخبار الصادق عنه بأنه يموت على الإسلام، وكذلك وقع * وقد ثبت في الصحيح الأخبار عن العشرة بأنهم من أهل الجنة، بل ثبت أيضا الأخبار عنه صلوات الله وسلامه عليه بأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وقيل: وخمسمائة، ولم ينقل أن أحدا من هؤلاء ﵁ عاش إلا حميدا، ولا مات إلا على السداد والاستقامة والتوفيق، ولله الحمد والمنة * وهذا من أعلام النبوات، ودلالات الرسالة.
فصل في الأخبار بغيوب ماضية ومستقبلة
روى البيهقي من حديث إسرائيل عن سماك عن جابر بن سمرة قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إن فلانا مات، فقال: لم يمت، فعاد الثانية فقال: إن فلانا مات، فقال: لم يمت، فعاد الثالثة فقال: إن فلانا نحر نفسه بمشقص عنده، فلم يصلّ عليه * ثم قال البيهقي تابعه زهير عن سماك * ومن ذلك الوجه رواه مسلم مختصرا في الصلاة * وقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا هريم بن سفيان عن سنان بن بشر عن قيس بن أبى حازم عن قيس بن أبى شهم قال: مرت بى جارية بالمدينة فأخذت بكشحها، قال: وأصبح الرسول ﷺ يبايع الناس، قال: فأتيته فلم يبايعني، فقال: صاحب الجبيذة؟ قال: قلت: والله لا أعود، قال: فبايعني * ورواه النسائي عن محمد بن عبد الرحمن الحربي عن
стр. 1959
أسود بن عامر به، ثم رواه أحمد عن سريج عن يزيد بن عطاء عن سنان بن بشر عن قيس عن أبى هاشم فذكره * وفي صحيح البخاري: عن أبى نعيم عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن عبد الله ابن عمر قال: كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا في عهد رسول الله ﷺ خشية أن ينزل فينا شيء، فلما توفى تكلمنا وانبسطنا * وقال ابن وهب: أخبرنى عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبى هلال عن أبى حازم عن سهل بن سعد أنه قال: والله لقد كان أحدنا يكف عن الشيء مع امرأته وهو وإياها في ثوب واحد تخوفا أن ينزل فيه شيء من القرآن *
وقال أبو داود: ثنا محمد بن العلاء، ثنا ابن إدريس، ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصى الحافر: أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه، فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء وجيء بالطعام فوضع يده فيه ووضع القوم أيديهم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله ﷺ يلوك لقمة في فيه، ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها، قال فأرسلت المرأة: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم توجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة: أن أرسل بها إليّ بثمنها فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلى بها، فقال رسول الله ﷺ : أطعميه الأسارى.
فصل في ترتيب الأخبار بالغيوب المستقبلة بعده ﵊
ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة بن اليمان:
قال: قام رسول الله ﷺ فينا مقاما ما ترك فيه شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه، وجهله من جهله، وقد كنت أرى الشيء قد كنت نسيته فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه *
وقال البخاري: ثنا يحيى بن موسى، حدثنا الوليد، حدثني ابن جابر، حدثني بشر بن عبيد الله الحضرميّ، حدثني أبو إدريس الخولانيّ أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشرّ، فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ فقال: قوم يهدون بغير هديي يعرف منهم وينكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرنى إن أدركنى ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فان لم يكن لهم جماعة ولا إمام
стр. 1960
قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك * وقد رواه البخاري أيضا ومسلم عن محمد بن المثنى عن الوليد عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر به * قال البخاري، ثنا محمد بن مثنى، ثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل عن قيس عن حذيفة قال: تعلم أصحابى الخير: وتعلمت الشر، تفرد به البخاري، وفي صحيح مسلم من حديث شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن حذيفة قال: لقد حدثني رسول الله ﷺ بما يكون حتى تقوم الساعة، غير أنى لم أسأله ما يخرج أهل المدينة منها * وفي صحيح مسلم من حديث على بن أحمر عن أبى يزيد - عمرو بن أخطب - قال: أخبرنا رسول الله ﷺ بما كان وبما هو كائن إلى يوم القيامة، فأعلمنا أحفظنا * وفي الحديث الآخر: حتى دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار * وقد تقدم حديث خباب بن الأرت: والله ليتمن الله هذا الأمر ولكنكم تستعجلون * وكذا حديث عدي بن حاتم في ذلك، وقال الله تعالى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وقال تعالى ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية *
وفي صحيح مسلم من حديث أبى نضرة عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فان أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء *
وفي حديث آخر: ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء *
وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة بن المسور عن عمرو بن عوف، فذكر قصة بعث أبى عبيدة إلى البحرين قال: وفيه قال: قال رسول الله ﷺ : أبشروا وأملوا ما يسركم، فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تنبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم *
وفي الصحيحين من حديث سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : هل لكم من أنماط؟ قال: قلت يا رسول الله: وأنى يكون لنا أنماط؟ فقال: أما إنها ستكون لكم أنماط، قال: فأنا أقول لامرأتى: نحى عنى أنماطك، فتقول:
ألم يقل رسول الله: إنها ستكون لكم أنماط؟ فأتركها *
وفي الصحيحين والمسانيد والسنن وغيرها من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن سفيان بن أبى زهير قال: قال رسول الله ﷺ : تفتح اليمن فيأتى قوم يبثون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون * كذلك رواه عن هشام بن عروة جماعة كثيرون وقد أسنده الحافظ ابن عساكر من حديث مالك وسفيان بن عيينة وابن جريج وأبو معاوية ومالك بن سعد بن الحسن وأبو ضمرة أنس بن عياض وعبد العزيز بن أبى حازم وسلمة بن دينار وجرير بن عبد الحميد * ورواه أحمد. عن يونس عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة * وعبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام، ومن
стр. 1961
حديث مالك عن هشام به بنحوه *
ثم روى أحمد عن سليمان بن داود الهاشمي عن إسماعيل بن جعفر: أخبرنى يزيد بن حصيفة أن بشر بن سعيد أخبره أنه سمع في مجلس المكيين يذكرون أن سفيان أخبرهم، فذكر قصة وفيها: أن رسول الله ﷺ قال له: ويوشك الشام أن يفتح فيأتيه رجال من هذا البلد - يعنى المدينة - فيعجبهم ربعهم ورخاؤه والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم يفتح العراق فيأتى قوم يثبون فيحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون * وأخرجه ابن خزيمة من طريق إسماعيل، ورواه الحافظ ابن عساكر من حديث أبى ذر عن النبي ﷺ بنحوه، وكذا حديث ابن حوالة ويشهد لذلك: منعت الشام مدها ودينارها، ومنعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم * وهو في الصحيح، وكذا حديث:
المواقيت لأهل الشام واليمن، وهو في الصحيحين وعند مسلم: ميقات أهل العراق، ويشهد لذلك أيضا
حديث: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله *
وفي صحيح البخاري من حديث أبى إدريس الخولانيّ عن عوف بن مالك أنه قال: قال رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: اعدد ستا بين يدي الساعة، فذكر موته ﵇، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان - وهو الوباء - ثم كثرة المال، ثم فتنة، ثم هدنة بين المسلمين والروم، وسيأتي الحديث فيما بعد *
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الرحمن بن شماسة عن أبى زرّ قال: قال رسول الله ﷺ : إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا، فان لهم ذمة ورحما، فإذا رأيت رجلين يختصمان في موضع لبنة فاخرج منها. قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة يختصمان في موضع لبنة فخرج منها - يعنى ديار مصر على يدي عمرو بن العاص في سنة عشرين كما سيأتي *
وروى ابن وهب عن مالك والليث عن الزهري عن ابن لكعب بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فان لهم ذمة ورحما * رواه البيهقي من حديث إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه * وحكى أحمد بن حنبل عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن قوله: ذمة ورحما، فقال:
من الناس من قال: إن أم إسماعيل - هاجر - كانت قبطية، ومن الناس من قال: أم إبراهيم، قلت:
الصحيح الّذي لا شك فيه أنهما قبطيتان كما قدمنا ذلك، ومعنى قوله: ذمة، يعنى بذلك هدية المقوقس إليه وقبوله ذلك منه، وذلك نوع ذمام ومهادنة، والله تعالى أعلم * وتقدم ما رواه البخاري من حديث محل بن خليفة عن عدي بن حاتم في فتح كنوز كسرى وانتشار الأمن، وفيضان المال حتى لا يتقبله أحد، وفي الحديث أن عديا شهد الفتح ورأى الظعينة ترتحل من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، قال: ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال أبو القاسم ﷺ ، من كثرة المال حتى لا يقبله أحد * قال
стр. 1962
البيهقي: وقد كان ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز، قلت: ويحتمل أن يكون ذلك متأخرا إلى زمن المهدي كما جاء في صفته، أو إلى زمن نزول عيسى بن مريم ﵇ بعد قتله الدجال، فأنه قد ورد في الصحيح أنه يقتل الخنزير، ويكسر للصليب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد والله تعالى أعلم *
وفي صحيح مسلم من حديث ابن أبى ذئب عن مهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يزال هذا الدين قائما ما كان اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة، وليفتحن عصابة من المسلمين كنز القصر الأبيض، قصر كسرى، وأنا فرطكم على الحوض، الحديث بمعناه * وتقدم
حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبى هريرة مرفوعا: إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله * أخرجاه، وقال البيهقي: المراد زوال ملك قيصر، عن الشام، ولا يبقى فيها ملكه على الروم، لقوله ﵇، لما عظم كتابه: ثبت ملكه، وأما ملك فارس فزال بالكلية، لقوله: مزق الله ملكه، وقد روى أبو داود عن محمد بن عبيد عن حماد عن يونس عن الحسن أن عمر بن الخطاب. وروينا في طريق أخرى عن عمر بن الخطاب ﵁ لما جيء بفروة كسرى وسيفه ومنطقته وتاجه وسواريه، ألبس ذلك كله لسراقة بن مالك بن جعشم، وقال: قل الحمد لله الّذي ألبس ثياب كسرى لرجل أعرابى من البادية، قال الشافعيّ: إنما ألبسه ذلك لأن النبي ﷺ قال لسراقة - ونظر إلى ذراعيه -: كأنى بك وقد لبست سواري كسرى، والله أعلم *
وقال سفيان بن عيينة: عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب وإنكم ستفتحونها، فقام رجل فقال: يا رسول الله هب لي ابنته نفيلة، قال: هي لك، فأعطوه إياها، فجاء أبوها فقال: أتبيعها؟ قال: نعم، قال: فبكم؟ أحكم ما شئت، قال: ألف درهم، قال: قد أخذتها، فقالوا له: لو قلت ثلاثين ألفا لأخذها، فقال: وهل عدد أكثر من ألف؟ * وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا معاوية عن ضمرة بن حبيب أن ابن زغب الأيادي حدثه قال: نزل على عبد الله بن حوالة الأزدي فقال لي: بعثنا رسول الله ﷺ حول المدينة على أقدامنا لنغنم، فرجعنا ولم نغنم شيئا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: اللهمّ لا تكلهم إليّ فأضعف، ولا تكلم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم، ثم قال: لتفتحن لكم الشام والروم وفارس، أو الروم وفارس، وحتى يكون لأحدكم من الإبل كذا وكذا، ومن البقر كذا وكذا، ومن الغنم كذا وكذا، وحتى يعطى أحدكم مائة دينار فيسخطها، ثم وضع يده على رأسي أو على هامتي فقال:
يا ابن حوالة، إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور
стр. 1963
العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك * ورواه أبو داود من حديث معاوية بن صالح *
وقال أحمد: حدثنا حيوة بن شريح، ويزيد بن عبد ربه قالا: ثنا بقية، حدثني بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن أبى قيلة عن ابن حوالة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : سيصير الأمر إلى أن تكون جنود مجندة، جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق، فقال ابن حوالة: خر لي يا رسول الله إن أدركت ذلك، فقال: عليك بالشام فإنه خيرة الله من أرضه يجيء إليه خيرته من عباده، فان أبيتم فعليكم بيمنكم واسعوا من غدره. فان الله تكفل لي بالشام وأهله * وهكذا رواه أبو داود عن حيوة بن شريح به. وقد رواه أحمد أيضا عن عصام بن خالد وعلى بن عباس كلاهما عن جرير بن عثمان عن سليمان بن سمير عن عبد الله بن حوالة، فذكر نحوه، ورواه الوليد بن مسلّم الدمشقيّ عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول، وربيعة بن يزيد عن أبى إدريس عن عبد الله بن حوالة به *
وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني أبو علقمة - نصر بن علقمة - يروى الحديث إلى جبير بن نفير. قال: قال عبد الله بن حوالة: كنا عند رسول الله ﷺ فشكونا إليه العرى والفقر، وقلة الشيء، فقال: أبشروا فو الله لأنا بكثرة الشيء أخوفنى عليكم من قلته، والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله عليكم أرض الشام، أو قال: أرض فارس وأرض الروم وأرض حمير، وحتى تكونوا أجنادا ثلاثة، جند بالشام، وجند بالعراق، وجند باليمن، وحتى يعطى الرجل المائة فيسخطها، قال ابن حوالة: قلت: يا رسول الله ومن يستطيع الشام وبه الروم ذوات القرون؟ قال: والله ليفتحها الله عليكم، وليستخلفنكم فيها حتى تطل العصابة البيض منهم، قمصهم الملحمية. أقباؤهم قياما على الرويحل، الأسود منكم المحلوق ما أمرهم من شيء فعلوه، وذكر الحديث، قال أبو علقمة: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: فعرف أصحاب رسول الله نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي، وكان على الأعاجم في ذلك الزمان، فكانوا إذا رجعوا إلى المسجد نظروا إليه وإليهم قياما حوله فيعجبون لنعت رسول الله ﷺ فيه وفيهم *
وقال أحمد: حدثنا حجاج، ثنا الليث بن سعد، حدثني يزيد بن أبى حبيب عن ربيعة بن لقيط النجيبى عن عبد الله بن حوالة الأزدي أن رسول الله ﷺ قال: من نجا من ثلاث فقد نجا، قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: موتى، ومن قتال خليفة مصطبر بالحق يعطيه، والدجال *
وقال أحمد: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا الجريريّ عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن حوالة قال: أتيت على رسول الله ﷺ وهو جالس في ظل دومة، وهو عنده كاتب له يملى عليه، فقال: ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: فيم يا رسول الله؟ فأعرض عنى وأكب على كاتبه يملى عليه، ثم قال: ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: لا أدرى ما خار الله لي ورسوله، فأعرض
стр. 1964
عنى وأكب على كاتبه يملى عليه، ثم قال: ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: لا أدرى ما خار الله لي ورسوله؟ فأعرض عنى وأكب على كاتبه يملى عليه، قال: فنظرت فإذا في الكتاب عمر، فقلت:
لا يكتب عمر إلا في خير، ثم قال: أنكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: نعم، فقال: يا ابن حوالة، كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الأرض كأنها صياصي نفر؟ قلت: لا أدرى ما خار الله لي ورسوله، قال: فكيف تفعل في أخرى تخرج بعدها كأن الأولى منها انتفاجة أرنب؟ قلت:
لا أدرى ما خار الله لي ورسوله، قال: ابتغوا هذا، قال: ورجل مقفى حينئذ، قال: فانطلقت فسعيت وأخذت بمنكبه فأقبلت بوجهه إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: هذا؟ قال: نعم، قال: فإذا هو عثمان ابن عفان ﵁ *
وثبت في صحيح مسلّم من حديث يحيى بن آدم عن زهير بن معاوية عن سهل عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، شهد على ذلك لحم أبى هريرة ودمه * وقال يحيى بن آدم وغيره من أهل العلم: هذا من دلائل النبوة حيث أخبر عما ضربه عمر على أرض العراق من الدراهم والقفزان، وعما ضرب من الخراج بالشام ومصر قبل وجود ذلك، صلوات الله وسلامه عليه * وقد اختلف الناس في معنى قوله ﵇: منعت العراق إلخ، فقيل: معناه أنهم يسلمون فيسقط عنهم الخراج، ورجحه البيهقي، وقيل: معناه أنهم يرجعون عن الطاعة ولا يؤدون الخراج المضروب عليهم، ولهذا قال: وعدتم من حيث بدأتم، أي رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك،
كما ثبت في صحيح مسلّم: إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء * ويؤيد هذا القول ما رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل عن الجريريّ عن أبى نصرة قال: كنا عند جابر بن عبد الله فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجيء إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجيء إليهم دينار ولا مد، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل الروم، يمنعون ذلك، قال: ثم سكت هنيهة، ثم
قال: قال رسول الله ﷺ : يكون في آخر أمتى خليفة يحثى المال حثيا، لا يعده عدا، قال الجريريّ: فقلت لأبى نصرة وأبى العلاء: أتريانه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا * وقد رواه مسلّم من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن سعيد بن إياس الجريريّ عن أبى نصرة المنذر بن مالك بن قطفة العبديّ عن جابر كما تقدم، والعجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي احتج به على ما رجحه من أحد القولين المتقدمين، وفيما سلكه نظر، والظاهر خلافه * وثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، وفي صحيح مسلّم عن جابر: ولأهل العراق
стр. 1965
ذات عرق، فهذا من دلائل النبوة، حيث أخبر عما وقع من حج أهل الشام واليمن والعراق، صلوات الله وسلامه عليه *
وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ ليأتين على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقال: نعم، فيفتح الله لهم، ثم يأتى على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقال: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتى على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب من صاحبهم؟ فيقال:
نعم، فيفتح الله لهم *
وثبت في الصحيحين من حديث ثور بن زيد عن أبى الغيث عن أبى هريرة قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فأنزلت عليه سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ فقال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فوضع يده على سلمان الفارسي وقال: لو كان الأيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء، وهكذا وقع كما أخبر به ﵇ *
وروى الحافظ البيهقي من حديث محمد ابن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن بشر قال: قال رسول الله ﷺ : والّذي نفسي بيده لتفتحن عليكم فارس والروم حتى يكثر الطعام فلا يذكر عليه اسم الله *
وروى الامام أحمد والبيهقي وابن عدي وغير واحد من حديث أوس بن عبد الله بن بريدة عن أخيه سهل عن أبيه عبد الله بن بريدة بن الخصيب مرفوعا: ستبعث بعوث فكن في بعث خراسان، ثم اسكن مدينة مرو، فإنه بناها ذو القرنين، ودعا لها بالبركة، وقال: لا يصيب أهلها سوء * وهذا الحديث يعد من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعا، فالله أعلم * وقد تقدم حديث أبى هريرة، من جميع طرقه في قتال الترك، وقد وقع ذلك كما أخبر به سواء بسواء، وسيقع أيضا *
وفي صحيح البخاري من حديث شعبة عن فرات القزاز عن أبى حازم عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ قال: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وإنه سيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فان الله سائلهم عما استرعاهم *
وفي صحيح مسلّم من حديث أبى رافع عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ما كان نبي إلا كان له حواريون يهدون بهداه، ويستنون بسنته، ثم يكون من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويعملون ما ينكرون *
وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن الحرث بن محمد بن حاطب الجمحيّ عن إسماعيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ : يكون بعد الأنبياء خلفاء يعملون بكتاب الله، ويعدلون في عبادة الله، ثم يكون من بعد الخلفاء ملوك يأخذون بالثأر، ويقتلون الرجال، ويصطفون الأموال، فمغير بيده، ومغير بلسانه، وليس وراء ذلك من الايمان شيء *
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا جرير بن حازم عن