حديث مالك عن هشام به بنحوه *
ثم روى أحمد عن سليمان بن داود الهاشمي عن إسماعيل بن جعفر: أخبرنى يزيد بن حصيفة أن بشر بن سعيد أخبره أنه سمع في مجلس المكيين يذكرون أن سفيان أخبرهم، فذكر قصة وفيها: أن رسول الله ﷺ قال له: ويوشك الشام أن يفتح فيأتيه رجال من هذا البلد - يعنى المدينة - فيعجبهم ربعهم ورخاؤه والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم يفتح العراق فيأتى قوم يثبون فيحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون * وأخرجه ابن خزيمة من طريق إسماعيل، ورواه الحافظ ابن عساكر من حديث أبى ذر عن النبي ﷺ بنحوه، وكذا حديث ابن حوالة ويشهد لذلك: منعت الشام مدها ودينارها، ومنعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم * وهو في الصحيح، وكذا حديث:
المواقيت لأهل الشام واليمن، وهو في الصحيحين وعند مسلم: ميقات أهل العراق، ويشهد لذلك أيضا
حديث: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله *
وفي صحيح البخاري من حديث أبى إدريس الخولانيّ عن عوف بن مالك أنه قال: قال رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: اعدد ستا بين يدي الساعة، فذكر موته ﵇، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان - وهو الوباء - ثم كثرة المال، ثم فتنة، ثم هدنة بين المسلمين والروم، وسيأتي الحديث فيما بعد *
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الرحمن بن شماسة عن أبى زرّ قال: قال رسول الله ﷺ : إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا، فان لهم ذمة ورحما، فإذا رأيت رجلين يختصمان في موضع لبنة فاخرج منها. قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة يختصمان في موضع لبنة فخرج منها - يعنى ديار مصر على يدي عمرو بن العاص في سنة عشرين كما سيأتي *
وروى ابن وهب عن مالك والليث عن الزهري عن ابن لكعب بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فان لهم ذمة ورحما * رواه البيهقي من حديث إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه * وحكى أحمد بن حنبل عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن قوله: ذمة ورحما، فقال:
من الناس من قال: إن أم إسماعيل - هاجر - كانت قبطية، ومن الناس من قال: أم إبراهيم، قلت:
الصحيح الّذي لا شك فيه أنهما قبطيتان كما قدمنا ذلك، ومعنى قوله: ذمة، يعنى بذلك هدية المقوقس إليه وقبوله ذلك منه، وذلك نوع ذمام ومهادنة، والله تعالى أعلم * وتقدم ما رواه البخاري من حديث محل بن خليفة عن عدي بن حاتم في فتح كنوز كسرى وانتشار الأمن، وفيضان المال حتى لا يتقبله أحد، وفي الحديث أن عديا شهد الفتح ورأى الظعينة ترتحل من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، قال: ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال أبو القاسم ﷺ ، من كثرة المال حتى لا يقبله أحد * قال
стр. 1962
البيهقي: وقد كان ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز، قلت: ويحتمل أن يكون ذلك متأخرا إلى زمن المهدي كما جاء في صفته، أو إلى زمن نزول عيسى بن مريم ﵇ بعد قتله الدجال، فأنه قد ورد في الصحيح أنه يقتل الخنزير، ويكسر للصليب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد والله تعالى أعلم *
وفي صحيح مسلم من حديث ابن أبى ذئب عن مهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يزال هذا الدين قائما ما كان اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة، وليفتحن عصابة من المسلمين كنز القصر الأبيض، قصر كسرى، وأنا فرطكم على الحوض، الحديث بمعناه * وتقدم
حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبى هريرة مرفوعا: إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله * أخرجاه، وقال البيهقي: المراد زوال ملك قيصر، عن الشام، ولا يبقى فيها ملكه على الروم، لقوله ﵇، لما عظم كتابه: ثبت ملكه، وأما ملك فارس فزال بالكلية، لقوله: مزق الله ملكه، وقد روى أبو داود عن محمد بن عبيد عن حماد عن يونس عن الحسن أن عمر بن الخطاب. وروينا في طريق أخرى عن عمر بن الخطاب ﵁ لما جيء بفروة كسرى وسيفه ومنطقته وتاجه وسواريه، ألبس ذلك كله لسراقة بن مالك بن جعشم، وقال: قل الحمد لله الّذي ألبس ثياب كسرى لرجل أعرابى من البادية، قال الشافعيّ: إنما ألبسه ذلك لأن النبي ﷺ قال لسراقة - ونظر إلى ذراعيه -: كأنى بك وقد لبست سواري كسرى، والله أعلم *
وقال سفيان بن عيينة: عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب وإنكم ستفتحونها، فقام رجل فقال: يا رسول الله هب لي ابنته نفيلة، قال: هي لك، فأعطوه إياها، فجاء أبوها فقال: أتبيعها؟ قال: نعم، قال: فبكم؟ أحكم ما شئت، قال: ألف درهم، قال: قد أخذتها، فقالوا له: لو قلت ثلاثين ألفا لأخذها، فقال: وهل عدد أكثر من ألف؟ * وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا معاوية عن ضمرة بن حبيب أن ابن زغب الأيادي حدثه قال: نزل على عبد الله بن حوالة الأزدي فقال لي: بعثنا رسول الله ﷺ حول المدينة على أقدامنا لنغنم، فرجعنا ولم نغنم شيئا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: اللهمّ لا تكلهم إليّ فأضعف، ولا تكلم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم، ثم قال: لتفتحن لكم الشام والروم وفارس، أو الروم وفارس، وحتى يكون لأحدكم من الإبل كذا وكذا، ومن البقر كذا وكذا، ومن الغنم كذا وكذا، وحتى يعطى أحدكم مائة دينار فيسخطها، ثم وضع يده على رأسي أو على هامتي فقال:
يا ابن حوالة، إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور
стр. 1963
العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك * ورواه أبو داود من حديث معاوية بن صالح *
وقال أحمد: حدثنا حيوة بن شريح، ويزيد بن عبد ربه قالا: ثنا بقية، حدثني بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن أبى قيلة عن ابن حوالة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : سيصير الأمر إلى أن تكون جنود مجندة، جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق، فقال ابن حوالة: خر لي يا رسول الله إن أدركت ذلك، فقال: عليك بالشام فإنه خيرة الله من أرضه يجيء إليه خيرته من عباده، فان أبيتم فعليكم بيمنكم واسعوا من غدره. فان الله تكفل لي بالشام وأهله * وهكذا رواه أبو داود عن حيوة بن شريح به. وقد رواه أحمد أيضا عن عصام بن خالد وعلى بن عباس كلاهما عن جرير بن عثمان عن سليمان بن سمير عن عبد الله بن حوالة، فذكر نحوه، ورواه الوليد بن مسلّم الدمشقيّ عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول، وربيعة بن يزيد عن أبى إدريس عن عبد الله بن حوالة به *
وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني أبو علقمة - نصر بن علقمة - يروى الحديث إلى جبير بن نفير. قال: قال عبد الله بن حوالة: كنا عند رسول الله ﷺ فشكونا إليه العرى والفقر، وقلة الشيء، فقال: أبشروا فو الله لأنا بكثرة الشيء أخوفنى عليكم من قلته، والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله عليكم أرض الشام، أو قال: أرض فارس وأرض الروم وأرض حمير، وحتى تكونوا أجنادا ثلاثة، جند بالشام، وجند بالعراق، وجند باليمن، وحتى يعطى الرجل المائة فيسخطها، قال ابن حوالة: قلت: يا رسول الله ومن يستطيع الشام وبه الروم ذوات القرون؟ قال: والله ليفتحها الله عليكم، وليستخلفنكم فيها حتى تطل العصابة البيض منهم، قمصهم الملحمية. أقباؤهم قياما على الرويحل، الأسود منكم المحلوق ما أمرهم من شيء فعلوه، وذكر الحديث، قال أبو علقمة: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: فعرف أصحاب رسول الله نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي، وكان على الأعاجم في ذلك الزمان، فكانوا إذا رجعوا إلى المسجد نظروا إليه وإليهم قياما حوله فيعجبون لنعت رسول الله ﷺ فيه وفيهم *
وقال أحمد: حدثنا حجاج، ثنا الليث بن سعد، حدثني يزيد بن أبى حبيب عن ربيعة بن لقيط النجيبى عن عبد الله بن حوالة الأزدي أن رسول الله ﷺ قال: من نجا من ثلاث فقد نجا، قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: موتى، ومن قتال خليفة مصطبر بالحق يعطيه، والدجال *
وقال أحمد: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا الجريريّ عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن حوالة قال: أتيت على رسول الله ﷺ وهو جالس في ظل دومة، وهو عنده كاتب له يملى عليه، فقال: ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: فيم يا رسول الله؟ فأعرض عنى وأكب على كاتبه يملى عليه، ثم قال: ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: لا أدرى ما خار الله لي ورسوله، فأعرض
стр. 1964
عنى وأكب على كاتبه يملى عليه، ثم قال: ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: لا أدرى ما خار الله لي ورسوله؟ فأعرض عنى وأكب على كاتبه يملى عليه، قال: فنظرت فإذا في الكتاب عمر، فقلت:
لا يكتب عمر إلا في خير، ثم قال: أنكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: نعم، فقال: يا ابن حوالة، كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الأرض كأنها صياصي نفر؟ قلت: لا أدرى ما خار الله لي ورسوله، قال: فكيف تفعل في أخرى تخرج بعدها كأن الأولى منها انتفاجة أرنب؟ قلت:
لا أدرى ما خار الله لي ورسوله، قال: ابتغوا هذا، قال: ورجل مقفى حينئذ، قال: فانطلقت فسعيت وأخذت بمنكبه فأقبلت بوجهه إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: هذا؟ قال: نعم، قال: فإذا هو عثمان ابن عفان ﵁ *
وثبت في صحيح مسلّم من حديث يحيى بن آدم عن زهير بن معاوية عن سهل عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، شهد على ذلك لحم أبى هريرة ودمه * وقال يحيى بن آدم وغيره من أهل العلم: هذا من دلائل النبوة حيث أخبر عما ضربه عمر على أرض العراق من الدراهم والقفزان، وعما ضرب من الخراج بالشام ومصر قبل وجود ذلك، صلوات الله وسلامه عليه * وقد اختلف الناس في معنى قوله ﵇: منعت العراق إلخ، فقيل: معناه أنهم يسلمون فيسقط عنهم الخراج، ورجحه البيهقي، وقيل: معناه أنهم يرجعون عن الطاعة ولا يؤدون الخراج المضروب عليهم، ولهذا قال: وعدتم من حيث بدأتم، أي رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك،
كما ثبت في صحيح مسلّم: إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء * ويؤيد هذا القول ما رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل عن الجريريّ عن أبى نصرة قال: كنا عند جابر بن عبد الله فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجيء إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجيء إليهم دينار ولا مد، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل الروم، يمنعون ذلك، قال: ثم سكت هنيهة، ثم
قال: قال رسول الله ﷺ : يكون في آخر أمتى خليفة يحثى المال حثيا، لا يعده عدا، قال الجريريّ: فقلت لأبى نصرة وأبى العلاء: أتريانه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا * وقد رواه مسلّم من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن سعيد بن إياس الجريريّ عن أبى نصرة المنذر بن مالك بن قطفة العبديّ عن جابر كما تقدم، والعجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي احتج به على ما رجحه من أحد القولين المتقدمين، وفيما سلكه نظر، والظاهر خلافه * وثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، وفي صحيح مسلّم عن جابر: ولأهل العراق
стр. 1965
ذات عرق، فهذا من دلائل النبوة، حيث أخبر عما وقع من حج أهل الشام واليمن والعراق، صلوات الله وسلامه عليه *
وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ ليأتين على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقال: نعم، فيفتح الله لهم، ثم يأتى على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقال: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتى على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب من صاحبهم؟ فيقال:
نعم، فيفتح الله لهم *
وثبت في الصحيحين من حديث ثور بن زيد عن أبى الغيث عن أبى هريرة قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فأنزلت عليه سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ فقال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فوضع يده على سلمان الفارسي وقال: لو كان الأيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء، وهكذا وقع كما أخبر به ﵇ *
وروى الحافظ البيهقي من حديث محمد ابن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن بشر قال: قال رسول الله ﷺ : والّذي نفسي بيده لتفتحن عليكم فارس والروم حتى يكثر الطعام فلا يذكر عليه اسم الله *
وروى الامام أحمد والبيهقي وابن عدي وغير واحد من حديث أوس بن عبد الله بن بريدة عن أخيه سهل عن أبيه عبد الله بن بريدة بن الخصيب مرفوعا: ستبعث بعوث فكن في بعث خراسان، ثم اسكن مدينة مرو، فإنه بناها ذو القرنين، ودعا لها بالبركة، وقال: لا يصيب أهلها سوء * وهذا الحديث يعد من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعا، فالله أعلم * وقد تقدم حديث أبى هريرة، من جميع طرقه في قتال الترك، وقد وقع ذلك كما أخبر به سواء بسواء، وسيقع أيضا *
وفي صحيح البخاري من حديث شعبة عن فرات القزاز عن أبى حازم عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ قال: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وإنه سيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فان الله سائلهم عما استرعاهم *
وفي صحيح مسلّم من حديث أبى رافع عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ما كان نبي إلا كان له حواريون يهدون بهداه، ويستنون بسنته، ثم يكون من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويعملون ما ينكرون *
وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن الحرث بن محمد بن حاطب الجمحيّ عن إسماعيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ : يكون بعد الأنبياء خلفاء يعملون بكتاب الله، ويعدلون في عبادة الله، ثم يكون من بعد الخلفاء ملوك يأخذون بالثأر، ويقتلون الرجال، ويصطفون الأموال، فمغير بيده، ومغير بلسانه، وليس وراء ذلك من الايمان شيء *
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا جرير بن حازم عن
стр. 1966
ليث عن عبد الرحمن بن سابط عن أبى ثعلبة الخشنيّ عن أبى عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: إن الله بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنا خلافة ورحمة، وكائنا ملكا عضوضا، وكائنا عزة وجبرية وفسادا في الأمة، يستحلون الفروج والخمور والحرير، وينصرون على ذلك، ويرزقون أبدا حتى يلقوا الله ، وهذا كله واقع * وفي الحديث الّذي
رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي - وحسنه - والنسائي من حديث سعيد بن جهمان عن سفينة مولى رسول الله أن رسول الله ﷺ قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا * وفي رواية: ثم يؤتى الله ملكه من يشاء، وهكذا وقع سواء، فأن أبا بكر ﵁ كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال، وكانت خلافة عمر عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة إلا اثنا عشر يوما، وكانت خلافة على بن أبى طالب خمس سنين إلا شهرين، قلت: وتكميل الثلاثين بخلافة الحسن بن على نحوا من ستة أشهر، حتى نزل عنها لمعاوية عام أربعين من الهجرة، كما سيأتي بيانه وتفصيله *
وقال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن فضيل، ثنا مؤمل، ثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن عبد الرحمن بن أبى بكرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خلافة نبوة ثلاثون عاما ثم يؤتى الله ملكه من يشاء، فقال معاوية: رضينا بالملك * وهذا الحديث فيه رد صريح على الروافض المنكرين لخلافة الثلاثة، وعلى النواصب من بنى أمية ومن تبعهم من أهل الشام، في إنكار خلافة على بن أبى طالب، فان قيل: فما وجه الجمع بين حديث سفينة هذا وبين
حديث جابر بن سمرة المتقدم في صحيح مسلّم: لا يزال هذا الدين قائما ما كان في الناس اثنا عشر خليفة كلهم من قريش؟ فالجواب: إن من الناس من قال: إن الدين لم يزل قائما حتى ولى اثنا عشر خليفة، ثم وقع تخبيط بعدهم في زمان بنى أمية، وقال آخرون: بل هذا الحديث فيه بشارة بوجود اثنى عشر خليفة عادلا من قريش، وإن لم يوجدوا على الولاء، وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة في ثلاثين سنة، ثم كانت بعد ذلك خلفاء راشدون، فيهم عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي ﵁، وقد نص على خلافته وعدله وكونه من الخلفاء الراشدين، غير واحد من الأئمة، حتى قال أحمد بن حنبل ﵁: ليس قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز، ومنهم من ذكر من هؤلاء المهدي بأمر الله العباسي، والمهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم أيضا بالنص على كونه من أهل البيت، واسمه محمد بن عبد الله، وليس بالمنتظر في سرداب سامرّا، فأن ذاك ليس بموجود بالكلية، وإنما ينتظره الجهلة من الروافض *
وقد تقدم في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: لقد هممت أن أدعو أباك وأخاك وأكتب كتابا لئلا يقول قائل، أو يتمنى متمنّ، ثم قال رسول الله ﷺ : يأبى الله والمؤمنون إلا
стр. 1967
أبا بكر * وهكذا وقع، فأن الله ولاه وبايعه المؤمنون قاطبة كما تقدم *
وفي صحيح البخاري: أن امرأة قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ - كأنها تعرض بالموت - فقال: إن لم تجديني فأت أبا بكر *
وثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وأبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: بينا أنا نائم رأيتني على قليب، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبى قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا، فلم أر عبقريا من الناس يفرى فريه، حتى ضرب الناس بعطن، قال الشافعيّ ﵀: رؤيا الأنبياء وحي، وقوله: وفي نزعه ضعف، قصر مدته، وعجلة موته، واشتغاله بحرب أهل الردة عن الفتح الّذي ناله عمر بن الخطاب في طول مدته، قلت: وهذا فيه البشارة بولايتهما على الناس، فوقع كما أخبر سواء، ولهذا جاء في الحديث الآخر الّذي
رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان من حديث ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ أنه قال: اقتدوا باللذين من بعدي، أبى بكر وعمر ﵄، وقال الترمذي: حسن، وأخرجه من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ ، وتقدم من طريق الزهري عن رجل عن أبى ذر حديث تسبيح الحصى في يد رسول الله، ثم يد أبى بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقوله ﵇: هذه خلافة النبوة *
وفي الصحيح عن أبى موسى قال: دخل رسول الله ﷺ حائطا فدلى رجليه في القف فقلت: لأكونن اليوم بواب رسول الله ﷺ ، فجلست خلف الباب فجاء رجل فقال: افتح، فقلت: من أنت؟ قال: أبو بكر، فأخبرت رسول الله ﷺ ، فقال: افتح له وبشره بالجنة، ثم جاء عمر فقال كذلك، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فدخل وهو يقول: الله المستعان *
وثبت في صحيح البخاري من حديث سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس قال: صعد رسول الله ﷺ أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم الجبل، فضربه رسول الله ﷺ برجله وقال:
اثبت، فأنما عليك نبي وصديق وشهيدان *
وقال عبد الرزاق: أنا معمر عن أبى حازم عن سهل بن سعد أن حراء ارتج وعليه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان، فقال النبي ﷺ : اثبت ما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان، قال معمر: قد سمعت قتادة عن النبي ﷺ مثله،
وقد روى مسلّم عن قتيبة عن الدراوَرْديّ عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة فقال النبي ﷺ : اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد * وهذا من دلائل النبوة، فان هؤلاء كلهم أصابوا الشهادة، واختص رسول الله ﷺ بأعلى مراتب الرسالة والنبوة، واختص أبو بكر بأعلى مقامات الصديقية * وقد ثبت في الصحيح الشهادة للعشرة بالجنة بل لجميع من شهد بيعة الرضوان عام الحديبيّة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وقيل:
стр. 1968
وثلاثمائة، وقيل: وخمسمائة، وكلهم استمر على السداد والاستقامة حتى مات ﵃ أجمعين * وثبت في صحيح البخاري البشارة لعكاشة بأنه من أهل الجنة فقتل شهيدا يوم اليمامة *
وفي الصحيحين من حديث يونس عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر، فقام عكاشة ابن محصن الأسدي يجر نمرة عليه، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال النبي ﷺ :
اللهمّ اجعله منهم، ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال:
سبقك بها عكاشة * وهذا الحديث قد روى من طرق متعددة تفيد القطع، وسنورده في باب صفة الجنة، وسنذكر في قتال أهل الردة أن طلحة الأسدي قتل عكاشة بن محصن شهيدا ﵁، ثم رجع طلحة الأسدي عما كان يدعيه من النبوة وتاب إلى الله، وقدم على أبى بكر الصديق واعتمر وحسن إسلامه *
وثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: بينا أنا نائم رأيت كأنه وضع في يدي سواران فقطعتهما، فأوحى إلى في المنام: أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذا بين يخرجان، صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة * وقد تقدم في الوفود
أنه قال لمسيلمة حين قدم مع قومه وجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، فوقف عليه رسول الله ﷺ وقال له: والله لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الّذي أريت فيه ما أريت * وهكذا وقع، عقره الله وأهانه وكسره وغلبه يوم اليمامة، كما قتل الأسود العنسيّ بصنعاء، على ما سنورده إن شاء الله تعالى *
وروى البيهقي من حديث مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال: لقي رسول الله ﷺ مسيلمة فقال له مسيلمة: أتشهد أنى رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : آمنت بالله وبرسله، ثم قال رسول الله ﷺ : إن هذا رجل أخّر لهلكة قومه *
وقد ثبت في الحديث الآخر أن مسيلمة كتب بعد ذلك إلى النبي ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد فأنى قد أشركت في الأمر بعدك، فلك المدر ولى الوبر، ولكن قريشا قوم يعتدون، فكتب إليه رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. وقد جعل الله العاقبة لمحمد وأصحابه، لأنهم هم المتقون وهم العادلون المؤمنون، لا من عداهم * وقد وردت الأحاديث المروية من طرق عنه ﷺ في الأخبار عن الردة التي وقعت في زمن الصديق فقاتلهم الصديق بالجنود المحمدية حتى رجعوا إلى دين الله أفواجا، وعذب ماء الأيمان كما كان بعد ما صار أجاجا، وقد قال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى﴾
стр. 1969
الْكافِرِينَ الآية، قال المفسرون: هم أبو بكر وأصحابه ﵃ * وثبت في الصحيحين من حديث عامر الشعبي عن مسروق عن عائشة في قصة مسارة النبي ﷺ ابنته فاطمة وإخباره إياها بأن جبريل كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة، وأنه عارضني العام مرتين، وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلى، فبكت، ثم سارها فأخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، وأنها أول أهله لحوقا به * وكان كما أخبر، قال البيهقي: واختلفوا في مكث فاطمة بعد رسول الله ﷺ فقيل: شهران، وقيل: ثلاثة، وقيل: ستة، وقيل: ثمانية، قال: وأصح الروايات رواية الزهري عن عروة عن عائشة قالت: مكثت فاطمة بعد وفاة رسول الله ﷺ ستة أشهر * أخرجاه في الصحيحين.
ومن كتاب دلائل النبوة في باب إخباره ﵊ عن الغيوب المستقبلة
فمن ذلك ما
ثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبى سلمة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : إنه قد كان في الأمم محدّثون، فأن يكن في أمتى فعمر بن الخطاب *
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عبيد الله بن موسى، أنا أبو إسرائيل كوفى عن الوليد بن العيزار عن عمر بن ميمون عن على ﵁. قال: ما كنا ننكر ونحن متوافرون أصحاب محمد ﷺ ، أن السكينة تنطق على لسان عمر، قال البيهقي: تابعه زر بن حبيش والشعبي عن على * وقال يعقوب بن سفيان:
ثنا مسلّم بن إبراهيم، ثنا شعبة عن قيس بن مسلّم عن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث أن عمر بن الخطاب ينطق على لسان ملك * وقد ذكرنا في سيرة عمر بن الخطاب ﵁ أشياء كثيرة، من مكاشفاته وما كان يخبر به من المغيبات كقصة سارية بن زنيم، وما شاكلها ولله الحمد والمنة * ومن ذلك ما
رواه البخاري من حديث فراس عن الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂ أن نساء النبي ﷺ اجتمعن عنده فقلن يوما: يا رسول الله أيتنا أسرع بك لحوقا؟ فقال: أطولكن يدا، وكانت سودة أطولنا ذراعا، فكانت أسرعنا به لحوقا * هكذا وقع في الصحيح عند البخاري أنها سودة، وقد رواه يونس بن بكير عن زكريا بن أبى زائدة عن الشعبي فذكر الحديث مرسلا وقال: فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير والصدقة، والّذي رواه مسلّم عن محمود بن غيلان عن الفضل بن موسى عن طلحة بن يحيى بن طلحة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين ﵂، فذكرت الحديث وفيه: فكانت زينب أطولنا يدا، لأنها كانت تعمل بيدها وتصدّق، وهذا هو المشهور عن علماء التاريخ أن زينب بنت جحش كانت أول أزواج النبي ﷺ وفاة * قال الواقدي: توفيت سنة عشرين، وصلّى عليها عمر بن الخطاب، قلت: وأما سودة فإنها توفيت في آخر إمارة عمر بن الخطاب أيضا، قاله ابن أبى خيثمة * ومن ذلك ما رواه مسلّم من
стр. 1970
حديث أسيد بن جابر عن عمر بن الخطاب في قصة أويس القرني، وإخباره ﵇ عنه بأنه خبر التابعين وأنه كان به برص فدعا الله فأذهبه عنه، إلا موضعا قدر الدرهم من جسده، وأنه بار بأمه وأمره لعمر بن الخطاب أن يستغفر له، وقد وجد هذا الرجل في زمان عمر بن الخطاب على الصفة والنعت الّذي ذكره في الحديث سواء * وقد ذكرت طرق هذا الحديث وألفاظه والكلام عليه مطولا في الّذي جمعته من مسند عمر بن الخطاب ﵁ ولله الحمد والمنة * ومن ذلك
ما رواه أبو داود: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، ثنا وكيع، ثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، حدثني جرير بن عبد الله وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري عن أم ورقة بنت نوفل أن رسول الله ﷺ لما غزا بدرا قالت: يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم، لعل الله يرزقني بالشهادة، فقال لها: قرّى في بيتك فأن الله يرزقك الشهادة، فكانت تسمى الشهيدة، وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في بيتها مؤذنا يؤذن لها، وكانت دبرت غلاما لها وجارية، فقاما إليها بالليل فغمّاها في قطيفة لها حتى ماتت وذهبا، فأصبح عمر فقام في الناس وقال: من عنده من هذين علم أو من رآهما فليجئ بهما، فجيء بهما، فأمر بهما فصلبا، وكانا أول مصلوبين بالمدينة * وقد رواه البيهقي من حديث أبى نعيم: ثنا الوليد بن جميع، حدثتني جدتى عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث وكان رسول الله ﷺ يزورها ويسميها الشهيدة، فذكر الحديث وفي آخره فقال عمر: صدق رسول الله ﷺ كان يقول: انطلقوا بنا نزور الشهيدة * ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث أبى إدريس الخولانيّ عن عوف بن مالك في حديثه عنه في الآيات الست بعد موته وفيه: ثم موتان بأحدكم كقصاص الغنم، وهذا قد وقع في أيام عشر، وهو طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، ومات بسببه جماعات من سادات الصحابة، منهم معاذ بن جبل، وأبو عبيدة، ويزيد بن أبى سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وأبو جندل سهل بن عمر وأبوه، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، ﵃ أجمعين *
وقد قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا النهاس بن قهم، ثنا شداد أبو عمار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : ست من أشراط الساعة، موتى، وفتح بيت المقدس، وموت يأخذ في الناس كقصاص الغنم، وفتنة يدخل حريمها بيت كل مسلّم، وأن يعطى الرجل ألف دينار فيسخطها، وأن يغزو الروم فيسيرون إليه بثمانين بندا تحت كل بند اثنا عشر ألفا * وقد قال الحافظ البيهقي: أنا أبو زكريا بن أبى إسحاق، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرنى ابن لهيعة عن عبد الله بن حبان أنه سمع سليمان بن موسى يذكر أن الطاعون وقع بالناس يوم جسر عموسة فقام عمرو بن العاص فقال: يا أيها الناس، إنما هذا الوجع رجس فتنحوا عنه، فقام شرحبيل بن حسنة فقال: يا أيها الناس، إني قد سمعت قول صاحبكم،
стр. 1971
وإني والله لقد أسلمت وصليت، وإن عمرا لأضل من بعير أهله، وإنما هو بلاء أنزله الله ، فاصبروا،
فقام معاذ بن جبل فقال: يا أيها الناس، إني قد سمعت قول صاحبيكم هذين، وإن هذا الطاعون رحمة بكم ودعوة نبيكم ﷺ ، وإني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم ستقدمون الشام فتنزلون أرضا يقال لها: أرض عموسة، فيخرج بكم فيها خرجان له ذباب كذباب الدمل، يستشهد الله به أنفسكم وذراريكم ويزكى به أموالكم، اللهمّ إن كنت تعلم أنى قد سمعت هذا من رسول الله ﷺ فارزق معاذا وآل معاذ منه الحظ الأوفى ولا تعافه منه، قال: فطعن في السبابة فجعل ينظر إليها ويقول: اللهمّ بارك فيها، فأنك إذا باركت في الصغير كان كبيرا، ثم طعن ابنه فدخل عليه فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ فقال ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ * وثبت في الصحيحين من حديث الأعمش وجامع بن أبى راشد عن شقيق بن سلمة عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قلت: أنا، قال هات، إنك لجريء، فقلت: ذكر فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فقال: ليس هذا أعنى إنما أعنى التي تموج موج البحر، فقلت:
يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال: ويحك، يفتح الله أم يكسر؟ قلت: بل يكسر، قال: إذا لا يغلق أبدا، قلت: أجل، فقلنا لحذيفة: فكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، وإني حدثته حديثا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب، فقلنا لمسروق فسأله، فقال من بالباب؟ قال: عمر، وهكذا وقع من بعد مقتل عمر، وقعت الفتن في الناس، وتأكد ظهورها بمقتل عثمان بن عفان ﵄ * وقد قال يعلى بن عبيد عن الأعمش عن سفيان عن عروة بن قيس قال خطبنا خالد بن الوليد فقال: إن أمير المؤمنين عمر بعثني إلى الشام فحين ألقى بوانيه بثنية وعسلا أراد أن يؤثر بها غيري ويبعثني إلى الهند، فقال رجل من تحته: اصبر أيها الأمير، فان الفتن قد ظهرت، فقال خالد: أما وابن الخطاب حي فلا، وإنما ذاك بعده *
وقد روى الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: أبصر رسول الله ﷺ على عمر ثوبا فقال:
أجديد ثوبك أم غسيل؟ قال: بل غسيل، قال: البس جديدا، وعش حميدا، ومت شهيدا، وأظنه قال: ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة * وهكذا رواه النسائي وابن ماجة من حديث عبد الرزاق به، ثم قال النسائي: هذا حديث منكر، أنكره يحيى القطان على عبد الرزاق، وقد روى عن الزهري من وجه آخر مرسلا، قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: لا أعلم أحدا رواه عن الزهري غير معمر، وما أحسبه بالصحيح، والله أعلم * قلت: رجال إسناده واتصاله على شرط الصحيحين وقد قيل الشيخان، تفرد معمر عن الزهري في غير ما حديث، ثم قد روى البزار هذا الحديث من
стр. 1972
طريق جابر الجعفي - وهو ضعيف - عن عبد الرحمن بن سابط (١) عن جابر بن عبد الله مرفوعا مثله سواء، وقد وقع ما أخبر به في هذا الحديث فإنه ﵁ قتل شهيدا وهو قائم يصلّى الفجر في محرابه من المسجد النبوي، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام * وقد تقدم حديث أبى ذر في تسبيح الحصا في يد أبى بكر ثم عمر ثم عثمان،
وقوله ﵇: هذه خلافة النبوة *
وقال نعيم بن حماد:
ثنا عبد الله بن المبارك، أنا خرج بن نباتة عن سعيد بن جهمان عن سفينة قال: لما بنى رسول الله ﷺ مسجد المدينة جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، فقال رسول الله ﷺ : هؤلاء يكونون خلفاء بعدي * وقد تقدم في
حديث عبد الله بن حوالة قوله ﷺ : ثلاث من نجا منهن فقد نجا، موتى، وقتل خليفة مضطهد، والدجال، وفي حديثه الآخر، الأمر باتباع عثمان عند وقوع الفتنة *
وثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال عن شريك ابن أبى نمير عن سعيد بن المسيب عن أبى موسى قال: توضأت في بيتي، ثم خرجت فقلت:
لأكونن اليوم مع رسول الله ﷺ ، فجئت المسجد فسألت عنه فقالوا: خرج وتوجه هاهنا، فخرجت في أثره حتى جئت بئر أريس - وما بها من جريد - فمكثت عند بابها حتى علمت أن النبي ﷺ قد قضى حاجته وجلس، فجئته فسلمت عليه فإذا هو قد جلس على قف بئر أريس فتوسطه ثم دلى رجليه في البئر وكشف عن ساقيه، فرجعت إلى الباب وقلت: لأكونن بواب رسول الله ﷺ ، فلم أنشب أن دق الباب فقلت: من هذا؟ قال: أبو بكر، قلت: على رسلك، وذهبت إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، قال: فخرجت مسرعا حتى قلت لأبى بكر: ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة، قال:
فدخل حتى جلس إلى جنب النبي ﷺ في القف على يمينه ودلى رجليه وكشف عن ساقيه كما صنع النبي ﷺ ، قال: ثم رجعت وقد كنت تركت أخى يتوضأ وقد كان قال لي: أنا على إثرك، فقلت:
إن يرد الله بفلان خيرا يأت به، قال: فسمعت تحريك الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عمر، قلت: على رسلك، قال: وجئت النبي ﷺ ، فسلمت عليه وأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، قال: فجئت وأذنت له وقلت له: رسول الله ﷺ يبشرك بالجنة، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، قال: فجئت وأذنت له وقلت له: رسول الله ﷺ يبشرك بالجنة، قال: فدخل حتى جلس مع رسول الله ﷺ على يساره، وكشف عن ساقيه ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ﷺ وأبو بكر، قال: ثم رجعت فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا يأت به، يريد أخاه، فإذا تحريك الباب، فقلت:
من هذا؟ قال: عثمان بن عفان، قلت: على رسلك، وذهبت إلى رسول الله فقلت: هذا عثمان
стр. 1973
يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، قال: فجئت فقلت: رسول الله ﷺ يأذن لك ويبشرك بالجنة على بلوى أو بلاء يصيبك، فدخل وهو يقول: الله المستعان، فلم يجد في القف مجلسا فجلس وجاههم من شق البئر، وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، كما صنع رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، ﵄، قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم، اجتمعت وانفرد عثمان *
وقد روى البيهقي من حديث عبد الأعلى بن أبى المساور عن إبراهيم بن محمد بن حاطب عن عبد الرحمن بن بجير عن زيد بن أرقم قال: بعثني رسول الله ﷺ فقال: انطلق حتى تأتى أبا بكر فتجده في داره جالسا محتبيا فقل: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة، ثم انطلق حتى تأتى الثنية فتلقى عمر راكبا على حمار تلوح صلعته، فقل: إن رسول الله يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة، ثم انصرف حتى تأتى عثمان فتجده في السوق يبيع ويبتاع، فقل: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام. ويقول: أبشر بالجنة بعد بلاء شديد، فذكر الحديث في ذهابه إليهم فوجد كلا منهم كما ذكر رسول الله ﷺ ، وكلا منهم يقول: أين رسول الله؟ فيقول: في مكان كذا وكذا، فيذهب إليه، وأن عثمان لما رجع قال: يا رسول الله وأي بلاء يصيبني؟ والّذي بعثك بالحق ما تغيبت ولا تمنيت ولا مسست ذكرى بيميني منذ بايعتك فأى بلاء يصيبني؟ فقال: هو ذاك ثم قال البيهقي: عبد الأعلى ضعيف، فان كان حفظ هذا الحديث فيحتمل أن رسول الله ﷺ بعث إليهم زيد بن أرقم فجاء وأبو موسى الأشعري جالس على الباب كما تقدم * وهذا البلاء الّذي أصابه هو ما اتفق وقوعه على يدي من أنكر عليه من رعاع أهل الأمصار بلا علم، فوقع ما سنذكره في دولته إن شاء الله من حصرهم إياه في داره حتى آل الحال بعد ذلك كله إلى اضطهاده وقتله وإلقائه على الطريق أياما، لا يصلّى عليه ولا يلتفت إليه، حتى غسل بعد ذلك وصلّى عليه ودفن بحش كوكب - بسنان في طريق البقيع ﵁ وأرضاه وجعل جنات الفردوس متقلبه ومثواه * كما
قال الامام احمد، حدثنا يحيى عن إسماعيل بن قيس عن أبى سهلة مولى عثمان عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ادعوا لي بعض أصحابى، قلت: أبو بكر؟ قال:
لا، قلت: عمر؟ قال: لا، قلت: ابن عمك على؟ قال: لا، قلت: عثمان؟ قال: نعم، فلما جاء عثمان قال: تنحى، فجعل يسارّه ولون عثمان يتغير، قال أبو سهلة: فلما كان يوم الدار وحضر فيها، قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ عهد إليّ عهدا وإني صابر نفسي عليه * تفرد به أحمد، ثم قد رواه أحمد عن وكيع عن إسماعيل عن قيس عن عائشة فذكر مثله، وأخرجه ابن ماجة من حديث وكيع * وقال نعيم بن حماد في كتابه الفتن والملاحم: حدثنا عتاب بن
стр. 1974
بشير (١) عن خصيف عن مجاهد عن عائشة ﵂ قالت: دخلت على رسول الله ﷺ وعثمان بين يديه يناجيه، فلم أدرك من مقالته شيئا إلا قول عثمان: ظلما وعدوانا يا رسول الله؟ فما دريت ما هو حتى قتل عثمان، فعلمت أن رسول الله ﷺ إنما عنى قتله، قالت عائشة: وما أحببت أن يصل إلى عثمان شيء إلا وصل إليّ مثله غيره إن شاء الله علم أنى لم أحب قتله، ولو أحببت قتله لقتلت، وذلك لما رمى هودجها من النبل حتى صار مثل القنفذ *
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبى عمرو مولى المطلب عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم *
وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشران، أنا على بن محمد المصري، ثنا محمد بن إسماعيل السلمي، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن ربيعة بن سيف أنه حدثه أنه جلس يوما مع شفى الأصبحي فقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون فيكم اثنا عشر خليفة، أبو بكر الصديق، لا يلبث خلفي إلا قليلا، وصاحب رحى العرب يعيش حميدا ويموت شهيدا، فقال رجل: ومن هو يا رسول الله؟ قال: عمر بن الخطاب، ثم التفت إلى عثمان فقال: وأنت يسألك الناس أن تخلع قميصا كساكه الله، والّذي بعثني بالحق لئن خلعته لا تدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط *
ثم روى البيهقي من حديث موسى بن عقبة: حدثني جدي أبو أمى، أبو حبيبة أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم ستلقون بعدي فتنة واختلافا، فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ أو ما تأمرنا؟ فقال: عليكم بالأمين وأصحابه، وهو يشير إلى عثمان بذلك * وقد رواه الامام أحمد عن عفان عن وهيب عن موسى بن عقبة به، وقد تقدم في حديث عبد الله بن حوالة شاهدان له بالصحة والله أعلم *
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية عن عبد الله - هو ابن مسعود - عن النبي ﷺ قال: تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فان هلكوا فسبيل من قد هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما، قال:
قلت: أمما مضى أو مما بقي؟ * ورواه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري عن عبد الرحمن (٢) ابن مهدي به،
ثم رواه أحمد عن إسحاق، وحجاج عن سفيان عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية الكاهلي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : إن رحى
стр. 1975
الإسلام ستزول لخمس وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فان تهلك فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما، قال. قال: عمر: يا رسول الله أبما مضى أو بما بقي؟ قال: بل بما بقي * وهكذا رواه يعقوب بن سفيان عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن منصور به، فقال له عمر فذكره، قال البيهقي: وقد تابع إسرائيل الأعمش وسفيان الثوري عن منصور، قال: وبلغني أن في هذا إشارة إلى الفتنة التي كان منها قتل عثمان سنة خمس وثلاثين، ثم إلى الفتن التي كانت في أيام على، وأراد بالسبعين ملك بنى أمية، فإنه بقي بين ما استقر لهم الملك إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان وضعف أمر بنى أمية ودخل الوهن فيه، نحوا من سبعين سنة * قلت: ثم انطوت هذه الحروب أيام صفين، وقاتل عليّ الخوارج في أثناء ذلك، كما تقدم الحديث المتفق على صحته، في الأخبار بذلك، وفي صفتهم وصفة الرجل المخدج فيهم *
حديث آخر
قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه عن أم ذر قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت فقال: ما يبكيك؟ فقلت: وما لي لا أبكى وأنت تموت بفلاة من الأرض ولا يد لي بدفنك، وليس عندي ثوب يسعك فأكفنك فيه، قال فلا تبكى وابشرى، فأنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة، وإني أنا الّذي أموت بالفلاة، والله ما كذب ولا كذبت * تفرد به أحمد ﵀، وقد رواه البيهقي من حديث على بن المديني عن يحيى بن سليم الطائفي به مطولا، والحديث مشهور في موته ﵁ بالربذة سنة ثنتين وثلاثين، في خلافة عثمان بن عفان، وكان في النفر الذين قدموا عليه [وهو] في السياق عبد الله بن مسعود وهو الّذي صلّى عليه ثم قدم المدينة فأقام بها عشر ليال ومات ﵁.
حديث آخر
قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا الأصم، ثنا محمد بن إسحاق الصنعاني، ثنا عمر بن سعيد الدمشقيّ، ثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله عن أبى عبد الله الأشعري عن أبى الدرداء. قال:
قلت: يا رسول الله بلغني أنك تقول: ليرتدن أقوام بعد إيمانهم، قال: أجل، ولست منهم. قال:
فتوفى أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان *
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا صفوان، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد الله أو عبد الغفار بن إسماعيل بن عبد الله عن أبيه أنه حدثه عن شيخ من السلف قال: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ : إني فرطكم على الحوض، أنتظر من يرد عليّ منكم، فلا
стр. 1976
ألفين أنازع أحدكم، فأقول: إنه من أمتى، فيقال: هل تدري ما أحدثوا بعدك؟ قال أبو الدرداء:
فتخوفت أن أكون منهم، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: إنك لست منهم، قال فتوفى أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان، وقبل أن تقع الفتن * قال البيهقي: تابعه يزيد بن أبى مريم عن أبى عبيد الله مسلم بن يشكر عن أبى الدرداء إلى قوله: لست منهم، قلت: قال سعيد بن عبد العزيز توفى أبو الدرداء لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وقال الواقدي وأبو عبيد وغير واحد: توفى سنة ثنتين وثلاثين، ﵁.
ذكر إخباره ﷺ عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان بن عفان وفي خلافة على بن أبى طالب ﵄
ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ أشرف على أطم من آطام المدينة فقال: هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر * وروى الامام أحمد ومسلم من حديث الزهري عن أبى إدريس الخولانيّ: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما ذاك أن يكون رسول الله ﷺ حدثني من ذلك شيئا أسره إلى لم يكن حدث به غيري، ولكن
رسول الله ﷺ قال: - وهو يحدث مجلسا أنا فيه - سئل عن الفتن وهو يعد الفتن فيهنّ ثلاث لا تذوق شيئا منهن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري، وهذا لفظ أحمد * قال البيهقي: مات حذيفة بعد الفتنة الأولى بقتل عثمان، وقيل الفتنتين الآخرتين في أيام على، قلت: قال العجليّ وغير واحد من علماء التاريخ: كانت وفاة حذيفة بعد مقتل عثمان بأربعين يوما، وهو الّذي قال: لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالة فاحتلبت به الأمة دما، وقال: لو أن أحدا ارتقص لما صنعتم بعثمان لكان جديرا أن يرقص *
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبى سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبى سفيان عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قال سفيان أربع نسوة، قالت: استيقظ النبي ﷺ من نومه وهو محمر الوجه وهو يقول: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه - وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها - قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث * هكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة به، وكذلك رواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة وسعد بن عمرو والأشعثي وزهير بن حرب وابن أبى عمر كلهم عن سفيان بن عيينة به سواء * ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد: كلهم عن سفيان بن عيينة، وقال الترمذي: حسن صحيح،
стр. 1977
وقال الترمذي: قال الحميدي عن سفيان: حفظت من الزهري في هذا الإسناد أربع نسوة، قلت:
وقد أخرجه البخاري عن مالك بن إسماعيل ومسلم عن عمرو الناقد عن الزهري عن عروة عن زينب عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش فلم يذكروا حبيبة في الأسناد، وكذلك رواه عن الزهري شعيب وصالح بن كيسان وعقيل ومحمد بن إسحاق ومحمد بن أبى عتيق ويونس بن يزيد فلم يذكروا عنه في الأسناد حبيبة والله أعلم * فعلى ما رواه أحمد ومن تابعه عن سفيان بن عيينة، يكون قد اجتمع في هذا الإسناد تابعيان، وهما الزهري وعروة بن الزبير، وأربع صحابيات وبنتان وزوجتان وهذا عزيز جدا * ثم قال البخاري بعد رواية الحديث المتقدم: عن أبى اليمان عن شعيب عن الزهري فذكره إلى آخره، ثم
قال: وعن الزهري حدثتني هند بنت الحارث أن أم سلمة قالت: استيقظ رسول الله ﷺ فقال: سبحان الله ماذا أنزل من الخزائن؟! وماذا أنزل من الفتن؟! * وقد أسنده البخاري في مواضع أخر من طرق عن الزهري به * ورواه الترمذي من حديث معمر عن الزهري وقال:
حسن صحيح * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا الصلت بن دينار، ثنا عقبة بن صهبان وأبو رجاء العطاردي قالا: سمعنا الزبير وهو يتلو هذه الآية ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ قال: لقد تلوت هذه الآية زمنا وما أرانى من أهلها، فأصبحنا من أهلها * وهذا الإسناد ضعيف، ولكن روى من وجه آخر، فقال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا جرير قال: سمعت أنسا قال: قال الزبير بن العوام: نزلت هذه الآية ونحن متوافرون مع النبي ﷺ ، ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ فجعلنا نقول: ما هذه الفتنة؟ وما نشعر أنها تقع حيث وقعت * ورواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن مهدي عن جرير بن حازم به، وقد قتل الزبير بوادي السباع مرجعه من قتال يوم الجمل على ما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى *
وقال أبو داود السجستاني في سننه:
ثنا مسدد، ثنا أبو الأحوص - سلام بن سليم - عن منصور عن هلال بن يساف عن سعيد بن زيد، قال: كنا عند النبي ﷺ فذكر فتنة وعظم أمرها، فقلنا: يا رسول الله لئن أدركتنا هذه لتهلكنا فقال: كلا إن بحسبكم القتل، قال سعيد: فرأيت إخواني قتلوا * تفرد به أبو داود،
وقال أبو داود السجستاني: حدثنا الحسن بن على، ثنا يزيد، أنا هشام عن محمد. قال قال حذيفة: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة فأنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تضرك الفتنة، وهذا منقطع * وقال أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة عن أشعث بن أبى أشعث سمعت أبا بردة يحدث عن ثعلبة بن أبى ضبيعة سمعت حذيفة يقول: إني لأعرف رجلا لا تضره الفتنة، فأتينا المدينة فإذا فسطاط مضروب، وإذا محمد بن مسلمة الأنصاري، فسألته فقال: لا أستقر بمصر من أمصارهم حتى تنجلي هذه الفتنة عن جماعة المسلمين * قال البيهقي: ورواه أبو داود - يعنى
стр. 1978
السجستاني - عن عمرو بن مرزوق عن شعبة به * وقال أبو داود: ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة عن أشعث بن سليم عن أبى بردة عن ضبيعة بن حصين الثعلبي عن حذيفة بمعناه، قال البخاري في التاريخ:
هذا عندي أولى *
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن أبى بردة قال: مررت بالربذة فإذا فسطاط، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لمحمد بن مسلمة، فاستأذنت عليه فدخلت عليه فقلت: رحمك الله إنك من هذا الأمر بمكان، فلو خرجت إلى الناس فأمرت ونهيت، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان ذلك فأت بسيفك أحدا فاضرب به عرضه، وكسر نبلك، واقطع وترك، واجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو يعافيك الله، فقد كان ما قال رسول الله ﷺ ، وفعلت ما أمرنى به، ثم استنزل سيفا كان معلقا بعمود الفسطاط واخترطه فإذا سيف من خشب فقال قد فعلت ما أمرنى به واتخذت هذا أرهب به الناس، تفرد به أحمد *
وقال البيهقي: أنا الحاكم، ثنا على بن عيسى المدني، أنا أحمد بن بحرة القرشي، ثنا يحيى بن عبد الحميد، أنا إبراهيم بن سعد، ثنا سالم بن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه عن محمود بن لبيد عن محمد بن مسلمة أنه قال: يا رسول الله كيف أصنع إذا اختلف المضلون؟ قال: اخرج بسيفك إلى الحرة فتضربها به ثم تدخل بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة *
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا زياد بن مسلم أبو عمر، ثنا أبو الأشعث الصنعاني قال: بعثنا يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير، فلما قدمت المدينة دخلت على فلان - نسي زياد اسمه - فقال: إن الناس قد صنعوا ما صنعوا فما ترى؟ قال: أوصاني خليلي أبو القاسم إن أدركت شيئا من هذه الفتن فاعمد إلى أحد فاكسر به حد سيفك ثم اقعد في بيتك، فأن دخل عليك أحد البيت فقم إلى المخدع، فان دخل عليك المخدع فاجثو على ركبتيك وقل: بؤ بأثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين، فقد كسرت سيفي وقعدت في بيتي * هكذا وقع إيراد هذا الحديث في مسند محمد بن مسلمة عند الإمام أحمد، ولكن وقع إبهام اسمه، وليس هو لمحمد بن مسلمة بل صحابى آخر، فأن محمد بن مسلمة ﵁ لا خلاف عند أهل التاريخ أنه توفى فيما بين الأربعين إلى الخمسين، فقيل سنة ثنتين وقيل: ثلاث، وقيل: سبع وأربعين، ولم يدرك أيام يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير بلا خلاف، فتعين أنه صحابى آخر خبره كخبر محمد بن مسلمة *
وقال نعيم بن حماد في الفتن والملاحم: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث عن حماد بن سلمة، ثنا أبو عمرو السلمي عن بنت أهبان الغفاريّ أن عليا أتى أهبان فقال: ما يمنعك أن تتبعنا؟ فقال: أوصاني خليلي وابن عمك ﷺ : أن ستكون فرقة وفتنة واختلاف، فإذا كان ذلك فاكسر سيفك واقعد في بيتك واتخذ سيفا من خشب * وقد رواه أحمد عن عفان وأسود بن عامر ومؤمل ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به، وزاد
стр. 1979
مؤمل في روايته بعد قوله: واتخذ سيفا من خشب واقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية * ورواه الامام أحمد أيضا والترمذي وابن ماجة من حديث عبد الله بن عبيد الديليّ عن عديسة بنت أهبان بن صيفي عن أبيها به، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عبيد، كذا قال، وقد تقدم من غير طريقه *
وقال البخاري: ثنا عبد العزيز الأويسي، ثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذبه * وعن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود عن نوفل ابن معاوية مثل حديث أبى هريرة هذا، وقد روى مسلم حديث أبى هريرة من طريق إبراهيم بن سعد كما رواه البخاري، وكذلك حديث نوفل بن معاوية بإسناد البخاري ولفظه، ثم
قال البخاري:
ثنا محمد بن كثير، أخبرنى سفيان عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: ستكون أثرة وأمور تنكرونها، فقالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الّذي عليكم وتسألون الله الّذي لكم * ورواه مسلم من حديث الأعمش به *
وقال الامام أحمد: حدثنا روح، ثنا عثمان الشحام، ثنا سلمة بن أبى بكرة عن أبى بكرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: إنها ستكون فتنة ثم تكون فتنة، ألا فالماشى فيها خير من الساعي إليها، والقاعد فيها خير من القائم فيها، ألا والمضطجع فيها خير من القاعد، ألا فإذا نزلت فمن كان له غنم فليلحق بغنمه، ألا ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، ألا ومن كانت له إبل فليلحق بأبله، فقال رجل من القوم: يا نبي الله جعلني الله فداك، أرأيت من ليست له غنم ولا أرض ولا إبل كيف يصنع؟ قال: ليأخذ سيفه ثم ليعمد به إلى صخرة، ثم ليدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهمّ هل بلغت، إذ قال رجل: يا رسول الله جعلني الله فداك، أرأيت إن أخذ بيدي مكرها حتى ينطلق بى إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين؟ - شك عثمان - فيحذفنى رجل بسيفه فيقتلني، ماذا يكون من شأنى؟ قال: يبوء بإثمك وإثمه ويكون من أصحاب النار * وهكذا رواه مسلم من حديث عثمان الشحام بنحوه، وهذا إخبار عن إقبال الفتن، وقد وردت أحاديث كثيرة في معنى هذا *
وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن إسماعيل، ثنا قيس قال: لما أقبلت عائشة - يعنى في مسيرها إلى وقعة الجمل - وبلغت مياه بنى عامر ليلا، نبحت الكلاب فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب، فقالت: ما أظننى إلا راجعة، فقال بعض من كان معها:
بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم، قالت: إن رسول الله ﷺ قال لنا ذات يوم: كيف بإحداكنّ تنبح عليها كلاب الحوأب * ورواه أبو نعيم بن حماد في الملاحم
стр. 1980
عن يزيد بن هارون عن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم به *
ثم رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم أن عائشة لما أتت على الحوأب فسمعت نباح الكلاب فقالت: ما أظننى إلا راجعة، إن رسول الله ﷺ قال لنا:
أيتكن ينبح عليها كلاب الحوأب، فقال لها الزبير: ترجعين؟ عسى الله أن يصلح بك بين الناس * وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه *
وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن عثمان بن كرامة، ثنا عبيد الله بن موسى عن عصام بن قدامة البجلي عن عكرمة عن ابن عباس قال:
قال رسول الله ﷺ : ليت شعرى أيتكن صاحبة الجمل الأديب تسير حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها خلق كثير * ثم قال: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد *
وقال الطبراني: ثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، ثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، ثنا نوح بن دراج عن الأجلح بن عبد الله عن زيد بن على عن أبيه عن ابن الحسين عن ابن عباس قال: لما بلغ أصحاب على، حين ساروا إلى البصرة، أن أهل البصرة قد اجتمعوا لطلحة والزبير، شق عليهم، ووقع في قلوبهم، فقال على: والّذي لا إله غيره ليظهرنه على أهل البصرة، وليقتلن طلحة والزبير، وليخرجن إليكم من الكوفة ستة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلا، أو خمسة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلا، شك الأجلح، قال ابن عباس: فوقع ذلك في نفسي، فلما أتى الكوفة خرجت فقلت: لأنظرن، فان كان كما يقول فهو أمر سمعه، وإلا فهو خديعة الحرب، فلقيت رجلا من الجيش فسألته، فو الله ما عتم أن قال ما قال على، قال ابن عباس: وهو ما كان رسول الله ﷺ يخبره *
وقال البيهقي: أنا عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الحفيد، ثنا أحمد بن نصر، ثنا أبو نعيم الفضل، ثنا عبد الجبار بن الورد عن عمار الذهبي عن سالم بن أبى الجعد عن أم سلمة قالت: ذكر النبي ﷺ خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال لها: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت، ثم التفت إلى على وقال: يا على إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها * وهذا حديث غريب جدا، وأغرب منه ما
رواه البيهقي أيضا عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبى نعيم عن عبد الجبار بن العباس الشامي عن عطاء بن السائب عن عمر بن الهجيع عن أبى بكرة قال: قيل له ما يمنعك أن لا تكون قاتلت على نصرتك يوم الجمل؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
يخرج قوم هلكى لا يفلحون، قائدهم امرأة، قائدهم في الجنة، وهذا منكر جدا * والمحفوظ ما
رواه البخاري من حديث الحسن البصري عن أبى بكرة قال: نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ وبلغه أن فارس ملّكوا عليهم امرأة كسرى - فقال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة * وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن الحكم، سمعت أبا وائل قال: لما بعث على عمارا والحسن
стр. 1981
إلى الكوفة يستنفرهم، خطب عمار فقال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، لكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها * ورواه البخاري عن بندار عن غندر، وهذا كله وقع في أيام الجمل، وقد ندمت عائشة ﵂ على ما كان من خروجها، على ما سنورده في موضعه، وكذلك الزبير بن العوام أيضا، تذكر وهو واقف في المعركة أن قتاله في هذا الموطن ليس بصواب، فرجع عن ذلك *
قال عبد الرزاق: أنا معمر عن قتادة قال: لما لما ولّى الزبير يوم الجمل بلغ عليا، فقال: لو كان ابن صفية يعلم أنه على حق ما ولّى، وذلك أن النبي ﷺ لقيهما في سقيفة بنى ساعدة فقال: أتحبه يا زبير؟ فقال: وما يمنعني؟ قال: فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له؟ قال: فيرون أنه إنما ولى لذلك، وهذا مرسل من هذا الوجه * وقد أسنده الحافظ البيهقي من وجه آخر
فقال: أنا أبو بكر - أحمد بن الحسن القاضي - ثنا أبو عمرو بن مطر، أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن سوار الهاشمي الكوفي، ثنا منجاب بن الحرث، ثنا عبد الله بن الأجلح، ثنا أبى عن يزيد الفقير عن أبيه قال: وسمعت فضل بن فضالة يحدث أبى عن أبى حرب بن أبى الأسود الدقلى عن أبيه، دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه، قال: لما دنا على وأصحابه من طلحة والزبير، ودنت الصفوف بعضها من بعض، خرج على وهو على بغلة رسول الله ﷺ ، فنادى: ادعوا لي الزبير بن العوام، فأتى على، فدعى له الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما، فقال على: يا زبير ناشدتك بالله أتذكر يوم مرّ بك رسول الله ﷺ مكان كذا وكذا فقال: يا زبير تحب عليا؟ فقلت: ألا أحب ابن خالي وابن عمى وعلى ديني؟ فقال: يا على أتحبه؟ فقلت: يا رسول الله ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني؟ فقال:
يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت ظالم له، فقال الزبير: بلى، والله لقد نسيته منذ سمعته من رسول الله ﷺ ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك، فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد الله ابن الزبير فقال: مالك؟ فقال: ذكّرني على حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعته وهو يقول:
لتقاتلنه وأنت ظالم له، فلا أقاتلنه، فقال وللقتال جئت؟ إنما جئت تصلح بين الناس ويصلح الله هذا الأمر، قال: قد حلفت أن لا أقاتله، قال: فأعتق غلامك خير وقف حتى تصلح بين الناس، فأعتق غلامه ووقف، فلما اختلف أمر الناس ذهب على فرسه *
قال البيهقي: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الامام أبو الوليد، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا قطن بن بشير، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا عبد الله بن محمد الرقاشيّ، ثنا جدي - وهو عبد الملك بن مسلّم - عن أبى وجرة المازني، قال: سمعت عليا والزبير وعليّ يقول له: ناشدتك الله يا زبير، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول:
إنك تقاتلني وأنت لي ظالم؟ قال: بلى ولكنى نسيت * وهذا غريب كالسياق الّذي قبله،
وقد روى البيهقي من طريق الهذيل بن بلال - وفيه ضعف - عن عبد الرحمن بن مسعود العبديّ عن على
стр. 1982
قال: قال رسول الله ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل يسبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان، قلت: قتل زيد هذا في وقعة الجمل من ناحية على *
وثبت في الصحيحين من حديث همام بن منية عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة * ورواه البخاري أيضا عن أبى اليمان عن شعيب عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة مثله * ورواه البخاري أيضا عن أبى اليمان عن شعيب عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة * وهاتان الفئتان هما أصحاب الجمل، وأصحاب صفين، فإنهما جميعا يدعون إلى الإسلام، وإنما يتنازعون في شيء من أمور الملك، ومراعاة المصالح العائد نفعها على الأمة والرعايا، وكان ترك القتال أولى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصحابة كما سنذكره * وقال يعقوب بن سفيان:
ثنا أبو اليمان، ثنا صفوان بن عمرو قال: كان أهل الشام ستين ألفا، فقتل منهم عشرون ألفا، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفا، فقتل منهم أربعون ألفا، ولكن كان على وأصحابه أدنى الطائفتين إلى الحق من أصحاب معاوية، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم،
كما ثبت في صحيح مسلّم من حديث شعبة عن أبى سلمة عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ قال: حدثني من هو خير منى - يعنى أبا قتادة - أن رسول الله ﷺ قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية *
ورواه أيضا من حديث ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : يقتل عمارا الفئة الباغية، وفي رواية: وقاتله في النار * وقد تقدم الحديث بطرقه عند بناء المسجد النبوي في أول الهجرة النبويّة، وما يزيده بعض الرافضة في هذا الحديث من قولهم بعد: لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة، فليس له أصل يعتمد عليه، بل هو من اختلاق الروافض قبحهم الله *
وقد روى البيهقي من حديث أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن مولاة لعمار قالت: اشتكى عمار شكوى أرق منها، فغشى عليه فأفاق ونحن نبكي حوله، فقال: ما تبكون؟ أتخشون أن أموت على فراشي؟ أخبرنى حبيبي ﷺ أنه تقتلني الفئة الباغية، وأن آخر زادي من الدنيا مذقة لبن *
وقال الامام أحمد: حدثني وكيع، ثنا سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى البختري قال: قال عمار يوم صفين: ائتوني بشربة لبن، فأن رسول الله ﷺ قال: آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن، فشربها ثم تقدم فقتل *
وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن حبيب عن أبى البختري، أن عمار بن ياسر أتى بشربة لبن فضحك وقال: إن رسول الله ﷺ قال لي: آخر شراب أشربه لبن حين أموت *
وروى البيهقي من حديث عمار الذهبي عن سالم بن أبى الجعد عن ابن مسعود سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق * ومعلوم أن عمارا كان في جيش على يوم صفين، وقتله أصحاب معاوية من أهل الشام، وكان الّذي تولى قتله رجل يقال له أبو الفادية، رجل من أفناد الناس، وقيل:
стр. 1983
إنه صحابى * وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر وغيره في أسماء الصحابة وهو أبو الفادية مسلّم، وقيل:
يسار بن أزيهر الجهنيّ من قضاعة، وقيل: مزنى، وقيل: هما اثنان، سكن الشام ثم صار إلى واسط، روى له أحمد حديثا وله عند غيره آخر، قالوا: وهو قاتل عمار بن ياسر، وكان يذكر صفة قتله لعمار لا يتحاشى من ذلك، وسنذكر ترجمته عند قتله لعمار أيام معاوية في وقعة صفين، وأخطأ من قال: كان بدريا *
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا العوام، حدثني ابن مسعود عن حنظلة بن خويلد العنزي قال: بينا أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما لصاحبه نفسا فأنى سمعت النبي ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية، فقال معاوية: ألا نحّ عنا مجنونك يا عمرو، فما بالك معنا، قال: إن أبى شكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه، فأنا معكم ولست أقاتل *
وقال الامام أحمد: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين، بينه وبين عمرو بن العاص، فقال عبد الله بن عمرو:
يا أبة، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية؟ قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: لا يزال يأتينا نهيه، أو نحن قتلناه؟ إنما قتله من جاءوا به * ثم رواه أحمد عن أبى نعيم عن الثوري عن الأعمش عن عبد الرحمن بن أبى زياد فذكر مثله. فقول معاوية: إنما قتله من قدمه إلى سيوفنا، تأويل بعيد جدا، إذ لو كان كذلك لكان أمير الجيش هو القاتل للذين يقتلون في سبيل الله، حيث قدمهم إلى سيوف الأعداء * وقال عبد الرزاق أنا ابن عيينة، أخبرنى عمرو بن دينار عن ابن أبى مليكة عن المسور بن مخرمة قال عمرو لعبد الرحمن ابن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ في آخر الزمان، كما جاهدتم في أوله؟ فقال عبد الرحمن [بن عوف]: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كان بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء * ذكره البيهقي هاهنا، وكأنه يستشهد به على ما عقد له الباب بعده من ذكر الحكمين وما كان من أمرهما، فقال:
باب ما جاء في إخباره عن الحكمين اللذين بعثا في زمن على ﵁
أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إسماعيل بن الفضل، ثنا قتيبة ابن سعيد عن جرير عن زكريا بن يحيى عن عبد الله بن يزيد وحبيب بن بشار عن سويد بن غفلة قال: إني لأمشى مع على بشط الفرات فقال: قال رسول الله ﷺ : إن بنى إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلا وأضلاّ من اتبعهما، وإن هذه الأمة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين ضلا وأضلاّ من اتبعهما * هكذا أورده ولم يبين شيئا من
стр. 1984
أمره، وهو حديث منكر جدا، وآفته من زكريا بن يحيى هذا - وهو الكندي الحميري الأعمى - قال يحيى بن معين: ليس بشيء، والحكمان كانا من خيار الصحابة، وهما عمرو بن العاص السهمي من جهة أهل الشام، والثاني أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري، من جهة أهل العراق، وإنما نصبا ليصلحا بين الناس ويتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين، وحقن لدمائهم، وكذلك وقع ولم يضل بسببهما إلا فرقة الخوارج حيث أنكروا على الأميرين التحكيم، وخرجوا عليهما وكفروهما، حتى قاتلهم على بن أبى طالب، وناظرهم ابن عباس، فرجع منهم شرذمة إلى الحق، واستمر بقيتهم حتى قتل أكثرهم بالنهروان وغيره من المواقف المرذولة عليهم كما سنذكره.
ذكر إخباره ﷺ عن الخوارج وقتالهم وعلامتهم بالرجل المخدج ذي الثديين فوجد ذلك في خلافة على بن أبى طالب
قال البخاري: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدريّ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة - وهو رجل من بنى تميم - فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: ويلك، ومن يعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: دعه فان له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضبه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلم يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس، قال أبو سعيد فأشهد أنى سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ؟ وأشهد أن على بن أبى طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الّذي نعته * وهكذا رواه مسلّم من حديث أبى سعيد * ورواه البخاري أيضا من حديث الأوزاعي عن الزهري عن أبى سلمة والضحاك عن أبى سعيد. وأخرجه البخاري أيضا من حديث سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه، ومسلّم عن هناد عن أبى الأحوص سلام بن سليم عن سعيد بن مسروق عن عبد الرحمن بن يعمر عن أبى سعيد الخدريّ به *
وقد روى مسلّم في صحيحه من حديث داود بن أبى هند والقاسم بن الفضل وقتادة عن أبى نضرة عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : تمرق مارقة عند فرقة المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق * ورواه أيضا من حديث أبى إسحاق الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن الضحاك المشرقي عن أبى سعيد مرفوعا. وروى مسلّم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن ابن مسهر عن الشيباني عن بشير بن عمرو قال: سألت سهل بن
стр. 1985
حنيف، هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر هؤلاء الخوارج؟ فقال: سمعته وأشار بيده نحو المشرق - وفي رواية نحو العراق - يخرج قوم يقرءون القرآن بألسنتهم لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، محلقة رءوسهم * وروى مسلّم من حديث حميد بن هلال عن عبد الله ابن الصامت عن أبى ذر نحوه وقال: سيماهم التحليق، شر الخلق والخليقة * وكذلك رواه محمد بن كثير المصيصي عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس بن مالك مرفوعا، وقال: سيماهم التحليق، شر الخلق والخليقة *
وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن خيثمة عن سويد بن غفلة عن على:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فأن في قتلهم أجرا لمن قتلهم إلى يوم القيامة * وقد روى مسلّم عن قتيبة عن حماد عن أيوب عن محمد بن عبيدة عن على في خبر مؤذن الليل وهو ذو الثدية * وأسنده من وجه آخر عن ابن عون عن ابن سيرين عن عبيدة عن على وفيه: أنه حلّف عليا على ذلك فحلف له أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ * ورواه مسلّم عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن عبد الملك بن أبى سليمان عن زيد بن وهب عن على بالقصة مطولة وفيه قصة ذي الثدية * ورواه من حديث عبيد الله بن أبى رافع عن على، ورواه أبو داود الطيالسي عن حماد بن زيد عن حميد بن مرة عن أبى العرضى والسحيمى عن على في قصة ذي الثدية * ورواه الثوري عن محمد بن قيس عن أبى موسى - رجل من قومه - عن على بالقصة *
وقال يعقوب بن سفيان:
ثنا الحميدي، ثنا سفيان حدثني العلاء بن أبى العباس أنه سمع أبا الطفيل يحدث عن بكر بن قرقاش عن سعيد بن أبى وقاص قال: ذكر رسول الله ﷺ ذا الثدية فقال: شيطان الردهة كراعى الخيل يحذره رجل من بجيلة يقال له: الأشهب، أو ابن الأشهب علامة في قوم ظلمة، قال سفيان: فأخبرني عمار الذهبي أنه جاء به رجل منهم يقال له: الأشهب، أو ابن الأشهب * قال يعقوب بن سفيان:
وحدثنا عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن أبى إسحاق عن حامد الهمدانيّ سمعت سعد بن مالك يقول: قتل على بن أبى طالب شيطان الردهة - يعنى المخدج - يريد والله أعلم قتلة أصحاب على * وقال على بن عياش عن حبيب عن سلمة قال: لقد علمت عائشة أن جيش المروة وأهل النهروان ملعونون على لسان محمد ﷺ ، قال ابن عباس: جيش المروة قتلة عثمان * رواه البيهقي، ثم
قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبى سعيد الخدريّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا، فقال عمر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا، ولكن خاصف النعل - يعنى عليّا - وقال يعقوب بن
стр. 1986
سفيان عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن عمران بن جرير عن لاحق قال: كان الذين خرجوا على على بالنهروان أربعة آلاف في الحديد، فركبهم المسلمون فقتلوهم ولم يقتلوا من المسلمين إلا تسعة رهط، وإن شئت فاذهب إلى أبى برزة فإنه يشهد بذلك * قلت: الأخبار بقتال الخوارج متواترة عن رسول الله ﷺ ، لأن ذلك من طرق تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن، ووقوع ذلك في زمان عليّ معلوم ضرورة لأهل العلم قاطبة، وأما كيفية خروجهم وسببه ومناظرة ابن عباس لهم في ذلك، ورجوع كثير منهم إليه، فسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
إخباره ﷺ بمقتل على بن أبى طالب ﵁ فكان كما أخبر سواء بسواء
قال الامام أحمد: ثنا على بن بحر، ثنا عيسى بن يونس، ثنا محمد بن إسحاق، حدثني زيد بن محمد بن خيثم المحاربي عن محمد بن كعب بن خيثم عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ لعلى - حين ولى غزوة العثيرة -: يا أبا تراب - لما يرى عليه من التراب - ألا أحدثك بأشقى الناس رجلين؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال أحيمر ثمود الّذي عقر الناقة، والّذي يضربك يا على على هذه - يعنى قرنه - حتى يبل هذه - يعنى لحيته - *
وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن الحسن بن مكرم عن أبى النضر عن محمد بن راشد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن فضالة بن أبى فضالة الأنصاري - وكان أبوه من أهل بدر - قال: خرجت مع أبى عائدا لعلى بن أبى طالب في مرض أصابه فقتل منه، قال:
فقال أبى ما يقيمك بمنزلك هذا؟ فلو أصابك أجلك لم يكن إلا أعراب جهينة، تحملك إلى المدينة، فأن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلوا عليك، فقال على: إن رسول الله ﷺ عهد إليّ أن لا أموت حتى تخضب هذه - يعنى لحيته - من دم هذه - يعنى هامته - فقتل وقتل أبو فضالة مع على يوم صفين *
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شريك عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب قال: جاء رأس الخوارج إلى على فقال له: اتّق الله فأنك ميت، فقال: لا والّذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ولكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه - وأشار بيده إلى لحيته - عهد معهود، وقضاء مقضي، وقد خاب من افترى *
وقد روى البيهقي بإسناد صحيح عن زيد بن أسلّم عن أبى سنان المدركي عن على في إخبار النبي ﷺ بقتله، وروى من حديث هيثم عن إسماعيل بن سالم عن أبى إدريس الأزدي عن على قال: إن مما عهد إليّ رسول الله ﷺ : أن الأمة ستغدر بك بعدي،
ثم ساقه من طريق قطر بن خليفة وعبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبى ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحمامي قال: سمعت عليا يقول: إنه لعهد النبي الأمي إليّ، إن الأمة ستغدر بك بعدي * قال البخاري: ثعلبة هذا فيه نظر ولا يتابع على حديثه هذا،
وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبى الأجوب الأحوص بن خباب عن عمار بن زريق عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن
стр. 1987
ثعلبة بن يزيد قال: قال على: والّذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه، للحيته من رأسه، فما يحبس أشقاها، فقال عبد الله بن سبيع: والله يا أمير المؤمنين لو أن رجلا فعل ذلك لأثرنا عشيرته، فقال: أنشدك بالله أن لا تقتل بى غير قاتلي، قالوا يا أمير المؤمنين ألا تستخلف؟ قال:
ولكن أترككم كما ترككم رسول الله ﷺ ، قالوا: فما تقول لربك إذا تركتنا هملا؟ قال: أقول:
اللهمّ استخلفتنى فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني وتركتك فيهم، فأن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم * وهكذا روى البيهقي هذا، وهو موقوف، وفيه غرابة من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، ثم المشهور عن على أنه لما طعنه عبد الرحمن بن ملجم الخارجي وهو خارج لصلاة الصبح عند السدة، فبقي على يومين من طعنته، وحبس ابن ملجم، وأوصى على إلى ابنه الحسن بن على كما سيأتي بيانه وأمره أن يركب في الجنود وقال له: لا يجر على كما تجر الجارية، فلما مات قتل عبد الرحمن بن ملجم قودا، وقيل: حدا، والله أعلم، ثم ركب الحسن بن على في الجنود وسار إلى معاوية كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ذكر إخباره ﷺ بذلك وسيادة ولده الحسن بن على
في تركه الأمر من بعده وإعطائه ذلك الأمر معاوية وتقليده إياه ما كان يتولاه ويقوم بأعبائه
قال البخاري في دلائل النبوة: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا يحيى بن آدم، ثنا حسين الجعفي عن أبى موسى عن الحسن عن أبى بكرة قال: أخرج النبي ﷺ ذات يوم الحسن بن على فصعد به على المنبر فقال: إن ابني هذا سيد: ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين *
وقال في كتاب الصلح: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا سفيان عن أبى موسى قال: سمعت الحسن يقول: استقبل والله الحسن بن على معاوية بن أبى سفيان بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية، فكان والله خير الرجلين: أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بنى عبد شمس، عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال:
اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا. له واطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له، وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن على: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا:
نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه، فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول:
رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن على إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين * وقال البخاري:
стр. 1988
قال لي على بن عبد الله: إنما ثبت لنا سماع الحسن بن أبى بكرة بهذا الحديث: إنما ثبت لنا سماع الحسن بن أبى بكرة بهذا الحديث * وقد رواه البخاري أيضا في فضل الحسن وفي كتاب الفتن عن على بن المديني عن سفيان بن عيينة عن أبى موسى وهو إسرائيل بن موسى بن أبى إسحاق - ورواه أبو داود والترمذي من حديث أشعث، وأبو داود أيضا والنسائي من حديث على بن زيد بن جدعان كلهم عن الحسن البصري عن أبى بكرة به، وقال الترمذي: صحيح، وله طرق عن الحسن مرسلا، وعن الحسن وعن أم سلمة به، وهكذا وقع الأمر كما أخبر به النبي ﷺ سواء، فأن الحسن بن على لما صار إليه الأمر بعد أبيه وركب في جيوش أهل العراق، وسار إليه معاوية، فتصافا بصفين على ما ذكره الحسن البصري، فمال الحسن بن على إلى الصلح، وخطب الناس وخلع نفسه من الأمر وسلمه إلى معاوية، وذلك سنة أربعين، فبايعه الأمراء من الجيشين، واستقل بأعباء الأمة، فسمى ذلك العام عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على رجل واحد، وسنورد ذلك مفصلا في موضعه إن شاء الله تعالى * وقد شهد الصادق المصدوق للفرقتين بالإسلام، فمن كفرهم أو واحدا منهم لمجرد ما وقع فقد أخطأ وخالف النص النبوي المحمدي الّذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وقد تكمل بهذه السنة المدة التي أشار إليها رسول الله ﷺ أنها مدة الخلافة المتتابعة بعده، كما تقدم في
حديث سفينة مولاه أنه قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا، وفي رواية عضوضا، وفي رواية عن معاوية أنه قال: رضينا بها ملكا،
وقد قال نعيم بن حماد في كتابه الفتن والملاحم: سمعت محمد بن فضيل عن السري بن إسماعيل عن عامر الشعبي عن سفيان بن عيينة قال: سمعت الحسن بن على يقول: سمعت عليا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع القدم، ضخم البلغم، يأكل ولا يشبع وهو عرى، وهكذا وقع في هذه الرواية،
وفي رواية بهذا الإسناد: لا تذهب الأيام والليالي حتى تجتمع هذه الأمة على معاوية *
وروى البيهقي من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر - وهو ضعيف - عن عبد الملك بن عمار قال: قال معاوية: والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله ﷺ لي: يا معاوية إن ملكت فأحسن * ثم قال البيهقي: وله شواهد، من ذلك
حديث عمرو بن يحيى عن سعيد بن العاص عن جده سعيد أن معاوية أخذ الإداوة فتبع رسول الله ﷺ فنظر إليه فقال: يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله واعدل، قال معاوية: فما زلت أظن أنى مبتلى بعمل لقول رسول الله ﷺ *
ومنها حديث الثوري عن ثور بن يزيد عن راشد بن سعد الداريّ عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم، ثم يقول أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول الله ﷺ ، فنفعه الله بها * رواه أبو داود *
وروى البيهقي من طريق هشيم عن العوام بن حوشب عن سليمان
стр. 1989
ابن أبى سليمان عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الخلافة بالمدينة والملك بالشام *
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، ثنا يحيى بن حمزة عن زيد بن واقد، حدثني بشر بن عبيد الله، حدثني أبو إدريس الخولانيّ عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب رفع احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصرى، فعمد به إلى الشام، ألا وإن الأيمان - حين تقع الفتن - بالشام هاهنا رواه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان عن عبد الله بن يوسف عن يحيى بن حمزه السلمي به، قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح، وروى من وجه آخر *
ثم ساقه من طريق عقبة بن علقمة عن سعيد بن عبد العزيز الدمشقيّ عن عطية بن قيس عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : إني رأيت أن عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا نور ساطع عمد به إلى الشام، ألا إن الأيمان إذا وقعت الفتن بالشام * ثم أورده البيهقي من طريق الوليد بن مسلّم عن سعيد بن عبد العزيز عن يونس بن ميسرة عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله ﷺ فذكر نحوه، إلا أنه قال: فأتبعته بصرى حتى ظننت أنه مذهوب به، قال: وإني أولت أن الفتن إذا وقعت، أن الايمان بالشام * قال الوليد:
حدثني عنبر بن معدان أنه سمع سليمان بن عامر يحدث عن أبى أمامة عن رسول الله ﷺ مثل ذلك *
وقال يعقوب بن سفيان: حدثني نصر بن محمد بن سليمان الحمصي، ثنا أبى أبو ضمرة - محمد بن سليمان السلمي - حدثني عبد الله بن أبى قيس، سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ :
رأيت عمودا من نور خرج من تحت رأسي ساطعا حتى استقر بالشام *
وقال عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري عن عبد الله بن صفوان قال: قال رجل يوم صفين: اللهمّ العن أهل الشام، فقال له على:
لا تسب أهل الشام جما غفيرا، فان بها الأبدال، فان بها الأبدال * وقد روى من وجه آخر عن على *
قال الإمام أحمد: ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدثني شريح - يعنى ابن عبيد الحضرميّ - قال: ذكر أهل الشام عند على بن أبى طالب وهو بالعراق فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين، قال: لا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلا، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا، يستسقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب * تفرد به أحمد، وفيه انقطاع، فقد نص أبو حاتم الرازيّ على أن شريح ابن عبيد هذا لم يسمع من أبى أمامة ولا من أبى مالك الأشعري وأنه رواية عنهما مرسلة، فما ظنك بروايته عن على بن أبى طالب، وهو أقدم وفاة منهما.
стр. 1990
إخباره ﵇ عن غزاة البحر إلى قبرص التي كانت في أيام أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان ﵁
قال مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها يوما فأطعمته ثم جلست تفلى رأسه، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتى عرضوا على غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة، شك إسحاق، فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: قلت ما يضحكك يا رسول الله؟ قال:
ناس من أمتى عرضوا على غزاة في سبيل الله، كما قال في الأولى، قالت: قلت يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت من الأولين، قال: فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمان معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت * رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلّم عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك به، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الليث وحماد بن زيد، كلاهما عن يحيى بن سعيد. وعن محمد بن يحيى بن حبان عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت ملحان، فذكر الحديث إلى أن قال: فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازية أول ما ركبوا مع معاوية، أو أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية بن أبى سفيان، فلما انصرفوا من غزاتهم قافلين فنزلوا الشام، فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت * ورواه البخاري من حديث أبى إسحاق الفزاري عن زائدة عن أبى حوالة عبد الله بن عبد الرحمن عن أنس به، وأخرجه أبو داود من حديث معمر عن زيد بن أسلّم عن عطاء بن يسار عن أخت أم سليم * وقال البخاري:
باب ما قيل في قتال الروم
حدثنا إسحاق بن يزيد الدمشقيّ، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود العنسيّ حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل إلى ساحل حمص، وهو في بناء له، ومعه أم حرام، قال عمير: فحدثتنا أم حرام أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: أول جيش من أمتى يغزون البحر قد أوجبوا، قالت أم حرام: فقلت: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم، قالت: ثم قال النبي ﷺ : أول جيش من أمتى يغزون مدينة قيصر مغفور لهم، قلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا، تفرد به البخاري دون أصحاب الكتب الستة * وقد رواه البيهقي في
стр. 1991
الدلائل عن الحاكم عن أبى عمرو بن أبى جعفر عن الحسن بن سفيان عن هشام بن عمار الخطيب عن يحيى بن حمزة القاضي به وهو يشبه معنى الحديث الأول * وفيه من دلائل النبوة ثلاث إحداها الأخبار عن الغزوة الأولى في البحر وقد كانت في سنة سبع وعشرين مع معاوية بن أبى سفيان حين غزا قبرص وهو نائب الشام عن عثمان بن عفان، وكانت معهم أم حرام بنت ملحان هذه صحبة زوجها عبادة بن الصامت، أحد النقباء ليلة العقبة، فتوفيت مرجعهم من الغزو قتل بالشام كما تقدم في الرواية عند البخاري، وقال ابن زيد: توفيت بقبرص سنة سبع وعشرين، والغزوة الثانية غزوة قسطنطينية مع أول جيش غزاها، وكان أميرها يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وذلك في سنة ثنتين وخمسين، وكان معهم أبو أيوب، خالد بن زيد الأنصاري، فمات هنالك ﵁ وأرضاه، ولم تكن هذه المرأة معهم، لأنها كانت قد توفيت قبل ذلك في الغزوة الأولى * فهذا الحديث فيه ثلاث آيات من دلائل النبوة، الأخبار عن الغزوتين، والأخبار عن المرأة بأنها من الأولين وليست من الآخرين، وكذلك وقع صلوات الله وسلامه عليه.
الاخبار عن غزوة الهند
قال الامام أحمد: حدثنا هشيم عن سيار بن حسين بن عبيدة عن أبى هريرة قال: وعدنا رسول الله ﷺ غزوة الهند فأن استشهدت كنت من خير الشهداء، وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرر * رواه النسائي من حديث هشيم وزيد بن أنيسة عن يسار عن جبر، ويقال: جبير، عن أبى هريرة قال: وعدنا رسول الله ﷺ غزوة الهند فذكره، وقال أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، ثنا البراء عن الحسن عن أبى هريرة قال: حدثني خليلي الصادق المصدوق، رسول الله ﷺ أنه قال: يكون في هذه الأمة بعث إلى السند والهند، فان أنا أدركته فاستشهدت فذاك، وإن أنا وإن أنا فذكر كلمة رجعت فأنا أبو هريرة المحدث قد أعتقنى من النار * تفرد به أحمد، وقد غزا المسلمون الهند في أيام معاوية سنة أربع وأربعين، وكانت هنالك أمور سيأتي بسطها في موضعها، وقد غزا الملك الكبير الجليل محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة، في حدود أربعمائة، بلاد الهند فدخل فيها وقتل وأسر وسبى وغنم ودخل السومنات وكسر الند الأعظم الّذي يعبدونه، واستلب سيوفه وقلائده، ثم رجع سالما مؤيدا منصورا
فصل في الأخبار عن قتال الترك كما سنبينه إن شاء الله وبه الثقة
قال البخاري: ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، ثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، وحتى تقاتل الترك صغار الأعين
стр. 1992
حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجانّ المطرقة، وتجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر حتى يقع فيه، والناس معادن: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، وليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله * تفرد به من هذا الوجه *
ثم قال البخاري:
ثنا يحيى، ثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر * تابعه غيره عن عبد الرزاق، وقد ذكر عن الامام أحمد أنه قال: أخطأ عبد الرزاق في قوله: خوزا، بالخاء، وإنما هو بالجيم جوزا وكرمان، هما بلدان معروفان بالشرق، فالله أعلم *
وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة فبلغ به النبي ﷺ :
لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر * وقد رواه الجماعة إلا النسائي من حديث سفيان بن عيينة به * وقال البخاري: ثنا على بن عبد الله، ثنا سفيان قال: قال إسماعيل: أخبرنى قيس قال: أتينا أبا هريرة ﵁ فقال: صحبت رسول الله ﷺ ثلاث سنين لم أكن في سنى أحرص على أن أعي الحديث منى فيهن، سمعته يقول: وقال هكذا بيده بين يدي الساعة تقاتلون قوما نعالهم الشعر * وهو هذا البارز، وقال سفيان مرة: وهم أهل البارز،
وقد رواه مسلّم عن أبى كريب عن أبى أسامة ووكيع كلاهما عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم القيامة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين * قلت: وأما قول سفيان بن عيينة: إنهم هم أهل البارز فالمشهور في الرواية تقديم الراء على الزاى، ولعله تصحيف اشتبه على القائل البارز وهو السوق بلغتهم، فالله أعلم *
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا جرير بن حازم سمعت الحسن قال:
ثنا عمرو بن ثعلب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، أو ينتعلون الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما عراض الوجوه كأن وجوههم المجانّ المطرقة * ورواه البخاري عن سليمان بن حرب وأبى النعمان عن جرير بن حازم به، والمقصود أن قتال الترك وقع في آخر أيام الصحابة، قاتلوا القان الأعظم، فكسروه كسرة عظيمة على ما سنورده في موضعه إذا انتهينا [إليه] بحول الله وقوته وحسن توفيقه.
خبر آخر عن عبد الله بن سلام
قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، ثنا ابن عون عن محمد هو ابن سيرين عن بشر بن عباد قال: كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر خشوع فدخل فصلّى ركعتين فأوجز فيهما، فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته،
стр. 1993
فلما استأنس قلت له: إن القوم لما دخلت المسجد قالوا كذا وكذا، قال: سبحان الله، والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك أنى رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ فقصصتها عليه، رأيت كأنى في روضة خضراء - قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها - وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: اصعد عليه، فقلت: لا أستطيع، فجاء بنصيف - قال ابن عون: وهو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي فقال: اصعد عليه، فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك بالعروة، فاستيقظت وإنها لفي يدي،
قال: فأتيت النبي ﷺ ، فقصصتها عليه فقال: أما الروضة فروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام تموت، قال: وهو عبد الله بن سلام * ورواه البخاري من حديث عون. ثم قد رواه الامام أحمد من حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع عن حرشة بن الحر عن عبد الله بن سلام، فذكره مطولا، وفيه قال: حتى انتهيت إلى جبل زلق فأخذ بيدي ودحانى، فإذا أنا على ذروته، فلم أتقارّ ولم أتماسك، وإذا عمود حديد في يدي ذروته حلقة ذهب، فأخذ بيدي ودحانى حتى أخذت بالعروة، وذكر تمام الحديث *
وأخرجه مسلّم في صحيحه من حديث الأعمش عن سليمان بن مسهر عن حرشة بن الحر عن عبد الله بن سلام فذكره وقال: حتى أتى بى جبلا فقال لي: اصعد، فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على رأسي، حتى فعلت ذلك مرارا، وأن رسول الله قال له حين ذكر رؤياه: وأما الجبل فهو منزل الشهداء، ولن تناله قال البيهقي: وهذه معجزة ثانية، حيث أخبر أنه لا ينال الشهادة * وهكذا وقع، فأنه مات سنة ثلاث وأربعين فيما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره.
الأخبار عن بيت ميمونة بنت الحارث بسرف
قال البخاري في التاريخ: أنا موسى بن إسماعيل، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عبد الله بن عبد الله بن الأصم، ثنا يزيد بن الأصم قال: ثقلت ميمونة بمكة وليس عندها من بنى أختها أحد، فقالت: أخرجونى من مكة فانى لا أموت بها، إن رسول الله ﷺ أخبرنى أنى لا أموت بمكة، فحملوها حتى أتوا بها إلى سرف، الشجرة التي بنى بها رسول الله ﷺ تحتها في موضع القبة، فماتت ﵂، قلت: وكان موتها سنة إحدى وخمسين على الصحيح.
ما روى في إخباره عن مقتل حجر بن عدي وأصحابه
قال يعقوب بن سفيان: ثنا ابن بكير، ثنا ابن لهيعة، حدثني الحارث عن يزيد عن عبد الله بن رزين الغافقي قال: سمعت على بن أبى طالب يقول: يا أهل العراق، سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود * فقتل حجر بن عدي وأصحابه، وقال يعقوب بن سفيان: قال أبو
стр. 1994
نعيم: ذكر زياد بن سمية على بن أبى طالب على المنبر فقبض حجر على الحصباء ثم أرسلها وحصب من حوله زيادا فكتب إلى معاوية يقول: إن حجرا حصبنى وأنا على المنبر، فكتب إليه معاوية أن يحمل حجرا، فلما قرب من دمشق بعث من يتلقاهم، فالتقى معهم بعذراء فقتلهم، قال البيهقي: لا يقول على مثل هذا إلا أنه يكون سمعه من رسول الله ﷺ *
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا حرملة ثنا ابن وهب، أخبرنى ابن لهيعة عن أبى الأسود قال: دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء حجرا وأصحابه؟ فقال: يا أم المؤمنين، إني رأيت قتلهم إصلاحا للأمة، وأن بقاءهم فسادا، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء *
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عمرو بن عاصم، ثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد ابن المسيب عن مروان بن الحكم قال: دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة ﵂، فقالت: يا معاوية قتلت حجرا وأصحابه وفعلت الّذي فعلت، أما خشيت أن أخبأ لك رجلا فيقتلك؟ قال: لا، إني في بيت أمان، سمعت رسول الله ﷺ يقول: الايمان قيد الفتك لا يفتك، لا يفتك مؤمن يا أم المؤمنين، كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك؟ قالت: صالح، قال: فدعيني وحجرا حتى نلتقي عند ربنا .
حديث آخر
قال يعقوب بن سفيان: ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبى، ثنا شعبة عن أبى سلمة عن أبى نضرة عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال لعشرة من أصحابه: آخركم موتا في النار، فيهم سمرة بن جندب، قال أبو نضرة: فكان سمرة آخرهم موتا، قال البيهقي: رواته ثقات إلا أن أبا نضرة العبديّ لم يثبت له من أبى هريرة سماع والله أعلم * ثم
روى من طريق إسماعيل بن حكيم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس بن حكيم قال: كنت أمر بالمدينة فألقى أبا هريرة فلا يبدأ بشيء حتى يسألنى عن سمرة، فلو أخبرته بحياته وصحته فرح وقال: إنا كنا عشرة في بيت، وإن رسول الله قام علينا ونظر في وجوهنا وأخذ بعضادتي الباب وقال: آخركم موتا في النار، فقد مات منا ثمانية ولم يبق غيري وغيره، فليس شيء أحب إلى من أن أكون قد ذقت الموت * وله شاهد من وجه آخر،
وقال يعقوب ابن سفيان: ثنا حجاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن أوس بن خالد قال: كنت إذا قدمت على أبى محذورة سألني عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبى محذورة، فقلت لأبى محذورة: مالك إذا قدمت عليك تسألنى عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عنك؟ فقال: إني كنت أنا وسمرة وأبو هريرة في بيت فجاء النبي ﷺ فقال: آخركم موتا في النار * قال:
فمات أبو هريرة ثم مات أبو محذورة ثم مات سمرة *
وقال عبد الرزاق: أنا معمر: سمعت ابن طاوس
стр. 1995
وغيره يقولون: قال النبي ﷺ لأبى هريرة وسمرة بن جندب ولرجل آخر: آخركم موتا في النار، فمات الرجل قبلهما وبقي أبو هريرة وسمرة، فكان الرجل إذا أراد أن يغيظ أبا هريرة يقول: مات سمرة، فإذا سمعه غشي عليه وصعق، ثم مات أبو هريرة قبل سمرة وقتل سمرة بشرا كثيرا * وقد ضعف البيهقي عامة هذه الروايات لانقطاع بعضها وإرساله، ثم قال: وقد قال بعض أهل العلم: إن سمرة مات في الحريق، ثم قال: ويحتمل أن يورد النار بذنوبه ثم ينجو منها بأيمانه فيخرج منها بشفاعة الشافعين، والله أعلم * ثم أورد من طريق هلال بن العلاء الرقى أن عبد الله بن معاوية حدثهم عن رجل قد سماه أن سمرة استجمر فغفل عن نفسه وغفل أهله عنه حتى أخذته النار، قلت:
وذكر غيره أن سمرة بن جندب ﵁ أصابه كرار شديد، وكان يوقد له على قدر مملوءة ماء حارا فيجلس فوقها ليتدفأ ببخارها فسقط يوما فيها فمات ﵁، وكان موته سنة تسع وخمسين بعد أبى هريرة بسنة، وقد كان ينوب عن زياد بن سمية في البصرة إذا سار إلى الكوفة، وفي الكوفة إذا سار إلى البصرة، فكان يقيم في كل منهما ستة أشهر من السنة، وكان شديدا على الخوارج، مكثرا للقتل فيهم، ويقول: هم شر قتلى تحت أديم السماء، وقد كان الحسن البصري ومحمد بن سيرين وغيرهما من علماء البصرة يثنون عليه ﵁.
خبر رافع بن خديج
روى البيهقي من حديث مسلّم بن إبراهيم عن عمرو بن مرزوق الواضحى، ثنا يحيى بن عبد الحميد ابن رافع عن جدته أن رافع بن خديج رمى - قال عمر: لا أدرى أيهما قال - يوم أحد أو يوم حنين بسهم في ثندوته، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله انزع لي السهم، فقال له: يا رافع إن شئت نزعت السهم والقبضة جميعا، وإن شئت نزعت السهم وتركت القبضة وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيد، فقال: يا رسول الله، انزع السهم واترك القبضة واشهد لي يوم القيامة أنى شهيد، قال: فعاش حتى كانت خلافة معاوية انتقض الجرح فمات بعد العصر * هكذا وقع في هذه الرواية أنه مات في إمارة معاوية، والّذي ذكره الواقدي وغير واحد أنه مات سنة ثلاث، وقيل: أربع وسبعين، ومعاوية ﵁ كانت وفاته في سنة ستين بلا خلاف، والله أعلم.
ذكر إخباره ﵇ لما وقع من الفتن بعد موته من أغيلمة بنى هاشم وغير ذلك
قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنى سفيان عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: ستكون أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله: فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الّذي عليكم، وتسألون الله الّذي لكم *
وقال البخاري: ثنا محمد بن عبد الرحيم، أنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أبو أسامة، ثنا شعبة عن أبى التياح عن أبى زرعة عن
стр. 1996
أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يهلك الناس هذا الحي من قريش، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم * ورواه مسلّم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن أبى أسامة،
وقال البخاري: قال محمود: ثنا أبو داود، أخبرنا شعبة عن أبى التياح قال: سمعت أبا زرعة، وحدثنا أحمد بن محمد المكيّ، ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده قال: كنت مع مروان وأبى هريرة فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول: هلاك أمتى على يدي غلمة من قريش، فقال مروان: غلمة؟ قال أبو هريرة: إن شئت أن أسميهم فلان وبنى فلان * تفرد به البخاري *
وقال أحمد: ثنا روح، ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، أخبرنى جدي سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هلكة أمتى على يدي غلمة، قال مروان: وهم معنا في الحلقة قبل أن يلي شيئا، فلعنة الله عليهم غلمة، قال: أما والله لو أشاء أن أقول بنى فلان وبنى فلان لفعلت، قال: فكنت أخرج مع أبى وجدي إلى بنى مروان - بعد ما ملكوا - فإذا هم يبايعون الصبيان، ومنهم من يبايع له وهو في خرقة، قال لنا: عسى أصحابكم هؤلاء أن يكونوا الّذي سمعت أبا هريرة يذكران هذه الملوك يشبه بعضها بعضا *
وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن سماك، حدثني عبد الله بن ظالم قال: سمعت أبا هريرة قال: سمعت حبي أبا القاسم ﷺ يقول: إن فساد أمتى على يدي غلمة سفهاء من قريش * ثم رواه أحمد عن زيد بن الخباب عن سفيان وهو الثوري عن سماك عن مالك بن ظالم عن أبى هريرة فذكره،
ثم روى غندر وروح بن عبادة عن سفيان عن سماك بن حرب عن مالك بن ظالم قال: سمعت أبا هريرة، زاد روح: يحدث مروان بن الحكم، قال: سمعت رسول الله ﷺ الصادق المصدوق يقول: هلاك أمتى على يد غلمة أمراء سفهاء من قريش *
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثني بشر بن أبى عمرو الخولانيّ: أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدريّ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يكون خلف من بعد الستين سنة (أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة مؤمن، ومنافق، وفاجر، وقال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به * تفرد به أحمد، وإسناده جيد قوى على شرط السنن *
وقد روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن الحسن بن على بن عفان عن أبى أسامة عن مجالد عن الشعبي قال: لما رجع على من صفين قال: أيها الناس، لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنه لو فقدتموه لقد رأيتم الرءوس تنزو من كواهلها كالحنظل * ثم روى عن الحاكم وغيره عن الأصم عن العباس ابن الوليد بن زيد عن أبيه عن جابر عن عمير بن هانئ أنه حدثه أنه قال: كان أبو هريرة يمشى في
стр. 1997
سوق المدينة وهو يقول: اللهمّ لا تدركني سنة الستين، ويحكم تمسكوا بصدغى معاوية، اللهمّ لا تدركني إمارة الصبيان، قال البيهقي: وعلى وأبو هريرة إنما يقولان: هذا الشيء سمعناه من رسول الله ﷺ *
وقال يعقوب بن سفيان: أنا عبد الرحمن بن عمرو الحزامي، ثنا محمد بن سليمان عن أبى تميم البعلبكي عن هشام بن الغار عن ابن مكحول عن أبى ثعلبة الخشنيّ عن أبى عبيدة بن الجراح قال:
قال رسول الله ﷺ : لا يزال هذا الأمر معتدلا قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بنى أمية *
وروى البيهقي من طريق عوف الأعرابي عن أبى خلدة عن أبى العالية عن أبى ذرّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول من يبدل سنتي رجل من بنى أمية، وهذا منقطع بين أبى العالية وأبى ذر وقد رجحه البيهقي بحديث أبى عبيدة المتقدم، قال: ويشبه أن يكون هذا الرجل هو يزيد بن معاوية ابن أبى سفيان، والله أعلم * قلت: الناس في يزيد بن معاوية أقسام فمنهم من يحبه ويتولاه، وهم طائفة من أهل الشام، من النواصب، وأما الروافض فيشنعون عليه ويفترون عليه أشياء كثيرة ليست فيه ويتهمه كثير منهم بالزندقة، ولم يكن كذلك، وطائفة أخرى لا يحبونه ولا يسبونه لما يعلمون من أنه لم يكن زنديقا كما تقوله الرافضة، ولما وقع في زمانه من الحوادث الفظيعة، والأمور المستنكرة البشعة الشنيعة، فمن أنكرها قتل الحسين بن على بكربلاء، ولكن لم يكن ذلك من علم منه، ولعله لم يرض به ولم يسؤه، وذلك من الأمور المنكرة جدا، ووقعة الحرة كانت من الأمور القبيحة بالمدينة النبويّة على ما سنورده إذا انتهينا إليه في التاريخ إن شاء الله تعالى.
الاخبار بمقتل الحسين بن على ﵄
وقد ورد في الحديث بمقتل الحسين فقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن حسان، ثنا عمارة - يعنى ابن زاذان - عن ثابت عن أنس قال: استأذن ملك المطر أن يأتى النبي ﷺ ، فأذن له، فقال لأم سلمة: احفظى علينا الباب لا يدخل علينا أحد، فجاء الحسين بن على، فوثب حتى دخل، فجعل يصعد على منكب النبي ﷺ ، فقال له الملك: أتحبه؟ فقال النبي ﷺ : نعم، قال: فأن أمتك تقتله، وإن شئت أريتك المكان الّذي يقتل فيه، قال: فضرب بيده فأراه ترابا أحمر، فأخذت أم سلمة ذلك التراب فصرته في طرف ثوبها، قال: فكنا نسمع يقتل بكربلاء * ورواه البيهقي من حديث بشر بن موسى عن عبد الصمد عن عمارة، فذكره، ثم قال: وكذلك رواه سفيان بن فروخ عن عمارة، وعمارة بن زاذان هذا هو الصيدلاني أبو سلمة البصري اختلفوا فيه، وقد قال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به ليس بالمتين، وضعفه أحمد مرة ووثقه أخرى، وحديثه هذا قد روى عن غيره من وجه آخر، فرواه الحافظ البيهقي من طريق عمارة بن عرفة عن محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة عن عائشة ﵂ نحو هذا *
وقد قال البيهقي: أنا الحاكم في آخرين، قالوا: أنا الأصم، أنا عباس
стр. 1998
الدوري، ثنا محمد بن خالد بن مخلد، ثنا موسى بن يعقوب عن هاشم بن هاشم عن عتبة بن أبى وقاص عن عبد الله بن وهب بن زمعة، أخبرتنى أم سلمة أن رسول الله ﷺ اضطجع ذات يوم فاستيقظ وهو حائر، ثم اضطجع فرقد، ثم استيقظ وهو حائر دون ما رأيت منه في المرة الأولى، ثم اضطجع واستيقظ وفي يده تربة حمراء وهو يقلبها، فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟ فقال: أخبرنى جبريل أن هذا مقتل بأرض العراق للحسين، قلت له: يا جبريل أرنى تربة الأرض التي يقتل بها، فهذه تربتها * ثم قال البيهقي: تابعه أبو موسى الجهنيّ عن صالح بن يزيد النخعي عن أم سلمة، وأبان عن شهر بن حوشب عن أم سلمة *
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة: ثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي، ثنا الحسين بن عيسى، ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الحسين جالسا في حجر النبي ﷺ فقال جبريل: أتحبه؟ فقال: وكيف لا أحبه وهو ثمرة فؤادي؟ فقال: أما إن أمتك ستقتله، ألا أريك من موضع قبره؟ فقبض قبضة فإذا تربة حمراء * ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد، والحسين بن عيسى قد حدث عن الحكم بن أبان بأحاديث لا نعلمها عند غيره.
قلت: هو الحسين بن عيسى بن مسلّم الحنفي أبو عبد الرحمن الكوفي أخو سليم القاري، قال البخاري:
مجهول - يعنى مجهول الحال - وإلا فقد روى عنه سبعة نفر، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوى، روى عن الحكم بن أبان أحاديث منكرة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: قليل الحديث، وعامة حديثه غرائب، وفي بعض أحاديثه المنكرات *
وروى البيهقي عن الحكم وغيره عن أبى الأحوص عن محمد بن الهيثم القاضي: ثنا محمد بن مصعب، ثنا الأوزاعي عن أبى عمار شداد بن عبد الله عن أم الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني رأيت حلما منكرا الليلة، قال: وما هو؟ قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري، قال: رأيت خيرا، تلك فاطمة إن شاء الله تلد غلاما فيكون في حجرك، فولدت فاطمة الحسين، فكان في حجري كما قال رسول الله ﷺ ، فوضعته في حجره ثم حانت منى التفاتة فإذا عينا رسول الله ﷺ تهريقان الدموع، قالت: قلت يا نبي الله بأبي أنت وأمى، مالك؟ قال: أتانى جبريل ﵇ فأخبرني أن أمتى ستقتل ابني هذا، فقلت:
هذا؟ قال: نعم، وأتانى بتربة من تربته حمراء *
وقد روى الإمام أحمد عن عفان عن وهيب عن أيوب عن صالح أبى الخليل عن عبد الله بن الحارث عن أم الفضل قالت: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني رأيت في منامي أن في بيتي أو حجري عضوا من أعضائك، قال: تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فتكفلينه، فولدت له فاطمة حسينا، فدفعته إليها فأرضعته بلبن قثم، فأتيت به رسول الله ﷺ يوما أزوره، فأخذه فوضعه على صدره فبال فأصاب البول إزاره، فزخخت بيدي على كتفيه،
стр. 1999
فقال: أوجعت ابني أصلحك الله، أو قال: رحمك الله، فقلت: أعطني إزارك أغسله، فقال: إنما يغسل بول الجارية ويصب على بول الغلام * ورواه أحمد أيضا عن يحيى بن بكير عن إسرائيل عن سماك عن قابوس بن مخارق عن أم الفضل فذكر مثله سواء، وليس فيه الأخبار بقتله فالله أعلم * وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد، أنا عمار بن أبى عمارة عن ابن عباس. قال: رأيت النبي ﷺ فيما يرى النائم بنصف النهار وهو قائل، أشعث أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمى يا رسول الله، ما هذا؟ قال: دم الحسين وأصحابه، لم أزل ألتقطه منذ اليوم، قال: فأحصينا ذلك اليوم فوجدوه قتل في ذلك اليوم ﵁ * قال قتادة: قتل الحسين يوم الجمعة، يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف شهر * وهكذا قال الليث وأبو بكر بن عياش الواقدي والخليفة بن خياط وأبو معشر وغير واحد: إنه قتل يوم عاشوراء عام إحدى وستين، وزعم بعضهم أنه قتل يوم السبت، والأول أصح * وقد ذكروا في مقتله أشياء كثيرة أنها وقعت من كسوف الشمس يومئذ، وهو ضعيف، وتغيير آفاق السماء، ولم ينقلب حجر إلا وجد تحته دم، ومنهم من خصص ذلك بحجارة بيت المقدس، وأن الورس استحال رمادا، وأن اللحم صار مثل العلقم وكان فيه النار، إلى غير ذلك مما في بعضها نكارة، وفي بعضها احتمال، والله أعلم * وقد مات رسول الله ﷺ وهو سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، ولم يقع شيء من هذه الأشياء، وكذلك الصديق بعده، مات ولم يكن شيء من هذا، وكذا عمر بن الخطاب قتل شهيدا وهو قائم يصلّى في المحراب صلاة الفجر، وحصر عثمان في داره وقتل بعد ذلك شهيدا، وقتل على بن أبى طالب شهيدا بعد صلاة الفجر، ولم يكن شيء من هذه الأشياء، والله أعلم * وقد روى حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمارة عن أم سلمة أنها سمعت الجن تنوح على الحسين بن على * وهذا صحيح، وقال شهر بن حوشب: كنا عند أم سلمة فجاءها الخبر بقتل الحسين فخرت مغشيا عليها * وكان سبب قتل الحسين أنه كتب إليه أهل العراق يطلبون منه أن يقدم إليهم ليبايعوه بالخلافة، وكثر تواتر الكتب عليه من العامة ومن ابن عمه مسلّم بن عقيل، فلما ظهر على ذلك عبيد الله بن زياد نائب العراق ليزيد بن معاوية، فبعث إلى مسلّم بن عقيل يضرب عنقه ورماه من القصر إلى العامة، فتفرق ملؤهم وتبددت كلمتهم، هذا وقد تجهز الحسين من الحجاز إلى العراق، ولم يشعر بما وقع، فتحمل بأهله ومن أطاعه وكانوا قريبا من ثلاثمائة، وقد نهاه عن ذلك جماعة من الصحابة، منهم أبو سعيد، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، فلم يطعهم، وما أحسن ما نهاه ابن عمر عن ذلك، واستدل له على أنه لا يقع ما يريده فلم يقبل، فروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن سالم الأسدي، ورواه أبو داود الطيالسي في مسندة عنه، قال: سمعت الشعبي يقول: كان ابن عمر قدم المدينة فأخبر أن الحسين بن
стр. 2000
على قد توجه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة، قال: أين تريد؟ قال العراق ومعه طوامير وكتب، فقال: لا تأتهم، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: إن الله خير نبيه ﷺ بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنكم بضعة من رسول الله ﷺ ، والله لا يليها أحد منكم أبدا، وما صرفها عنكم إلى الّذي هو خير منكم، فارجعوا، فأبى وقال: هذه كتبهم وبيعتهم، قال: فاعتنقه ابن عمر وقال: أستودعك الله من قتيل، وقد وقع ما فهمه عبد الله بن عمر من ذلك سواء، من أنه لم يل أحد من أهل البيت الخلافة على سبيل الاستقلال ويتم له الأمر، وقد قال ذلك عثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب إنه لا يلي أحد من أهل البيت أبدا * ورواه عنهما أبو صالح الخليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ في كتابه الفتن والملاحم. قلت: وأما الخلفاء الفاطميون الذين كانوا بالديار المصرية، فان أكثر العلماء على أنهم أدعياء وعلى بن أبى طالب ليس من أهل البيت، ومع هذا لم يتم له الأمر كما كان للخلفاء الثلاثة قبله، ولا اتسعت يده في البلاد كلها، ثم تنكدت عليه الأمور، وأما ابنه الحسن ﵁ فإنه لما جاء في جيوشه وتصافى هو وأهل الشام، ورأى أن المصلحة في ترك الخلافة، تركها لله ، وصيانة لدماء المسلمين، أثابه الله ورضى الله عنه، وأما الحسين ﵁ فأن ابن عمر لما أشار عليه بترك الذهاب إلى العراق وخالفه، اعتنقه مودعا وقال: أستودعك الله من قتيل، وقد وقع ما تفرسه ابن عمر، فإنه لما استقل ذاهبا بعث إليه عبيد الله بن زياد بكتيبة فيها أربعة آلاف يتقدمهم عمرو بن سعد ابن أبى وقاص، وذلك بعد ما استعفاه فلم يعفه، فالتقوا بمكان يقال له كربلاء بالطف، فالتجأ الحسين ابن على وأصحابه إلى مقصبة هنالك، وجعلوها منهم بظهر، وواجهوا أولئك، وطلب منهم الحسين إحدى ثلاث: إما أن يدعوه يرجع من حيث جاء، وإما أن يذهب إلى ثغر من الثغور فيقاتل فيه، أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يده في يده. فيحكم فيه بما شاء، فأبوا عليه واحدة منهن، وقالوا: لا بد من قدومك على عبيد الله بن زياد فيرى فيك رأيه، فأبى أن يقدم عليه أبدا، وقاتلهم دون ذلك، فقتلوه ﵀، وذهبوا برأسه إلى عبيد الله بن زياد فوضعوه بين يديه، فجعل ينكت بقضيب في يده على ثناياه، وعنده أنس بن مالك جالس، فقال له: يا هذا، ارفع قضيبك، قد طال ما رأيت رسول الله يقبل هذه الثنايا، ثم أمر عبيد الله بن زياد أن يسار بأهله ومن كان معه إلى الشام، إلى يزيد بن معاوية، ويقال: إنه بعث معهم بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد فأنشد حينئذ قول بعضهم:
نفلق هاما من رجال أعزة … علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ثم أمر بتجهيزهم إلى المدينة النبويّة، فلما دخلوها تلقتهم امرأة من بنات عبد المطلب ناشرة