← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

فأرخا تلك الليلة، فإذا كسرى قد سلط الله عليه ولده فقتله، فأسلما وأسلم نائب اليمن، وكان سبب ملك اليمن لرسول الله ﷺ * وأما إخباره ﷺ عن الغيوب المستقبلة فكثيرة جدا كما تقدم بسط ذلك، وسيأتي في أنباء التواريخ ليقع ذلك طبق ما كان سواء * وذكر ابن حامد في مقابلة جهاد عيسى ﵊ جهاد رسول الله ﷺ ، وفي مقابلة زهد عيسى ﵊، زهادة رسول الله ﷺ عن كنوز الأرض حين عرضت عليه فأباها، وقال: أجوع يوما وأشبع يوما وأنه كان له ثلاث عشرة زوجة يمضى عليهنّ الشهر والشهران لا توقد عندهن نار ولا مصباح إنما هو الأسودان التمر والماء، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، وما شبعوا من خبز بر ثلاث ليال تباعا، وكان فراشه من أدم وحشوه ليف، وربما اعتقل الشاة فيحلبها، ورقع ثوبه، وخصف نعله بيده الكريمة، صلوات الله وسلامه عليه، ومات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام اشتراه لأهله، هذا وكم آثر بآلاف مؤلفة والإبل والشاء والغنائم والهدايا، على نفسه وأهله للفقراء والمحاويج والأرامل والأيتام والأسرى والمساكين * وذكر أبو نعيم في مقابلة تبشير الملائكة لمريم الصديقة بوضع عيسى ما بشرت به آمنة أم رسول الله ﷺ حين حملت به في منامها، وما قيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فسميه محمدا، وقد بسطنا ذلك في المولد كما تقدم * وقد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا حديثا غريبا مطولا بالمولد أحببنا أن نسوقه ليكون الختام نظير الافتتاح، وبالله المستعان، وعليه التكلان ولله الحمد * فقال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا حفص بن عمرو بن الصباح، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلي، أنا أبو بكر بن أبى مريم عن سعيد بن عمر الأنصاري عن أبيه. قال: قال ابن عباس: فكان من دلالات حمل محمد ﷺ أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة: قد حمل برسول الله ﷺ ورب الكعبة، وهو أمان الدنيا وسراج أهلها، ولم يبق كاهن في قريش ولا قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبتها، وانتزع علم الكهنة منها، ولم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا، والملك مخرسا لا ينطق يومه لذلك، وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار بشر بعضهم بعضا، وفي كل شهر من شهوره نداء في الأرض ونداء في السموات: أبشروا فقد آن لأبى القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا. قال: وبقي في بطن أمه تسعة أشهر، وهلك أبوه عبد الله وهو في بطن أمه، فقالت الملائكة: إلهنا وسيدنا، بقي نبيك هذا يتيما، فقال الله تعالى للملائكة: أنا له ولى وحافظ ونصير، فتبركوا بمولده ميمونا مباركا. وفتح الله لمولده أبواب السماء وجناته، وكانت آمنة تحدث عن نفسها وتقول: أتى لي آت حين مر لي من حمله ستة أشهر فوكزني برجله في المنام وقال: يا آمنة إنك حملت بخير العالمين طرا، فإذا ولدتيه فسميه محمدا أو النبي، شأنك. قال: وكانت تحدث عن نفسها وتقول: لقد أخذنى

стр. 2067

ما يأخذ النساء ولم يعلم بى أحد من القوم، ذكر ولا أنثى، وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه، قالت: فسمعت وجبة شديدة، وأمرا عظيما، فهالني ذلك، وذلك يوم الإثنين، ورأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي فذهب كل رعب وكل فزع ووجل كنت أجد، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا، وكنت عطشانة، فتناولتها فشربتها فأصابنى نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل الطوال، كأنهن من بنات عبد المطلب يحدقن بى، فبينا أنا أعجب وأقول: وا غوثاه، من أين علمن بى؟ واشتد بى الأمر وأنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول، وإذا أنا بديباج أبيض قد مد بين السماء والأرض، وإذا قائل يقول: خذوه عن أعين الناس، قالت: رأيت رجالا وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة وأنا يرشح منى عرق كالجمان، أطيب ريحا من المسك الأذفر، وأنا أقول: ياليت عبد المطلب قد دخل على، قالت: ورأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي، مناقيرها من الزمرد، وأجنحتها من اليواقيت، فكشف الله لي عن بصيرتي، فأبصرت من ساعتي مشارق الأرض ومغاربها، ورأيت ثلاث علامات مضروبات، علم بالمشرق، وعلم بالمغرب، وعلم على ظهر الكعبة، فأخذني المخاض واشتد بى الطلق جدا، فكنت كأنى مسندة إلى أركان النساء، وكثرن على حتى كأنى مع البيت وأنا لا أرى شيئا، فولدت محمدا، فلما خرج من بطني درت فنظرت إليه فإذا هو ساجد وقد رفع إصبعيه كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته، فغيب عن عيني، فسمعت مناديا ينادى يقول: طوفوا بمحمد ﷺ شرق الأرض وغربها، وأدخلوه البحار كلها، ليعرفوه باسمه ونعته وصورته، ويعلموا أنه سمى الماحي، لا يبقى شيء من الشرك إلا محي به، قالت: ثم تخلوا عنه في أسرع وقت فإذا أنابه مدرج في ثوب صوف أبيض، أشد بياضا من اللبن، وتحته حريرة خضراء، وقد قبض محمد ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض، وإذا قائل يقول: قبض محمد مفاتيح النصر، ومفاتيح الريح، ومفاتيح النبوة * هكذا أورده وسكت عليه، وهو غريب جدا * وقال الشيخ جمال الدين أبو زكريا، يحيى بن يوسف بن منصور بن عمر الأنصاري الصرصرى، الماهر الحافظ للأحاديث واللغة، ذو المحبة الصادقة لرسول الله ﷺ ، فلذلك يشبه في عصره بحسان بن ثابت ﵁، وفي ديوانه المكتوب عنه في مديح رسول الله ﷺ ، وقد كان ضرير البصر، بصير البصيرة، وكانت وفاته ببغداد في سنة ست وخمسين وستمائة، قتله التتار في كل بنت (١) بغداد كما سيأتي ذلك في موضعه، في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة، وعليه التكلان، قال في قصيدته من حرف الحاء المهملة من ديوانه: محمد المبعوث للناس رحمة … يشيد ما أوهى الضلال ويصلح

стр. 2068

لئن سبحت صم الجبال مجيبة … لداود أو لان الحديد المصفح فان الصخور الصم لانت بكفه … وإن الحصا في كفه ليسبح وإن كان موسى أنبع الما من العصا … فمن كفه قد أصبح الماء يطفح وإن كانت الريح الرخاء مطيعة … سليمان لا تألو تروح وتسرح فان الصبا كانت لنصر نبينا … برعب على شهر به الخصم يكلح وإن أوتى الملك العظيم وسخرت … له الجن تشفى ما رضيه وتلدح فان مفاتيح الكنوز بأسرها … أتته فرد الزاهد المترجح وإن كان إبراهيم أعطى خلة … وموسى بتكليم على الطور يمنح فهذا حبيب بل خليل مكلّم … وخصص بالرؤيا وبالحق أشرح وخصص بالحوض العظيم وباللوا … ويشفع للعاصين والنار تلفح وبالمقعد الأعلى المقرب عنده … عطاء ببشراه أقر وأفرح وبالرتبة العليا الأسيلة دونها … مراتب أرباب المواهب تلمح وفي جنة الفردوس أول داخل … له سائر الأبواب بالخار تفتح وهذا آخر ما يسر الله جمعه من الأخبار بالمغيبات التي وقعت إلى زماننا مما يدخل في دلائل النبوة والله الهادي، وإذا فرغنا إن شاء الله من إيراد الحادثات من بعد موته ﵇ إلى زماننا، نتبع ذلك بذكر الفتن والملاحم الواقعة في آخر الزمان ثم نسوق بعد ذلك أشراط الساعة ثم نذكر البعث والنشور، ثم ما يقع يوم القيامة من الأهوال وما فيه من العظمة ونذكر الحوض والميزان والصراط ثم نذكر صفة النار ثم صفة الجنة.

стр. 2069

كتاب تاريخ الإسلام الأول من الحوادث الواقعة في الزمان، ووفيات المشاهير والأعيان «سنة إحدى عشرة من الهجرة» تقدم ما كان في ربيع الأول منها من وفاة رسول الله ﷺ في يوم الإثنين وذلك لثانى عشر منه على المشهور وقد بسطنا الكلام في ذلك بما فيه كفاية وبالله التوفيق. خلافة أبى بكر الصديق ﵁ وما كان في أيامه من الحوادث والأمور قد تقدم أن رسول الله ﷺ توفى يوم الاثنين وذلك ضحى فاشتغل الناس ببيعة أبى بكر الصديق في سقيفة بنى ساعدة ثم في المسجد البيعة العامة في بقية يوم الاثنين وصبيحة الثلاثاء كما تقدم ذلك بطوله ثم أخذوا في غسل رسول الله ﷺ وتكفينه والصلاة عليه ﷺ تسليما بقية يوم الثلاثاء ودفنوه ليلة الأربعاء كما تقدم ذلك مبرهنا في موضعه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني الزهري حدثني أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر فقام عمر فتكلم قبل أبى بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إليّ رسول الله ﷺ ، ولكنى قد كنت أرى أن رسول الله ﷺ سيدبر أمرنا، يقول: يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم الّذي به هدى رسول الله ﷺ ، فأن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله ﷺ وثانى اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السقيفة، ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس فأنى قد وليت عليكم ولست بخيركم فان أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا الى صلاتكم يرحمكم الله * وهذا إسناد صحيح. وقد اتفق الصحابة ﵃ على بيعة الصديق في ذلك الوقت، حتى على بن أبى طالب والزبير بن العوام ﵄، والدليل على ذلك ما رواه البيهقي حيث قال: أنبأنا أبو الحسين على بن محمد بن على الحافظ الأسفراييني، ثنا أبو على الحسين بن على الحافظ، ثنا أبو بكر بن خزيمة وإبراهيم بن أبى طالب

стр. 2070

قالا: ثنا بندار بن يسار، ثنا أبو هشام المخزومي، ثنا وهيب، ثنا داود بن أبى هند، ثنا أبو نصرة عن أبى سعيد الخدريّ قال: قبض رسول الله ﷺ واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة، وفيهم أبو بكر وعمر قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أنا أنصار رسول الله ﷺ فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم ولو قلتم غير هذا لم نبايعكم فأخذ بيد أبى بكر وقال: هذا صاحبكم فبايعوه، فبايعه عمر، وبايعه المهاجرون والأنصار، وقال: فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، قال: فدعا الزبير فجاء قال: قلت: ابن عمة رسول الله ﷺ أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فدعا بعلي بن أبى طالب قال: قلت: ابن عم رسول الله ﷺ وختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه، هذا أو معناه قال الحافظ أبو على النيسابورىّ: سمعت ابن خزيمة يقول: جاءني مسلّم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأت عليه، فقال: هذا حديث يساوى بدنة، فقلت: يسوى بدنة، بل هذا يسوى بدرة * وقد رواه الامام أحمد عن الثقة عن وهيب مختصرا، وأخرجه الحاكم في مستدركه من طريق عفان بن مسلّم عن وهيب مطولا كنحو ما تقدم * وروينا من طريق المحاملي عن القاسم بن سعيد بن المسيب عن على بن عاصم عن الحريري عن أبى نصرة عن أبى سعيد فذكره مثله في مبايعة على والزبير ﵄ يومئذ * وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم: حدثني أبى أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمرو أن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة، ولا سألتها الله في سر ولا علانية، فقبل المهاجرون مقالته، وقال على والزبير ما إلا لأننا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي، وهذا اللائق بعلي ﵁ والّذي يدل عليه الآثار من شهوده معه الصلوات، وخروجه معه إلى ذي القصة بعد موت رسول الله ﷺ ، كما سنورده، وبذله له النصيحة والمشورة، بين يديه، وأما ما يأتى من مبايعته إياه بعد موت فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها ﵇ بستة أشهر، فذلك محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله ﷺ في قوله: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، كما تقدم إيراد أسانيده وألفاظه ولله الحمد * وقد كتبنا هذه الطرق مستقصاة في الكتاب الّذي أفردناه في سيرة الصديق ﵁ وما أسنده من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، وما روى عنه من الأحكام مبوبة على أبواب العلم ولله الحمد والمنة، وقال سيف بن عمر

стр. 2071

التميمي عن أبى ضمرة عن أبيه عن عاصم بن عدي، قال نادى منادى أبى بكر من الغد من متوفى رسول الله ﷺ ليتمم بعث أسامة: ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جيش أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف، وقام أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس إنما أنا مثلكم وانى لعلكم تكافوننى ما كان رسول الله ﷺ يطيق، إن الله اصطفى محمدا على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع ولست بمبتدع، فان استقمت فبايعوني، وإن زغت فقوموني، وإن رسول الله ﷺ قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها، وإن لي شيطانا يعتريني فإذا أتانى فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم، وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، وإن استطعتم أن لا يمضى إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك الا بالله، وسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فان قوما نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم بعدهم، فإياكم أن تكونوا أمثالهم، الجد الجد، النجاة النجاة، الوحا الوحا فان وراءكم طالبا حثيثا، وأجلا أمره سريع، احذروا الموت، واعتبروا بالآباء والأبناء والأخوان، ولا تطيعوا الأحياء إلا بما تطيعوا به الأموات، قال: وقام أيضا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه، فأريدوا الله بأعمالكم، فأنما أخلصتم لحين فقركم وحاجتكم، اعتبروا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم، أين كانوا أمس، وأين هم اليوم، أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب، قد تضعضع بهم الدهر، وصاروا رميما، قد تولت عليهم العالات، الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟ قد بعدوا ونسي ذكرهم، وصاروا كلا شيء، الا أن الله قد أبقى عليهم التبعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوا والأعمال أعمالهم، والدنيا دنيا غيرهم، وبعثنا خلفا بعدهم، فان نحن اعتبرنا بهم نجونا، وإن انحدرنا كنا مثلهم، أين الوضاءة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابا، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم، أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور، هل (تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا)؟ أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم، قد انتهت بهم آجالهم، فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة أو السعادة بعد الموت، ألا إن الله لا شريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا، ولا يصرف به عنه سوءا، إلا بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيد مدينون، وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النار ولا تبعد عنه الجنة؟.

стр. 2072

فصل في تنفيذ جيش أسامة بن زيد الذين كانوا قد أمرهم رسول الله ﷺ بالمسير الى تخوم البلقاء من الشام، حيث قتل زيد بن حارثة، وجعفر وابن رواحة: فيغتزوا على تلك الأراضي، فخرجوا إلى الجرف فخيموا به، وكان بينهم عمر بن الخطاب، ويقال: وأبو بكر الصديق فاستثناه رسول الله منهم للصلاة، فلما ثقل رسول الله ﷺ أقاموا هنالك، فلما مات عظم الخطب واشتد الحال ونجم النفاق بالمدينة، وارتد من ارتد من أحياء العرب حول المدينة، وامتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصديق، ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة، وكانت جواثا من البحرين أول قرية أقامت الجمعة بعد رجوع الناس الى الحق كما في صحيح البخاري عن ابن عباس كما سيأتي، وقد كانت ثقيف بالطائف ثبتوا على الإسلام، لم يفروا ولا ارتدوا، والمقصود أنه لما وقعت هذه الأمور أشار كثير من الناس على الصديق أن لا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم، لأن ما جهز بسببه في حال السلامة، وكان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب، فامتنع الصديق من ذلك، وأبى أشد الإباء، إلا أن ينفذ جيش أسامة، وقال: والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ ، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة وآمر الحرس يكونون حول المدينة فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالة تلك، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أرعبوا منهم، وقالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلا وبهم منعة شديدة، فقاموا أربعين يوما ويقال سبعين يوما، ثم أتوا سالمين غانمين، ثم رجعوا فجهزهم حينئذ مع الاحياء الذين أخرجهم لقتال المرتدة، ومانعي الزكاة على ما سيأتي تفصيله، قال سيف بن عمر: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما بويع أبو بكر وجمع الأنصار في الأمر الّذي افترقوا فيه، قال: ليتم بعث أسامة وقد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة، في كل قبيلة، ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية، والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقد نبيهم ﷺ ، وقلتهم وكثرة عدوهم، فقال له الناس: إن هؤلاء جل المسلمين والعرب على ما ترى قد انتقصت بك، وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال: والّذي نفس أبى بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ﷺ ، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته * وقد روى هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومن حديث القاسم وعمرة عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب قاطبة وأشربت النفاق، والله لقد نزل بى ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، وصار أصحاب محمد ﷺ

стр. 2073

كأنهم معزى مطيرة في حش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة، فو الله ما اختلفوا في نقطة الإطار أبى بخطلها وعنانها وفصلها، ثم ذكرت عمر فقالت: من رأى عمر علم أنه خلق غنى للإسلام، كان والله أحوذيا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها * وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن على الميموني، ثنا الفريابي، ثنا عباد بن كثير عن أبى الأعرج عن أبى هريرة قال: والله الّذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: مه يا أبا هريرة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض رسول الله ﷺ ، وارتدت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله فقالوا: يا أبا بكر رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: والّذي لا إله غيره لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشا وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله. فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم، ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام - عباد بن كثير هذا أظنه البرمكي - لرواية الفريابي عنه، وهو متقارب الحديث، فأما البصري الثقفي فمتروك الحديث والله أعلم * وروى سيف بن عمر عن أبى ضمرة وأبى عمرو وغيرهما عن الحسن البصري: أن أبا بكر لما صمم على تجهيز جيش أسامة قال بعض الأنصار لعمر: قل له فليؤمّر علينا غير أسامة، فذكر له عمر ذلك، فيقال: إنه أخذ بلحيته وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أؤمر غير أمير رسول الله ﷺ ؟ ثم نهض بنفسه إلى الجرف فاستعرض جيش أسامة وأمرهم بالمسير، وسار معهم ماشيا، وأسامة راكبا، وعبد الرحمن بن عوف يقود براحلة الصديق، فقال أسامة: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: والله لست بنازل ولست براكب، ثم استطلق الصديق من أسامة عمر بن الخطاب - وكان مكتتبا في جيشه - فأطلقه له، فلهذا كان عمر لا يلقاه بعد ذلك إلا قال: السلام عليك أيها الأمير. مقتل الأسود العنسيّ المتنبي الكذاب لعنه الله وأخزاه قال أبو جعفر بن جرير: حدثني عمرو بن شيبة النميري، ثنا على بن محمد - يعنى المدائني - عن أبى معشر ويزيد بن عياض عن جعد به، وغسان بن عبد الحميد وجويرية بن أسماء عن مشيختهم قالوا: أمضى أبو بكر جيش أسامة بن زيد في آخر ربيع الأول، وأتى مقتل الأسود في آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة، فكان ذلك أول فتح فتح أبو بكر وهو بالمدينة.

стр. 2074

صفة خروجه وتمليكه ومقتله قد أسلفنا فيما تقدم أن اليمن كانت لحمير، وكانت ملوكهم يسمون التبابعة، وتكلمنا في أيام الجاهلية على طرف صالح من هذا، ثم إن ملك الحبشة بعث أميرين من قواده، وهما أبرهة الأشرم، وارياط، فتملكا له اليمن من حمير، وصار ملكها للحبشة، ثم اختلف هذان الأميران، فقتل ارياط واستقل أبرهة بالنيابة، وبنى كنيسة سماها العانس، لارتفاعها، وأراد أن يصرف حج العرب إليها دون الكعبة، فجاء بعض قريش فأحدث في هذه الكنيسة، فلما بلغه ذلك حلف ليخربن بيت مكة، فسار إليه ومعه الجنود والفيل محمود، فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه * وقد تقدم بسط ذلك في موضعه، فرجع أبرهة ببعض من بقي من جيشه في أسوأ حال وشر خيبة، وما زال تسقط أعضاؤه أنملة أنملة، فلما وصل إلى صنعاء انصدع صدره فمات، فقام بالملك بعده ولده بلسيوم بن أبرهة ثم أخوه مسروق بن أبرهة، فيقال: إنه استمر ملك اليمن بأيدي الحبشة سبعين سنة، ثم ثار سيف بن ذي يزن الحميري، فذهب إلى قيصر ملك الروم يستنصره عليهم، فأبى ذلك عليه - لما بينه وبينهم من الاجتماع في دين النصرانية - فسار إلى كسرى ملك الفرس فاستغاث به، وله معه مواقف ومقامات في الكلام تقدم بسط بعضها، ثم اتفق الحال على أن بعث معه ممن بالسجون طائفة تقدمهم رجل منهم يقال له: وهرز، فاستنقذ ملك اليمن من الحبشة، وكسر مسروق بن أبرهة وقتله، ودخلوا إلى صنعاء وقرروا سيف بن ذي يزن في الملك على عادة آبائه، وجاءت العرب تهنئة من كل جانب، غير أن لكسرى نوابا على البلاد، فاستمر الحال على ذلك حتى بعث رسول الله ﷺ ، فأقام بمكة ما أقام، ثم هاجر إلى المدينة فلما كتب كتبه إلى الآفاق يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكتب في جملة ذلك إلى كسرى ملك الفرس: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فأسلّم تسلّم، إلى آخره، فلما جاءه الكتاب قال: ما هذا؟ قالوا: هذا كتاب جاء من عند رجل بجزيرة العرب يزعم أنه نبي، فلما فتح الكتاب فوجده قد بدأ باسمه قبل اسم كسرى، غضب كسرى غضبا شديدا، وأخذ الكتاب فمزقه قبل أن يقرأه، وكتب إلى عامله على اليمن - وكان اسمه باذام - أما بعد فإذا جاءك كتابي هذا فابعث من قبلك أميرين إلى هذا الرجل الّذي بجزيرة العرب، الّذي يزعم أنه نبي، فابعثه إليّ في جامعة، فلما جاء الكتاب إلى باذام، بعث من عنده أميرين عاقلين، وقال: اذهبا الى هذا الرجل، فانظرا ما هو، فأن كان كاذبا فخذاه في جامعة حتى تذهبا به إلى كسرى، وإن كان غير ذلك فارجعا إلى فأخبراني ما هو، حتى انظر في أمره، فقدما على رسول الله ﷺ الى المدينة، فوجداه على أسدّ الأحوال وأرشدها، ورأيا منه أمورا عجيبة، يطول ذكرها، ومكثا عنده

стр. 2075

شهرا حتى بلغا ما جاءا له، ثم تقاضاه الجواب بعد ذلك، فقال لهما: ارجعا إلى صاحبكما فأخبراه أن ربى قد قتل الليلة ربه، فأرخا ذلك عندهما ثم رجعا سريعا إلى اليمن فأخبرا باذام بما قال لهما فقال: أحصوا تلك الليلة، فان ظهر الأمر كما قال فهو نبي، فجاءت الكتب من عند ملكهم أنه قد قتل كسرى في ليلة كذا وكذا، لتلك الليلة، وكان قد قتله بنوه ولهذا قال بعض الشعراء: وكسرى إذ تقاسمه بنوه … بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيوم … أنى ولكل حاملة تمام وقام بالملك بعده ولده يزدجرد وكتب إلى باذام أن خذ لي البيعة من قبلك، واعمد إلى ذلك الرجل فلا تهنه وأكرمه، فدخل الإسلام في قلب باذام وذريته من أبناء فارس ممن باليمن، وبعث إلى رسول الله ﷺ بإسلامه، فبعث إليه رسول الله ﷺ بنيابة اليمن بكمالها، فلم يعزله عنها حتى مات، فلما مات استناب ابنه شهر بن باذام على صنعاء وبعض مخاليف، وبعث طائفة من أصحابه نوابا على مخاليف أخر، فبعث أولا في سنة عشر، عليا وخالدا، ثم أرسل معاذا وأبا موسى الأشعري وفرق عمالة اليمن بين جماعة من الصحابة، فمنهم شهر بن باذام، وعامر بن شهر الهمدانيّ، على همدان، وأبو موسى على ما رب، وخالد بن سعيد بن العاص على عامر نجران ورفع وزبيد، ويعلى ابن أمية على الجند، والطاهر بن أبى هالة على عل والأشعريين، وعمرو بن حرام على نجران، وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد، وعلى السكاسك عكاشة بن مور بن أخضر، وعلى السكون معاوية بن كندة، وبعث معاذ بن جبل معلما لأهل البلدين - اليمن وحضرموت - يتنقل من بلد إلى بلد، ذكره سيف بن عمر، وذلك كله في سنة عشر، آخر حياة رسول الله ﷺ فبينما هم على ذلك إذ نجم هذا اللعين الأسود العنسيّ. خروج الأسود العنسيّ واسمه عبهلة بن كعب بن غوث - من بلد يقال لها: كهف حنان - في سبعمائة مقاتل، وكتب إلى عمال النبي ﷺ : أيها المتمردون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم، فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه، ثم ركب فتوجه إلى نجران فأخذها بعد عشر ليال من مخرجه ثم قصد إلى صنعاء، فخرج اليه شهر بن باذام فتقاتلا، فغلبه الأسود وقتله، وكسر جيشه من الأبناء واحتل بلدة صنعاء لخمس وعشرين ليلة من مخرجه، ففر معاذ بن جبل من هنالك واجتاز بأبي موسى الأشعري، فذهبا الى حضرموت وانحاز عمال رسول الله ﷺ إلى الطاهر، ورجع عمر بن حرام وخالد بن سعيد بن العاص إلى المدينة، واستوثقت اليمن بكمالها للأسود العنسيّ، وجعل أمره يستطير استطارة الشرارة، وكان جيشه يوم لقي شهرا سبعمائة فارس، وأمراؤه قيس بن عبد يغوث ومعاوية

стр. 2076

ابن قيس ويزيد بن محرم بن حصن الحارثي، ويزيد بن الأفكل الأزدي، واشتد ملكه، واستغلظ أمره، وارتد خلق من أهل اليمن وعامله المسلمون الذين هناك بالتقية، وكان خليفته على مذحج عمرو بن معديكرب وأسند أمر الجند الى قيس بن عبد يغوث، وأسند أمر الأبناء الى فيروز الديلميّ وداذويه وتزوج بامرأة شهر بن باذام وهي ابنة عم فيروز الديلميّ، واسمها زاذ، وكانت امرأة حسناء جميلة، وهي مع ذلك مؤمنة بالله ورسوله محمد ﷺ ، ومن الصالحات، قال سيف بن عمر التميمي: وبعث رسول الله ﷺ كتابه، حين بلغه خبر الأسود العنسيّ مع رجل يقال له: وبر بن يحنس الديلميّ: يأمر المسلمين الذين هناك بمقاتلة الأسود العنسيّ ومصاولته، وقام معاذ بن جبل بهذا الكتاب أتم القيام، وكان قد تزوج امرأة من السكون يقال لها: رملة، فحزبت عليه السكون لصبره فيهم، وقاموا معه في ذلك، وبلغوا هذا الكتاب إلى عمال النبي ﷺ ، ومن قدروا عليه من الناس، واتفق اجتماعهم بقيس بن عبد يغوث أمير الجند - وكان قد غضب على الأسود، واستخف به، وهم بقتله - وكذلك كان أمر فيروز الديلميّ، قد ضعف عنده أيضا، وكذا داذويه، فلما أعلم وبر بن نحيس قيس بن عبد يغوث، وهو قيس بن مكشوح، كان كأنما نزلوا عليه من السماء، ووافقهم على الفتك بالأسود وتوافق المسلمون على ذلك، وتعاقدوا عليه، فلما أيقن ذلك في الباطن اطلع شيطان الأسود للأسود على شيء من ذلك، فدعا قيس بن مكشوح، فقال له: يا قيس ما يقول هذا؟ قال: وما يقول؟ قال يقول: عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك كل مدخل، وصار في العز مثلك، مال ميل عدوك، وحاول ملكك، وأضمر على الغدر، إنه يقول يا أسود يا أسود يا سوآه يا سوآه، فطف به وخذ من قيس أعلاه وإلا سلبك وقطف ف ك؟؟ (١) فقال له قيس وحلف له فكذب: وذي الخمار لانت أعظم في نفسي وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي، فقال له الأسود: ما إخالك تكذب الملك، فقد صدق الملك وعرف الآن أنك تائب عما اطلع عليه منك، ثم خرج قيس من بين يديه فجاء إلى أصحابه فيروز وداذويه، وأخبرهم بما قال له ورد عليه، فقالوا: إنا كلنا على حذر، فما الرأى، فبينما هم يشتورون إذ جاءهم رسوله فأحضرهم بين يديه، فقال: ألم أشرفكم على قومكم؟ قالوا: بلى، قال: فماذا يبلغني عنكم؟ فقالوا: أقلنا مرتنا هذه، فقال: لا يبلغني عنكم فأقيلكم، قال: فخرجنا من عنده ولم نكد، وهو في ارتياب من أمرنا، ونحن على خطر، فبينما نحن في ذلك إذ جاءتنا كتب من عامر بن شهر، أمير همدان، وذي ظليم، وذي كلاع، وغيرهم من أمراء اليمن، يبذلون لنا الطاعة والنصر، على مخالفة الأسود، وذلك حين جاءهم كتاب رسول الله ﷺ يحثهم على مصاولة الأسود العنسيّ، فكتبنا اليهم أن لا يحدثوا شيئا حتى نبرم الأمر، قال قيس: فدخلت على امرأته

стр. 2077

ازاذ، فقلت: يا ابنة عمى قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك، قتل زوجك، وطأطأ في قومك القتل، وفضح النساء، فهل عندك ممالأة عليه؟ قالت: على أي أمر، قلت إخراجه، قالت: أو قتله، قلت: أو قتله، قالت: نعم، والله ما خلق الله شخصا هو أبغض إليّ منه، فما يقوم لله على حق ولا ينتهى له عن حرمة، فإذا عزمتم أخبرونى أعلمكم بما في هذا الأمر، قال فأخرج فإذا فيروز وداذويه، ينتظر انى يريدون أن يناهضوه، فما استقر اجتماعه بهما حتى بعث إليه الأسود فدخل في عشرة من قومه، فقال: ألم أخبرك بالحق وتخبرني بالكذابة؟ إنه يقول: يا سوأة يا سوأة، إن لم تقطع من قيس يده يقطع رقبتك العليا، حتى ظن قيس أنه قاتله، فقال: إنه ليس من الحق، أن أهلك وأنت رسول الله، فقتلى أحب إليّ من موتات أموتها كل يوم، فرق له وأمره بالانصراف، فخرج إلى أصحابه فقال: اعملوا عملكم، فبينما هم وقوف بالباب يشتورون، إذ خرج الأسود عليهم وقد جمع له مائة ما بين بقرة وبعير، فقام وخط خطا وأقيمت من ورائه، وقام دونها، فنحرها، غير محبسة ولا معقلة، ما يقتحم الخط منها شيء، فجالت إلى أن زهقت أرواحها، قال قيس: فما رأيت أمرا كان أفظع منه، ولا يوما أوحش منه، ثم قال الأسود: أحق ما بلغني عنك يا فيروز؟ لقد هممت أن أنحرك فألحقك بهذه البهيمة، وأبدى له الحربة، فقال له فيروز: اخترتنا لصهرك، وفضلتنا على الأبناء، فلو لم تكن نبيا ما بعنا نصيبنا منك بشيء، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر الآخرة والدنيا؟ فلا تقبل علينا أمثال ما يبلغك، فأنا بحيث تحب، فرضى عنه وأمره بقسم لحوم تلك الانعام ففرقها فيروز في أهل صنعاء، ثم أسرع اللحاق به، فإذا رجل يحرضه على فيروز ويسعى إليه فيه، واستمع له فيروز، فإذا الأسود يقول: أنا قاتله غدا وأصحابه، فاغد عليّ به، ثم التفت فإذا فيروز، فقال: مه، فأخبره فيروز بما صنع من قسم ذلك اللحم، فدخل الأسود داره، ورجع فيروز إلى أصحابه فأعلمهم بما سمع وبما قال وقيل له، فاجتمع رأيهم على أن عاودوا المرأة في أمره، فدخل أحدهم - وهو فيروز - إليها فقالت: إنه ليس من الدار بيت إلا والحرس محيطون به، غير هذا البيت، فأن ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطريق، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه من دون الحرس، وليس من دون قتله شيء، وإني سأضع في البيت سراجا وسلاحا، فلما خرج من عندها تلقاه الأسود فقال له: ما أدخلك على أهلي؟ ووجأ رأسه، وكان الأسود شديدا، فصاحت المرأة فأدهشته عنه، ولولا ذلك لقتله، وقالت: ابن عمى جاءني زائرا، فقال: اسكتي لا أبا لك، قد وهبته لك، فخرج على أصحابه فقال: النجاء النجاء، وأخبرهم الخبر، فحاروا ماذا يصنعون؟ فبعثت المرأة إليهم تقول لهم: لا تنثنوا عما كنتم عازمين عليه، فدخل عليها فيروز الديلميّ فاستثبت منها الخبر، ودخلوا إلى ذلك البيت فنقبوا من داخله بطائن ليهون عليهم النقب من خارج، ثم جلس عندهما

стр. 2078

جهرة كالزائر، فدخل الأسود فقال: وما هذا؟ فقالت: إنه أخى من الرضاعة، وهو ابن عمى، فنهره وأخرجه، فرجع إلى أصحابه، فلما كان الليل نقبوا ذلك البيت فدخلوا فوجدوا فيه سراجا تحت جفنة فتقدم اليه فيروز الديلميّ والأسود نائم على فراش من حرير، قد غرق رأسه في جسده، وهو سكران يغط، والمرأة جالسة عنده، فلما قام فيروز على الباب أجلسه شيطانه وتكلم على لسانه - وهو مع ذلك يغط - فقال: ما لي وما لك يا فيروز؟ فخشي إن رجع يهلك وتهلك المرأة، فعاجله وخالطه وهو مثل الجمل فأخذ رأسه فدق عنقه ووضع ركبتيه في ظهره حتى قتله، ثم قام ليخرج إلى أصحابه ليخبرهم، فأخذت المرأة بذيله وقالت: أين تذهب عن حرمتك. فظنت أنها لم تقتله، فقال: أخرج لأعلمهم بقتله، فدخلوا عليه ليحتزوا رأسه، فحركه شيطانه فاضطرب، فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره، وأخذت المرأة بشعره، وجعل يبربر بلسانه فاحتزّ الآخر رقبته، فخار كأشد خوار ثور سمع قط، فابتدر الحرس إلى المقصورة، فقالوا: ما هذا ما هذا؟ فقالت المرأة: النبي يوحى إليه، فرجعوا، وجلس قيس وداذويه وفيروز يأتمرون كيف يعلمون أشياعهم، فاتفقوا على أنه إذا كان الصباح ينادون بشعارهم الّذي بينهم وبين المسلمين، فلما كان الصباح قام أحدهم، وهو قيس على سور الحصن فنادى بشعارهم، فاجتمع المسلمون والكافرون حول الحصن، فنادى قيس ويقال: وبر بن يحنش، الأذان: أشهد أن محمدا رسول الله، وأن عبهلة كذاب، وألقى إليهم رأسه فانهزم أصحابه وتبعهم الناس يأخذونهم ويرصدونهم في كل طريق يأسرونهم، وظهر الإسلام وأهله، وتراجع نواب رسول الله ﷺ إلى أعمالهم وتنازع أولئك الثلاثة في الإمارة، ثم اتفقوا على معاذ ابن جبل يصلّى بالناس، وكتبوا بالخبر إلى رسول الله ﷺ ، وقد أطلعه الله على الخبر من ليلته، كما قال سيف بن عمر التميمي عن أبى القاسم الشنوى عن العلاء بن زيد عن ابن عمر: أتى الخبر إلى النبي ﷺ من السماء الليلة التي قتل فيها العنسيّ ليبشرنا، فقال: قتل العنسيّ البارحة قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين، قيل: ومن؟ قال: فيروز فيروز، وقد قيل: إن مدة ملكه منذ ظهر إلى أن قتل ثلاثة أشهر، ويقال: أربعة أشهر، فالله أعلم * وقال سيف بن عمر عن المستنير عن عروة عن الضحاك عن فيروز: قال: قتلنا الأسود، وعاد أمرنا في صنعاء كما كان إلا أنا أرسلنا إلى معاذ بن جبل فتراضينا عليه، فكان يصلّى بنا في صنعاء، فو الله ما صلّى بنا إلا ثلاثة أيام حتى أتانا الخبر بوفاة رسول الله ﷺ ، فانتقضت الأمور، وأنكرنا كثيرا مما كنا نعرف، واضطربت الأرض * وقد قدمنا أن خبر العنسيّ جاء إلى الصديق في أواخر ربيع الأول بعد ما جهز جيش أسامة، وقيل: بل جاءت البشارة إلى المدينة صبيحة توفى رسول الله ﷺ والأول أشهر والله أعلم * والمقصود أنه لم يجئهم فيما يتعلق بمصالحهم واجتماع كلمتهم وتأليف ما بينهم

стр. 2079

والتمسك بدين الإسلام إلا الصديق ﵁، وسيأتي إرساله إليهم من يمهد الأمور التي اضطربت في بلادهم ويقوى أيدي المسلمين، ويثبت أركان دعائم الإسلام فيهم، ﵃ * فصل في تصدى الصديق لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة قد تقدم أن رسول الله ﷺ لما توفى ارتدت أحياء كثيرة من الأعراب، ونجم النفاق بالمدينة وانحاز إلى مسيلمة الكذاب بنو حنيفة وخلق كثير باليمامة، والتفت على طليحة الأسدي بنو أسد وطيِّئ، وبشر كثير أيضا، وادعى النبوة أيضا كما ادعاها مسيلمة الكذاب، وعظم الخطب واشتدت الحال، ونفذ الصديق جيش أسامة، فقل الجند عند الصديق، فطمعت كثير من الأعراب في المدينة وراموا أن يهجموا عليها، فجعل الصديق على أنقاب المدينة حراسا يبيتون بالجيوش حولها، فمن أمراء الحرس على بن أبى طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبد الله، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وجعلت وفود العرب تقدم المدينة. يقرون بالصلاة ويمتنعون من أداء الزكاة، ومنهم من امتنع من دفعها إلى الصديق، وذكر أن منهم من احتج بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالوا: فلسنا ندفع زكاتنا الا إلى من صلاته سكن لنا، وأنشد بعضهم: أطعنا رسول الله إذ كان بيننا … فوا عجبا ما بال ملك أبى بكر وقد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يتركهم وما هم عليه من منع الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الايمان في قلوبهم: ثم هم بعد ذلك يزكون، فامتنع الصديق من ذلك وأباه * وقد روى الجماعة في كتبهم سوى ابن ماجة عن أبى هريرة أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: علام تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟ فقال أبو بكر: والله لو منعونى عناقا، وفي رواية: عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنهم على منعها، إن الزكاة حق المال، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، قال عمر: فما هو الا أن رأيت الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال، فعرفت أنه الحق * قلت: وقد قال الله تعالى ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وثبت في الصحيحين: بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان * وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريقين عن شبابة ابن سوار: ثنا عيسى بن يزيد المديني، حدثني صالح بن كيسان، قال: لما كانت الردة قام أبو بكر

стр. 2080

في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: الحمد لله الّذي هدى فكفى، وأعطى فأغنى، إن الله بعث محمدا ﷺ ، والعلم شريد، والإسلام غريب طريد، قد رث حبله، وخلق عهده، وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرا لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شرا لبشر عندهم، قد غيروا كتابهم، وألحقوا فيه ما ليس منه، والعرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من الله لا يعبدونه ولا يدعونه، فأجهدهم عيشا، وأضلهم دينا، في ظلف من الأرض مع ما فيه من السحاب فختمهم الله بمحمد، وجعلهم الأمة الوسطى، نصرهم بمن اتبعهم، ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله نبيه ﷺ فركب منهم الشيطان مركبه الّذي أنزله عليه، وأخذ بأيديهم، وبغى هلكتهم ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ إن من حولكم من العرب منعوا شاتهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم - وإن رجعوا إليه - أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا، على ما قد تقدم من بركة نبيكم ﷺ ، وقد وكلكم إلى المولى الكافي، الّذي وجده ضالا فهداه، وعائلا فأغناه ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ الآية، والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده، ويوفى لنا عهده، ويقتل من قتل منا شهيدا من أهل الجنة، ويبقى من بقي منها خليفته وذريته في أرضه، قضاء الله الحق، وقوله الّذي لا خلف له ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، ثم نزل * وقال الحسن وقتادة وغيرهما في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الآية، قالوا: المراد بذلك أبو بكر وأصحابه، في قتالهم المرتدين، ومانعي الزكاة * وقال محمد بن إسحاق: ارتدت العرب عند وفاة رسول الله ﷺ ما خلا أهل المسجدين، مكة، والمدينة، وارتدت أسد وغطفان وعليهم طليحة بن خويلد الأسدي الكاهن، وارتدت كندة ومن يليها، وعليهم الأشعث بن قيس الكندي، وارتدت مذحج ومن يليها، وعليهم الأسود بن كعب العنسيّ الكاهن، وارتدت ربيعة مع المعرور ابن النعمان بن المنذر، وكانت حنيفة مقيمة على أمرها مع مسيلمة بن حبيب الكذاب * وارتدت سليم مع الفجأة، واسمه أنس بن عبد يا ليل، وارتدت بنو تميم مع سجاح الكاهنة * وقال القاسم بن محمد: اجتمعت أسد وغطفان وطيِّئ على طليحة الأسدي، وبعثوا وفودا إلى المدينة، فنزلوا على وجوه الناس فأنزلوهم إلا العباس، فحملوا بهم إلى أبى بكر، على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة، فعزم الله لأبى بكر على الحق وقال: لو منعونى عقالا لجاهدتهم، فردهم فرجعوا إلى عشائرهم، فأخبروهم بقلة أهل المدينة، وطمعوهم فيها، فجعل أبو بكر الحرس على أنقاب المدينة، وألزم أهل المدينة بحضور المسجد وقال: إن الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون ليلا يأتون أم نهارا، وأدناهم

стр. 2081

منكم على بريد، وقد كان القوم يؤملون أن نقبل منهم ونوادعهم وقد أبينا عليهم، فاستعدوا وأعدوا فما لبثوا إلا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارة، وخلفوا نصفهم بذي حسي ليكونوا ردءا لهم، وأرسل الحرس إلى أبى بكر يخبرونه بالغارة، فبعث إليهم: أن الزموا مكانكم. وخرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم، فانفشّ العدو واتبعهم المسلمون على إبلهم، حتى بلغوا ذا حسي فخرج عليهم الردء فالتقوا مع الجمع فكان الفتح وقد قال: أطعنا رسول الله ما كان وسطنا … فيا لعباد الله ما لأبى بكر أيورثنا بكرا إذا مات بعده … وتلك لعمر الله قاصمة الظهر فهلا رددتم وفدنا بزمانه؟ … وهلا خشيتم حسّ راعية البكر؟ وإن التي سألوكمو فمنعتمو … لكالتمر أو أحلى إليّ من التمر وفي جمادى الآخرة ركب الصديق في أهل المدينة وأمراء الأنقاب، إلى من حول المدينة من الأعراب الذين أغاروا عليها، فلما تواجه هو وأعداؤه من بنى عبس، وبنى مرة، وذبيان، ومن ناصب معهم من بنى كنانة، وأمدهم طليحة بابنه حبال، فلما تواجه القوم كانوا قد صنعوا مكيدة وهي أنهم عمدوا إلى أنحاء فنفخوها ثم أرسلوها من رءوس الجبال، فلما رأتها إبل أصحاب الصديق نفرت وذهبت كل مذهب، فلم يملكوا من أمرها شيئا إلى الليل، وحتى رجعت إلى المدينة، فقال في ذلك الخطيل بن أوس: فدى لبني ذبيان رحلي وناقتي … عشية يحدى بالرماح أبو بكر ولكن يدهدى بالرجال فهبنه … الى قدر ما أن تقيم ولا تسرى ولله أجناد تذاق مذاقه … لتحسب فيما عد من عجب الدهر أطعنا رسول الله ما كان بيننا … فيا لعباد الله ما لأبى بكر فلما وقع ما وقع ظن القوم بالمسلمين الوهن، وبعثوا إلى عشائرهم من نواحي أخر، فاجتمعوا، وبات أبو بكر ﵁ قائما ليله يعبئ الناس، ثم خرج على تعبئة من آخر الليل، وعلى ميمنته النعمان ابن مقرّن، وعلى الميسرة أخوه عبد الله بن مقرن، وعلى الساقة أخوهما سويد بن مقرن، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين حسا ولا همسا، حتى وضعوا فيهم السيوف، فما طلعت الشمس حتى ولوهم الأدبار، وغلبوهم على عامة ظهرهم، وقتل حبال، واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة، وكان أول الفتح، وذل بها المشركون، وعز بها المسلمون، ووثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم، وفعل من وراءهم كفعلهم، فحلف أبو بكر ليقتلن من كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة، ففي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي:

стр. 2082

غداة سعى أبو بكر إليهم … كما يسعى لموتته حلال أراح على نواهقها عليا … ومجّ لهن مهجته حبال وقال أيضا: أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا … ككبكبة الغزّى أناخوا على الوفر فما صبروا للحرب عند قيامها … صبيحة يسمو بالرجال أبو بكر طرقنا بنى عبس بأدنى نباجها … وذبيان نهنهنا بقاصمة الظهر فكانت هذه الوقعة من أكبر العون على نصر الإسلام وأهله، وذلك أنه عز المسلمون في كل قبيلة، وذل الكفار في كل قبيلة، ورجع أبو بكر إلى المدينة مؤيدا منصورا، سالما غانما، وطرقت المدينة في الليل صدقات عدي بن حاتم، وصفوان والزبرقان، إحداها في أول الليل، والثانية في أوسطه والثالثة في آخره، وقدم بكل واحدة منهن بشير من أمراء الأنقاب، فكان الّذي بشر بصفوان سعد ابن أبى وقاص، والّذي بشر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف، والّذي بشر بعدي بن حاتم عبد الله ابن مسعود، ويقال: أبو قتادة الأنصاري ﵁ * وذلك على رأس ستين ليلة من متوفى رسول الله ﷺ * ثم قدم أسامة بن زيد بعد ذلك بليال، فاستخلفه أبو بكر على المدينة، وأمرهم أن يريحوا ظهرهم، ثم ركب أبو بكر في الذين كانوا معه، في الوقعة المتقدمة، إلى ذي القصة، فقال له المسلمون: لو رجعت إلى المدينة وأرسلت رجلا، فقال: والله لا أفعل، ولأواسينكم بنفسي، فخرج في تعبئته، الى ذي حسي وذي القصة، والنعمان وعبد الله وسويد بنو مقرن على ما كانوا عليه، حتى نزل على أهل الرَّبَذَة بالابرق وهناك جماعة من بنى عبس وذبيان، وطائفة من بنى كنانة، فاقتتلوا فهزم الله الحارث وعوفا وأخذ الحطيئة أسيرا فطارت بنو عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أياما وقد غلب بنى ذبيان على البلاد، وقال: حرام على بنى ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد، إذ غنمناها الله وحمى الأبرق بخيول المسلمين، وأرعى سائر بلاد الرَّبَذَة. ولما فرت عبس وذبيان صاروا إلى مؤازرة طلحة وهو نازل على بزاخة، وقد قال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة: ويوم بالأبارق قد شهدنا … على ذبيان يلتهب التهابا أتيناهم بداهية نسوف … مع الصديق إذ ترك العتابا ذكر خروجه الى ذي القصة حين عقد ألوية الأمراء الأحد عشر على ما سيأتي وذلك بعد ما جم جيش أسامة واستراحوا، ركب الصديق أيضا في الجيوش الإسلامية شاهرا سيفه مسلولا، من المدينة إلى ذي القصة، وهي من المدينة على مرحلة، وعلى بن أبى طالب يقود براحلة الصديق ﵄، كما سيأتي، فسأله الصحابة، منهم على وغيره، وألحوا عليه أن يرجع

стр. 2083

إلى المدينة، وأن يبعث لقتال الأعراب غيره ممن يؤمره من الشجعان الأبطال، فأجابهم إلى ذلك، وعقد لهم الألوية لأحد عشر أميرا، على ما سنفصله قريبا إن شاء الله * وقد روى الدار قطنى من حديث عبد الوهاب بن موسى الزهري عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر قال: لما برز أبو بكر إلى القصة واستوى على راحلته، أخذ على بن أبى طالب بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال رسول الله ﷺ يوم أحد: لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فو الله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا، فرجع * هذا حديث غريب من طريق مالك، وقد رواه زكريا الساجي من حديث عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف [و] الزهري أيضا عن أبى الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: خرج أبى شاهرا سيفه راكبا على راحلته الى وادي القصة، فجاء على بن أبى طالب فأخذ بزمام راحلته فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد: لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك فو الله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا، فرجع وأمضى الجيش * وقال سيف بن عمر عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد: لما استراح أسامة وجنده، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم، قطع أبو بكر البعوث، وعقد الألوية: فعقد أحد عشر لواء، عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة ابن خويلد، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له. ولعكرمة بن أبى جهل، وأمره بمسيلمة. وبعث شرحبيل بن حسنة في أثره إلى مسيلمة الكذاب، ثم إلى بنى قضاعة. وللمهاجر بن أبى أمية، وأمره بجنود العنسيّ ومعونة الأبناء على قيس بن مكشوح * قلت: وذلك لانه كان قد نزع يده من الطاعة، على ما سيأتي. قال: ولخالد بن سعيد بن العاص إلى مشارف الشام. ولعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة ووديعة والحارث. ولحذيفة بن محصن الغطفانيّ وأمره بأهل دبا وبعرفجة وهرثمة وغير ذلك. ولطرفة بن حاجب وأمره ببني سليم ومن معهم من هوازن. ولسويد بن مقرن، وأمره بتهامة اليمن. وللعلاء بن الحضرميّ، وأمره بالبحرين ﵃ * وقد كتب لكل أمير كتاب عهده على حدته، ففصل كل أمير بجنده من ذي القصة، ورجع الصديق إلى المدينة، وقد كتب معهم الصديق كتابا الى الرَّبَذَة وهذه نسخته «بسم الله الرحمن الرحيم. من أبى بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى من بلغه كتابي هذا، من عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه، سلام على من اتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى الى الضلالة والهوى، فانى أحمد الله إليكم الّذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، نقر بما جاء به، ونكفر من أبى ذلك ونجاهده. أما بعد فأن الله أرسل بالحق من عنده، الى خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا الى الله بأذنه وسراجا منيرا، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من

стр. 2084

أجاب إليه، وضرب رسول الله ﷺ من أدبر عنه، حتى صار إلى الإسلام طوعا أو كرها، ثم توفى الله رسوله، وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمته، وقضى الّذي عليه، وكان الله قد بين له ذلك، ولأهل الإسلام في الكتاب الّذي أنزل فقال ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقال: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ وقال للمؤمنين ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ فمن كان إنما يعبد محمدا فأن محمدا قد مات، ومن كان إنما يعبد الله فأن الله حي لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه. وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم وما جاءكم به نبيكم ﷺ ، وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله، فأن كل من لم يهده الله ضال، وكل من لم يعنه الله مخذول، ومن هداه غير الله كان ضالا، قال الله تعالى ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ ولن يقبل له في الدنيا عمل [عبد] حتى يقربه، ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل، وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام، وعمل به، اغترارا بالله وجهلا بأمره، وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ وإني بعثت إليكم في جيش من المهاجرين والأنصار، والتابعين بأحسان، وأمرته أن لا يقبل من أحد الا الايمان بالله، ولا يقتله حتى يدعوه إلى الله ، فأن أجاب وأقر وعمل صالحا قبل منه، وأعانه عليه وإن أبى حاربه عليه حتى يفيء إلى أمر الله، ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار وأن يقتلهم كل قتلة، وأن يسبى النساء والذراري ولا يقبل من أحد غير الإسلام، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابه في كل مجمع لكم، والداعية الأذان فإذا أذن المسلمون فكفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا فسلوهم ما عليهم، فان أبوا عاجلوهم، وإن أقروا حمل منهم على ما ينبغي لهم * رواه سيف بن عمر عن عبد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. فصل في مسير الأمراء من ذي القصة على ما عوهدوا عليه وكان سيد الأمراء ورأس الشجعان الصناديد أبو سليمان خالد بن الوليد * روى الامام أحمد من طريق وحشي بن حرب، أن أبا بكر الصديق لما عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نعم عبد الله وأخو العشيرة، خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله

стр. 2085

سله الله على الكفار والمنافقين، ولما توجه خالد من ذي القصة وفارقه الصديق، واعده أنه سيلقاه من ناحية خيبر بمن معه من الأمراء - وأظهروا ذلك ليرعبوا الأعراب - وأمره أن يذهب أولا الى طليحة الأسدي، ثم يذهب بعده إلى بنى تميم، وكان طليحة بن خويلد في قومه بنى أسد، وفي غطفان، وانضم إليهم بنو عبس وذبيان، وبعث إلى بنى جديلة والغوث وطيِّئ يستدعيهم إليه، فبعثوا أقواما منهم بين أيديهم، ليلحقوهم على أثرهم سريعا، وكان الصديق قد بعث عدي بن حاتم قبل خالد بن الوليد، وقال له: أدرك قومك لا يلحقوا بطليحة فيكون دمارهم، فذهب عدي إلى قومه بنى طيِّئ فأمرهم أن يبايعوا الصديق، وأن يراجعوا أمر الله، فقالوا: لا نبايع أبا الفضل أبدا - يعنون أبا بكر ﵁ فقال: والله ليأتينكم جيش فلا يزالون يقاتلونكم حتى تعلموا أنه أبو الفحل الأكبر، ولم يزل عدي يفتل لهم في الذروة والغارب حتى لانوا، وجاء خالد في الجنود وعلى مقدمة الأنصار الذين معه ثابت بن قيس بن شماس، وبعث بين يديه ثابت بن أقرم، وعكاشة بن محصن طليعة، فتلقاهما طليحة وأخوه سلمة فيمن معهما، فلما وجدا ثابتا وعكاشة تبارزوا فقتل عكاشة جبال بن طليحة، وقيل: بل كان قتل جبالا قبل ذلك وأخذ ما معه، وحمل عليه طليحة فقتله وقتل هو وأخوه سلمة، ثابت بن أقرم، وجاء خالد بمن معه فوجدوهما صريعين، فشق ذلك على المسلمين وقد قال طليحة في ذلك: عشية غادرت ابن أقرم ثاويا … وعكاشة العمى تحت مجال أقمت له صدر الحمالة إنها … معودة قبل الكماة نزال فيوم تراها في الجلال مصونة … ويوم تراها في ظلال عوالي وإن يك أولاد أصبن ونسوة … فلم يذهبوا فرغا بقتل حبال ومال خالد إلى بنى طيئ، فخرج اليه عدي بن حاتم فقال: أنظرني ثلاثة أيام، فأنهم قد استنظرونى حتى يبعثوا إلى من تعجل منهم إلى طليحة حتى يرجعوا اليهم، فأنهم يخشون إن تابعوك أن يقتل طليحة من سار إليه منهم، وهذا أحب إليك من أن يعجلهم الى النار، فلما كان بعد ثلاث جاءه عدي في خمسمائة مقاتل ممن راجع الحق، فانضافوا إلى جيش خالد وقصد خالد بنى جديلة فقال له: يا خالد، أجلنى أياما حتى آتيهم فلعل الله أن ينقذهم كما أنقذ طيِّئا، فأتاهم عدي فلم يزل بهم حتى تابعوه، فجاء خالدا بإسلامهم، ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب، فكان عدي خير مولود وأعظمه بركة على قومه، ﵃، قالوا: ثم سار خالد حتى نزل بأجأ وسلمى، وعبى جيشه هنالك والتقى مع طليحة الأسدي بمكان يقال له: بزاخة، ووقفت أحياء كثيرة من الأعراب ينظرون على من تكون الدائرة، وجاء طليحة فيمن معه من قومه ومن التف معهم وانضاف إليهم، وقد حضر

стр. 2086

معه عيينة بن حصن في سبعمائة من قومه، بنى فزارة، واصطف الناس، وجلس طليحة ملتفا في كساء له يتنبأ لهم ينظر ما يوحى إليه فيما يزعم، وجعل عيينة يقاتل ما يقاتل، حتى إذا ضجر من القتال يجيء إلى طليحة وهو ملتف في كسائه فيقول: أجاءك جبريل؟ فيقول: لا، فيرجع فيقاتل، ثم يرجع فيقول له مثل ذلك ويرد عليه مثل ذلك، فلما كان في الثالثة قال له: هل جاءك جبريل؟ قال نعم، قال: فما قال لك؟ قال: قال لي إن لك رحاء كرحاه، وحديثا لا تنساه، قال يقول عيينة: أظن أن قد علم الله سيكون لك حديث لا تنساه، ثم قال: يا بنى فزارة انصرفوا، وانهزم وانهزم الناس عن طليحة، فلما جاءه المسلمون ركب على فرس كان قد أعدها له، وأركب امرأته النوار على بعير له، ثم انهزم بها الى الشام وتفرق جمعه، وقد قتل الله طائفة ممن كان معه، فلما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع، قالت بنو عامر وسليم وهوازن: ندخل فيما خرجنا منه، ونؤمن بالله ورسوله، ونسلّم لحكمه في أموالنا وأنفسنا * قلت: وقد كان طليحة الأسدي ارتد في حياة النبي ﷺ ، فلما مات رسول الله ﷺ قام بمؤازرته عيينة بن حصن من بدر، وارتد عن الإسلام، وقال لقومه: والله لنبي من بنى أسد أحب الى من نبي من بنى هاشم، وقد مات محمد وهذا طليحة فاتبعوه، فوافق قومه بنو فزارة على ذلك، فلما كسرهما خالد هرب طليحة بامرأته إلى الشام، فنزل على بنى كلب، وأسر خالد عيينة بن حصن، وبعث به إلى المدينة مجموعة يداه إلى عنقه، فدخل المدينة وهو كذلك فجعل الولدان والغلمان يطعنونه بأيديهم، ويقولون: أي عدو الله، ارتددت عن الإسلام؟ فيقول: والله ما كنت آمنت قط، فلما وقف بين يدي الصديق استتابه وحقن دمه، ثم حسن إسلامه بعد ذلك، وكذلك منّ على قرة بن هبيرة، وكان أحد الأمراء مع طليحة، فأسره مع عيينة، وأما طليحة فأنه راجع الإسلام بعد ذلك أيضا، وذهب إلى مكة معتمرا أيام الصديق، واستحيى أن يواجهه مدة حياته، وقد رجع فشهد القتال مع خالد، وكتب الصديق الى خالد: أن استشره في الحرب ولا تؤمره - يعنى معاملته له بنقيض ما كان قصده من الرئاسة في الباطن - وهذا من فقه الصديق ﵁ وأرضاه، وقد قال خالد بن الوليد لبعض أصحاب طليحة ممن أسلم وحسن إسلامه: أخبرنا عما كان يقول لكم طليحة من الوحي، فقال: إنه كان يقول: الحمام واليمام والصرد والصوام، قد صمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام، إلى غير ذلك من الخرافات والهذيانات السمجة * وقد كتب أبو بكر الصديق الى خالد بن الوليد حين جاءه أنه كسر طليحة ومن كان في صفه وقام بنصره فكتب اليه: ليزدك ما أنعم الله به خيرا واتّق الله في أمرك، فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، جد في أمرك ولا تلن ولا تظفر بأحد من المشركين قتل من المسلمين الا نكلت به، ومن أخذت ممن حاد الله أو ضاده ممن يرى أن في ذلك صلاحا فأقتله * فأقام خالد بنراخة شهرا،

стр. 2087

يصعد فيها ويصوب ويرجع إليها في طلب الذين وصاه بسببهم الصديق، فجعل يتردد في طلب هؤلاء شهرا يأخذ بثأر من قتلوا من المسلمين الذين كانوا بين أظهرهم حين ارتدوا، فمنهم من حرقة بالنار، ومنهم من رضخه بالحجارة، ومنهم من رمى به من شواهق الجبال، كل هذا ليعتبر بهم من يسمع بخبرهم من مرتدة العرب، ﵁ * وقال الثوري عن قيس بن مسلّم عن طارق بن شهاب قال: لما قدم وفد بزاخة - أسد وغطفان - على أبى بكر يسألونه الصلح، خيرهم أبو بكر بين حرب مجلية أو حطة مخزية، فقالوا: يا خليفة رسول الله أما الحرب المجلية فقد عرفناها، فما الحطة المخزية؟ قال: تؤخذ منكم الحلقة والكراع وتتركون أقواما يتبعون أذناب الإبل حتى يرى الله خليفة نبيه والمؤمنين أمرا يعذرونكم به، وتؤدون ما أصبتم منا، ولا نؤدي ما أصبنا منكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة وأن قتلاكم في النار، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، فقال عمر: أما قولك: تدون قتلانا، فأن قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات لهم، فامتنع عمر وقال عمر في الثاني: نعم ما رأيت * ورواه البخاري من حديث الثوري بسنده مختصرا. وقعة أخرى كان قد اجتمع طائفة كثيرة من الفلال يوم بزاخة من أصحاب طليحة، من بنى غطفان فاجتمعوا إلى امرأة يقال لها: أم زمل - سلمى بنت ملك بن حذيفة - وكانت من سيدات العرب، كأمها أم قرفة، وكان يضرب بأمها المثل في الشرف لكثرة أولادها وعزة قبيلتها وبيتها، فلما اجتمعوا إليها ذمرتهم لقتال خالد، فهاجوا لذلك، وناشب إليهم آخرون من بنى سليم وطيِّئ وهوازن وأسد، فصاروا جيشا كثيفا وتفحل أمر هذه المرأة، فلما سمع بهم خالد بن الوليد سار إليهم، واقتتلوا قتالا شديدا وهي راكبة على جمل أمها الّذي كان يقال له من يمسّ جملها فله مائة من الإبل وذلك لعزها، فهزمهم خالد وعقر جملها وقتلها وبعث بالفتح الى الصديق ﵁. قصة الفجاءة واسمه إياس بن عبد الله بن عبد يا ليل بن عميرة بن خفاف من بنى سليم، قاله ابن إسحاق، وقد كان الصديق حرق الفجاءة بالبقيع في المدينة، وكان سببه أنه قدم عليه فزعم أنه أسلّم، وسأل منه أن يجهز معه جيشا يقاتل به أهل الردة، فجهز معه جيشا، فلما سار جعل لا يمر بمسلّم ولا مرتد إلا قتله وأخذ ماله، فلما سمع الصديق بعث وراءه جيشا فرده، فلما أمكنه بعث به الى البقيع، فجمعت يداه الى قفاه وألقى في النار فحرقه وهو مقموط. قصة سجاح وبنى تميم كانت بنو تميم قد اختلفت آراؤهم أيام الردة، فمنهم من ارتد ومنع الزكاة، ومنهم من بعث

стр. 2088

بأموال الصدقات إلى الصديق، ومنهم من توقف لينظر في أمره، فبينما هم كذلك إذ أقبلت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التغلبية من الجزيرة، وهي من نصارى العرب، وقد ادعت النبوة ومعها جنود من قومها ومن التف بهم، وقد عزموا على غزو أبى بكر الصديق، فلما مرت ببلاد بنى تميم دعتهم الى أمرها، فاستجاب لها عامتهم، وكان ممن استجاب لها مالك بن نويرة التميمي، وعطارد بن حاجب، وجماعة من سادات أمراء بنى تميم، وتخلف آخرون منهم عنها، ثم اصطلحوا على أن لا حرب بينهم، الا أن مالك بن نويرة لما وادعها ثناها عن عودها، وحرضها على بنى يربوع، ثم اتفق الجميع على قتال الناس، وقالوا: بمن نبدأ؟ فقالت لهم فيما تسجعه: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب. ثم إنهم تعاهدوا على نصرها، فقال قائل منهم: أتتنا أخت تغلب في رجال … جلائب من سراة بنى أبينا وأرست دعوة فينا سفاها … وكانت من عمائر آخرينا فما كنا لنرزيهم زبالا … وما كانت لتسلم إذ أتينا ألا سفهت حلومكم وضلت … عشية تحشدون لها ثبينا وقال عطارد بن حاجب في ذلك: أمست نبيتنا أنثى نطيف بها … وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا ثم إن سجاح قصدت بجنودها اليمامة، لتأخذها من مسيلمة بن حبيب الكذاب، فهابه قومها، وقالوا: إنه قد استفحل أمره وعظم، فقالت لهم فيما تقوله: عليكم باليمامة * دفوا دفيف الحمامة * فأنها غزوة صرامة * لا تلحقكم بعدها ملامة * قال: فعمدوا لحرب مسيلمة، فلما سمع بمسيرها إليه خافها على بلاده، وذلك أنه مشغول بمقاتلة ثمامة بن أثال، وقد ساعده عكرمة بن أبى جهل بجنود المسلمين، وهم نازلون ببعض بلاده ينتظرون قدوم خالد كما سيأتي، فبعث إليها يستأمنها ويضمن لها أن يعطيها نصف الأرض الّذي كان لقريش لو عدلت، فقد رده الله عليك فحباك به، وراسلها ليجتمع بها في طائفة من قومه، فركب اليها في أربعين من قومه، وجاء إليها فاجتمعا في خيمة، فلما خلا بها وعرض عليها ما عرض من نصف الأرض، وقبلت ذلك، قال مسيلمة: سمع الله لمن سمع، وأطمعه بالخير إذا طمع، ولا يزال أمره في كل ما يسر مجتمع، رآكم ربكم فحياكم، ومن وحشته أخلاكم، ويوم دينه أنجاكم فأحياكم، علينا من صلوات معشر أبرار، لا أشقياء ولا فجار، يقومون الليل ويصومون النهار لربكم الكبار، رب الغيوم والامطار * وقال أيضا: لما رأيت وجوههم حسنت، وأبشارهم صفت وأيديهم طفلت، قلت لهم: لا النساء تأتون، ولا الخمر تشربون، ولكنكم معشر أبرار تصومون، فسبحان

стр. 2089

الله إذا جاءت الحياة كيف تحيون، وإلى ملك السماء كيف ترقون، فلو أنها حبة خردلة لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور، ولأكثر الناس فيها الثبور * وقد كان مسيلمة لعنه الله شرع لمن اتبعه أن الأعزب يتزوج فإذا ولد له ذكر فيحرم عليه النساء حينئذ، الا أن يموت ذلك الولد الذكر، فتحل له النساء حتى يولد له ذكر، هذا مما اقترحه لعنه الله، من تلقاء نفسه * ويقال: إنه لما خلا بسجاح سألها ماذا يوحى إليها؟ فقالت: وهل يكون النساء يبتدئن؟ بل أنت ماذا أوحى إليك؟ فقال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى؟ أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا. قالت: وماذا؟ فقال: إن الله خلق للنساء أفراجا، وجعل الرجال لهن أزواجا، فنولج فيهن قعسا إيلاجا، ثم نخرجها إذا نشاء إخراجا، فينتجن لنا سخالا إنتاجا. فقالت: أشهد أنك نبي، فقال لها: هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب؟ قالت: نعم، فقال: ألا قومي الى النيك * فقد هيى لك المضجع … فأن شئت ففي البيت * وإن شئت ففي المخدع وإن شئت سلقناك * وإن شئت على أربع … وإن شئت بثلثيه * وإن شئت به أجمع فقالت: بل به أجمع، فقال: بذلك أوحى إلى، وأقامت عنده ثلاثة أيام، ثم رجعت إلى قومها فقالوا: ما أصدقك؟ فقالت: لم يصدقني شيئا، فقالوا: إنه قبيح على مثلك أن تتزوج بغير صداق فبعثت إليه تسأله صداقا، فقال: أرسلي إلى مؤذّنك، فبعثته إليه - وهو شبت بن ربعي - فقال: ناد في قومك: إن مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد - يعنى صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة - فكان هذا صداقها عليه لعنهما الله * ثم انثنت سجاح راجعة إلى بلادها وذلك حين بلغها دنو خالد من أرض اليمامة فكرت راجعة إلى الجزيرة بعد ما قبضت من مسيلمة نصف خراج أرضه، فأقامت في قومها بنى تغلب، إلى زمان معاوية فأجلاهم منها عام الجماعة كما سيأتي بيانه في موضعه. فصل في خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي كان قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة، فلما اتصلت بمسيلمة لعنهما الله، ثم ترحلت إلى بلادها - فلما كان ذلك - ندم مالك بن نويرة على ما كان من أمره، وتلوم في شأنه، وهو نازل بمكان يقال له: البطاح، فقصدها خالد بجنوده وتأخرت عنه الأنصار، وقالوا: إنا قد قضينا ما أمرنا به الصديق، فقال لهم خالد: ان هذا أمر لا بد من فعله، وفرصة لا بد من انتهازها، وإنه لم يأتنى فيها كتاب، وأنا الأمير وإلى ترد الأخبار، ولست بالذي أجبركم على المسير، وأنا قاصد البطاح. فسار

стр. 2090

يومين ثم لحقه رسول الله الأنصار يطلبون منه الانتظار، فلحقوا به، فلما وصل البطاح وعليها مالك بن نويرة، فبث خالد السرايا في البطاح يدعون الناس، فاستقبله أمراء بنى تميم بالسمع والطاعة، وبذلوا الزكوات، إلا ما كان من مالك بن نويرة فأنه متحير في أمره، متنح عن الناس، فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابه، واختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة - الحرث بن ربعي الأنصاري - أنهم أقاموا الصلاة، وقال آخرون: إنهم لم يؤذنوا ولا صلوا، فيقال إن الأسارى باتوا في كبولهم في ليلة شديدة البرد، فنادى منادى خالد: أن أدفئوا أسراكم، فظن القوم أنه أراد القتل، فقتلوهم، وقتل ضرار بن الأزور مالك بن نويرة، فلما سمع الداعية خرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرا أصابه * واصطفى خالد امرأة مالك بن نويرة، وهي أم تميم ابنة المنهال، وكانت جميلة، فلما حلت بنى بها، ويقال: بل استدعى خالد مالك بن نويرة فأنبه على ما صدر منه من متابعة سجاح، وعلى منعه الزكاة، وقال: ألم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك، فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ يا ضرار اضرب عنقه، فضربت عنقه، وأمر برأسه فجعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدرا، فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الأعراب، من المرتدة وغيرهم، ويقال: إن شعر مالك جعلت النار تعمل فيه إلى أن نضج لحم القدر ولم تفرغ الشعر لكثرته، وقد تكلم أبو قتادة مع خالد فيما صنع وتقاولا في ذلك حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق، وتكلم عمر مع أبى قتادة في خالد، وقال للصديق: اعزله فأن في سيفه رهقا، فقال أبو بكر لا أشيم سيفا سله الله على الكفار، وجاء متمم بن نويرة فجعل يشكو إلى الصديق خالدا، وعمر يساعده وينشد الصديق ما قال في أخيه من المراثي، فوداه الصديق من عنده، ومن قول متمم في ذلك: وكنا كندمانى جذيمة برهة … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا وعشنا بخير ما حيينا وقبلنا … أباد المنايا قوم كسرى وتبعا فلما تفرقنا كأنى ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وقال أيضا: لقد لا منى عند العبور على البكى … رفيقي لتذراف الدموع السوافك وقال أتبكي كل قبر رأيته … لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك فقلت له انّ الأسى يبعث الأسى … فدعني فهذا كله قبر مالك والمقصود أنه لم يزل عمر بن الخطاب ﵁ يحرض الصديق ويذمره على عزل خالد عن الإمرة ويقول: إن في سيفه لرهقا، حتى بعث الصديق إلى خالد بن الوليد فقدم عليه المدينة، وقد لبس درعه التي من حديد، وقد صدئ من كثرة الدماء، وغرز في عمامته النشاب المضمخ بالدماء،

стр. 2091

فلما دخل المسجد قام إليه عمر بن الخطاب فانتزع الأسهم من عمامة خالد فحطمها، وقال: أرياء قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بالجنادل. وخالد لا يكلمه، ولا يظن إلا أن رأى الصديق فيه كرأى عمر، حتى دخل على أبى بكر فاعتذر إليه فعذره وتجاوز عنه ما كان منه في ذلك وودى مالك بن نويرة، فخرج من عنده وعمر جالس في المسجد، فقال خالد: هلم إليّ يا ابن أم شملة، فلم يرد عليه وعرف أن الصديق قد رضى عنه، واستمر أبو بكر بخالد على الإمرة، وإن كان قد اجتهد في قتل مالك بن نويرة وأخطأ في قتله، كما أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى أبى جذيمة فقتل أولئك الأسارى الذين قالوا: صبأنا صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فوداهم رسول الله ﷺ حتى رد إليهم ميلغة الكلب، ورفع يديه وقال: اللهمّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ومع هذا لم يعزل خالدا عن الإمرة. مقتل مسيلمة الكذاب لعنه الله وأخزاه لما رضى الصديق عن خالد بن الوليد وعذره بما اعتذر به، بعثه إلى قتال بنى حنيفة باليمامة، وأوعب معه المسلمون، وعلى الأنصار ثابت بن قيس بن شماس، فسار لا يمر بأحد من المرتدين إلا نكل بهم، وقد اجتاز بخيول لأصحاب سجاح فشردهم وأمر بإخراجهم من جزيرة العرب، وأردف الصديق خالدا بسرية لتكون ردءا له من ورائه وقد كان بعث قبله إلى مسيلمة عكرمة بن أبى جهل، وشرحبيل بن حسنة، فلم يقاوما بنى حنيفة، لأنهم في نحو أربعين ألفا من المقاتلة، فعجل عكرمة قبل مجيء صاحبه شرحبيل، فناجزهم فنكب، فانتظر خالدا، فلما سمع مسيلمة بقدوم خالد عسكر بمكان يقال له: عقربا في طرف اليمامة والريف وراء ظهورهم، وندب الناس وحثهم، فحشد له أهل اليمامة، وجعل على مجنبتي جيشة المحكم بن الطفيل، والرّجال من عنفوة بن نهشل، وكان الرّجال هذا صديقه الّذي شهد له أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إنه قد أشرك معه مسيلمة بن حبيب في الأمر، وكان هذا الملعون من أكبر ما أضل أهل اليمامة، حتى اتبعوا مسيلمة، لعنهما الله، وقد كان الرّجال هذا قد وفد إلى النبي ﷺ وقرأ البقرة، وجاء زمن الردة إلى أبى بكر فبعثه إلى أهل اليمامة يدعوهم إلى الله ويثبتهم على الإسلام، فارتد مع مسيلمة وشهد له بالنّبوّة * قال سيف بن عمر عن طلحة عن عكرمة عن أبى هريرة: كنت يوما عند النبي ﷺ في رهط معنا الرجال بن عنفوة، فقال: إن فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من أحد، فهلك القوم وبقيت أنا والرجال وكنت متخوفا لها، حتى خرج الرجال مع مسيلمة وشهد له بالنّبوّة، فكانت فتنة الرجال أعظم من فتنة مسيلمة * رواه ابن إسحاق عن شيخ عن أبى هريرة * وقرب خالد وقد جعل على المقدمة شرحبيل بن حسنة، وعلى المجنبتين زيدا وأبا حذيفة، وقد مرت المقدمة في الليل بنحو من أربعين، وقيل ستين فارسا، عليهم مجاعة بن مرارة، وكان

стр. 2092

قد ذهب لأخذ ثأر له في بنى تميم وبنى عامر وهو راجع إلى قومه فأخذوهم فلما جيء بهم الى خالد عن آخرهم فاعتذروا اليه فلم يصدقهم، وأمر بضرب أعناقهم كلهم، سوى مجاعة فأنه استبقاه مقيدا عنده - لعلمه بالحرب والمكيدة - وكان سيدا في بنى حنيفة، شريفا مطاعا، ويقال: إن خالدا لما عرضوا عليه قال لهم: ماذا تقولون يا بنى حنيفة؟ قالوا: نقول منا نبي ومنكم نبي، فقتلهم إلا واحدا اسمه سارية، فقال له: أيها الرجل إن كنت تريد عدا بعدول هذا خيرا أو شرا فاستبق هذا الرجل - يعنى مجاعة بن مرارة - فاستبقاه خالد مقيدا، وجعله في الخيمة مع امرأته، وقال: استوصى به خيرا، فلما تواجه الجيشان قال مسيلمة لقومه: اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم تستنكح النساء سبيات، وينكحن غير حظيات، فقاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نساءكم، وتقدم المسلمون حتى نزل بهم خالد على كثيب يشرف على اليمامة، فضرب به عسكره، وراية المهاجرين مع سالم مولى أبى حذيفة، وراية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس، والعرب على راياتها، ومجاعة بن مرارة مقيد في الخيمة مع أم تميم امرأة خالد، فاصطدم المسلمون والكفار فكانت جولة وانهزمت الأعراب حتى دخلت بنو حنيفة خيمة خالد بن الوليد وهموا بقتل أم تميم، حتى أجارها مجاعة وقال: نعمت الحرة هذه، وقد قتل الرجال بن عنفوة لعنه الله في هذه الجولة، قتله زيد بن الخطاب، ثم تذامر الصحابة بينهم وقال ثابت بن قيس بن شماس: بئس ما عودتم أقرانكم، ونادوا من كل جانب: أخلصنا يا خالد، فخلصت ثلة من المهاجرين والأنصار وحمى البراء بن معرور - وكان إذا رأى الحرب أخذته العرواء فيجلس على ظهر الرحال حتى يبول في سراويله، ثم يثور كما يثور الأسد، وقاتلت بنو حنيفة قتالا لم يعهد مثله، وجعلت الصحابة يتواصون بينهم ويقولون: يا أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم، وحفر ثابت ابن قيس لقدميه في الأرض إلى أنصاف ساقيه، وهو حامل لواء الأنصار بعد ما تحنط وتكفن، فلم يزل ثابتا حتى قتل هناك، وقال المهاجرون لسالم مولى أبى حذيفة: أتخشى أن نؤتى من قبلك؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا، وقال زيد بن الخطاب: أيها الناس عضوا على أضراسكم واضربوا في عدوكم وامضوا قدما، وقال: والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله أو ألقى الله فأكلمه بحجتي، فقتل شهيدا ﵁ * وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال، وحمل فيهم حتى أبعدهم وأصيب ﵁، وحمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم، وسار لجبال مسيلمة وجعل يترقب أن يصل إليه فيقتله، ثم رجع ثم وقف بين الصفين ودعا البراز، وقال: أنا ابن الوليد العود، أنا ابن عامر وزيد، ثم نادى بشعار المسلمين - وكان شعارهم يومئذ يا محمداه - وجعل لا يبرز لهم أحد إلا قتله، ولا يدنو منه شيء إلا أكله، ودارت رحى المسلمين ثم اقترب من مسيلمة فعرض عليه النصف والرجوع إلى الحق، فجعل شيطان مسيلمة يلوى عنقه، لا يقبل منه شيئا، وكلما أراد مسيلمة يقارب من الأمر

стр. 2093

صرفه عنه شيطانه، فانصرف عنه خالد وقد ميز خالد المهاجرين من الأنصار من الأعراب، وكل بنى أب على رايتهم، يقاتلون تحتها، حتى يعرف الناس من أين يؤتون، وصبرت الصحابة في هذا الموطن صبرا لم يعهد مثله، ولم يزالوا ينقدمون إلى نحور عدوهم حتى فتح الله عليهم، وولى الكفار الأدبار، واتبعوهم يقتلون في أقفائهم، ويضعون السيوف في رقابهم حيث شاءوا، حتى ألجئوهم إلى حديقة الموت، وقد أشار عليهم محكم اليمامة - وهو محكم بن الطفيل لعنه الله - بدخولها، فدخلوها وفيها عدو الله مسيلمة لعنه الله، وأدرك عبد الرحمن بن أبى بكر محكم بن الطفيل فرماه بسهم في عنقه وهو يخطب فقتله، وأغلقت بنو حنيفة الحديقة عليهم، وأحاط بهم الصحابة، وقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقونى عليهم في الحديقة، فاحتملوه فوق الجحف ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه، ودخل المسلمون الحديقة من حيطانها وأبوابها يقتلون من فيها من المرتدة من أهل اليمامة، حتى خلصوا إلى مسيلمة لعنه الله، وإذا هو واقف في ثلمة جدار كأنه جمل أورق، وهو يريد يتساند، لا يعقل من الغيظ، وكان إذا اعتراه شيطانه أزبد حتى يخرج الزبد من شدقيه، فتقدم إليه وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم - قاتل حمزة - فرماه بحزبته فأصابه وخرجت من الجانب الآخر، وسارع إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، فضربه بالسيف فسقط، فنادت امرأة من القصر: وا أمير الوضاءة، قتله العبد الأسود، فكان جملة من قتلوا في الحديقة وفي المعركة قريبا من عشرة آلاف مقاتل، وقيل: أحد وعشرون ألفا، وقتل من المسلمين ستمائة، وقيل: خمسمائة، فالله أعلم، وفيهم من سادات الصحابة، وأعيان الناس من يذكر بعد، وخرج خالد وتبعه مجاعة بن مرارة يرسف في قيوده، فجعل يريه القتلى ليعرفه بمسيلمة، فلما مروا بالرجال بن عنفوة قال له خالد: أهذا هو؟ قال: لا، والله هذا خير منه، هذا الرجال بن عنفوة، قال سيف بن عمر: ثم مروا برجل أصفر أخنس، فقال: هذا صاحبكم، فقال خالد: قبحكم الله على اتباعكم هذا، ثم بعث خالد الخيول حول اليمامة يلتقطون ما حول حصونها من مال وسبى، ثم عزم على غزو الحصون ولم يكن بقي فيها إلا النساء والصبيان والشيوخ الكبار، فخدعه مجاعة فقال: إنها ملأى رجالا ومقاتلة فهلم فصالحني عنها، فصالحه خالد لما رأى بالمسلمين من الجهد وقد كلوا من كثرة الحروب والقتال، فقال: دعني حتى أذهب إليهم ليوافقونى على الصلح، فقال: اذهب، فسار إليهم مجاعة فأمر النساء أن يلبسن الحديد ويبرزن على رءوس الحصون، فنظر خالد فإذا الشرفات ممتلئة من رءوس الناس فظنهم كما قال مجاعة فانتظر الصلح، ودعاهم خالد إلى الإسلام فأسلموا عن آخرهم ورجعوا إلى الحق ورد عليهم خالد بعض ما كان أخذ من السبي، وساق الباقين إلى الصديق، وقد تسرى على بن أبى طالب بجارية منهم، وهي أم ابنه محمد الّذي يقال له: محمد بن الحنفية رضى الله

стр. 2094

عنه، وقد قال ضرار بن الأزور في غزوة اليمامة هذه: فلو سئلت عنا جنوب لأخبرت … عشية سالت عقرباء وملهم وسال بفرع الواد حتى ترقرقت … حجارته فيه من القوم بالدم عشية لا تغني الرماح مكانها … ولا النبل الاّ المشرفي المصمم فأن تبتغي الكفار غير مسلمية … جنوب فأنى تابع الدين مسلم أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة … ولله بالمرء المجاهد أعلم وقد قال خليفة بن حناط، ومحمد بن جرير، وخلق من السلف: كانت وقعة اليمامة في سنة إحدى عشرة، وقال ابن قانع: في آخرها، وقال الواقدي وآخرون: كانت في سنة ثنتى عشرة، والجمع بينها أن ابتداءها في سنة إحدى عشرة، والفراغ منها في سنة ثنتى عشرة والله أعلم * ولما قدمت وفود بنى حنيفة على الصديق قال لهم: أسمعونا شيئا من قرآن مسيلمة، فقالوا: أو تعفينا يا خليفة رسول الله؟ فقال: لا بد من ذلك، فقالوا: كان يقول: يا ضفدع بنت الضفدعين نقى لكم نقين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء، وذنبك في الطين، وكان يقول: والمبذرات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، رفيقكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والناعي فواسوه، وذكروا أشياء من هذه الخرافات التي يأنف من قولها الصبيان وهم يلعبون، فيقال: إن الصديق قال لهم: ويحكم، أين كان يذهب بقولكم؟ إن هذا الكلام لم يخرج من أل، وكان يقول: والفيل وما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل، وكان يقول: والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسد من رطب ولا يابس، وتقدم قوله: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشي، وأشياء من هذا الكلام السخيف الركيك البارد السميج * وقد أورد أبو بكر ابن الباقلاني ﵀ في كتابه إعجاز القرآن أشياء من كلام هؤلاء الجهلة المتنبئين كمسيلمة وطليحة والأسود وسجاح وغيرهم، مما يدل على ضعف عقولهم وعقول من اتبعهم على ضلالهم ومحالهم * وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد الى مسيلمة في أيام جاهليته، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ قال: أنزل عليه ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ قال: ففكر مسيلمة ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل على مثلها، فقال له عمرو: وما هي؟ فقال مسيلمة: ياوبر ياوبر، إنما أنت إيراد وصدر، وسائرك حفر نقر. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أنى أعلم أنك تكذب * وذكر علماء التاريخ أنه كان يتشبه بالنبيّ ﷺ ،

стр. 2095

بلغه أن رسول الله ﷺ بصق في بئر فغزر ماؤه، فبصق في بئر فغاض ماؤه بالكلية: وفي أخرى فصار ماؤه أجاجا، وتوضأ وسقى بوضوئه نخلا فيبست وهلكت، وأتى بولدان يبرك عليهم فجعل يمسح رءوسهم فمنهم من قرع رأسه، ومنهم من لثغ لسانه، ويقال: إنه دعا لرجل أصابه وجع في عينيه فمسحهما فعمى * وقال سيف بن عمر عن خليد بن زفر النمري، عن عمير بن طلحة عن أبيه أنه جاء إلى اليمامة فقال: أين مسيلمة؟ فقال: مه رسول الله، فقال: لا حتى أراه، فلما جاء قال: أنت مسيلمة؟ فقال: نعم. قال: من يأتيك؟ قال: رجس، قال: أفي نور أم في ظلمة؟ فقال: في ظلمة، فقال أشهد أنك كذاب وأن محمدا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر، واتبعه هذا الأعرابي الجلف لعنه الله حتى قتل معه يوم عقربا، لا ﵀. ذكر ردة أهل البحرين وعودهم إلى الإسلام كان من خبرهم أن رسول الله ﷺ كان قد بعث العلاء بن الحضرميّ إلى ملكها، المنذر بن ساوى العبديّ، وأسلّم على يديه وأقام فيهم الإسلام والعدل، فلما توفى رسول الله ﷺ ، توفى المنذر بعده بقليل، وكان قد حضر عنده في مرضه عمرو بن العاص، فقال له: يا عمرو هل كان رسول الله ﷺ يجعل للمريض شيئا من ماله؟ قال: نعم، الثلث، قال: ماذا أصنع به؟ قال: إن شئت تصدقت به على أقربائك، وإن شئت على المحاويج، وإن شئت جعلته صدقة من بعدك حبسا محرما، فقال: إني أكره أن أجعله كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ولكنى أتصدق به، ففعل، ومات فكان عمرو بن العاص يتعجب منه، فلما مات المنذر ارتد أهل البحرين وملكوا عليهم الغرور، وهو المنذر ابن النعمان بن المنذر. وقال قائلهم: لو كان محمد نبيا ما مات، ولم يبق بها بلدة على الثبات سوى قرية يقال لها جواثا، كانت أول قرية أقامت الجمعة من أهل الردة كما ثبت ذلك في البخاري عن ابن عباس، وقد حاصرهم المرتدون وضيقوا عليهم، حتى منعوا من الأقوات وجاعوا جوعا شديدا حتى فرج الله، وقد قال رجل منهم يقال له عبد الله بن حذف، أحد بنى بكر بن كلاب، وقد اشتد عليه الجوع: - ألا أبلغ أبا بكر رسولا … وفتيان المدينة أجمعينا فهل لكم إلى قوم كرام … قعود في جواثا محصرينا كأن دماءهم في كل فج … شعاع الشمس يغشى الناظرينا توكلنا على الرحمن إنا … قد وجدنا الصبر للمتوكلينا وقد قام فيهم رجل من أشرافهم، وهو الجارود بن المعلى - وكان ممن هاجروا إلى رسول الله ﷺ خطيبا وقد جمعهم فقال: يا معشر عبد القيس، إني سائلكم عن أمر فأخبروني إن علمتموه،

стр. 2096

ولا تجيبوني إن لم تعلموه، فقالوا: سل، قال: أتعلمون أنه كان لله أنبياء قبل محمد؟ قالوا: نعم، قال: تعلمونه أم ترونه؟ قالوا: نعلمه، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال: فان محمدا ﷺ مات كما ماتوا وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالوا: ونحن أيضا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنت أفضلنا وسيدنا، وثبتوا على إسلامهم، وتركوا بقية الناس فيما هم فيه، وبعث الصديق ﵁ كما قدمنا إليهم العلاء بن الحضرميّ، فلما دنا من البحرين جاء إليه ثمامة بن أثال في محفل كبير، وجاء كل أمراء تلك النواحي فانضافوا إلى جيش العلاء بن الحضرميّ، فأكرمهم العلاء وترحب بهم وأحسن إليهم، وقد كان العلاء من سادات الصحابة العلماء العباد مجابي الدعوة، اتفق له في هذه الغزوة أنه نزل منزلا فلم يستقر الناس على الأرض حتى نفرت الإبل بما عليها من زاد الجيش وخيامهم وشرابهم، وبقوا على الأرض ليس معهم شيء سوى ثيابهم - وذلك ليلا - ولم يقدروا منها على بعير واحد، فركب الناس من الهم والغم ما لا يحد ولا يوصف، وجعل بعضهم يوصى إلى بعض، فنادى منادى العلاء فاجتمع الناس إليه، فقال: أيها الناس ألستم المسلمين؟ ألستم في سبيل الله؟ ألستم أنصار الله؟ قالوا: بلى، قال: فأبشروا فو الله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم، ونودي بصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلّى بالناس، فلما قضى الصلاة جثا على ركبتيه وجثا الناس، ونصب في الدعاء ورفع يديه وفعل الناس مثله حتى طلعت الشمس، وجعل الناس ينظرون إلى سراب الشمس يلمع مرة بعد أخرى وهو يجتهد في الدعاء فلما بلغ الثالثة إذا قد خلق الله إلى جانبهم غديرا عظيما من الماء القراح، فمشى ومشى الناس إليه فشربوا واغتسلوا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل من كل فج بما عليها، لم يفقد الناس من أمتعتهم سلكا، فسقوا الإبل عللا بعد نهل. فكان هذا مما عاين الناس من آيات الله بهذه السرية، ثم لما اقترب من جيوش المرتدة - وقد حشدوا وجمعوا خلقا عظيما - نزل ونزلوا، وباتوا متجاورين في المنازل، فبينما المسلمون في الليل إذ سمع العلاء أصواتا عالية في جيش المرتدين، فقال: من رجل يكشف لنا خبر هؤلاء؟ فقام عبد الله ابن حذف فدخل فيهم فوجدهم سكارى لا يعقلون من الشراب، فرجع إليه فأخبره، فركب العلاء من فوره والجيش معه فكبسوا أولئك فقتلوهم قتلا عظيما، وقل من هرب منهم، واستولى على جميع أموالهم وحواصلهم وأثقالهم، فكانت غنيمة، عظيمة جسيمة، وكان الحطم بن ضبيعة أخو بنى قيس بن ثعلبة من سادات القوم نائما، فقام دهشا حين اقتحم المسلمون عليهم فركب جواده فانقطع ركابه فجعل يقول: من يصلح لي ركابي؟ فجاء رجل من المسلمين في الليل فقال: أنا أصلحها لك، ارفع رجلك، فلما رفعها ضربه بالسيف فقطعها مع قدمه، فقال له: أجهز على، فقال: لا أفعل، فوقع صريعا كلما مرّ به أحد يسأله أن يقتله فيأبى، حتى مرّ به قيس بن عاصم فقال له: أنا الحطم فاقتلني

стр. 2097

فقتله، فلما وجد رجله مقطوعة ندم على قتله وقال: وا سوأتاه، لو أعلم ما به لم أحركه، ثم ركب المسلمون في آثار المنهزمين، يقتلونهم بكل مرصد وطريق، وذهب من فر منهم أو أكثرهم في البحر إلى دارين ركبوا اليها السفن، ثم شرع العلاء بن الحضرميّ في قسم الغنيمة ونقل الأثقال وفرغ من ذلك وقال للمسلمين: اذهبوا بنا إلى دارين لنغزو من بها من الأعداء، فأجابوا إلى ذلك سريعا، فسار بهم حتى أتى ساحل البحر ليركبوا في السفن، فرأى أن الشقة بعيدة لا يصلون إليهم في السفن حتى يذهب أعداء الله، فاقتحم البحر بفرسه وهو يقول: يا أرحم الراحمين، يا حكيم يا كريم، يا أحد يا صمد، يا حي يا محيي، يا قيوم يا ذا الجلال والاكرام لا إله إلا أنت يا ربنا. وأمر الجيش أن يقولوا ذلك ويقتحموا، ففعلوا ذلك فأجاز بهم الخليج بأذن الله يمشون على مثل رملة دمثة فوقها ماء لا يغمر أخفاف الإبل، ولا يصل إلى ركب الخيل، ومسيرته للسفن يوم وليلة، فقطعه إلى الساحل الآخر فقاتل عدوه وقهرهم واحتاز غنائمهم ثم رجع فقطعه إلى الجانب الآخر فعاد إلى موضعه الأول، وذلك كله في يوم، ولم يترك من العدو مخبرا، واستاق الذراري والأنعام والأموال، ولم يفقد المسلمون في البحر شيئا سوى عليقة فرس لرجل من المسلمين ومع هذا رجع العلاء فجاءه بها، ثم قسم غنائم المسلمين فيهم، فأصاب الفارس ألفين والراجل ألفا، مع كثرة الجيش، وكتب إلى الصديق فأعلمه بذلك، فبعث الصديق يشكره على ما صنع، وقد قال رجل من المسلمين في مرورهم في البحر، وهو عفيف بن المنذر: ألم تر أن الله ذلل بحرة … وأنزل بالكفار إحدى الجلائل دعونا الى شق البحار فجاءنا … بأعجب من فلق البحار الأوائل وقد ذكر سيف بن عمر التميمي أنه كان مع المسلمين في هذه المواقف والمشاهد التي رأوها من أمر العلاء، وما أجرى الله على يديه من الكرامات، رجل من أهل هجر راهب فأسلّم حينئذ، فقيل له: ما دعاك إلى الإسلام؟ فقال: خشيت إن لم أفعل أن يمسخنى الله، لما شاهدت من الآيات، قال: وقد سمعت في الهواء وقت السّحر دعاء، قالوا: وما هو؟ قال: اللهمّ أنت الرحمن الرحيم، لا إله غيرك والبديع ليس قبلك شيء، والدائم غير الغافل، والّذي لا يموت، وخالق ما يرى وما لا يرى، وكل يوم أنت في شأن، وعلمت اللهمّ كل شيء علما، قال: فعلمت أن القوم لم يعانوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله، قال: فحسن إسلامه وكان الصحابة يسمعون منه. ذكر ردة أهل عمان ومهرة واليمن أما أهل عمان فنبغ فيهم رجل يقال له: ذو التاج، لقيط بن مالك الأزدي، وكان يسمى في الجاهلية الجلندي، فادعى النبوة أيضا، وتابعه الجهلة من أهل عمان، فتغلب عليها وقهر جيفرا وعبّادا

стр. 2098

وألجأهما إلى أطرافها، من نواحي الجبال والبحر، فبعث جيفر إلى الصديق فأخبره الخبر واستجاشه، فبعث إليه الصديق بأميرين وهما حذيفة بن محصن الحميري، وعرفجة البارقي من الأزد، حذيفة إلى عمان، وعرفجة إلى مهرة، وأمرهما أن يجتمعا ويتفقا ويبتدئا بعمان، وحذيفة هو الأمير، فإذا ساروا إلى بلاد مهرة فعرفجة الأمير * وقد قدمنا أن عكرمة بن أبى جهل لما بعثه الصديق إلى مسيلمة وأتبعه بشرحبيل بن حسنة، عجل عكرمة وناهض مسيلمة قبل مجيء شرحبيل ليفوز بالظفر وحده، فناله من مسيلمة قرح والذين معه، فتقهقر حتى جاء خالد بن الوليد، فقهر مسيلمة كما تقدم، وكتب إليه الصديق يلومه على تسرعه، قال: لا أرينك ولا أسمعن بك الا بعد بلاء، وأمره أن يلحق بحذيفة وعرفجة إلى عمان، وكل منكم أمير على جيشه وحذيفة ما دمتم بعمان فهو أمير الناس، فإذا فرغتم فاذهبوا إلى مهرة، فإذا فرغتم منها فاذهب إلى اليمن وحضرموت فكن مع المهاجر بن أبى أمية، ومن لقيته من المرتدة بين عمان إلى حضرموت واليمن فنكل به، فسار عكرمة لما أمره به الصديق، فلحق حذيفة وعرفجة قبل أن يصلا إلى عمان، وقد كتب إليهما الصديق أن ينتهيا إلى رأى عكرمة بعد الفراغ من السير من عمان أو المقام بها، فساروا فلما اقتربوا من عمان راسلوا جيفرا، وبلغ لقيط بن مالك مجيء الجيش، فخرج في جموعه فعسكر بمكان يقال له: دبا، وهي مصر تلك البلاد وسوقها العظمى، وجعل الذراري والأموال وراء ظهورهم، ليكون أقوى لحربهم، واجتمع جيفر وعباد بمكان يقال له صحار، فعسكرا به وبعثا الى أمراء الصديق فقدموا على المسلمين، فتقابل الجيشان هنالك، وتقاتلوا قتالا شديدا، وابتلى المسلمون وكادوا أن يولوا، فمن الله بكرمه ولطفه أن بعث إليهم مددا، في الساعة الراهنة من بنى ناجية وعبد القيس، في جماعة من الأمراء، فلما وصلوا إليهم كان الفتح والنصر، فولى المشركون مدبرين، وركب المسلمون ظهورهم فقتلوا منهم عشرة آلاف مقاتل وسبوا الذراري وأخذوا الأموال والسوق بحذافيرها، وبعثوا بالخمس إلى الصديق ﵁ مع أحد الأمراء، وهو عرفجة، ثم رجع إلى أصحابه. وأما مهرة فأنهم لما فرغوا من عمان كما ذكرنا، سار عكرمة بالناس إلى بلاد مهرة، بمن معه من الجيوش ومن أضيف إليها، حتى اقتحم على مهرة بلادها، فوجدهم جندين على أحدهما - وهم الأكثر - أمير يقال له: المصبّح، أحد بنى محارب، وعلى الجند الآخر أمير يقال له: شخريت، وهما مختلفان، وكان هذا الاختلاف رحمة على المؤمنين فراسل عكرمة شخريت فأجابه وانضاف إلى عكرمة فقوى بذلك المسلمون، وضعف جأش المصبح، فبعث إليه عكرمة يدعوه إلى الله وإلى السمع والطاعة، فاغتر بكثرة من معه ومخالفة لشخريت، فتمادى على طغيانه فسار إليه عكرمة بمن معه من الجنود فاقتتلوا مع المصبح أشد من قتال دبا المتقدم، ثم فتح الله بالظفر والنصر، ففر المشركون وقتل المصبح، وقتل خلق كثير من قومه، وغنم المسلمون أموالهم، فكان في

стр. 2099

جملة ما غنموا ألفا نجيبة فخمس عكرمة ذلك كله وبعث بخمسه إلى الصديق مع شخريت، وأخبره بما فتح الله عليه، والبشارة مع رجل يقال له: السائب، من بنى عابد من مخزوم، وقد قال في ذلك رجل يقال له علجوم: جزى الله شخريتا وأفناء هاشما … وفرضم إذ سارت إلينا الحلائب جزاء مسيء لم يراقب لذمة … ولم يرجها فيما يرجى الأقارب أعكرم لولا جمع قومي وفعلهم … لضاقت عليكم بالفضاء المذاهب وكنا كمن اقتاد كفا بأختها … وحلت علينا في الدهور النوائب وأما أهل اليمن فقد قدمنا أن الأسود العنسيّ لعنه الله لما نبغ باليمن، أضل خلقا كثيرا من ضعفاء العقول والأديان حتى ارتد كثير منهم أو أكثرهم عن الإسلام، وأنه لما قتله الأمراء الثلاثة قيس بن مكشوح وفيروز الديلميّ، وداذويه، وكان ما قدمنا ذكره، ولما بلغهم موت رسول الله ﷺ ازداد بعض أهل اليمن فيما كانوا فيه من الحيرة والشك، أجارنا الله من ذلك، وطمع قيس بن مكشوح في الإمرة باليمن، فعمل لذلك، وارتد عن الإسلام وتابعه عوام أهل اليمن، وكتب الصديق إلى الأمراء والرؤساء، من أهل اليمن أن يكونوا [عونا إلى] فيروز والأبناء على قيس بن مكشوح حتى تأتيهم جنوده سريعا، وحرص قيس على قتل الأميرين الأخيرين، فلم يقدر إلا على داذويه، واحترز منه فيروز الديلميّ، وذلك أنه عمل طعاما وأرسل إلى داذويه أولا، فلما جاءه عجل عليه فقتله، ثم أرسل إلى فيروز ليحضر عنده فلما كان ببعض الطريق سمع امرأة تقول لأخرى: وهذا أيضا والله مقتول كما قتل صاحبه، فرجع من الطريق وأخبر أصحابه بقتل داذويه، وخرج إلى أخواله خولان فتحصن عندهم وساعدته عقيل، وعك وخلق، وعمد قيس إلى ذراري فيروز وداذويه والأبناء فأجلاهم عن اليمن، وأرسل طائفة في البر وطائفة في البحر فاحتد فيروز فخرج في خلق كثير، فتصادف هو وقيس فاقتتلوا قتالا شديدا فهزم قيسا وجنده من العوام، وبقية جند الأسود العنسيّ، فهزموا في كل وجه وأسر قيس وعمرو بن معديكرب، وكان عمرو قد ارتد أيضا، وبايع الأسود العنسيّ، وبعث بهما المهاجر بن أبى أمية إلى أبى بكر أسيرين، فعنفهما وأنبهما، فاعتذرا إليه فقبل منهما علانيتهما، ووكل سرائرهما إلى الله ، وأطلق سراحهما وردهما إلى قومهما، ورجعت عمال رسول الله ﷺ الذين كانوا باليمن إلى أماكنهم التي كانوا عليها في حياته ﵇ بعد حروب طويلة، لو استقصينا إيرادها لطال ذكرها، وملخصها أنه ما من ناحية من جزيرة العرب إلا وحصل في أهلها ردة لبعض الناس، فبعث الصديق إليهم جيوشا وأمراء يكونون عونا لمن في تلك الناحية من المؤمنين فلا يتواجه المشركون والمؤمنون في موطن من تلك المواطن إلا غلب جيش الصديق لمن هناك من

стр. 2100

المرتدين، ولله الحمد والمنة، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وغنموا مغانم كثيرة، فيتقوون بذلك على من هنالك، ويبعثون بأخماس ما يغنمون إلى الصديق فينفقه في الناس فيحصل لهم قوة أيضا ويستعدون به على قتال من يريدون قتالهم من الأعاجم والروم، على ما سيأتي تفصيله * ولم يزل الأمر كذلك حتى لم يبق بجزيرة العرب إلا أهل طاعة لله ولرسوله، وأهل ذمة من الصديق، كأهل نجران وما جرى مجراهم، ولله الحمد، وعامة ما وقع من هذه الحروب كان في أواخر سنة إحدى عشرة وأوائل سنة ثنتى عشرة * ولنذكر بعد إيراد هذه الحوادث من توفى في هذه السنة من الأعيان والمشاهير وبالله المستعان، وفيها رجع معاذ بن جبل من اليمن. وفيها استبقى أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب ﵄. ذكر من توفى في هذه السنة أعنى سنة إحدى عشرة من الأعيان والمشاهير وذكرنا معهم من قتل باليمامة لأنها كانت في سنة إحدى عشرة على قول بعضهم، وإن كان المشهور أنها في ربيع سنة ثنتى عشرة * توفى فيها رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وذلك في ربيعها الأول يوم الاثنين ثانى عشره على المشهور، كما قدمنا بيانه، وبعده بستة أشهر على الأشهر، توفيت ابنته فاطمة ﵂، وتكنى بأم أبيها، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقا به، وقال لها مع ذلك: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة؟ وكانت أصغر بنات النبي ﷺ على المشهور ولم يبق بعده سواها، فلهذا عظم أجرها لأنها أصيبت به ﵇ ويقال إنها كانت توأما لعبد الله ابن رسول الله ﷺ وليس له ﵇ نسل إلا من جهتها، قال الزبير ابن بكار: وقد روى أنه ﵇ ليلة زفاف عليّ على فاطمة توضأ وصب عليه وعلى فاطمة ودعا لهما أن يبارك في نسلهما، وقد تزوجها ابن عمها على بن أبى طالب بعد الهجرة، وذلك بعد بدر وقيل بعد أحد، وقيل بعد تزويج رسول الله ﷺ عائشة بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد ذلك بسبعة أشهر ونصف، فأصدقها درعه الحطمية وقيمتها أربعمائة درهم، وكان عمرها إذ ذاك خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، وكان على أسن منها بست سنين. وقد وردت أحاديث موضوعة في تزويج على بفاطمة لم نذكرها رغبة عنها * فولدت له حسنا وحسينا ومحسنا وأم كلثوم - التي تزوج بها عمر بن الخطاب بعد ذلك - وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنا عطاء بن السائب عن أبيه عن على أن رسول الله لما زوجه فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف، ورحى وسقاء وجرتين، فقال على لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت حتى لقد اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتى محلت يداي، فأتت النبي ﷺ فقال: ما جاء بك

стр. 2101

أي بنية؟ قالت جئت لأسلّم عليك - واستحيت أن تسأله - ورجعت، فقال: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتياه جميعا فقال على: يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى محلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخذ منا، فقال: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، فرجعا فأتاهما رسول الله ﷺ وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رءوسهما تكشفت أقدامهما وإذا غطت أقدامهما تكشفت رءوسهما، فثارا، فقال: مكانكما، ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى، قال: كلمات علمنيهن جبريل تسبحان الله في دبر كل صلاة عشرا، وتحمدان عشرا، وتكبران عشرا، وإذا آويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين قال فو الله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله ﷺ ، قال: فقال له ابن الكواء: ولا ليلة صفين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق، نعم ولا ليلة صفين * وآخر هذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه، فقد كانت فاطمة صابرة مع على على جهد العيش وضيقه، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، ولكنه أراد أن يتزوج في وقت بدرة بنت أبى جهل، فأنف رسول الله ﷺ من ذلك وخطب الناس فقال: لا أحرم حلالا ولا أحل حراما، وإن فاطمة بضعة منى يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها، وإني أخشى أن تفتن عن دمها، ولكن إني أحب ابن أبى طالب أن يطلقها ويتزوج بنت أبى جهل فأنه والله لا تجتمع بنت نبي الله وبنت عدو الله تحت رجل واحد أبدا، قال: فترك على الخطبة * ولما مات رسول الله ﷺ سألت من أبى بكر الميراث فأخبرها أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، فسألت أن يكون زوجها ناظرا على هذه الصدقة فأبى ذلك وقال: إني أعول من كان رسول الله يعول، وإني أخشى إن تركت شيئا مما كان رسول الله ﷺ يفعله أن أضل، ووالله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلى أن أصل من قرابتي، فكأنها وجدت في نفسها من ذلك، فلم تزل تبغضه مدة حياتها، فلما مرضت جاءها الصديق فدخل عليها فجعل يترضاها وقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت، فرضيت ﵄ * رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي، ثم قال: وهذا مرسل حسن بإسناد صحيح * ولما حضرتها الوفاة أوصت إلى أسماء بنت عميس - امرأة الصديق - أن تغسلها فغسلتها هي وعلى بن أبى طالب وسلمى أم رافع، قيل والعباس بن عبد المطلب، وما روى من أنها اغتسلت قبل وفاتها وأوصت أن لا تغسل بعد ذلك فضعيف لا يعول عليه والله أعلم * وكان الّذي صلّى عليها زوجها على، وقيل عمها العباس، وقيل أبو بكر الصديق فالله أعلم، ودفنت ليلا وذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة

стр. 2102

وقيل إنها توفيت بعده ﵇ بشهرين، وقيل بسبعين يوما، وقيل بخمسة وسبعين يوما، وقيل بثلاثة أشهر، وقيل بثمانية أشهر، والصحيح ما ثبت في الصحيح من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة عاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر، ودفنت ليلا، ويقال إنها لم تضحك في مدة بقائها بعده ﵇، وأنها كانت تذوب من حزنها عليه، وشوقها إليه * واختلف في مقدار سنها يومئذ فقيل سبع وقيل ثمان وقيل تسع وعشرون، وقيل ثلاثون، وقيل خمس وثلاثون سنة، وهذا بعيد وما قبله أقرب منه والله أعلم * ودفنت بالبقيع وهي أول من ستر سريرها، وقد ثبت في الصحيح أن عليا كان له فرجة من الناس حياة فاطمة، فلما ماتت التمس مبايعة الصديق فبايعه كما هو مروى في البخاري، وهذه البيعة لإزالة ما كان وقع من وحشة حصلت بسبب الميراث ولا ينفى ما ثبت من البيعة المتقدمة عليها كما قررنا والله أعلم * وممن توفى في هذه السنة أم أيمن بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان مولاة رسول الله ﷺ ورثها من أبيه، وقيل من أمه، وحضنته وهو صغير، وكذلك بعد ذلك وقد شربت بوله فقال لها: لقد احتضرت بحضار من النار، وقد أعتقها وزوجها عبيدا فولدت منه ابنها أيمن فعرفت به، ثم تزوجها زيد بن حارثة، مولى رسول الله، فولدت أسامة بن زيد، وقد هاجرت الهجرتين الى الحبشة والمدينة وكانت من الصالحات، وكان ﵇ يزورها في بيتها ويقول: هي أمى بعد أمى، وكذلك كان أبو بكر وعمر يزورانها في بيتها، كما تقدم ذلك في ذكر الموالي وقد توفيت بعده ﵇ بخمسة أشهر وقيل بستة أشهر. ومنهم ثابت بن أقرم بن ثعلبة ابن عدي بن العجلان البلوى حليف الأنصار شهد بدرا وما بعدها، وكان ممن حضر مؤتة، فلما قتل عبد الله بن رواحة دفعت الراية إليه فسلمها لخالد بن الوليد، وقال: أنت أعلم بالقتال منى، وقد تقدم أن طليحة الأسدي قتله وقتل معه عكاشة بن محصن وذلك حين يقول طليحة: عشية غادرت ابن أقرم ثاويا … وعكاشة الغنمي تحت مجال وذلك في سنة إحدى عشرة، وقيل سنة ثنتى عشرة، وعن عروة أنه قتل في حياة النبي ﷺ وهذا غريب، والصحيح الأول والله أعلم * ومنهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي أبو محمد خطيب الأنصار ويقال له أيضا خطيب النبي ﷺ وقد ثبت عنه ﵇ أنه بشره بالشهادة، وقد تقدم الحديث في دلائل النبوة، فقتل يوم اليمامة شهيدا، وكانت راية الأنصار يومئذ بيده * وروى الترمذي بإسناد على شرط مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله

стр. 2103

قال: نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، وقال أبو القاسم الطبراني: ثنا أحمد بن المعلى الدمشقيّ: ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة فسألت عمن يحدثني بحديث ثابت بن قيس بن شماس، فأرشدونى إلى ابنته، فسألتها فقالت: سمعت أبى يقول: لما أنزل على رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ اشتدت على ثابت وغلق عليه بابه، وطفق يبكى فأخبر رسول الله فسأله فأخبره بما كبر عليه منها، وقال: أنا رجل أحب الجمال، وأنا أسود قومي، فقال: إنك لست منهم، بل تعيش بخير وتموت بخير، ويدخلك الله الجنة، فلما أنزل على رسول الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ فعل مثل ذلك فأخبر النبي ﷺ فأرسل إليه فأخبره بما كبر عليه منها، وأنه جهير الصوت، وأنه يتخوف أن يكون ممن حبط عمله، فقال: إنك لست منهم، بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا ويدخلك الله الجنة، فلما استنفر أبو بكر المسلمين إلى أهل الردة واليمامة ومسيلمة الكذاب، سار ثابت فيمن سار، فلما لقوا مسيلمة وبنى حنيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات، فقال ثابت وسالم مولى أبى حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ فجعلا لأنفسهما حفرة فدخلا فيها فقاتلا حتى قتلا، قالت: ورأى رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال: إني لما قتلت بالأمس مر بي رجل من المسلمين فانتزع منى درعا نفيسة ومنزله في أقصى العسكر وعند منزله فرس بتن في طوله، وقد أكفأ على الدرع برمة، وجعل فوق البرمة رحلا، وائت خالد بن الوليد فليبعث إلى درعي فليأخذها، فإذا قدمت على خليفة رسول الله فأعلمه أن على من الدين كذا ولي من المال كذا وفلان من رقيقي عتيق، وإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، قال: فأتى خالدا فوجه إلى الدرع فوجدها كما ذكر، وقدم على أبى بكر فأخبره فأنفذ أبو بكر وصيته بعد موته فلا نعلم أحدا جازت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس * ولهذا الحديث وهذه القصة شواهد أخر، والحديث المتعلق بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ،﴾ في صحيح مسلم عن أنس * وقال حماد بن سلمة: عن ثابت عن أنس أن ثابت بن قيس بن شماس، جاء يوم اليمامة وقد تحنط ونشر أكفانه وقال: اللهمّ إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، فقتل وكانت له درع فسرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال: إن درعي في قدر تحت الكانون في مكان كذا وكذا وأوصاه بوصايا، فطلبوا الدرع فوجدوها وأنفذوا الوصايا، رواه الطبراني أيضا * ومنهم حزن بن أبى وهب ابن عمرو بن عامر بن عمران المخزومي، له هجرة ويقال: أسلم عام الفتح، وهو جد سعيد بن المسيب أراد رسول الله ﷺ أن يسميه سهلا فامتنع وقال: لا أغير اسما سمانيه أبواي، فلم تزل الحزونة فينا.

стр. 2104

استشهد يوم اليمامة وقتل معه أيضا ابناه عبد الرحمن ووهب، وابن ابنه حكيم بن وهب بن حزن. وممن استشهد في هذه السنة داذويه الفارسي أحد أمراء اليمن الذين قتلوا الأسود العنسيّ، قتله غيلة قيس بن مكشوح حين ارتد قبل أن يرجع قيس إلى الإسلام فلما عنفه الصديق على قتله أنكر ذلك فقبل علانيته وإسلامه. ومنهم زيد بن الخطاب ابن نفيل القرشي العدوي أبو محمد، وهو أخو عمر بن الخطاب لأبيه، وكان زيد أكبر من عمر، أسلم قديما، وشهد بدرا، وما بعدها وقد آخى رسول الله ﷺ بينه وبين معن بن عدي الأنصاري وقد قتلا جميعا باليمامة، وقد كانت راية المهاجرين يومئذ بيده، فلم يزل يتقدم بها حتى قتل فسقطت، فأخذها سالم مولى أبى حذيفة، وقد قتل زيد يومئذ الرجال بن عنفوة، واسمه نهار، وكان الرجال هذا قد أسلم وقرأ البقرة ثم ارتد ورجع فصدق مسيلمة وشهد له بالرسالة، فحصل به فتنة عظيمة، فكانت وفاته على يد زيد رضى الله عن زيد. ثم قتل زيدا رجل يقال له أبو مريم الحنفي، وقد أسلم بعد ذلك وقال لعمر: يا أمير المؤمنين إن الله أكرم زيدا بيدي ولم يهنى على يده، وقيل: إنما قتله سلمة بن صبيح ابن عم أبى مريم هذا، ورجحه أبو عمر وقال: لأن عمر استقضى أبا مريم، وهذا لا يدل على نفى ما تقدم والله أعلم * وقد قال عمر لما بلغه مقتل زيد بن الخطاب: سبقني إلى الحسنيين أسلم قبلي، واستشهد قبلي، وقال لمتمم بن نويرة حين جعل يرثى أخاه مالكا بتلك الأبيات المتقدم ذكرها: لو كنت أحسن الشعر لقلت كما قلت، فقال له متمم: لو أن أخى ذهب على ما ذهب عليه أخوك ما حزنت عليه، فقال له عمر: ما عزانى أحد بمثل ما عزيتنى به، ومع هذا كان عمر يقول ما هبت الصبا إلا ذكرتني زيد بن الخطاب، ﵁. ومنهم سالم بن عبيد ويقال: ابن يعمل مولى أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وإنما كان معتقا لزوجته ثبيتة بنت يعاد وقد تبناه أبو حنيفة وزوجه بابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة، فلما أنزل الله ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ جاءت امرأة أبى حذيفة سهلة بنت سهل بن عمرو فقالت: يا رسول الله إن سالما يدخل على وأنا غفل، فأمرها أن ترضعه فأرضعته فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وكان من سادات المسلمين، أسلم قديما وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله ﷺ ، فكان يصلّى بمن بها من المهاجرين، وفيهم عمر بن الخطاب لكثرة حفظه القرآن، وشهد بدرا وما بعدها وهو أحد الأربعة الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : استقرءوا القرآن من أربعة، فذكر منهم سالما مولى أبى حذيفة، وروى عن عمر أنه قال: لما احتضر لو كان سالم حيا لما جعلتها شورى، قال أبو عمر بن عبد البر: معناه أنه كان يصدر عن رأيه فيمن

стр. 2105

يوليه الخلافة. ولما أخذ الراية يوم اليمامة بعد مقتل زيد بن الخطاب قال له المهاجرون: أتخشى أن نؤتى من قبلك؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا. انقطعت يده اليمنى فأخذها بيساره، فقطعت فاحتضنها وهو يقول ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ فلما صرع قال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ قالوا: قتل، قال: فما فعل فلان؟ قالوا: قتل، قال: فأضجعونى بينهما. وقد بعث عمر بميراثه إلى مولاته التي أعتقته «بثينة» فردته وقالت: إنما أعتقته سائبة، فجعله عمر في بيت المال. ومنهم أبو دجانة سماك بن خرشة ويقال سماك بن أوس بن خرشة بن لوذان بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، شهد بدرا وأبلى يوم أحد، وقاتل شديدا وأعطاه رسول الله ﷺ يومئذ سيفا فأعطاه حقه وكان يتبختر عند الحرب، فقال ﵇: إن هذه لمشية يبغضها الله، إلا في هذا الموطن. وكان يعصب رأسه بعصابة حمراء، شعارا له بالشجاعة. وشهد اليمامة ويقال إنه ممن اقتحم على بنى حنيفة يومئذ الحديقة فانكسرت رجله، فلم يزل يقاتل حتى قتل يومئذ. وقد قتل مسيلمة مع وحشي بن حرب رماه وحشي بالحربة وعلاه أبو دجانة بالسيف، قال وحشي: فربك أعلم أينا قتله. وقد قيل إنه عاش حتى شهد صفين مع على، والأول أصح. وأما ما يروى عنه من ذكر الحرز المنسوب إلى أبى دجانة فأسناده ضعيف ولا يلتفت إليه والله أعلم. ومنهم شجاع بن وهب ابن ربيعة الأسدي، حليف بنى عبد شمس، أسلم قديما وهاجر وشهد بدرا وما بعدها. وكان رسول رسول الله إلى الحارث بن أبى شمر الغساني فلم يسلّم، وأسلم حاجبه سوى. واستشهد شجاع بن وهب يوم اليمامة عن بضع وأربعين سنة، وكان رجلا طوالا نحيفا أحنى. ومنهم الطفيل بن عمرو بن طريف ابن العاص بن ثعلبة بن سليم بن [فهر بن] غنم بن دوس الدوسيّ، أسلم قديما قبل الهجرة، وذهب إلى قومه فدعاهم إلى الله فهداهم الله على يديه، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة جاءه بتسعين أهل بيت من دوس مسلمين، وقد خرج عام اليمامة مع المسلمين ومعه ابنه عمرو، فرأى الطفيل في المنام كأن رأسه قد حلق، وكأن امرأة أدخلته في فرجها، وكأن ابنه يجتهد أن يلحقه فلم يصل. فأولها بأنه سيقتل ويدفن، وأن ابنه يحرص على الشهادة فلا ينالها عامه ذلك. وقد وقع الأمر كما أولها، ثم قتل ابنه شهيدا يوم اليرموك كما سيأتي. ومنهم عباد بن بشر بن وقش الأنصاري أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل الهجرة قبل إسلام معاذ، وأسيد بن الحضير، وشهد بدرا
следующие страницы →