رسول الله ﷺ من صلاته رفع يديه فقال: اللهمّ عليك بالملإ من قريش، ثم سمى فقال: اللهمّ عليك بأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبى معيط وعمارة بن الوليد،
قال عبد الله بن مسعود: فو الّذي بعثه بالحق لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر، وكذلك لما أقبلت قريش يوم بدر في عددها وعديدها، فحين عاينهم رسول الله ﷺ قال رافعا يديه:
اللهمّ هذه قريش جاءتك بفخرها وخيلائها، تجادل وتكذب رسولك، اللهمّ أصبهم الغداة، فقتل من سراتهم سبعون وأسر من أشرافهم سبعون، ولو شاء الله لاستأصلهم عن آخرهم، ولكن من حلم وشرف نبيه أبقى منهم من سبق في قدره أن سيؤمن به وبرسول الله ﷺ ، وقد دعا على عتبة بن أبى لهب أن يسلط عليه كلبه بالشام، فقتله الأسد عند وادي الزرقاء قبل مدينة بصرى * وكم له من مثلها ونظيرها، (١) كسبع يوسف فقحطوا حتى أكلوا العكبر، وهو الدم بالوتر، وأكلوا العظام وكل شيء، ثم توصلوا إلى تراحمه وشفقته ورأفته، فدعا لهم، ففرج الله عنهم وسقوا الغيث ببركة دعائه * وقال الامام الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد في كتاب دلائل النبوة - وهو كتاب حافل -: ذكر ما أوتى نوح ﵇ من الفضائل، وبيان ما أوتى محمد ﷺ مما يضاهى فضائله ويزيد عليها، إن قوم نوح لما بلغوا من أذيته والاستخفاف به، وترك الايمان بما جاءهم به من عند الله، دعا عليهم فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ فاستجاب الله دعوته، وغرق قومه، حتى لم يسلّم شيء من الحيوانات والدواب إلا من ركب السفينة، وكان ذلك فضيلة أوتيها، إذ أجيبت دعوته، وشفى صدره بإهلاك قومه * قلنا: وقد أوتى محمد ﷺ مثله حين ناله من قريش ما ناله من التكذيب والاستخفاف، فأنزل الله إليه ملك الجبال وأمره بطاعته فيما يأمره به من إهلاك قومه، فاختار الصبر على أذيتهم، والابتهال في الدعاء لهم بالهداية * قلت: وهذا أحسن، وقد تقدم الحديث بذلك عن عائشة عن رسول الله ﷺ ، في قصة ذهابه إلى الطائف، فدعاهم فآذوه فرجع وهو مهموم، فلما كان عند قرن الثعالب ناداه ملك الجبال فقال: يا محمد إن ربك قد سمع قول قومك وما ردوا عليك، وقد أرسلنى إليك لأفعل ما تأمرنى به، فأن شئت أطبقت عليهم الأخشبين - يعنى جبلي مكة اللذين يكتنفانها جنوبا وشمالا، أبو قبيس وزر، فقال: بل استأنى بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك بالله شيئا * وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في مقابلة قوله تعالى: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، * فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أحاديث الاستسقاء عن أنس وغيره، كما تقدم ذكرنا لذلك في دلائل النبوة قريبا
أنه ﷺ سأله ذلك الأعرابي أن يدعو الله لهم، لما بهم من الجدب والجوع، فرفع يديه فقال: اللهمّ اسقنا،
стр. 2032
اللهمّ اسقنا، فما نزل عن المنبر حتى رئي المطر يتحادر على لحيته الكريمة، ﷺ ، فاستحضر من استحضر من الصحابة ﵃ قول عمه أبى طالب فيه: -
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم … فهم عنده في نعمة وفواضل
وكذلك استسقى في غير ما موضع للجدب والعطش فيجاب كما يريد على قدر الحاجة المائية، ولا أزيد ولا أنقص، وهكذا وقع أبلغ في المعجزة، وأيضا فأن هذا ماء رحمة ونعمة، وماء الطوفان ماء غضب ونقمة، وأيضا فأن عمر بن الخطاب ﵁ كان يستسقى بالعباس عم النبي ﷺ فيسقون، وكذلك ما زال المسلمون في غالب الأزمان والبلدان، يستسقون فيجابون فيسقون، و [غيرهم] لا يجابون غالبا ولا يسقون ولله الحمد * قال أبو نعيم: ولبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، فبلغ جميع من آمن رجالا ونساء، الذين ركبوا معه سفينته، دون مائة نفس، وآمن بنبينا - في مدة عشرين سنة، - الناس شرقا وغربا، ودانت له جبابرة الأرض وملوكها، وخافت زوال ملكهم، ككسرى وقيصر، وأسلّم النجاشي والأقيال رغبة في دين الله، والتزم من لم يؤمن به من عظماء الأرض الجزية، والايادة عن صغار، أهل نجران، وهجر، وأيلة، وأنذر دومة، فذلوا له منقادين، لما أيده الله به من الرعب الّذي يسير بين يديه شهرا، وفتح الفتوح، ودخل الناس في دين الله أفواجا كما قال الله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً﴾ قلت: مات رسول الله ﷺ وقد فتح الله له المدينة وخيبر ومكة وأكثر اليمن وحضرموت، وتوفى عن مائة ألف صحابى أو يزيدون * وقد كتب في آخر حياته الكريمة إلى سائر ملوك الأرض يدعوهم إلى الله تعالى، فمنهم من أجاب ومنهم من صانع وداري عن نفسه، ومنهم من تكبر فخاب وخسر، كما فعل كسرى بن هرمز حين عتى وبغى وتكبر، فمزق ملكه، وتفرق جنده شذر مذر، ثم فتح خلفاؤه من بعده، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على التالي على الأثر مشارق الأرض ومغاربها، من البحر الغربي إلى البحر الشرقي، كما
قال رسول الله ﷺ : زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها *
وقال ﷺ : إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله * وكذا وقع سواء بسواء، فقد استولت الممالك الإسلامية على ملك قيصر وحواصله، إلا القسطنطينية، وجميع ممالك كسرى وبلاد المشرق، وإلى أقصى بلاد المغرب، إلى أن قتل عثمان ﵁ في سنة ستة وثلاثين * فكما عمت جميع أهل الأرض النقمة بدعوة نوح ﵇، لما رآهم عليه من التمادي في الضلال والكفر والفجور، فدعا عليهم غضبا لله ولدينه ورسالته، فاستجاب الله له، وغضب لغضبه، وانتقم منهم بسببه، كذلك عمت جميع
стр. 2033
أهل الأرض ببركة رسالة محمد ﷺ ودعوته، فآمن من آمن من الناس، وقامت الحجة على من كفر منهم، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وكما
قال ﷺ : إنما أنا رحمة مهداة * وقال هشام بن عمار في كتاب البعث: حدثني عيسى بن عبد الله النعماني، حدثنا المسعودي عن سعيد بن أبى سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ قال: من آمن بالله ورسله تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسله عد فيمن يستحق تعجيل ما كان يصيب الأمم قبل ذلك من العذاب والفتن والقذف والخسف * وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ قال ابن عباس: النعمة محمد، والذين بدلوا نعمة الله كفرا كفار قريش - يعنى وكذلك كل من كذب به من سائر الناس - كما قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾. قال أبو نعيم: فأن قيل: فقد سمى الله نوحا ﵇ باسم من أسمائه الحسنى، فقال: ﴿إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ قلنا: وقد سمى الله محمدا ﷺ باسمين من أسمائه فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ قال: وقد خاطب الله الأنبياء بأسمائهم: يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى يا داود، يا يحيى، يا عيسى، يا مريم، وقال مخاطبا لمحمد ﷺ : يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، وذلك قائم مقام الكنية بصفة الشرف * ولما نسب المشركون أنبياءهم إلى السفه والجنون، كلّ أجاب عن نفسه، قال نوح: ﴿يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وكذا قال هود ﵇، ولما قال فرعون: ﴿وإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾، قال [موسى] ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ وأما محمد ﷺ فأن الله تعالى هو الّذي يتولى جوابهم عنه بنفسه الكريمة، كما قال: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ قال الله تعالى ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ * ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ * ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ وقال تعالى ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ * ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
стр. 2034
القول فيما أوتى هود ﵇
قال أبو نعيم ما معناه: إن الله تعالى أهلك قومه بالريح العقيم، وقد كانت ريح غضب، ونصر الله تعالى محمدا ﷺ بالصبا يوم الأحزاب، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ ثم قال:
حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ح وحدثنا عثمان بن محمد العثماني، أنا زكريا بن يحيى السّاجيّ، قالا: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن عتاب عن داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم الأحزاب انطلقت الجنوب إلى الشمال فقالت:
انطلقي بنا ننصر محمدا رسول الله ﷺ ، فقالت الشمال للجنوب: إن الحرة لا ترى بالليل، فأرسل الله عليهم الصبا، فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾ ويشهد له الحديث المتقدم
عن رسول الله ﷺ أنه قال: نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور.
القول فيما أوتى صالح ﵇
قال أبو نعيم: فأن قيل: فقد أخرج الله لصالح ناقة من الصخرة جعلها الله له آية وحجة على قومه وجعل لها شرب يوم، ولهم شرب يوم معلوم. قلنا: وقد أعطى الله محمدا ﷺ مثل ذلك، بل أبلغ لأن ناقة صالح لم تكلمه ولم تشهد له بالنّبوّة والرسالة، ومحمد ﷺ شهد له البعير بالرسالة، وشكى إليه ما يلقى من أهله، من أنهم يجيعونه ويريدون ذبحه، ثم ساق الحديث بذلك كما قدمنا في دلائل النبوة بطرقه وألفاظه وغرره بما أغنى عن إعادته هاهنا، وهو في الصحاح والحسان والمسانيد، وقد ذكرنا مع ذلك حديث الغزالة، وحديث الضب وشهادتهما له ﷺ بالرسالة، كما تقدم التنبيه على ذلك والكلام فيه، وثبت الحديث في الصحيح بتسليم الحجر عليه قبل أن يبعث، وكذلك سلام الأشجار والأحجار والمدر عليه قبل أن يبعث ﷺ .
القول فيما أوتى إبراهيم الخليل ﵇
قال شيخنا العلامة أبو المعالي بن الزملكانى ﵀: وأما خمود النار لإبراهيم ﵊، فقد خمدت لنبينا ﷺ نار فارس لمولده ﷺ ، وبينه وبين بعثته أربعون سنة، وخمدت نار إبراهيم لمباشرته لها، وخمدت نار فارس لنبينا ﷺ وبينه وبينها مسافة أشهر كذا، وهذا الّذي أشار إليه من خمود نار فارس ليلة مولده الكريم، قد ذكرناه بأسانيده وطرقه في أول السيرة، عند ذكر المولد المطهر الكريم، بما فيه كفاية ومقنع، ثم قال شيخنا: مع أنه قد ألقى بعض هذه الأمة في النار فلم تؤثر فيه ببركة نبينا ﷺ ، منهم أبو مسلّم الخولانيّ، قال: بينما الأسود بن قيس العنسيّ باليمن، فأرسل إلى أبى مسلّم الخولانيّ فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أنى رسول
стр. 2035
الله؟ قال: ما أسمع، فأعاد إليه، قال: ما أسمع، فأمر بنار عظيمة فأججت فطرح فيها أبو مسلّم فلم تضره، فقيل له: لئن تركت هذا في بلادك أفسدها عليك، فأمره بالرحيل، فقدم المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر، فقام إلى سارية من سواري المسجد يصلى، فبصر به عمر فقال من أين الرجل؟ قال: من اليمن، قال: ما فعل الله بصاحبنا الّذي حرق بالنار فلم تضره؟ قال: ذاك عبد الله بن أيوب، قال: نشدتك بالله أنت هو؟ قال: اللهمّ نعم، قال: فقبل ما بين عينيه ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبى بكر الصديق وقال: الحمد لله الّذي لم يمتنى حتى أرانى في أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن ﵇ * وهذا السياق الّذي أورده شيخنا بهذه الصفة، وقد رواه الحافظ الكبير، أبو القاسم بن عساكر ﵀ في ترجمة أبى مسلّم عبد الله بن أيوب في تاريخه من غير وجه، عن عبد الوهاب بن محمد عن إسماعيل بن عياش الحطيمى: حدثني شراحيل ابن مسلّم الخولانيّ أن الأسود بن قيس بن ذي الحمار العنسيّ تنبّأ باليمن، فأرسل إلى أبى مسلّم الخولانيّ فأتى به، فلما جاء به قال أتشهد أنى رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أنى رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فردد عليه ذلك مرارا ثم أمر بنار عظيمة فأججت فألقى فيها فلم تضره، فقيل للأسود: انفه عنك وإلا أفسد عليك من اتبعك، فأمره فارتحل، فأتى المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر، فأناخ أبو مسلّم راحلته بباب المسجد، ثم دخل المسجد وقام يصلى إلى سارية، فبصر به عمر بن الخطاب فأتاه فقال: ممن الرجل؟ فقال: من أهل اليمن، قال: ما فعل الرجل الّذي حرقة الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن أيوب، قال: فأنشدك بالله أنت هو؟ قال: اللهمّ نعم، قال: فاعتنقه ثم ذهب به حتى أجلسه بينه وبين أبى بكر الصديق، فقال: الحمد لله الّذي لم يمتنى حتى أرانى من أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن * قال إسماعيل بن عياش:
فأنا أدركت رجالا من الامداد الذين يمدون إلينا من اليمن من خولان، ربما تمازحوا فيقول الخولانيون للعنسيين: صاحبكم الكذاب حرق صاحبنا بالنار ولم تضره * وروى الحافظ ابن عساكر أيضا من غير وجه عن إبراهيم بن دحيم: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد، أخبرنى سعيد بن بشير عن أبى بشر - جعفر بن أبى وحشية - أن رجلا أسلّم فأراده قومه على الكفر فألقوه في نار فلم يحترق منه إلا أنملة لم يكن فيما مضى يصيبها الوضوء، فقدم على أبى بكر فقال: استغفر لي، قال: أنت أحق قال أبو بكر: أنت ألقيت في النار فلم تحترق، فاستغفر له ثم خرج إلى الشام، وكانوا يسمونه بإبراهيم ﵇، وهذا الرجل هو أبو مسلّم الخولانيّ، وهذه الرواية بهذه الزيادة تحقق أنه إنما نال ذلك ببركة متابعته الشريعة المحمدية المطهرة المقدسة، كما جاء في حديث الشفاعة: وحرم الله على النار أن
стр. 2036
تأكل مواضع السجود * وقد نزل أبو مسلّم بداريّا من غربي دمشق وكان لا يسبقه أحد إلى المسجد الجامع بدمشق وقت الصبح، وكان يغازى ببلاد الروم، وله أحوال وكرامات كثيرة جدا، وقبره مشهور بداريا، والظاهر أنه مقامه الّذي كان يكون فيه، فأن الحافظ ابن عساكر رجح أنه مات ببلاد الروم، في خلافة معاوية، وقيل: في أيام ابنه يزيد، بعد الستين والله أعلم * وقد وقع لأحمد بن أبى الحواري من غير وجه أنه جاء إلى أستاذه أبى سليمان يعلمه بأن التنور قد سجروه وأهله ينتظرون ما يأمرهم به، فوجده يكلم الناس وهم حوله فأخبره بذلك فاشتغل عنه بالناس، ثم أعلمه فلم يلتفت إليه، ثم أعلمه مع أولئك الذين حوله، فقال: اذهب فاجلس فيه، فذهب أحمد بن أبى الحواري إلى التنور فجلس فيه وهو يتضرم نارا فكان عليه بردا وسلاما، وما زال فيه حتى استيقظ أبو سليمان من كلامه فقال لمن حوله: قوموا بنا إلى أحمد بن أبى الحواري، فأنى أظنه قد ذهب إلى التنور فجلس فيه امتثالا لما أمرته، فذهبوا فوجدوه جالسا فيه، فأخذ بيده الشيخ أبو سليمان وأخرجه منه، رحمة الله عليهما ورضى الله عنهما * وقال شيخنا أبو المعالي: وأما إلقاؤه - يعنى إبراهيم ﵇ من المنجنيق، فقد وقع في حديث البراء بن مالك في وقعة مسيلمة الكذاب، وأن أصحاب مسيلمة انتهوا إلى حائط حفير فتحصنوا به وأغلقوا الباب، فقال البراء بن مالك: ضعونى على برش واحملوني على رءوس الرماح ثم ألقونى من أعلاها داخل الباب، ففعلوا ذلك وألقوه عليهم فوقع وقام وقاتل المشركين، وقتل مسيلمة * قلت: وقد ذكر ذلك مستقصى في أيام الصديق حين بعث خالد بن الوليد لقتال مسيلمة وبنى حنيفة، وكانوا في قريب [من] مائة ألف أو يزيدون، وكان المسلمون بضعة عشر ألفا، فلما التقوا جعل كثير من الأعراب يفرون، فقال المهاجرون والأنصار: خلصنا يا خالد، فميزهم عنهم، وكان المهاجرون والأنصار قريبا من ألفين وخمسمائة، فصمموا الحملة وجعلوا يتدابرون ويقولون:
يا أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم، فهزموهم بأذن الله ولجئوهم إلى حديقة هناك، وتسمى حديقة الموت، فتحصنوا بها، فحصروهم فيها، ففعل البراء بن مالك، أخو أنس بن مالك - وكان الأكبر - ما ذكر من رفعه على الأسنة فوق الرماح حتى تمكن من أعلى سورها، ثم ألقى نفسه عليهم ونهض سريعا إليهم، ولم يزل يقاتلهم وحده ويقاتلونه حتى تمكن من فتح الحديقة ودخل المسلمون يكبرون وانتهوا إلى قصر مسيلمة وهو واقف خارجة عند جدار كأنه جمل أزرق، أي من سمرته، فابتدره وحشي بن حرب الأسود، قاتل حمزة، بحربته، وأبو دجانة سماك بن حرشة الأنصاري - وهو الّذي ينسب اليه شيخنا هذا أبو المعالي بن الزملكانى - فسبقه وحشي فأرسل الحربة عليه من بعد فأنفذها منه، وجاء إليه أبو دجانة فعلاه بسيفه فقتله، لكن صرخت جارية من فوق القصر: وا أميراه، قتل العبد الأسود، ويقال: إن عمر مسيلمة يوم قتل مائة وأربعين سنة، لعنه
стр. 2037
الله، فمن طال عمره وساء عمله قبحه الله * وهذا ما ذكره شيخنا فيما يتعلق بإبراهيم الخليل ﵇. وأما الحافظ أبو نعيم فأنه قال: فأن قيل: فأن إبراهيم اختص بالخلة مع النبوة، قيل: فقد اتخذ الله محمدا خليلا وحبيبا، والحبيب ألطف من الخليل.
ثم ساق من حديث شعبة عن أبى إسحاق عن أبى الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله *
وقد رواه مسلّم من طريق شعبة والثوري عن أبى إسحاق، ومن طريق عبد الله بن مرة، وعبد الله بن أبى الهديل، كلهم عن أبى الأحوص، عوف بن مالك الجشيمى، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يحدث عن رسول الله ﷺ قال: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخى وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا * هذا لفظ مسلّم، ورواه أيضا منفردا به عن جندب بن عبد الله البجلي كما سأذكره، وأصل الحديث في الصحيحين عن أبى سعيد، وفي إفراد البخاري عن ابن عباس وابن الزبير كما سقت ذلك في فضائل الصديق ﵁، وقد أوردناه هنالك من رواية أنس والبراء وجابر وكعب بن مالك وأبى الحسين بن العلى وأبى هريرة وأبى واقد الليثي وعائشة أم المؤمنين ﵃ أجمعين *
ثم إنما رواه أبو نعيم من حديث عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة عن كعب بن مالك أنه قال: عهدي نبيكم ﷺ فسمعته يقول: لم يكن نبي إلا له خليل من أمته، وإن خليلي أبو بكر، وإن الله اتخذ صاحبكم خليلا * وهذا الاسناد ضعيف،
ومن حديث محمد بن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لكل نبي خليل، وخليلي أبو بكر بن أبى قحافة، وخليل صاحبكم الرحمن * وهو غريب من هذا الوجه،
ومن حديث عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن كثير بن مرة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ومنزلي ومنزل إبراهيم في الجنة تجاهين والعباس بيننا مؤمن بين خليلين * غريب وفي إسناده نظر، انتهى ما أورده أبو نعيم ﵀ *
وقال مسلّم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وإسحاق بن إبراهيم، قالا: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، حدثنا زيد بن أبى أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث، حدثني جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي بينكم خليلا فأن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ الله إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك * وأما اتخاذه حسينا خليلا،
стр. 2038
فلم يتعرض لأسناده أبو نعيم، وقد قال هشام بن عمار في كتابه المبعث:
حدثنا يحيى بن حمزة الحضرميّ وعثمان بن علان القرشي، قالا: حدثنا عروة بن رويم اللخمي أن رسول الله ﷺ قال: إن الله أدرك بى الأجل المرقوم وأخذنى لقربه، واحتضرنى احتضارا، فنحن الآخرون، ونحن السابقون يوم القيامة، وأنا قائل قولا غير فخر: إبراهيم خليل الله، وموسى صفى الله، وأنا حبيب الله، وأنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأن بيدي لواء الحمد، وأجارنى الله عليكم من ثلاث أن لا يهلككم بسنة، وأن يستبيحكم عدوكم، وأن لا تجمعوا على ضلالة * وأما الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد فتكلم على مقام الخلة بكلام طويل إلى أن قال: ويقال: الخليل الّذي يعبد ربه على الرغبة والرهبة، من قوله: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ من كثرة ما يقول: أواه، والحبيب الّذي يعبد ربه على الرؤية والمحبة، ويقال:
الخليل الّذي يكون معه انتظار العطاء، والحبيب الّذي يكون معه انتظار اللقاء، ويقال: الخليل الّذي يصل بالواسطة من قوله: ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ والحبيب الّذي يصل إليه من غير واسطة، من قوله: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ وقال الخليل:
﴿الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ وقال الله للحبيب محمد ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ وقال الخليل: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وقال الله للنّبيّ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وقال الخليل حين ألقى في النار: حسبي الله ونعم الوكيل وقال الله لمحمد: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال الخليل: ﴿إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وقال الله لمحمد: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ وقال الخليل: ﴿وَاِجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ وقال الله لمحمد: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ وقال الخليل: ﴿وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ وقال الله للحبيب:
﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ وقال الخليل: ﴿وَاِجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ وقال الله لمحمد: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ * وذكر أشياء أخر، وسيأتي الحديث
في صحيح مسلّم عن أبىّ بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: إني سأقوم مقاما يوم القيامة يرغب إلى الخلق كلهم حتى أبوهم إبراهيم الخليل * فدل على أنه أفضل إذ هو يحتاج إليه في ذلك المقام، ودل على أن إبراهيم أفضل الخلق بعده، ولو كان أحد أفضل من إبراهيم بعده لذكره * ثم قال أبو نعيم: فأن قيل: إن إبراهيم ﵇ حجب عن نمروذ بحجب ثلاثة، قيل: فقد كان كذلك وحجب محمد ﷺ عمن أرادوه بخمسة حجب، قال الله تعالى في أمره: ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ فهذه ثلاث، ثم قال: ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً﴾ ثم قال: ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ فهذه خمس حجب * وقد ذكر مثله سواء الفقيه أبو محمد بن حامد، وما أدرى أيهما أخذ من الآخر والله أعلم * وهذا
стр. 2039
الّذي قاله غريب، والحجب التي ذكرها لإبراهيم ﵇ لا أدرى ما هي، كيف وقد ألقاه في النار التي نجاه الله منها، وأما ما ذكره من الحجب التي استدل عليها بهذه الآيات، فقد قيل: إنها جميعها معنوية لا حسية، بمعنى أنهم مصرفون عن الحق، لا يصل إليهم، ولا يخلص إلى قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ وقد حررنا ذلك في التفسير، وقد ذكرنا في السيرة وفي التفسير أن أم جميل امرأة أبى لهب، لما نزلت السورة في ذمها وذم زوجها، ودخولهما النار، وخسارهما، جاءت بفهر - وهو الحجر الكبير - لترجم النبي ﷺ ، فانتهت إلى أبى بكر وهو جالس عند النبي ﷺ فلم تر رسول الله ﷺ ، وقالت لأبى بكر: أين صاحبك؟ فقال: وما له؟ فقالت: إنه هجاني، فقال: ما هجاك، فقالت: والله لئن رأيته لأضربنه بهذا الفهر، ثم رجعت وهي تقول: مذممّا أتينا * ودينه قلينا * وكذلك حجب ومنع أبا جهل حين هم أن يطأ برجله رأس النبي ﷺ وهو ساجد، فرأى جدثا من نار وهولا عظيما وأجنحة الملائكة دونه، فرجع القهقرى وهو يتقى بيديه،
فقالت له قريش: مالك، ويحك؟ فأخبرهم بما رأى، وقال النبي ﷺ : لو أقدم لاختطفته الملائكة عضوا عضوا * وكذلك لما خرج رسول الله ﷺ ليلة الهجرة وقد أرصدوا على مدرجته وطريقه، وأرسلوا إلى بيته رجالا يحرسونه لئلا يخرج، ومتى عاينوه قتلوه، فأمر عليا فنام على فراشه، ثم خرج عليهم وهم جلوس، فجعل يذر على رأس كل إنسان منهم ترابا ويقول: شاهت الوجوه، فلم يروه حتى صار هو وأبو بكر الصديق إلى غار ثور، كما بسطنا ذلك في السيرة، وكذلك ذكرنا أن العنكبوت سد على باب الغار ليعمى الله عليهم مكانه،
وفي الصحيح أن أبا بكر قال: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ وقد قال بعض الشعراء في ذلك:
نسج داود ما حمى صاحب الغار … وكان الفخار للعنكبوت
وكذلك حجب ومنع من سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبعهم، بسقوط قوائم فرسه في الأرض حتى أخذ منه أمانا كما تقدم بسطه في الهجرة * وذكر ابن حامد في كتابه في مقابلة إضجاع إبراهيم ﵇ ولده للذبح مستسلما لأمر الله تعالى، ببذل رسول الله ﷺ نفسه للقتل يوم أحد وغيره حتى نال منه العدو ما نالوا، من هشم رأسه، وكسر ثنيته اليمنى السفلى، كما تقدم بسط ذلك في السيرة * ثم قال: قالوا: كان إبراهيم ﵇ ألقاه قومه في النار فجعلها الله بردا وسلاما، قلنا:
وقد أوتى رسول الله ﷺ مثله، وذلك أنه لما نزل بخيبر سمته الخيبرية، فصير ذلك السم في جوفه بردا وسلاما إلى منتهى أجله، والسم عرق إذ لا يستقر في الجوف كما تحرق النار * قلت: وقد تقدم الحديث بذلك في فتح خيبر، ويؤيد ما قاله أن بشر بن البراء بن معرور مات سريعا من تلك
стр. 2040
الشاة المسمومة، وأخبر ذراعها رسول الله ﷺ بما أودع فيه من السم، وكان قد نهش منه نهشة، وكان السم فيه أكثر، لأنهم كانوا يفهمون أنه ﷺ يحب الذراع، فلم يضره السم الّذي حصل في باطنه باذن الله ، حتى انقضى أجله ﷺ ، فذكر أنه وجد حينئذ من ألم ذلك السم الّذي كان في تلك الأكلة، ﷺ * وقد ذكرنا في ترجمة خالد بن الوليد المخزومي، فاتح بلاد الشام، أنه أتى بسم فحثاه بحضرة الأعداء ليرهبهم بذلك، فلم ير بأسا، ﵁ * ثم قال أبو نعيم: فأن قيل: فأن إبراهيم خصم نمروذ ببرهان نبوته فبهته، قال الله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ قيل: محمد ﷺ أتاه الكذاب بالبعث، أبىّ بن خلف، بعظم بال ففركه وقال ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ فأنزل الله تعالى البرهان الساطع ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ فانصرف مبهوتا ببرهان نبوته * قلت: وهذا أقطع للحجة، وهو استدلاله للمعاد بالبداءة، فالذي خلق الخلق بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، قادر على إعادتهم كما قال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ أي يعيدهم كما بدأهم كما قال في الآية الأخرى:
﴿بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ هذا وأمر المعاد نظري لا فطري ضروري في قول الأكثرين، فأما الّذي حاجّ إبراهيم في ربه فأنه معاند مكابر، فأن وجود الصانع مذكور في الفطر، وكل واحد مفطور على ذلك، إلا من تغيرت فطرته، فيصير نظريا عنده، وبعض المتكلمين يجعل وجود الصانع من باب النظر لا الضروريات، وعلى كل تقدير فدعواه أنه هو الّذي يحيى الموتى، لا يقبله عقل ولا سمع، وكل واحد يكذبه بعقله في ذلك، ولهذا ألزمه إبراهيم بالإتيان بالشمس من المغرب إن كان كما ادعى ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وكان ينبغي أن يذكر مع هذا أن الله تعالى سلط محمدا على هذا المعاند لما
بارز النبي ﷺ يوم أحد، فقتله بيده الكريمة، طعنه بحربة فأصاب ترقوته فتردى عن فرسه مرارا، فقالوا له: ويحك مالك؟ فقال: والله إن بى لما لو كان بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين: ألم يقل: بل أنا أقتله؟ والله لو بصق على لقتلني - وكان هذا لعنه الله قد أعد فرسا وحربة ليقتل بها رسول الله ﷺ ، فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله - فكان كذلك يوم أحد، * ثم قال أبو نعيم: فأن قيل:
فأن إبراهيم ﵇ كسر أصنام قومه غضبا لله،
قيل: فأن محمدا ﷺ كسر ثلاثمائة وستين صنما، قد ألزمها الشيطان بالرصاص والنحاس، فكان كلما دنا منها بمخصرته تهوى من غير أن يمسها، ويقول:
﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ فتساقط لوجوهها، ثم أمر بهن فأخرجن إلى الميل، وهذا أظهر وأجلى من الّذي قبله، وقد ذكرنا هذا في أول دخول النبي ﷺ مكة عام الفتح بأسانيده وطرقه من الصحاح وغيرها، بما فيه كفاية * وقد ذكر غير واحد من علماء السير أن الأصنام
стр. 2041
تساقطت أيضا لمولده الكريم، وهذا أبلغ وأقوى في المعجز من مباشرة كسرها، وقد تقدم أن نار فارس التي كانوا يعبدونها خمدت أيضا ليلتئذ، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وأنه سقط من شرفات قصر كسرى أربع عشر شرفة، مؤذنة بزوال دولتهم بعد هلاك أربعة عشر من ملوكهم في أقصر مدة، وكان لهم في الملك قريب من ثلاثة آلاف سنة، وأما إحياء الطيور الأربعة لإبراهيم ﵇، فلم يذكره أبو نعيم ولا ابن حامد، وسيأتي في إحياء الموتى على يد عيسى ﵇ ما وقع من المعجزات المحمدية من هذا النمط ما هو مثل ذلك كما سيأتي التنبيه عليه إذا انتهينا إليه، من إحياء أموات بدعوات أمته، وحنين الجذع، وتسليم الحجر والشجر والمدر عليه، وتكليم الذراع له وغير ذلك * وأما قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ والآيات بعدها، فقد قال الله تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ، لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقد ذكر ذلك ابن حامد فيما وقفت عليه بعد، وقد ذكرنا في أحاديث الأسراء من كتابنا هذا، ومن التفسير ما شاهده رسول الله ﷺ ليلة أسرى به من الآيات فيما بين مكة إلى بيت المقدس، وفيما بين ذلك إلى سماء الدنيا، ثم عاين من الآيات في السموات السبع وما فوق ذلك، وسدرة المنتهى، وجنة المأوى، والنار التي هي بئس المصير والمثوى، وقال عليه أفضل الصلاة والسلام في حديث المنام - وقد رواه أحمد والترمذي وصححه، وغيرهما - فتجلى لي كل شيء وعرفت * وذكر ابن حامد في مقابلة ابتلاء الله يعقوب ﵇ بفقده ولده يوسف ﵇ وصبره واستعانته ربه ، موت إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، وصبره عليه،
وقوله: تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون * قلت: وقد مات بناته الثلاثة: رقية، وأم كلثوم، وزينب، وقتل عمه الحمزة، أسد الله وأسد رسوله يوم أحد، فصبر واحتسب * وذكر في مقابلة حسن يوسف ﵇ ما ذكر من جمال رسول الله ﷺ ، ومهابته وحلاوته شكلا ونفعا وهديا، ودلا، ويمنا، كما تقدم في شمائله من الأحاديث الدالة على ذلك، كما قالت الربيع بنت مسعود:
لو رأيته لرأيت الشمس طالعة * وذكر في مقابلة ما ابتلى به يوسف ﵇ من الفرقة والغربة، هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، ومفارقته وطنه وأهله وأصحابه الذين كانوا بها *
القول فيما أوتى موسى ﵇ من الآيات البينات
وأعظمهن تسع آيات كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ وقد شرحناها في التفسير، وحكينا قول السلف فيها، واختلافهم فيها، وأن الجمهور على أنها هي العصا في انقلابها حية تسعى، واليد، إذا أدخل يده في جيب درعه أخرجها تضيء كقطعة قمر يتلألأ إضاءة، ودعاؤه على
стр. 2042
قوم فرعون حين كذبوه فأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات مفصلات، كما بسطنا ذلك في التفسير، وكذلك أخذهم الله بالسنين، وهي نقص الحبوب: وبالجدب وهو نقص الثمار، وبالموت الذريع وهو نقص الأنفس، وهو الطوفان في قول، ومنها فلق البحر لإنجاء بنى إسرائيل وإغراق آل فرعون، ومنها تضليل بنى إسرائيل في التيه، وإنزال المن والسلوى عليهم واستسقاؤه لهم، فجعل الله ماءهم يخرج من حجر يحمل معهم على دابة، له أربعة وجوه، إذا ضربه موسى بعصاه يخرج من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين، ثم يضربه فينقلع، إلى غير ذلك من الآيات الباهرات، كما بسطنا ذلك في التفسير، وفي قصة موسى ﵇ من كتابنا هذا في قصص الأنبياء منه، ولله الحمد والمنة، وقيل: كل من عبد العجل أماتهم ثم أحياهم الله تعالى، وقصة البقرة * أما العصا فقال شيخنا العلامة ابن الزملكانى: وأما حياة عصا موسى، فقد سبح الحصا في كف رسول الله ﷺ وهو جماد، والحديث في ذلك صحيح، وهذا الحديث مشهور عن الزهري عن رجل عن أبى ذر، وقد قدمنا ذلك مبسوطا في دلائل النبوة بما أغنى عن إعادته، وقيل: إنهن سبحن في كف أبى بكر ثم عمر ثم عثمان، كما سبحن في كف رسول الله ﷺ ، فقال هذه خلافة النبوة * وقد روى الحافظ بسنده إلى بكر بن حبيش عن رجل سماه قال: كان بيد أبى مسلّم الخولانيّ سبحة يسبح بها، قال: فنام والسبحة في يده، قال: فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه وهي تقول: سبحانك يا منبت النبات، ويا دائم الثبات، فقال: هلم يا أم مسلم وانظري إلى أعجب الأعاجيب، قال: فجاءت أم مسلم والسبحة تدور وتسبح فلما جلست سكتت * وأصح من هذا كله وأصرح حديث البخاري عن ابن مسعود قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل * قال شيخنا: وكذلك قد سلمت عليه الأحجار، قلت: وهذا قد
رواه مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ إني لأعرف حجرا كان يسلّم عليّ بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن * قال بعضهم: هو الحجر الأسود،
وقال الترمذي: حدثنا عباد بن يعقوب الكوفي، حدثنا الوليد بن أبى ثور عن السدي عن عباد بن يزيد عن على بن أبى طالب ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ بمكة في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، ثم قال: غريب.
ورواه أبو نعيم في الدلائل من حديث السدي عن أبى عمارة الحيواني عن على قال: خرجت مع رسول الله ﷺ فجعل لا يمر بحجر ولا شجر ولا مدر ولا شيء إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، قال:
وأقبلت الشجرة عليه بدعائه، وذكر اجتماع تينك الشجرتين لقضاء حاجته من ورائهما ثم رجوعهما إلى منابتهما * وكلا الحديثين في الصحيح، ولكن لا يلزم من ذلك حلول حياة فيهما، إذ يكونان ساقهما سائق، ولكن في قوله: انقادا على بأذن الله، ما يدل على حصول شعور منهما لمخاطبته، ولا
стр. 2043
سيما مع امتثالهما ما أمرهما به،
قال: وأمر عذقا من نخلة أن ينزل فنزل يبقر في الأرض حتى وقف بين يديه فقال: أتشهد أنى رسول الله؟ فشهد بذلك ثلاثا ثم عاد إلى مكانه، وهذا أليق وأظهر في المطابقة من الّذي قبله، ولكن هذا السياق فيه غرابة، والّذي رواه الامام أحمد وصححه الترمذي،
ورواه البيهقي والبخاري في التاريخ من رواية أبى ظبيان حصين بن المنذر عن ابن عباس قال: جاء أعرابى إلى رسول الله ﷺ فقال: بم أعرف أنك رسول الله؟ قال: أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أنى رسول الله؟ قال: نعم، قال: فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض فجعل ينقر حتى أتى رسول الله ﷺ ثم قال له: ارجع، فرجع إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وآمن به * هذا لفظ البيهقي، وهو ظاهر في أن الّذي شهد بالرسالة هو الأعرابي، وكان رجلا من بنى عامر، ولكن
في رواية البيهقي من طريق الأعمش عن سالم بن أبى الجعد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: ما هذا الّذي يقول أصحابك؟ قال وحول رسول الله ﷺ أعذاق وشجر، فقال: هل لك أن أريك آية؟ قال: نعم، فدعا غصنا منها فأقبل يخد الأرض حتى وقف بين يديه وجعل يسجد ويرفع رأسه، ثم أمره فرجع، قال: فرجع العامري وهو يقول، قال عامر بن صعصعة: والله لا أكذبه بشيء يقوله أبدا * وتقدم فيما
رواه الحاكم في مستدركه متفردا به عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ دعا رجلا إلى الإسلام فقال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة، فدعاها رسول الله ﷺ وهي على شاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال، ثم إنها رجعت إلى منبتها ورجع الأعرابي إلى قومه وقال: إن يتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت إليك وكنت معك * قال: وأما حنين الجذع الّذي كان يخطب اليه النبي ﷺ ، فعمل له المنبر، فلما رقى عليه وخطب حن الجذع اليه حنين العشار والناس يسمعون بمشهد الخلق يوم الجمعة، ولم يزل يئن ويحن حتى نزل إليه النبي ﷺ فاعتنقه وسكنه وخيره بين أن يرجع غصنا طريا أو يغرس في الجنة يأكل منه أولياء الله، فاختار الغرس في الجنة وسكن عند ذلك * فهو حديث مشهور معروف، قد رواه من الصحابة عدد كثير متواتر، وكان بحضور الخلائق، وهذا الّذي ذكره من تواتر حنين الجذع كما قال، فأنه قد روى هذا الحديث جماعة من الصحابة، وعنهم أعداد من التابعين، ثم من بعدهم آخرون عنهم لا يمكن تواطؤهم على الكذب فهو مقطوع به في الجملة، وأما تخيير الجذع كما ذكره شيخنا فليس بمتواتر، بل ولا يصح إسناده، وقد أوردته في الدلائل عن أبىّ بن كعب، وذكر في مسند أحمد، وسنن ابن ماجة، وعن أنس من خمس طرق اليه، صحح الترمذي إحداها، وروى ابن ماجة أخرى، وأحمد ثالثة، والبزار رابعة، وأبو نعيم خامسة. وعن جابر بن عبد الله في صحيح البخاري من طريقين عنه، والبزار من ثالثة ورابعة، وأحمد
стр. 2044
من خامسة وسادسة، وهذه على شرط مسلم، وعن سهل بن سعد في مصنف ابن أبى شيبة على شرط الصحيحين، وعن ابن عباس في مسند أحمد وسنن ابن ماجة بإسناد على شرط مسلم، وعن ابن عمر في صحيح البخاري، ورواه أحمد من وجه آخر عن ابن عمر، وعن أبى سعيد في مسند عبد بن حميد بإسناد على شرط مسلم، وقد رواه يعلى الموصلي من وجه آخر عنه، وعن عائشة رواه الحافظ أبو نعيم من طريق على بن أحمد الخوارزمي عن قبيصة بن حبان بن على عن صالح بن حبان عن عبد الله ابن بريدة عن عائشة، فذكر الحديث بطوله، وفيه أنه خيره بين الدنيا والآخرة فاختار الجذع الآخرة وغار حتى ذهب فلم يعرف، وهذا غريب إسنادا ومتنا، وعن أم سلمة رواه أبو نعيم بإسناد جيد، وقدمت الأحاديث ببسط أسانيدها وتحرير ألفاظها وغررها بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا، ومن تدبرها حصل له القطع بذلك ولله الحمد والمنة * قال القاضي عياض بن موسى السبتي المالكي في كتابه الشفا: وهو حديث مشهور متواتر خرجه أهل الصحيح. ورواه من الصحابة بضعة عشر، منهم أبىّ وأنس وبريدة وسهل بن سعد، وابن عباس، وابن عمر والمطلب بن أبى وداعة وأبو سعيد وأم سلمة ﵃ أجمعين، قال شيخنا: فهذه جمادات ونباتات وقد حنت وتكلمت، وفي ذلك ما يقابل انقلاب العصاحية * قلت: وسنشير إلى هذا عند ذكر معجزات عيسى ﵇ في إحيائه الموتى بأذن الله تعالى في ذلك كما رواه البيهقي عن الحاكم عن أبى أحمد بن أبى الحسن عن عبد الرحمن بن أبى حاتم عن أبيه عن عمرو بن سوار قال: قال لي الشافعيّ: ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا ﷺ ، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطى محمد الجذع الّذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيئ له المنبر، فلما هيئ له حن الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك * وهذا إسناد صحيح إلى الشافعيّ ﵀، وهو مما كنت أسمع شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي ﵀ يذكره عن الشافعيّ ﵀ وأكرم مثواه، وإنما قال: فهذا أكبر من ذلك لأن الجذع ليس محلا للحياة ومع هذا حصل له شعور ووجد لما تحول عنه إلى المنبر فأن وحن حنين العشار حتى نزل إليه رسول الله ﷺ فاحتضنه وسكنه حتى سكن، قال الحسن البصري: فهذا الجذع حن إليه، فأنهم أحق أن يحنوا إليه، وأما عود الحياة إلى جسد كانت فيه بأذن الله فعظيم، وهذا أعجب وأعظم من إيجاد حياة وشعور في محل ليس مألوفا لذلك لم تكن فيه قبل بالكلية فسبحان الله رب العالمين (تنبيه) وقد كان لرسول الله ﷺ لواء يحمل معه في الحرب يخفق في قلوب أعدائه مسيرة شهر بين يديه، وكان له عنزة تحمل بين يديه فإذا أراد الصلاة إلى غير جدار ولا حائل ركزت بين يديه، وكان له قضيب يتوكأ عليه إذا مشى، وهو الّذي عبر عنه سطيح في قوله لابن أخيه عبد المسيح بن نفيلة: يا عبد المسيح، إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة
стр. 2045
وغاضت بحيرة ساوة، فليست الشام لسطيح شاما، ولهذا كان ذكر هذه الأشياء عند إحياء عصا موسى وجعلها حية أليق، إذ هي مساوية لذلك، وهذه متعددة في محال متفرقة بخلاف عصا موسى فأنها وإن تعدد جعلها حية، فهي ذات واحدة والله أعلم * ثم ننبه على ذلك عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى لأن هذه أعجب وأكبر وأظهر وأعلم، قال شيخنا: وأما أن الله كلم موسى تكليما، فقد تقدم حصول الكلام للنّبيّ ﷺ ليلة الأسراء مع الرؤية وهو أبلغ * هذا أورده فيما يتعلق بمعجزات موسى ﵇ ليلة الأسراء فيشهد له: فنوديت يا محمد قد كلفت فريضتين وخففت عن عبادي، وسياق بقية القصة يرشد إلى ذلك، وقد حكى بعض العلماء الإجماع على ذلك، لكن رأيت في كلام القاضي عياض نقل خلاف فيه والله أعلم * وأما الرؤية ففيها خلاف مشهور بين الخلف والسلف، ونصرها من الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة المشهور بإمام الأئمة، واختار ذلك القاضي عياض والشيخ محيي الدين النووي، وجاء عن ابن عباس تصديق الرؤية، وجاء عنه تفنيدها، وكلاهما في صحيح مسلم، وفي الصحيحين عن عائشة إنكار ذلك، وقد ذكرنا في الاسراء عن ابن مسعود وأبى هريرة وأبى ذر وعائشة ﵃ أن المرئي في المرتين المذكورتين في أول سورة النجم، إنما هو جبريل ﵇، وفي صحيح مسلم عن أبى ذر قال: قلت: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: نورا لي أراه، وفي رواية: رأيت نورا * وقد تقدم بسط ذلك في الأسراء في السيرة وفي التفسير في أول سورة بنى إسرائيل، وهذا الّذي ذكره شيخنا فيما يتعلق بالمعجزات الموسوية عليه أفضل الصلاة والسلام * وأيضا فأن الله تعالى كلم موسى وهو بطور سينا، وسأل الرؤية فمنعها، وكلم محمدا ﷺ ليلة الأسراء وهو بالملإ الأعلى حين رفع لمستوى سمع فيه صريف الأقلام، وحصلت له الرؤية في قول طائفة كبيرة من علماء السلف والخلف والله أعلم * ثم رأيت ابن حامد قد طرق هذا في كتابه وأجاد وأفاد وقال ابن حامد: قال الله تعالى لموسى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ وقال لمحمد ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ * وأما اليد التي جعلها الله برهانا وحجة لموسى على فرعون وقومه كما قال تعالى بعد ذكر صيرورة العصاحية: ﴿أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ … ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ وقال في سورة طه: ﴿آيَةً أُخْرى * لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ فقد أعطى الله محمدا انشقاق القمر بإشارته إليه فرقتين، فرقة من وراء جبل حراء، وأخرى أمامه، كما تقدم بيان ذلك بالأحاديث المتواترة مع قوله تعالى:
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ولا شك أن هذا أجل وأعظم وأبهر في المعجزات وأعم وأظهر وأبلغ من ذلك * وقد قال كعب بن مالك في حديثه الطويل في قصة توبته: وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه كأنه فلقة قمر، وذلك في صحيح البخاري * وقال
стр. 2046
ابن حامد: قالوا: فان موسى أعطى اليد البيضاء، قلنا لهم: فقد أعطى محمد ﷺ ما هو أفضل من ذلك نورا كان يضيء عن يمينه حيث ما جلس، وعن يساره حيث ما جلس وقام، يراه الناس كلهم، وقد بقي ذلك النور إلى قيام الساعة، ألا ترى أنه يرى النور الساطع من قبره ﷺ من مسيرة يوم وليلة؟ هذا لفظه، وهذا الّذي ذكره من هذا النور غريب جدا، وقد ذكرنا في السيرة عند إسلام
الطفيل بن عمرو الدوسيّ أنه طلب من النبي ﷺ آية تكون له عونا على إسلام قومه من بيته هناك، فسطع نور بين عينيه كالصباح، فقال: اللهمّ في غير هذا الموضع فإنهم يظنونه مثلة، فتحول النور إلى طرف سوطه فجعلوا ينظرون اليه كالمصباح فهداهم الله على يديه ببركة رسول الله ﷺ وبدعائه لهم في قوله: اللهمّ اهد دوسا، وآت بهم، وكان يقال للطفيل: ذو النور لذلك * وذكر أيضا حديث أسيد بن حضير وعباد بن بشر في خروجهما من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة فأضاء لهما طرف عصا أحدهما، فلما افترقا أضاء لكل واحد منهما طرف عصاه، وذلك في صحيح البخاري وغيره * وقال أبو زرعة الرازيّ في كتاب دلائل النبوة: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت بن أنس بن مالك أن عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة ظلماء حندس فأضاءت عصا أحدهما مثل السراج وجعلا يمشيان بضوئها، فلما تفرقا إلى منزلهما أضاءت عصا ذا وعصا ذا * ثم روى عن إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام، وعن يعقوب بن حميد المدني، كلاهما عن سفيان بن حمزة بن يزيد الأسلمي عن كثير بن زيد عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه قال:
سرنا في سفر مع رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء دحمسة فأضاءت أصابعى حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم، وإن أصابعى لتستنير * وروى هشام بن عمار في البعث: حدثنا عبد الأعلى بن محمد البكري، حدثنا جعفر بن سليمان البصري، حدثنا أبو التياح الضبعي قال: كان مطرف بن عبد الله يبدر فيدخل كل جمعة فربما نور له في سوطه، فأدلج ذات ليلة وهو على فرسه حتى إذا كان عند المقابر هدم به، قال: فرأيت صاحب كل قبر جالسا على قبره، فقال: هذا مطرف يأتى الجمعة، فقلت لهم: وتعلمون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما يقول فيه الطير، قلت: وما يقول فيه الطير؟ قالوا: يقول: رب سلّم سلّم قوم صالح * وأما دعاؤه ﵇ بالطوفان، وهو الموت الذريع في قول، وما بعده من الآيات والقحط والجدب، فأنما كان ذلك لعلهم يرجعون إلى متابعته ويقلعون عن مخالفته، فما زادهم الا طغيانا كبيرا، قال الله تعالى: ﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ * ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ * وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا﴾
стр. 2047
يا مُوسَى اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ * فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ * فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ وقد دعا رسول الله ﷺ على قريش حين تمادوا على مخالفته بسبع كسبع يوسف فقحطوا حتى أكلوا كل شيء، وكان أحدهم يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجوع.
وقد فسر ابن مسعود قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ بذلك كما رواه البخاري عنه في غير ما موضع من صحيحه، ثم توسلوا إليه، صلوات الله وسلامه عليه، بقرابتهم منه مع أنه بعث بالرحمة والرأفة، فدعا لهم فأقلع عنهم ورفع عنهم العذاب، وأحيوا بعد ما كانوا أشرفوا على الهلكة * وأما فلق البحر لموسى ﵇ حين أمره الله تعالى - حين تراءى الجمعان - أن يضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، فأنه معجزة عظيمة باهرة، وحجة قاطعة قاهرة، وقد بسطنا ذلك في التفسير وفي قصص الأنبياء من كتابنا هذا، وفي إشارته ﷺ بيده الكريمة إلى قمر السماء فانشق القمر فلقتين وفق ما سأله قريش، وهم معه جلوس في ليلة البدر، أعظم آية، وأيمن دلالة وأوضح حجة وأبهر برهان على نبوته وجاهه عند الله تعالى، ولم ينقل معجزة عن نبي من الأنبياء من الآيات الحسنات أعظم من هذا، كما قررنا ذلك بأدلته من الكتاب والسنة، في التفسير في أول البعثة، وهذا أعظم من حبس الشمس قليلا ليوشع بن نون حتى تمكن من الفتح ليلة السبت، كما سيأتي في تقرير ذلك مع ما يناسب ذكره عنده، وقد تقدم من سيرة العلاء بن الحضرميّ، وأبى عبيد الثقفي وأبى مسلم الخولانيّ، وسير الجيوش التي كانت معهم على تيار الماء ومنها دجلة وهي جارية عجاجة تقذف الخشب من شدة جريها، وتقدم تقرير أن هذا أعجب من فلق البحر لموسى من عدة وجوه والله أعلم *
وقال ابن حامد: فأن قالوا: فان موسى ﵇ ضرب بعصاه البحر فانفلق فكان ذلك آية لموسى ﵇، قلنا: فقد أوتى رسول الله ﷺ مثلها، قال على ﵁: لما خرجنا إلى خيبر فإذا نحن بواد يشخب وقدرناه فإذا هو أربع عشرة قامة، فقالوا: يا رسول الله العدو من ورائنا والوادي من أمامنا، كما قال أصحاب موسى: إنا لمدركون. فنزل رسول الله ﷺ فعبرت الخيل لا تبدى حوافرها والإبل لا تبدي أخفافها، فكان ذلك فتحا، وهذا الّذي ذكره بلا إسناد ولا أعرفه في شيء من الكتب المعتمدة باسناد صحيح ولا حسن بل ولا ضعيف فالله أعلم * وأما تظليله بالغمام في التيه، فقد تقدم ذكر حديث الغمامة التي رآها بحيرا تظله من بين أصحابه، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، صحبة عمه أبى طالب وهو قادم إلى الشام في تجارة، وهذا أبهر من جهة أنه كان وهو قبل أن يوحى إليه، وكانت الغمامة تظله وحده من بين أصحابه، فهذا أشد في الاعتناء، وأظهر من غمام بنى إسرائيل وغيرهم، وأيضا فان المقصود من تظليل الغمام إنما كان لاحتياجهم إليه من شدة الحر، وقد ذكرنا في الدلائل
стр. 2048
حين
سئل النبي ﷺ أن يدعو لهم ليسقوا لما هم عليه من الجوع والجهد والقحط، فرفع يديه وقال:
اللهمّ اسقنا، اللهمّ اسقنا، اللهمّ اسقنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فأنشأت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال أنس: فلا والله ما رأينا الشمس سبتنا، ولما سألوه أن يستصحى لهم رفع يده وقال: اللهمّ حوالينا ولا علينا، فما جعل يشير بيديه إلى ناحية إلا انحاز السحاب اليها حتى صارت المدينة مثل الإكليل يمطر ما حولها ولا تمطر * فهذا تظليل عام محتاج اليه، آكد من الحاجة الى ذلك، وهو أنفع منه والتصرف فيه وهو يشير أبلغ في المعجز وأظهر في الاعتناء والله أعلم * وأما إنزال المن والسلوى عليهم فقد كثّر رسول الله ﷺ الطعام والشراب في غير ما موطن كما تقدم بيانه في دلائل النبوة من إطعام الجم الغفير من الشيء اليسير، كما أطعم يوم الخندق من شويهة جابر بن عبد الله وصاعه الشعير، أزيد من ألف نفس جائعة صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين * وأطعم من حفنة قوما من الناس وكانت تمد من السماء، إلى غير ذلك من هذا القبيل مما يطول ذكره * وقد ذكر أبو نعيم وابن حامد أيضا هاهنا أن المراد بالمن والسلوى إنما هو رزق رزقوه من غير كد منهم ولا تعب، ثم أورد في مقابلته حديث تحليل المغنم ولا يحل لأحد قبلنا، وحديث جابر في سيره إلى عبيدة وجوعهم حتى أكلوا الخبط فحسر البحر لهم عن دابة تسمى العنبر فأكلوا منها ثلاثين من يوم وليلة حتى سمنوا وتكسرت عن بطونهم، والحديث في الصحيح كما تقدم، وسيأتي عند ذكر المائدة في معجزات المسيح بن مريم.
«قصة أبى موسى الخولانيّ» أنه خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الحج وأمرهم أن لا يحملوا زادا ولا مزادا فكانوا إذا نزلوا منزلا صلّى ركعتين فيؤتون بطعام وشراب وعلف يكفيهم ويكفى دوابهم غداء وعشاء مدة ذهابهم وإيابهم، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ الآية فقد ذكرنا بسط ذلك في قصة موسى ﵇ وفي التفسير. وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في وضع النبي ﷺ يده في ذلك الإناء الصغير الّذي لم يسع بسطها فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه أمثال العيون، وكذلك كثر الماء في غير ما موطن، كمزادتى تلك المرأة، ويوم الحديبيّة، وغير ذلك، وقد استسقى الله لأصحابه في المدينة وغيرها فأجيب طبق السؤال وفق الحاجة لا أزيد ولا أنقص وهذا أبلغ في المعجز، ونبع الماء من بين أصابعه من نفس يده، على قول طائفة من العلماء، أعظم من نبع الماء من الحجر فإنه محل لذلك * قال أبو نعيم الحافظ:
فان قيل: إن موسى كان يضرب بعصاه الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا في التيه، قد علم كل أناس
стр. 2049
مشربهم. قيل: كان لمحمد ﷺ مثله أو أعجب، فان نبع الماء من الحجر مشهور في العلوم والمعارف، وأعجب من ذلك نبع الماء من بين اللحم والدم والعظم، فكان يفرج بين أصابعه في محصب فينبع من بين أصابعه الماء فيشربون ويسقون ماء جاريا عذبا، يروى العدد الكثير من الناس والخيل والإبل * ثم روى من طريق المطلب بن عبد الله بن أبى حنطب: حدثني عبد الرحمن بن أبى عمرة الأنصاري، حدثني أبى. قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها، فبات الناس في مخمصة فدعا بركوة فوضعت بين يديه، ثم دعا بماء فصبه فيها، ثم مج فيها وتكلم ما شاء الله أن يتكلم، ثم أدخل إصبعه فيها، فأقسم بالله لقد رأيت أصابع رسول الله ﷺ تتفجر منها ينابيع الماء، ثم أمر الناس فسقوا وشربوا وملئوا قربهم وأداواتهم * وأما قصة إحياء الذين قتلوا بسبب عبادة العجل وقصة البقرة، فسيأتي ما يشابههما من إحياء حيوانات وأناس، عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى ابن مريم والله أعلم * وقد ذكر أبو نعيم هاهنا أشياء أخر تركناها اختصارا واقتصادا * وقال هشام ابن عمارة في كتابه المبعث:
باب
ما أعطى رسول الله ﷺ ، وما أعطى الأنبياء قبله
حدثنا محمد بن شعيب، حدثنا روح بن مدرك، أخبرنى عمر بن حسان التميمي أن موسى ﵇ أعطى آية من كنوز العرش، رب لا تولج الشيطان في قلبي وأعذنى منه ومن كل سوء، فأن لك اليد والسلطان والملك والملكوت، دهر الداهرين وأبد الآبدين آمين آمين، قال: وأعطى محمد ﷺ آيتان من كنوز العرش، آخر سورة البقرة: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه إلى آخرها.
قصة حبس الشمس
على يوشع بن نون بن افرائم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ﵈، وقد كان نبي بنى إسرائيل بعد موسى ﵇، وهو الّذي خرج ببني إسرائيل من التيه ودخل بهم بيت المقدس بعد حضار ومقاتلة، وكان الفتح قد ينجز بعد العصر يوم الجمعة وكادت الشمس تغرب ويدخل عليهم السبت فلا يتمكنون معه من القتال، فنظر إلى الشمس فقال: إنك مأمورة وأنا مأمور، ثم قال: اللهمّ احبسها على، فحبسها الله عليه حتى فتح البلد ثم غربت، وقد قدمنا في قصة من قصص الأنبياء الحديث الوارد
في صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر ابن همام عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: غزا نبي من الأنبياء فدنا من القرية حين صلّى العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهمّ أمسكها عليّ شيئا، فحبست عليه
стр. 2050
حتى فتح الله عليه، الحديث بطوله، وهذا النبي هو يوشع بن نون، بدليل ما
رواه الامام أحمد:
حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر بن هشام عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ﵇ ليالي سار إلى بيت المقدس * تفرد به أحمد وإسناده على شرط البخاري * إذا علم هذا فانشقاق القمر فلقتين حتى صارت فلقة من وراء الجبل - أعنى حراء - وأخرى من دونه، أعظم في المعجزة من حبس الشمس قليلا. وقد قدمنا في الدلائل حديث رد الشمس بعد غروبها، وذكرنا ما قيل فيه من المقالات فالله أعلم * قال شيخنا العلامة أبو المعالي بن الزملكانى: وأما حبس الشمس ليوشع في قتال الجبارين، فقد انشق القمر لنبينا ﷺ وانشقاق القمر فلقتين أبلغ من حبس الشمس عن مسيرها، وصحت الأحاديث وتواترت بانشقاق القمر، وأنه كان فرقة خلف الجبل وفرقة أمامه، وأن قريشا قالوا: هذا سحر أبصارنا، فوردت المسافرون وأخبروا أنهم رأوه مفترقا، قال الله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قال: وقد حبست الشمس لرسول الله ﷺ مرتين، إحداهما ما رواه الطحاوي وقال: رواته ثقات، وسماهم وعدهم واحدا واحدا، وهو أن النبي ﷺ كان يوحى إليه ورأسه في حجر على ﵁ فلم يرفع رأسه حتى غربت الشمس، ولم يكن عليّ صلّى العصر،
فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، فرد الله عليه الشمس؟ حتى رئيت، فقام على فصلى العصر، ثم غربت * والثانية صبيحة الأسراء فأنه ﷺ أخبر قريشا عن مسراه من مكة إلى بيت المقدس، فسألوه عن أشياء من بيت المقدس فجلاه الله له حتى نظر إليه ووصفه لهم، وسألوه عن غير كانت لهم في الطريق فقال: إنها تصل إليكم مع شروق الشمس، فتأخرت فحبس الله الشمس عن الطلوع حتى كانت العصر * روى ذلك ابن بكير في زياداته على السنن، أما حديث رد الشمس بسبب على ﵁، فقد تقدم ذكرنا له من طريق أسماء بنت عميس، وهو أشهرها، وابن سعيد وأبى هريرة وعليّ نفسه، وهو مستنكر من جميع الوجوه، وقد مال إلى تقويته أحمد بن صالح المصري الحافظ، وأبو حفص الطحاوي، والقاضي عياض، وكذا صححه جماعة من العلماء الرافضة كابن المطهر وذويه، ورده وحكم بضعفه آخرون من كبار حفاظ الحديث ونقادهم، كعليّ بن المديني، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وحكاه عن شيخه محمد ويعلى بن عبيد الطنافسيين، وكأبى بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه أحد الحفاظ، والحافظ الكبير أبى القاسم بن عساكر، وذكره الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات، وكذلك صرح بوضعه شيخاي الحافظان الكبيران أبو الحجاج المزي، وأبو عبد الله الذهبي * وأما ما ذكره يونس ابن بكير في زياداته على السيرة من تأخر طلوع الشمس عن إبان طلوعها، فلم ير لغيره من العلماء، على
стр. 2051
أن هذا ليس من الأمور المشاهدة، وأكثر ما في الباب أن الراويّ روى تأخير طلوعها ولم نشاهد حبسها عن وقته * وأغرب من هذا ما ذكره ابن المطهر في كتابه المنهاج، أنها ردت لعلى مرتين، فذكر الحديث المتقدم، كما ذكر، ثم قال: وأما الثانية فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل، اشتغل كثير من أصحابه بسبب دوابهم، وصلّى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر، وفاتت كثيرا منهم فتكلموا في ذلك، فسأل الله رد الشمس فردت * قال: وذكر أبو نعيم بعد موسى إدريس ﵇ وهو عند كثير من المفسرين من أنبياء بنى إسرائيل، وعند محمد بن إسحاق بن يسار وآخرين من علماء النسب قبل نوح ﵇، في عمود نسبه إلى آدم ﵇، كما تقدم التنبيه على ذلك. فقال:
القول فيما أعطى إدريس ﵇
من الرفعة التي نوه الله بذكرها فقال: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ قال: والقول فيه أن نبينا محمدا ﷺ أعطى أفضل وأكمل من ذلك، لأن الله تعالى رفع ذكره في الدنيا والآخرة فقال: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ فليس خطيب ولا شفيع ولا صاحب صلاة إلا ينادى بها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقرن الله اسمه باسمه، في مشارق الأرض ومغاربها، وذلك مفتاحا للصلاة المفروضة،
ثم أورد حديث ابن لهيعة عن دراج عن أبى الهشيم عن أبى سعيد عن رسول الله ﷺ في قوله:
﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: قال جبريل: قال الله: إذا ذكرت ذكرت * ورواه ابن جرير وابن أبى عاصم من طريق دراج. ثم قال:
حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفى، حدثنا موسى بن سهل الجونى، حدثنا أحمد بن القاسم بن بهرام الهيتى، حدثنا نصر بن حماد عن عثمان بن عطاء عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : لما فرغت مما أمرنى الله تعالى به من أمر السموات والأرض قلت: يا رب إنه لم يكن نبي قبلي إلا قد كرمته، جعلت إبراهيم خليلا، وموسى كليما، وسخرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي؟ قال:
أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله، أن لا أذكر إلا ذكرت معى، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرءون القرآن ظاهرا ولم أعطها أمة، وأنزلت عليك كلمة من كنوز عرشي: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا إسناد فيه غرابة، ولكن أورد له شاهدا من طريق أبى القاسم ابن بنت منيع البغوي عن سليمان بن داود المهرانى عن حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا بنحوه * وقد رواه أبو زرعة الرازيّ في كتاب دلائل النبوة بسياق آخر، وفيه انقطاع،
فقال: حدثنا هشام بن عمار الدمشقيّ، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا شعيب بن زريق أنه سمع عطاء الخراساني يحدث عن أبى هريرة وأنس بن مالك عن النبي ﷺ من حديث ليلة أسرى به. قال:
لما أرانى الله من آياته فوجدت ريحا طيبة فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الجنة، قلت: يا ربى
стр. 2052
ائتني بأهلى، قال الله تعالى: لك ما وعدتك، كل مؤمن ومؤمنة لم يتخذ من دوني أندادا، ومن أقرضنى قربته، ومن توكل عليّ كفيته، ومن سألني أعطيته، ولا ينقص نفقته، ولا ينقص ما يتمنى، لك ما وعدتك، فنعم دار المتقين أنت، قلت: رضيت، فلما انتهينا إلى سدرة المنتهى خررت ساجدا فرفعت رأسي فقلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، وآتيت داود زبورا، وآتيت سليمان ملكا عظيما، قال: فأنى قد رفعت لك ذكرك، ولا تجوز لأمتك خطبة حتى يشهدوا أنك رسولي، وجعلت قلوب أمتك أنا جيل، وآتيتك خواتيم سورة البقرة من تحت عرشي * ثم روى من طريق الربيع بن أنس عن أبى العالية عن أبى هريرة، حديث الأسراء بطوله، كما سقناه من طريق ابن جرير في التفسير، وقال أبو زرعة في سياقه: ثم لقي أرواح الأنبياء ﵈ فأثنوا على ربهم ، فقال إبراهيم: الحمد لله الّذي اتخذني خليلا، وأعطانى ملكا عظيما، وجعلني أمة قانتا لله محياي ومماتي، وأنقذنى من النار، وجعلها عليّ بردا وسلاما. ثم إن موسى أثنى على ربه فقال: الحمد لله الّذي كلمني تكليما، واصطفاني برسالته وبكلامه، وقربني نجيا، وأنزل عليّ التوراة، وجعل هلاك فرعون على يدي. ثم إن داود أثنى على ربه فقال: الحمد لله الّذي جعلني ملكا وأنزل عليّ الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن معه والطير، وآتاني الحكمة وفصل الخطاب. ثم إن سليمان أثنى على ربه فقال: الحمد لله الّذي سخر لي الرياح والجن والانس، وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وأسال لي عين القطر، وأعطانى ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي. ثم إن عيسى أثنى على الله فقال: الحمد لله الّذي علمني التوراة والإنجيل، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بأذن الله، وطهرني ورفعني من الذين كفروا، وأعاذنى من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل.
ثم إن محمدا ﷺ أثنى على ربه فقال: كلكم أثنى على ربه، وأنا مثن على ربى، الحمد لله الّذي أرسلنى رحمة للعالمين: وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل عليّ الفرقان فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتى خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتى وسطا، وجعل أمتى هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عنى وزري، ورفع لي ذكرى، وجعلني فاتحا وخاتما. فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد ﷺ * ثم أورد إبراهيم الحديث المتقدم فيما رواه الحاكم والبيهقي من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب مرفوعا في قول آدم: يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فقال الله: وما أدراك ولم أخلقه بعد؟ فقال: لأني رأيت مكتوبا مع اسمك على ساق العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، ولولا محمد ما خلقتك * وقال بعض الأئمة: رفع الله ذكره، وقرنه
стр. 2053
باسمه في الأولين والآخرين، وكذلك يرفع قدره ويقيمه مقاما محمودا يوم القيامة، يغبطه به الأولون والآخرون، ويرغب إليه الخلق كلهم حتى إبراهيم الخليل، كما ورد في صحيح مسلم فيما سلف وسيأتي أيضا، فأما التنويه بذكره في الأمم الخالية، والقرون السابقة، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به وليتبعنه ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته العهد والميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وليتبعنه، وقد بشرت بوجوده الأنبياء حتى كان آخر من بشر به عيسى بن مريم خاتم أنبياء بنى إسرائيل، وكذلك بشرت به الأحبار والرهبان والكهان، كما قدمنا ذلك مبسوطا، ولما كانت ليلة الأسراء رفع من سماء إلى سماء حتى سلم على إدريس ﵇، وهو في السماء الرابعة، ثم جاوزه إلى الخامسة ثم إلى السادسة فسلم على موسى بها، ثم جاوزه إلى السابعة فسلم على إبراهيم الخليل عند البيت المعمور، ثم جاوز ذلك المقام، فرفع لمستوى سمع فيه صريف الأقلام، وجاء سدرة المنتهى ورأى الجنة والنار وغير ذلك من الآيات الكبرى، وصلى بالأنبياء، وشيعه من كلّ مقربوها، وسلم عليه رضوان خازن الجنان، ومالك خازن النار، فهذا هو الشرف، وهذه هي الرفعة، وهذا هو التكريم والتنويه والإشهار والتقديم والعلو والعظمة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين، وأما رفع ذكره في الآخرين، فأن دينه باق ناسخ لكل دين، ولا ينسخ هو أبد الآبدين ودهر الداهرين إلى يوم الدين، ولا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة، والنداء في كل يوم خمس مرات على كل مكان مرتفع من الأرض: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وهكذا كل خطيب يخطب لا بد أن يذكره في خطبته، وما أحسن قول حسان:
أغر عليه للنبوة خاتم … من الله مشهود يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي الى اسمه … إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجلّه … فذو العرش محمود وهذا محمد
وقال الصرصرى ﵀:
ألم تر أنا لا يصح أذاننا … ولا فرضنا إن لم نكرره فيهما
القول فيما أوتى داود ﵇
قال الله تعالى: ﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ * إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاِعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
стр. 2054
وقد ذكرنا قصته ﵇ في التفسير، وطيب صوته ﵇، وأن الله تعالى كان قد سخر له الطير تسبح معه، وكانت الجبال أيضا تجيبه وتسبح معه، وكان سريع القراءة، يأمر بدوا به فتسرح فيقرأ الزبور بمقدار ما يفرغ من شأنها ثم يركب، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان نبينا ﷺ حسن الصوت طيبه بتلاوة القرآن، قال جبير بن مطعم: قرأ رسول الله ﷺ في المغرب بالتين والزيتون، فما سمعت صوتا أطيب من صوته ﷺ ، وكان يقرأ ترتيلا كما أمره الله بذلك * وأما تسبيح الطير مع داود، فتسبيح الجبال الصم أعجب من ذلك، وقد تقدم في الحديث أن الحصا سبح في كف رسول الله ﷺ . قال ابن حامد: وهذا حديث معروف مشهور، وكانت الأحجار والأشجار والمدر تسلم عليه ﷺ . وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود قال: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل - يعنى بين يدي النبي ﷺ وكلمه ذراع الشاة المسمومة، وأعلمه بما فيه من السم، وشهدت بنبوته الحيوانات الانسية والوحشية، والجمادات أيضا، كما تقدم بسط ذلك كله، ولا شك أن صدور التسبيح من الحصا الصغار الصم التي لا تجاويف فيها، أعجب من صدور ذلك من الجبال، لما فيها من التجاويف والكهوف، فأنها وما شاكلها تردد صدى الأصوات العالية غالبا، كما قال عبد الله بن الزبير: كان إذا خطب - وهو أمير المدينة بالحرم الشريف - تجاوبه الجبال، أبو قبيس وزرود، ولكن من غير تسبيح، فأن ذلك من معجزات داود ﵇. ومع هذا كان تسبيح الحصا في كف رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان، أعجب * وأما أكل داود من كسب يده،
فقد كان رسول الله ﷺ يأكل من كسبه أيضا، كما كان يرعى غنما لأهل مكة على قراريط. وقال: وما من نبي إلا وقد رعى الغنم. وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة مضاربة، وقال الله تعالى: ﴿وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها، وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً * اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ إلى قوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ أي للتكسب والتجارة طلبا للربح الحلال. ثم لما شرع الله الجهاد بالمدينة، كان يأكل مما أباح له من المغانم التي لم تبح قبله، ومما أفاء الله عليه من أموال الكفار التي أبيحت له دون غيره، كما جاء في المسند
والترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمرى، ومن تشبه بقوم فهو منهم * وأما إلانة الحديد بغير نار كما يلين العجين في يده، فكان يصنع هذه الدروع الداوديّة، وهي الزرديات السابغات، وأمره الله تعالى بنفسه بعملها، وقدر في السرد، أي ألا يدق المسمار فيعلق، ولا يعظله فيقصم، كما جاء في
стр. 2055
البخاري، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ وقد قال بعض الشعراء في معجزات النبوة:
نسيج داود ما حمى صاحب الغار … وكان الفخار للعنكبوت
والمقصود المعجز في إلانة الحديد، وقد تقدم في السيرة عند ذكر حفر الخندق عام الأحزاب، في سنة أربع، وقيل: خمس، أنهم عرضت لهم كدية - وهي الصخرة في الأرض - فلم يقدروا على كسرها ولا شيء منها، فقام إليها رسول الله ﷺ وقد ربط حجرا على بطنه من شدة الجوع - فضربها ثلاث ضربات، لمعت الأولى حتى أضاءت له منها قصور الشام، وبالثانية قصور فارس، وثالثة، ثم انسالت الصخرة كأنها كثيب من الرمل، ولا شك أن انسيال الصخرة التي لا تنفعل ولا بالنار، أعجب من لين الحديد الّذي إن أحمى لانه كما قال بعضهم:
فلو أن ما عالجت لين فؤادها * بنفسي للان الجندل
والجندل الصخر، فلو أن شيئا أشد قوة من الصخر لذكره هذا الشاعر المبالغ، قال الله تعالى:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ الآية. وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ الآية، فذلك لمعنى آخر في التفسير، وحاصله أن الحديد أشد امتناعا في الساعة الراهنة من الحجر ما لم يعالج، فإذا عولج انفعل الحديد ولا ينفعل الحجر والله أعلم * وقال أبو نعيم: فأن قيل: فقد لين الله لداود ﵇ الحديد حتى سرد منه الدروع السوابغ، قيل: لينت لمحمد ﷺ الحجارة وصم الصخور، فعادت له غارا استتر به من المشركين، يوم أحد، مال إلى الجبل ليخفى شخصه عنهم فلين الجبل حتى أدخل رأسه فيه، وهذا أعجب لان الحديد تلينه النار، ولم نر النار تلين الحجر، قال: وذلك بعد ظاهر باق يراه الناس. قال: وكذلك في بعض شعاب مكة حجر من جبل في صلايه (١) إليه فلان الحجر حتى ادرأ فيه بذراعيه وساعديه، وذلك مشهور يقصده الحجاج ويرونه. وعادت الصخرة ليلة أسرى به كهيئة العجين، فربط بها دابته - البراق - وموضعه يمسونه الناس إلى يومنا هذا. وهذا الّذي أشار اليه، من يوم أحد وبعض شعاب مكة غريب جدا، ولعله قد أسنده هو فيما سلف، وليس ذلك بمعروف في السيرة المشهورة. وأما ربط الدابة في الحجر فصحيح، والّذي ربطها جبريل كما هو في صحيح مسلّم ﵀ * وأما قوله: وأوتيت الحكمة وفصل الخطاب، فقد كانت الحكمة التي أوتيها محمد ﷺ والشرعة التي شرعت له، أكمل من كل حكمة وشرعة كانت لمن قبله من الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، فأن الله جمع له محاسن من كان قبله، وفضله، وأكمله [وآتاه] ما لم يؤت أحدا قبله، وقد قال ﷺ : أوتيت جوامع
стр. 2056
الكلم، واختصرت لي الحكمة اختصارا * ولا شك أن العرب أفصح الأمم، وكان النبي ﷺ أفصحهم نطقا، وأجمع لكل خلق جميل مطلقا *
القول فيما أوتى سليمان بن داود ﵇
قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ * وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ * هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ * وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقد بسطنا ذلك في قصته، وفي التفسير أيضا، وفي الحديث الّذي
رواه الإمام أحمد وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : أن سليمان ﵇ لما فرغ من بناء بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثا، سأل الله حكما يوافق حكمه، وملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وأنه لا يأتى هذا المسجد أحد إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. أما تسخير الريح لسليمان فقد قال الله تعالى في شأن الأحزاب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ وقد تقدم في الحديث الّذي
رواه مسلّم من طريق شعبة عن الحاكم عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور * ورواه مسلّم من طريق الأعمش عن مسعود بن مالك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ مثله.
وثبت في الصحيحين: نصرت بالرعب مسيرة شهر.
ومعنى ذلك أنه ﷺ كان إذا قصد قتال قوم من الكفار ألقى الله الرعب في قلوبهم قبل وصوله إليهم بشهر، ولو كان مسيره شهرا، فهذا في مقابلة: غدوها شهر ورواحها شهر، بل هذا أبلغ في التمكن والنصر والتأييد والظفر، وسخرت الرياح تسوق السحاب لا نزال المطر الّذي امتن الله به حين استسقى رسول الله ﷺ في غير ما موطن كما تقدم * وقال أبو نعيم: فأن قيل: فأن سليمان سخرت له الريح فسارت به في بلاد الله وكان غدوها شهرا ورواحها شهرا. قيل: ما أعطى محمد ﷺ أعظم وأكبر، لانه سار في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السموات مسيرة خمسين ألف سنة، في أقل من ثلث ليلة، فدخل السموات سماء سماء، ورأى عجائبها، ووقف على الجنة والنار، وعرض عليه أعمال أمته، وصلّى بالأنبياء وبملائكة السموات، واخترق الحجب، وهذا كله في
стр. 2057
ليلة قائما، أكبر وأعجب. وأما تسخير الشياطين بين يديه تعمل ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، فقد أنزل الله الملائكة المقربين لنصرة عبده ورسوله محمد ﷺ في غير ما موطن، يوم أحد وبدر، ويوم الأحزاب ويوم حنين، كما تقدم ذكرناه ذلك مفصلا في مواضعه. وذلك أعظم وأبهر، وأجل وأعلا من تسخير الشياطين. وقد ذكر ذلك ابن حامد في كتابه.
وفي الصحيحين من حديث شعبة عن محمد بن زياد عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: إن عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة، أو كلمة نحوها، ليقطع عليّ الصلاة فأمكننى الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى يصبحوا وينظروا إليه، فذكرت دعوة أخى سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، قال روح فرده الله خاسئا. لفظ البخاري * ولمسلّم عن أبى الدرداء نحوه، قال: ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح يلعب به ولدان أهل المدينة.
وقد روى الإمام أحمد بسند جيد عن أبى سعيد أن رسول الله ﷺ قام يصلّى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أختنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين، الإبهام والتي تليها، ولولا دعوة أخى سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان أهل المدينة *
وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين، وفي رواية: مردة الجن * فهذا من بركة ما شرعه الله له من صيام شهر رمضان وقيامه، وسيأتي عند إبراء الأكمه والأبرص من معجزات المسيح عيسى بن مريم ﵇، دعاء رسول الله ﷺ لغير ما واحد ممن أسلّم من الجن فشفى، وفارقهم خوفا منه ومهابة له، وامتثالا لأمره. صلوات الله وسلامه عليهم، وقد بعث الله نفرا من الجن يستمعون القرآن فآمنوا به وصدقوه ورجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى دين محمد ﷺ وحذروهم مخالفته، لأنه كان مبعوثا إلى الأنس والجن، فآمنت طوائف من الجن كثيرة كما ذكرنا، ووفدت إليه منهم وفود كثيرة وقرأ عليهم سورة الرحمن، وخبرهم بما لمن آمن منهم من الجنان، وما لمن كفر من النيران، وشرع لهم ما يأكلون وما يطعمون دوابهم، فدل على أنه بين لهم ما هو أهم من ذلك وأكبر * وقد ذكر أبو نعيم هاهنا حديث الغول التي كانت تسرق التمر من جماعة من أصحابه ﷺ ، ويريدون إحضارها إليه فتمتنع كل الامتناع خوفا من المثول بين يديه، ثم افتدت منهم بتعليمهم قراءة آية الكرسي التي لا يقرب قارئها الشيطان، وقد سقنا ذلك بطرقه وألفاظه عند تفسير آية الكرسي من كتابنا التفسير ولله الحمد * والغول هي الجن المتبدى بالليل في صورة مرعبة * وذكر أبو نعيم هاهنا حماية جبريل له ﵇ غير ما مرّة من أبى جهل كما ذكرنا في السيرة، وذكر مقاتلة جبريل وميكائيل عن يمينه
стр. 2058
وشماله يوم أحد * وأما ما جمع الله تعالى لسليمان من النبوة والملك كما كان أبوه من قبله، فقد خير الله عبده محمدا ﷺ بين أن يكون ملكا نبيا أو عبدا رسولا، فاستشار جبريل في ذلك فأشار إليه وعليه أن يتواضع، فاختار أن يكون عبدا رسولا، وقد روى ذلك من حديث عائشة وابن عباس، ولا شك أن منصب الرسالة أعلى.
وقد عرضت على نبينا ﷺ كنوز الأرض فأباها، قال: ولو شئت لأجرى الله معى جبال الأرض ذهبا، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما، وقد ذكرنا ذلك كله بأدلته وأسانيده في التفسير وفي السيرة أيضا ولله الحمد والمنة *
وقد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا طرفا منها من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد وأبى سلمة عن أبى هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ : بينا أنا نائم جيء بمفاتيح خزائن الأرض فجعلت في يدي *
ومن حديث الحسين بن واقد عن الزبير عن جابر مرفوعا أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا على فرس أبلق جاءني به جبريل عليه قطيفة من سندس *
ومن حديث القاسم عن أبى لبابة مرفوعا: عرض عليّ ربى ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك * قال أبو نعيم: فأن قيل: سليمان ﵇ كان يفهم كلام الطير والنملة كما قال تعالى: ﴿وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ الآية وقال: ﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها﴾ الآية. قيل: قد أعطى محمد ﷺ مثل ذلك وأكثر منه، فقد تقدم ذكرنا لكلام البهائم والسباع وحنين الجذع ورغاء البعير وكلام الشجر وتسبيح الحصا والحجر، ودعائه إياه واستجابته لأمره، وإقرار الذئب بنبوته، وتسبيح الطير لطاعته، وكلام الظبية وشكواها إليه، وكلام الضب وإقراره بنبوته، وما في معناه، كل ذلك قد تقدم في الفصول بما يغنى عن إعادته.
انتهى كلامه. قلت: وكذلك أخبره ذراع الشاة بما فيه من السم وكان ذلك بأقرار من وضعه فيه من اليهود، وقال إن هذه السحابة لتبتهل بنصرك يا عمرو بن سالم - يعنى الخزاعي - حين أنشده تلك القصيدة يستعديه فيها على بنى بكر الذين نقضوا صلح الحديبيّة، وكان ذلك سبب فتح مكة كما تقدم
وقال ﷺ : إني لأعرف حجرا كان يسلم على بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن * فهذا إن كان كلاما مما يليق بحاله ففهم عنه الرسول ذلك، فهو من هذا القبيل وأبلغ، لانه جماد بالنسبة إلى الطير والنمل، لأنهما من الحيوانات ذوات الأرواح، وإن كان سلاما نطقيا وهو الأظهر، فهو أعجب من هذا الوجه أيضا، كما
قال على: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض شعاب مكة، فما مرّ بحجر ولا شجر ولا مدر إلاّ قال: السلام عليك يا رسول الله، فهذا النطق سمعه رسول الله ﷺ وعلى ﵁ *
ثم قال أبو نعيم: حدثنا أحمد بن محمد بن الحارث العنبري، حدثنا أحمد بن
стр. 2059
يوسف بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن سويد النخعي، حدثنا عبد الله بن أذينة الطائي عن ثور بن يزيد عن خالد بن معلاة بن جبل قال: أتى النبي ﷺ وهو بخيبر - حمار أسود فوقف بين يديه فقال: من أنت؟ فقال: أنا عمرو بن فهران، كنا سبعة إخوة وكلنا ركبنا الأنبياء وأنا أصغرهم، وكنت لك فملكنى رجل من اليهود، وكنت إذ أذكرك عثرت به فيوجعنى ضربا، فقال النبي ﷺ فأنت يعفور * وهذا الحديث فيه نكارة شديدة ولا يحتاج إلى ذكره مع ما تقدم من الأحاديث الصحيحة التي فيها غنية عنه. وقد روى على غير هذه الصفة، وقد نص على نكارته ابن أبى حاتم عن أبيه، والله أعلم.
القول فيما أوتى عيسى بن مريم ﵇
ويسمى المسيح، فقيل: لمسحه الأرض، وقيل: لمسح قدمه، وقيل: لخروجه من بطن أمه ممسوحا بالدهان، وقيل: لمسح جبريل بالبركة، وقيل: لمسح الله الذنوب عنه، وقيل: لأنه كان لا يمسح أحدا إلا برأ. حكاها كلها الحافظ أبو نعيم ﵀. ومن خصائصه أنه ﵇ مخلوق بالكلمة من أنثى بلا ذكر، كما خلقت حواء من ذكر بلا أنثى، وكما خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وإنما خلقه الله تعالى من تراب ثم قال له: كن فيكون. وكذلك يكون عيسى بالكلمة وبنفخ جبريل مريم فخلق منها عيسى * ومن خصائصه وأمه أن إبليس لعنه الله حين ولد ذهب يطعن فطعن في الحجاب كما جاء في الصحيح، ومن خصائصه أنه حي لم يمت، وهو الآن بجسده في السماء الدنيا، وسينزل قبل يوم القيامة على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، فيملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما، ويحكم بهذه الشريعة المحمدية، ثم يموت ويدفن بالحجرة النبويّة، كما رواه الترمذي وقد بسطنا ذلك في قصته * وقال شيخنا العلامة ابن الزملكانى ﵀: وأما معجزات عيسى ﵇، فمنها إحياء الموتى، وللنّبيّ ﷺ من ذلك كثير، وإحياء الجماد أبلغ من إحياء الميت، وقد كلم النبي ﷺ الذراع المسمومة، وهذا الأحياء أبلغ من إحياء الإنسان الميت من وجوه، أحدها، أنه إحياء جزء من الحيوان دون بقيته، وهذا معجز لو كان متصلا بالبدن، الثاني أنه أحياه وحده منفصلا عن بقية أجزاء ذلك الحيوان مع موت البقية، الثالث أنه أعاد عليه الحياة مع الإدراك والعقل، ولم يكن هذا الحيوان يعقل في حياته الّذي هو جزؤه مما يتكلم (١)، وفي هذا ما هو أبلغ من حياة الطيور التي أحياها الله لإبراهيم ﷺ * قلت: وفي حلول الحياة والإدراك والعقل في الحجر الّذي كان يخاطب النبي ﷺ بالسلام عليه، كما روى في صحيح مسلّم، من المعجز ما هو أبلغ من إحياء الحيوان في الجملة، لأنه كان محلا للحياة في وقت، بخلاف هذا حيث لا حياة له بالكلية قبل ذلك، وكذلك تسليم الأحجار والمدر عليه، وكذلك الأشجار والأغصان وشهادتها بالرسالة، وحنين
стр. 2060
الجذع * وقد جمع ابن أبى الدنيا كتابا فيمن عاش بعد الموت، وذكر منها كثيرا، وقد ثبت عن أنس ﵁ أنه قال: دخلنا على رجل من الأنصار وهو مريض يعقل فلم نبرح حتى قبض، فبسطنا عليه ثوبه وسجيناه، وله أم عجوز كبيرة عند رأسه، فالتفت إليها بعضنا وقال: يا هذه احتسبي مصيبتك عند الله فقالت: وما ذاك؟ أمات ابني؟ قلنا: نعم، قالت: أحق ما تقولون؟ قلنا: نعم، فمدت يدها إلى الله تعالى فقالت: اللهمّ إنك تعلم أنى أسلمت وهاجرت إلى رسولك رجاء أن تعينني عند كل شدة ورخاء، فلا تحملني هذه المصيبة اليوم. قال: فكشف الرجل عن وجهه وقعد، وما برحنا حتى أكلنا معه * وهذه القصة قد تقدم التنبيه عليها في دلائل النبوة. وقد ذكر معجز الطوفان مع قصة العلاء بن الحضرميّ * وهذا السياق الّذي أورده شيخنا ذكر بعضه بالمعنى، وقد رواه أبو بكر ابن أبى الدنيا، والحافظ أبو بكر البيهقي من غير وجه عن صالح بن بشير المرّي - أحد زهاء البصرة وعبادها - وفي حديثه لين عن ثابت عن أنس فذكره. وفي رواية البيهقي أن أمه كانت عجوزا عمياء ثم ساقه البيهقي من طريق عيسى بن يونس عن عبد الله بن عون عن أنس كما تقدم، وسياقه أتم، وفيه أن ذلك كان بحضرة رسول الله ﷺ ، وهذا إسناد رجاله ثقات، ولكن فيه انقطاع بين عبد الله بن عون وأنس والله أعلم.
قصة أخرى
قال الحسن بن عرفة: حدثنا عبد الله بن إدريس عن إسماعيل بن أبى خالد عن أبى سبرة النخعي قال: أقبل رجل من اليمن، فلما كان في بعض الطريق نفق حماره فقام وتوضأ ثم صلّى ركعتين ثم قال: اللهمّ إني جئت من المدينة مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك، وأنا أشهد أنك تحيى الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لأحد عليّ اليوم منة، أطلب إليك اليوم أن تبعث حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه. قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، ومثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة. قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي وكأنه عند إسماعيل من الوجهين. والله أعلم * قلت: كذلك رواه ابن أبى الدنيا من طريق إسماعيل عن الشعبي فذكره قال الشعبي: فأنا رأيت الحمار بيع أو يباع في الكناسة - يعنى بالكوفة - وقد أوردها ابن أبى الدنيا من وجه آخر، وأن ذلك كان في زمن عمر بن الخطاب، وقد قال بعض قومه في ذلك:
ومنا الّذي أحيى الإله حماره … وقد مات منه كل عضو ومفصل
وأما قصة زيد بن خارجة وكلامه بعد الموت وشهادته للنّبيّ ﷺ ولأبى بكر وعمر وعثمان بالصدق فمشهورة مروية من وجوه كثيرة صحيحة. قال البخاري في التاريخ الكبير: زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهد بدرا وتوفى في زمن عثمان، وهو الّذي تكلم بعد الموت * وروى الحاكم في مستدركه
стр. 2061
والبيهقي في دلائله وصححه كما تقدم من طريق العتبى عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب أن زيد بن خارجة الأنصاري ثم من الحارث بن الخزرج، توفى زمن عثمان بن عفان فسجى بثوبه، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: أحمد في الكتاب الأول صدق صدق، أبو بكر الضعيف في نفسه القوى في أمر الله، في الكتاب الأول صدق صدق، عمر بن الخطاب القوى في الكتاب الأول، صدق صدق، عثمان بن عفان على منهاجهم مضت أربع وبقيت ثنتان، أتت الفتن وأكل الشديد الضعيف، وقامت الساعة، وسيأتيكم عن جيشكم خير * قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المسيب: ثم هلك رجل من بنى حطمة فسجى بثوبه فسمع جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: إن أخا بنى حارث بن الخزرج صدق صدق، ورواه ابن أبى الدنيا والبيهقي أيضا من وجه آخر بأبسط من هذا وأطول، وصححه البيهقي. قال: وقد روى في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة والله أعلم * قلت: قد ذكرت في قصة سخلة جابر يوم الخندق وأكل الألف منها ومن قليل شعير ما تقدم. وقد أورد الحافظ محمد بن المنذر المعروف بيشكر، في كتابه الغرائب والعجائب بسنده، كما سبق أن رسول الله ﷺ جمع عظامها ثم دعا الله تعالى فعادت كما كانت فتركها في منزله والله أعلم * قال شيخنا: ومن معجزات عيسى الإبراء من الجنون، وقد أبرأ النبي ﷺ يعنى من ذلك - هذا آخر ما وجدته فيما حكيناه عنه. فأما إبراء عيسى من الجنون، فما أعرف فيه نقلا خاصا، وإنما كان يبرئ الأكمه والأبرص والظاهر ومن جميع العاهات والأمراض المزمنة * وأما إبراء النبي ﷺ من الجنون،
فقد روى الامام أحمد والحافظ البيهقي من غير وجه عن يعلى بن مرة أن امرأة أتت بابن لها صغير به لمم ما رأيت لمما أشد منه، فقالت: يا رسول الله ابني هذا كما ترى أصابه بلاء، وأصابنا منه بلاء، يوجد منه في اليوم ما يؤذى، ثم قالت: مرة، فقال رسول الله ﷺ : ناولينيه، فجعلته بينه وبين واسطة الرحل، ثم فغر فاه ونفث فيه ثلاثا وقال:
بسم الله، أنا عبد الله، اخسأ عدو الله، ثم ناولها إياه فذكرت أنه بريء من ساعته وما رابهم شيء بعد ذلك * وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة عن فرقد السبخى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن به لمما، وإنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، قال: فمسح رسول الله ﷺ صدره ودعا له فثع ثعة فخرج منه مثل الجرو الأسود فشفى * غريب من هذا الوجه، وفرقد فيه كلام وإن كان من زهاد البصرة، لكن ما تقدم له شاهد وإن كانت القصة واحدة والله أعلم *
وروى البزار من طريق فرقد أيضا عن سعد بن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة فجاءته امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إن هذا الخبيث قد غلبني، فقال لها: تصبرى على ما أنت عليه وتجيئى يوم القيامة ليس عليك ذنوب ولا
стр. 2062
حساب؟ فقالت: والّذي بعثك بالحق لأصبرن حتى ألقى الله، ثم قالت: إني أخاف الخبيث أن يجردنى، فدعا لها، وكانت إذا أحست أن يأتيها تأتى أستار الكعبة فتتعلق بها وتقول له: اخسأ، فيذهب عنها * وهذا دليل على أن فرقد قد حفظ،
فأن هذا له شاهد في صحيح البخاري ومسلّم من حديث عطاء بن أبى رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال:
هذه السوداء أتت رسول الله ﷺ فقالت: إني أصرع وأنكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، قالت: لا بل أصبر، فادع الله أن لا أنكشف، قال: فدعا لها فكانت لا تنكشف * ثم قال البخاري: حدثنا محمد، حدثنا مخلد عن ابن جريج، قال: أخبرنى عطاء أنه رأى أم زفر - امرأة طويلة سوداء - على ستر الكعبة * وذكر الحافظ ابن الأثير في كتاب أسد الغابة في أسماء الصحابة، أن أم زفر هذه كانت ماشطة لخديجة بنت خويلد، وأنها عمرت حتى رآها عطاء بن أبى رباح رحمهما الله تعالى * وأما إبراء عيسى الأكمه وهو الّذي يولد أعمى، وقيل: هو الّذي لا يبصر في النهار ويبصر في الليل، وقيل: غير ذلك كما بسطنا ذلك في التفسير، والأبرص الّذي به بهق، فقد رد رسول الله ﷺ يوم أحد عين قتادة بن النعمان إلى موضعها بعد ما سالت على خده، فأخذها في كفه الكريم وأعادها إلى مقرها فاستمرت بحالها وبصرها، وكانت أحسن عينيه ﵁، كما ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة وغيره، وكذلك بسطناه ثم ولله الحمد والمنة، وقد دخل بعض ولده وهو عاصم بن عمر بن قتادة على عمر بن عبد العزيز فسأل عنه فأنشأ يقول:
أنا ابن الّذي سالت على الخد عينه … فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأول أمرها … فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد
فقال عمر بن عبد العزيز:
تلك المكارم لا قعبان من لبن … شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
ثم أجازه فأحسن جائزته * وقد روى الدار قطنى أن عينيه أصيبتا معا حتى سالتا على خديه، فردهما رسول الله ﷺ إلى مكانهما. والمشهور الأول كما ذكر ابن إسحاق.
قصة الأعمى الّذي رد الله عليه بصره بدعاء رسول الله ﷺ
قال الإمام أحمد: حدثنا روح وعثمان بن عمر قالا: حدثنا شعبة عن أبى جعفر المديني سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله ادع الله لي أن يعافيني، فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت: قال: بل ادع الله لي، قال: فأمره رسول الله ﷺ أن يتوضأ ويصلّى ركعتين وأن يدعو
стр. 2063
بهذا الدعاء: اللهمّ إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني أتوجه به في حاجتي هذه فتقضى، وقال في رواية عثمان بن عمر: فشفعه في، قال: ففعل الرجل فبرأ * ورواه الترمذي وقال:
حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبى جعفر الخطميّ. وقد رواه البيهقي عن الحاكم بسنده إلى أبى جعفر الخطميّ عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف فذكر نحوه، قال عثمان: فو الله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضرّ قط.
قصة أخرى
قال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبد العزيز بن عمر، حدثني رجل من بنى سلامان بن سعد عن أمه عن خاله، أو أن خاله أو خالها حبيب بن قريط حدثها أن أباه خرج إلى رسول الله ﷺ وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا، فقال له: ما أصابك؟ قال: كنت (١) حملا لي فوقعت رجلي على بيض حية فأصيب بصرى، فنفث رسول الله ﷺ في عينيه فأبصر، فرأيته وإنه ليدخل الخيط في الإبرة، وإنه لابن ثمانين سنة، وإن عينيه لمبيضتان. قال البيهقي: وغيره يقول حبيب بن مدرك * وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ نفث في عيني عليّ يوم خيبر وهو أرمد فبرأ من ساعته، ثم لم يرمد بعدها أبدا، ومسح رجل جابر بن عتيك وقد انكسرت رجله ليلة قتل أبا رافع - تاجر أهل الحجاز الخيبري - فبرأ من ساعته أيضا * وروى البيهقي أنه ﷺ مسح يد محمد بن حاطب وكانت قد احترقت بالنار فبرأ من ساعته، ومسح رجل سلمة بن الأكوع وقد أصيبت يوم خيبر فبرأت من ساعتها، ودعا لسعد بن أبى وقاص أن يشفى من مرضه ذلك فشفى * وروى البيهقي أن عمه أبا طالب مرض فسأل منه ﷺ أن يدعو له ربه فدعا له فشفى من مرضه ذلك، وكم له من مثلها وعلى مسلكها، من إبراء آلام، وإزالة أسقام، مما يطول شرحه وبسطه * وقد وقع في كرامات الأولياء إبراء الأعمى بعد الدعاء عليه بالعمى أيضا، كما رواه الحافظ ابن عساكر من طريق أبى سعيد بن الأعرابي عن أبى داود: حدثنا عمر بن عثمان، حدثنا بقية عن محمد بن زياد عن أبى مسلّم أن امرأة خبثت عليه امرأته، فدعا عليها فذهب بصرها فأتته فقالت: يا أبا مسلّم، إني كنت فعلت وفعلت، وإني لا أعود لمثلها، فقال: اللهمّ إن كانت صادقة فاردد عليها بصرها، فأبصرت * ورواه أيضا من طريق أبى بكر بن أبى الدنيا: حدثنا عبد الرحمن بن واقد، حدثنا ضمرة حدثنا عاصم، حدثنا عثمان بن عطاء قال: كان أبو مسلّم الخولانيّ إذا دخل منزله (٢) فإذا بلغ وسط الدار كبر وكبرت امرأته فإذا دخل البيت كبر وكبرت امرأته فيدخل فينزع رداءه وحذاءه وتأتيه بطعام يأكل، فجاء ذات ليلة فكبر فلم تجبه، ثم جاء إلى باب البيت فكبر وسلّم فلم تجبه، وإذا
стр. 2064
البيت ليس فيه سراج، وإذا هي جالسة بيدها عود تنكت في الأرض به، فقال لها: مالك؟ فقالت الناس بخير، وأنت لو أتيت معاوية فيأمر لنا بخادم ويعطيك شيئا تعيش به، فقال: اللهمّ من أفسد عليّ أهلي فأعم بصره، قال: وكانت أتتها امرأة فقالت لامرأة أبى مسلم: لو كلمت زوجك ليكلم معاوية فيخدمكم ويعطيكم؟ قال: فبينما هذه المرأة في منزلها والسراج مزهر، إذ أنكرت بصرها، فقالت: سراجكم طفئ؟ قالوا: لا، قالت: إن الله أذهب بصرى، فأقبلت كما هي إلى أبى مسلم فلم تزل تناشده وتتلطف إليه، فدعا الله فرد بصرها، ورجعت امرأته على حالها التي كانت عليها * وأما قصة المائدة التي قال الله تعالى: ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * * قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ * * قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَاُرْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ * * قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ وقد ذكرنا في التفسير بسط ذلك واختلاف المفسرين فيها هل نزلت أم لا على قولين، والمشهور عن الجمهور أنها نزلت، واختلفوا فيما كان عليها من الطعام على أقوال، وذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير، الّذي فتح البلاد المغربية أيام بنى أمية وجد المائدة، ولكن قيل: إنها مائدة سليمان بن داود مرصعة بالجواهر وهي من ذهب فأرسل بها إلى الوليد بن عبد الملك فكانت عنده حتى مات، فتسلمها أخوه سليمان، وقيل: إنها مائدة عيسى * لكن يبعد هذا أن النصارى لا يعرفون المائدة كما قاله غير واحد من العلماء والله أعلم * والمقصود أن المائدة سواء كانت قد نزلت أم لم تنزل (١) وقد كانت موائد رسول الله ﷺ تمد من السماء وكانوا يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل بين يديه، وكم قد أشبع من طعام يسير ألوفا ومئات وعشرات ﷺ ما تعاقبت الأوقات، وما دامت الأرض والسموات * وهذا أبو مسلم الخولانيّ، وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخه أمرا عجيبا وشأنا غريبا، حيث روى من طريق إسحاق بن يحيى الملطي عن الأوزاعي قال: أتى أبا مسلم الخولانيّ نفر من قومه فقالوا: يا أبا مسلم أما تشتاق إلى الحج؟ قال: بلى لو أصبت لي أصحابا، فقالوا: نحن أصحابك، قال: لستم لي بأصحاب، إنما أصحابى قوم لا يريدون الزاد ولا المزاد، فقالوا: سبحان الله، وكيف يسافر أقوام بلا زاد ولا مزاد؟ قال لهم: ألا ترون إلى الطير تغدو وتروح بلا زاد ولا مزاد والله يرزقها؟ وهي لا تبيع ولا تشترى، ولا تحرث ولا تزرع والله يرزقها؟ قال: فقالوا: فأنا نسافر معك، قال: فهبوا على بركة الله تعالى، قال: فغدوا من غوطة دمشق ليس معهم زاد ولا مزاد، فلما انتهوا إلى المنزل قالوا: يا أبا مسلم
стр. 2065
طعام لنا وعلف لدوابنا، قال: فقال لهم: نعم، فسجا غير بعيد فيمم مسجد أحجار فصلّى فيه ركعتين، ثم جثى على ركبتيه فقال: إلهي قد تعلم ما أخرجني من منزلي، وإنما خرجت آمرا لك، وقد رأيت البخيل من ولد آدم تنزل به العصابة من الناس فيوسعهم قرى، وإنا أضيافك وزوارك، فأطعمنا، واسقنا، واعلف دوابنا، قال: فأتى بسفرة مدت بين أيديهم، وجيء بجفنة من ثريد، وجيء بقلتين من ماء، وجيء بالعلف لا يدرون من يأتى به، فلم تزل تلك حالهم منذ خرجوا من عند أهاليهم حتى رجعوا، لا يتكلفون زادا ولا مزادا * فهذه حال ولي من هذه الأمة، نزل عليه وعلى أصحابه مائدة كل يوم مرتين مع ما يضاف إليها من الماء والعلوفة لدواب أصحابه، وهذا اعتناء عظيم، وإنما نال ذلك ببركة متابعته لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم * وأما قوله عن عيسى بن مريم ﵇: إنه قال لبني إسرائيل ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ الآية، فهذا شيء يسير على الأنبياء، بل وعلى كثير من الأولياء، وقد قال يوسف الصديق لذينك الفتيين المحبوسين معه: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ الآية. وقد أخبر رسول الله ﷺ بالأخبار الماضية طبق ما وقع وعن الاخبار الحاضرة سواء بسواء كما أخبر عن أكل الأرضة لتلك الصحيفة الظالمة التي كانت بطون قريش قديما كتبتها على مقاطعة بنى هاشم وبنى المطلب حتى يسلموا اليهم رسول الله ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة، فأرسل الله الأرضة فأكلتها إلا مواضع اسم الله تعالى، وفي رواية: فأكلت اسم الله منها تنزيها لها أن تكون مع الّذي فيها من الظلم والعدوان، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ عمه أبا طالب وهم بالشعب، فخرج إليهم أبو طالب وقال لهم عما أخبرهم به، فقالوا: إن كان كما قال وإلا فسلموه إلينا، فقالوا: نعم، فأنزلوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر عنها رسول الله ﷺ سواء بسواء، فأقلعت بطون قريش عما كانوا عليه لبني هاشم وبنى المطلب، وهدى الله بذلك خلقا كثيرا، وكم له مثلها كما تقدم بسطه وبيانه في مواضع من السيرة وغيرها ولله الحمد والمنة *
وفي يوم بدر لما طلب من العباس عمه فداء ادعى أنه لا مال له، فقال له: فأين المال الّذي دفنته أنت وأم الفضل تحت أسكفة الباب، وقلت لها: إن قتلت فهو للصبية؟ فقال: والله يا رسول الله إن هذا شيء لم يطلع عليه غيري وغير أم الفضل إلا الله * وأخبر بموت النجاشي يوم مات وهو بالحبشة، وصلّى عليه، وأخبر عن قتل الأمراء يوم مؤتة واحدا بعد واحد وهو على المنبر وعيناه تذرفان، وأخبر عن الكتاب الّذي أرسل به حاطب بن بلتعة مع شاكر مولى بنى عبد المطلب، وأرسل في طلبها عليا والزبير والمقداد، فوجدوها قد جعلته في عقاصها، وفي رواية في حجزتها، وقد تقدم ذلك في غزوة الفتح، وقال لأميرى كسرى اللذين بعث بهما نائب اليمن لكسرى ليستعلما أمر رسول الله ﷺ : إن ربى قد قتل الليلة ربكما،
стр. 2066
فأرخا تلك الليلة، فإذا كسرى قد سلط الله عليه ولده فقتله، فأسلما وأسلم نائب اليمن، وكان سبب ملك اليمن لرسول الله ﷺ * وأما إخباره ﷺ عن الغيوب المستقبلة فكثيرة جدا كما تقدم بسط ذلك، وسيأتي في أنباء التواريخ ليقع ذلك طبق ما كان سواء * وذكر ابن حامد في مقابلة جهاد عيسى ﵊ جهاد رسول الله ﷺ ، وفي مقابلة زهد عيسى ﵊،
زهادة رسول الله ﷺ عن كنوز الأرض حين عرضت عليه فأباها، وقال: أجوع يوما وأشبع يوما وأنه كان له ثلاث عشرة زوجة يمضى عليهنّ الشهر والشهران لا توقد عندهن نار ولا مصباح إنما هو الأسودان التمر والماء، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، وما شبعوا من خبز بر ثلاث ليال تباعا، وكان فراشه من أدم وحشوه ليف، وربما اعتقل الشاة فيحلبها، ورقع ثوبه، وخصف نعله بيده الكريمة، صلوات الله وسلامه عليه، ومات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام اشتراه لأهله، هذا وكم آثر بآلاف مؤلفة والإبل والشاء والغنائم والهدايا، على نفسه وأهله للفقراء والمحاويج والأرامل والأيتام والأسرى والمساكين * وذكر أبو نعيم في مقابلة تبشير الملائكة لمريم الصديقة بوضع عيسى ما بشرت به آمنة أم رسول الله ﷺ حين حملت به في منامها، وما قيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فسميه محمدا، وقد بسطنا ذلك في المولد كما تقدم * وقد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا حديثا غريبا مطولا بالمولد أحببنا أن نسوقه ليكون الختام نظير الافتتاح، وبالله المستعان، وعليه التكلان ولله الحمد * فقال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا حفص بن عمرو بن الصباح، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلي، أنا أبو بكر بن أبى مريم عن سعيد بن عمر الأنصاري عن أبيه. قال: قال ابن عباس: فكان من دلالات حمل محمد ﷺ أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة: قد حمل برسول الله ﷺ ورب الكعبة، وهو أمان الدنيا وسراج أهلها، ولم يبق كاهن في قريش ولا قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبتها، وانتزع علم الكهنة منها، ولم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا، والملك مخرسا لا ينطق يومه لذلك، وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار بشر بعضهم بعضا، وفي كل شهر من شهوره نداء في الأرض ونداء في السموات: أبشروا فقد آن لأبى القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا. قال:
وبقي في بطن أمه تسعة أشهر، وهلك أبوه عبد الله وهو في بطن أمه، فقالت الملائكة: إلهنا وسيدنا، بقي نبيك هذا يتيما، فقال الله تعالى للملائكة: أنا له ولى وحافظ ونصير، فتبركوا بمولده ميمونا مباركا. وفتح الله لمولده أبواب السماء وجناته، وكانت آمنة تحدث عن نفسها وتقول: أتى لي آت حين مر لي من حمله ستة أشهر فوكزني برجله في المنام وقال: يا آمنة إنك حملت بخير العالمين طرا، فإذا ولدتيه فسميه محمدا أو النبي، شأنك. قال: وكانت تحدث عن نفسها وتقول: لقد أخذنى
стр. 2067
ما يأخذ النساء ولم يعلم بى أحد من القوم، ذكر ولا أنثى، وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه، قالت: فسمعت وجبة شديدة، وأمرا عظيما، فهالني ذلك، وذلك يوم الإثنين، ورأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي فذهب كل رعب وكل فزع ووجل كنت أجد، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا، وكنت عطشانة، فتناولتها فشربتها فأصابنى نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل الطوال، كأنهن من بنات عبد المطلب يحدقن بى، فبينا أنا أعجب وأقول: وا غوثاه، من أين علمن بى؟ واشتد بى الأمر وأنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول، وإذا أنا بديباج أبيض قد مد بين السماء والأرض، وإذا قائل يقول: خذوه عن أعين الناس، قالت: رأيت رجالا وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة وأنا يرشح منى عرق كالجمان، أطيب ريحا من المسك الأذفر، وأنا أقول:
ياليت عبد المطلب قد دخل على، قالت: ورأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي، مناقيرها من الزمرد، وأجنحتها من اليواقيت، فكشف الله لي عن بصيرتي، فأبصرت من ساعتي مشارق الأرض ومغاربها، ورأيت ثلاث علامات مضروبات، علم بالمشرق، وعلم بالمغرب، وعلم على ظهر الكعبة، فأخذني المخاض واشتد بى الطلق جدا، فكنت كأنى مسندة إلى أركان النساء، وكثرن على حتى كأنى مع البيت وأنا لا أرى شيئا، فولدت محمدا، فلما خرج من بطني درت فنظرت إليه فإذا هو ساجد وقد رفع إصبعيه كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته، فغيب عن عيني، فسمعت مناديا ينادى يقول: طوفوا بمحمد ﷺ شرق الأرض وغربها، وأدخلوه البحار كلها، ليعرفوه باسمه ونعته وصورته، ويعلموا أنه سمى الماحي، لا يبقى شيء من الشرك إلا محي به، قالت: ثم تخلوا عنه في أسرع وقت فإذا أنابه مدرج في ثوب صوف أبيض، أشد بياضا من اللبن، وتحته حريرة خضراء، وقد قبض محمد ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض، وإذا قائل يقول: قبض محمد مفاتيح النصر، ومفاتيح الريح، ومفاتيح النبوة * هكذا أورده وسكت عليه، وهو غريب جدا * وقال الشيخ جمال الدين أبو زكريا، يحيى بن يوسف بن منصور بن عمر الأنصاري الصرصرى، الماهر الحافظ للأحاديث واللغة، ذو المحبة الصادقة لرسول الله ﷺ ، فلذلك يشبه في عصره بحسان بن ثابت ﵁، وفي ديوانه المكتوب عنه في مديح رسول الله ﷺ ، وقد كان ضرير البصر، بصير البصيرة، وكانت وفاته ببغداد في سنة ست وخمسين وستمائة، قتله التتار في كل بنت (١) بغداد كما سيأتي ذلك في موضعه، في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة، وعليه التكلان، قال في قصيدته من حرف الحاء المهملة من ديوانه:
محمد المبعوث للناس رحمة … يشيد ما أوهى الضلال ويصلح
стр. 2068
لئن سبحت صم الجبال مجيبة … لداود أو لان الحديد المصفح
فان الصخور الصم لانت بكفه … وإن الحصا في كفه ليسبح
وإن كان موسى أنبع الما من العصا … فمن كفه قد أصبح الماء يطفح
وإن كانت الريح الرخاء مطيعة … سليمان لا تألو تروح وتسرح
فان الصبا كانت لنصر نبينا … برعب على شهر به الخصم يكلح
وإن أوتى الملك العظيم وسخرت … له الجن تشفى ما رضيه وتلدح
فان مفاتيح الكنوز بأسرها … أتته فرد الزاهد المترجح
وإن كان إبراهيم أعطى خلة … وموسى بتكليم على الطور يمنح
فهذا حبيب بل خليل مكلّم … وخصص بالرؤيا وبالحق أشرح
وخصص بالحوض العظيم وباللوا … ويشفع للعاصين والنار تلفح
وبالمقعد الأعلى المقرب عنده … عطاء ببشراه أقر وأفرح
وبالرتبة العليا الأسيلة دونها … مراتب أرباب المواهب تلمح
وفي جنة الفردوس أول داخل … له سائر الأبواب بالخار تفتح
وهذا آخر ما يسر الله جمعه من الأخبار بالمغيبات التي وقعت إلى زماننا مما يدخل في دلائل النبوة والله الهادي، وإذا فرغنا إن شاء الله من إيراد الحادثات من بعد موته ﵇ إلى زماننا، نتبع ذلك بذكر الفتن والملاحم الواقعة في آخر الزمان ثم نسوق بعد ذلك أشراط الساعة ثم نذكر البعث والنشور، ثم ما يقع يوم القيامة من الأهوال وما فيه من العظمة ونذكر الحوض والميزان والصراط ثم نذكر صفة النار ثم صفة الجنة.
стр. 2069
كتاب تاريخ الإسلام الأول
من الحوادث الواقعة في الزمان، ووفيات المشاهير والأعيان
«سنة إحدى عشرة من الهجرة»
تقدم ما كان في ربيع الأول منها من وفاة رسول الله ﷺ في يوم الإثنين وذلك لثانى عشر منه على المشهور وقد بسطنا الكلام في ذلك بما فيه كفاية وبالله التوفيق.
خلافة أبى بكر الصديق ﵁ وما كان في أيامه من الحوادث والأمور
قد تقدم أن رسول الله ﷺ توفى يوم الاثنين وذلك ضحى فاشتغل الناس ببيعة أبى بكر الصديق في سقيفة بنى ساعدة ثم في المسجد البيعة العامة في بقية يوم الاثنين وصبيحة الثلاثاء كما تقدم ذلك بطوله ثم أخذوا في غسل رسول الله ﷺ وتكفينه والصلاة عليه ﷺ تسليما بقية يوم الثلاثاء ودفنوه ليلة الأربعاء كما تقدم ذلك مبرهنا في موضعه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني الزهري حدثني أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر فقام عمر فتكلم قبل أبى بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إليّ رسول الله ﷺ ، ولكنى قد كنت أرى أن رسول الله ﷺ سيدبر أمرنا، يقول: يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم الّذي به هدى رسول الله ﷺ ، فأن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله ﷺ وثانى اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السقيفة، ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس فأنى قد وليت عليكم ولست بخيركم فان أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا الى صلاتكم يرحمكم الله * وهذا إسناد صحيح. وقد اتفق الصحابة ﵃ على بيعة الصديق في ذلك الوقت، حتى على بن أبى طالب والزبير بن العوام ﵄، والدليل على ذلك ما رواه البيهقي حيث قال: أنبأنا أبو الحسين على بن محمد بن على الحافظ الأسفراييني، ثنا أبو على الحسين بن على الحافظ، ثنا أبو بكر بن خزيمة وإبراهيم بن أبى طالب
стр. 2070
قالا: ثنا بندار بن يسار، ثنا أبو هشام المخزومي، ثنا وهيب، ثنا داود بن أبى هند، ثنا أبو نصرة عن أبى سعيد الخدريّ قال: قبض رسول الله ﷺ واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة، وفيهم أبو بكر وعمر قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أنا أنصار رسول الله ﷺ فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم ولو قلتم غير هذا لم نبايعكم فأخذ بيد أبى بكر وقال: هذا صاحبكم فبايعوه، فبايعه عمر، وبايعه المهاجرون والأنصار، وقال:
فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، قال: فدعا الزبير فجاء قال: قلت: ابن عمة رسول الله ﷺ أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فدعا بعلي بن أبى طالب قال: قلت: ابن عم رسول الله ﷺ وختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه، هذا أو معناه قال الحافظ أبو على النيسابورىّ: سمعت ابن خزيمة يقول: جاءني مسلّم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأت عليه، فقال: هذا حديث يساوى بدنة، فقلت: يسوى بدنة، بل هذا يسوى بدرة * وقد رواه الامام أحمد عن الثقة عن وهيب مختصرا، وأخرجه الحاكم في مستدركه من طريق عفان بن مسلّم عن وهيب مطولا كنحو ما تقدم * وروينا من طريق المحاملي عن القاسم بن سعيد بن المسيب عن على بن عاصم عن الحريري عن أبى نصرة عن أبى سعيد فذكره مثله في مبايعة على والزبير ﵄ يومئذ * وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم: حدثني أبى أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمرو أن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة، ولا سألتها الله في سر ولا علانية، فقبل المهاجرون مقالته، وقال على والزبير ما إلا لأننا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي، وهذا اللائق بعلي ﵁ والّذي يدل عليه الآثار من شهوده معه الصلوات، وخروجه معه إلى ذي القصة بعد موت رسول الله ﷺ ، كما سنورده، وبذله له النصيحة والمشورة، بين يديه، وأما ما يأتى من مبايعته إياه بعد موت فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها ﵇ بستة أشهر، فذلك محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله ﷺ في قوله: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، كما تقدم إيراد أسانيده وألفاظه ولله الحمد * وقد كتبنا هذه الطرق مستقصاة في الكتاب الّذي أفردناه في سيرة الصديق ﵁ وما أسنده من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، وما روى عنه من الأحكام مبوبة على أبواب العلم ولله الحمد والمنة، وقال سيف بن عمر