أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يهلك الناس هذا الحي من قريش، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم * ورواه مسلّم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن أبى أسامة،
وقال البخاري: قال محمود: ثنا أبو داود، أخبرنا شعبة عن أبى التياح قال: سمعت أبا زرعة، وحدثنا أحمد بن محمد المكيّ، ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده قال: كنت مع مروان وأبى هريرة فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول: هلاك أمتى على يدي غلمة من قريش، فقال مروان: غلمة؟ قال أبو هريرة: إن شئت أن أسميهم فلان وبنى فلان * تفرد به البخاري *
وقال أحمد: ثنا روح، ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، أخبرنى جدي سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هلكة أمتى على يدي غلمة، قال مروان: وهم معنا في الحلقة قبل أن يلي شيئا، فلعنة الله عليهم غلمة، قال: أما والله لو أشاء أن أقول بنى فلان وبنى فلان لفعلت، قال: فكنت أخرج مع أبى وجدي إلى بنى مروان - بعد ما ملكوا - فإذا هم يبايعون الصبيان، ومنهم من يبايع له وهو في خرقة، قال لنا: عسى أصحابكم هؤلاء أن يكونوا الّذي سمعت أبا هريرة يذكران هذه الملوك يشبه بعضها بعضا *
وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن سماك، حدثني عبد الله بن ظالم قال: سمعت أبا هريرة قال: سمعت حبي أبا القاسم ﷺ يقول: إن فساد أمتى على يدي غلمة سفهاء من قريش * ثم رواه أحمد عن زيد بن الخباب عن سفيان وهو الثوري عن سماك عن مالك بن ظالم عن أبى هريرة فذكره،
ثم روى غندر وروح بن عبادة عن سفيان عن سماك بن حرب عن مالك بن ظالم قال: سمعت أبا هريرة، زاد روح: يحدث مروان بن الحكم، قال: سمعت رسول الله ﷺ الصادق المصدوق يقول: هلاك أمتى على يد غلمة أمراء سفهاء من قريش *
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثني بشر بن أبى عمرو الخولانيّ: أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدريّ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يكون خلف من بعد الستين سنة (أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة مؤمن، ومنافق، وفاجر، وقال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به * تفرد به أحمد، وإسناده جيد قوى على شرط السنن *
وقد روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن الحسن بن على بن عفان عن أبى أسامة عن مجالد عن الشعبي قال: لما رجع على من صفين قال: أيها الناس، لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنه لو فقدتموه لقد رأيتم الرءوس تنزو من كواهلها كالحنظل * ثم روى عن الحاكم وغيره عن الأصم عن العباس ابن الوليد بن زيد عن أبيه عن جابر عن عمير بن هانئ أنه حدثه أنه قال: كان أبو هريرة يمشى في
стр. 1997
سوق المدينة وهو يقول: اللهمّ لا تدركني سنة الستين، ويحكم تمسكوا بصدغى معاوية، اللهمّ لا تدركني إمارة الصبيان، قال البيهقي: وعلى وأبو هريرة إنما يقولان: هذا الشيء سمعناه من رسول الله ﷺ *
وقال يعقوب بن سفيان: أنا عبد الرحمن بن عمرو الحزامي، ثنا محمد بن سليمان عن أبى تميم البعلبكي عن هشام بن الغار عن ابن مكحول عن أبى ثعلبة الخشنيّ عن أبى عبيدة بن الجراح قال:
قال رسول الله ﷺ : لا يزال هذا الأمر معتدلا قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بنى أمية *
وروى البيهقي من طريق عوف الأعرابي عن أبى خلدة عن أبى العالية عن أبى ذرّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول من يبدل سنتي رجل من بنى أمية، وهذا منقطع بين أبى العالية وأبى ذر وقد رجحه البيهقي بحديث أبى عبيدة المتقدم، قال: ويشبه أن يكون هذا الرجل هو يزيد بن معاوية ابن أبى سفيان، والله أعلم * قلت: الناس في يزيد بن معاوية أقسام فمنهم من يحبه ويتولاه، وهم طائفة من أهل الشام، من النواصب، وأما الروافض فيشنعون عليه ويفترون عليه أشياء كثيرة ليست فيه ويتهمه كثير منهم بالزندقة، ولم يكن كذلك، وطائفة أخرى لا يحبونه ولا يسبونه لما يعلمون من أنه لم يكن زنديقا كما تقوله الرافضة، ولما وقع في زمانه من الحوادث الفظيعة، والأمور المستنكرة البشعة الشنيعة، فمن أنكرها قتل الحسين بن على بكربلاء، ولكن لم يكن ذلك من علم منه، ولعله لم يرض به ولم يسؤه، وذلك من الأمور المنكرة جدا، ووقعة الحرة كانت من الأمور القبيحة بالمدينة النبويّة على ما سنورده إذا انتهينا إليه في التاريخ إن شاء الله تعالى.
الاخبار بمقتل الحسين بن على ﵄
وقد ورد في الحديث بمقتل الحسين فقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن حسان، ثنا عمارة - يعنى ابن زاذان - عن ثابت عن أنس قال: استأذن ملك المطر أن يأتى النبي ﷺ ، فأذن له، فقال لأم سلمة: احفظى علينا الباب لا يدخل علينا أحد، فجاء الحسين بن على، فوثب حتى دخل، فجعل يصعد على منكب النبي ﷺ ، فقال له الملك: أتحبه؟ فقال النبي ﷺ : نعم، قال: فأن أمتك تقتله، وإن شئت أريتك المكان الّذي يقتل فيه، قال: فضرب بيده فأراه ترابا أحمر، فأخذت أم سلمة ذلك التراب فصرته في طرف ثوبها، قال: فكنا نسمع يقتل بكربلاء * ورواه البيهقي من حديث بشر بن موسى عن عبد الصمد عن عمارة، فذكره، ثم قال: وكذلك رواه سفيان بن فروخ عن عمارة، وعمارة بن زاذان هذا هو الصيدلاني أبو سلمة البصري اختلفوا فيه، وقد قال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به ليس بالمتين، وضعفه أحمد مرة ووثقه أخرى، وحديثه هذا قد روى عن غيره من وجه آخر، فرواه الحافظ البيهقي من طريق عمارة بن عرفة عن محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة عن عائشة ﵂ نحو هذا *
وقد قال البيهقي: أنا الحاكم في آخرين، قالوا: أنا الأصم، أنا عباس
стр. 1998
الدوري، ثنا محمد بن خالد بن مخلد، ثنا موسى بن يعقوب عن هاشم بن هاشم عن عتبة بن أبى وقاص عن عبد الله بن وهب بن زمعة، أخبرتنى أم سلمة أن رسول الله ﷺ اضطجع ذات يوم فاستيقظ وهو حائر، ثم اضطجع فرقد، ثم استيقظ وهو حائر دون ما رأيت منه في المرة الأولى، ثم اضطجع واستيقظ وفي يده تربة حمراء وهو يقلبها، فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟ فقال: أخبرنى جبريل أن هذا مقتل بأرض العراق للحسين، قلت له: يا جبريل أرنى تربة الأرض التي يقتل بها، فهذه تربتها * ثم قال البيهقي: تابعه أبو موسى الجهنيّ عن صالح بن يزيد النخعي عن أم سلمة، وأبان عن شهر بن حوشب عن أم سلمة *
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة: ثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي، ثنا الحسين بن عيسى، ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الحسين جالسا في حجر النبي ﷺ فقال جبريل: أتحبه؟ فقال: وكيف لا أحبه وهو ثمرة فؤادي؟ فقال: أما إن أمتك ستقتله، ألا أريك من موضع قبره؟ فقبض قبضة فإذا تربة حمراء * ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد، والحسين بن عيسى قد حدث عن الحكم بن أبان بأحاديث لا نعلمها عند غيره.
قلت: هو الحسين بن عيسى بن مسلّم الحنفي أبو عبد الرحمن الكوفي أخو سليم القاري، قال البخاري:
مجهول - يعنى مجهول الحال - وإلا فقد روى عنه سبعة نفر، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوى، روى عن الحكم بن أبان أحاديث منكرة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: قليل الحديث، وعامة حديثه غرائب، وفي بعض أحاديثه المنكرات *
وروى البيهقي عن الحكم وغيره عن أبى الأحوص عن محمد بن الهيثم القاضي: ثنا محمد بن مصعب، ثنا الأوزاعي عن أبى عمار شداد بن عبد الله عن أم الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني رأيت حلما منكرا الليلة، قال: وما هو؟ قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري، قال: رأيت خيرا، تلك فاطمة إن شاء الله تلد غلاما فيكون في حجرك، فولدت فاطمة الحسين، فكان في حجري كما قال رسول الله ﷺ ، فوضعته في حجره ثم حانت منى التفاتة فإذا عينا رسول الله ﷺ تهريقان الدموع، قالت: قلت يا نبي الله بأبي أنت وأمى، مالك؟ قال: أتانى جبريل ﵇ فأخبرني أن أمتى ستقتل ابني هذا، فقلت:
هذا؟ قال: نعم، وأتانى بتربة من تربته حمراء *
وقد روى الإمام أحمد عن عفان عن وهيب عن أيوب عن صالح أبى الخليل عن عبد الله بن الحارث عن أم الفضل قالت: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني رأيت في منامي أن في بيتي أو حجري عضوا من أعضائك، قال: تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فتكفلينه، فولدت له فاطمة حسينا، فدفعته إليها فأرضعته بلبن قثم، فأتيت به رسول الله ﷺ يوما أزوره، فأخذه فوضعه على صدره فبال فأصاب البول إزاره، فزخخت بيدي على كتفيه،
стр. 1999
فقال: أوجعت ابني أصلحك الله، أو قال: رحمك الله، فقلت: أعطني إزارك أغسله، فقال: إنما يغسل بول الجارية ويصب على بول الغلام * ورواه أحمد أيضا عن يحيى بن بكير عن إسرائيل عن سماك عن قابوس بن مخارق عن أم الفضل فذكر مثله سواء، وليس فيه الأخبار بقتله فالله أعلم * وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد، أنا عمار بن أبى عمارة عن ابن عباس. قال: رأيت النبي ﷺ فيما يرى النائم بنصف النهار وهو قائل، أشعث أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمى يا رسول الله، ما هذا؟ قال: دم الحسين وأصحابه، لم أزل ألتقطه منذ اليوم، قال: فأحصينا ذلك اليوم فوجدوه قتل في ذلك اليوم ﵁ * قال قتادة: قتل الحسين يوم الجمعة، يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف شهر * وهكذا قال الليث وأبو بكر بن عياش الواقدي والخليفة بن خياط وأبو معشر وغير واحد: إنه قتل يوم عاشوراء عام إحدى وستين، وزعم بعضهم أنه قتل يوم السبت، والأول أصح * وقد ذكروا في مقتله أشياء كثيرة أنها وقعت من كسوف الشمس يومئذ، وهو ضعيف، وتغيير آفاق السماء، ولم ينقلب حجر إلا وجد تحته دم، ومنهم من خصص ذلك بحجارة بيت المقدس، وأن الورس استحال رمادا، وأن اللحم صار مثل العلقم وكان فيه النار، إلى غير ذلك مما في بعضها نكارة، وفي بعضها احتمال، والله أعلم * وقد مات رسول الله ﷺ وهو سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، ولم يقع شيء من هذه الأشياء، وكذلك الصديق بعده، مات ولم يكن شيء من هذا، وكذا عمر بن الخطاب قتل شهيدا وهو قائم يصلّى في المحراب صلاة الفجر، وحصر عثمان في داره وقتل بعد ذلك شهيدا، وقتل على بن أبى طالب شهيدا بعد صلاة الفجر، ولم يكن شيء من هذه الأشياء، والله أعلم * وقد روى حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمارة عن أم سلمة أنها سمعت الجن تنوح على الحسين بن على * وهذا صحيح، وقال شهر بن حوشب: كنا عند أم سلمة فجاءها الخبر بقتل الحسين فخرت مغشيا عليها * وكان سبب قتل الحسين أنه كتب إليه أهل العراق يطلبون منه أن يقدم إليهم ليبايعوه بالخلافة، وكثر تواتر الكتب عليه من العامة ومن ابن عمه مسلّم بن عقيل، فلما ظهر على ذلك عبيد الله بن زياد نائب العراق ليزيد بن معاوية، فبعث إلى مسلّم بن عقيل يضرب عنقه ورماه من القصر إلى العامة، فتفرق ملؤهم وتبددت كلمتهم، هذا وقد تجهز الحسين من الحجاز إلى العراق، ولم يشعر بما وقع، فتحمل بأهله ومن أطاعه وكانوا قريبا من ثلاثمائة، وقد نهاه عن ذلك جماعة من الصحابة، منهم أبو سعيد، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، فلم يطعهم، وما أحسن ما نهاه ابن عمر عن ذلك، واستدل له على أنه لا يقع ما يريده فلم يقبل، فروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن سالم الأسدي، ورواه أبو داود الطيالسي في مسندة عنه، قال: سمعت الشعبي يقول: كان ابن عمر قدم المدينة فأخبر أن الحسين بن
стр. 2000
على قد توجه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة، قال: أين تريد؟ قال العراق ومعه طوامير وكتب، فقال: لا تأتهم، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: إن الله خير نبيه ﷺ بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنكم بضعة من رسول الله ﷺ ، والله لا يليها أحد منكم أبدا، وما صرفها عنكم إلى الّذي هو خير منكم، فارجعوا، فأبى وقال: هذه كتبهم وبيعتهم، قال: فاعتنقه ابن عمر وقال: أستودعك الله من قتيل، وقد وقع ما فهمه عبد الله بن عمر من ذلك سواء، من أنه لم يل أحد من أهل البيت الخلافة على سبيل الاستقلال ويتم له الأمر، وقد قال ذلك عثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب إنه لا يلي أحد من أهل البيت أبدا * ورواه عنهما أبو صالح الخليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ في كتابه الفتن والملاحم. قلت: وأما الخلفاء الفاطميون الذين كانوا بالديار المصرية، فان أكثر العلماء على أنهم أدعياء وعلى بن أبى طالب ليس من أهل البيت، ومع هذا لم يتم له الأمر كما كان للخلفاء الثلاثة قبله، ولا اتسعت يده في البلاد كلها، ثم تنكدت عليه الأمور، وأما ابنه الحسن ﵁ فإنه لما جاء في جيوشه وتصافى هو وأهل الشام، ورأى أن المصلحة في ترك الخلافة، تركها لله ، وصيانة لدماء المسلمين، أثابه الله ورضى الله عنه، وأما الحسين ﵁ فأن ابن عمر لما أشار عليه بترك الذهاب إلى العراق وخالفه، اعتنقه مودعا وقال: أستودعك الله من قتيل، وقد وقع ما تفرسه ابن عمر، فإنه لما استقل ذاهبا بعث إليه عبيد الله بن زياد بكتيبة فيها أربعة آلاف يتقدمهم عمرو بن سعد ابن أبى وقاص، وذلك بعد ما استعفاه فلم يعفه، فالتقوا بمكان يقال له كربلاء بالطف، فالتجأ الحسين ابن على وأصحابه إلى مقصبة هنالك، وجعلوها منهم بظهر، وواجهوا أولئك، وطلب منهم الحسين إحدى ثلاث: إما أن يدعوه يرجع من حيث جاء، وإما أن يذهب إلى ثغر من الثغور فيقاتل فيه، أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يده في يده. فيحكم فيه بما شاء، فأبوا عليه واحدة منهن، وقالوا: لا بد من قدومك على عبيد الله بن زياد فيرى فيك رأيه، فأبى أن يقدم عليه أبدا، وقاتلهم دون ذلك، فقتلوه ﵀، وذهبوا برأسه إلى عبيد الله بن زياد فوضعوه بين يديه، فجعل ينكت بقضيب في يده على ثناياه، وعنده أنس بن مالك جالس، فقال له: يا هذا، ارفع قضيبك، قد طال ما رأيت رسول الله يقبل هذه الثنايا، ثم أمر عبيد الله بن زياد أن يسار بأهله ومن كان معه إلى الشام، إلى يزيد بن معاوية، ويقال: إنه بعث معهم بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد فأنشد حينئذ قول بعضهم:
نفلق هاما من رجال أعزة … علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ثم أمر بتجهيزهم إلى المدينة النبويّة، فلما دخلوها تلقتهم امرأة من بنات عبد المطلب ناشرة
стр. 2001
شعرها، واضعة كفها على رأسها تبكى وهي تقول:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم … ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلى بعد مفتقدي … منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم … أن تخلفوني بشر في ذوى رحمي
وسنورد هذا مفصلا في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان * وقد رثاه الناس بمراث كثيرة ومن أحسن ذلك ما أورده الحاكم أبو عبد الله النيسابورىّ وكان فيه تشيع:
جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد … متزملا بدمائه تزميلا
فكأنما بك يا ابن بنت محمد … قتلوا جهارا عامدين رسولا
قتلوك عطشانا ولم يترقبوا … في قتلك التنزيل والتأويلا
ويكبرون بأن قتلت وإنما … قتلوا بك التكبير والتهليلا
ذكر الأخبار عن وقعة الحرة التي كانت في زمن يزيد أيضا
قال يعقوب بن سفيان: حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثني ابن فليح عن أبيه عن أيوب بن عبد الرحمن عن أيوب بن بشير المعافري أن رسول الله ﷺ خرج في سفر من أسفاره، فلما مر بحرة زهرة وقف فاسترجع، فساء ذلك من معه، وظنوا أن ذلك من أمر سفرهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ما الّذي رأيت؟ فقال رسول الله ﷺ : أما إن ذلك ليس من سفركم هذا، قالوا: فما هو يا رسول الله؟ قال: يقتل بهذه الحرة خيار أمتى بعد أصحابى * هذا مرسل، وقد قال يعقوب بن سفيان: قال وهب بن جرير: قالت جويرية: حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها﴾ قال: لأعطوها، يعنى إدخال بنى حارثة أهل الشام على أهل المدينة * وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، وتفسير الصحابي في حكم المرفوع عند كثير من العلماء *
وقال نعيم بن حماد في كتاب الفتن والملاحم: حدثنا أبو عبد الصمد العمى، ثنا أبو عمران الجونى، عن عبد الله بن الصامت عن أبى ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا ذر أرأيت ان الناس قتلوا حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء، كيف أنت صانع؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: تدخل بيتك، قال قلت: فان أتى عليّ؟ قال: يأتى من أنت منه، قال قلت: وأحمل السلاح؟ قال: إذا تشرك معهم، قال قلت: فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال: إن خفت أن يبهرك شعاع السيف فألق طائفة من ردائك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه * ورواه الإمام أحمد في مسندة عن مرحوم - هو ابن عبد العزيز - عن أبى عمران الجونى، فذكره مطولا * قلت: وكان سبب وقعة الحرة أن وفدا من أهل المدينة قدموا على يزيد بن معاوية بدمشق فأكرمهم
стр. 2002
وأحسن جائزتهم، وأطلق لأميرهم - وهو عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر - قريبا من مائة ألف، فلما رجعوا ذكروا لأهليهم عن يزيد ما كان يقع منه من القبائح في شربه الخمر، وما يتبع ذلك من الفواحش التي من أكبرها ترك الصلاة عن وقتها، بسبب السكر، فاجتمعوا على خلعه، فخلعوه عند المنبر النبوي، فلما بلغه ذلك بعث إليهم سرية، يقدمها رجل يقال له مسلّم بن عقبة، وإنما يسميه السلف: مسرف بن عقبة، فلما ورد المدينة استباحها ثلاثة أيام، فقتل في غضون هذه الأيام بشرا كثيرا حتى كاد لا يفلت أحد من أهلها، وزعم بعض علماء السلف أنه قتل في غضون ذلك ألف بكر فالله أعلم * وقال عبد الله بن وهب عن الامام مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن، حسبت أنه قال: وكان فيهم ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وذلك في خلافة يزيد * وقال يعقوب ابن سفيان: سمعت سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري يقول: قتل يوم الحرة عبد الله بن يزيد المازني ومعقل بن سليمان الأشجعي، ومعاذ بن الحارث القاري، وقتل عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر * قال يعقوب: وحدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث قال: كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لثلاث بقين من الحجة سنة ثلاث وستين، ثم انبعث مسرف بن عقبة إلى مكة قاصدا عبد الله بن الزبير ليقتله بها، لانه فر من بيعة يزيد، فمات يزيد بن معاوية في غضون ذلك، واستفحل أمر عبد الله بن الزبير في الخلافة بالحجاز، ثم أخذ العراق ومصر، وبويع بعد يزيد لابنه معاوية بن يزيد، وكان رجلا صالحا، فلم تطل مدته، مكث أربعين يوما، وقيل عشرين يوما، ثم مات ﵀، فوثب مروان بن الحكم على الشام فأخذها، فبقي تسعة أشهر ثم مات، وقام بعده ابنه عبد الملك، فنازعه فيها عمرو بن سعيد بن الأشدق وكان نائبا على المدينة من زمن معاوية وأيام يزيد ومروان، فلما هلك مروان زعم أنه أوصى له بالأمر من بعد ابنه عبد الملك، فضاق به ذرعا، ولم يزل به حتى أخذه بعد ما استفحل أمره بدمشق فقتله في سنة تسع وستين، ويقال: في سنة سبعين، واستمرت أيام عبد الملك حتى ظفر بابن الزبير سنة ثلاث وسبعين، قتله الحجاج بن يوسف الثقفي عن أمره بمكة، بعد محاصرة طويلة اقتضت أن نصب المنجنيق على الكعبة من أجل أن ابن الزبير لجأ إلى الحرم، فلم يزل به حتى قتله، ثم عهد في الأمر إلى بنيه الأربعة بعده الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام بن عبد الملك *
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أسود ويحيى بن أبى بكير، ثنا كامل أبو العلاء، سمعت أبا صالح وهو مولى ضباعة المؤذن واسمه مينا - قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : تعوذوا بالله من رأس السبعين، وإمارة الصبيان، وقال: لا تذهب الدنيا حتى يظهر اللكع ابن لكع، وقال الأسود: يعنى اللئيم ابن اللئيم *
وقد روى الترمذي من حديث أبى كامل عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
عمر أمتى من ستين سنة إلى سبعين سنة، ثم قال: حسن غريب *
وقد روى الامام أحمد عن عفان
стр. 2003
وعبد الصمد عن حماد بن سلمة عن على بن يزيد: حدثني من سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لينعقن (وقال عبد الصمد في روايته ليزعقن) جبار من جبابرة بنى أمية على منبري هذا، زاد عبد الصمد حتى يسيل رعافه، قال: فحدثني من رأى عمرو بن سعيد بن العاص:
يرعف على منبر النبي ﷺ حتى سال رعافه، قلت: على بن يزيد بن جدعان في روايته غرابة ونكارة وفيه تشيع، وعمرو بن سعيد هذا، يقال له: الأشدق، كان من سادات المسلمين وأشرافهم، [في الدنيا لا في الدين] (١) وروى عن جماعة من الصحابة، منهم في صحيح مسلّم عن عثمان في فصل الطهور، وكان نائبا على المدينة لمعاوية ولابنه يزيد بعده، ثم استفحل أمره حتى كان يصاول عبد الملك بن مروان، ثم خدعه عبد الملك حتى ظفر به فقتله في سنة تسع وستين، أو سنة سبعين، فالله أعلم * وقد روى عنه من المكارم أشياء كثيرة من أحسنها أنه لما حضرته الوفاة قال لبنيه، وكانوا ثلاثة، عمر وهذا، وأمية، وموسى، فقال لهم: من يتحمل ما على؟ فبدر ابنه عمرو هذا وقال: أنا يا أبة، وما عليك؟ قال: ثلاثون ألف دينار، قال: نعم، قال وأخواتك لا تزوجهن إلا بالأكفاء ولو أكلن خبز الشعير، قال: نعم، قال: وأصحابى من بعدي، إن فقدوا وجهي فلا يفقدوا معروفى، قال: نعم، قال: أما لئن، قلت ذلك، فلقد كنت أعرفه من حماليق وجهك وأنت في مهدك * وقد ذكر البيهقي من طريق عبد الله بن صالح - كاتب الليث - عن حرملة بن عمران عن أبيه عن يزيد بن أبى حبيب أنه سمعه يحدث عن محمد بن يزيد بن أبى زياد الثقفي، قال: اصطحب قيس ابن حرشة وكعب حتى إذا بلغا صفين، وقف كعب الأحبار فذكر كلامه فيما يقع هناك من سفك دماء المسلمين، وأنه يجد ذلك في التوراة،
وذكر عن قيس بن حرشة أنه بايع رسول الله ﷺ على أن يقول الحق، وقال: يا قيس بن حرشة عسى إن عذبك الدهر حتى يكبك بعدي من لا تستطيع أن تقول بالحق معهم، فقال: والله لا أبايعك على شيء إلا وفيت لك به، فقال له رسول الله ﷺ : إذا لا يضرك بشر، فبلغ قيس إلى أيام عبيد الله بن زياد بن أبى سفيان، فنقم عليه عبيد الله في شيء فأحضره فقال: أنت الّذي زعم أنه لا يضرك بشر؟ قال: نعم، قال: لتعلمن اليوم أنك قد كذبت، ائتوني بصاحب العذاب، قال: فمال قيس عند ذلك فمات.
معجزة أخرى
روى البيهقي من طريق الدراوَرْديّ عن ثور بن يزيد عن موسى بن ميسرة: أن بعض بنى عبد الله سايره في بعض طريق مكة،
قال: حدثني العباس بن عبد المطلب أنه بعث ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ في حاجة، فوجد عنده رجلا فرجع ولم يكلمه من أجل مكان الرجل، فلقى العباس رسول
стр. 2004
الله ﷺ فأخبره بذلك، فقال: ورآه؟ قال: نعم، قال: أتدري من ذلك الرجل؟ ذاك جبريل، ولن يموت حتى يذهب بصره ويؤتى علما، وقد مات ابن عباس سنة ثمان وستين بعد ما عمى ﵁ *
وروى البيهقي من حديث المعتمر بن سليمان، حدثتنا سيابة بنت يزيد عن خمارة عن أنيسة بنت زيد بن أرقم عن أبيها، أن رسول الله ﷺ دخل على زيد يعوده في مرض كان به، قال: ليس عليك من مرضك بأس، ولكن كيف بك إذا عمرت بعدي فعميت؟ قال: إذا أحتسب وأصبر، قال: إذا تدخل الجنة بغير حساب، قال: فعمى بعد ما مات رسول الله، ثم ردّ الله عليه بصره، ثم مات.
فصل
وثبت في الصحيحين عن أبى هريرة، وعند مسلم عن جابر بن سمرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا دجالا، كلهم يزعم أنه نبي *
وقال البيهقي عن الماليني عن أبى عدي عن أبى يعلى الموصلى: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، ثنا محمد بن الحسن الأسدي، ثنا شريك عن أبى إسحاق عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، منهم مسيلمة، والعنسيّ، والمختار. وشر قبائل العرب بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف، قال ابن عدي: محمد بن الحسن له إفرادات، وقد حدث عنه الثقات، ولم أر بتحديثه بأسا، وقال البيهقي: لحديثه في المختار شواهد صحيحة * ثم أورد من طريق أبى داود الطيالسي، حدثنا الأسود بن شيبان عن أبى نوفل عن أبى عقرب عن أسماء بنت أبى بكر أنها قالت للحجاج بن يوسف:
أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه * قال: ورواه مسلم من حديث الأسود بن شيبان، وله طرق عن أسماء وألفاظ سيأتي إيرادها في موضعه * وقال البيهقي: أنا الحاكم وأبو سعيد عن الأصم عن عباس الدراوَرْديّ عن عبيد الله بن الزبير الحميدي، ثنا سفيان بن عيينة عن أبى المحيا عن أمه قالت: لما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير دخل الحجاج على أسماء بنت أبى بكر فقال: يا أمّه، إن أمير المؤمنين أوصاني بك، فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأم، ولكنى أم المصلوب على رأس الثنية، وما لي من حاجة، ولكن انتظر حتى أحدثك ما
سمعت من رسول الله ﷺ ، يقول: يخرج من ثقيف كذاب ومبير، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت، فقال الحجاج: مبير المنافقين *
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شريك عن أبى علوان - عبد الله بن عصمة - عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول. إن في ثقيف كذابا ومبيرا، وقد تواتر خبر المختار بن أبى عبيد الكذاب
стр. 2005
الّذي كان نائبا على العراق وكان يزعم أنه نبي، وأن جبريل كان يأتيه بالوحي، وقد قيل لابن عمر وكان زوج أخت المختار وصفيه، إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه. قال: صدق، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ *
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا قرة بن خالد عن عبد الملك بن عمير عن رفاعة بن شداد، قال: كنت ألصق شيء بالمختار الكذاب، قال: فدخلت عليه ذات يوم فقال:
دخلت وقد قام جبريل قبل من هذا الكرسي، قال: فأهويت إلى قائم السيف لأضربه حتى ذكرت حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق الخزاعي، أن رسول الله ﷺ قال: إذا أمن الرجل الرجل على دمه ثم قتله رفع له لواء الغدر يوم القيامة، فكففت عنه * وقد رواه أسباط بن نصر وزائدة والثوري عن إسماعيل السدي عن رفاعة بن شداد القباني فذكر نحوه * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو بكر الحميدي، ثنا سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبي، قال: فأخرت أهل البصرة فغلبتهم بأهل الكوفة، والأحنف ساكت لا يتكلم، فلما رآني غلبتهم أرسل غلاما له فجاء بكتاب فقال: هاك اقرأ: فقرأته فإذا فيه: من المختار لله يذكر أنه نبي، يقول الأحنف: أنى فينا مثل هذا، وأما الحجاج بن يوسف فقد تقدم الحديث أنه الغلام المبير الثقفي، وسنذكر ترجمته إذا انتهينا إلى أيامه، فإنه كان نائبا على العراق لعبد الملك بن مروان، ثم لابنه الوليد بن عبد الملك، وكان من جبابرة الملوك، على ما كان فيه من الكرم والفصاحة على ما سنذكره * وقد قال البيهقي: ثنا الحاكم عن أبى نصر الفقيه، ثنا عثمان بن سعيد الدارميّ، أن معاوية بن صالح حدثه عن شريح بن عبيد عن أبى عذبة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فأخبره أن أهل العراق قد حصبوا أميرهم، فخرج غضبان فصلّى لنا الصلاة فسها فيها حتى جعل الناس يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فلما سلّم أقبل على الناس فقال: من هاهنا من أهل الشام؟ فقام رجل ثم قام آخر، ثم قمت أنا ثالثا أو رابعا، فقال: يا أهل الشام استعدّوا لأهل العراق، فان الشيطان قد باض فيهم وفرخ، اللهمّ إنهم قد لبسوا على فألبس عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم أهل الجاهلية، لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم * قال عبد الله: وحدثني ابن لهيعة بمثله، قال: وولد الحجاج يومئذ * ورواه الدارميّ أيضا عن أبى اليمان عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن (١) بن ميسرة عن أبى عذبة الحمصي عن عمر فذكر مثله، قال أبو اليمان: علم عمر أن الحجاج خارج لا محالة، فلما أغضبوه استعجل لهم العقوبة، قلت: فان كان هذا نقله عمر عن رسول الله ﷺ لقد تقدم له شاهد عن غيره، وإن كان عن تحديث، فكرامة الولي معجزة لنبيه * وقال عبد الرزاق: أنا جعفر - يعنى ابن سليمان - عن مالك بن دينار عن الحسن قال: قال على لأهل الكوفة: اللهمّ كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحت لهم فغشوني، فسلط عليهم فتى
стр. 2006
ثقيف الذيال الميال، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيهم بحكم الجاهلية، قال: فتوفى الحسن وما خلق الله الحجاج يومئذ * وهذا منقطع
وقد رواه البيهقي أيضا من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه عن أيوب عن مالك بن أوس بن الحدثان عن على بن أبى طالب أنه قال: الشاب الذيال أمير المصرين، يلبس فروتها، ويأكل خضرتها، ويقتل أشراف أهلها، يشتد منه العرق، ويكثر منه الأرق، ويسلطه الله على شيعته * وله من
حديث يزيد بن هارون: أنا العوام بن حوشب، حدثني حبيب بن أبى ثابت قال: قال على: لا متّ حتى تدرك فتى ثقيف، فقيل: يا أمير المؤمنين وما فتى ثقيف؟ فقال: ليقالن له يوم القيامة: اكفنا زاوية من زوايا جهنم رجل يملك عشرين سنة أو بضعا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يفتن بمن أطاعه من عصاه * وهذا معضل، وفي صحته عن على نظر والله أعلم * وقال البيهقي عن الحاكم عن الحسين بن الحسن بن أيوب عن أبى حاتم الرازيّ عن عبد الله بن يوسف الثنينى، ثنا هشام بن يحيى الغساني قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها، وجئناهم بالحجاج لغلبناهم * وقال أبو بكر بن عياش عن عاصم عن أبى عن أبى النجود: ما بقيت لله حرمة إلا وقد ارتكبها الحجاج * وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس أن أباه لما تحقق موت الحجاج تلا قوله تعالى ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قلت: وقد توفى الحجاج سنة خمس وتسعين.
ذكر الإشارة النبويّة إلى دولة عمر بن عبد العزيز، تاج بنى أمية
قد تقدم
حديث أبى إدريس الخولانيّ عن حذيفة قال: سألت رسول الله ﷺ هل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، يعرف منهم وينكر، الحديث، فحمل البيهقي وغيره هذا الخير الثاني على أيام عمر بن عبد العزيز * وروى عن الحاكم عن الأصم عن العباس بن الوليد بن مرثد عن أبيه قال: سئل الأوزاعي عن تفسير حديث حذيفة حين سأل رسول الله ﷺ عن الشر الّذي يكون بعد ذلك الخير، فقال الأوزاعي: هي الردة التي كانت بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وفي مسألة حذيفة، فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قال الأوزاعي: فالخير الجماعة، وفي ولاتهم من يعرف سيرته، وفيهم من ينكر سيرته، قال: فلم يأذن رسول الله ﷺ في قتالهم ما صلوا الصلاة *
وروى أبو داود الطيالسي عن داود الواسطي، وكان ثقة، عن حبيب بن سالم عن نعمان بن سالم عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : إنكم في النبوة ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها لكم إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، قال: فقدم
стр. 2007
عمر بن عبد العزيز ومعه يزيد بن النعمان، فكتبت إليه أذكره الحديث وكتبته إليه أقول: إني أرجو أن تكون أمير المؤمنين بعد الخيرية، قال: فأخذ يزيد الكتاب فأدخله على عمر فسر به وأعجبه *
وقال نعيم بن حماد: حدثنا روح بن عبادة عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة قال: قال عمر بن عبد العزيز: رأيت رسول الله ﷺ وعنده عمر وعثمان وعلى، فقال لي: ادن، فدنوت حتى قمت بين يديه، فرفع بصره إلى وقال: أما إنك ستلي أمر هذه الأمة وستعدل عليهم * وسيأتي في الحديث الآخر إن شاء الله أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، وقد قال كثير من الأئمة إنه عمر بن عبد العزيز، فإنه تولى سنة إحدى ومائة * وقال البيهقي: أنا الحاكم، أنا أبو حامد أحمد بن على المقري، ثنا أبو عيسى، ثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا عفان بن مسلم، ثنا عثمان بن عبد الحميد ابن لاحق عن جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب قال: إن من ولدى رجلا بوجهه شين يلي فيملأ الأرض عدلا، قال نافع من قبله: ولا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز * وقد رواه نعيم بن حماد عن عثمان بن عبد الحميد به، ولهذا طرق عن ابن عمر أنه كان يقول: ليت شعرى، من هذا الّذي من ولد عمر بن الخطاب في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا؟ * وقد روى ذلك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب نحوا من هذا، وقد كان هذا الأمر مشهورا قبل ولايته وميلاده بالكلية أنه يلي رجل من بنى أمية يقال له: أشج بنى مروان، وكانت أمه أروى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان أبوه عبد العزيز بن مروان نائبا لأخيه عبد الملك على مصر، وكان يكرم عبد الله بن عمر، ويبعث إليه بالتحف والهدايا والجوائز فيقبلها، وبعث إليه مرة بألف دينار فأخذها، وقد دخل عمر بن عبد العزيز يوما إلى اصطبل أبيه وهو صعير، فرمحه فرس فشجه في جبينه، فجعل أبوه يسلت عنه الدم ويقول: أما لئن كنت أشج بنى مروان، إنك إذا لسعيد، وكان الناس يقولون: الأشج والناقص أعدلا بنى مروان، فالأشج هو عمر بن عبد العزيز، والناقص هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، الّذي يقول فيه الشاعر:
رأيت اليزيد بن الوليد مباركا … شديدا بأعباء الخلافة كاهله
قلت: وقد ولى عمر بن عبد العزيز بعد سليمان بن عبد الملك سنتين ونصفا، فملأ الأرض عدلا، وفاض المال حتى كان الرجل يهمه لمن يعطى صدقته، وقد حمل البيهقي الحديث المتقدم عن عدي بن حاتم، على أيام عمر بن عبد العزيز، وعندي في ذلك نظر، والله أعلم * وقد روى البيهقي من حديث إسماعيل بن أبى أويس: حدثني أبو معن الأنصاري، ثنا أسيد قال: بينما عمر بن عبد العزيز يمشى إلى مكة بفلاة من الأرض إذ رأى حية ميتة فقال: عليّ بمحفار، فقالوا: نكفيك أصلحك الله، قال: لا، ثم أخذه ثم لفه في خرقة ودفنه، فإذا هاتف يهتف: رحمة الله عليك يا سرّق،
стр. 2008
فقال له عمر بن عبد العزيز: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا رجل من الجنّ وهذا سرّق، ولم يبق ممن بايع رسول الله ﷺ غيري وغيره، وأشهد
لسمعت رسول الله ﷺ يقول: تموت يا سرق بفلاة من الأرض ويدفنك خير أمتى * وقد روى هذا من وجه آخر وفيه: أنهم كانوا تسعة بايعوا رسول الله ﷺ ، وفيه أن عمر بن عبد العزيز حلفه، فلما حلف بكى عمر بن عبد العزيز * وقد رجحه البيهقي وحسنه، فالله أعلم.
حديث آخر
في صحته نظر في ذكر وهب بن منبه بالمدح، وذكر غيلان بالذم
روى البيهقي من حديث هشام بن عمار وغيره عن الوليد بن أسلّم (١) عن مروان بن سالم اليرقانى عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : يكون في أمتى رجل يقال له: وهب، يهب الله له الحكمة، ورجل يقال له: غيلان، هو أضر على أمتى من إبليس * وهذا لا يصح لأن مروان بن سالم هذا متروك، وبه إلى الوليد:
حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبى هريرة قال: قال النبي ﷺ : ينعق الشيطان بالشام نعقة يكذب ثلثاهم بالقدر * قال البيهقي: وفي هذا وأمثاله إشارة إلى غيلان وما ظهر بالشام بسببه من التكذيب بالقدر حتى قتل.
الإشارة إلى محمد بن كعب القرظي وعلمه بتفسير القرآن وحفظه
قال حرملة عن ابن وهب: أخبرنى أبو صخر عن عبد الله بن مغيث عن أبى بردة الظفري عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج في أحد الكاهنين رجل قد درس القرآن دراسة لا يدرسها أحد يكون من بعده *
وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن إسماعيل القاضي، ثنا أبو ثابت، ثنا ابن وهب، حدثني عبد الجبار بن عمر عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال:
قال رسول الله ﷺ : يكون في أحد الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لا يدرسها أحد غيره، قال: فكانوا يرون أنه محمد بن كعب القرظي، قال أبو ثابت: الكاهنان، قريظة والنضير * وقد روى من وجه آخر مرسل: يخرج من الكاهنين رجل أعلم الناس بكتاب الله، وقد قال عون بن عبد الله: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من محمد بن كعب.
ذكر الاخبار بانخرام قرنه ﷺ بعد مائة سنة من ليلة إخباره وكان كما أخبر
ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن سالم وأبى بكر بن سليمان بن أبى خيثمة عن عبد الله
стр. 2009
ابن عمر قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة العشاء ليلة في آخر عمره، فلما سلّم قام فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فان رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد، قال عمر: فوهل الناس من مقالة رسول الله ﷺ ، إلى ما يحدثون من هذه الأحاديث من مائة سنة، وإنما يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن، وفي رواية: إنما أراد رسول الله ﷺ انخرام قرنه *
وفي صحيح مسلم من حديث ابن جريج: أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بشهر: يسألون عن الساعة، وإنما علمها عند الله، فأقسم بالله ما على ظهر الأرض من نفس منفوسة اليوم، يأتى عليها مائة سنة * وهذا الحديث وأمثاله مما يحتج به من ذهب من الأئمة إلى أن الخضر ليس بموجود الآن، كما قدمنا ذلك في ترجمته في قصص الأنبياء ﵈، وهو نص على أن جميع الأحياء في الأرض يموتون إلى تمام مائة سنة من إخباره ﵇، وكذا وقع سواء، فما نعلم تأخر أحد من أصحابه إلى ما يجاوز هذه المدة، وكذلك جميع الناس * ثم قد طرد بعض العلماء هذا الحكم في كل مائة سنة، وليس في الحديث تعرض لهذا، والله أعلم.
حديث آخر
قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني شريح بن يزيد عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني عن أبيه عن عبد الله بن بسر، قال: وضع رسول الله ﷺ يده على رأسي وقال: هذا الغلام يعيش قرنا، قال: فعاش مائة سنة * وقد رواه البخاري في التاريخ عن أبى حيوة شريح بن يزيد به فذكره، قال: وزاد غيره: وكان في وجهه ثالول، فقال: ولا يموت حتى يذهب الثالول من وجهه، فلم يمت حتى ذهب الثالول من وجهه * وهذا إسناد على شرط السنن، ولم يخرجوه *
ورواه البيهقي عن الحاكم عن محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى عن الفضل بن محرز الشعراني، ثنا حيوة بن شريح عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني عن أبيه عن عبد الله بن بسر، أن رسول الله ﷺ قال له: يعيش هذا الغلام قرنا، فعاش مائة سنة * قال الواقدي وغير واحد: توفى عبد الله بن بسر بحمص سنة ثمان وثمانين عن أربع وتسعين، وهو آخر من بقي من الصحابة بالشام.
ذكر الأخبار عن الوليد بما فيه له من الوعيد الشديد وإن صح فهو الوليد بن يزيد لا الوليد بن عبد الملك باني الجامع السعيد
قال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن خالد بن العباس السكسكي، حدثني الوليد بن مسلم، حدثني أبو عمر الأوزاعي عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: ولد لأخى أم سلمة (١) غلام فسموه الوليد، فقال رسول الله ﷺ : قد جعلتم تسمون بأسماء فراعنتكم، إنه سيكون في هذه
стр. 2010
الأمة رجل يقال له الوليد، هو أضرّ على أمتى من فرعون على قومه * قال أبو عمر الأوزاعي: فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد، لفتنة الناس به، حتى خرجوا عليه فقتلوه، وانفتحت على الأمة الفتنة والهرج * وقد رواه البيهقي عن الحاكم، وغيره عن الأصم عن سعيد بن عثمان التنوخي عن بشر بن بكر عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد، فذكره ولم يذكر قول الأوزاعي، ثم قال: وهذا مرسل حسن * وقد رواه نعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم به، وعنده قال الزهري: إن استخلف الوليد بن يزيد، فهو هو، وإلا فهو الوليد بن عبد الملك *
وقال نعيم بن حماد: ثنا هشيم عن أبى حمزة عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : سيكون رجل اسمه الوليد، يسد به ركن من أركان جهنم وزاوية من زواياها * وهذا مرسل أيضا.
حديث آخر
قال سليمان بن بلال عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا بلغ بنو أبى العاص أربعين رجلا، اتخذوا دين الله دغلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا * رواه البيهقي من حديثه،
وقال نعيم بن حماد: ثنا بقية بن الوليد وعبد القدوس عن أبى بكر بن أبى مريم عن راشد بن سعد عن أبى ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا بلغت بنو أمية أربعين، اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله نحلا، وكتاب الله دغلا * وهذا منقطع بين راشد بن سعد وبين أبى ذر *
وقال إسحاق بن راهويه: أنا جرير عن الأعمش عن عطية عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : إذا بلغ بنو أبى العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين الله دغلا، ومال الله دولا، وعباد الله خولا * ورواه أحمد عن عثمان بن أبى شيبة عن جرير به *
وقال البيهقي: أنا على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا بسام - وهو محمد بن غالب -، ثنا كامل بن طلحة، ثنا ابن لهيعة عن أبى قبيل أن ابن وهب أخبره أنه كان عند معاوية بن أبى سفيان فدخل عليه مروان فكلمه في حاجته فقال: اقض حاجتي يا أمير المؤمنين، فو الله إن مؤنتي لعظيمة، وإني لأبو عشرة، وعم عشرة، وأخو عشرة، فلما أدبر مروان - وابن عباس جالس مع معاوية على السرير - قال معاوية: أنشدك بالله يا ابن عباس، أما تعلم أن رسول الله ﷺ قال: إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباد الله خولا، وكتاب الله دغلا؟ فإذا بلغوا سبعة وتسعين وأربعمائة، كان هلاكهم أسرع من لوك ثمرة؟ فقال ابن عباس: اللهمّ نعم، قال: وذكر مروان حاجة له فرد مروان عبد الملك إلى معاوية فكلمه فيها، فلما أدبر عبد الملك قال معاوية:
أنشدك بالله يا ابن عباس، أما تعلم أن رسول الله ﷺ ذكر هذا فقال: أبو الجبابرة الأربعة؟ فقال ابن عباس: اللهمّ نعم * وهذا الحديث فيه غرابة ونكارة شديدة، وابن لهيعة ضعيف * وقد قال
стр. 2011
أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ: ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا سعد بن زيد، أخو حماد بن زيد، عن على بن الحكم البناني عن أبى الحسن عن عمرو بن مرة، وكانت له صحبة، قال: جاء الحكم بن أبى العاص يستأذن النبي ﷺ ، فعرف كلامه فقال: ائذنوا له، حية، أو ولد حية، عليه لعنة الله، وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين، وقليل ما هم، ليترفون في الدنيا ويوضعون في الآخرة، ذو ومكر وخديعة، يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق *
قال الدارميّ: أبو الحسن هذا حمصى، وقال نعيم بن حماد في الفتن والملاحم: ثنا عبد الله بن مروان المرواني عن أبى بكر بن أبى مريم عن راشد بن سعد أن مروان بن الحكم لما ولد دفع إلى النبي ﷺ ليدعو له، فأبى أن يفعل ثم قال: ابن الزرقاء، هلاك أمتى على يديه ويدي ذريته * وهذا حديث مرسل.
ذكر الأخبار عن خلفاء بنى أمية جملة من جملة، والإشارة إلى مدة دولتهم
قال يعقوب بن سفيان: ثنا أحمد بن محمد أبو محمد الزرقيّ، ثنا الزنجي - يعنى مسلم بن خالد - عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: رأيت في المنام بنى الحكم - أو بنى أبى العاص - ينزون على منبري كما تنزو القردة، قال: فما رآني رسول الله مستجمعا ضاحكا حتى توفى * وقال الثوري: عن على بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول الله ﷺ بنى أمية على منابرهم فساءه ذلك، فأوحى إليه: إنما هي دنيا أعطوها، فقرت به عينه وهي قوله: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ يعنى بلاء للناس. عليّ بن زيد بن جدعان ضعيف، والحديث مرسل أيضا *
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا القاسم بن الفضل - هو الحدائى - ثنا يوسف بن مازن الراسبي قال: قام رجل إلى الحسن بن على بعد ما بايع معاوية، فقال يا مسود وجوه المؤمنين، فقال الحسن: لا تؤنبنى رحمك الله، فان رسول الله ﷺ رأى بنى أمية يخطبون على منبره رجلا رجلا، فساءه ذلك فنزلت ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ - يعنى نهرا في الجنة - ونزلت: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ، * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يملكه بنو أمية * قال القاسم: فحسبنا ذلك فإذا هو ألف شهر لا يزيد يوما ولا ينقص يوما * وقد رواه الترمذي وابن جرير الطبري، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في دلائل النبوة، كلهم من حديث القاسم بن الفضل الحذاء، وقد وثقه يحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي، عن يوسف بن سعد، ويقال: يوسف بن مازن الراسبي، وفي رواية ابن جرير عيسى بن مازن، قال الترمذي: وهو رجل مجهول، وهذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، فقوله: إن يوسف هذا مجهول، مشكل، والظاهر أنه أراد أنه مجهول الحال، فأنه قد روى عنه جماعة، منهم حماد بن سلمة، وخالد الحذاء، ويونس بن عبيد، وقال يحيى بن معين: هو مشهور، وفي رواية عنه قال: هو ثقة، فارتفعت الجهالة عنه مطلقا،
стр. 2012
قلت: ولكن في شهوده قصة الحسن ومعاوية نظر، وقد يكون أرسلها عمن لا يعتمد عليه، والله أعلم، وقد سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي ﵀ عن هذا الحديث فقال: هو حديث منكر وأما قول القاسم بن الفضل ﵀: إنه حسب دولة بنى أمية فوجدها ألف شهر، لا تزيد يوما ولا تنقصه، فهو غريب جدا، وفيه نظر، وكذلك لأنه لا يمكن إدخال دولة عثمان بن عفان ﵁، وكانت ثنتا عشرة سنة، في هذه المدة، لا من حيث الصورة ولا من حيث المعنى، وذلك أنها ممدوحة لأنه أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون * وهذا الحديث إنما سيق لذم دولتهم، وفي دلالة الحديث على الذم نظر، وذلك أنه دل على أن ليلة القدر خير من ألف شهر التي هي دولتهم، وليلة القدر ليلة خيرة، عظيمة المقدار والبركة، كما وصفها الله تعالى به، فما يلزم من تفضيلها على دولتهم ذم دولتهم، فليتأمل هذا فإنه دقيق يدل على أن الحديث في صحته نظر، لانه إنما سيق لذم أيامهم والله تعالى أعلم * وأما إذا أراد أن ابتداء دولتهم منذ ولى معاوية حين تسلمها من الحسن بن على، فقد كان ذلك سنة أربعين، أو إحدى وأربعين، وكان يقال له عام الجماعة، لأن الناس كلهم اجتمعوا على إمام واحد *
وقد تقدم الحديث في صحيح البخاري عن أبى بكرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول للحسن بن على: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين * فكان هذا في هذا العام، ولله الحمد والمنة. واستمر الأمر في أيدي بنى أمية من هذه السنة إلى سنة ثنتين وثلاثين ومائة، حتى انتقل إلى بنى العباس كما سنذكره، ومجموع ذلك ثنتان وتسعون سنة، وهذا لا يطابق ألف شهر، لأن معدل ألف شهر ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فان قال: أنا أخرج منها ولاية ابن الزبير وكانت تسع سنين، فحينئذ يبقى ثلاث وثمانون سنة، فالجواب أنه وإن خرجت ولاية ابن الزبير، فإنه لا يكون ما بقي مطابقا لألف شهر تحديدا، بحيث لا ينقص يوما ولا يزيده، كما قاله، بل يكون ذلك تقريبا، هذا وجه، الثاني أن ولاية ابن الزبير كانت بالحجاز والأهواز والعراق في بعض أيامه، وفي مصرفى قول، ولم تنسلب يد بنى أمية من الشام أصلا، ولا زالت دولتهم بالكلية في ذلك الحين، الثالث أن هذا يقتضي دخول دولة عمر بن عبد العزيز في حساب بنى أمية، ومقتضى ما ذكره أن تكون دولته مذمومة، وهذا لا يقوله أحد من أئمة الإسلام، وإنهم مصرحون بأنه أحد الخلفاء الراشدين، حتى قرنوا أيامه تابعة لأيام الأربعة، وحتى اختلفوا في أيهما أفضل؟ هو أو معاوية بن أبى سفيان أحد الصحابة، وقد قال أحمد بن حنبل: لا أرى قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز، فإذا علم هذا، فأن أخرج أيامه من حسابه انخرم حسابه، وإن أدخلها فيه مذمومة، خالف الأئمة، وهذا ما لا محيد عنه * وكل هذا مما يدل على نكارة هذا الحديث والله أعلم *
وقال نعيم بن حماد: حدثنا
стр. 2013
سفيان عن العلاء بن أبى العباس، سمع أبا الطفيل، سمع عليا يقول: لا يزال هذا الأمر في بنى أمية ما لم يختلفوا بينهم *
حدثنا ابن وهب عن حرملة بن عمران عن سعد بن سالم عن أبى سالم الجيشانيّ سمع عليا يقول: الأمر لهم حتى يقتلوا قتيلهم، ويتنافسوا بينهم، فإذا كان ذلك بعث الله عليهم أقواما من المشرق يقتلوهم بددا ويحصروهم عددا، والله لا يملكون سنة إلا ملكنا سنتين، ولا يملكون سنتين إلا ملكنا أربعا * وقال نعيم بن حماد: حدثنا الوليد بن مسلم عن حصين بن الوليد عن الزهري بن الوليد سمعت أم الدرداء سمعت أبا الدرداء يقول: إذا قتل الخليفة الشاب من بنى أمية بين الشام والعراق مظلوما، ما لم تزل طاعة يستخف بها، ودم مسفوك بغير حق - يعنى الوليد ابن يزيد - ومثل هذه الأشياء إنما تقال عن توقيف.
ذكر الأخبار عن دولة بنى العباس وكان ظهورهم من خراسان بالرايات السود، في سنة ثنتين وثلاثين ومائة
قال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن خالد بن العباس، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني أبو عبد الله عن الوليد بن هشام المعيطي عن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط قال: قدم عبد الله بن عباس على معاوية وأنا حاضر، فأجازه فأحسن جائزته، ثم قال: يا أبا العباس هل لكم دولة؟ فقال: اعفنى يا أمير المؤمنين، فقال: لتخبرني، قال: نعم، فأخبره، قال: فمن أنصاركم؟ قال: أهل خراسان، ولبني أمية من بنى هاشم بطحات * رواه البيهقي، وقال ابن عدي: سمعت ابن حماد، أنا محمد بن عبده ابن حرب، ثنا سويد بن سعيد، أنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: مررت بالنبيّ ﷺ وإذا معه جبريل، وأنا أظنه دحية الكلبي، فقال جبريل للنّبيّ ﷺ إنه لوسخ الثياب وسيلبس ولده من بعده السواد، وذكر تمام الحديث في ذهاب بصره، ثم عوده إليه قبل موته * قال البيهقي: تفرد به حجاج بن تميم وليس بالقوى *
وقال البيهقي: أنا الحاكم، ثنا أبو بكر بن إسحاق وأبو بكر بن بالونة في آخرين قالوا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا يحيى بن معين، ثنا عبيد الله ابن أبى قرة، ثنا الليث بن سعيد عن أبى فضيل عن أبى ميسرة مولى العباس قال: سمعت العباس قال كنت عند النبي ﷺ ذات ليلة فقال: انظر هل ترى في السماء من شيء؟ قلت: نعم، قال: ما ترى؟ قلت: الثريا، قال: أما إنه سيملك هذه الأمة بعددها من صلبك * قال البخاري: عبيد بن أبى قرة بغدادي سمع الليث، لا يتابع على حديثه في قصة العباس *
وروى البيهقي من حديث محمد بن عبد الرحمن العامري - وهو ضعيف - عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة: أن رسول الله ﷺ قال للعباس: فيكم النبوة وفيكم الملك * وقال أبو بكر بن خيثمة: ثنا يحيى بن معين، ثنا سفيان عن عمرو ابن دينار عن أبى معبد قال: قال ابن عباس: كما فتح الله بأولنا فأرجو أن يختمه بنا * هذا إسناد
стр. 2014
جيد، وهو موقوف على ابن عباس من كلامه * وقال يعقوب بن سفيان: حدثني إبراهيم بن أيوب، ثنا الوليد، ثنا عبد الملك بن حميد عن أبى عتبة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عباس ونحن نقول: اثنا عشر أميرا واثنا عشر، ثم هي الساعة، فقال ابن عباس: ما أحمقكم؟! إن منا أهل البيت بعد ذلك، المنصور، والسفاح، والمهدي، يرفعها إلى عيسى بن مريم * وهذا أيضا موقوف، وقد رواه البيهقي من طريق الأعمش عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا: منا السفاح، والمنصور، والمهدي. وهذا إسناد ضعيف، والضحاك لم يسمع من ابن عباس شيئا على الصحيح، فهو منقطع والله أعلم *
وقد قال عبد الرزاق عن الثوري عن خالد الحذاء عن أبى قلابة بن أبى أسماء عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : يقتل عند كيركم هذه ثلاثة كلهم ولد خليفة، لا يصير إلى واحد منهم، ثم تقبل الرايات السود من خراسان فيقتلونهم مقتلة لم يروا مثلها، ثم يجيء خليفة الله المهدي، فإذا سمعتم فأتوه فبايعوه ولو حبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي * أخرجه ابن ماجة عن أحمد بن يوسف السلمي، ومحمد بن يحيى الذهلي، كلاهما عن عبد الرزاق به، ورواه البيهقي من طرق عن عبد الرزاق، ثم قال: تفرد به عبد الرزاق، قال البيهقي: ورواه عبد الوهاب بن عطاء عن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن أسماء موقوفا * ثم
قال البيهقي: أنا على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا محمد بن غالب، ثنا كثير بن يحيى، ثنا شريك عن على بن زيد عن أبى قلابة عن أبى أسماء عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أقبلت الرايات السود من عقب خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج، فأن فيها خليفة الله المهدي *
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الفضل بن سهل، ثنا عبد الله بن داهر الرازيّ، ثنا أبى عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ ذكر فتية من بنى هاشم، فاغر ورقت عيناه، وذكر الرايات، قال: فمن أدركها فليأتها ولو حبوا على الثلج * ثم قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الحكم الا ابن أبى ليلى، ولا نعلم يروى إلا من حديث داهر بن يحيى، وهو من أهل الرأى صالح الحديث، وإنما يعرف من حديث يزيد بن أبى زياد عن إبراهيم *
وقال الحافظ أبو يعلى: ثنا أبو هشام بن يزيد بن رفاعة، ثنا أبو بكر ابن عياش، ثنا يزيد بن أبى زياد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال:
قال رسول الله ﷺ : تجيء رايات سود من قبل المشرق، تخوض الخيل الدم إلى أن يظهروا العدل ويطلبون العدل فلا يعطونه، فيظهرون فيطلب منهم العدل فلا يعطونه * وهذا إسناد حسن *
وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، وقتيبة بن سعيد، قالا: ثنا رشد بن سعد، قال يحيى بن غيلان في حديثه قال: حدثني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن قبيصة - هو ابن ذؤيب الخزاعي - عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: يخرج من خراسان رايات سود لا يردها شيء حتى تنصب
стр. 2015
بإيليا * وقد رواه الترمذي عن قتيبة به وقال: غريب، ورواه البيهقي والحاكم من حديث عبد الله ابن مسعود عن رشد بن سعد، وقال البيهقي: تفرد به رشد بن سعد، وقد روى قريب من هذا عن كعب الأحبار ولعله أشبه والله أعلم * ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد عن أبى المغيرة عبد القدوس عن إسماعيل بن عياش عمن حدثه عن كعب الأحبار قال: تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا بالشام، ويقتل الله على أيديهم كل جبار وكل عدو لهم *
وقال الامام أحمد:
حدثنا عثمان بن أبى شيبة، ثنا جرير عن الأعمش عن عطية العوفيّ عن أبى سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ : يخرج عند انقطاع من الزمان، وظهور من الفتن، رجل يقال له السفاح، فيكون إعطاؤه المال حثوا * ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الصمد عن أبى عوانة عن الأعمش به، وقال فيه يخرج رجل من أهل بيتي يقال له السفاح، فذكره، وهذا الإسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه * فهذه الأخبار في خروج الرايات السود من خراسان وفي ولاية السفاح وهو أبو العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وقد وقعت ولايته في حدود سنة ثلاثين ومائة، ثم ظهر بأعوانه ومعهم الرايات السود، وشعارهم السواد، كما دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح، وعلى رأسه المغفر وفوقه عمامة سوداء، ثم بعث عمه عبد الله لقتال بنى أمية، فكسرهم في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وهرب من المعركة آخر خلفائهم، وهو مروان بن محمد بن مروان ويلقب بمروان الحمار، ويقال له مروان الجعديّ، لاشتغاله على الجعد بن درهم فيما قيل، ودخل عمه دمشق واستحوذ على ما كان لبني أمية من الملك والأملاك والأموال، وجرت خطوب كثيرة سنوردها مفصلة في موضعها إن شاء الله تعالى * وقد ورد عن جماعة من السلف في ذكر الرايات السود التي تخرج من خراسان بما يطول ذكره، وقد استقصى ذلك نعيم بن حماد في كتابه، وفي بعض الروايات ما يدل على أنه لم يقع أمرها بعد، وأن ذلك يكون في آخر الزمان، كما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان *
وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تكون الدنيا للكع بن لكع، قال أبو معمر: هو أبو مسلم الخراساني - يعنى الّذي أقام دولة بنى العباس - والمقصود أنه تحولت الدولة من بنى أمية إلى بنى العباس في هذه السنة، وكان أول قائم منهم أبو العباس السفاح، ثم أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور باني مدينة السلام، ثم من بعده ابنه المهدي محمد بن عبد الله، ثم من بعده ابنه الهادي، ثم ابنه الآخر هارون الرشيد، ثم انتشرت الخلافة في ذريته على ما سنفصله إذا وصلنا إلى تلك الأيام * وقد نطقت هذه الأحاديث التي أوردناها آنفا بالسفاح والمنصور والمهدي، ولا شك أن المهدي الّذي هو ابن المنصور ثالث خلفاء بنى العباس، ليس هو المهدي الّذي وردت الأحاديث المستفيضة
стр. 2016
بذكره، وأنه يكون في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وقد أفردنا للأحاديث الواردة فيه جزءا على حدة، كما أفرد له أبو داود كتابا في سننه، وقد تقدم في بعض هذه الأحاديث آنفا أنه يسلم الخلافة إلى عيسى بن مريم إذا نزل إلى الأرض، والله أعلم * وأما السفاح فقد تقدم أنه يكون في آخر الزمان، فيبعد أن يكون هو الّذي بويع أول خلفاء بنى العباس فقد يكون خليفة آخر، وهذا هو الظاهر، فإنه قد روى نعيم بن حماد عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري من قدوم الحميري سمع نفيع بن عامر يقول: يعيش السفاح أربعين سنة اسمه في التوراة طائر السماء قلت: وقد تكون صفة للمهدي الّذي يظهر في آخر الزمان لكثرة ما يسفح أي يريق من الدماء لإقامة العدل، ونشر القمط، وتكون الرايات السود المذكورة في هذه الأحاديث إن صحت هي التي تكون مع المهدي، ويكون أول ظهور بيعته بمكة، ثم تكون أنصاره من خراسان، كما وقع قديما للسفاح، والله تعالى أعلم * هذا كله تفريع على صحة هذه الأحاديث، وإلا فلا يخلو سند منها عن كلام، والله أعلم بالصواب.
ذكر الأخبار عن الأئمة الاثني عشر الذين كلهم من قريش
وليسوا بالاثني عشر الذين يدعون إمامتهم الرافضة، فان هؤلاء الذين يزعمون لم يل أمور الناس منهم إلا على بن أبى طالب وابنه الحسن، وآخرهم في زعمهم المهدي المنتظر في زعمهم بسرداب سامرا وليس له وجود، ولا عين، ولا أثر، بل هؤلاء من الأئمة الاثني عشر المخبر عنهم في الحديث، الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، ﵃، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا خلاف بين الأئمة على كلا القولين لأهل السنة في تفسير الاثني عشر كما سنذكره بعد إيراد الحديث.
ثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة، ومسلم من حديث سفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يكون اثنا عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أسمعها، فقلت لأبى: ما قال؟ قال: قال كلهم من قريش *
وقال أبو نعيم بن حماد في كتاب الفتن والملاحم: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : يكون بعدي من الخلفاء عدة أصحاب موسى * وقد روى مثل هذا عن عبد الله بن عمر وحذيفة وابن عباس وكعب الأحبار من قولهم،
وقال أبو داود:
حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا مروان بن معاوية عن إسماعيل بن أبى خالد عن أبيه عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يزال هذا الأمر قائما حتى يكون عليهم اثنى عشر خليفة أو أميرا كلهم يجتمع عليهم الأمة، وسمعت كلاما من النبي ﷺ لم أفهمه، فقلت لأبى: ما يقول: قال: يقول: كلهم من قريش *
وقال أبو داود أيضا: حدثنا ابن نفيل، حدثنا زهير بن
стр. 2017
معاوية، حدثنا زياد بن خيثمة، حدثنا الأسود بن سعيد الهمدانيّ عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزال هذه الأمة مستقيما أمرها، ظاهرة على عدوها، حتى يمضى اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، قال: فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج * قال البيهقي: ففي الرواية الأولى بيان العدد، وفي الثانية بيان المراد بالعدد، وفي الثالثة بيان وقوع الهرج وهو القتل بعدهم، وقد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ثم وقع الهرج والفتنة العظيمة كما أخبر في هذه الرواية، ثم ظهر ملك العباسية، كما أشار إليه في الباب قبله، وإنما يزيدون على العدد المذكور في الخبر، إذا تركت الصفة المذكورة فيه أو عد منهم من كان بعد الهرج المذكور فيه *
وقد قال النبي ﷺ : لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان. ثم ساقه من حديث عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ فذكره *
وفي صحيح البخاري من طريق الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن معاوية بن أبى سفيان قال:
قال رسول الله ﷺ : إن الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين * قال البيهقي: أي أقاموا معالمه وإن قصروا هم في أعمال أنفسهم، ثم ساق أحاديث بقية ما ذكره في هذا والله أعلم * فهذا الّذي سلكه البيهقي وقد وافقه عليه جماعة، من أن المراد بالخلفاء الاثني عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق الّذي قدمنا الحديث فيه بالذم والوعيد فأنه مسلك فيه نظر، وبيان ذلك أن الخلفاء إلى زمن الوليد بن اليزيد هذا أكثر من اثنى عشر على كل تقدير، وبرهانه أن الخلفاء الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، خلافتهم محققة بنص حديث سفينة: الخلافة بعدي ثلاثون سنة * ثم بعدهم الحسن بن على كما وقع، لأن عليا أوصى إليه، وبايعه أهل العراق، وركب وركبوا معه لقتال أهل الشام حتى اصطلح هو ومعاوية، كما دل عليه حديث أبى بكرة في صحيح البخاري، ثم معاوية، ثم ابنه يزيد بن معاوية، ثم ابنه معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم ابنه عبد الملك بن مروان، ثم ابنه الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، فهؤلاء خمسة عشر، ثم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فأن اعتبرنا ولاية الزبير قبل عبد الملك صاروا ستة عشر، وعلى كل تقدير فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبد العزيز، فهذا الّذي سلكه على هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية، ويخرج منهم عمر بن عبد العزيز، الّذي أطبق الأئمة على شكره وعلى مدحه، وعدوه من الخلفاء الراشدين، وأجمع الناس قاطبة على عدله، وأن أيامه كانت من أعدل الأيام حتى الرافضة يعترفون بذلك، فان قال: أنا لا أعتبر إلا من اجتمعت الأمة عليه، لزمه على هذا القول أن لا يعد على بن أبى طالب ولا ابنه، لان الناس لم يجتمعوا عليهما،
стр. 2018
وذلك أن أهل الشام بكمالهم لم يبايعوهما، وعد حبيب معاوية وابنه يزيد وابن ابنه معاوية بن يزيد ولم يقيد بأيام مروان ولا ابن الزبير، كأن الأمة لم تجتمع على واحد منهما، فعلى هذا نقول في مسلكه هذا عادا للخلفاء أبى بكر وعمر وعثمان ثم معاوية ثم يزيد بن معاوية ثم عبد الملك ثم الوليد بن سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد ثم هشام فهؤلاء عشرة، ثم من بعدهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق، ولكن هذا لا يمكن أن يسلك، لانه يلزم منه إخراج على وابنه الحسن من هؤلاء الاثني عشر وهو خلاف ما نص عليه أئمة السنة بل والشيعة، ثم هو خلاف ما دل عليه نصا
حديث سفينة عن رسول الله ﷺ أنه قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا عضوضا * وقد ذكر سفينة تفصيل هذه الثلاثين سنة فجمعها من خلافة الأربعة، وقد بينا دخول خلافة الحسن وكانت نحوا من ستة أشهر فيها أيضا، ثم صار الملك إلى معاوية لما سلّم الأمر اليه الحسن بن على، وهذا الحديث فيه المنع من تسمية معاوية خليفة، وبيان أن الخلافة قد انقطعت بعد الثلاثين سنة لا مطلقا، بل انقطع تتابعها، ولا ينفى وجود خلفاء راشدين بعد ذلك، كما دل عليه حديث جابر بن سمرة * وقال نعيم بن حماد:
حدثنا راشد بن سعد عن ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن حذيفة بن اليمان قال: يكون بعد عثمان اثنا عشر ملكا من بنى أمية، قيل له: خلفاء؟ قال: لا بل ملوك. وقد روى البيهقي من حديث حاتم بن صفرة عن أبى بحر قال: كان أبو الجلد جارا لي، فسمعته يقول يحلف عليه: أن هذه الأمة لن تهلك حتى يكون فيها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق، منهم رجلان من أهل البيت، أحدهما يعيش أربعين سنة، والآخر ثلاثين سنة * ثم شرع البيهقي في رد ما قاله أبو الجلد بما لا يحصل به الرد، وهذا عجيب منه، وقد وافق أبا الجلد طائفة من العلماء، ولعل قوله أرجح لما ذكرنا وقد كان ينظر في شيء من الكتب المتقدمة، وفي التوراة التي بأيدي أهل الكتاب ما معناه: إن الله تعالى بشر إبراهيم بإسماعيل، وإنه ينميه ويكثره ويجعل من ذريته اثنى عشر عظيما * قال شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية: وهؤلاء المبشر بهم في حديث جابر بن سمرة، وقرر أنهم يكونون مفرقين في الأمة، ولا تقوم الساعة حتى يوجدوا، وغلط كثير ممن تشرف بالإسلام من اليهود فظنوا أنهم الذين تدعو إليهم فرقة الرافضة فاتبعوهم * وقد قال نعيم بن حماد: حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن أبى المنهال عن أبى زياد عن كعب قال: إن الله وهب لإسماعيل من صلبه اثنى عشر قيما، أفضلهم أبو بكر وعمر وعثمان * وقال نعيم: حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن يحيى بن عمرو الشيباني قال:
ليس من الخلفاء من لم يملك المسجدين المسجد الحرام والمسجد الأقصى.
ذكر الأخبار عن أمور وقعت في دولة بنى العباس إلى زماننا هذا
فمن ذلك حدثنا أبو جعفر عبد الله ومحمد بن على بن عبد الله بن عباس الخليفة بعد أخيه الخليفة
стр. 2019
السفاح وهو المنصور الباني لمدينة بغداد، في سنة خمس وأربعين ومائة * قال نعيم بن حماد في كتابه:
عن أبى المغيرة عن أرطاة بن المنذر عمن حدثه عن ابن عباس أنه أتاه رجل وعنده حذيفة فقال:
يا ابن عباس قوله حمعسق. فأطرق ساعة وأعرض عنه، ثم كررها فلم يجبه بشيء، فقال له حذيفة: أنا أنبئك، وقد عرفت لم كررها، إنما نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإله، أو عبد الله، ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبنى عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا، يجتمع فيهما كل جبار عنيد *
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجد الحوطى، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عبد الله بن السمط، حدثنا صالح بن على الهاشمي عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال:
لأن يربى أحدكم بعد أربع وخمسين ومائة جرو كلب، خير من أن يربى ولدا لصلبه * قال شيخنا الذهبي: هذا الحديث موضوع، واتهم به عبد الله بن السمط هذا * وقال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري، في كتابه الفتن والملاحم: حدثنا أبو عمرو البصري عن أبى بيان المعافري عن بديع عن كعب قال: إذا كانت سنة ستين ومائة انتقص فيها حلم ذوى الأحلام، ورأى ذوى الرأى.
حديث آخر
فيه إشارة إلى مالك بن أنس الامام ﵀ روى الترمذي من حديث ابن عيينة عن ابن جريج عن أبى الزبير عن أبى صالح عن أبى هريرة رواية: يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة * ثم قال: هذا حديث حسن وهو حديث ابن عيينة، وقد روى عنه أنه قال: هو مالك بن أنس، وكذا قال عبد الرزاق، قلت: وقد توفى مالك ﵀ سنة تسع وسبعين ومائة
حديث آخر
فيه إشارة إلى محمد بن إدريس الشافعيّ
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا جعفر بن سليمان عن النضر بن معبد الكندي أو العبدلي عن الجارود عن أبى الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : لا تسبوا قريشا فان عالمها يملأ الأرض علما، اللهمّ إنك أذقت أولها وبالا، فأذق آخرها نوالا * وقد رواه الحاكم من طريق أبى هريرة، قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: وهو الشافعيّ، قلت: وقد توفى الشافعيّ ﵀ في سنة أربع ومائتين وقد أفردنا ترجمته في مجلد وذكرنا معه تراجم أصحابه من بعده.
حديث آخر
روى رواد ابن الجراح عن سفيان الثوري عن منصور عن ربعي عن حذيفة مرفوعا: خيركم بعد المائتين خفيف الحاذ، قالوا: وما خفيف الحاذ يا رسول الله؟ قال: من لا أهل له ولا مال ولا ولد.
стр. 2020
حديث آخر
قال ابن ماجة: حدثنا الحسن بن على الخلال، حدثنا عون بن عمارة، حدثني عبد الله بن المثنى، ثنا ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك عن أبيه عن جده أنس بن مالك عن أبى قتادة قال:
قال رسول الله ﷺ : الآيات بعد المائتين *
وحدثنا نصر بن على الجهضمي، حدثنا نوح بن قيس، حدثنا عبد الله بن معقل عن يزيد الرقاشيّ عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: أمتى على خمس طبقات، فأربعون سنة أهل بر وتقوى، ثم الذين يلونهم إلى عشرين ومائة سنة أهل تراحم وتواصل، ثم الذين يلونهم الى ستين ومائة، أهل تدابر وتقاطع ثم الهرج الهرج النجاء النجاء *
وحدثنا نصر بن على، حدثنا حازم أبو محمد العنزي، حدثنا المسور بن الحسن عن أبى معن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : أمتى على خمس طبقات كل طبقة أربعون عاما، فأما طبقتي وطبقة أصحابى فأهل علم وإيمان، وأما الطبقة الثانية ما بين الأربعين إلى الثمانين، فأهل بر وتقوى، ثم ذكره نحوه.
هذا لفظه وهو حديث غريب من هذين الوجهين، ولا يخلو عن نكارة والله أعلم *
وقد قال الامام أحمد: ثنا وكيع بن الأعمش، حدثنا هلال بن بيان عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم يتسمنون يحبون السمن يعطون الشهادة قبل أن يسألوها * ورواه الترمذي من طريق الأعمش،
وقد رواه البخاري ومسلّم من حديث شعبة عن أبى حمزة عن زهدم بن مضرب سمعت عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ :
خير أمتى قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدرى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن، لفظ البخاري *
وقال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم يسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته، قال إبراهيم:
وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار * وقد رواه بقية الجماعة إلا أبا داود من طرق متعددة عن منصور به.
حديث آخر
قال نعيم بن حماد: حدثنا أبو عمرو البصري عن ابن لهيعة عن عبد الوهاب بن حسين عن محمد بن ثابت البناني عن أبيه عن الحرث الهمدانيّ عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: السابع من ولد العباس يدعو الناس إلى الكفر فلا يجيبونه، فيقول له أهل بيته: تريد أن تخرجنا من معايشنا؟ فيقول: إني أسير فيكم بسيرة أبى بكر وعمر، فيأبون عليه فيقتله عدو له من أهل بيته من بنى هاشم،
стр. 2021
فإذا وثب عليه اختلفوا فيما بينهم فذكر اختلافا طويلا إلى خروج السفياني * وهذا الحديث ينطبق على عبد الله المأمون الّذي دعا الناس إلى القول بخلق القرآن، ووقى الله شرها، كما سنورد ذلك في موضعه، والسفياني رجل يكون آخر الزمان منسوب إلى أبى سفيان يكون من سلالته، وسيأتي في آخر كتاب الملاحم.
حديث آخر
قال الامام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا ليث عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه سمعت أبا ثعلبة الخشنيّ صاحب رسول الله ﷺ أنه سمعه يقول وهو بالفسطاط في خلافة معاوية وكان معاوية اغزى الناس القسطنطينية فقال: والله لا تعجز هذه الأمة من نصف يوم إذا رأيت الشام مائدة رجل واحد وأهل بيته فعند ذلك فتح القسطنطينية * هكذا رواه أحمد موقوفا على أبى ثعلبة،
وقد أخرجه أبو داود في سننه من حديث ابن وهب عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن أبى ثعلبة قال: قال رسول الله ﷺ : لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم * تفرد به أبو داود ثم
قال أبو داود: ثنا عمرو بن عثمان، ثنا أبو المغيرة حدثني صفوان عن سريج بن عبيد عن سعد بن أبى وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن لا يعجز أمتى عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم، قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة * تفرد به أبو داود وإسناده جيد، وهذا من دلائل النبوة، فان هذا يقتضي وقوع تأخير الأمة نصف يوم وهو خمسمائة سنة كما فسره الصحابي، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ ثم هذا الاخبار بوقوع هذه المدة لا ينفى وقوع ما زاد عليها، فأما ما يذكره كثير من الناس من أنه ﵇ لا يؤلف في قبره، بمعنى لا يمضى عليه ألف سنة من يوم مات الى حين تقام الساعة، فإنه حديث لا أصل له في شيء من كتب الإسلام والله أعلم *
حديث آخر
فيه الأخبار عن ظهور النار التي كانت بأرض الحجاز حتى أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، وقد وقع هذا في سنة أربع وخمسين وستمائة.
قال البخاري في صحيحه: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن الزهري قال: قال سعيد بن المسيب:
أخبرنى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» تفرد به البخاري، وقد ذكر أهل التاريخ وغيرهم من الناس، وتواتر وقوع هذا في سنة أربع وخمسين وستمائة، قال الشيخ الامام الحافظ شيخ الحديث وإمام المؤرخين في زمانه، شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل الملقب بأبي شامة في تاريخه: إنها ظهرت يوم الجمعة في
стр. 2022
خامس جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، وأنها استمرت شهرا وأزيد منه، وذكر كتبا متواترة عن أهل المدينة، في كيفية ظهورها شرق المدينة من ناحية وادي شظا، تلقاء أحد، وأنها ملأت تلك الأودية، وانه يخرج منها شرر يأكل الحجاز، وذكر أن المدينة زلزلت بسببها، وأنهم سمعوا أصواتا مزعجة قبل ظهورها بخمسة أيام، أول ذلك مستهل الشهر يوم الاثنين، فلم تزل ليلا ونهارا حتى ظهرت يوم الجمعة فانبجست تلك الأرض عند وادي شظا عن نار عظيمة جدا صارت مثل طوله أربعة فراسخ في عرض أربعة أميال وعمقه قامة ونصف، يسيل الصخر حتى يبقى مثل الآنك، ثم يصير كالفحم الأسود، وذكر أن ضوءها يمتد الى تيماء بحيث كتب الناس على ضوئها في الليل، وكأن في بيت كل منهم مصباحا، ورأى الناس سناها من مكة شرفها الله، قلت: وأما بصرى فأخبرني قاضى القضاة صدر الدين على بن أبى قاسم التيمي الحنفي قال: أخبرنى والدي، وهو الشيخ صفى الدين أحد مدرسي بصرى، أنه أخبره غير واحد من الأعراب صبيحة تلك الليلة من كان بحاضرة بلد بصرى، أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز، وقد ذكر الشيخ شهاب الدين أن أهل المدينة لجئوا في هذه الأيام إلى المسجد النبوي، وتابوا إلى الله من ذنوب كانوا عليها، واستغفروا عند قبر النبي ﷺ مما سلف منهم وأعتقوا الغلمان، وتصدقوا على فقرائهم ومجاريحهم وقد قال قائلهم في ذلك:
يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنا … فقد أحاطت بنا يا رب بأساء
نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها … حملا ونحن بها حقا أحقاء
زلازل تخشع الصم الصلاد لها … وكيف تقوى على الزلزال صماء
أقام سبعا يرج الأرض فانصدعت … عن منظر منه عين الشمس عشواء
بحر من النار تجرى فوقه سفن … من الهضاب لها في الأرض إرساء
يرى لها شرر كالقصر طائشة … كأنها ديمة تنصب هطلاء
تنشق منها قلوب الصخر إن زفرت … رعبا وترعد مثل الشهب أضواء
منها تكاثف في الجوالد خان إلى … أن عادت الشمس منه وهي دهماء
قد أثرت سعفة في البدر لفحتها … فليلة التم بعد النور ليلاء
فيا لها آية من معجزات رسول … الله يعقلها القوم الألباء
ومما قيل من هذه النار مع غرق بغداد في هذه السنة:
سبحان من أصبحت مشيئته … جارية في الورى بمقدار
أغرق بغداد بالمياه كما … أحرق أرض الحجاز بالنار
стр. 2023
حديث آخر
قال الامام أحمد: حدثنا أبو عامر، ثنا أفلح بن سعيد الأنصاري، شيخ من أهل قبا من الأنصار، حدثني عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن طالت بكم مدة أوشك أن تروا قوما يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر، ورواه مسلّم عن محمد بن عبد الله بن نمير عن زيد بن الخباب عن أفلح ابن سعيد به،
وروى مسلّم أيضا عن زهير بن حرب عن جرير عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة قال:
قال ﷺ : صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا، وهذان الصنفان وهما الجلادون الذين يسمون بالرجالة، والجاندارية، كثيرون في زماننا هذا ومن قبله وقبل قبله بدهر، والنساء الكاسيات العاريات أي عليهنّ لبس لا يوارى سوآتهن، بل هو زيادة في العورة، وإبداء للزينة، مائلات في مشيهن مميلات غيرهن إليهن، وقد عم البلاء بهن في زماننا هذا، ومن قبله أيضا، وهذا من أكبر دلالات النبوة إذ وقع الأمر في الخارج طبق ما أخبر به ﵇، وقد تقدم حديث جابر: أما إنها ستكون لكم أنماط، وذكر تمام الحديث في وقوع ذلك واحتجاج امرأته عليه بهذا.
حديث آخر
روى الامام أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن داود بن أبى هند، وأخرجه البيهقي من حديثه عن أبى حرب بن أبى الأسود الدؤلي عن طلحة بن عمرو البصري أنه قدم المدينة على رسول الله ﷺ فبينما هو يصلّى إذ أتاه رجل فقال: يا رسول الله أحرق بطوننا التمر وتحرقت عنا الحيف، قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: لقد رأيتني وصاحبي وما لنا طعام غير البرير حتى أتينا إخواننا من الأنصار فآسونا من طعامهم وكان طعامهم التمر، والّذي لا إله إلا هو لو قدرت لكم على الخبز والتمر لأطعمتكموه، وسيأتي عليكم زمان أو من أدركه منكم يلبسون مثل أستار الكعبة، ويغدى ويراح عليكم بالجفان، قالوا: يا رسول الله أنحن يومئذ خير أم اليوم؟ قال: بل أنتم اليوم خير، أنتم اليوم إخوان، وأنتم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض،
وقد روى سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن أبى موسى بحلس قال: قال رسول الله ﷺ : إذا مشت أمتى المطيطا وخدمتهم فارس والروم، سلط الله بعضهم على بعض * وقد أسنده البيهقي من طريق موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ .
стр. 2024
حديث آخر
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري، ثنا ابن وهب، ثنا سعيد بن أبى أيوب عن شراحيل بن زيد المعافري عن أبى علقمة عن أبى هريرة فيما أعلم عن رسول الله ﷺ : إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجددها لها أمر دينها * قال أبو داود: عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني لم يحدثه شراحيل * تفرد به أبو داود، وقد ذكر كل طائفة من العلماء في رأس كل مائة سنة عالما من علمائهم ينزلون هذا الحديث عليه، وقال طائفة من العلماء هل الصحيح أن الحديث يشمل كل فرد فرد من آحاد العلماء من هذه الأعصار ممن يقوم بفرض الكفاية في أداء العلم عمن أدرك من السلف إلى من يدركه من الخلف كما جاء في الحديث من طرق مرسلة وغير مرسلة: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين * وهذا موجود ولله الحمد والمنة إلى زماننا هذا، ونحن في القرن الثامن، والله المسئول أن يختم لنا بخير وأن يجعلنا من عباده الصالحين، ومن ورثة جنة النعيم آمين آمين يا رب العالمين * وسيأتي الحديث المخرج من الصحيح: لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم كذلك * وفي صحيح البخاري وهم بالشام وقد قال كثير من علماء السلف: أنهم أهل الحديث وهذا أيضا من دلائل النبوة فان أهل الحديث بالشام أكثر من سائر أقاليم الإسلام، ولله الحمد، ولا سيما بمدينة دمشق حماها الله وصانها، كما ورد في الحديث الّذي سنذكره أنها تكون معقل المسلمين عند وقوع الفتن، وفي صحيح مسلّم عن النواس بن سمعان أن رسول الله ﷺ أخبر عن عيسى بن مريم أنه ينزل من السماء على المنارة البيضاء شرقى دمشق ولعل أصل لفظ الحديث على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق وقد بلغني أنه كذلك في بعض الأجزاء ولم أقف عليه إلى الآن والله الميسر، وقد جددت هذه المنارة البيضاء الشرقية بجامع دمشق بعد ما أحرقها النصارى من أيامنا هذه بعد سنة أربعين وسبعمائة فأقاموها من أموال النصارى مقاصة على ما فعلوا من العدوان وفي هذا حكمة عظيمة وهو أن ينزل على هذه المبنية من أموالهم عيسى بن مريم نبي الله فيكذبهم فيما افتروه عليه من الكذب عليه وعلى الله ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية أي يتركها ولا يقبل من أحد منهم ولا من غيرهم إلا الإسلام، يعنى أو يقتله وقد أخبر بهذا عنه رسول الله ﷺ وقرره عليه وسوغه له صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان.
стр. 2025
باب البينة على ذكر معجزات لرسول الله ﷺ مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله، وأعلى منها،
خارجة عما اختص به من المعجزات العظيمة التي لم يكن لأحد قبله منهم ﵈.
فمن ذلك القرآن العظيم الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فأنه معجزة مستمرة على الآباد، ولا يخفى برهانها، ولا يتفحص مثلها، وقد تحدى به الثقلين من الجن والأنس على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة من مثله، فعجزوا عن ذلك كما تقدم تقرير ذلك في أول كتاب المعجزات، وقد سبق الحديث المتفق على إخراجه
في الصحيحين من حديث الليث بن سعد بن سعيد بن أبى سعيد المقبري عن أبيه عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال:
ما من نبي إلا وقد أوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الّذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة * والمعنى أن كل نبي أوتى من خوارق المعجزات ما يقتضي إيمان من رأى ذلك من أولى البصائر والنهى، لا من أهل العناد والشقاء، وإنما كان الّذي أوتيته، أي جله وأعظمه وأبهره، القرآن الّذي أوحاه الله الىّ، فأنه لا يبيد ولا يذهب كما ذهبت معجزات الأنبياء وانقضت بانقضاء أيامهم، فلا تشاهد، بل يخبر عنها بالتواتر والآحاد، بخلاف القرآن العظيم الّذي أوحاه الله إليه فأنه معجزة متواترة عنه، مستمرة دائمة البقاء بعده، مسموعة لكل من ألقى السمع وهو شهيد * وقد تقدم في الخصائص ذكر ما اختص به رسول الله ﷺ عن بقية إخوانه من الأنبياء ﵈،
كما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة * وقد تكلمنا على ذلك وما شاكله فيما سلف بما أغنى عن إعادته ولله الحمد. وقد ذكر غير واحد من العلماء أن كل معجزة [لنبي] من الأنبياء فهي معجزة لخاتمهم محمد ﷺ وذلك أن كلا منهم بشر بمبعثه، وأمر بمتابعته، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ وقد ذكر البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه العهد والميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به وليتبعنه ولينصرنه * وذكر غير واحد من العلماء أن كرامات الأولياء معجزات للأنبياء،
стр. 2026
لان الولي إنما نال ذلك ببركة متابعته لنبيه، وثواب إيمانه * والمقصود أنه كان الباعث لي على عقد هذا الباب أنى وقفت على مولد اختصره من سيرة الامام محمد بن إسحاق بن يسار وغيرهما شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام كمال الدين أبو المعالي محمد بن على الأنصاري السماكى، نسبه إلى أبى دجانة الأنصاري سماك بن حرب بن حرشة الأوسي، ﵁، شيخ الشافعية في زمانه بلا مدافعة، المعروف بابن الزملكانى عليه رحمة الله، وقد ذكر في أواخره شيئا من فضائل رسول الله ﷺ ، وعقد فصلا في هذا الباب فأورد فيه أشياء حسنة، ونبه على فوائد جمة، وفوائد مهمة، وترك أشياء أخرى حسنة، ذكرها غيره من الائمة المتقدمين، ولم أره استوعب الكلام إلى آخره، فأما أنه قد سقط من خطه، أو أنه لم يكمل تصنيفه، فسألني بعض أهله من أصحابنا ممن تتأكد إجابته، وتكرر ذلك منه، في تكميله وتبويبه وترتيبه، وتهذيبه، والزيادة عليه والإضافة إليه، فاستخرت الله حينا من الدهر، ثم نشطت لذلك ابتغاء الثواب والأجر، وقد كنت سمعت من شيخنا الإمام العلامة الحافظ، أبى الحجاج المزي تغمده الله برحمته، أن أول من تكلم في هذا المقام الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ ﵁، وقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀ في كتابه دلائل النبوة، عن شيخه الحاكم أبى عبد الله، أخبرنى أبو أحمد بن أبى الحسن، أنا عبد الرحمن بن أبى حاتم الرازيّ عن أبيه، قال عمر بن سوار: قال الشافعيّ: مثل ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا ﷺ ، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطى محمدا ﷺ الجذع الّذي كان يخطب إلى جنبه حين بنى له المنبر حنّ الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك، هذا لفظه ﵁ * والمراد من إيراد ما نذكره في هذا الباب، البينة على ما أعطى الله أنبياءه ﵈ من الآيات البينات، والخوارق القاطعات، والحجج الواضحات، وأن الله جمع لعبده ورسوله سيد الأنبياء وخاتمهم من جميع أنواع المحاسن والآيات، مع ما اختصه الله به مما لم يؤت أحدا قبله، كما ذكرنا في خصائصه وشمائله ﷺ ، ووقفت على فصل مليح في هذا المعنى، في كتاب دلائل النبوة للحافظ أبى نعيم، أحمد بن عبد الله الأصبهاني، وهو كتاب حافل في ثلاث مجلدات، عقد فيه فصلا في هذا المعنى، وكذا ذكر ذلك الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد، في كتابه دلائل النبوة، وهو كتاب كبير جليل حافل، مشتمل على فرائد نفيسة * وكذا الصرصرى الشاعر يورد في بعض قصائده أشياء من ذلك كما سيأتي * وها أنا أذكر بعون الله مجامع ما ذكرنا من هذه الأماكن المتفرقة بأوجز عبارة، وأقصر إشارة، وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
القول فيما أوتى نوح ﵇ قال الله تعالى: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ﴾
стр. 2027
عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ، وقد ذكرت القصة مبسوطة في أول هذا الكتاب وكيف دعا على قومه فنجاه الله ومن اتبعه من المؤمنين فلم يهلك منهم أحد، وأغرق من خالفه من الكافرين فلم يسلّم منهم أحد حتى ولا ولده * قال شيخنا العلامة أبو المعالي محمد بن على الأنصاري الزملكانى، ومن خطه نقلت: وبيان أن كل معجزة لنبي فلنبينا أمثالها، إذا تمّ يستدعى كلاما طويلا، وتفصيلا لا يسعه مجلدات عديدة، ولكن ننبه بالبعض على البعض، فلنذكر جلائل معجزات الأنبياء ﵈، فمنها نجاة نوح في السفينة بالمؤمنين، ولا شك أن حمل الماء للناس من غير سفينة أعظم من السلوك عليه في السفينة، وقد مشى كثير من الأولياء على متن الماء، وفي قصة العلاء بن زياد، صاحب رسول الله ﷺ ما يدل على ذلك، روى منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرميّ دارين، فدعا بثلاث دعوات فاستجيبت له، فنزلنا منزلا فطلب الماء فلم يجده، فقام وصلّى ركعتين وقال: اللهمّ إنا عبيدك وفي سبيلك، نقاتل عدوك، اللهمّ اسقنا غيثا نتوضأ به ونشرب، ولا يكون لأحد فيه نصيب غيرنا، فسرنا قليلا فإذا نحن بماء حين أقلعت السماء عنه، فتوضأنا منه وتزودنا، وملأت إداوتي وتركتها مكانها حتى انظر هل استجيب له أم لا، فسرنا قليلا ثم قلت لأصحابى:
نسيت إداوتي، فرجعت إلى ذلك المكان فكأنه لم يصبه ماء قط، ثم سرنا حتى أتينا دارين والبحر بيننا وبينهم، فقال: يا على يا حكيم، إنا عبيدك وفي سبيلك، نقاتل عدوك، اللهمّ فاجعل لنا إليهم سبيلا، فدخلنا البحر فلم يبلغ الماء لبودنا، ومشينا على متن الماء ولم يبتل لنا شيء، وذكر بقية القصة، فهذا أبلغ من ركوب السفينة، فأن حمل الماء للسفينة معتاد، وأبلغ من فلق البحر لموسى، فأن هناك انحسر الماء حتى مشوا على الأرض، فالمعجز انحسار الماء، وها هنا صار الماء جسدا يمشون عليه كالأرض، وإنما هذا منسوب إلى النبي ﷺ وبركته * انتهى ما ذكره بحروفه فيما يتعلق بنوح ﵇ * وهذه القصة التي ساقها شيخنا ذكرها الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الدلائل من طريق أبى بكر بن أبى الدنيا عن أبى كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجليّ عن عبد الملك ابن أخت سهم عن سهم بن منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرميّ فذكره * وقد ذكرها البخاري في التاريخ الكبير من وجه آخر، ورواها البيهقي من طريق أبى هريرة ﵁ أنه كان مع العلاء وشاهد ذلك، وساقها البيهقي من طريق عيسى بن يونس عن عبد الله عن عون عن أنس بن مالك قال: أدركت في هذه الأمة ثلاثا لو كانت في بنى إسرائيل لما تقاسمها الأمم، قلنا:
ما هن يا أبا حمزة؟ قال: كنا في الصفة عند رسول الله ﷺ فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ، فأضاف المرأة إلى النساء، وأضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ثم قبض،
стр. 2028
فغمضه النبي ﷺ وأمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله قال: يا أنس ائت أمه، فأعلمها فأعلمتها، قال:
فجاءت حتى جلست عند قدميه، فأخذت بهما ثم قالت: اللهمّ إني أسلمت لك طوعا، وخلعت الأوثان، فلا تحمّلني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحمله، قال: فو الله ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه وألقى الثوب عن وجهه، وعاش حتى قبض الله رسوله ﷺ ، وحتى هلكت أمه، قال أنس:
ثم جهز عمر بن الخطاب جيشا واستعمل عليهم العلاء بن الحضرميّ، قال أنس: وكنت في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفوا آثار الماء، والحر شديد، فجهدنا العطش ودوابنا، وذلك يوم الجمعة، فلما مالت الشمس لغروبها صلّى بنا ركعتين ثم مد يده إلى السماء وما نرى في السماء شيئا، قال: فو الله ما حط يده حتى بعث الله ريحا وأنشأ سحابا وأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب، فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا، قال: ثم أتينا عدونا وقد جاوز خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا على يا عظيم، يا حليم يا كريم، ثم قال: أجيزوا بسم الله، قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو عليه، فقتلنا وأسرنا وسبينا، ثم أتينا الخليج، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، ثم ذكر موت العلاء ودفنهم إياه في أرض لا تقبل الموتى، ثم إنهم حفروا عليه لينقلوه منها إلى غيرها فلم يجدوه ثم، وإذا اللحد يتلألأ نورا، فأعادوا التراب عليه ثم ارتحلوا * فهذا السياق أتم، وفيه قصة المرأة التي أحيى الله لها ولدها بدعائها، وسننبه على ذلك فيما يتعلق بمعجزات المسيح عيسى بن مريم، مع ما يشابهها إن شاء الله تعالى، كما سنشير إلى قصة العلاء هذه مع ما سنورده معها هاهنا، فيما يتعلق بمعجزات موسى ﵇، في قصة فلق البحر لبني إسرائيل، وقد أرشد إلى ذلك شيخنا في عيون كلامه *
قصة أخرى تشبه قصة العلاء بن الحضرميّ
روى البيهقي في الدلائل - وقد تقدم ذلك أيضا - من طريق سليمان بن مروان الأعمش عن بعض أصحابه، قال: انتهينا إلى دجلة وهي مادة والأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم الله، ثم اقتحم بفرسه فارتفع على الماء، فقال الناس: بسم الله، ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء، فنظر إليهم الأعاجم وقالوا: ديوان، ديوان، أي مجانين، ثم ذهبوا على وجوههم، قال فما فقد الناس إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائم واقتسموا، فجعل الرجل يقول: من يبادل صفراء ببيضاء؟ وقد ذكرنا في السيرة العمرية وأيامها، وفي التفسير أيضا: أن أول من اقتحم دجلة يومئذ أبو عبيدة النفيعى أمير الجيوش في أيام عمر بن الخطاب ﵁، وأنه نظر إلى دجلة فتلا قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ ثم سمى الله تعالى واقتحم بفرسه الماء واقتحم الجيش وراءه، ولما نظر إليهم الأعاجم يفعلون ذلك جعلوا يقولون: ديوان ديوان، أي
стр. 2029
مجانين مجانين، ثم ولوا مدبرين فقتلهم المسلمون وغنموا منهم مغانم كثيرة.
قصة أخرى شبيهة بذلك
وروى البيهقي من طريق أبى النضر عن سليمان بن المغيرة أن أبا مسلّم الخولانيّ جاء إلى دجلة وهي ترمى الخشب من مدها فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه، وقال: هل تفقدون من متاعكم شيئا فندعو الله تعالى؟ ثم قال: هذا إسناد صحيح * قلت: وقد ذكر الحافظ الكبير، أبو القاسم بن عساكر، في ترجمة أبى عبد الله بن أيوب الخولانيّ هذه القصة بأبسط من هذه من طريق بقية ابن الوليد: حدثني محمد بن زياد عن أبى مسلّم الخولانيّ أنه كان إذا غزا أرض الروم فمروا بنهر قال:
أجيزوا بسم الله، قال: ويمر بين أيديهم فيمرون على الماء فما يبلغ من الدواب إلا إلى الركب، أو في بعض ذلك، أو قريبا من ذلك، قال: وإذا جازوا قال للناس: هل ذهب لكم شيء؟ من ذهب له شيء فأنا ضامن، قال: فألقى مخلاة عمدا، فلما جاوزوا قال للناس: هل ذهب لكم شيء؟ من ذهب له شيء فأنا ضامن، قال: فألقى مخلاة عمدا، فلما جاوزوا قال الرجل: مخلاتى وقعت في النهر، قال له:
اتبعنى، فإذا المخلاة قد تعلقت ببعض أعواد النهر، فقال: خذها * وقد رواه أبو داود من طريق الأعرابي عنه عن عمرو بن عثمان عن بقية به * ثم قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد أن أبا مسلّم الخولانيّ أتى على دجلة وهي ترمى بالخشب من مدها فوقف عليها ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر مسير بنى إسرائيل في البحر، ثم لهز دابته فخاضت الماء وتبعه الناس حتى قطعوا، ثم قال: هل فقدتم شيئا من متاعكم فأدعو الله أن يرده عليّ؟ * وقد رواه ابن عساكر من طريق أخرى عن عبد الكريم بن رشيد عن حميد بن هلال العدوي: حدثني ابن عمى أخى أبى قال: خرجت مع أبى مسلّم في جيش فأتينا على نهر عجاج منكر، فقلنا لأهل القرية: أين المخاضة؟ فقالوا: ما كانت هاهنا مخاضة ولكن المخاضة أسفل منكم على ليلتين، فقال أبو مسلّم: اللهمّ أجزت بنى إسرائيل البحر، وإنا عبيدك وفي سبيلك، فأجزنا هذا النهر اليوم، ثم قال: اعبروا بسم الله، قال ابن عمى: وأنا على فرس فقلت: لأدفعنه أول الناس خلف فرسه، قال: فو الله ما بلغ الماء بطون الخيل عمى: وأنا على فرس فقلت: لأدفعنه أول الناس خلف فرسه، قال: فو الله ما بلغ الماء بطن ابن حتى عبر الناس كلهم، ثم وقف وقال: يا معشر المسلمين، هل ذهب لأحد منكم شيء فأدعو الله تعالى يرده؟ * فهذه الكرامات لهؤلاء. الأولياء، هي معجزات لرسول الله ﷺ كما تقدم تقريره، لأنهم إنما نالوها ببركة متابعته، ويمن سفارته، إذ فيها حجة في الدين، أكيدة للمسلمين، وهي مشابهة نوح ﵇ في مسيره فوق الماء بالسفينة التي أمره الله تعالى بعملها، ومعجزة موسى ﵇ في فلق البحر، وهذه فيها ما هو أعجب من ذلك، من جهة مسيرهم على متن الماء من غير حائل، ومن جهة أنه ماء جار والسير عليه أعجب من السير على الماء القار الّذي يجاز، وإن كان ماء الطوفان أطم وأعظم، فهذه خارق، والخارق لا فرق بين قليله وكثيره، فأن من سلك على وجه الماء الخضم الجاري
стр. 2030
العجاج فلم يبتل منه نعال خيولهم، أو لم يصل إلى بطونها، فلا فرق في الخارق بين أن يكون قامة أو ألف قامة، أو أن يكون نهرا أو بحرا، بل كونه نهرا عجاجا كالبرق الخاطف والسيل الجاري، أعظم وأغرب، وكذلك بالنسبة إلى فلق البحر، وهو جانب بحر القلزم، حتى صار كل فرق كالطود العظيم، أي الجبل الكبير، فانحاز الماء يمينا وشمالا حتى بدت أرض البحر، وأرسل الله عليها الريح حتى أيبسها، ومشت الخيول عليها بلا انزعاج، حتى جاوزوا عن آخرهم، وأقبل فرعون بجنوده (فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى) وذلك أنهم لما توسطوه وهموا بالخروج منه، أمر الله البحر فارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم، فلم يفلت منهم أحد، كما لم يفقد من بنى إسرائيل واحد، ففي ذلك آية عظيمة بل آيات معدودات، كما بسطنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة * والمقصود أن ما ذكرناه من قصة العلاء بن الحضرميّ، وأبى عبد الله الثقفي، وأبى مسلّم الخولانيّ، من مسيرهم على تيار الماء الجاري، فلم يفقد منهم أحد، ولم يفقدوا شيئا من أمتعتهم، هذا وهم أولياء، منهم صحابى وتابعيان فما الظن لو [كان] الاحتياج إلى ذلك بحضرة رسول الله ﷺ ، سيد الأنبياء وخاتمهم، وأعلاهم منزلة ليلة الأسراء، وإمامهم ليلتئذ ببيت المقدس الّذي هو محل ولايتهم، ودار بدايتهم، وخطيبهم يوم القيامة، وأعلاهم منزلة في الجنة، وأول شافع في الحشر، وفي الخروج من النار، وفي دخول الجنة، وفي رفع الدرجات بها، كما بسطنا أقسام الشفاعة وأنواعها، في آخر الكتاب في أهوال يوم القيامة، وبالله المستعان. وستذكر في المعجزات الموسوية ما ورد من المعجزات المحمدية، مما هو أظهر وأبهر منها، ونحن الآن فيما يتعلق بمعجزات نوح ﵇، ولم يذكر شيخنا سوى ما تقدم، وأما الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، فأنه قال في آخر كتابه في دلائل النبوة، وهو في مجلدات ثلاث:
الفصل الثالث والثلاثون في ذكر موازنة الأنبياء في فضائلهم، بفضائل نبينا، ومقابلة ما أوتوا من الآيات بما أوتى، إذ أوتى ما أوتوا وشبهه ونظيره، فكان أول الرسل نوح ﵇، وآيته التي أوتى شفاء غيظه، وإجابة دعوته، في تعجيل نقمة الله لمكذبيه، حتى هلك من على بسيط الأرض من صامت وناطق، إلا من آمن به ودخل معه في سفينته، ولعمري إنها آية جليلة، وافقت سابق قدر الله وما قد علمه في هلاكهم، وكذلك نبينا ﷺ لما كذبه قومه وبالغوا في أذيته، والاستهانة بمنزلته من الله ، حتى ألقى السفيه عقبة بن أبى معيط سلا الجزور على ظهره وهو ساجد، فقال:
اللهمّ عليك بالملإ من قريش، ثم ساق الحديث عن ابن مسعود كما تقدم، كما ذكرنا له في صحيح البخاري وغيره في وضع الملأ من قريش على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد عند الكعبة سلا تلك الجزور، واستضحاكهم من ذلك، حتى أن بعضهم يميل على بعض من شدة الضحك، ولم يزل على ظهره حتى جاءت ابنته فاطمة ﵍ فطرحته عن ظهره، ثم أقبلت عليهم تسبهم،
فلما سلّم
стр. 2031
رسول الله ﷺ من صلاته رفع يديه فقال: اللهمّ عليك بالملإ من قريش، ثم سمى فقال: اللهمّ عليك بأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبى معيط وعمارة بن الوليد،
قال عبد الله بن مسعود: فو الّذي بعثه بالحق لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر، وكذلك لما أقبلت قريش يوم بدر في عددها وعديدها، فحين عاينهم رسول الله ﷺ قال رافعا يديه:
اللهمّ هذه قريش جاءتك بفخرها وخيلائها، تجادل وتكذب رسولك، اللهمّ أصبهم الغداة، فقتل من سراتهم سبعون وأسر من أشرافهم سبعون، ولو شاء الله لاستأصلهم عن آخرهم، ولكن من حلم وشرف نبيه أبقى منهم من سبق في قدره أن سيؤمن به وبرسول الله ﷺ ، وقد دعا على عتبة بن أبى لهب أن يسلط عليه كلبه بالشام، فقتله الأسد عند وادي الزرقاء قبل مدينة بصرى * وكم له من مثلها ونظيرها، (١) كسبع يوسف فقحطوا حتى أكلوا العكبر، وهو الدم بالوتر، وأكلوا العظام وكل شيء، ثم توصلوا إلى تراحمه وشفقته ورأفته، فدعا لهم، ففرج الله عنهم وسقوا الغيث ببركة دعائه * وقال الامام الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد في كتاب دلائل النبوة - وهو كتاب حافل -: ذكر ما أوتى نوح ﵇ من الفضائل، وبيان ما أوتى محمد ﷺ مما يضاهى فضائله ويزيد عليها، إن قوم نوح لما بلغوا من أذيته والاستخفاف به، وترك الايمان بما جاءهم به من عند الله، دعا عليهم فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ فاستجاب الله دعوته، وغرق قومه، حتى لم يسلّم شيء من الحيوانات والدواب إلا من ركب السفينة، وكان ذلك فضيلة أوتيها، إذ أجيبت دعوته، وشفى صدره بإهلاك قومه * قلنا: وقد أوتى محمد ﷺ مثله حين ناله من قريش ما ناله من التكذيب والاستخفاف، فأنزل الله إليه ملك الجبال وأمره بطاعته فيما يأمره به من إهلاك قومه، فاختار الصبر على أذيتهم، والابتهال في الدعاء لهم بالهداية * قلت: وهذا أحسن، وقد تقدم الحديث بذلك عن عائشة عن رسول الله ﷺ ، في قصة ذهابه إلى الطائف، فدعاهم فآذوه فرجع وهو مهموم، فلما كان عند قرن الثعالب ناداه ملك الجبال فقال: يا محمد إن ربك قد سمع قول قومك وما ردوا عليك، وقد أرسلنى إليك لأفعل ما تأمرنى به، فأن شئت أطبقت عليهم الأخشبين - يعنى جبلي مكة اللذين يكتنفانها جنوبا وشمالا، أبو قبيس وزر، فقال: بل استأنى بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك بالله شيئا * وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في مقابلة قوله تعالى: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، * فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أحاديث الاستسقاء عن أنس وغيره، كما تقدم ذكرنا لذلك في دلائل النبوة قريبا
أنه ﷺ سأله ذلك الأعرابي أن يدعو الله لهم، لما بهم من الجدب والجوع، فرفع يديه فقال: اللهمّ اسقنا،
стр. 2032
اللهمّ اسقنا، فما نزل عن المنبر حتى رئي المطر يتحادر على لحيته الكريمة، ﷺ ، فاستحضر من استحضر من الصحابة ﵃ قول عمه أبى طالب فيه: -
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم … فهم عنده في نعمة وفواضل
وكذلك استسقى في غير ما موضع للجدب والعطش فيجاب كما يريد على قدر الحاجة المائية، ولا أزيد ولا أنقص، وهكذا وقع أبلغ في المعجزة، وأيضا فأن هذا ماء رحمة ونعمة، وماء الطوفان ماء غضب ونقمة، وأيضا فأن عمر بن الخطاب ﵁ كان يستسقى بالعباس عم النبي ﷺ فيسقون، وكذلك ما زال المسلمون في غالب الأزمان والبلدان، يستسقون فيجابون فيسقون، و [غيرهم] لا يجابون غالبا ولا يسقون ولله الحمد * قال أبو نعيم: ولبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، فبلغ جميع من آمن رجالا ونساء، الذين ركبوا معه سفينته، دون مائة نفس، وآمن بنبينا - في مدة عشرين سنة، - الناس شرقا وغربا، ودانت له جبابرة الأرض وملوكها، وخافت زوال ملكهم، ككسرى وقيصر، وأسلّم النجاشي والأقيال رغبة في دين الله، والتزم من لم يؤمن به من عظماء الأرض الجزية، والايادة عن صغار، أهل نجران، وهجر، وأيلة، وأنذر دومة، فذلوا له منقادين، لما أيده الله به من الرعب الّذي يسير بين يديه شهرا، وفتح الفتوح، ودخل الناس في دين الله أفواجا كما قال الله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً﴾ قلت: مات رسول الله ﷺ وقد فتح الله له المدينة وخيبر ومكة وأكثر اليمن وحضرموت، وتوفى عن مائة ألف صحابى أو يزيدون * وقد كتب في آخر حياته الكريمة إلى سائر ملوك الأرض يدعوهم إلى الله تعالى، فمنهم من أجاب ومنهم من صانع وداري عن نفسه، ومنهم من تكبر فخاب وخسر، كما فعل كسرى بن هرمز حين عتى وبغى وتكبر، فمزق ملكه، وتفرق جنده شذر مذر، ثم فتح خلفاؤه من بعده، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على التالي على الأثر مشارق الأرض ومغاربها، من البحر الغربي إلى البحر الشرقي، كما
قال رسول الله ﷺ : زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها *
وقال ﷺ : إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله * وكذا وقع سواء بسواء، فقد استولت الممالك الإسلامية على ملك قيصر وحواصله، إلا القسطنطينية، وجميع ممالك كسرى وبلاد المشرق، وإلى أقصى بلاد المغرب، إلى أن قتل عثمان ﵁ في سنة ستة وثلاثين * فكما عمت جميع أهل الأرض النقمة بدعوة نوح ﵇، لما رآهم عليه من التمادي في الضلال والكفر والفجور، فدعا عليهم غضبا لله ولدينه ورسالته، فاستجاب الله له، وغضب لغضبه، وانتقم منهم بسببه، كذلك عمت جميع
стр. 2033
أهل الأرض ببركة رسالة محمد ﷺ ودعوته، فآمن من آمن من الناس، وقامت الحجة على من كفر منهم، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وكما
قال ﷺ : إنما أنا رحمة مهداة * وقال هشام بن عمار في كتاب البعث: حدثني عيسى بن عبد الله النعماني، حدثنا المسعودي عن سعيد بن أبى سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ قال: من آمن بالله ورسله تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسله عد فيمن يستحق تعجيل ما كان يصيب الأمم قبل ذلك من العذاب والفتن والقذف والخسف * وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ قال ابن عباس: النعمة محمد، والذين بدلوا نعمة الله كفرا كفار قريش - يعنى وكذلك كل من كذب به من سائر الناس - كما قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾. قال أبو نعيم: فأن قيل: فقد سمى الله نوحا ﵇ باسم من أسمائه الحسنى، فقال: ﴿إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ قلنا: وقد سمى الله محمدا ﷺ باسمين من أسمائه فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ قال: وقد خاطب الله الأنبياء بأسمائهم: يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى يا داود، يا يحيى، يا عيسى، يا مريم، وقال مخاطبا لمحمد ﷺ : يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، وذلك قائم مقام الكنية بصفة الشرف * ولما نسب المشركون أنبياءهم إلى السفه والجنون، كلّ أجاب عن نفسه، قال نوح: ﴿يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وكذا قال هود ﵇، ولما قال فرعون: ﴿وإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾، قال [موسى] ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ وأما محمد ﷺ فأن الله تعالى هو الّذي يتولى جوابهم عنه بنفسه الكريمة، كما قال: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ قال الله تعالى ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ * ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ * ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ وقال تعالى ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ * ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
стр. 2034
القول فيما أوتى هود ﵇
قال أبو نعيم ما معناه: إن الله تعالى أهلك قومه بالريح العقيم، وقد كانت ريح غضب، ونصر الله تعالى محمدا ﷺ بالصبا يوم الأحزاب، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ ثم قال:
حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ح وحدثنا عثمان بن محمد العثماني، أنا زكريا بن يحيى السّاجيّ، قالا: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن عتاب عن داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم الأحزاب انطلقت الجنوب إلى الشمال فقالت:
انطلقي بنا ننصر محمدا رسول الله ﷺ ، فقالت الشمال للجنوب: إن الحرة لا ترى بالليل، فأرسل الله عليهم الصبا، فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾ ويشهد له الحديث المتقدم
عن رسول الله ﷺ أنه قال: نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور.
القول فيما أوتى صالح ﵇
قال أبو نعيم: فأن قيل: فقد أخرج الله لصالح ناقة من الصخرة جعلها الله له آية وحجة على قومه وجعل لها شرب يوم، ولهم شرب يوم معلوم. قلنا: وقد أعطى الله محمدا ﷺ مثل ذلك، بل أبلغ لأن ناقة صالح لم تكلمه ولم تشهد له بالنّبوّة والرسالة، ومحمد ﷺ شهد له البعير بالرسالة، وشكى إليه ما يلقى من أهله، من أنهم يجيعونه ويريدون ذبحه، ثم ساق الحديث بذلك كما قدمنا في دلائل النبوة بطرقه وألفاظه وغرره بما أغنى عن إعادته هاهنا، وهو في الصحاح والحسان والمسانيد، وقد ذكرنا مع ذلك حديث الغزالة، وحديث الضب وشهادتهما له ﷺ بالرسالة، كما تقدم التنبيه على ذلك والكلام فيه، وثبت الحديث في الصحيح بتسليم الحجر عليه قبل أن يبعث، وكذلك سلام الأشجار والأحجار والمدر عليه قبل أن يبعث ﷺ .
القول فيما أوتى إبراهيم الخليل ﵇
قال شيخنا العلامة أبو المعالي بن الزملكانى ﵀: وأما خمود النار لإبراهيم ﵊، فقد خمدت لنبينا ﷺ نار فارس لمولده ﷺ ، وبينه وبين بعثته أربعون سنة، وخمدت نار إبراهيم لمباشرته لها، وخمدت نار فارس لنبينا ﷺ وبينه وبينها مسافة أشهر كذا، وهذا الّذي أشار إليه من خمود نار فارس ليلة مولده الكريم، قد ذكرناه بأسانيده وطرقه في أول السيرة، عند ذكر المولد المطهر الكريم، بما فيه كفاية ومقنع، ثم قال شيخنا: مع أنه قد ألقى بعض هذه الأمة في النار فلم تؤثر فيه ببركة نبينا ﷺ ، منهم أبو مسلّم الخولانيّ، قال: بينما الأسود بن قيس العنسيّ باليمن، فأرسل إلى أبى مسلّم الخولانيّ فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أنى رسول
стр. 2035
الله؟ قال: ما أسمع، فأعاد إليه، قال: ما أسمع، فأمر بنار عظيمة فأججت فطرح فيها أبو مسلّم فلم تضره، فقيل له: لئن تركت هذا في بلادك أفسدها عليك، فأمره بالرحيل، فقدم المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر، فقام إلى سارية من سواري المسجد يصلى، فبصر به عمر فقال من أين الرجل؟ قال: من اليمن، قال: ما فعل الله بصاحبنا الّذي حرق بالنار فلم تضره؟ قال: ذاك عبد الله بن أيوب، قال: نشدتك بالله أنت هو؟ قال: اللهمّ نعم، قال: فقبل ما بين عينيه ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبى بكر الصديق وقال: الحمد لله الّذي لم يمتنى حتى أرانى في أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن ﵇ * وهذا السياق الّذي أورده شيخنا بهذه الصفة، وقد رواه الحافظ الكبير، أبو القاسم بن عساكر ﵀ في ترجمة أبى مسلّم عبد الله بن أيوب في تاريخه من غير وجه، عن عبد الوهاب بن محمد عن إسماعيل بن عياش الحطيمى: حدثني شراحيل ابن مسلّم الخولانيّ أن الأسود بن قيس بن ذي الحمار العنسيّ تنبّأ باليمن، فأرسل إلى أبى مسلّم الخولانيّ فأتى به، فلما جاء به قال أتشهد أنى رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أنى رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فردد عليه ذلك مرارا ثم أمر بنار عظيمة فأججت فألقى فيها فلم تضره، فقيل للأسود: انفه عنك وإلا أفسد عليك من اتبعك، فأمره فارتحل، فأتى المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر، فأناخ أبو مسلّم راحلته بباب المسجد، ثم دخل المسجد وقام يصلى إلى سارية، فبصر به عمر بن الخطاب فأتاه فقال: ممن الرجل؟ فقال: من أهل اليمن، قال: ما فعل الرجل الّذي حرقة الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن أيوب، قال: فأنشدك بالله أنت هو؟ قال: اللهمّ نعم، قال: فاعتنقه ثم ذهب به حتى أجلسه بينه وبين أبى بكر الصديق، فقال: الحمد لله الّذي لم يمتنى حتى أرانى من أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن * قال إسماعيل بن عياش:
فأنا أدركت رجالا من الامداد الذين يمدون إلينا من اليمن من خولان، ربما تمازحوا فيقول الخولانيون للعنسيين: صاحبكم الكذاب حرق صاحبنا بالنار ولم تضره * وروى الحافظ ابن عساكر أيضا من غير وجه عن إبراهيم بن دحيم: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد، أخبرنى سعيد بن بشير عن أبى بشر - جعفر بن أبى وحشية - أن رجلا أسلّم فأراده قومه على الكفر فألقوه في نار فلم يحترق منه إلا أنملة لم يكن فيما مضى يصيبها الوضوء، فقدم على أبى بكر فقال: استغفر لي، قال: أنت أحق قال أبو بكر: أنت ألقيت في النار فلم تحترق، فاستغفر له ثم خرج إلى الشام، وكانوا يسمونه بإبراهيم ﵇، وهذا الرجل هو أبو مسلّم الخولانيّ، وهذه الرواية بهذه الزيادة تحقق أنه إنما نال ذلك ببركة متابعته الشريعة المحمدية المطهرة المقدسة، كما جاء في حديث الشفاعة: وحرم الله على النار أن